Полный текст (6 440 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.
стр. 4306
المجموعة الخامسة ٣٤/ ٤٦ - ٥٤
كلمة في السياق: [صلة المقاطع الثلاثة ببعضها البعض وموضوعها الرئيسي]
رأينا أنّ السورة تتألف من مقدمة، وثلاثة مقاطع، وأن كل مقطع من المقاطع الثلاثة مبدوء بقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا.*
بدأ المقطع الأول بقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ...
فإنكار الكافرين هاهنا منصبّ على اليوم الآخر.
وبدأ المقطع الثاني بقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ والإنكار هاهنا منصب على اليوم الآخر، مع الاستهزاء بشخص رسول الله ﷺ .
стр. 4307
وبدأ المقطع الثالث بقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ فالإنكار فيه منصب على القرآن والوحي، وفيما بين إنكار الآخرة، وإنكار الوحي، وإنكار الرّسالة، تداخل وتلازم، ومن ثمّ فإقامة الحجة في كل واحد منها إقامة حجة على الكلّ، ولذلك نرى أن في كل مقطع من المقاطع الثلاثة كلاما عن هذه الثلاثة، ولكن يبقى لكل مقطع سياقه الرئيسي مع ذلك، فلنر تفسير المقطع الثالث.
تفسير المجموعة الأولى من المقطع الثالث
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ممّا نزل قبل القرآن من كتب الله، وقد يكون المراد بالذي بين يديه ما سيأتي من أمر الآخرة، من قيامة وجنة ونار، ولم يذكر ابن كثير غير المعنى الثاني، وذكر الألوسي الوجهين، قال ابن كثير: (يخبر تعالى عن تمادي الكفار في طغيانهم وعنادهم، وإصرارهم على عدم الإيمان بالقرآن الكريم، وبما أخبر به من أمر المعاد) وعلى هذا فالمقطع الثالث أخبر عن إنكارهم اليوم الآخر من خلال إنكارهم للقرآن. قال النسفي في الآية:
(والمعنى: إنهم جحدوا أن يكون القرآن من عند الله، وأن يكون لما دلّ عليه من الإعادة للجزاء حقيقة) ولما كانت الحجج في المقطعين السابقين كافية، فإنّ نوعا آخر من الردّ يأتي هاهنا، ويبدأ الردّ بعرض مشهد من مشاهد يوم القيامة، يذكر فيه موقفهم الذليل يوم القيامة، إذ يتخاصمون ويتجادلون، قال تعالى: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي: محبوسون يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ في الجدال، أي: يرد بعضهم على بعض القول في الجدال. قال النسفي: (أخبر عن عاقبة أمرهم ومآلهم في الآخرة فقال لرسول الله ﷺ أو للمخاطب: ولو ترى في الآخرة موقفهم وهم يتجاذبون أطراف المحاورة، ويتراجعونها بينهم لرأيت العجب) يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أي: الأتباع لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا منهم وهم قادتهم وسادتهم لَوْلا أَنْتُمْ أي: تصدوننا عن سبيل الله، وتدعوننا إلى الكفر لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ بالله ورسله وما جاءوا به
قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا من القادة والسادة لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أي: للأتباع أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ أنكروا أن يكونوا هم الصادّين لهم عن الإيمان، وأثبتوا أنّهم هم الذين صدّوا بأنفسهم عنه، وأنّهم أتوا من قبل اختيارهم. قال ابن كثير: (أي: نحن ما فعلنا بكم أكثر من
стр. 4308
أنّا دعوناكم فاتّبعتمونا من غير دليل ولا برهان، وخالفتم الادلّة والبراهين والحجج التي جاءت بها الرسل لشهوتكم واختياركم لذلك). بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ أي: بل كنتم كافرين باختياركم، وإيثاركم الضلال على الهدى، لا بقولنا وتسويلنا
وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي: بل كنتم تمكرون بنا ليلا ونهارا، وتغروننا وتمنوننا وتخبروننا أنا على هدى، وأنا على شئ، فإذا جميع ذلك باطل وكذب، أو بل مكركم في الليل والنهار هو الذي صدّنا عن سبيل الله، أو بل الليل والنهار مكرا بطول السلامة فيهما حتى ظننا أنكم على الحق إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً أي: نظراء وآلهة، وتقيموا لنا شبها وأشياء من المحال تضلوننا بها، والمعنى:
ما كان الإجرام من جهتنا، بل من جهة مكركم لنا دائما ليلا ونهارا، وحملكم إيانا على الشرك، واتخاذ الأنداد وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ أي الجحيم، فالجميع من السادة والأتباع كلّ ندم على ما سلف، يندم المستكبرون على ضلالهم وإضلالهم، ويندم المستضعفون على ضلالهم واتّباعهم المضلين، وكلمة أَسَرُّوا من كلمات الأضداد، فهي تفيد الإضمار والإظهار، والسياق هو الذي يحدّد المعنى، وهاهنا تحتمل المعنيين، والراجح الإضمار، وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا قال ابن كثير:
(وهي السلاسل التي تجمع أيديهم مع أعناقهم) هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي إنما نجازيهم بأعمالهم كل بحسبه، للقادة عذاب بحسبهم، وللأتباع بحسبهم.
...
عرضت هذه المجموعة حال المنكرين سادة وأتباعا يوم القيامة، مبيّنة أنّهم سيندمون على مواقفهم، وسيتعاتبون، وقد دلّتنا الآيات على أنّ قادة الكفر ورؤساءه يمكرون ليلا ونهارا لصدّ الناس عن سبيل الله.
...
فائدة: [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا]
بمناسبة قوله تعالى: وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا قال ابن كثير:
(روى ابن أبي حاتم ... عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن جهنم لمّا سيق إليها أهلها تلقاهم لهبها، ثم لفحتهم لفحة فلم يبق لحم إلا سقط
стр. 4309
على العرقوب» وروى أيضا عن الحسن بن يحيى الخشني قال: ما في جهنم دار ولا مغار، ولا غل ولا قيد ولا سلسلة، إلا اسم صاحبه عليها مكتوب قال: فحدثته أبا سليمان- يعني الداراني رحمة الله عليه- فبكى، ثم قال: ويحك فكيف به لو جمع هذا كله عليه، فجعل القيد في رجليه، والغل في يديه، والسلسلة في عنقه، ثم أدخل النار، وأدخل المغار؟ اللهم سلّم).
***
стр. 4310
تفسير المجموعة الثانية من المقطع الثالث
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ أي من نبي إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها أي متنعموها ورؤساؤها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ هذه تسلية للنبي ﷺ وبيان لواقع وهو أنه لم يرسل قط إلى أهل قرية رسول إلا قالوا له مثل ما قال كافرو هذه الأمة لرسولها، وقد دلّت هذه الآية على أن المترفين هم الذين يحملون كبر الصدّ عن سبيل الله، كما دلّت على أن ردّ دعوة الرسل، ورفض الإيمان باليوم الآخر، سببه الترف والبطر، وليس سببه شبهة أو حجة، فبدلا من أن تكون النعمة عند هؤلاء سبب شكر، كانت سببا للكفر، وقد عرّف ابن كثير المترفين بقوله: هم أولو النّعمة والحشمة، والثروة والرئاسة. وقال قتادة: هم جبابرتهم وقادتهم، ورءوسهم في الشر.
ثم قال تعالى إخبارا عن المترفين المكذبين وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً أي من المؤمنين وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ أرادوا أنهم أكرم على الله من أن يعذبهم، نظرا إلى أحوالهم في الدنيا، وظنوا أنهم لو لم يكرموا على الله لما رزقهم الله، ولولا أن المؤمنين هانوا عليه لما حرمهم، قال ابن كثير: (افتخروا بكثرة الأموال والأولاد، واعتقدوا أن ذلك دليل على محبة الله تعالى لهم، واعتنائه بهم، وأنه ما كان ليعطيهم هذا في الدنيا ثم يعذبهم في الآخرة، وهيهات لهم ذلك).
وقد أبطل الله ظنهم بأن بيّن أنّ الرزق فضل من الله، يقسمه كيف يشاء، فربّما وسّع على العاصي استدراجا، وضيّق على المطيع امتحانا، وابتلاء، وربما وسّع على المطيع استخراجا لشكره، وضيّق على العاصي استرجاعا له عما هو فيه، وربّما وسّع عليهما أو ضيق عليهما لحكمة، فلا يقاس عليه أمر الثواب في الآخرة، وذلك قوله تعالى: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ أي يوسّعه لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ أي ويضيق، قال ابن كثير:
(أي يعطي المال لمن يحب ومن لا يحب، فيفقر من يشاء، ويغني من يشاء، وله الحكمة التامّة البالغة، والحجة القاطعة الدامغة) وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ذلك فيظنون التقتير علامة سخط، ويظنون البسط علامة محبة، وليس الأمر كذلك، ومن ثمّ قال تعالى:
وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى أي قربة قال ابن كثير: (أي ليست هذه دليلا على محبتنا لكم، ولا اعتنائنا بكم) إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً أي إنّما يقربكم عندنا زلفى الإيمان والعمل الصالح.
قال النسفي: (يعني أن الأموال لا تقرّب أحدا إلا المؤمن الصالح، الذي ينفقها في سبيل الله، والأولاد لا تقرّب أحدا إلّا من علّمهم الخير، وفقّههم في الدين،
стр. 4311
ورشّحهم للصلاح والطاعة) فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا أي بأعمالهم، ومعنى جزاء الضعف: أن تضاعف لهم حسناتهم، الواحدة عشرا إلى سبعمائة ضعف. قال ابن كثير: أي تضاعف لهم الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ من كل بأس وخوف وأذى، ومن كل شر يحذر منه
وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا أي في إبطالها، فهم يسعون في الصدّ عن سبيل الله، واتباع رسله، وعن التصديق بآياته مُعاجِزِينَ أي مسابقين لنا، ظانّين أن يسبقونا فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ أي جميعهم مجزيّون بأعمالهم فيها بحسبهم،
ثم كرر تعالى موضوع بسطه الرزق، وتقديره بمشيئته؛ ليؤكّد الرد، ويقطع دابر الشبهة قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ بحسب ما له في ذلك من الحكمة، يبسط على هذا من المال كثيرا، ويضيّق على هذا، ويقتّر على هذا رزقه جدا، وله في ذلك من الحكمة ما لا يدركها غيره وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ أي فهو يعوّضه قال ابن كثير: أي مهما أنفقتم من شئ فيما أمركم به، وأباحه لكم، فهو يخلفه عليكم في الدنيا بالبدل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ أي
المطعمين لأنّ كلّ ما رزق غيره من سلطان أو سيّد أو غيرهما فهو من رزق الله، أجراه على أيدي هؤلاء، وهو خالق الرزق، وخالق الأسباب التي بها ينتفع المرزوق بالرزق، وفي هذا دعوة للمؤمنين أن يتّكلوا في أمر الرزق عليه، وأن ينفقوا، كما أنّ في النص نفيا لشبهة الكافرين في أن التوسعة والتضييق علامتا الرضا والسّخط.
كلمة في السياق: [حول مضمون المجموعة وصلتها بالمحور]
عرّفتنا هذه المجموعة أن الكفر بالقرآن واليوم الآخر من أسبابه الترف، وأن من الأسباب التي تجعل الكافرين يرفضون الإيمان بالقرآن واليوم الآخر والرسل والوحي ربطهم بين ما هم فيه من نعم، وبين كرامتهم على الله، وهي فكرة خاطئة؛ فموضوع التقتير والتوسعة في الرزق مرتبط بسنن الله في أمر الدنيا، وهكذا نلاحظ أنّ السّورة تلاحق قضية الكفر باليوم الآخر مرّة بعد مرّة، وقد أفهمنا السياق في المجموعتين السابقتين أن النعمة في حق أناس هي التي سبّبت كفرهم بدلا من أن تكون سببا لشكرهم، ولنتذكر الآن صلة هذا كله بقوله تعالى من سورة البقرة كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فالكفر مستنكر وعجيب، مع نعمة الخلق والحياة، والتوسعة على الإنسان في الحياة.
стр. 4312
فوائد:
١ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم ... عن أبي رزين قال:
كان رجلان شريكان، خرج أحدهما إلى الساحل، وبقي الآخر، فلما بعث النبي ﷺ كتب إلى صاحبه يسأله ما فعل؛ فكتب إليه: أنه لم يتبعه أحد من قريش، إنّما اتّبعه أراذل الناس ومساكينهم، قال: فترك تجارته، ثم أتى صاحبه، فقال: دلني عليه- قال وكان يقرأ الكتب أو بعض الكتب- قال: فأتى النّبي ﷺ فقال: إلام تدعو؟ قال:
«أدعو إلى كذا كذا» قال أشهد أنّك رسول الله، قال ﷺ : «وما علمك بذلك؟» قال: إنّه لم يبعث نبي إلا اتّبعه أراذل الناس ومساكينهم، قال فنزلت هذه الآية وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ الآية، قال فأرسل إليه النبي ﷺ : «إنّ الله قد أنزل تصديق ما قلت» وهكذا قال هرقل لأبي سفيان حين سأله عن تلك المسائل، قال فيها: وسألتك أضعفاء الناس اتّبعه أم أشرافهم؟ فزعمت بل ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل).
٢ - [حديث بمناسبة آية وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد ... عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»).
٣ - [حديث بمناسبة آية وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ]
بمناسبة قوله تعالى: وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم ... عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة لغرفا، ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها» فقال أعرابي: لمن هي؟ قال ﷺ : «لمن طيّب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلّى بالليل والناس نيام»).
٤ - [حديث بمناسبة ذكر التقتير والتوسعة في المجموعة الثانية]
بمناسبة ذكر التقتير والتوسعة ذكر ابن كثير: الحديث الذي رواه الإمام مسلم: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنّعه الله بما آتاه».
٥ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ]
بمناسبة قوله تعالى: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ قال ابن كثير:
(كما ثبت في الحديث «يقول الله تعالى أنفق أنفق عليك» وفي الحديث أن ملكين
стр. 4313
يصبحان كل يوم يقول أحدهما: اللهم أعط ممسكا تلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط منفقا خلفا» وقال رسول الله ﷺ : «انفق بلالا، ولا تخش من ذي العرش إقلالا» وروى ابن أبي حاتم ... عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا إن بعد زمانكم هذا زمان عضوض، يعضّ الموسر على ما في يده؛ حذار الإنفاق» ثم تلا هذه الآية وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي ... عن حذيفة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا إن بعد زمانكم هذا زمان عضوض، يعضّ الموسر على ما في يده حذار الإنفاق» قال الله تعالى: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ وفي الحديث «شرار الناس يبايعون كل مضطر، ألا إن بيع المضطرين حرام، ألا إنّ بيع المضطرين حرام؛ المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه ولا يخذله، إن كان عندك معروف فعد به على أخيك وإلا فلا تزده هلاكا إلى هلاكه» قال ابن كثير: هذا حديث غريب من هذا الوجه وفيه ضعف ... وقال مجاهد: لا يتأوّلنّ أحدكم هذه الآية وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ إذا كان عند أحدكم ما يقيمه فليقصد فيه فإن الرزق مقسوم).
стр. 4314
تفسير المجموعة الثالثة من المقطع الثالث
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً المترفين والأتباع، والمتبوعين والمستضعفين والمستكبرين ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ أي أنتم أمرتم هؤلاء بعبادتكم، هذا خطاب للملائكة وتقريع للكفار
قالُوا أي الملائكة سُبْحانَكَ أي تنزيها لك أن يعبد معك غيرك أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ أي نحن عبيدك ونبرأ إليك من هؤلاء، والمعنى: أنت الذي نواليه من دونهم، إذ لا موالاة بيننا وبينهم، برهنوا بإثبات موالاة الله، ومعاداة الكفار على براءتهم من الرضا بعبادة الكافرين لهم، لأن من كان على هذه الصفة كانت حاله منافية لذلك بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَ قال ابن كثير: يعنون الشياطين، لأنهم هم الذين زيّنوا لهم عبادة الأوثان، وأضلّوهم أَكْثَرُهُمْ أي أكثر الإنس أو الكفار بِهِمْ أي بالجن مُؤْمِنُونَ أي يصدّقونهم فيما يوسوسون به
فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا أي لا يقع لكم نفع ممّن كنتم ترجون نفعه اليوم، من الأنداد والأوثان، التي ادخرتم عبادتها لشدائدكم وكربكم، فاليوم لا يملكون لكم نفعا ولا ضرا، لأن الدار دار ثواب وعقاب، والمثيب والمعاقب هو الله، فكانت حالها خلاف حال الدنيا، التي هي دار تكليف، والناس فيها مخلّى بينهم، يتضارّون ويتنافعون، والمراد أنّه لا ضارّ ولا نافع يومئذ إلا هو وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا بوضع العبادة في غير موضعها ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ في الدنيا، يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا.
كلمة في السياق: [من أسباب الكفر بالقرآن واليوم الآخر عبادة غير الله وطاعة الشياطين]
لاحظ قوله تعالى في أول المقطع وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ وقوله تعالى في آخر آية من هذه المجموعة وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ ... فالكلام كله في الظالمين الذين يرفضون الإيمان بالقرآن، واليوم الآخر، وقد بينت هذه المجموعة أنّ مظهر ظلمهم هو عبادة غير الله، وأن علّة ذلك طاعتهم وساوس الشياطين، وهكذا عرفنا من خلال السياق: أنّ من أسباب الكفر بالقرآن واليوم الآخر طاعة الكافرين، والترف، وعبادة غير الله، وطاعة الشياطين.
***
стр. 4315
تفسير المجموعة الرابعة من المقطع الثالث
حدثنا الله في بداية المقطع عن قول الكافرين وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وفي هذه المجموعة يحدّثنا الله عن أقوال للكافرين يقولونها إذا تليت عليهم آيات الكتاب
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا أي إذا قرئت عليهم آيات القرآن بَيِّناتٍ أي واضحات الإعجاز، واضحات المعاني قالُوا أي الكافرون ما هذا أي محمد ﷺ إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ قال ابن كثير: (يعنون أن دين آبائهم هو الحق، وأن ما جاءهم به الرسول- عندهم- باطل) وَقالُوا ما هذا أي القرآن إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً أي كذب مختلق على الله وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِ أي للقرآن، أو لأمر النبوة كله لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ أي سحر واضح، بتّوه على أنّه سحر، ثم بتّوه على أنّه بيّن ظاهر، وانتقالهم من قول إلى قول بمثل هذه السّرعة دليل على شدة إنكارهم، وعظيم غضبهم، والملاحظ أنهم في أقوالهم كلّها كانوا سابّين، منكرين، ولم يقدّموا حجة ولا دليلا على هذا الإنكار، سوى الرفض المجرّد، وهو عادة الكافرين قديما وحديثا، وقد ردّ الله عليهم أقوالهم بقوله
وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها أي ما أعطيناهم كتبا يدرسونها، فيها برهان على صحة ما هم فيه وآباؤهم وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ إلى أهل مكة، الذين هم نموذج على أصحاب هذا الكلام قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ أي ولا أرسلنا إليهم نذيرا ينذرهم بالعقاب إن لم يشركوا، فعلام يصرّون على الشرك، ومتابعة الآباء، ورفض الحق؟
ثمّ توعّدهم على تكذيبهم بأنه أهلك من كان أشد منهم قوة وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي من الأمم وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ أي وما بلغ أهل مكة عشر ما أوتي الأولون من طول الأعمار، وقوة الأجرام، وكثرة الأموال والأولاد فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ للمكذبين الأوّلين، فليحذروا من مثله، قال ابن كثير: أي فكيف كان عقابي ونكالي وانتصاري.
....
стр. 4316
كلمة في السياق: [حول صلة المجموعة بما قبلها ومضمونها وصلتها بالمحور، ومدى تشابه المجموعة الخامسة من المقطع الثاني بالمجموعة الخامسة من المقطع الثالث]
١ - ذكرنا من قبل أن بين الإيمان بالقرآن واليوم الآخر والرسول ﷺ تلازما، وأن الكفر بواحد من هذه الثلاثة كفر بالجميع، وأن الكفر بأي من هذه هو فرع الكفر بالله، وإدراكنا لهذا المعنى إدراك لصلة هذا المقطع بمحور السّورة كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
٢ - بدأ المقطع الثالث بقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ والملاحظ أن المجموعة التي مرّت معنا تحدّثت عما يقوله الكافرون في الرسول ﷺ والقرآن. وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ....
فالصلة واضحة بين المجموعة وبين سياق مقطعها.
٣ - وهكذا نجد أن مجموعات المقطع تعالج مواقف الكافرين، كما تعالج جذور هذه المواقف.
٤ - والآن تأتي المجموعة الخامسة، وهي المجموعة الأخيرة في المقطع الثالث، وهي تشبه المجموعة الأخيرة في المقطع الثاني، فكما أن المقطع الثاني انتهى بمجموعة أوامر موجّهة لرسول الله ﷺ بصيغة (قل)، فكذلك المجموعة الأخيرة من المقطع الثالث.
وإذ كانت هذه المجموعة هي خاتمة السّورة، فإن ما فيها هو القول الأخير في كل القضايا التي تعرّضت لها السّورة.
فلنر المجموعة الخامسة:
***
стр. 4317
تفسير المجموعة الخامسة من المقطع الثالث
قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أي آمركم بواحدة، أي بخصلة واحدة، وقد فسّرها الله بقوله: أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى أي إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق وتخلّصتم، وهي أن تقوموا لوجه الله خالصا، لا لحمية ولا عصبية، بل لطلب الحق اثنين اثنين، وفردا فردا ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا في أمر محمد ﷺ ، وما جاء به، والمراد بالقيام في الآية: القصد إلى الشئ، دون النهوض والانتصاب، والحكمة في تفرّقهم مثنى وفرادى أنّ الاجتماع مما يشوّش الخواطر، ويعمي البصائر، ويمنع من الرؤية، ويقل الإنصاف فيه، ويكثر الاعتساف، ويثور عجاج التعصّب، ولا يسمع فيه إلا نصرة المذهب، أما الاثنان فيتفكران، ويعرض كل واحد منهما محصول فكره على صاحبه، وينظران فيه نظر الصدق والإنصاف، حتى يؤديهما النظر الصحيح إلى الحق، وكذلك الفرد يتفكّر في نفسه بعدل ونصفة، ويعرض فكره على عقله، وهذه الآية أصل في موضوع الدعوة إلى الله؛ إذ تبين أهمية الدّعوة الفردية ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ أي ليس بمحمد ﷺ جنون، والمعنى:
ثم تتفكروا فتعلموا أنه ليس بمحمد ﷺ من جنون إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ وهو عذاب الآخرة.
نقل: [عن صاحب الظلال]
قال صاحب الظلال عند قوله تعالى: قُلْ: إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا. ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ. إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ:
(إنها دعوة إلى القيام لله. بعيدا عن الهوى. بعيدا عن المصلحة. بعيدا عن ملابسات الأرض. بعيدا عن الهواتف والدوافع التي تشتجر في القلب، فتبعد به عن الله. بعيدا عن التأثر بالتيارات السائدة في البيئة. والمؤثرات الشائعة في الجماعة.
دعوة إلى التعامل مع الواقع البسيط، لا مع القضايا والدعاوى الرائجة؛ ولا مع العبارات المطاطة، التي تبعد القلب والعقل عن مواجهة الحقيقة في بساطتها.
دعوة إلى منطق الفطرة الهادئ الصافي، بعيدا عن الضجيج والخلط واللبس؛ والرؤية المضطربة والغبش الذي يحجب صفاء الحقيقة.
стр. 4318
وهي في الوقت ذاته منهج في البحث عن الحقيقة. منهج بسيط يعتمد على التجرد من الرواسب والغواشي والمؤثرات. وعلى مراقبة الله وتقواه.
وهي «واحدة» .. إن تحققت صح المنهج واستقام الطريق. القيام لله ..
لا لغرض ولا لهوى ولا لمصلحة ولا لنتيجة .. التجرد .. الخلوص .. ثم التفكر والتدبر بلا مؤثر خارج عن الواقع الذي يواجهه القائمون لله المتجردون.
أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ. مَثْنى وَفُرادى .. مثنى ليراجع أحدهما الآخر، ويأخذ معه ويعطي في غير تأثر بعقلية الجماهير التي تتبع الانفعال الطارئ، ولا تتلبث لتتبع الحجة في هدوء .. وفرادى مع النفس وجها لوجه في تمحيص هادئ عميق.
ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا. ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ .. فما عرفتم عنه إلا العقل والتدبر والرزانة. وما يقول شيئا يدعو إلى التظنن بعقله ورشده .. إن هو إلا القول المحكم القوي المبين.
إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ .. ).
كلمة في السياق: [حول صلة المقطع الثاني بالمقطع الثالث، وقضية الأجرة على الدعوة إلى الله]
رأينا في المقطع الثاني قوله تعالى: أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ في معرض الرد على من قالوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ورأينا في المقطع الثالث قولهم ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ ... وهذا يفيد أنّ إنكار الآخرة، وإنكار القرآن، مرتبطان بموضوع الثقة بشخص رسول الله ﷺ ، فمن وثق آمن، ومن لم يثق كفر؛ ومن ثمّ جاءت هذه الآية آمرة بالتفكر الفردي، أو الثنائي في دعوة الرسول ﷺ ، وفي شخصه، فإن الإنسان المنصف لا بد واصل- من خلال التفكّر- إلى الإيمان، ولما كان موضوع الأجر- أيّا كان نوعه- قد يشكّل عقبة في موضوع الاستجابة إلى الله، جاء الأمر الثاني في المجموعة مذكّرا بأن محمدا ﷺ لا يطلب أي نوع من أنواع الأجر على دعوته من الخلق.
...
قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ أي ما سألتكم من أجر على إنذاري
стр. 4319
وتبليغي الرسالة فهو لكم، أي ليس لي فيه شئ، أي لا أريد منكم جعلا ولا عطاء على أداء رسالة الله إليكم، ونصحي إياكم، وأمركم بعبادة الله إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ أي إنما أطلب ثواب ذلك من عند الله وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ فيعلم أني لا أطلب الأجر على نصيحتكم ودعائكم إليه إلّا منه، ولما كان سبب الكفر الرئيسي هو الجهل بالله، والجهل بأنّ من شأن الله أن ينزل وحيا،
قال تعالى: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ القذف هو الإلقاء بدفع، ومعنى يَقْذِفُ بِالْحَقِّ: أي يلقيه وينزله على أنبيائه، أو يرمي به الباطل فيدمغه ويزهقه عَلَّامُ الْغُيُوبِ فهو وحده القادر على أن يبيّن الحق في كل شئ ويوضّحه، وإذا كان هذا شأن الله فلا عجب أن ينزل القرآن
قُلْ جاءَ الْحَقُّ أي الإسلام والقرآن وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ أي زال الباطل وهلك، لأن الإبداء والإعادة من صفات الحي، فعدمهما عبارة عن الهلاك، قال ابن كثير: أي جاء الحق من الله، والشرع العظيم، وذهب الباطل وزهق واضمحل، وهذا رد على ما قالوه في أوّل المقطع لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وإذ كان الإنسان بدون وحي الله لا بد ضال مهما كان من صفاء الفطرة،
فإن الله أمر رسوله ﷺ أن يقول قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ عن الحق فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي أي إن ضللت فمنّي وعليّ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي أي فبتسديده بالوحي إليّ أهتدي. قال النسفي: (وهذا حكم عام لكل مكلف، وإنما أمر الله رسوله ﷺ أن يسنده إلى نفسه لأن الرسول ﷺ إذا دخل تحته- مع جلالة محلّه وسداد طريقته- كان غيره أولى به) وهذا يفيد أن الإنسان بدون الوحي ضال مهما كان، فهذا محمد ﷺ أصفى الخلق فطرة، وأعظم الناس عقلا، أمره الله أن يقول ذلك؛ فهذا دليل على أنّه لا بدّ من الوحي، فكفر الكافرين بالقرآن خبال، وهو فرع الكفر بالله، إذ لو عرفوا الله حق معرفته لأيقنوا بأنه سيوحي وسيهدي إِنَّهُ سَمِيعٌ لأقوال عباده، أو سميع لما أقوله لكم قَرِيبٌ مني ومنكم، يجازيني ويجازيكم، فلو كنت مدّعيا عليه لعاقبني.
...
كلمة في السياق:
١ - رأينا أن المقطع قد ابتدئ بقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ
стр. 4320
بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ورأينا أنه قد جاء بعد ذلك مباشرة قوله تعالى:
وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ... وقد رأينا في المجموعة الأخيرة ردودا على الكافرين في شأن الرسول ﷺ والقرآن، والآن تأتي آيات مصدرة بقوله تعالى: وَلَوْ تَرى ... ففي أول آية في المقطع جاءت وَلَوْ تَرى وهاهنا تأتي كذلك؛ مما يدل دلالة واضحة على صلة المجموعة الأخيرة ببداية المقطع.
٢ - لقد أعلن الكافرون كفرهم بالقرآن، وبما بين يديه من أمور الآخرة، وقد عرض الله على رسوله ﷺ ما سيجدونه أمامهم في بداية المقطع، وخواتيمه وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ ... وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ ... وفيما بين ذلك كان تصحيح وإقامة حجة، كما رأينا، فلنر الآيات الأخيرة.
...
وَلَوْ تَرى يا محمد إِذْ فَزِعُوا عند البعث فَلا فَوْتَ أي فلا مهرب ولا مفرّ لهم ولا وزر ولا ملجأ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ أي من الموقف إلى النار، وليس في ذلك من بعد
وَقالُوا حين عاينوا العذاب آمَنَّا بِهِ أي بالرسول ﷺ أو باليوم الآخر، أو بالله أو بالقرآن وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ أي التناول مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ أي كيف يتناولون التوبة وقد بعدت عنهم، يريد أن التوبة كانت تقبل منهم في الدنيا، وقد ذهبت الدنيا، وبعدت عن الآخرة، قال ابن كثير: (أي وكيف لهم تعاطي الإيمان، وقد بعدوا عن محل قبوله منهم، وصاروا إلى الدار الآخرة، وهي دار الجزاء، لا دار الابتلاء، فلو كانوا آمنوا في الدنيا، لكان ذلك نافعهم، ولكن بعد مصيرهم إلى الآخرة، لا سبيل لهم إلى قبول الإيمان، كما لا سبيل إلى حصول الشئ لمن يتناوله من بعيد)
وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ أي بالحق أو بالرسول أو باليوم الآخر مِنْ قَبْلُ أي في الدنيا قال ابن كثير:
(أي كيف يحصل لهم الإيمان في الآخرة وقد كفروا بالحق في الدنيا وكذّبوا الرّسل) وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ أي وكانوا يتكلمون بالغيب، أو بالشئ الغائب قذفا وسبّا، أو رميا وإلقاء، نافين وجوده قائلين: لا بعث ولا حساب، ولا جنة ولا نار مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ عن الصدق، أو عن الحق والصواب، وقال قتادة ومجاهد في الآية: يرجمون بالظنّ لا بعث ولا جنة ولا نار
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ من هذه الدنيا من مال وزهرة وأهل، ومن الآخرة وما فيها، فمنعوا منه قال النسفي:
стр. 4321
(وحجز بينهم وبين ما يشتهون من نفع الإيمان يومئذ والنجاة به من النار، والفوز بالجنة) كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ أي بأشباههم في الكفر مِنْ قَبْلُ أي من قبلهم، دلّ ذلك على أن كفار الأمم السابقة على بعثة رسولنا ﷺ تدخل النار قبل كفار هذه الأمة إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ من أمر الرسل والبعث مُرِيبٍ أي موقع في الريبة قال ابن كثير: (أي كانوا في الدنيا في شك وريبة، فلهذا لم يتقبل منهم الإيمان عند معاينة العذاب، قال قتادة: إيّاكم والشك والريبة؛ فإن من مات على شك بعث عليه، ومن مات على يقين بعث عليه) وقال النسفي: هذا ردّ على من زعم أن الله لا يعذب على الشك.
...
كلمة في المقطع الثالث وسياقه:
رأينا أن المقطع فيه خمس مجموعات، والمجموعات الخمس عالجت موضوع الكفر بالقرآن، وباليوم الآخر، تارة من خلال عرض مشاهد من مشاهد يوم القيامة، وتارة من خلال الردّ المباشر على فكرة خاطئة، وتارة من خلال الدلالة على طريق الهداية، وتارة من خلال البيان للواقع، وقد مرّ معنا صلة المجموعات ببعضها، وبالسورة، ولا يغيب عن المتأمل صلتها بمحور السورة، وسنرى في الكلمة الختامية عن السورة مزيد تفصيل. فلنر الآن بعض ال فوائد المتعلقة بالمجموعة الأخيرة.
..
فوائد:
١ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ]
بمناسبة قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ ذكر ابن كثير رواية عن البخاري بسنده إلى ابن عباس: (عن ابن عباس ﵄ أنه قال: صعد النبي ﷺ الصفا ذات يوم، فقال: «يا صباحاه» فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: ما لك؟ فقال: «أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبحكم أو يمسيكم أما كنتم تصدقوني» قالوا: بلى! قال ﷺ : «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» فقال أبو لهب تبّا لك ألهذا جمعتنا، فأنزل الله تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ وقد تقدم عند قوله تعالى وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: خرج إلينا رسول الله ﷺ يوما فنادى
стр. 4322
ثلاث مرات فقال: «أيها الناس أتدرون ما مثلي ومثلكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال ﷺ : «إن مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوا يأتيهم، فبعثوا رجلا يتراءى لهم، فبينما هو كذلك أبصر العدو فأقبل لينذرهم، وخشي أن يدركه العدو، قبل أن ينذر قومه فأهوى بثوبه، أيها الناس أتيتم، أيها الناس أتيتم» ثلاث مرات، وبهذا الإسناد قال: قال رسول الله ﵌: «بعثت أنا والساعة جميعا إن كادت لتسبقني» تفرّد به الإمام أحمد في مسنده.
٢ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ]
وبمناسبة قوله تعالى: قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ قال ابن كثير: (أي جاء الحق من الله، والشرع العظيم، وذهب الباطل زهق واضمحل كقوله تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ [الأنبياء: ١٨] ولهذا لما دخل رسول الله ﷺ المسجد الحرام يوم الفتح ووجد تلك الأصنام منصوبة حول الكعبة، جعل يطعن الصنم منها بسية قوسه ويقرأ وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، أي لم يبق للباطل مقالة ولا رئاسة ولا كلمة).
٣ - [نظرة للواقع الذي نعيشه، وإعجاز القرآن الكريم في تصوير الواقع]
إنّ الدعوات الإلحادية في عصرنا قد عمّت وطمّت، وقد ظهر الفكر المادي بأفظع صور الزخرفة والزيف، واستعمل لذلك من أساليب الغواية ووسائل الإعلام الكثير والكبير، وأصبح الإنسان يسمع ويقرأ ألفاظ الهزء والسخرية بالعقلية الغيبية، وبالغيوب التي تحدّث عنها الرّسل عليهم الصلاة والسلام، ولقد أصبح الآن من المعلوم بالبديهة أن عشرات الألوف من الأجهزة تسهر ليلا ونهارا لتحطّم الإسلام ولتنهيه.
إن من أدرك هذا الواقع، ثمّ قرأ قوله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ. إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ....
وقرأ قوله تعالى: وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ.
إن من عرف الواقع وتملّى مثل هذه النّصوص، فإنّه لا بدّ أن يحس بالإعجاز القرآني بشكل واضح، فالإحاطة، والبلاغة، ودقّة التصوير، وسلاسة التعبير، واجتماع ذلك كله يجعل الإحساس واضحا بمظاهر الإعجاز.
تأمل قوله تعالى: وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ.
стр. 4323
إنّها تفهم على أوجه متعدّدة: فهناك ناس يرجمون الغيب من مكان بعيد، فلا تصل إليه قذائفهم؛ لأن الغيب محفوظ، وهم أحقر من أن يصلوا إليه بأذى، فهؤلاء يدخلون في الصورة التي تحدّثت عنها الآية، وإنّك لتراهم في كل مكان.
وهناك ناس يحاولون أن يمسكوا بالغيوب كلها- في زعمهم- ليرموها إلى آخر درك يستطيعونه ليتخلصوا منها، وهيهات لهم ذلك، أمثال هؤلاء يدخلون في الصورة، وإنك لتجدهم في كل مكان.
فإن تجد النص على مثل هذا الاختصار، وعلى مثل هذا التصوير للواقع، وعلى مثل هذه البلاغة، ثمّ أن تجده في محلّه من السياق الجزئي والعام للقرآن، يؤدي دوره بمثل هذا الانسجام الرفيع، وهذه السلاسة العذبة، إنّ ذلك لشئ يدل على أن هذا القرآن من عند الله، فالحمد لله على نعمة الإيمان.
كلمة أخيرة في سورة سبأ:
رأينا أن سورة سبأ تألفت من مقدمة وثلاثة مقاطع.
المقدمة تحدّثت عن استحقاق الله للحمد في الدنيا والآخرة، والمقطع الأول ردّ- بشكل مباشر- على كفر الكافرين بالساعة، والمقطع الثاني ردّ على كفر الكافرين بالساعة من خلال الردّ عن شخصية رسول الله ﷺ ، والمقطع الثالث ردّ على كفر الكافرين بالساعة من خلال الردّ عن القرآن الكريم.
بدأ المقطع الأول بقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ.
وبدأ المقطع الثاني بقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ.
وبدأ المقطع الثالث بقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ.
فأنت ترى أن الكلام عن اليوم الآخر ورد في بداية المقاطع الثلاثة، إما بشكل متفرد، وإما في معرض الكفر بالرّسول أو بالقرآن؛ فدل ذلك على ارتباط موضوع اليوم الآخر بموضوع الرسالة والقرآن، وفي كل ذلك رأينا ارتباط هذه الأمور بموضوع الإيمان بالله، ومن ثمّ ندرك صلة السورة بمحورها: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ
стр. 4324
أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
...
وإذ كان محور السورة هو هذه الآية، فالسورة حدثتنا عن استحقاق الله للحمد، كما حدّثتنا عن طريق الحمد وعاقبته، كما حدّثتنا عن الكفر ونماذجه وعاقبة أهله من خلال الدعوة إلى الإيمان بالآخرة، الذي هو الشرط الرئيسي للشكر، ومن خلال الإيمان بالقرآن، الذي هو الدليل على طريق الشكر، ومن خلال الإيمان بالرسول ﷺ الذي هو القدوة في الشكر، والذي أنزل عليه القرآن الكريم للإنذار والتبشير باليوم الآخر.
...
وهاهنا نحب أن ننبه على فكرة حول موضوع السورة القرآنية ومحورها.
إنّ محاور السور في سياقها، وفي موضعها تؤدي دورها بشكل كامل، وهي في الوقت نفسه مفصّلة تفصيلا كاملا، ثمّ تأتي السور فتفصّل هذه المحاور تفصيلا بعد تفصيل، خذ مثلا قوله تعالى في سورة البقرة:
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
لقد أدت الآيتان دورهما الكامل في الإنكار على الكفر والتعجيب منه، وفي إقامة الحجة على أهله بشكل واضح، وبيّن ومفصّل.
فعند ما تأتي سورة الأنعام تفصّل في هذا المحور، أو تأتي سورة سبأ وفاطر، فتفصلان في هذا المحور، فإنّ معاني جديدة سترد، هي من ناحية تفصيل للمحور، وهي من ناحية أخري تؤدي أدوارا، وتكمّل بناء، فآيتا سورة البقرة ذكرتا الرجوع إلى الله كمسلّمة، ولكن هذه المسلّمة ليست مسلّمة في منطق الكافرين، ومن ثمّ فعند ما تأتي سورة سبأ تجدها تقيم الدليل على هذه المسلّمة، وتذكر موقف الكافرين منها، وتردّ عليهم بأساليب وطرق شتى، فليست سورة سبأ- بالنسبة لمحور السورة إذن- تفصيلا حرفيا، بل الأمر أوسع من ذلك وأبعد؛ فالسورة تفتح آفاقا جديدة،
стр. 4325
وتذكر أشياء جديدة، وتبيّن معاني جديدة، ولكنها كلها تصبّ في خدمة محور السورة على طريقة في التفصيل ليست معهودة للبشر.
...
إنك عند ما تقرأ سورة سبأ مثلا تجد فيها أن الرجوع إلى الله مسلّمة وبديهية، وتجد أن الشكر لله مسلّمة وبديهية، وتجد أن كفران نعم الله مستنكر ومتعجب منه، كل هذا تخرج منه من خلال قراءتك للسورة، وكل هذه المعاني مستكنّة في محور السورة من سورة البقرة، ولكن هل تجد أي تشابه بين هذا التفصيل في السورة، وبين أي نوع من التفصيل للمعاني المجملة التي عرفها البشر، أو يمكن أن يفكّر فيها البشر، إن هذا وحده- لمن تأمّله وعقله كاف ليعرف الإنسان أن هذا القرآن لا يمكن أن يكون من بشر، بل هو من عند الله الحكيم الخبير، الغفور الرحيم.
...
إن سورة سبأ سلّطت الأضواء بشكل كامل على صلة الإيمان باليوم الآخر بموضوع شكر الله، كما سلّطت الأضواء على ارتباط الإيمان باليوم الآخر بموضوع الإيمان بالله، كما أرتنا صلة الإيمان بالله والرسول والقرآن بموضوع اليوم الآخر، فالسورة تحدثت عن هذه القضايا كلها وصلاتها ببعضها.
وقد رأينا في السورة كيف يعالج القرآن الكريم قضايا العقيدة، فليكن لنا في ذلك دروس.
...
إن طريقة القرآن في المعالجات والعرض طريقة معجزة، والمعاني التي يعرضها القرآن هي في بابها معجزة، فأنت عند ما ترى القرآن يحدّثك بأروع البيان عن حال الكافرين في الآخرة بما لا يمكن أن يخطر ببال بشر، ثم يكون بجانب هذا حديث عن أدق خلجات النفس البشرية ثم يكون بجانب هذا حديث عن كليات هذا الوجود، وجزئياته، ثمّ يكون هذا كله مرتبطا بمحور ضمن وحدة كلية للقرآن، فإذا لم يكن هذا كله معجزا فما هو المعجز؟.
***
стр. 4326
سورة فاطر
وهي السّورة الخامسة والثلاثون بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة السّابعة من المجموعة الأولى من قسم المثاني وآياتها خمس وأربعون آية وهي مكيّة
стр. 4327
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم
стр. 4328
كلمة في سورة فاطر ومحورها:
يلاحظ أن سورة فاطر تتألف من مقدمة هي:
الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
ثم يأتي نداء مبدوء ب يا أَيُّهَا النَّاسُ ... ويتكرر هذا النداء ثلاث مرات في السورة، فكأن السورة تتألف من مقدمة وثلاثة مقاطع، وكل مقطع مبدوء ب يا أَيُّهَا النَّاسُ ... ومن الآية الأولى في المقطع الأول:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ندرك أن محور السورة هو الآية الثانية من محور سورة الأنعام- كما ذكرنا من قبل- وهي قوله تعالى:
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
بل من مقدمة السورة ندرك هذا: الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ....
...
وكما أنّه بعد آية سورة البقرة المذكورة يوجد حديث عن الملائكة، وعن استخلاف الله للإنسان في الأرض وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فإننا نجد في مقدمة السورة ذكرا للملائكة: جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ كما أنّ السورة تذكر موضوع الاستخلاف هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ وهو المعنى الذي يرد في سورة الأنعام في قوله تعالى:
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ.
...
وكما قلنا من قبل فإن التلاحم بين سورتي سبأ وفاطر قائم؛ لأن الآيتين اللتين فصّلتا سورة الأنعام- وهما محورا سورتي سبأ وفاطر- مترابطتا المعنى، ولأن الآية هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً آتية في حيّز قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ
стр. 4329
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ... ومن ثمّ فظلال الآية الأولى موجود في سورة فاطر، وإذا كانت سورة الأنعام قد فصّلت في مضامين الآيتين، وإذا كانت سورة سبأ قد فصّلت وبيّنت استحقاق الله الشكر، فإن سورة فاطر فصّلت وحدّدت طريق الشكر العملي.
...
تتألف سورة فاطر من مقدمة هي آيتان، ومن مقطع أول هو آيتان، ومن مقطع ثان يمتد حتى نهاية الآية (١٤). ومن مقطع ثالث يمتد حتى نهاية السورة، أي حتى نهاية الآية (٤٥) وسنرى كيف أنّ الصلة بين المقاطع والمقدمة والسورة والمحور على كمالها وتمامها. ومعلوم أن آيتي سورة البقرة واردتان في سياق معرفة الله وعبادته التي هي الطريق إلى التقوى المشار إليها في أول سورة البقرة، ويظهر أثر هذا في سورة فاطر بشكل بارز.
...
نقل: قال الألوسي في تقديمه لسورة فاطر:
(وتسمى سورة الملائكة. وهي مكية كما روي عن ابن عباس وقتادة وغيرهما؛ وفي مجمع البيان قال الحسن: مكية إلا آيتين إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ الآية ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الآية. وآيها ست وأربعون في المدني الأخير والشامي، وخمس وأربعون في الباقين. والمناسبة- على ما في البحر- أنه لما ذكر في آخر السورة المتقدمة هلاك المشركين أعداء المؤمنين، وإنزالهم منازل العذاب، تعيّن على المؤمنين حمده وشكره كما في قوله تعالى: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وينضم إلى ذلك تواخي السورتين في الافتتاح بالحمد، وتقاربهما في المقدار وغير ذلك).
стр. 4330
مقدمة سورة فاطر وتتألف من آيتين وهاتان هما مع البسملة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٣٥/ ٢ - ١
التفسير:
الْحَمْدُ لِلَّهِ قال النّسفي: حمد ذاته تعليما وتعظيما فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي مبتدئهما ومبدعهما جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أي بينه وبين أنبيائه أُولِي أَجْنِحَةٍ أي ذوي أجنحة، والأجنحة جمع جناح مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ أي منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة. قال ابن كثير.
(ومنهم من له أكثر من ذلك كما جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ رأى جبريل ﵇ ليلة الإسراء وله ستمائة جناح بين كل جناحين كما بين
المشرق والمغرب ولهذا قال جل وعلا: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ قال السدي: يزيد في الأجنحة وخلقهم ما يشاء) وقال النسفي: (يزيد في خلق الأجنحة وغيره ما يشاء. وقيل هو الوجه الحسن، والصوت الحسن، والشعر الحسن، والحظ الحسن، والملاحة في العينين) والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق من طول قامة، واعتدال صورة، وتمام في الأعضاء، وقوة في البطش وحصافة في العقل، وجزالة في الرأي، وذلاقة في اللسان، ومحبة في قلوب المؤمنين، وما أشبه ذلك إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي قادر
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ أي من رزق، أو مطر، أو صحة، أو غير
стр. 4331
ذلك فَلا مُمْسِكَ لَها أي فلا أحد يقدر على إمساكها وحبسها وَما يُمْسِكْ أي يمنع ويحبس فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ أي فلا مطلق لها من بعد إمساكه وَهُوَ الْعَزِيزُ أي الغالب القادر على الإرسال والإمساك الْحَكِيمُ أي الذي يرسل ويمسك ما تقضي الحكمة إرساله وإمساكه. قال ابن كثير في الآية: (يخبر تعالى أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع).
نقل: [عن صاحب الظلال بمناسبة آية ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ .. (٢)]
قال صاحب الظلال في قوله تعالى: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها، وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ:
(في هذه الآية الثانية من السورة صورة من صور قدرة الله التي ختم بها الآية الأولى. وحين تستقر هذه الصورة في قلب بشري يتم فيه تحول كامل في تصوراته ومشاعره واتجاهاته وموازينه وقيمه في هذه الحياة جميعا.
إنها تقطعه عن شبهة كل قوة في السماوات والأرض وتصله بقوة الله. وتيأسه من مظنة كل رحمة في السماوات والأرض، وتصله برحمة الله. وتوصد أمامه كل باب في السماوات والأرض، وتفتح أمامه باب الله. وتغلق في وجهه كل طريق في السماوات والأرض، وتشرع له طريقه إلى الله.
ورحمة الله تتمثّل في مظاهر لا يحصيها العد؛ ويعجز الإنسان عن مجرد ملاحقتها وتسجيلها في ذات نفسه وتكوينه، وتكريمه بما كرمه؛ وفيما سخّر له من حوله ومن فوقه ومن تحته؛ وفيما أنعم به عليه مما يعلمه ومما لا يعلمه وهو كثير.
ورحمة الله تتمثل في الممنوع تمثلها في الممنوح. ويجدها من يفتحها الله له في كل شئ، وفي كل وضع، وفي كل حال، وفي كل مكان ... يجدها في نفسه، وفي مشاعره؛ ويجدها فيما حوله، وحيثما كان، وكيفما كان. ولو فقد كل شئ مما يعد الناس فقده هو الحرمان .. ويفتقدها من يمسكها الله عنه في كل شئ، وفي كل وضع، وفي كل حالة، وفي كل مكان. ولو وجد كل شئ مما يعده الناس علامة الوجدان والرضوان!
وما من نعمة- يمسك الله معها رحمته- حتى تنقلب هي بذاتها نقمة. وما من محنة- تحفّها رحمة الله- حتى تكون هي بذاتها نعمة .. ينام الإنسان على الشوك- مع
стр. 4332
رحمة الله- فإذا هو مهاد. وينام على الحرير- وقد أمسكت عنه- فإذا هو شوك القتاد. ويعالج أعسر الأمور- برحمة الله- فإذا هي هوادة ويسر. ويعالج أيسر الأمور- وقد تخلّت رحمة الله- فإذا هي مشقة وعسر. ويخوض بها المخاوف والأخطار فإذا هي أمن وسلام. ويعبر بدونها المناهج والمسالك فإذا هي مهلكة وبوار!
ولا ضيق مع رحمة الله. إنما الضيق في إمساكها دون سواه. لا ضيق ولو كان صاحبها في غياهب السجن. أو في جحيم العذاب أو في شعاب الهلاك. ولا وسعة مع إمساكها ولو تقلب الإنسان في أعطاف النعيم، وفي مراتع الرخاء. فمن داخل النفس- برحمة الله- تتفجر ينابيع السعادة والرضى والطمأنينة. ومن داخل النفس- مع إمساكها- تدب عقارب القلق والتعب والنصب والكد والمعاناة!
هذا الباب وحده يفتح وتغلق جميع الأبواب، وتوصد جميع النوافذ، وتسدّ جميع المسالك .. فلا عليك. فهو الفرج والفسحة واليسر والرخاء ... وهذا الباب وحده يغلق وتفتح جميع الأبواب فما هو بنافع. وهو الضيق والكرب والشدة والقلق والعناء! هذا الفيض يفتح، ثم يضيق الرزق. ويضيق السكن. ويضيق العيش، وتخشن الحياة ويشوك المضجع .. فلا عليك فهو الرخاء والراحة والطمأنينة والسعادة. وهذا الفيض يمسك. ثم يفيض الرزق ويقبل كل شئ. فلا جدوى. وإنما هو الضنك والحرج والشقاوة والبلاء!
المال والولد، والصحة والقوة، والجاه والسلطان .. تصبح مصادر قلق وتعب ونكد وجهد إذا أمسكت عنها رحمة الله. فإذا فتح الله أبواب رحمته كان فيها السكن والراحة والسعادة والاطمئنان.
يبسط الله الرزق- مع رحمته- فإذا هو متاع طيب ورخاء؛ وإذا هو رغد في الدنيا وزاد إلى الآخرة. ويمسك رحمته، فإذا هو مثار قلق وخوف، وإذا هو مثار حسد وبغض، وقد يكون معه الحرمان ببخل أو مرض، وقد يكون معه التلف بإفراط أو استهتار.
ويمنح الله الذرية- مع رحمته- فإذا هي زينة في الحياة ومصدر فرح واستمتاع، ومضاعفة للأجر في الآخرة بالخلف الصالح الذي يذكر الله. ويمسك رحمته فإذا الذرية بلاء ونكد وعنت وشقاء، وسهر بالليل وتعب بالنهار!
стр. 4333
ويهب الله الصحة والقوة- مع رحمته- فإذا هي نعمة وحياة طيبة، والتذاذ بالحياة. ويمسك نعمته فإذا الصحة والقوة بلاء يسلّطه الله على الصحيح القوي، فينفق الصحة والقوة فيما يحطم الجسم ويفسد الروح، ويدّخر السوء ليوم الحساب!
ويعطي الله السلطان والجاه- مع رحمته- فإذا هي أداة إصلاح، ومصدر أمن، ووسيلة لادخار الطيب الصالح من العمل والأثر. ويمسك الله رحمته فإذا الجاه والسلطان
مصدر قلق على قوتهما، ومصدر طغيان وبغي بهما، ومثار حقد وموجدة على صاحبهما لا يقر له معهما قرار ولا يستمتع بجاه ولا سلطان، ويدخر بهما للآخرة رصيدا ضخما من النار!
والعلم الغزير. والعمر الطويل. والمقام الطيب. كلها تتغيّر وتتبدّل من حال إلى حال .. مع الإمساك ومع الإرسال .. وقليل من المعرفة يثمر وينفع، وقليل من العمر يبارك الله فيه. وزهيد من المتاع يجعل الله فيه السعادة.
والجماعات كالآحاد. والأمم كالأفراد. في كل أمر وفي كل وضع، وفي كل حال .. ولا يصعب القياس على هذه الأمثال!
ومن رحمة الله أن تحسّ برحمة الله! فرحمة الله تضمك وتغمرك وتفيض عليك.
ولكن شعورك بوجودها هو الرحمة. ورجاؤك فيها وتطلعك إليها هو الرحمة. وثقتك بها وتوقعها في كل أمر هو الرحمة. والعذاب هو العذاب في احتجابك عنها أو يأسك منها أو شكك فيها. إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ.
ورحمة الله لا تعز على طالب في أي مكان ولا في أي حال. وجدها إبراهيم- ﵇ في النار. ووجدها يوسف- ﵇ في الجب كما وجدها في السجن. ووجدها يونس- ﵇ في بطن الحوت في ظلمات ثلاث.
ووجدها موسى- ﵇ في اليم وهو طفل مجرد من كل قوة ومن كل حراسة، كما وجدها في قصر فرعون وهو عدو له متربص به ويبحث عنه. ووجدها أصحاب الكهف في الكهف حين افتقدوها في القصور والدور. فقال بعضهم لبعض: فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ووجدها رسول الله- ﷺ ، وصاحبه في الغار والقوم يتعقبونهما ويقصون الآثار .. ووجدها كل من آوى إليها يأسا من كل ما سواها. منقطعا عن كل شبهة في قوة، وعن كل مظنة في رحمة، قاصدا باب الله
стр. 4334
وحده دون الأبواب.
ثم إنه متى فتح الله أبواب رحمته فلا ممسك لها. ومتى أمسكها فلا مرسل لها.
ومن ثمّ فلا مخافة من أحد. ولا رجاء في أحد. ولا مخافة من شئ، ولا رجاء في شئ. ولا خوف من فوت وسيلة، ولا رجاء مع الوسيلة. إنما هي مشيئة الله.
ما يفتح الله فلا ممسك. وما يمسك الله فلا مرسل. والأمر مباشرة إلى الله .. وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .. يقدر بلا معقب على الإرسال والإمساك. ويرسل ويمسك وفق حكمة تكمن وراء الإرسال والإمساك.
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها.
وما بين الناس ورحمة الله إلا أن يطلبوها مباشرة منه، بلا وساطة وبلا وسيلة إلا التوجه إليه في طاعة وفي رجاء وفي ثقة وفي استسلام.
وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ .. فلا رجاء في أحد من خلقه، ولا خوف لأحد من خلقه. فما أحد بمرسل من رحمة الله ما أمسكه الله.
أية طمأنينة؟ وأي قرار؟ وأي وضوح في التصورات والمشاعر والقيم والموازين تقره هذه الآية في الضمير.
آية واحدة ترسم للحياة صورة جديدة؛ وتنشئ في الشعور قيما لهذه الحياة ثابتة؛ وموازين لا تهتز ولا تتأرجح ولا تتأثر بالمؤثرات كلها. ذهبت أم جاءت. كبرت أم صغرت. جلّت أم هانت. كان مصدرها الناس أو الأحداث أو الأشياء!
صورة واحدة لو استقرت في قلب إنسان لصمد كالطود للأحداث والأشياء والأشخاص والقوى والقيم والاعتبارات. ولو تضافر عليها الإنس والجن. وهم لا يفتحون رحمة الله حين يمسكها، ولا يمسكونها حين يفتحها .. وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
فوائد:
١ - [حول قوله تعالى فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ومعنى كلمة (فاطر)]
بمناسبة قوله تعالى: فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ذكر ابن كثير رواية سفيان الثوري عن ابن عباس ﵄ قال: كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها أي
стр. 4335
بدأتها، وقال ابن عباس ﵄ أيضا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي بديع السموات والأرض).
٢ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ قال ابن كثير: (وقال الزهري وابن جريج في قوله تعالى: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ يعني حسن الصوت، رواه عن السدي والبخاري عن الزهري في الأدب وابن أبي حاتم في تفسيره، وقرئ في الشاذ (يزيد في الحلق) بالحاء المهملة والله أعلم).
٣ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها .. ]
بمناسبة قوله تعالى: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن وراد مولى المغيرة بن شعبة قال:
إن معاوية كتب إلى المغيرة بن شعبة: اكتب لي بما سمعت من رسول الله ﷺ ، فدعاني المغيرة فكتبت إليه: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول إذا انصرف من الصلاة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير. اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» وسمعته ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، وعن وأد البنات، وعقوق الأمهات، ومنع وهات. وقال الإمام مالك رحمة الله عليه كان أبو هريرة ﵁ إذا مطروا يقول: مطرنا بنوء الفتح، ثم يقرأ هذه الآية:
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. ورواه ابن أبي حاتم عن يونس عن ابن وهب عنه).
كلمة في السياق: [حول صلة المقدمة بمحور السورة]
قلنا إن محور سورة فاطر هو قوله تعالى من سورة البقرة هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فإن تبتدئ سورة هذا محورها بقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ فذلك واضح الحكمة، وأن تتحدث مقدمة السورة عن خلق السموات والأرض، وعن خلق الملائكة، وعن قدرة الله على الزيادة في الخلق، فذلك كله منسجم مع محور السورة، وأن تتحدث عن طلاقة مشيئته ﷻ في الإعطاء والإمساك، وأن يبتدئ ذلك كله بقوله الْحَمْدُ لِلَّهِ فذلك واضح الصلة، وأن يأتي بعد قوله تعالى: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ قوله تعالى: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها ... فذلك كذلك واضح الصلة، وأن تكون هذه مقدمة لسورة فاطر التي تفصّل هذا المحور، كل ذلك واضح الحكمة بيّن الترابط.
стр. 4336
المقطع الأول ويمتدّ من الآية (٣) إلى نهاية الآية (٤) وهذا هو:
٣٥/ ٤ - ٣
التفسير:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا باللسان والقلب نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ من خلقه السموات والأرض، وإرسال الرسل لبيان السبيل إليه، والزيادة في الخلق، وفتح أبواب الرزق هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ بالمطر وأنواع النبات، وتسخير كل شئ لكم لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ أي فبأي وجه تصرفون عن التوحيد إلى الشرك بعد هذا البيان، ووضوح هذا البرهان. قال ابن كثير في الآية: (ينبه تعالى عباده ويرشدهم إلى الاستدلال على توحيده في إفراد العبادة له، كما أنه المستقل بالخلق والرزق فكذلك، فليفرد بالعبادة، ولا يشرك به غيره من الأصنام والأنداد والأوثان .. )
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ يا محمد هؤلاء المشركون بالله، ويخالفوك فيما جئتهم به من التوحيد، وإفراد الله بالعبادة شكرا فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فتأسّ بهم، فلك فيمن سلف قبلك من الرسل أسوة، فإنّهم كذلك جاءوا قومهم بالبينات، وأمروهم بالتوحيد، فكذّبوهم وخالفوهم وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ قال ابن كثير: أي وسنجزيهم على ذلك أوفر الجزاء. وقال النسفي: (هذا) كلام يشتمل على الوعد والوعيد من رجوع الأمور إلى حكمه، ومجازاة المكذّب والمكذّب بما يستحقانه.
كلمة في السياق: [حول صلة المقطع الأول بالمقدمة وبالمحور]
بعد أن ذكر الله في المقدمة أنه فاطر السموات والأرض، وأن له الحمد، وأنّه ما من رحمة بخلقه إلا وهي منه. أمر في هذا المقطع بتذكّر نعمه
стр. 4337
وذكرها مذكّرا أنّه وحده الخالق والرازق، وأنه وحده الإله المعبود بحق. وواسى رسوله ﷺ على تكذيب الكافرين له، وحذّر وأنذر هؤلاء المكذبين. والانتقال من تقرير الوحدانية إلى خطاب الرسول ﷺ يشبه ما ذكر في المقدمة من اتباع ذكر الملائكة الذين هم الواسطة بين الله ورسله لذكر خلقه السموات والأرض، كما أن بين ذكر الملائكة في المقدمة، وذكر الرسل في المقطع صلة، فالصلة بين المقطع والمقدمة قائمة وواضحة، كما أن الصلة بين المقطع وبين محور السورة واضحة. فمحور السورة هو قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وهذه نعمة تحتاج إلى تذكر، ومن ثمّ بدأ المقطع بقوله تعالى: اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وقد فهمنا من المقطع:
أن الرسول ﷺ يدعو إلى تذكّر نعم الله، وإلى توحيده، وأن تكذيبه في هذا إفك وطغيان. وهكذا نجد منذ البداية، ارتباط موضوع الشكر لله بموضوع الإيمان بالرسول ﷺ ، وارتباط توحيد الله وعبادته بالإيمان برسالاته.
والآن يأتي مقطع جديد يبدأ بالتحذير من الدنيا ومن الشيطان: الدنيا التي خلقها الله لكم لا تفتنكم عن عبادته، ولا تلهينّكم عنه، والشيطان الذي أخرجكم من الجنة لا يدخلنّكم النار.
***
стр. 4338
المقطع الثاني ويمتدّ من الآية (٥) إلى نهاية الآية (١٤) وهذا هو:
المجموعة الأولى ٣٥/ ١٤ - ٥ المجموعة الثانية والثالثة ٣٥/ ٩ - ١١
стр. 4339
٣٥/ ١٢ - ١٤
تفسير المجموعة الأولى من المقطع الثاني
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ أي وعد الله بالبعث والجزاء كائن فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا أي فلا تخدعنكم الدنيا، ولا يذهلنكم التمتع بها والتلذذ بمنافعها عن العمل للآخرة، وطلب ما عند الله وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ أي الشيطان. قال ابن كثير: (أي لا يفتننّكم الشيطان، ويصرفنّكم عن اتباع رسل الله، وتصديق كلماته، فإنه غرار كذاب أفاك). وقال النسفي: (ولا يغرنّكم الشيطان فإنّه يمنّيكم الأماني الكاذبة، ويقول: إن الله غني عن عبادتك وعن تكذيبك)
ثمّ بيّن تعالى عداوة إبليس لابن آدم فقال: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا أي هو مبارز لكم بالعداوة؛ فعادوه أنتم أشد العداوة، وخالفوه وكذّبوه فيما يغرّكم به، فعل بأبيكم ما فعل فاتخذوه عدوا في عقائدكم وأفعالكم، ولا يوجدنّ منكم إلا ما يدلّ على معاداته في سرّكم وجهركم، ثمّ لخّص أمره بأن غرضه الذي يؤمه في دعوة شيعته هو أن يوردهم مورد الهلاك، فقال: إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ فأي حماقة أكبر من اتباع وسوسته. قال ابن كثير:
(أي إنما يقصد أن يضلّكم حتى تدخلوا معه إلى عذاب السعير، فهذا هو العدوّ المبين، نسأل الله القوي العزيز أن يجعلنا أعداء الشيطان، وأن يرزقنا اتباع كتاب الله، والاقتفاء بطريق رسوله ﷺ إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير)
ثمّ كشف تعالى الغطاء،
стр. 4340
فبنى الأمر كله على الإيمان والعمل الصالح، فهو علامة ترك الاغترار في الدنيا، وعلامة ترك الاغترار بالشيطان فقال: الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ أي فمن أجابه حين دعاه فله عذاب شديد، لأنه صار من حزبه، أي من أتباعه وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فلم يغتروا بالدنيا، ولم يجيبوا الشيطان، ولم يصيروا من حزبه بل عادوه لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لما فرط منهم من ذنب وَأَجْرٌ كَبِيرٌ على ما عملوه من خير وعلى مجاهدتهم،
ثمّ لما ذكر الفريقين بيّن أن السائرين في طريق الشيطان مزيّنة لهم أعمالهم الفاسدة بتزيين الشيطان، فهم يرونها حسنة أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ بتزيين الشيطان فَرَآهُ حَسَناً قال ابن كثير: يعني كالكفار والفجار يعملون أعمالا سيئة وهم في ذلك يعتقدون ويحسبون أنهم يحسنون صنعا، أي أفمن كان هكذا قد أضله الله ألك فيه حيلة؟ لا حيلة لك فيه فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ أي بقدره كان ذلك فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ يعني فلا تهلك نفسك للحسرات. قال ابن كثير: (أي لا تأسف على ذلك فإن الله حكيم في قدره، إنما يضل من يضل، ويهدي من يهدي، لما له في ذلك من الحجة البالغة، والعلم التامّ) إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ هذا وعيد لهم بالعذاب على سوء صنيعهم.
كلمة في السياق: [حول صلة المجموعة الأولى بمقطعها وبمقدمة السورة وبالمحور]
إن الله خلق كل شئ للإنسان ليشكر، فإذا انشغل الإنسان بالنعمة عن المنعم، فذلك دليل انحراف، والشيطان هو العدو الأول للإنسان، فإذا أصبح الشيطان هو المعلم للإنسان، فذلك علامة انحراف في تفكير الإنسان وسلوكه، وهذه المجموعة التي مرّت معنا لفتت نظر الإنسان إلى هذا، وحذرته، وبيّنت له مغبة ذلك ونتيجته. وهذا المعنى الذي مر معنا في المجموعة هو المعنى المكمّل للمعنى الذي تعرّض له المقطع الأول. فالمقطع الأول دعا إلى ذكر النعمة، والبناء على ذلك، والمجموعة الأولى من هذا المقطع دعت إلى ترك الاغترار بالدنيا والشيطان، لأن ذلك يصرف الإنسان عن شكر النعمة، وصلة ذلك بمقدمة السورة واضحة. إذ مقدمة السورة ذكرت استحقاق الله للحمد، وقالت ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ .. وإذا كان هذا هو الشأن، فلا يجوز أن يصرف الإنسان صارف عن الإيمان والتوحيد والشكر لا دنيا ولا شيطان.
فما محل هذه المجموعة في السياق العام للقرآن؟:
стр. 4341
إن المجموعة بدأت بالتذكير بأن وعد الله حق، ثم نهت عن الاغترار في الدنيا والشيطان، فإذا تذكرنا أن محور السورة هو قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وأن هذه الآية قد جاءت بين قوله تعالى:
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وبين قصة آدم ﵇ المنتهية بقوله تعالى:
فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.
فما قبل آية المحور وما بعدها توجد وعود لها علاقة باليوم الآخر، وما بعد آية المحور كانت قصة إضلال الشيطان لآدم ﵇. فإن تأتي المجموعة فيها النهي عن الاغترار بالدنيا والشيطان في سياق تقرير أنّ وعد الله حق فذلك واضح الارتباط بالمحور وسياقه. والآن تأتي مجموعتان كل منهما مبدوء بقوله تعالى وَاللَّهُ ...
فالمجموعتان استمرار للكلام عن الذي رأيناه في المقدمة، ورأيناه في المقطع الأول.
والسورة كلها تصبّ في سياق الحديث عن الله ، وسنعرض المجموعتين مع بعضهما لاتصالهما ببعضهما.
***
стр. 4342
تفسير المجموعتين الثانية والثالثة
وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً قال النسفي: إنما قيل (فتثير) لتحكي الحال التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب، وتستحضر تلك الصورة الدالّة على القدرة الربانية فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ أي بالمطر الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها أي بعد يبسها. قال النسفي: (ولما كان سوق السحاب إلى البلد الميت، وإحياء الأرض بالمطر بعد
موتها من الدلائل على القدرة الباهرة قيل: فسقناه وأحييناه، معدولا بهما عن لفظ الغيبة، إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدلّه عليه) كَذلِكَ النُّشُورُ أي مثل إحياء الموات نشور الأموات. قال ابن كثير: (كذلك الأجساد إذا أراد الله تعالى بعثها ونشورها، أنزل من تحت العرش مطرا يعمّ الأرض جميعا، وتنبت الأجساد في قبورها، كما تنبت الحبة في الأرض، ولهذا جاء في الصحيح «كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق، ومنه يركب».
كلمة في السياق:
هذه الآية جسر بين ما قبلها وما بعدها، فهي تدلل على اليوم الآخر الذي قال الله عنه إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ بين يدي الكلام عن إرادة العزة التي هي إحدى مزالق الشيطان وإحدى مظاهر الدنيا، ومن ثمّ اقتضى ذلك أن يسبقها الكلام عن حتمية مجئ اليوم الآخر، لأنّه وحده العلاج من أن تقع النفس فريسة غرر الدنيا، والشيطان، بسبب طلبها العزة. فالكلام عن العزة في هذا السياق كلام عن واحد مما يغري به الشيطان الإنسان، وعن مظهر من مظاهر الدنيا التي تصرف عن الآخرة.
*** مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً أي العزة كلها مختصة بالله، عزة الدنيا، وعزة الآخرة. قال ابن كثير: (أي من كان يحب أن يكون عزيزا في الدنيا والآخرة فليلزم طاعة الله تعالى، فإنه يحصل له مقصوده؛ لأن الله تعالى مالك الدنيا والآخرة، وله العزة جميعا). ثمّ عرّف تعالى أن ما يطلب به العزة هو الإيمان والعمل الصالح فقال: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ أي كلمات التوحيد، أي لا إله إلا الله. قال ابن كثير: يعني الذكر والدعاء وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ أي العبادة الخالصة، أي أداء الفرائض والنوافل يَرْفَعُهُ أي يرفعه الله، وفي ضمائر (يرفعه) اختلاف
стр. 4343
كثير، يترتب عليه اختلاف المعنى، وقد لخص النسفي ذلك فقال: (والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب، فالرافع الكلم، والمرفوع العمل، لأنه لا يقبل عمل إلا من موحّد، وقيل الرافع الله والمرفوع العمل، أي العمل الصالح يرفعه الله، وفيه إشارة إلى أن العمل يتوقف على الرفع، والكلم الطيب يصعد بنفسه، وقيل العمل الصالح يرفع العامل ويشرّفه. أي من أراد العزة فليعمل عملا صالحا فإنه هو الذي يرفع العبد) وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ المكرات السَّيِّئاتِ محافظة على عزتهم الباطلة، أو للوصول إلى العزة الجاهلية؛ رغبة في الدنيا وطلبا لها لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ في الآخرة وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ أي يفسد ويبطل
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ خلق آدم من تراب، وخلقكم من تراب، حتى صرتم نطفا ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ أي ثم أنشأكم من نطفة ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً أي أصنافا، أو ذكرانا وإناثا وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ أي إلا معلومة له وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ أي من أحد وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ يعني اللوح أو صحيفة الإنسان. قال ابن كثير: يقول: ليس أحد قضيت له بطول العمر والحياة إلا هو بالغ ما قدرت له من العمر، وقد قضيت ذلك له، فإنما ينتهي إلى الكتاب الذي قدرت لا يزاد عليه، وليس أحد قدرت له أنه قصير العمر والحياة ببالغ العمر، ولكن ينتهي إلى الكتاب الذي كتبت له؛ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ أي إن إحصاء ذلك، أو إنّ زيادة العمر ونقصانه، على الله سهل.
...
نقل: [من الظلال حول آية مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ .. ]
قال صاحب الظلال عند قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ:
(وهذه الحقيقة كفيلة حين تستقر في القلوب أن تبدل المعايير كلها، وتبدل الوسائل والخطط أيضا!
إن العزة كلها لله. وليس شئ منها عند أحد سواه. فمن كان يريد العزة فليطلبها من مصدرها الذي ليس لها مصدر غيره. ليطلبها عند الله، فهو واجدها هناك وليس
стр. 4344
بواجدها عند أحد، ولا في أي كنف، ولا بأي سبب فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً.
إن الناس الذين كانت قريش تبتغي العزة عندهم بعقيدتها الوثنية المهلهلة؛ وتخشى اتباع الهدى- وهي تعترف أنه الهدى- خشية أن تصاب مكانتها بينهم بأذى. إن الناس هؤلاء. القبائل والعشائر وما إليها. إن هؤلاء ليسوا مصدرا للعزة، ولا يملكون أن يعطوها أو يمنعوها فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً .. وإذا كانت لهم قوة فمصدرها الأول هو الله. وإذا كانت لهم منعة فواهبها هو الله. وإذن فمن كان يريد العزة والمنعة فليذهب إلى المصدر الأول، لا إلى الآخذ المستمد من هذا المصدر. ليأخذ من الأصل الذي يملك وحده كل العزة، ولا يذهب يطلب قمامة الناس وفضلاتهم. وهم مثله طلاب محاويج ضعاف!
إنها حقيقة أساسية من حقائق العقيدة الإسلامية. وهي حقيقة كفيلة بتعديل القيم والموازين، وتعديل الحكم والتقدير، وتعديل النهج والسلوك، وتعديل الوسائل والأسباب! ويكفي أن تستقر هذه الحقيقة وحدها في أي قلب لتقف به أمام الدنيا كلها عزيزا كريما ثابتا في وقفته غير مزعزع، عارفا طريقه إلى العزة، وطريقه الذي ليس هنالك سواه!
إنه لن يحني رأسه لمخلوق متجبر. ولا لعاصفة طاغية. ولا لحدث جلل.
ولا لوضع ولا لحكم. ولا لدولة ولا لمصلحة، ولا لقوة من قوى الأرض جميعا.
وعلام؟ والعزة لله جميعا. وليس لأحد منها شئ إلا برضاه؟
ومن هنا يذكر الكلم الطيب والعمل الصالح:
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ.
ولهذا التعقيب المباشر بعد ذكر الحقيقة الضخمة مغزاه وإيحاؤه. فهو إشارة إلى أسباب العزة ووسائلها لمن يطلبها عند الله. القول الطيب والعمل الصالح. القول الطيب الذي يصعد إلى الله في علاه؛ والعمل الصالح الذي يرفعه الله إليه ويكرمه بهذا الارتفاع. ومن ثمّ يكرم صاحبه ويمنحه العزة والاستعلاء.
والعزة الصحيحة حقيقة تستقر في القلب قبل أن يكون لها مظهر في دنيا الناس.
حقيقة تستقر في القلب فيستعلي بها على كل أسباب الذلة والانحناء لغير الله. حقيقة يستعلي بها على نفسه أول ما يستعلي. يستعلي بها على شهواته المذلة، ورغائبه القاهرة،
стр. 4345
ومخاوفه ومطامعه من الناس وغير الناس. ومتى استعلى على هذه فلن يملك أحد وسيلة لإذلاله وإخضاعه. فإنما تذل الناس شهواتهم ورغباتهم، ومخاوفهم ومطامعهم.
ومن استعلى عليها فقد استعلى على كل وضع وعلى كل شئ وعلى كل إنسان ... وهذه هي العزة الحقيقية ذات القوة والاستعلاء والسلطان!
إن العزة ليست عنادا جامحا يستكبر على الحق ويتشامخ بالباطل. وليست طغيانا فاجرا يضرب في عتو وتجبر وإصرار. وليست اندفاعا باغيا يخضع للنزوة ويذل للشهوة. وليست قوة عمياء تبطش بلا حق ولا عدل ولا صلاح .. كلا! إنما العزة استعلاء على شهوة النفس، واستعلاء على القيد والذل، واستعلاء على الخضوع الخانع لغير الله. ثم هي خضوع لله وخشوع؛ وخشية لله وتقوى، ومراقبة لله في السراء والضراء .. ومن هذا الخضوع لله ترتفع الجباه. ومن هذه الخشية لله تصمد لكل ما يأباه. ومن هذه المراقبة لله لا تعنى إلا برضاه.
هذا مكان الكلم الطيب والعمل الصالح من الحديث عن العزة، وهذه هي الصلة بين هذا المعنى وذاك في السياق. ثم تكمل بالصفحة المقابلة:
وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ.
ويمكرون هنا مضمنة معنى يدبرون. ولكنه عبّر بها لغلبة استعمالها في السوء.
فهؤلاء لهم عذاب شديد. فوق أن مكرهم وتدبيرهم يبور. فلا يحيا ولا يثمر.
من البوار ومن البوران سواء. وذلك تنسيقا مع إحياء الأرض وإثمارها في الآية السابقة.
والذين يمكرون السيئات يمكرونها طلبا للعزة الكاذبة، والغلبة الموهومة. وقد يبدو في الظاهر أنهم أعلياء، وأنهم أعزاء، وأنهم أقوياء. ولكن القول الطيب هو الذي يصعد إلى الله، والعمل الصالح هو الذي يرفعه إليه. وبهما تكون العزة في معناها الواسع الشامل. فأما المكر السيئ قولا وعملا فليس سبيلا إلى العزة ولو حقق القوة الطاغية الباغية في بعض الأحيان. إلا أن نهايته إلى البوار وإلى العذاب الشديد. وعد الله.
لا يخلف الله وعده. وإن أمهل الماكرين بالسوء حتى يحين الأجل المحتوم في تدبير الله المرسوم).
следующие страницы →