← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

إن المجموعة بدأت بالتذكير بأن وعد الله حق، ثم نهت عن الاغترار في الدنيا والشيطان، فإذا تذكرنا أن محور السورة هو قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وأن هذه الآية قد جاءت بين قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وبين قصة آدم ﵇ المنتهية بقوله تعالى: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. فما قبل آية المحور وما بعدها توجد وعود لها علاقة باليوم الآخر، وما بعد آية المحور كانت قصة إضلال الشيطان لآدم ﵇. فإن تأتي المجموعة فيها النهي عن الاغترار بالدنيا والشيطان في سياق تقرير أنّ وعد الله حق فذلك واضح الارتباط بالمحور وسياقه. والآن تأتي مجموعتان كل منهما مبدوء بقوله تعالى وَاللَّهُ ... فالمجموعتان استمرار للكلام عن الذي رأيناه في المقدمة، ورأيناه في المقطع الأول. والسورة كلها تصبّ في سياق الحديث عن الله ، وسنعرض المجموعتين مع بعضهما لاتصالهما ببعضهما. ***

стр. 4342

تفسير المجموعتين الثانية والثالثة وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً قال النسفي: إنما قيل (فتثير) لتحكي الحال التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب، وتستحضر تلك الصورة الدالّة على القدرة الربانية فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ أي بالمطر الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها أي بعد يبسها. قال النسفي: (ولما كان سوق السحاب إلى البلد الميت، وإحياء الأرض بالمطر بعد موتها من الدلائل على القدرة الباهرة قيل: فسقناه وأحييناه، معدولا بهما عن لفظ الغيبة، إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدلّه عليه) كَذلِكَ النُّشُورُ أي مثل إحياء الموات نشور الأموات. قال ابن كثير: (كذلك الأجساد إذا أراد الله تعالى بعثها ونشورها، أنزل من تحت العرش مطرا يعمّ الأرض جميعا، وتنبت الأجساد في قبورها، كما تنبت الحبة في الأرض، ولهذا جاء في الصحيح «كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق، ومنه يركب». كلمة في السياق: هذه الآية جسر بين ما قبلها وما بعدها، فهي تدلل على اليوم الآخر الذي قال الله عنه إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ بين يدي الكلام عن إرادة العزة التي هي إحدى مزالق الشيطان وإحدى مظاهر الدنيا، ومن ثمّ اقتضى ذلك أن يسبقها الكلام عن حتمية مجئ اليوم الآخر، لأنّه وحده العلاج من أن تقع النفس فريسة غرر الدنيا، والشيطان، بسبب طلبها العزة. فالكلام عن العزة في هذا السياق كلام عن واحد مما يغري به الشيطان الإنسان، وعن مظهر من مظاهر الدنيا التي تصرف عن الآخرة. *** مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً أي العزة كلها مختصة بالله، عزة الدنيا، وعزة الآخرة. قال ابن كثير: (أي من كان يحب أن يكون عزيزا في الدنيا والآخرة فليلزم طاعة الله تعالى، فإنه يحصل له مقصوده؛ لأن الله تعالى مالك الدنيا والآخرة، وله العزة جميعا). ثمّ عرّف تعالى أن ما يطلب به العزة هو الإيمان والعمل الصالح فقال: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ أي كلمات التوحيد، أي لا إله إلا الله. قال ابن كثير: يعني الذكر والدعاء وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ أي العبادة الخالصة، أي أداء الفرائض والنوافل يَرْفَعُهُ أي يرفعه الله، وفي ضمائر (يرفعه) اختلاف

стр. 4343

كثير، يترتب عليه اختلاف المعنى، وقد لخص النسفي ذلك فقال: (والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب، فالرافع الكلم، والمرفوع العمل، لأنه لا يقبل عمل إلا من موحّد، وقيل الرافع الله والمرفوع العمل، أي العمل الصالح يرفعه الله، وفيه إشارة إلى أن العمل يتوقف على الرفع، والكلم الطيب يصعد بنفسه، وقيل العمل الصالح يرفع العامل ويشرّفه. أي من أراد العزة فليعمل عملا صالحا فإنه هو الذي يرفع العبد) وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ المكرات السَّيِّئاتِ محافظة على عزتهم الباطلة، أو للوصول إلى العزة الجاهلية؛ رغبة في الدنيا وطلبا لها لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ في الآخرة وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ أي يفسد ويبطل وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ خلق آدم من تراب، وخلقكم من تراب، حتى صرتم نطفا ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ أي ثم أنشأكم من نطفة ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً أي أصنافا، أو ذكرانا وإناثا وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ أي إلا معلومة له وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ أي من أحد وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ يعني اللوح أو صحيفة الإنسان. قال ابن كثير: يقول: ليس أحد قضيت له بطول العمر والحياة إلا هو بالغ ما قدرت له من العمر، وقد قضيت ذلك له، فإنما ينتهي إلى الكتاب الذي قدرت لا يزاد عليه، وليس أحد قدرت له أنه قصير العمر والحياة ببالغ العمر، ولكن ينتهي إلى الكتاب الذي كتبت له؛ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ أي إن إحصاء ذلك، أو إنّ زيادة العمر ونقصانه، على الله سهل. ... نقل: [من الظلال حول آية مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ .. ] قال صاحب الظلال عند قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ: (وهذه الحقيقة كفيلة حين تستقر في القلوب أن تبدل المعايير كلها، وتبدل الوسائل والخطط أيضا! إن العزة كلها لله. وليس شئ منها عند أحد سواه. فمن كان يريد العزة فليطلبها من مصدرها الذي ليس لها مصدر غيره. ليطلبها عند الله، فهو واجدها هناك وليس

стр. 4344

بواجدها عند أحد، ولا في أي كنف، ولا بأي سبب فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً. إن الناس الذين كانت قريش تبتغي العزة عندهم بعقيدتها الوثنية المهلهلة؛ وتخشى اتباع الهدى- وهي تعترف أنه الهدى- خشية أن تصاب مكانتها بينهم بأذى. إن الناس هؤلاء. القبائل والعشائر وما إليها. إن هؤلاء ليسوا مصدرا للعزة، ولا يملكون أن يعطوها أو يمنعوها فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً .. وإذا كانت لهم قوة فمصدرها الأول هو الله. وإذا كانت لهم منعة فواهبها هو الله. وإذن فمن كان يريد العزة والمنعة فليذهب إلى المصدر الأول، لا إلى الآخذ المستمد من هذا المصدر. ليأخذ من الأصل الذي يملك وحده كل العزة، ولا يذهب يطلب قمامة الناس وفضلاتهم. وهم مثله طلاب محاويج ضعاف! إنها حقيقة أساسية من حقائق العقيدة الإسلامية. وهي حقيقة كفيلة بتعديل القيم والموازين، وتعديل الحكم والتقدير، وتعديل النهج والسلوك، وتعديل الوسائل والأسباب! ويكفي أن تستقر هذه الحقيقة وحدها في أي قلب لتقف به أمام الدنيا كلها عزيزا كريما ثابتا في وقفته غير مزعزع، عارفا طريقه إلى العزة، وطريقه الذي ليس هنالك سواه! إنه لن يحني رأسه لمخلوق متجبر. ولا لعاصفة طاغية. ولا لحدث جلل. ولا لوضع ولا لحكم. ولا لدولة ولا لمصلحة، ولا لقوة من قوى الأرض جميعا. وعلام؟ والعزة لله جميعا. وليس لأحد منها شئ إلا برضاه؟ ومن هنا يذكر الكلم الطيب والعمل الصالح: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ. ولهذا التعقيب المباشر بعد ذكر الحقيقة الضخمة مغزاه وإيحاؤه. فهو إشارة إلى أسباب العزة ووسائلها لمن يطلبها عند الله. القول الطيب والعمل الصالح. القول الطيب الذي يصعد إلى الله في علاه؛ والعمل الصالح الذي يرفعه الله إليه ويكرمه بهذا الارتفاع. ومن ثمّ يكرم صاحبه ويمنحه العزة والاستعلاء. والعزة الصحيحة حقيقة تستقر في القلب قبل أن يكون لها مظهر في دنيا الناس. حقيقة تستقر في القلب فيستعلي بها على كل أسباب الذلة والانحناء لغير الله. حقيقة يستعلي بها على نفسه أول ما يستعلي. يستعلي بها على شهواته المذلة، ورغائبه القاهرة،

стр. 4345

ومخاوفه ومطامعه من الناس وغير الناس. ومتى استعلى على هذه فلن يملك أحد وسيلة لإذلاله وإخضاعه. فإنما تذل الناس شهواتهم ورغباتهم، ومخاوفهم ومطامعهم. ومن استعلى عليها فقد استعلى على كل وضع وعلى كل شئ وعلى كل إنسان ... وهذه هي العزة الحقيقية ذات القوة والاستعلاء والسلطان! إن العزة ليست عنادا جامحا يستكبر على الحق ويتشامخ بالباطل. وليست طغيانا فاجرا يضرب في عتو وتجبر وإصرار. وليست اندفاعا باغيا يخضع للنزوة ويذل للشهوة. وليست قوة عمياء تبطش بلا حق ولا عدل ولا صلاح .. كلا! إنما العزة استعلاء على شهوة النفس، واستعلاء على القيد والذل، واستعلاء على الخضوع الخانع لغير الله. ثم هي خضوع لله وخشوع؛ وخشية لله وتقوى، ومراقبة لله في السراء والضراء .. ومن هذا الخضوع لله ترتفع الجباه. ومن هذه الخشية لله تصمد لكل ما يأباه. ومن هذه المراقبة لله لا تعنى إلا برضاه. هذا مكان الكلم الطيب والعمل الصالح من الحديث عن العزة، وهذه هي الصلة بين هذا المعنى وذاك في السياق. ثم تكمل بالصفحة المقابلة: وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ. ويمكرون هنا مضمنة معنى يدبرون. ولكنه عبّر بها لغلبة استعمالها في السوء. فهؤلاء لهم عذاب شديد. فوق أن مكرهم وتدبيرهم يبور. فلا يحيا ولا يثمر. من البوار ومن البوران سواء. وذلك تنسيقا مع إحياء الأرض وإثمارها في الآية السابقة. والذين يمكرون السيئات يمكرونها طلبا للعزة الكاذبة، والغلبة الموهومة. وقد يبدو في الظاهر أنهم أعلياء، وأنهم أعزاء، وأنهم أقوياء. ولكن القول الطيب هو الذي يصعد إلى الله، والعمل الصالح هو الذي يرفعه إليه. وبهما تكون العزة في معناها الواسع الشامل. فأما المكر السيئ قولا وعملا فليس سبيلا إلى العزة ولو حقق القوة الطاغية الباغية في بعض الأحيان. إلا أن نهايته إلى البوار وإلى العذاب الشديد. وعد الله. لا يخلف الله وعده. وإن أمهل الماكرين بالسوء حتى يحين الأجل المحتوم في تدبير الله المرسوم).

стр. 4346

كلمة في السياق: جاء قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً ... بين آيتين مبدوأتين بقوله تعالى: وَاللَّهُ ... آية دلّلت على مجئ اليوم الآخر، وآية ذكّرت بابتداء خلق الإنسان من تراب، وبأن الأعمار بيد الله، وفي التذكير باليوم الآخر، وفي التذكير بابتداء خلق الإنسان من تراب، وفي التذكير بكون الأعمار بيد الله، تذكير للإنسان ألّا يطلب العزة إلا بالله ومن الله. إن حكمة مجئ الآية التي تتحدث عن العزة بين هاتين الآيتين العظيمتين هي أن تقطع من النفس البشرية عوامل طلب العزة من غير طريق الإيمان، وكل ذلك قد جاء في سياق النهي عن الاغترار بالدنيا والشيطان. ثمّ إن الكلام عن الله ، وعن مظاهر قدرته في أمر الدنيا والآخرة فيه تأكيد لقدرته جل شأنه على إعطاء العزة لمن يشاء، ولا زال السياق ينصب على الكلام عن الله فلنتابع: وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ أي شديد العذوبة سائِغٌ شَرابُهُ أي مريء سهل الانحدار؛ لعذوبته، وبه ينتفع شرّابه وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ أي شديد الملوحة لدرجة المرارة وَمِنْ كُلٍّ أي من العذب والمالح تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وهو السمك وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وهي اللؤلؤ والمرجان وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ في كل من البحرين مَواخِرَ أي شواقّ للماء يجريها لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ أي لتبتغوا من فضل الله وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ قال ابن كثير: (أي تشكرون ربكم على تسخيره لكم هذا الخلق العظيم وهو البحر، تتصرفون فيه كيف شئتم، وتذهبون أين أردتم، ولا يمتنع عليكم شئ منه، بل بقدرته قد سخر لكم ما في السموات وما في الأرض. الجميع من فضله ورحمته). كلمة في السياق: ١ - رأينا أن السورة بدأت بقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ... ثم جاء المقطع الأول مبدوءا بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ.

стр. 4347

ثم جاء المقطع الثاني مبدوءا بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ .. فإن يأتي بعد ذلك حديث عن الله وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ .. ثم حديث عنه ﷻ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ... ثم حديث عن مظهر من مظاهر قدرته وحكمته، وإنعامه في خلق الأنهار والبحار، كل ذلك واضح الصلة ببعضه. فالسياق يعرّفنا على الله وعما تستلزمه هذه المعرفة. ٢ - ورأينا أن محور السورة هو قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ الآتية في حيز قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فإن يأتي كلام في السورة يحدثنا عن مظاهر إنعام الله، وعما يدل على الرجوع إليه، وعن خلقه الإنسان من طور إلى طور، وعن تسخيره البحر لهذا الإنسان، وأن يحدثنا عن الشكر في هذا السياق. كل ذلك واضح الصلة بعضه ببعض، إنه لا يغيب عن المتأمل صلة الآيات التي مرت معنا بسياق السورة ولا بمحورها، ولكن ما صلة الآية الأخيرة بالسياق الجزئي للمقطع؟ لا شك أن الآية الأخيرة تؤدي دورها في تعريفنا على الله وعلى نعمه وعلى ما تقتضيه هذه المعرفة من الشكر، ولكن ما صلة ذلك في المقطع المبدوء بالنهي عن الاغترار في الدنيا وعن تغرير الشيطان؟ قال النسفي في الآية: (ضرب البحرين العذب والملح مثلين للمؤمن والكافر). وإذن فالنسفي يفهم أن مجئ هذه الآية له صلة بالكلام السابق عن قضية الإيمان والكفر، ونحن إذا تأملنا المقطع الذي وردت فيه هذه الآية نجد فيه قوله تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ونجد مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً ... ولا يبعد أن يكون المثل مرتبطا بموضوع الكفر والإيمان، وبموضوع العزة كذلك، فالمؤمن الذي يطلب العزة بالله، ومن الله، وفي السير في طريق الله، هو العذب الفرات، والكافر الذي يطلب بنفسه، ولنفسه، وفي السير في طريق الكفر، هو الملح الأجاج، وفي هذا منفعة للخلق، وفي هذا منفعة للخلق، ولكن الفارق بين الشخصيتين يبقى قائما؛ هذا عذب فرات، وهذا ملح أجاج. ولنستمر في التفسير فإن السياق لا زال يحدثنا عن الله وعن مظاهر قدرته وعن تسخيره الأشياء للإنسان.

стр. 4348

يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ قال ابن كثير: (وهذا أيضا من قدرته التامة وسلطانه العظيم في تسخيره الليل بظلامه، والنهار بضيائه ويأخذ من طول هذا فيزيده في قصر هذا فيعتدلان، ثم يأخذ من هذا في هذا فيطول هذا ويقصر هذا، ثم يتقارضان صيفا وشتاء) وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لصالح هذا الإنسان كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أي إلى يوم القيامة ذلِكُمُ أي الذي فعل هذا اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لأنه هو الخالق وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ أي من الأصنام والأنداد ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ القطمير: هي القشرة الرقيقة الملتفة على النواة، أي لا يملكون من السموات والأرض شيئا، ولا بمقدار هذا القطمير إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ لأنها جماد لا أرواح فيها وَلَوْ سَمِعُوا على سبيل الفرض مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ لأنهم لا يقدرون على شئ مما تطلبون منها وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ أي بإشراككم لهم وعبادتكم إياهم، ويتبرءون منكم وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ قال ابن كثير: (أي ولا يخبرك بعواقب الأمور ومآلها وما تصير إليه مثل خبير بها. قال قتادة: يعني نفسه ﵎، فإنه أخبر بالواقع لا محالة). وقال النسفي: (ولا ينبئك أيها المفتون بأسباب الغرور كما ينبئك الله الخبير بخفايا الأمور، وتحقيقه ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل خبير عالم به، يريد أن الخبير بالأمر وحده هو الذي يخبرك بالحقيقة دون سائر المخبرين به، والمعنى: أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق لأني خبير بما أخبرت به). كلمة في المقطع الثاني وسياقه وسياق السورة: ١ - بدأ المقطع بالنهي عن الاغترار بالدنيا، والتحذير من تغرير الشيطان، ثمّ نفّر من الكفر، ومن طلب العزة الباطلة، ومن الشرك، مما يشير إلى أن هذه الأشياء من مظاهر الاغترار بالدنيا، والوقوع في تغرير الشيطان، ورغّب في الإيمان والعمل الصالح، والكلم الطيب، والشكر، هذه مظاهر طلب الله والدار الآخرة. فالمقطع حدّد للمسلم جوانب عملية للسير في طريق الشكر. ٢ - يلاحظ أن المقطع انتهى بالكلام عن التوحيد إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ ... فكل ما قبله كان يخدم هذه النتيجة وهو نفس المعنى الذي صبّ فيه المقطع الأول اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ وهو المعنى الذي قدمت له مقدمة السورة.

стр. 4349

٣ - سارت السورة إذن في سياقها الرئيسي في طريق تعريفنا على الله، وما تستلزمه هذه المعرفة، وحررتنا من كل ما يتنافى مع هذه المعرفة من شرك، أو كفر، أو اغترار بالدنيا، أو ولاء للشيطان. ٤ - بدأت المقدمة بذكر استحقاق الله الحمد، ثمّ جاء المقطع الأول ليذكّرنا بنعمة الله علينا، ثمّ جاء المقطع الثاني لينهانا عن أن تكون الدنيا والشيطان أداتي تغرير بنا، وصرف لنا عن الشكر. والآن يأتي المقطع الثالث ليذكرنا في بدايته بافتقارنا إلى الله واحتياجنا إليه، ولذلك محلّه في الوصول إلى الشكر. فوائد: [حول الآيتين إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ، وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ .. ] ١ - بمناسبة قوله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ قال ابن كثير: (وروى ابن جرير عن المخارق بن سليم قال: قال لنا عبد الله- ابن مسعود- ﵁ إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله تعالى، أن العبد المسلم إذا قال سبحان الله وبحمده، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، تبارك الله، أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه، ثم صعد بهن إلى السماء فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن، حتى يجئ بهن وجه الله ، ثم قرأ عبد الله ﵁ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ... وقال كعب الأحبار: إن لسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لدويا حول العرش، كدوي النحل، يذكرن لصاحبهن، والعمل الصالح في الخزائن، وهذا إسناد صحيح إلى كعب الأحبار رحمة الله عليه، وقد روي مرفوعا. روى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الذين يذكرون الله، من جلال الله، من تسبيحه، وتكبيره، وتحميده، وتهليله، يتعاطفن حول العرش، لهن دوي كدوي النحل، يذكرن بصاحبهن، ألا يحب أحدكم أن لا يزال له عند الله شئ يذكر به» وهكذا رواه ابن ماجه). ٢ - بمناسبة قوله تعالى: وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ قال ابن كثير: (وروى النسائي عند تفسير هذه الآية عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سرّه أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره، فليصل رحمه» وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود ... وروى ابن أبي حاتم عن

стр. 4350

أبي الدرداء ﵁ قال: ذكرنا عند رسول الله ﷺ فقال: «إن الله تعالى لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها العبد فيدعون له من بعده فيلحقه دعاؤهم في قبره فذلك زيادة العمر»). ***

стр. 4351

المقطع الثالث ويمتدّ من الآية (١٥) إلى نهاية الآية (٤٥) أي إلى نهاية السورة وهذا هو: المجموعة الأولى ٣٥/ ٤٥ - ١٥

стр. 4352

٣٥/ ٢٨ المجموعة الثانية ٣٥/ ٢٩ - ٣٧

стр. 4353

المجموعة الثالثة ٣٥/ ٣٨ - ٤٠ المجموعة الرابعة ٣٥/ ٤١ - ٤٣

стр. 4354

٣٥/ ٤٤ - ٤٥ تفسير المجموعة الأولى من المقطع الثالث يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ قال ذو النون المصري: الخلق محتاجون إليه في كل نفس وخطرة ولحظة، وكيف لا، ووجودهم به، وبقاؤهم به. وقال ابن كثير: أي هم محتاجون إليه في جميع الحركات والسكنات، وهو تعالى الغني عنهم بالذات. ولهذا قال تعالى: وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ عن الأشياء أجمع فهو المنفرد بالغنى وحده لا شريك له الْحَمِيدُ المحمود في جميع ما يفعله ويقوله ويقدره ويشرعه إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ قال النسفي: (أي إن يشأ يذهبكم كلكم إلى العدم؛ فإن غناه بذاته لا بكم في القدم، ويأت بخلق جديد، وهو بدون حمدكم حميد) وَما ذلِكَ أي الإنشاء والإفناء عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ أي بممتنع. قال ابن كثير في الآية: (أي لو شاء لأذهبكم أيها الناس، وأتى بقوم غيركم، وما هذا عليه بصعب ولا ممتنع). وهذا واحد من مظاهر افتقاركم وغناه وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى أي ولا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى. والمعنى: أن كل نفس يوم القيامة لا تحمل إلا وزرها الذي اقترفته، لا تؤاخذ نفس بذنب نفس وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ أي بالذنوب أحدا إِلى حِمْلِها أي ثقلها أي ذنوبها ليتحمّل عنها بعض ذلك لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ أي المدعو ذا قُرْبى أي ذا قرابة قريبة كأب أو ولد أو أخ. قال ابن كثير: أي وإن تدع نفس مثقلة بأوزارها إلى أن تساعد على حمل ما عليها من الأوزار- أو بعضه- لا يحمل منه شئ، ولو كان ذا قربى أي وإن كان قريبا إليها حتى ولو كان أباها أو ابنها، كلّ مشغول بنفسه وحاله. كلمة في السياق: ما محل هذه الآية الأخيرة في السياق وما صلتها بما قبلها؟ بعد أن قرر الله افتقار الخلق وغناه جل شأنه وقدرته على الإنشاء والإفناء جاء بهذه القاعدة الكلية العادلة ليبين أن طلبه العبادة من خلقه ليس لاحتياجه إلى ذلك

стр. 4355

منهم، فهو لم يكلف عباده لمنفعة تعود إليه، وإنما لمصلحتهم بالذات، كما ستدلّنا على ذلك خاتمة الآية وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وقد جاءت هذه المعاني ضمن معان أخرى، وهذا من مظاهر الإعجاز في القرآن، إنك تجد الآية في نصّها تعطيك معنى، وتعطيك معنى آخر من سياقها، وبذلك تتولد المعاني الكثيرة من الألفاظ القليلة، وإذ قرّر غناه وافتقار الخلق إليه، وأنّه عند ما كلّف لم يكلّف افتقارا، وإنما كلّف وهو غني حميد لحكمة أرادها، إذ تقرر، هذا يبيّن الله لرسوله ﷺ من الذي يستفيد بالموعظة ممن لا يستفيد: إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ أي يخشون ربهم في حالة غيابهم عن رؤية عذابه، إيمانا منهم بأن عذابه كائن، وإن لم يشاهدوه، أو يخشون عذابه غائبا عنهم، أو يخشون ربهم غائبين عن أعين العباد، حيث لا اطلاع لأحد عليهم وَأَقامُوا الصَّلاةَ في مواقيتها أي إنما ينتفع بإنذارك هؤلاء. قال ابن كثير: (أي إنما يتعظ بما جئت به أولو البصائر والنهي، الخائفون من ربهم، الفاعلون ما أمرهم به) وَمَنْ تَزَكَّى بفعل الطاعات، وترك المعاصي فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ أي ومن عمل صالحا فإنما يعود نفعه على نفسه وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ أي المرجع وهو وعد للمتزكّي بالثواب، دلّ هذا على أنّ الكلام السابق على هذا إنذار بليغ للإنسان. ... كلمة في السياق: بعد أن أثبت الله افتقار الخلق إليه وغناه. ودلل على ذلك بقدرته على إفنائهم، وخلق غيرهم، وذكر عدله في الحساب، وحال الناس يوم يحاسبون بيّن لرسوله ﷺ صفات من ينفع فيهم الإنذار، وهم من اجتمعت لهم الخشية، وإقامة الصلاة. وهذا يفيد أن غيرهم ليس كذلك. ومن ثمّ تأتي الآن آيات تقارن بين هؤلاء وأولئك. ... وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ الحرور: الريح الحار كالسموم، إلا أن السموم تكون بالنهار، والحرور بالليل والنهار وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ قال ابن كثير: (يقول تعالى

стр. 4356

كما لا تستوي هذه الأشياء المتباينة المختلفة، كالأعمى والبصير لا يستويان، بل بينهما فرق وبون كبير، وكما لا تستوي الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا الحرور، كذلك لا تستوي الأحياء ولا الأموات. وهذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمنين وهم الأحياء، وللكافرين وهم الأموات). أقول: المؤمن بصير، والإسلام نور، والظل الحق، والإيمان حياة، والكافر أعمى، والكفر ظلمات، والباطل نار على أهله، والكفر موت، ولا مساواة بين هذا وهذا، ومع ذلك فإن كثيرين يفضلون العمى والظلمة، والنار والموت على الإبصار والنور والظل والحياة. قال ابن كثير: (فالمؤمن بصير سميع في نور يمشي على صراط مستقيم في الدنيا والآخرة، حتى يستقرّ به الحال في الجنات ذات الظلال والعيون، والكافر أعمى وأصمّ في ظلمات يمشي لا خروج له منها، بل هو يتيه في غيّه وضلاله في الدنيا والآخرة، حتى يفضي به ذلك إلى الحرور والسموم والحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم). إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ أي يهديهم إلى سماع الحجّة وقبولها والانقياد لها وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ أي كما لا ينتفع الأموات بعد موتهم وصيرورتهم إلى قبورهم- وهم كفار- بالهداية والدعوة، كذلك هؤلاء الكافرون، الذين كتب عليهم الشقاوة، لا حيلة لك فيهم، ولا تستطيع هدايتهم إِنْ أي ما أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ أي إنما عليك البلاغ والإنذار، والله يضل من يشاء، ويهدي من يشاء. أي ما عليك إلا أن تبلّغ فإن كان المنذر ممن يسمع الإنذار نفع، وإن كان من المصرّين فما عليك لأن ذلك من شأن الله وحكمته وعدله أنه يهدي من يستحق الهداية، ويضل من يستحق الإضلال إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ أي إرسالا مصحوبا بالحق بَشِيراً للمؤمنين وَنَذِيراً للكافرين وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ أي وما من أمة قبل أمتك إلا مضى فيها نذير، يخوفهم وخامة الطغيان، وسوء عاقبة الكفران. قال ابن كثير: (أي وما من أمة خلت من بني آدم إلا وقد بعث الله تعالى إليهم النذر، وأزاح عنهم العلل) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ أي وإن يكذبك من أرسلت إليهم فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من أرسلوا إليهم جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي المعجزات الباهرات، والدلائل القاطعات وَبِالزُّبُرِ أي الكتب والصحف وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ أي الواضح البيّن، كالتوراة والإنجيل والزبور، فلم يكن تكذيبهم لعلة؛ فالحجة واضحة ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي بالعقاب والنكال بعد تكذيبهم رسلهم، مع كل ما جاءوا به فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ أي إنكاري عليهم، وتعذيبي لهم. قال ابن كثير: (أي

стр. 4357

فكيف رأيت إنكاري عليهم عظيما شديدا بليغا) وبعد أن لفت الله النظر إلى ما يثير الخشية منه من خلال ما فعل بالمكذّبين، لفت النظر إلى مظاهر قدرته في هذا الكون من أجل أن يثير الخشية منه من خلال التعريف بعظمته فقال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ أي السحاب ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أي بالماء ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها كالرمّان، والتّفاح، والتين، والعنب، وغيرها مما لا يحصر، فمنها الأحمر والأصفر والأخضر وغير ذلك وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ أي طرق بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها أي ومن الجبال ذو جدد، أي ذو طرق بيض وحمر وَغَرابِيبُ سُودٌ قال عكرمة: الغرابيب: الجبال الطوال السود. قال ابن كثير: (وخلق الجبال كذلك مختلفة الألوان كما هو المشاهد أيضا). والغرابيب: جمع غربيب وهو القاتم السواد وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ أي كاختلاف الثمرات والجبال. ثم بعد أن عدّد الله ما عدّد من آياته، وأعلام قدرته، وآثار صنعته، وما خلق من الفطر المختلفة الأجناس ممّا يستدلّ به عليه وعلى صفاته. أتبع ذلك بقوله إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ أي العلماء الذين عرفوه بصفاته؛ فعظّموه، ومن ازداد علما به ازداد منه خوفا، ومن كان علمه به أقل كان آمن. قال النسفي: (وتقديم اسم الله تعالى وتأخير العلماء يؤذن أن معناه: أن الذين يخشون الله من عباده العلماء دون غيرهم) إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ هذا تعليل لوجوب الخشية، لدلالته على عقوبة العصاة وقهرهم، وإثابة أهل الطاعة، والعفو عنهم. والمعاقب المثيب حقّه أن يخشى. وبهذا انتهت المجموعة الأولى من هذا المقطع. وقد بيّنت أنّ بداية السير إلى الله الخشية، وإقامة الصلاة. ودلّت على الطريق إلى ذلك، وتكلّمت عن مثيرات الخشية لله من معرفة غنى الله، والافتقار إليه، إلى معرفة قدرته على الإفناء والإنشاء، إلى معرفة عقوبته يوم القيامة لمن خالف، إلى معرفة انتقامه ممن يكذّب الرسل، إلى معرفة مظاهر قدرته التي تدلّ على عظمته. ولقد قال صاحب الظلال في الآيتين الأخيرتين ما يلي: (إنها لفتة كونية عجيبة من اللفتات الدالة على مصدر هذا الكتاب. لفتة تطوف في الأرض كلها، نتبع فيها الألوان والأصباغ في كل عوالمها. في الثمرات. وفي الجبال. وفي الناس. وفي الدواب والأنعام. لفتة تجمع في كلمات قلائل، بين الأحياء وغير الأحياء في هذه الأرض جميعا، وتدع القلب مأخوذا بذلك المعرض الإلهي الجميل الرائع

стр. 4358

الكبير الذي يشمل الأرض جميعا. وتبدأ بإنزال الماء من السماء، وإخراج الثمرات المختلفات الألوان. ولأن المعرض معرض أصباغ وشيات، فإنه لا يذكر هنا من الثمرات إلا ألوانها فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها، وألوان الثمار معرض بديع للألوان يعجز عن إبداع جانب منه جميع الرسّامين في جميع الأجيال. فما من نوع من الثمار يماثل لونه لون نوع آخر. بل ما من ثمرة واحدة يماثل لونها لون أخواتها من النوع الواحد. فعند التدقيق في أي ثمرتين أختين يبدو شئ من اختلاف اللون! وينتقل من ألوان الثمار إلى ألوان الجبال نقلة عجيبة في ظاهرها؛ ولكنها من ناحية دراسة الألوان تبدو طبيعية. ففي ألوان الصخور شبه عجيب بألوان الثمار وتنوعها وتعددها، بل إن فيها أحيانا ما يكون على شكل بعض الثمار وحجمها كذلك حتى ما تكاد تفرق من الثمار صغيرها وكبيرها! وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ. والجدد: الطرائق والشعاب. وهنا لفتة في النص صادقة، فالجدد البيض مختلف ألوانها فيما بينها. والجدد الحمر مختلف ألوانها فيما بينها. مختلف في درجة اللون والتظليل والألوان الأخرى المتداخلة فيه، وهناك جدد غرابيب سود، حالكة شديدة السواد. واللفتة إلى ألوان الصخور وتعددها وتنوعها داخل اللون الواحد، بعد ذكرها إلى جانب ألوان الثمار، تهز القلب هزا، وتوقظ فيه حاسة الذوق الجمالي العالي، التي تنظر إلى الجمال نظرة تجريدية فتراه في الصخرة كما تراه في الثمرة، على بعد ما بين طبيعة الصخرة وطبيعة الثمرة، وعلى بعد ما بين وظيفتيهما في تقدير الإنسان. ولكن النظرة الجمالية المجردة ترى الجمال وحده عنصرا مشتركا بين هذه وتلك، يستحق النظر والالتفات. ثم ألوان الناس. وهي لا تقف عند الألوان المتميزة العامة لأجناس البشر. فكل فرد بعد ذلك متميز اللون بين بني جنسه. بل متميز من توأمه الذي شاركه حملا واحدا في بطن واحدة! وكذلك ألوان الدواب والأنعام. والدواب أشمل والأنعام أخص. فالدابة كل

стр. 4359

حيوان. والأنعام هي الإبل والبقر والغنم والماعز، خصصها من الدواب لقربها من الإنسان. والألوان والأصباغ فيها معرض كذلك جميل كمعرض الثمار ومعرض الصخور سواء. هذا الكتاب الكوني الجميل الصفحات العجيب التكوين والتلوين، يفتحه القرآن ويقلب صفحاته ويقول: إن العلماء الذين يتلونه ويدركونه ويتدبرونه هم الذين يخشون الله: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ. وهذه الصفحات التي قلّبها في هذا الكتاب هي بعض صفحاته، والعلماء هم الذين يتدبرون هذا الكتاب العجيب. ومن ثمّ يعرفون الله معرفة حقيقية. يعرفونه بآثار صنعته. ويدركونه بآثار قدرته. ويستشعرون حقيقة عظمته برؤية حقيقة إبداعه. ومن ثمّ يخشونه حقا ويتقونه حقا، ويعبدونه حقا. لا بالشعور الغامض الذي يجده القلب أمام روعة الكون. ولكن بالمعرفة الدقيقة والعلم المباشر .. وهذه الصفحات نموذج من الكتاب .. والألوان والأصباغ نموذج من بدائع التكوين الأخرى وبدائع التنسيق التي لا يدركها إلا العلماء بهذا الكتاب. العلماء به علما واصلا. علما يستشعره القلب، ويتحرك به، ويرى به يد الله المبدعة للألوان والأصباغ والتكوين والتنسيق في ذلك الكون الجميل. إن عنصر الجمال يبدو مقصودا قصدا في تصميم هذا الكون وتنسيقه. ومن كمال هذا الجمال أن وظائف الأشياء تؤدي عن طريق جمالها. هذه الألوان العجيبة في الأزهار تجذب النحل والفراش مع الرائحة الخاصة التي تفوح. ووظيفة النحل والفراش بالقياس إلى الزهرة هي القيام بنقل اللقاح، لتنشأ الثمار .. وهكذا تؤدي الزهرة وظيفتها عن طريق جمالها! .. والجمال في الجنس هو الوسيلة لجذب الجنس الآخر إليه. لأداء الوظيفة التي يقوم بها الجنسان. وهكذا تتم الوظيفة عن طريق الجمال. الجمال عنصر مقصود قصدا في تصميم هذا الكون وتنسيقه. ومن ثمّ هذه اللفتات في كتاب الله المنزل إلى الجمال في كتاب الله المعروض). كلمة في السياق: [حول صلة المجموعات الباقية من المقطع بالمجموعة الأولى وبالمحور] ١ - بقي من المقطع الثالث ثلاث مجموعات كل منها مبدوء بكلمة (إن). إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ ....

стр. 4360

إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ .... إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا .... ٢ - ذكّرت السورة بالنّعم التي توصل إلى التوحيد، ثمّ بينت أن الناس قسمان: شاكر، وكافر، وذكرت السورة أن طريق الشكر يبدأ بالخشية، وإقام الصلاة، ويغذيه التفكر، وقراءة القرآن: أَلَمْ تَرَ ... إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ .... ٣ - في المقطع الأول أمرنا الله أن نذكر نعمته وفي المقطع الثاني حذّرنا من الدنيا ومن الشيطان أن يفتنانا، وفي المجموعة الأولى من المقطع الثالث بيّن لنا أن نقطة البداية في السير إلى الله الخشية، وحدثنا عن مثيرات الخشية، وستكمّل مجموعات المقطع الثالث هذا الموضوع. ٤ - بدأت السورة بذكر الأسس التي لا بدّ منها من أجل الانطلاق في السير نحو الشكر، من تذكير، وتحذير، وتعريف، وأمر، ونهي، ثمّ لفتت نظر الإنسان إلى ما حوله، وها هي في ما تبقى منها تذكر مغذّيات السير. وقبل أن ننتقل إلى عرض المجموعة الثانية في المقطع الثالث، فلننقل بعض ال فوائد: فوائد: ١ - [كلام النسفي بمناسبة آية يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ .. ] بمناسبة قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ قال النسفي: (ولم يسمهم بالفقراء للتحقير بل للتعريض على الاستغناء، ولهذا وصف نفسه بالغنى الذي هو مطمع الأغنياء، وذكر الحميد ليدل به على أنه الغني النافع بغناه خلقه، والجواد المنعم عليهم، إذ ليس كل غني نافعا بغناه، إلا إذا كان الغني جوادا منعما وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليهم. قال سهل: لما خلق الله الخلق حكم لنفسه بالغنى ولهم بالفقر، فمن ادعى الغنى حجب عن الله، ومن أظهر فقره أوصله فقره إليه. فينبغي للعبد أن يكون مفتقرا بالسر إليه، ومنقطعا عن الغير إليه، حتى تكون عبوديته محضة، فالعبودية: هي الذل والخضوع، وعلامته أن لا يسأل من أحد. وقال الواسطي: من استغنى بالله لا يفتقر، ومن تعزز بالله لا يذل. وقال الحسين: على مقدار افتقار العبد إلى الله يكون غنيا بالله، وكلما ازداد افتقارا ازداد

стр. 4361

غنى. وقال يحيى: الفقر خير للعبد من الغنى؛ لأن المذلة في الفقر، والكبر في الغنى، والرجوع إلى الله بالتواضع والذلة، خير من الرجوع إليه بتكثير الأعمال. وقيل صفة الأولياء ثلاثة: الثقة بالله في كل شئ، والفقر إليه في كل شئ، والرجوع إليه من كل شئ. وقال الشبلي: الفقر يجر البلاء وبلاؤه كله عز). ٢ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ .. ] بمناسبة قوله تعالى: وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى قال ابن كثير: (قال عكرمة في قوله تعالى: وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها الآية قال: هو الجار يتعلق بجاره يوم القيامة فيقول: يا رب سل هذا لم كان يغلق بابه دوني، وإن الكافر ليتعلق بالمؤمن يوم القيامة، فيقول له: يا مؤمن إن لي عندك يدا، قد عرفت كيف كنت لك في الدنيا، وقد احتجت إليك اليوم، فلا يزال المؤمن يشفع له عند ربه حتى يردّه إلى منزل دون منزله وهو في النار، وإن الوالد ليتعلق بولده يوم القيامة فيقول: يا بني أي والد كنت لك؟ فيثني خيرا، فيقول له: يا بنيّ إني قد احتجت إلى مثقال ذرّة من حسناتك أنجو بها مما ترى، فيقول له ولده، يا أبت ما أيسر ما طلبت، ولكني أتخوّف مثل ما تتخوّف فلا أستطيع أن أعطيك شيئا، ثم يتعلق بزوجته فيقول: يا فلانة- أو يا هذه- أي زوج كنت لك؟ فتثني خيرا، فيقول لها: إني أطلب إليك حسنة واحدة تهبيها لي لعلي أنجو بها مما ترين، قال فتقول: ما أيسر ما طلبت ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئا إني أتخوّف مثل الذي تتخوّف، ويقول الله تعالى: وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها الآية، ويقول ﵎: لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً [لقمان: ٣٣]، ويقول تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ* وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ* وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ* لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس: ٣٤ - ٣٧]. رواه ابن أبي حاتم ﵀. ٣ - [كلام النسفي بمناسبة آية وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ وتعليق المؤلف على ذلك] وبمناسبة قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ قال النسفي: (أي وما من أمة قبل أمتك. والأمة: الجماعة الكثيرة وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ ويقال لأهل كل عصر أمة، والمراد هنا أهل العصر، وقد كانت آثار النذارة باقية فيما بين عيسى ومحمد ﵉، فلم تخل تلك الأمم من نذير، وحين اندرست آثار نذارة عيسى ﵇ بعث محمد عليه الصلاة السلام إِلَّا خَلا مضى فِيها نَذِيرٌ يخوّفهم وخامة الطغيان، وسوء عاقبة الكفران، واكتفى بالنذير عن

стр. 4362

البشير في آخر الآية بعد ما ذكرهما؛ لأن النذارة مشفوعة بالبشارة، فدل ذكر النذارة على ذكر البشارة). وقال ابن كثير: (أي وما من أمة خلت من بني آدم إلا وقد بعث الله تعالى إليهم النذر، وأزاح عنهم العلل كما قال تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [الرعد: ٧] وكما قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل: ٣٦]. والآيات في هذا كثيرة). أقول: وهذه الآية أصل في الدلالة على أن كل الأمم قد أرسل لها رسل، لا كما يظن بعض الناس أن الرسل محصورون في منطقتنا أو فيما هو قريب منها، إلا أنّنا لا نصف أحدا بالرسالة إلا من ثبتت بالنص رسالتهم. ٤ - [حديث بمناسبة قوله تعالى ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها] بمناسبة قوله تعالى: ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها قال ابن كثير: (روى البزار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﵌ فقال: أيصبغ ربك؟ قال ﷺ : «نعم صبغا لا ينقض أحمر وأصفر وأبيض» وروي مرسلا وموقوفا والله أعلم). ٥ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ] بمناسبة قوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ قال ابن كثير: (أي إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به، لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم، الموصوف بصفات الكمال، المنعوت بالأسماء الحسنى، كلما كانت المعرفة به أتم، والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر. روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ قال: الذين يعلمون أن الله على كل شئ قدير. وقال ابن لهيعة عن ابن أبي عمرة عن عكرمة عن ابن عباس قال: العالم بالرحمن من عباده من لم يشرك به شيئا، وأحل حلاله، وحرم حرامه، وحفظ وصيته، وأيقن أنه ملاقيه، ومحاسب بعمله، وقال سعيد بن جبير: الخشية هي التي تحول بينك وبين معصية الله ، وقال الحسن البصري: العالم من خشي الرحمن بالغيب، ورغب فيما رغّب الله فيه، وزهد فيما سخط الله فيه، ثم تلا الحسن إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: ليس العلم عن كثرة الحديث ولكن العلم عن كثرة الخشية، وقال أحمد بن صالح المصري عن ابن وهب عن مالك قال: إن العلم ليس بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يجعله الله في القلب. قال أحمد بن

стр. 4363

صالح المصري معناه: أن الخشية لا تدرك بكثرة الرواية، وإنما العلم الذي فرض الله أن يتبع فإنما هو الكتاب والسنة، وما جاء عن الصحابة ﵃، ومن بعدهم أئمة المسلمين، فهذا لا يدرك إلا بالرواية، ويكون تأويل قوله نور يريد به: فهم العلم، ومعرفة معانيه. وقال سفيان الثوري عن أبي حيان التيمي عن رجل قال: كان يقال: العلماء ثلاثة: عالم بالله عالم بأمر الله، وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله، فالعالم بالله وبأمر الله الذي يخشى الله تعالى، ويعلم الحدود، والفرائض، والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله الذي يخشى الله، ولا يعلم الحدود والفرائض، والعالم بأمر الله ليس بعالم بالله الذي يعلم الحدود والفرائض ولا يخشى الله . ولننتقل إلى المجموعة الثانية في المقطع الثالث. ***

стр. 4364

تفسير المجموعة الثانية من المقطع الثالث إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ أي يداومون على تلاوة القرآن وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً ليلا ونهارا، إسرارا وإعلانا. أي يجمعون بين تلاوة الكتاب والعمل به يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ أي لن تكسد. يعني: تجارة ينتفي عنها الكساد، وتنفق عند الله. قال ابن كثير: أي يرجون ثوابا عند الله لا بد من حصوله لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ أي ثواب أعمالهم وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أي ويضاعفه لهم بزيادات لم تخطر على بالهم إِنَّهُ غَفُورٌ لذنوبهم شَكُورٌ للقليل من أعمالهم. وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ أي القرآن هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أي من الكتب المتقدمة يصدقها كما شهدت هي له بالتنويه، وأنه منزل من رب العالمين إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ. قال ابن كثير: (أي هو خبير بهم، بصير بمن يستحق ما يفضله به على من سواه. ولهذا فضّل الأنبياء والرسل على جميع البشر، وفضّل النبيين بعضهم على بعض، ورفع بعضهم درجات، وجعل منزلة محمد ﷺ فوق جميعهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين). كلمة في السياق: بعد أن بينت لنا المجموعة السابقة أنه لا يقبل الإنذار إلا من اجتمعت له الخشية والصلاة، ودلّتنا على بواعث الخشية من الله تأتي هذه الآيات لتذكّر بالتلاوة والصلاة والإنفاق. أما التلاوة فكطريق للخشية، وأما الصلاة والزكاة فهما مظهرا الخشية وأثراها. ثم جاءت الآية الأخيرة جسرا بين ما قبلها وما بعدها. فهي تشجّع على التلاوة وتبين أهمّية وراثة الكتاب، وهما المعنيان اللذان وجدت بينهما. ... ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ أي القرآن الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا من هذه الأمّة المجتباة ثم رتّبهم على مراتب فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وهو المفرّط في فعل بعض الواجبات، المرتكب لبعض المحرمات وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وهو الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا. قال ابن كثير: (وهو المؤدي للواجبات، التارك للمحرمات، وقد يترك بعض المستحبات، ويفعل بعض المكروهات) وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ. قال ابن كثير: (وهو الفاعل للواجبات والمستحبات، التارك للمحرمات

стр. 4365

والمكروهات، وبعض المباحات) ذلِكَ أي إيراث الكتاب هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ دلّ على أن إرث الكتاب فضل عظيم جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها أي الفرق الثلاث، فالأوّلون يدخلونها بعد أن يمحّصوا، والتالون يدخلونها بعد أن يحاسبوا حسابا يسيرا. والآخرون يدخلونها بلا حساب ولا عذاب. وسنرى دليل ذلك في الفوائد يُحَلَّوْنَ فِيها أي يلبسون فيها الحليّ مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً أي يلبسون فيها الأساور الذهبية واللؤلؤ وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ لما فيه من البهجة والزينة وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ أي خوف النار، أو خوف الموت، أو هموم الدنيا. قال ابن كثير: وهو الخوف من المحذور أزاحه عنا، وأراحنا مما كنا نتخوّفه، ونحذره من هموم الدنيا والآخرة. إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ يغفر الجنايات وإن كثرت شَكُورٌ يقبل الطاعات وإن قلّت. قال ابن كثير: قال ابن عباس وغيره: غفر لهم الكثير من السيئات، وشكر لهم اليسير من الحسنات الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ أي الإقامة لا نبرح منها ولا نفارقها مِنْ فَضْلِهِ أي من عطائه وإفضاله لا باستحقاقنا لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ أي تعب ومشقة وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ أي إعياء من التعب وقترة. قال ابن كثير: أي لا يمسنا فيها عناء ولا إعياء. ولما ذكر الله ﵎ حال السعداء شرع في بيان حال الأشقياء فقال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها أي لا يقضى عليهم بموت ثان فيستريحون، ولا يخفف عنهم من عذاب نار جهنم كَذلِكَ أي مثل ذلك الجزاء نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ أي هذا جزاء كل من كفر بربه وكذّب الحق وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها أي ينادون فيها أي يجأرون إلى الله بأصواتهم، والاصطراخ: هو الصياح بجهد ومشقّة رَبَّنا أَخْرِجْنا أي من النار نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أي ردنا إلى الدنيا نؤمن بدل الكفر، ونطيع بعد المعصية فيجابون أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ. قال النسفي: (وهو متناول لكل عمر تمكن فيه المكلف من إصلاح شأنه، وإن قصر، إلا أن التوبيخ في المتطاول أعظم) وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ أي الرسول فَذُوقُوا أي العذاب فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ أي من ناصر يعينهم. قال ابن كثير: (أي فذوقوا عذاب النار جزاء على مخالفتكم للأنبياء في مدة أعماركم؛ فما لكم اليوم ناصر ينقذكم مما أنتم فيه من العذاب والنّكال والأغلال).

стр. 4366

كلمة في السياق: قلنا: إن السياق استقر في المقطع الأخير على تبيان الطريق إلى الله الذي بدايته الخشية، وهذه المجموعة فصّلت في الطريق بما يوصل إلى الخشية ويعمّقها، وخلصت إلى ما أعد الله للمؤمنين الذين أعطوا النعمة حقها، وعرفوا الله حق المعرفة، وأعطوا هذه المعرفة مستلزماتها من إيمان بالرسل، وتلاوة للكتاب، وعبادة، والتزام، وطاعة، وإلى ما أعدّه للكافرين، الذين ظلموا في الدنيا وأمنوا. فوائد: ١ - [آية القراء إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ ... ] بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ. قال ابن كثير: (قال قتادة: كان مطرف ﵀ إذا قرأ هذه الآية يقول: هذه آية القراء). ٢ - [كلام النسفي وتحقيق ابن كثير حول آية ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا .. ] بمناسبة قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ قال النسفي: (وإنما قدم الظالم للإيذان بكثرتهم، وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم، والسابقون أقل من القليل، وقال ابن عطاء، إنما قدّم الظالم لئلا ييأس من فضله، وقيل إنما قدّمه ليعرّفه أن ذنبه لا يبعده من ربه وقيل: إن أول الأحوال معصية، ثم توبة، ثم استقامة، وقال سهل: السابق العالم، والمقتصد المتعلم، والظالم الجاهل وقال: أيضا السابق الذي اشتغل بمعاده، المقتصد الذي اشتغل بمعاشه ومعاده، والظالم الذي اشتغل بمعاشه عن معاده، وقيل: الظالم الذي يعبده على الغفلة والعادة، والمقتصد الذي يعبده على الرغبة والرهبة، والسابق الذي يعبده على الهيبة والاستحقاق، وقيل: الظالم من أخذ الدنيا حلالا كانت أو حراما، والمقتصد من يجتهد أن لا يأخذها إلا من حلال، والسابق من أعرض عنها جملة، وقيل: الظالم طالب الدنيا، والمقتصد طالب العقبى، والسابق طالب المولى). وقد حقق ابن كثير المقام في هذه الآية. فذكر الاختلافات فيها، ثم رجّح وأقام الدليل، ومجمل ترجيحه اعتمدناه في التفسير. ولننقل هنا تحقيقه كله مع حذف الأسانيد. قال: (روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا قال: هم أمة محمد ﷺ ، ورّثهم الله تعالى كل

стр. 4367

كتاب أنزله، فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب، وروى أبو القاسم الطبراني عن ابن عباس عن رسول الله ﵌ أنه قال ذات يوم: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» قال ابن عباس ﵄: السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد ﷺ ، وكذا روي عن غير واحد من السلف: أن الظالم لنفسه من هذه الأمة من المصطفين على ما فيه من عوج وتقصير. وقال آخرون: بل الظالم لنفسه ليس من هذه الأمة، لا من المصطفين الوارثين لكتاب، وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قال: هو الكافر، وكذا روى عنه عكرمة وبه قال عكرمة أيضا فيما رواه ابن جرير، وقال ابن نجيح عن مجاهد في قوله تعالى فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قال هم أصحاب المشأمة، وقال مالك عن زيد بن أسلم والحسن وقتادة هو المنافق ثم قد قال ابن عباس والحسن وقتادة: وهذه الأقسام الثلاثة كالأقسام الثلاثة المذكورة في أول سورة الواقعة وآخرها، والصحيح أن الظالم لنفسه من هذه الأمة، وهذا اختيار ابن جرير كما هو ظاهر الآية، وكما جاءت به الأحاديث عن رسول الله ﷺ من طرق يشد بعضها بعضا ونحن إن شاء الله تعالى نورد منها ما تيسر. (الحديث الأول) روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي صلّى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال: «في هذه الآية ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ قال هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم في الجنة» هذا حديث غريب من هذا الوجه وفي إسناده من لم يسم وقد رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث شعبة به نحوه ومعنى قوله: بمنزلة واحدة أي في أنهم من هذه الأمة، وأنهم من أهل الجنة، وإن كان بينهم فرق في المنازل في الجنة. (الحديث الثاني) روى الإمام أحمد عن أبي الدرداء ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله تعالى ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ فأما الذين سبقوا فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأولئك الذين يحاسبون حسابا يسيرا، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك الذين يحبسون في طول المحشر، ثم هم الذين تلافاهم الله برحمته فهم الذين يقولون الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ* الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا

стр. 4368

فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ. (طريق أخرى) روى ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قال: «فأما الظالم لنفسه فيحبس حتى يصيبه الهم والحزن ثم يدخل الجنة» ورواه ابن جرير من حديث سفيان الثوري عن الأعمش قال: ذكر أبو ثابت أنه دخل المسجد فجلس إلى جنب أبي الدرداء ﵁ فقال: اللهم آنس وحشتي، وارحم غربتي، ويسر لي جليسا صالحا، فقال أبو الدرداء ﵁: لئن كنت صادقا لأنا أسعد به منك، سأحدثك حديثا سمعته من رسول الله ﷺ لم أحدّث به منذ سمعته منه، ذكر هذه الآية ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ فأما السابق بالخيرات فيدخلها بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا، وأما الظالم لنفسه فيصيبه في ذلك المكان من الغم والحزن، وذلك قوله تعالى وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ. (الحديث الثالث) روى الحافظ أبو القاسم الطبراني عن أسامة بن زيد ﵄ فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ الآية قال: قال رسول الله ﷺ : «كلهم من هذه الأمة». (الحديث الرابع) روى ابن أبي حاتم عن عوف بن مالك ﵁ عن رسول الله ﵌ أنه قال: «أمتي ثلاثة أثلاث: فثلث يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا ثم يدخلون الجنة، وثلث يمحّصون ويكشفون، ثم تأتي الملائكة فيقولون: وجدناهم يقولون لا إله إلا الله وحده، يقول الله تعالى صدقوا لا إله إلا أنا؛ أدخلوهم الجنة بقولهم لا إله إلا الله وحده، واحملوا خطاياهم على أهل النار، وهي التي قال الله تعالى وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ [العنكبوت: ١٣]. وتصديقها في التي فيها ذكر الملائكة قال الله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فجعلهم ثلاثة أفواج وهم أصناف كلهم: فمنهم ظالم لنفسه، فهذا الذي يمحص ويكشف» غريب جدا. (أثر عن ابن مسعود ﵁ روى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إن هذه الأمة ثلاثة أثلاث يوم القيامة: ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا، وثلث يجيئون بذنوب عظام، حتى يقول الله ما هؤلاء؟ - وهو أعلم ﵎ فتقول الملائكة: هؤلاء جاءوا بذنوب عظام، إلا أنهم لم يشركوا بك شيئا، فيقول الرب : أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي.

стр. 4369

وتلا عبد الله ﵁ هذه الآية ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا الآية. (أثر آخر) روى أبو داود الطيالسي عن عقبة بن صهبان الهنائي قال: سألت عائشة ﵂ عن قول الله تعالى ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ الآية، فقالت لي: يا بني هؤلاء في الجنة أما السابق بالخيرات: فمن مضى على عهد رسول الله ﷺ ، شهد له رسول الله ﵌ بالجنة، وأما المقتصد: فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق بهم، وأما الظالم لنفسه: فمثلي ومثلكم قال: فجعلت نفسها ﵂ معنا، وهذا منها ﵂ من باب الهضم والتواضع، وإلا فهي من أكبر السابقين بالخيرات، لأن فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. وقال عبد الله بن المبارك ﵀: قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ في قوله ﵎ فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قال: هي لأهل بدونا، ومقتصدنا أهل حضرنا، وسابقنا أهل الجهاد، رواه ابن أبي حاتم. وقال عوف الأعرابي: حدثنا عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: حدثنا كعب الأحبار رحمة الله عليه قال: إن الظالم لنفسه من هذه الأمة، والمقتصد والسابق بالخيرات كلهم في الجنة، ألم تر أن الله تعالى قال ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ* جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها إلى قوله وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ قال: فهؤلاء أهل النار، رواه ابن جرير من طرق عن عوف به ثم قال: إن ابن عباس ﵄ سأل كعبا عن قوله تعالى ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا إلى قوله بِإِذْنِ اللَّهِ قال: تماست مناكبهم ورب كعب، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم، ثم روى ابن جرير عن أبي إسحاق السبيعي في هذه الآية ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا الآية، قال أبو إسحاق: أما ما سمعت من ذي ستين سنة فكلهم ناج، ثم روى ابن جرير أيضا- بسنده- عن محمد ابن الحنفية ﵁ قال: إنها أمة مرحومة، الظالم مغفور له، والمقتصد في الجنان عند الله، والسابق بالخيرات في الدرجات عند الله. ورواه الثوري عن إسماعيل ابن إسماعيل عن رجل عن محمد بن الحنفية ﵁ بنحوه. وقال أبو الجارود: سألت محمد بن علي- يعني الباقر- ﵄ عن قول الله تعالى فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ فقال: هو الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا. فهذا ما تيسر من إيراد

стр. 4370

الأحاديث والآثار المتعلقة بهذا المقام. وإذا تقرر هذا فإن الآية عامة في جميع الأقسام الثلاثة في هذه الأمة، فالعلماء أغبط الناس بهذه النعمة، وأولى الناس بهذه الرحمة فإنهم كما قال الإمام أحمد ﵀: قدم رجل من أهل المدينة إلى أبي الدرداء ﵁ وهو بدمشق فقال: ما أقدمك أي أخي؟ قال حديث بلغني أنك تحدّث به عن رسول الله ﷺ قال: أما قدمت للتجارة؟ قال: لا. قال: أما قدمت لحاجة؟ قال: لا. قال: أما قدمت إلا في طلب هذا الحديث؟ قال نعم، قال ﵁ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سلك طريقا يطلب فيها علما سلك الله تعالى به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم، وإنه ليستغفر للعالم من في السموات والأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر» وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث كثير بن قيس ومنهم من يقول قيس بن كثير عن أبي الدرداء ﵁، وقد ذكرنا طرقه واختلاف الرواة فيه في شرح كتاب العلم من صحيح البخاري، ولله الحمد والمنة وقد تقدم في أول سورة طه حديث ثعلبة بن الحكم ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله تعالى يوم القيامة للعلماء إني لم أضع علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي»). ٣ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ .. ] بمناسبة قوله تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ قال ابن كثير: (كما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء» وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ ولهذا كان محظورا عليهم في الدنيا فأجابه الله تعالى لهم في الآخرة، وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» وقال: «هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة». وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﵁ قال: إن أبا أمامة ﵁ حدّث أن رسول الله ﷺ حدّثهم وذكر حلي أهل الجنة فقال: مسورون بالذهب والفضة، مكللة بالدر، وعليهم أكاليل من در وياقوت متواصلة، وعليهم تاج كتاج الملوك شباب جرد مرد مكحلون). ٤ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ] وبمناسبة قوله تعالى: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ قال

стр. 4371

ابن كثير: (وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في نشورهم، وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رءوسهم، ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن» رواه ابن أبي حاتم من حديثه. وروى الطبراني عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلم: «ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في الموت ولا في القبور ولا في النشور، وكأني انظر إليهم عند الصيحة ينفضون رءوسهم من التراب يقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور» قال ابن عباس ﵄ وغيره: غفر لهم الكثير من السيئات وشكر لهم اليسير من الحسنات). ٥ - [اختلاف المفسرين في العمر الذي يؤنب عليه الإنسان إذا لم يسلم بمناسبة الآية (٣٧)] اختلف المفسرون في العمر الذي يؤنب عليه الإنسان إذا لم يسلم في قوله تعالى: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ قال النسفي- وهو الذي اخترناه-: وهو متناول لكل عمر تمكّن فيه المكلف من إصلاح شأنه وإن قصر، إلا أن التوبيخ في المتطاول أعظم، وقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أعذر الله إلى امرئ أخر عمره حتى بلغ ستين سنة» وبعد تحقيق حول هذا الحديث وتأكيد لصحته. قال ابن كثير: (ولما كان هذا هو العمر الذي يعذر الله تعالى إلى عباده به، ويزيح به عنهم العلل، كان هو الغالب على أعمار هذه الأمة، كما ورد بذلك الحديث، قال الحسن بن عرفة ﵀ حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك» وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه جميعا في كتاب الزهد عن الحسن بن عرفة به ثم قال الترمذي هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وهذا عجب من الترمذي فإنه قد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا من وجه آخر وطريق أخرى عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك» وقد رواه الترمذي في كتاب الزهد أيضا ثم قال: هذا حديث حسن غريب من حديث أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ وقد روي من غير وجه عنه هذا نصه بحروفه في الموضعين والله أعلم. وقال الحافظ أبو يعلى عن أبي موسى الأنصاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول

стр. 4372

الله ﷺ : «معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين» وبه قال: قال رسول الله ﷺ : «أقل أمتي أبناء سبعين» إسناده ضعيف. (حديث آخر) في معنى ذلك روى الحافظ أبو بكر البزار في مسنده عن حذيفة ﵁ أنه قال يا رسول الله أنبئنا بأعمار أمتك؟ قال رسول الله ﷺ : «ما بين الخمسين إلى الستين» قالوا: يا رسول الله فأبناء السبعين؟ قال ﷺ : «قلّ من يبلغها من أمتي، رحم الله أبناء السبعين، ورحم الله أبناء الثمانين» ثم قال البزار لا يروى بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد وعثمان بن مطر (وهو من رجال سنده) من أهل البصرة ليس بقوي، وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ عاش ثلاثا وستين سنة، وقيل ستين، وقيل خمسا وستين. والمشهور الأول والله أعلم). ***

стр. 4373

تفسير المجموعة الثالثة من المقطع الثالث إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي ما غاب فيهما عنكم إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي يعلم ما تكنّه السرائر وما تنطوي عليه الضمائر، وسيجازي كل عامل بعمله هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ. قال النسفي: (والمعنى أنه جعلكم خلفاء في أرضه، قد ملّككم مقاليد التصرّف فيها، وسلّطكم على ما فيها، وأباح لكم منافعها لتشكروه بالتوحيد والطاعة) فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ أي فمن كفر منكم وغمط مثل هذه النعمة فوبال كفره راجع عليه، ومقت الله وخسارة الآخرة كما قال تعالى: وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً وهو أشدّ البغض وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَساراً أي هلاكا وخسرانا قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ أي آلهتكم التي أشركتموهم في العبادة الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من الأصنام والأنداد أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أي أخبروني عن هؤلاء الشركاء، وعما استحقوا به الشركة، أروني أي جزء من أجزاء الأرض استبدّوا بخلقه دون الله أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أي أم لهم شركة في خلق السموات أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ أي أمعهم كتاب من عند الله ينطق بأنهم شركاؤه، فهم على حجة وبرهان من ذلك الكتاب بَلْ إِنْ أي ما يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً أي ما يعد الزعماء للأتباع إلا باطلا وزورا. قال ابن كثير: (أي بل إنما اتبعوا في ذلك أهواءهم وآراءهم وأمانيّهم التي تمنّوها لأنفسهم وهي غرور وباطل وزور). كلمة في السياق: [حول صلة المجموعة ببقية مجموعات المقطع وبالمحور، ثم عرض لمضمون المجموعة] ١ - تألفت هذه المجموعة من ثلاث آيات. آية عرّفت على الله بما يزيد المؤمنين خشية، وآية ذكّرت بنعم الله بما يزيد المؤمنين رغبة، وآية أقامت الحجة على الشرك بما لا مزيد عليه، وفي كل ذلك نوع تعريف على الله، وصلة ذلك بسياق السورة لا يخفى فهذه هي مضامين السورة الرئيسية، ولو أننا تذكرنا أول مقطع في السورة لرأيناه يدعو إلى تذكّر نعمة الله وإلى توحيده. ٢ - رأينا أن محور السورة هو قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وفي هذه المجموعة ورد قوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي

стр. 4374

الْأَرْضِ ثم بنى على هذا فقال: فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وهذا يؤكد أنّ سورة فاطر تبيّن لنا ما تستلزمه معرفة الله، وما تستلزمه نعمه من قيام بحقّه، من شكره وإيمان برسله، وسير في طريقه. وقد رأينا في هذا المقطع أن بداية ذلك كله هو الخشية؛ إذ بدونها لا يقبل أحد نذارة الرسول، ومن ثمّ فإن السياق يذكر لنا كل ما يبعث على هذه الخشية. ٣ - من خلال هذه المجموعة ندرك أن هناك ترابطا بين معرفة الله، وبين شكره وتوحيده ، يدلّنا على ذلك تسلسل الآيات الثلاث في المجموعة، ويدل السياق أنّ بين هذه الثلاثة وبين خشيته تعالى ترابطا، فمن لم تجتمع له هذه الأربعة فهو مقصّر في التكليف. ٤ - والآن لنتساءل ما هي صلة مجموعات هذا المقطع ببعضها بعد أن ركّزنا فيما مضى على صلة المجموعات بسياق السورة؟ بدأ المقطع بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ. ثم تحدّث عن مظهر من مظاهر غناه وافتقارنا بقوله: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ. ثم تحدّث عن مظهر من مظاهر غناه بقوله: وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ .... ثم تحدّث عن مظهر من مظاهر غناه وافتقار خلقه إليه بقوله: يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ .... ثم تحدّث عن مظهر من مظاهر غناه وافتقارنا بقوله: هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ .... وسيأتي في أول المجموعة القادمة مظهر من مظاهر افتقارنا وغناه: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا .... وهكذا فالصلة بين مجموعات السورة ومقدمة المقطع قائمة. ***

стр. 4375

تفسير المجموعة الرابعة من المقطع الثالث إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا أي يمنعهما من أن تزولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ أي ولئن زالتا على سبيل الفرض ما أمسكهما من أحد من بعد إمساكه. أي لا يقدر على دوامهما وإبقائهما إلا هو إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً أي يرى عباده وهم يكفرون به، ويعصونه وهو يحلم فيؤخر وينظر ويؤجل ولا يعجّل، ويستر آخرين ويغفر. قال النسفي: (أي) غير معاجل بالعقوبة حيث يمسكهما وكانتا جديرتين بأن تهدّا هدا لعظم كلمة الشرك وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ أي إقساما بليغا. أي جاهدين في أيمانهم لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ قال ابن كثير: أي من جميع الأمم الذين أرسل إليهم الرسل. قال النسفي: (أي من الأمّة التي يقال فيها إحدى الأمم تفضيلا لها على غيرها في الهدى والاستقامة، كما يقال للداهية العظيمة هي إحدى الدواهي). والمقسمون قريش والعرب فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ أي فلما بعث محمد ﷺ ما زادَهُمْ مجيئه إِلَّا نُفُوراً أي إلا تباعدا عن الحق اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ أي استكبروا استكبارا عن اتّباع آيات الله وَمَكْرَ السَّيِّئِ أي ومكروا بالناس في صدهم إياهم عن سبيل الله المكر السيئ فدوافع نفورهم: استكبارهم، ومكرهم المكر السيّئ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ أي وما يحيط وينزل المكر السيّئ إلا بأصحابه فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ وهي إنزال العذاب على الذين كذّبوا برسلهم من الأمم قبلهم. والمعنى: فهل ينظرون بعد تكذيبك إلا أن ينزل بهم العذاب مثل الذي نزل بمن قبلهم من مكذبي الرسل فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا بيّن أن سنته التي هي الانتقام من مكذبي الرسل سنة لا يبدّلها في ذاتها ولا يحوّلها عن أوقاتها، وأنّ ذلك مفعول لا محالة أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ استشهد عليهم بما كانوا يشاهدونه في مسايرهم إلى الشام واليمن والعراق من آثار الماضين، وعلامات هلاكهم ودمارهم وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ أي من أهل مكة أو من كافري هذه الأمة عموما قُوَّةً أي اقتدارا وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ أي ليسبقه ويفوته مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً أي عليما بهم قادرا عليهم وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا أي بما اقترفوا من المعاصي ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها أي على ظهر الأرض مِنْ دَابَّةٍ أي من نسمة تدبّ عليها وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي إلى

стр. 4376

يوم القيامة فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً أي لم تخف عليه حقيقة أمرهم وحكمة حكمهم. وبهذا انتهت السورة. كلمة في السياق: [حول صلة المجموعة ببقية مجموعات المقطع وبالمحور] بدأ المقطع الثالث بتذكيرنا بعظمة الله وغناه، وافتقارنا إليه ليثير الخشية والشكر وهما مفتاحا سياق السورة. ثم بيّن إخلال الكافرين بأيمانهم التي أعطوها على الاهتداء، وعلل ذلك بالكبر والمكر، مما يشير إلى أن الكبر والمكر هما علتا الكفر الرئيسيتان، ثمّ بيّن سنّته تعالى التي لا تتغير ولا تتبدّل بالماكرين. ثمّ دلّهم على ما يستدلون به على سنّته وهو آثار الهالكين السابقين. ثم بين أن سنة أخرى هي التي تحميهم من التعجيل بالعذاب، وهذا كله يستثير الخشية منه تعالى. فالمجموعة تؤدي دورها في سياق المقطع وفي سياق السورة. فوائد: ١ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ] بمناسبة قوله تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم عن أبي زكريا الكوفي عن رجل حدثه أن رسول الله ﷺ قال: «إياك ومكر السيّئ فإنه لا يحيق المكر السيّئ إلا بأهله ولهم من الله طالب» وقال محمد ابن كعب القرظي: ثلاث من فعلهنّ لم ينج حتى ينزل به: من مكر أو بغى أو نكث وتصديقها في كتاب الله تعالى وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ [يونس: ٢٣] فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ [الفتح: ١٠]. ٢ - [حول قوله تعالى وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا .. ] بمناسبة قوله تعالى: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ ذكر ابن أبي حاتم بسنده إلى عبد الله بن مسعود قوله: (كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم ثم قرأ: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وقال سعيد بن جبير والسدّي في قوله تعالى ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ: أي لما سقاهم المطر فماتت جميع الدوابّ). كلمة أخيرة في سورة فاطر: دلّت سورة فاطر على وجوب الشكر، وعلى نقطة البداية فيه كما دلّت على طريق

стр. 4377

المعرفة الكاملة لله ، فهي تفصّل فيما فصّلت فيه سورة الأنعام وتكمّل تفصيلها. وقد دلّت السورة كذلك على الصوارف عن الشكر، وحذّرتنا من ذلك، فحذرتنا من الشيطان والدنيا، ودلّت على أن الرغبة في العز والجاه والمجد من الصوارف عن طريق الله. ولمّا كانت بداية السير إلى الله تكمن في قبول الإنذار، ولما كان قبول الإنذار يحتاج إلى خشية من الله ، فقد دلّت السورة على الطريق لتحقيق الخشية وبينت بواعثها، ودلّت على مغذياتها. وسورة فاطر تكمّل سورة سبأ، ومن ثمّ فهي تبني على ما ذكرته تلك، فسورة سبأ وضعت الأساس في موضوع الشكر، وجاءت سورة فاطر لتبني على هذا الأساس. لاحظ التكامل بين السورتين: جاء في سورة سبأ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وجاء في سورة فاطر وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ. جاء في سورة سبأ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ وجاء في سورة فاطر: اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ. لقد ربطت سورة سبأ بين معرفة الله والإيمان باليوم الآخر والقيام بالتكليف الذي هو الشكر، وسورة فاطر هي التي دلّت على طريق الشكر العملي. وسورتا سبأ وفاطر تكمّلان مجموعتهما في قسم المثاني بإعطاء كثير من المعاني، فهما قد عمّقتا قضية الشكر، وهو موضوع مرتبط بقضية التقوى الواردة في سورة الأحزاب، وذلك يعمّق قضية الإيمان التي ركزت عليها زمرة (الم) في هذه المجموعة. إنّ لسورة فاطر سياقها المرتبط بمحورها، ولها تكاملها مع السورة التي سبقتها ومع مجموعتها التي هي فيها وكل ذلك بعض أسرار الإعجاز.

стр. 4378

سورة يس وهي السّورة السّادسة والثلاثون بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة الثامنة والأخيرة من المجموعة الأولى من قسم المثاني، وآياتها ثلاث وثمانون آية وهي مكيّة

стр. 4379

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم

стр. 4380

كلمة في سورة يس ومحورها: يلاحظ أن سورة (يس) مبدوءة بالحرفين (يا) و (س) وهذان الحرفان مفتاحان، بهما نتعرف على محل هذه السورة في السياق القرآني العام. فلنتذكر الآن شيئا: بدأت سورة مريم بقوله تعالى: كهيعص ولاحظنا أن الحرف (ها) ورد في سورة (طه) التي هي بداية مجموعة، والحرف (يا) جاء الآن في سورة (يس)، والحرف (ع) سيأتي معنا في بداية سورة الشورى وهي بداية مجموعة، والحرف (ص) سيأتي في سورة (ص) وهي نهاية مجموعة، فالملاحظ أنّ هذه الأحرف تأتي إما في بداية مجموعة، أو في نهاية مجموعة فحرف (ها) جاء في سورة (طه) وهي بداية مجموعة. وحرف (ص) جاء في نهاية مجموعة كما سنرى. وحرف (ع) سيأتي في بداية مجموعة كما سنرى وأن الحرف (يا) جاء في سورة (يس) التي هي نهاية مجموعتها كما سنبرهن الآن: ... وإنما اعتمدنا أن الحرف (يا) علامة على نهاية مجموعة، وبالتالي فإن سورة (يس) نهاية المجموعة التي مرّت معنا لأسباب كثيرة: ١ - نلاحظ أن الحرف (س) ورد في بداية هذه السورة، كما ورد في الطاسينات، ونلاحظ أن خاتمة سورة (يس) هي نفس خاتمة (طسم) القصص التي هي خاتمة مجموعتها، فتلك انتهت بقوله تعالى: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وسورة (يس) انتهت بقوله تعالى: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ مما يشير إلى وحدة المحور. ٢ - نلاحظ أن محور (الطاسينات) جميعا هو قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. ونلاحظ أن بداية (يس) هي قوله تعالى: يس* وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ* إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، وهذا يؤكد أن محور (يس) هو محور الطاسينات. وكما أن الطاسينات نهاية مجموعتها فسورة (يس) نهاية مجموعتها. ٣ - نلاحظ أن جرس الطاسينات موجود في (يس) فمثلا في سورة الشعراء تتكرر كلازمة وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ* وتجد في أول سورة (يس) قوله تعالى: تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ وبالتالي فكما أن الطاسينات كانت نهاية مجموعة فإن سورة (يس) نهاية مجموعة.
следующие страницы →