Полный текст (6 440 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.
стр. 4376
يوم القيامة فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً أي لم تخف عليه حقيقة أمرهم وحكمة حكمهم. وبهذا انتهت السورة.
كلمة في السياق: [حول صلة المجموعة ببقية مجموعات المقطع وبالمحور]
بدأ المقطع الثالث بتذكيرنا بعظمة الله وغناه، وافتقارنا إليه ليثير الخشية والشكر وهما مفتاحا سياق السورة. ثم بيّن إخلال الكافرين بأيمانهم التي أعطوها على الاهتداء، وعلل ذلك بالكبر والمكر، مما يشير إلى أن الكبر والمكر هما علتا الكفر الرئيسيتان، ثمّ بيّن سنّته تعالى التي لا تتغير ولا تتبدّل بالماكرين. ثمّ دلّهم على ما يستدلون به على سنّته وهو آثار الهالكين السابقين. ثم بين أن سنة أخرى هي التي تحميهم من التعجيل بالعذاب، وهذا كله يستثير الخشية منه تعالى. فالمجموعة تؤدي دورها في سياق المقطع وفي سياق السورة.
فوائد:
١ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ]
بمناسبة قوله تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ قال ابن كثير:
(روى ابن أبي حاتم عن أبي زكريا الكوفي عن رجل حدثه أن رسول الله ﷺ قال:
«إياك ومكر السيّئ فإنه لا يحيق المكر السيّئ إلا بأهله ولهم من الله طالب» وقال محمد ابن كعب القرظي: ثلاث من فعلهنّ لم ينج حتى ينزل به: من مكر أو بغى أو نكث وتصديقها في كتاب الله تعالى وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ [يونس: ٢٣] فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ
[الفتح: ١٠].
٢ - [حول قوله تعالى وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ ذكر ابن أبي حاتم بسنده إلى عبد الله بن مسعود قوله: (كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم ثم قرأ: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وقال سعيد بن جبير والسدّي في قوله تعالى ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ: أي لما سقاهم المطر فماتت جميع الدوابّ).
كلمة أخيرة في سورة فاطر:
دلّت سورة فاطر على وجوب الشكر، وعلى نقطة البداية فيه كما دلّت على طريق
стр. 4377
المعرفة الكاملة لله ، فهي تفصّل فيما فصّلت فيه سورة الأنعام وتكمّل تفصيلها.
وقد دلّت السورة كذلك على الصوارف عن الشكر، وحذّرتنا من ذلك، فحذرتنا من الشيطان والدنيا، ودلّت على أن الرغبة في العز والجاه والمجد من الصوارف عن طريق الله.
ولمّا كانت بداية السير إلى الله تكمن في قبول الإنذار، ولما كان قبول الإنذار يحتاج إلى خشية من الله ، فقد دلّت السورة على الطريق لتحقيق الخشية وبينت بواعثها، ودلّت على مغذياتها.
وسورة فاطر تكمّل سورة سبأ، ومن ثمّ فهي تبني على ما ذكرته تلك، فسورة سبأ وضعت الأساس في موضوع الشكر، وجاءت سورة فاطر لتبني على هذا الأساس.
لاحظ التكامل بين السورتين:
جاء في سورة سبأ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وجاء في سورة فاطر وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ.
جاء في سورة سبأ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ وجاء في سورة فاطر:
اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ.
لقد ربطت سورة سبأ بين معرفة الله والإيمان باليوم الآخر والقيام بالتكليف الذي هو الشكر، وسورة فاطر هي التي دلّت على طريق الشكر العملي.
وسورتا سبأ وفاطر تكمّلان مجموعتهما في قسم المثاني بإعطاء كثير من المعاني، فهما قد عمّقتا قضية الشكر، وهو موضوع مرتبط بقضية التقوى الواردة في سورة الأحزاب، وذلك يعمّق قضية الإيمان التي ركزت عليها زمرة (الم) في هذه المجموعة.
إنّ لسورة فاطر سياقها المرتبط بمحورها، ولها تكاملها مع السورة التي سبقتها ومع مجموعتها التي هي فيها وكل ذلك بعض أسرار الإعجاز.
стр. 4378
سورة يس
وهي السّورة السّادسة والثلاثون بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة الثامنة والأخيرة من المجموعة الأولى من قسم المثاني، وآياتها ثلاث وثمانون آية وهي مكيّة
стр. 4379
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم
стр. 4380
كلمة في سورة يس ومحورها:
يلاحظ أن سورة (يس) مبدوءة بالحرفين (يا) و (س) وهذان الحرفان مفتاحان، بهما نتعرف على محل هذه السورة في السياق القرآني العام.
فلنتذكر الآن شيئا: بدأت سورة مريم بقوله تعالى: كهيعص ولاحظنا أن الحرف (ها) ورد في سورة (طه) التي هي بداية مجموعة، والحرف (يا) جاء الآن في سورة (يس)، والحرف (ع) سيأتي معنا في بداية سورة الشورى وهي بداية مجموعة، والحرف (ص) سيأتي في سورة (ص) وهي نهاية مجموعة، فالملاحظ أنّ هذه الأحرف تأتي إما في بداية مجموعة، أو في نهاية مجموعة فحرف (ها) جاء في سورة (طه) وهي بداية مجموعة. وحرف (ص) جاء في نهاية مجموعة كما سنرى.
وحرف (ع) سيأتي في بداية مجموعة كما سنرى وأن الحرف (يا) جاء في سورة (يس) التي هي نهاية مجموعتها كما سنبرهن الآن:
...
وإنما اعتمدنا أن الحرف (يا) علامة على نهاية مجموعة، وبالتالي فإن سورة (يس) نهاية المجموعة التي مرّت معنا لأسباب كثيرة:
١ - نلاحظ أن الحرف (س) ورد في بداية هذه السورة، كما ورد في الطاسينات، ونلاحظ أن خاتمة سورة (يس) هي نفس خاتمة (طسم) القصص التي هي خاتمة مجموعتها، فتلك انتهت بقوله تعالى: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وسورة (يس) انتهت بقوله تعالى: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ مما يشير إلى وحدة المحور.
٢ - نلاحظ أن محور (الطاسينات) جميعا هو قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. ونلاحظ أن بداية (يس) هي قوله تعالى:
يس* وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ* إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، وهذا يؤكد أن محور (يس) هو محور الطاسينات. وكما أن الطاسينات نهاية مجموعتها فسورة (يس) نهاية مجموعتها.
٣ - نلاحظ أن جرس الطاسينات موجود في (يس) فمثلا في سورة الشعراء تتكرر كلازمة وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ* وتجد في أول سورة (يس) قوله تعالى: تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ وبالتالي فكما أن الطاسينات كانت نهاية مجموعة فإن سورة (يس) نهاية مجموعة.
стр. 4381
٤ - نلاحظ أنه بعد سورة (يس) تأتي سورة (الصافات) المبدوءة (بقسم)، وتلك علامة من علامات بداية المجموعات- كما سنرى- مما يشير إلى أن سورة (يس) هي نهاية مجموعة سابقة.
٥ - إن هناك مجموعة دلائل تدل على أن سورة (يس) تفصّل قوله تعالى:
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ومن ثمّ فهي تفصّل من سورة البقرة ما يأتي بعد محور سورة فاطر، ولا نجد سورة بعدها تفصّل ما بعد آية محورها، ممّا يدل كذلك على أنها نهاية مجموعتها.
...
وهاك مجموعة الدلالات التي تدل على أن سورة (يس) تفصّل قوله تعالى:
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ مما يدل على أنّ هذه الآية هي محور السورة.
١ - نلاحظ أن الكلام عن المرسلين يأخذ حيّزا من السّورة:
إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ. فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ. إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ. اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ. كما نلاحظ أن السّورة تعرض علينا بعض آيات الله وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ ... وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ ... وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ....
٢ - نلاحظ أن قوله تعالى من سورة البقرة تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ قد جاء في حيّز قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ لاحظ أَلَمْ تَرَ ونلاحظ في سورة (يس) تكرار ما يقارب هذه الصيغة أَلَمْ يَرَوْا .... أَوَلَمْ يَرَوْا ... أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ ....
لهذا كله قلنا: إنّ سورة (يس) هي نهاية مجموعتها، وأن محورها هو ما ذكرناه من سورة البقرة.
...
ومع أن السورة تفصّل محورها ولها سياقها فهي كذلك تتكامل مع مجموعتها،
стр. 4382
فتكمّل معاني سورة فاطر، فسورة فاطر مثلا ذكر الله فيها إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ وسورة (يس) تتحدّث عن الرسل ومهمتهم. ومما تقوله: إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ فهي تكمّل ما بدأته سورة فاطر،
وتزيده تفصيلا، إذ تتحدث عن المرسلين عامة ومهمتهم وموقف الناس ...
...
بعد أن عرفنا أن سورة (يس) هي نهاية المجموعة السابقة، وعرفنا ما هو محورها نقول:
إن سورة (يس) تتألف من مقطعين: المقطع الأول: ويمتد من أول السورة إلى نهاية قوله تعالى: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي إلى نهاية الآية (٣٠)، والمقطع الثاني، ويمتدّ إلى نهاية السورة. أي إلى نهاية الآية (٨٣) ونلاحظ أن المقطع الثاني يتألف من مجموعات واضحة التقسيم، واضحة البدايات: أَلَمْ يَرَوْا أَلَمْ أَعْهَدْ أَلَمْ يَرَوْا أَوَلَمْ يَرَ ..
نقول: [تقديم ابن كثير والألوسي وصاحب الظلال لسورة يس]
١ - [من تقديم ابن كثير لتفسير سورة (يس)]
قدّم ابن كثير لتفسير سورة (يس) بأن ذكر الأحاديث والآثار الواردة في هذه السورة وفضلها، والحض على تلاوتها وحفظها. فلنذكر ما ذكره في هذه المقدمة مع حذف الأسانيد. قال ابن كثير:
(روى أبو عيسى الترمذي ... عن قتادة عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «إن لكل شئ قلبا، وقلب القرآن يس، ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات» ثم قال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حميد بن عبد الرحمن. وهارون أبو محمد- أحد رواة الحديث- شيخ مجهول. وفي الباب عن أبي بكر الصديق ﵁، ولا يصح لضعف إسناده، وعن أبي هريرة ﵁ منظور فيه. أما حديث الصديق ﵁ فرواه الحكيم الترمذي في كتابه نوادر الأصول. وأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد رواه أبو بكر البزار بإسناده عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لكل شئ قلبا، وقلب القرآن يس» ثم قال لا نعلم رواه إلا زيد عن حميد. وروى الحافظ
стр. 4383
أبو يعلى ... عن الحسن قال سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ يس في ليلة أصبح مغفورا له، ومن قرأ حم التي يذكر فيها الدخان أصبح مغفورا له» إسناده جيد. وروى ابن حبان في صحيحه ... عن الحسن عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ يس في ليلة ابتغاء وجه الله غفر له». وروى الإمام أحمد ... عن معقل بن يسار ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «البقرة سنام القرآن وذروته؛ نزل مع كل آية منها ثمانون ملكا. واستخرجت اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ من تحت العرش، فوصلت بها- أي فوصلت بسورة البقرة- ويس قلب القرآن، لا يقرؤها رجل يريد الله تعالى والدار الآخرة إلا غفر له، واقرءوها على موتاكم» وكذا رواه النسائي في اليوم والليلة.
وروى الإمام أحمد ... عن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: «اقرءوها على موتاكم يعني يس» ورواه أبو داود والنسائي في اليوم والليلة وابن ماجه من حديث عبد الله بن المبارك به إلا أن في رواية النسائي عن أبي عثمان عن معقل بن يسار ﵁، ولهذا قال بعض العلماء: من خصائص هذه السورة أنها لا تقرأ عند أمر عسير إلا يسّره الله تعالى، وكأن قراءتها عند الميت لتنزل الرحمة والبركة وليسهل عليه خروج الروح والله تعالى أعلم. قال الإمام أحمد ﵀ حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان قال: كان المشيخة يقولون: إذا قرئت- يعني يس- عند الميت خفف الله عنه بها. وروى البزار ... عن عكرمة عن ابن عباس قال:
قال النبي ﷺ : «لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي» يعني يس).
٢ - ومن تقديم الألوسي لسورة (يس) ننقل ما يلي:
(صح من حديث الإمام أحمد. وأبي داود. والنسائي. وابن ماجه. والطبراني.
وغيرهم عن معقل بن يسار أن رسول الله ﷺ قال (يس) قلب القرآن وعد ذلك أحد أسمائها، وبين حجة الإسلام الغزالي عليه الرحمة وجه إطلاق ذلك عليها بأن المدار على الإيمان وصحته بالاعتراف بالحشر والنشر، وهو مقرر فيها على أبلغ وجه وأحسنه، ولذا شبهت بالقلب الذي به صحة البدن وقوامه، واستحسنه الإمام الرازي، وأورد على ظاهره أن كل ما يجب الإيمان به لا يصح الإيمان بدونه، فلا وجه لاختصاص الحشر والنشر بذلك. وأجيب بأن المراد بالصحة في كلام الحجة ما يقابل السقم والمرض ولا شك أن من صح إيمانه بالحشر يخاف من النار، ويرغب في الجنة دار الأبرار فيرتدع
стр. 4384
عن المعاصي التي هي كأسقام الإيمان إذ بها يختل ويضعف، ويشتغل بالطاعات التي هي كحفظ الصحة، ومن لم يقو إيمانه به كان حاله على العكس، فشابه الاعتراف به بالقلب الذي بصلاحه يصلح البدن، وبفساده يفسد، وجوز أن يقال وجه الشبه بالقلب أن به صلاح البدن وفساده، وهو غير مشاهد في الحس، وهو محل لانكشاف الحقائق والأمور الخفية، وكذا الحشر من المغيبات، وفيه يكون انكشاف الأمور والوقوف على حقائق المقدور، وبملاحظته وإصلاح أسبابه تكون السعادة الأبدية، وبالإعراض عنه وإفساد أسبابه يبتلى بالشقاوة السرمدية. وفي الكشف: لعل الإشارة النبوية في تسمية هذه السورة قلبا، وقلب كل شئ لبه وأصله الذي ما سواه إما من مقدماته، وإما من متمماته إلى ما أسلفناه في تسمية الفاتحة بأم القرآن من أن المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب إرشاد العباد إلى غايتهم الكمالية في المعاد، وذلك بالتحقق والتخلق المذكورين هنالك، وهو المعبر عنه بسلوك الصراط المستقيم، ومدار هذه السورة الكريمة على بيان ذلك أتم بيان. اه).
(ووجه اتصالها بما قبلها على ما قاله الجلال السيوطي أنه لما ذكر في سورة فاطر قوله سبحانه وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ وقوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ
نَذِيرٌ
إلى قوله سبحانه: فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ وأريد به محمد ﷺ ، وقد أعرضوا عنه وكذبوه افتتح هذه السورة بالإقسام على صحة رسالته ﵊، وأنه على صراط مستقيم، لينذر قوما ما أنذر آباؤهم وقال سبحانه في فاطر:
وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ وفي هذه السورة وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ* وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ إلى غير ذلك ولا يخفى أن أمر المناسبة يتم على تفسير النذير بغيره ﷺ أيضا فتأمل).
٣ - ومن كلام صاحب الظلال في تقديمه لهذه السورة:
(هذه السورة المكية ذات فواصل قصيرة. وإيقاعات سريعة. ومن ثمّ جاء عدد آياتها ثلاثا وثمانين. بينما هي أصغر وأقصر من سابقتها- سورة فاطر- وعدد آياتها خمس وأربعون. وقصر الفواصل مع سرعة الإيقاع يطبع السورة بطابع خاص، فتتلاحق إيقاعاتها، وتدق على الحس دقات متوالية، يعمل على مضاعفة أثرها ما تحمله معها من الصور والظلال التي تخلعها المشاهد المتتابعة من بدء السورة إلى نهايتها. وهي متنوعة وموحية وعميقة الآثار).
стр. 4385
(هذه المؤثرات منتزعة في هذه السورة من مشاهد القيامة- بصفة خاصة- ومن مشاهد القصة ومواقفها وحوارها. ومن مصارع الغابرين على مدار القرون. ثم من المشاهد الكونية الكثيرة المتنوعة الموحية: مشهد الأرض الميتة تدب فيها الحياة. ومشهد الليل يسلخ منه النهار فإذا هو ظلام. ومشهد الشمس تجري لمستقر لها. ومشهد القمر يتدرج في منازله حتى يعود كالعرجون القديم. ومشهد الفلك المشحون يحمل ذرية البشر الأولين. ومشهد الأنعام مسخرة للآدميين. ومشهد النطفة ثم مشهدها إنسانا وهو خصيم مبين! ومشهد الشجر الأخضر تكمن فيه النار التي يوقدون!).
(وإلى جوار هذه المشاهد مؤثرات أخرى تلمس الوجدان الإنساني وتوقظه: منها صورة المكذبين الذين حقت عليهم كلمة الله بكفرهم فلم تعد تنفعهم الآيات والنذر:
إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ* وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ. ومنها صورة نفوسهم في سرهم وفي علانيتهم مكشوفة لعلم الله لا يداريها منه ستار .. ومنها تصوير وسيلة الخلق بكلمة لا تزيد: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ. فَيَكُونُ .. وكلها مؤثرات تلمس القلب البشري وهو يرى مصداقها في واقع الوجود.).
...
ولنبدأ عرض السّورة.
стр. 4386
المقطع الأول ويمتدّ من الآية (١) إلى نهاية الآية (٣٠) وهذا هو مع البسملة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٣٦/ ٣٠ - ١
стр. 4387
٣٦/ ١٨ - ٣٠
التفسير:
يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ أي ذي الحكمة، وصف بالحكيم لأنّه كلام الله الحكيم
إِنَّكَ يا محمد لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ هذا هو المقسم عليه
عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي طريقة مستقيمة وهو الإسلام. قال ابن كثير: أي على نهج ودين قويم وشرع مستقيم
تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ قال النسفي: (العزيز الغالب بفصاحة نظم كتابه أوهام ذوي العناد، الرحيم الجاذب بلطافة معنى خطابه أفهام أولي الرشاد). وقال ابن كثير: أي هذا الصراط والمنهج والدين الذي جئت به تنزيل من رب العزة الرحيم بعباده المؤمنين
لِتُنْذِرَ قَوْماً أي أرسلت لتنذر قوما ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ أي لم ينذر آباؤهم من قبل فَهُمْ غافِلُونَ. قال ابن كثير: (يعني بهم العرب فإنه ما أتاهم من نذير من قبله، وذكرهم وحدهم لا ينفي من عداهم، كما أن ذكر بعض
стр. 4388
الأفراد لا ينفي العموم، وقد تقدّم ذكر الآيات والاحاديث المتواترة في عموم بعثته ﷺ ... ).
...
نقول:
١ - [كلام لصاحب الظلال حول قوله تعالى وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ]
بمناسبة قوله تعالى: وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ قال صاحب الظلال:
(ويصف القرآن- وهو يقسم به- بأنه «القرآن الحكيم». والحكمة صفة العاقل. والتعبير على هذا النحو يخلع على القرآن صفة الحياة والقصد والإرادة. وهي من مقتضيات أن يكون حكيما. ومع أن هذا مجاز إلا أنه يصور حقيقة ويقربها. فإن لهذا القرآن لروحا! وإن له لصفات الحي الذي يعاطفك وتعاطفه حين تصفي له قلبك وتصغي له روحك! وإنك لتطلع منه على دخائل وأسرار كلما فتحت له قلبك وخلصت له بروحك! وإنك لتشتاق منه إلى ملامح وسمات، كما تشتاق إلى ملامح الصديق وسماته، حين تصاحبه فترة وتأنس به وتستروح ظلاله! ولقد كان رسول الله ﷺ يحب أن يسمع تلاوة القرآن من غيره؛ ويقف ينصت إذا سمع من يرتل هذا القرآن.
كما يقف الحبيب وينصت لسيرة الحبيب!
والقرآن حكيم. يخاطب كل أحد بما يدخل في طوقه. ويضرب على الوتر الحساس في قلبه. ويخاطبه بقدر. ويخاطبه بالحكمة التي تصلحه وتوجهه.
والقرآن حكيم. يربي بحكمة، وفق منهج عقلي ونفسي مستقيم. منهج يطلق طاقات البشر كلها مع توجيهها الوجه الصالح القويم. ويقرر للحياة نظاما كذلك يسمح بكل نشاط بشري في حدود ذلك المنهج الحكيم.).
٢ - [كلام للآلوسي حول آية لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ]
وبمناسبة قوله تعالى: لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ قال الألوسي:
(والمراد بآبائهم آباؤهم الأدنون وإلا فالأبعدون قد أنذرهم إسماعيل ﵇، وبلغهم شريعة إبراهيم ﵇.
كلمة في السياق: [الآيات (١ - ٦) وفحوى الرسالة المحمدية ومضمونها وحكمتها]
ذكرت هذه الآيات أن محمدا ﷺ رسول، وأن رسالته هي الصراط المستقيم، وأن رسالته من عند الله، وأن الحكمة منها إنذار قومه أولا فإذا تذكرنا محور السورة
стр. 4389
وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ نعلم أن السورة تبدأ بتبيان فحوى الرسالة ومضمونها وحكمتها فإذا استقرّ ذلك فإن السياق يبدأ بعرض موقف الكافرين من رسول الله ﷺ ومن دعوته.
...
لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ أي وجب وثبت، والقول: هو قوله تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. عَلى أَكْثَرِهِمْ دلّ على أن القليل فقط هم الذين يؤمنون فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أي تعلق بهم هذا القول وثبت عليهم ووجب، لأنهم ممن علم أنهم يموتون على الكفر، فبسبب ذلك هم لا يؤمنون بالله، ولا يصدقون رسله. قال ابن جرير في معنى الآية: لقد وجب العذاب على أكثرهم بأن الله تعالى قد حتّم عليهم في أمّ الكتاب أنهم لا يؤمنون
إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا الغل: هو ما تجمع به اليدان إلى العنق، ولما كان هذا معروفا اكتفى بذكر الأعناق عن ذكر الأيدي فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ معناه: فالأغلال واصلة إلى الأذقان ملزوزة إليها فَهُمْ مُقْمَحُونَ قال مجاهد: (أي) رافعي رءوسهم، وأيديهم موضوعة على أفواههم فهم مغلولون عن كل خير، أي مرفوعة رءوسهم بشكل لا يدعهم الغل يطأطئون رءوسهم. قال النسفي: مثّل تصميمهم على الكفر، وأنه لا سبيل إلى ارعوائهم بأن جعلهم كالمغلولين المقمحين، في أنهم لا يلتفتون إلى الحق، ولا يعطفون أعناقهم نحوه، ولا يطأطئون رءوسهم له، وكالحاصلين بين سدين لا يبصرون ما قدّامهم، ولا ما خلفهم في ألّا تأمّل لهم ولا تبصّر، وأنهم متعامون عن النظر في آيات الله بقوله:
إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ*
وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا أي وجعلنا من أمامهم سدا عن الحق ومن خلفهم سدا عن الحق فَأَغْشَيْناهُمْ أي فأغشينا أبصارهم عن الحق أي غطّيناها وجعلنا عليها غشاوة فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ الحق والرشاد أي لا ينتفعون بخير ولا يهتدون إليه. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: جعل الله تعالى هذا السّدّ بينهم وبين الإسلام والإيمان، فهم لا يخلصون إليه وقرأ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ* وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [يونس: ٩٦، ٩٧]
ثم قال: من منعه الله تعالى لا يستطيع وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أي سواء عليهم الإنذار وتركه. والمعنى: من أضله الله هذا الإضلال لم ينفعه الإنذار.
стр. 4390
قال ابن كثير: (أي قد ختم الله عليهم بالضلالة فما يفيد فيهم الإنذار ولا يتأثّرون به)
إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ أي القرآن وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ أي وخاف عقاب الله مع أنّه لا يراه أو خاف الله حيث لا يراه أحد إلّا الله ﵎ يعلم أن الله مطلع عليه وعالم بما يفعل. والمعنى: إنما ينتفع بإنذارك الذين اجتمع لهم اتباع القرآن العظيم وخوف الله، ممّا يفيد أنّ اتباع القرآن والخوف من الله هما بداية السير، وبداية قبول الموعظة والتذكير. فهذه مسلّمة لا بد منها للسير إلى الله فَبَشِّرْهُ أي بشر المتّبع للذكر الخائف من الله بِمَغْفِرَةٍ أي لذنوبه وَأَجْرٍ كَرِيمٍ أي كثير واسع حسن جميل. أي الجنة.
ثم ذكر تعالى ما يثير الخشية منه ويبعث عليها فقال:
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى أي يوم القيامة. أي نبعثهم بعد مماتهم وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا أي من الأعمال أي ما أسلفوا في حياتهم الدنيا وَآثارَهُمْ أي ما هلكوا عنه من أثر حسن كعلم علّموه أو كتاب صنّفوه، أو وقف وقفوه، أو رباط أو مسجد صنعوه، أو من أثر سيئ كوظيفة وظّفها بعض الظلمة، وكذلك كل سنّة حسنة أو سيئة يستنّ بها وَكُلَّ شَيْءٍ
أَحْصَيْناهُ
أي عددناه وبيّناه فِي إِمامٍ مُبِينٍ أي موضح يعني اللوح المحفوظ لأنه أصل الكتب ومقتداها. قال ابن كثير:
(أي وجميع الكائنات مكتوب في كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ، والإمام المبين هاهنا: هو أم الكتاب، قاله مجاهد وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم).
كلمة في السياق:
١ - ما مرّ فيه تعزية لرسول الله ﷺ وتعليم. فالتعزية هي في تبيان أن كفر الكافرين إنما هو بالله، وله في ذلك حكمة، فلا يحزنك ذلك، وفيه تعليم لرسول الله ﷺ في إراءته أين يثمر إنذاره، ولا يعني هذا ألا ينذر وألا يقيم الحجة، بدليل أن الآيات اللاحقة تبدأ بقوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ ... لأن من كتب الله عليهم الشقاوة غير معروفين بأعيانهم، إلا بتعريف الله ، وقد مرّ معنا في أول سورة الأنبياء أن من هذا شأنهم هم من توفرت فيهم مجموعة صفات على كمالها وتمامها، ولا أحد يعلم ذلك إلا الله، ومن ثمّ فلا بد من الإنذار وإقامة الحجة، وإذا كان في ما مر تعزية وتعليم فلا يذهبن أحد أن الآيات تفيد الجبر، بل الإنسان مختار، والجمع بين اختيار الإنسان وكون كل شئ بعلم الله وإرادته وقدرته ذكرناه في مكان آخر من هذا التفسير، فعلم الله كاشف لا مجبر، والإرادة تخصص على وفق العلم،
стр. 4391
والقدرة تبرز على وفق الإرادة. مع العلم أن صفات الله أزلية، وأن علم الله وإرادته أزليان، فمن الأزل علم ومن الأزل أراد دون ترتيب.
٢ - نلاحظ أن المعاني الأولى في سورة البقرة قد مرت معنا في هذه الآيات مما يشير إلى أهمية هذه المعاني في رسالة الرسول ﷺ ، وإذا كانت هذه المعاني قد تضمنتها السور السبع الماضية من هذه المجموعة، فهذا يرينا كيف أن السورة تكرّ على ما مضى لتضعه في محله من موضوع الرسالة والرسول الذي هو مضمون سورة يس، ومن قبل كنّا ذكرنا أن التفصيل في محور تفصيل فيه وفي امتدادات معانيه، وفي ارتباطاته من سورة البقرة.
٣ - نلاحظ أنه بعد أن ذكر الله ما ذكر من قواعد ومعان يأمر فيما يأتي رسوله ﷺ بأن يضرب مثلا في موقف أهل مدينة من رسلهم، وماذا كان عقابهم، ممّا يفيد أن الرسول ﷺ عليه واجب الإنذار، ولو علم أن إنذاره لا يفيد وهو شيء علمناه من أول السورة: لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ مع أن أكثر القوم بنص الآيات لا يؤمنون: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. وقبل أن نرى المثل فلننقل بعض فوائد ما مر.
فوائد:
١ - [كلام النسفي بمناسبة آية وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ قال النسفي: (وروي أن عمر بن عبد العزيز قرأ الآية على غيلان القدري فقال: كأني لم أقرأها، أشهدك أني تائب عن قولي في القدر، فقال عمر: اللهم إن صدق فتب عليه، وإن كذب فسلط عليه من لا يرحمه، فأخذه هشام بن عبد الملك من عنده فقطع يديه ورجليه، وصلبه على باب دمشق).
٢ - [حول سبب نزول قوله تعالى إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا .. ]
في سبب نزول قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا ... إلى فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ. قال ابن كثير: (وقال عكرمة: قال أبو جهل لئن رأيت محمدا لأفعلن، ولأفعلن فأنزلت إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا إلى قوله فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ قال: وكانوا يقولون هذا محمد، فيقول: أين هو أين هو؟ لا يبصر، ورواه ابن جرير؛ وقال محمد ابن إسحاق حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب
стр. 4392
قال: قال أبو جهل- وهم جلوس- إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه كنتم ملوكا فإذا متّم بعثتم بعد موتكم، وكانت لكم جنان خير من جنان الأردن، وأنكم إن خالفتموه كان لكم منه ذبح، ثم بعثتم بعد موتكم، وكانت لكم نار تعذبون بها، وخرج عليهم رسول الله ﷺ عند ذلك وفي يده حفنة من تراب وقد أخذ الله تعالى على أعينهم دونه فجعل يذرها على رءوسهم ويقرأ يس* وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ حتى انتهى إلى قوله تعالى وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ وانطلق رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم لحاجته، وباتوا رصداء على بابه، حتى خرج عليهم بعد ذلك خارج من الدار، فقال مالكم؟ قالوا: ننتظر محمدا قال: وقد خرج عليكم فما بقي منكم من رجل إلا وضع على رأسه ترابا، ثم ذهب لحاجته، فجعل كل رجل منهم ينفض ما على رأسه من التراب. قال: وقد بلغ النبي ﷺ قول أبي جهل فقال: «أنا أقول ذلك إن لهم مني لذبحا وإني لآخذهم»).
أقول: يبدو أن هذه الحادثة كانت قبيل الهجرة.
٣ - [قولان لابن كثير حول آية وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ ودليل لكل قول وتعليق عليهما]
رأينا معنى قوله تعالى: وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ إذ ذكرنا أن معناها: ما أسلفوا وما هلكوا عنه من أثر حسن أو سيئ، ولم نذكر غير هذا القول.
وقد ذكر ابن كثير قولا آخر في ذلك وبعد أن ذكر القولين ودليل كلّ قال:
(وهذا القول لا تنافي بينه وبين الأول، بل في هذا تنبيه ودلالة على ذلك بطريق الأولى والأحرى؛ فإنه إذا كانت هذه الآثار تكتب فلأن تكتب التي فيها قدوة بهم من خير أو شر بطريق الأولى). أما وقد عرفنا أنه لا تنافي بين القولين فلنذكر القولين ودليل كلّ كما عرضهما ابن كثير، قال ﵀:
(وفي قوله تعالى وَآثارَهُمْ قولان (أحدهما): نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم التي أثروها من بعدهم فنجزيهم على ذلك أيضا، إن خيرا فخير وإن شرا فشر كقوله ﷺ : «من سنّ في الإسلام سنّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شئ، ومن سنّ في الإسلام سنّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شئ» رواه مسلم، وفيه قصة مجتابي الثمار المضربين، وأخرجه ابن أبي حاتم عن جرير بن عبد الله ﵁ فذكر الحديث بطوله ثم تلا هذه الآية وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وقد رواه مسلم من رواية أبي عوانة، وهكذا الحديث الآخر الذي في صحيح مسلم عن
стр. 4393
أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: من علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده» وقال سفيان الثوري عن أبي سعيد ﵁ قال: سمعت مجاهدا يقول في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ قال: ما أورثوا من الضلالة. وقال ابن لهيعة عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قوله تعالى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ يعني: ما أثروا، يقول ما سنّوا من سنة فعمل بها قوم من بعد موتهم فإن كانت خيرا فلهم مثل أجورهم، لا ينقص من أجر من عمل به شيئا، وإن كانت شرا فعليهم مثل أوزارهم، ولا ينقص من أوزار من عمل بها شيئا ذكرهما ابن أبي حاتم، وهذا القول هو اختيار البغوي. (والقول الثاني): أن المراد بذلك آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية، قال ابن أبي نجيح وغيره عن مجاهد ما قَدَّمُوا أعمالهم وَآثارَهُمْ قال: خطاهم بأرجلهم، وكذا قال الحسن وقتادة وَآثارَهُمْ يعني: خطاهم. وقال قتادة: لو كان الله مغفلا شيئا من شأنك يا ابن آدم أغفل ما تعفي الرياح من هذه الآثار، ولكن أحصى على ابن آدم أثره، وعمله كله، حتى أحصى هذا الأثر فيما هو من طاعة الله تعالى، أو من معصيته، فمن استطاع منكم أن يكتب أثره في طاعة الله تعالى فليفعل. وقد أوردت في هذا المعنى أحاديث: (الحديث الأول) روى الإمام أحمد ... عن أبي نضرة عن جابر ابن عبد الله ﵄ قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال لهم: «إني بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد» قالوا: نعم يا رسول الله، قد أردنا ذلك فقال ﷺ :
«يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم» وهكذا رواه مسلم.
(الحديث الثاني) روى ابن أبي حاتم ... عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كانت بنو سلمة في ناحية من المدينة، فأرادوا أن ينتقلوا إلى قريب من المسجد فنزلت إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ فقال لهم النبي ﷺ : «إن آثاركم تكتب» فلم ينتقلوا، تفرد بإخراجه الترمذي عند تفسيره هذه الآية الكريمة عن محمد ابن الوزير به ثم قال حسن غريب من حديث الثوري، ورواه ابن جرير عن أبي نضرة به، وقد رواه البزار من غير طريق الثوري. روى الحافظ أبو بكر البزار ... عن أبي سعيد ﵁ قال: إن بني سلمة شكوا إلى رسول الله ﷺ بعد منازلهم من المسجد فنزلت وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ فأقاموا في مكانهم.
стр. 4394
وفيه غرابة من حيث ذكر نزول هذه الآية والسورة بكمالها مكية فالله أعلم. (الحديث الثالث) روى ابن جرير ... عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: كانت منازل الأنصار متباعدة من المسجد فأرادوا أن ينتقلوا إلى المسجد فنزلت وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ فقالوا: نثبت مكاننا، هكذا رواه وليس فيه شئ مرفوع، ورواه الطبراني ... عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد، فأرادوا أن يتحولوا إلى المسجد فنزلت وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ فثبتوا في منازلهم. (الحديث الرابع) روى الإمام أحمد ... عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: توفي رجل بالمدينة فصلى عليه النبي ﷺ وقال: «يا ليته مات في غير مولده» فقال رجل من الناس: ولم يا رسول الله؟
فقال رسول الله ﷺ : «إن الرجل إذا توفي في غير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة» ورواه النسائي عن يونس بن عبد الأعلى وابن ماجه عن حرملة كلاهما عن ابن وهب عن حيي بن عبد الله به، وروى ابن جرير ... عن ثابت قال: مشيت مع أنس ﵁ فأسرعت المشي، فأخذ بيدي فمشينا رويدا، فلما قضينا الصلاة قال أنس: مشيت مع زيد بن ثابت فأسرعت المشي فقال يا أنس أما شعرت أن الآثار تكتب؟ وهذا القول لا تنافي بينه وبين الأول، بل في هذا تنبيه ودلالة على ذلك بطريق الأولى والأحرى؛ فإنه إذا كانت هذه الآثار تكتب فلأن تكتب تلك التي فيها قدوة بهم من خير أو شر بطريق الأولى، والله أعلم).
ولنمض في التفسير:
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ أي اذكر لهم قصة عجيبة هي قصة أصحاب القرية. قال ابن كثير: (يقول تعالى: واضرب يا محمد لقومك الذين كذبوك مثلا أصحاب القرية) إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ
إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ أي إلى أهل القرية اثْنَيْنِ أي رسولين فَكَذَّبُوهُما أي بادروهما بالتكذيب فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ أي قوّيناهما وشددنا أزرهما برسول ثالث فَقالُوا أي الرسل الثلاثة لأهل القرية إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ أي من ربكم الذي خلقكم يأمركم بعبادته وحده لا شريك له
قالُوا أي أصحاب القرية ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا قال ابن كثير:
(أي فكيف أوحى إليكم وأنتم بشر ونحن بشر فلم لا أوحى إلينا مثلكم، ولو كنتم رسلا لكنتم ملائكة وهذه شبهة كثير من الأمم المكذبة ... ). وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ
стр. 4395
شَيْءٍ أي من الوحي أي وما أنزل الله وحيا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ أي وما أنتم إلا كذبة، فلغة الكافرين في كل زمان ومكان واحدة
قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ قال ابن كثير: (أي أجابتهم رسلهم الثلاثة قائلين: الله يعلم أنا رسله إليكم، ولو كنا كذبة عليه لانتقم منا أشدّ الانتقام، ولكنّه سيعزّنا وينصرنا عليكم، وستعلمون لمن تكون عاقبة الدار)
وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ أي التبليغ الظاهر المكشوف بالآيات الشاهدة بصحته. قال ابن كثير: (يقولون إنما علينا أن نبلغكم ما أرسلنا به إليكم، فإذا أطعتم كانت لكم السعادة في الدنيا والأخرى، وإن لم تجيبوا فستعلمون غبّ ذلك)
قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ أي قال لهم أهل القرية ذلك.
ومعنى تطيرنا بكم: تشاءمنا بكم. قال النسفي: (وذلك أنهم كرهوا دينهم، ونفرت منه نفوسهم، وعادة الجهال أن يتيمّنوا بكل شئ مالوا إليه، وقبلته طباعهم، ويتشاءموا بما نفروا عنه وكرهوه، فإن أصابهم بلاء أو نعمة قالوا بشؤم هذا وبركة ذلك). وقال ابن كثير فيها: (أي لم نر على وجوهكم خيرا في عيشنا. وقال قتادة:
يقولون إن أصابنا شر فإنما هو من أجلكم) لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا عن مقالتكم هذه لَنَرْجُمَنَّكُمْ أي لنقتلنكم رجما بالحجارة أو المعنى: لنطردنّكم أو لنشتمنّكم وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ أي ليصيبنّكم منا عذاب شديد. أي عقوبة شديدة، وذلك دأب الظالمين مع الدعاة إلى الله في كل زمان ومكان، إذ تفوتهم الحجة يلجئون إلى التهديد والوعيد، ثم التنفيذ
قالُوا أي الرسل طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أي سبب شؤمكم معكم، وهو الكفر، أو شؤمكم مردود عليكم، قابلوا الكلام بمثله ممّا يدلّ على جواز الانتصار لتبيان الحق أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ أي أإن وعظتم ودعيتم إلى الإسلام تطيّرتم بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ أي مجاوزون الحدّ في العصيان فمن ثمّ أتاكم الشؤم من قبلكم لا من قبل رسل الله وتذكيرهم. قال النسفي: (أو بل أنتم مسرفون في ضلالكم وغيّكم، حيث تتشاءمون بمن يجب التبرك به من رسل الله)
وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ أي من أبعدها رَجُلٌ يَسْعى أي يسرع قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ حضّ قومه على اتباع الرسل الذين جاءوهم
اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً أي على إبلاغ الرسالة وَهُمْ أي الرسل مُهْتَدُونَ فيما يدعونكم إليه من عبادة الله وحده لا شريك له
وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي أي خلقني وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي وإليه مرجعكم يوم القيامة، فيجازيكم على أعمالكم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر
أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً هذا استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع
стр. 4396
إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ أي مكروه لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ أي هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله لا يملكون من الأمر شيئا، فإن الله تعالى لو أرادني بسوء فإن هذه الأصنام لا تستطيع كشفه، ولا تملك دفع ذلك ولا منعه، ولا ينقذونني مما أنا فيه
إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي ظاهر بيّن أي إن اتخذتها آلهة من دون الله
إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ هل هذا القول قاله للرسل ليشهدوا له، أو قاله لقومه متحدّيا عند ما أخذوا يقتلونه؟ قولان
قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ دلّ على أنهم قتلوه فكافأه الله بالجنة. قال ابن كثير: فدخلها فهو يرزق فيها، قد أذهب الله عنه سقم الدنيا وحزنها ونصبها. فلما رأى الثواب قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ
بِما غَفَرَ لِي رَبِّي أي بمغفرة ربي لي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ أي بالجنة بإيماني بربي، وتصديقي المرسلين. قال ابن كثير: (ومقصوده أنهم لو اطّلعوا على ما حصل لي من هذا الثواب والجزاء، والنعيم المقيم؛ لقادهم ذلك إلى اتّباع الرسل، فرحمه الله ورضي عنه، فلقد كان حريصا على هداية قومه)
وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد قتله مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ لتعذيبهم ونصر رسلنا وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ أي وما كان يصح في حكمتنا أن ننزل في إهلاك قومه جندا من السماء، وذلك لأن الله تعالى أجرى هلاك كل قوم على بعض الوجوه دون بعض لحكمة اقتضت ذلك. قال ابن مسعود: أي ما كاثرناهم بالجموع، الأمر كان أيسر من ذلك
إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً أي إن كانت الأخذة أو العقوبة إلا صيحة واحدة. قال ابن كثير: (قال المفسرون: بعث الله تعالى إليهم جبريل ﵊، فأخذ بعضادتي باب بلدهم، ثم صاح بهم صيحة؛ فإذا هم خامدون عن آخرهم، لم تبق بهم روح تتردد في جسد) فَإِذا هُمْ خامِدُونَ قال النسفي: (أي ميّتون كما تخمد النّار) والمعنى:
أن الله كفى أمرهم بصيحة ملك، ولم ينزل لإهلاكهم جندا من جنود السماء كما فعل يوم بدر والخندق
يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ أي يا ويل العباد. وقال قتادة أي يا حسرة العباد على أنفسهم على ما ضيّعت من أمر الله، وفرّطت في جنب الله. وقال النسفي: الحسرة: شدة الندم، وهذا نداء الحسرة عليهم، كأنما قيل لها تعالي يا حسرة، فهذه من أحوالك التي حقّك أن تحضري فيها وهي حال استهزائهم بالرسل، والمعنى: أنّهم أحقاء أن يتحسّر عليهم المتحسّرون ويتلهف على حالهم المتلهفون، أو هم متحسر عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين من الثقلين. وقال ابن كثير: ومعنى هذا يا حسرتهم وندامتهم يوم القيامة، إذا عاينوا العذاب كيف كذّبوا رسل الله، وخالفوا
стр. 4397
أمر الله لقد كان المكذبون منهم في الدار الدنيا ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي يكذبونه ويستهزءون به، ويجحدون ما أرسل به من الحق. وبهذا انتهى
المقطع الأول.
نقل: [عن صاحب الظلال عند قوله تعالى على لسان الكافرين للرسل إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ]
بمناسبة قوله تعالى على لسان الكافرين للرسل إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ قال صاحب الظلال: (فالقول بالتشاؤم من دعوة أو من وجه هو خرافة من خرافات الجاهلية.
والرسل يبينون لقومهم أنها خرافة؛ وأن حظهم ونصيبهم من خير ومن شر لا يأتيهم من خارج نفوسهم. إنما هو معهم. مرتبط بنواياهم وأعمالهم، متوقف على كسبهم وعملهم. وفي وسعهم أن يجعلوا حظهم ونصيبهم خيرا أو أن يجعلوه شرا. فإن إرادة الله بالعبد تنفذ من خلال نفسه، ومن خلال اتجاهه، ومن خلال عمله. وهو يحمل طائره معه. هذه هي الحقيقة الثابتة القائمة على أساس صحيح. أما التشاؤم بالوجوه، أو التشاؤم بالأمكنة، أو التشاؤم بالكلمات ... فهو خرافة لا تستقيم على أصل مفهوم!).
كلمة في السياق:
ضرب الله هذا المثل بعد أن ذكر موقف كافري هذه الأمة من الإنذار، وبعد أن ذكر من هم الذين يستفيدون من الإنذار، فكان هذا المثل إنذارا للمعرضين، وتبشيرا للمستجيبين. وعرفنا به سنة من سنن الله في نصرة رسله، وعرفنا طريقة من طرق الأداء عن الله، ومظهرا من مظاهر الإيمان الصادق بالرسل عليهم الصلاة والسلام، واتصال المقطع بمحور السورة وهو قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ واضح؛ فالرسول ﵊ واحد من المرسلين الذين أرسلهم الله ليبلغوا عنه، ومن خالف هؤلاء الرسل فإن عقابه آتيه في الدنيا قبل الآخرة.
...
فوائد:
١ - [دروس في فقه الدعوة إلى الله]
من فقه الدعوة في هذه القصة أن تكليف ثلاثة في شأن الدعوة غاية في القوة. فقد أرسل الله أولا اثنين لأهل القرية، كما أرسل موسى وهارون إلى فرعون. ثم
стр. 4398
عزّز بثالث هنا، ومن ثمّ نفهم أن تكليف ثلاثة في مهمّة دعوية أقوى، مع تحديد الأمير.
٢ - [حول عقيدة سكان أطراف المدينة ووسطها بمناسبة آية وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ .. ]
من قوله تعالى: وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى فهم بعضهم أن أطراف المدينة أقرب إلى الفطرة، ومن ثمّ فهم أدعى إلى الاستجابة، وبعضهم يقول إن الحادثة تدل على أن وسط المدينة أكثر تمسكا بما ورثوه من عقائد، وهذا كما ينطبق على عقائد باطلة، ينطبق على عقائد حق، وبالتالي يختلف هذا باختلاف ما إذا كان البلد إسلاميا أو لا.
٣ - [كلام ابن كثير بمناسبة قوله تعالى على لسان مؤمن (يس) يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ]
بمناسبة قوله تعالى على لسان مؤمن (يس) يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ قال ابن كثير: (قال قتادة: لا تلقى المؤمن إلا ناصحا لا تلقاه غاشا. لما عاين ما عاين من كرامة الله تعالى قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ تمنى والله أن يعلم قومه بما عاين من كرامة الله، وما هجم عليه، وقال ابن عباس نصح قومه في حياته بقوله يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ وبعد مماته في قوله يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ رواه ابن أبي حاتم، وقال سفيان الثوري عن عاصم الأحول عن أبي مجلز بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ بإيماني بربي، وتصديق المرسلين، ومقصوده: أنهم لو اطلعوا على ما حصل لي من الثواب والجزاء، والنعيم المقيم، لقادهم ذلك إلى اتباع الرسل، فرحمه الله ورضي عنه، فلقد كان حريصا على هداية قومه. روى ابن أبي حاتم ... عن عبد الملك- يعني ابن عمير- قال: قال عروة بن مسعود الثقفي ﵁ للنبي ﷺ : ابعثني إلى قومي أدعوهم إلى الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «إني أخاف أن يقتلوك» فقال لو وجدوني نائما ما أيقظوني، فقال له رسول الله ﷺ : «انطلق» فانطلق فمرّ على اللات والعزى فقال: لأصبّحنك غدا بما يسوؤك فغضبت ثقيف، فقال يا معشر ثقيف إن اللات لا لات وإن العزى لا عزى أسلموا تسلموا، يا معشر الأحلاف، إن العزى لا عزى، وإن اللات لا لات، أسلموا تسلموا، قال ذلك ثلاث مرات فرماه رجل فأصاب أكحله فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال:
«هذا مثله كمثل صاحب يس» قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ. وروى محمد بن إسحاق ... عن كعب الأحبار أنه ذكر له حبيب ابن زيد بن عاصم أخو بني مازن بن النجار الذي كان مسيلمة الكذاب قطعه باليمامة
стр. 4399
حين جعل يسأله عن رسول الله ﵌ فجعل يقول له: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ فيقول نعم ثم يقول أتشهد أني رسول الله فيقول لا أسمع فيقول له مسيلمة لعنه الله: أتسمع هذا ولا تسمع ذاك؟ فيقول نعم، فجعل يقطعه عضوا عضوا، كلما سأله لم يزده عن ذلك، حتى مات في يديه، فقال كعب حين قيل له اسمه حبيب: وكان والله صاحب يس اسمه حبيب).
٤ - [تحقيق حول اسم القرية التي ضربها الله مثلا في سورة يس]
ما اسم هذه القرية؟ لا توجد روايات عن رسولنا ﵊ في هذا الشأن وإنما هناك روايات مرجعها أهل الكتاب تلقاها الكثير بالقبول، وهي محل نظر، ولا يترتب على الأمر عمل، وإلا لكان الله أو رسوله ﷺ سمى لنا ذلك. وقد حقق ابن كثير في أمر اسم القرية فقال: (وقد تقدم عن كثير من السلف أن هذه القرية هي أنطاكية، وأن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلا من عند المسيح عيسى ابن مريم ﵊، كما نص عليه قتادة وغيره، وهو الذي لم يذكر
عن واحد من متأخري المفسرين غيره، وفي ذلك نظر من وجوه (أحدها) أن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل الله ، لا من جهة المسيح ﵇، كما قال تعالى: إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ إلى أن قالوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ* وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ولو كان هؤلاء من الحواريين لقالوا عبارة تناسب أنهم من عند المسيح ﵇، والله تعالى أعلم، ثم لو كانوا رسل المسيح لما قالوا لهم إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا. (الثاني) أن أهل أنطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم وكانوا أول مدينة آمنت بالمسيح، ولهذا كانت عند النصارى إحدى المدائن الأربعة اللاتي فيهن بتاركة وهنّ (القدس) لأنها بلد المسيح و (أنطاكية) لأنها أول بلد آمنت بالمسيح عن آخر أهلها و (الإسكندرية) لأن فيها اصطلحوا على اتخاذ البتاركة والمطارنة والأساقفة والقساوسة والشمامسة والرهابين. ثم (رومية) لأنها مدينة الملك قسطنطين الذي نصر دينهم وأوطده، ولما ابتنى القسطنطينية نقلوا البترك من رومية إليها، كما ذكره غير واحد ممن ذكر تواريخهم، كسعيد بن بطريق وغيره من أهل الكتاب والمسلمين. فإذا تقرر أن أنطاكية أول مدينة آمنت فأهل هذه القرية ذكر الله تعالى أنهم كذبوا رسله، وأنه أهلكهم بصيحة واحدة أخمدتهم والله أعلم.
(الثالث) أن قصة أنطاكية مع الحواريين أصحاب المسيح بعد نزول التوراة، وقد ذكر أبو سعيد الخدري ﵁ وغير واحد من السلف أن الله ﵎ بعد إنزاله التوراة لم يهلك أمة من الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم، بل أمر المؤمنين بعد ذلك
стр. 4400
بقتال المشركين، ذكروه عند قوله ﵎ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى [القصص: ٤٣] فعلى هذا يتعين أن هذه القرية المذكورة في القرآن قرية أخرى غير أنطاكية، كما أطلق ذلك غير واحد من السلف أيضا.
أو تكون أنطاكية إن كان لفظها محفوظا في هذه القصة مدينة أخرى غير هذه المشهورة المعروفة، فإن هذه لم يعرف أنها أهلكت لا في الملة النصرانية، ولا قبل ذلك، والله أعلم، فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني ... عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «السبق ثلاثة: فالسابق إلى موسى ﵊ يوشع بن نون، والسابق إلى عيسى ﵊ صاحب يس، والسابق إلى محمد ﷺ علي بن أبي طالب ﵁» فإنه حديث منكر، لا يعرف إلا من طريق حسين الأشقر وهو شيعي متروك، والله أعلم بالصواب).
هذا تحقيق ابن كثير في اسم القرية. والذي يبدو لي أن من أسلم من علماء أهل الكتاب قرءوا في كتبهم أن أنطاكية ذهب إليها ثلاثة من تلاميذ المسيح؛ فظنوا أن القصة يراد بها هذه الحادثة، وتابعهم الكثير على ذلك، وهذا من ضعف التحقيق، فإنه لا يكفي أن تكون صلة ما بين شئ وشئ حتى نحكم أن هذا الشئ هو هو، والذي يبدو أنّ اسم مؤمن (يس) من هذا الباب؛ إذ إن الغالب في اسمه أنه منقول عن أهل الكتاب، وليسوا حجة قاطعة.
قال ابن كثير: (قال ابن اسحاق فيما بلغه عن ابن عباس ﵄ وكعب الأحبار ووهب بن منبه أن أهل القرية همّوا بقتل رسلهم، فجاءهم رجل من أقصى المدينة يسعى أي لينصرهم من قومه قالوا وهو حبيب، وكان يعمل الحرير، وهو الحباك، وكان رجلا سقيما قد أسرع فيه الجذام، وكان كثير الصدقة يتصدق بنصف كسبه، مستقيم الفطرة، وقال ابن إسحاق عن رجل سماه عن الحكم عن مقسم أو مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال: اسم صاحب يس حبيب، وكان الجذام قد أسرع فيه. وقال الثوري عن عاصم الأحول عن أبي مجلز كان اسمه حبيب ابن سري، وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: اسم صاحب يس حبيب النجار، فقتله قومه وقال السدي كان قصارا، وقال عمر بن الحكم كان إسكافا، وقال قتادة كان يتعبد في غار هناك).
من هذه النقول ندرك أن تسمية مؤمن (يس) باسم (حبيب) مرجعه في الغالب
стр. 4401
كلام أهل الكتاب الذين أعطونا تصورا أن الرسل الثلاثة هم رسل عيسى ﵇، أو من تلاميذه حتى إن بعضهم سماهم فقال هم شمعون، ويوحنا، والثالث بولس.
وهذا كلام بعيد عن التحقيق، فالله أعلم أين وقعت الحادثة فإن رسل الله كثيرون، ولم تخل أمة من رسول، وفي هذا العالم بلاد كثيرة عذّبت لم يشر القرآن إليها بأعيانها، ولكن آثار عذابها لا زالت باقية شاهدة، والقاعدة العامة هي أن كل مدينة عذبت لم تعذب إلا بعد إقامة الحجة عليها. قال تعالى: وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ [القصص: ٥٩].
فهذه بيروت يقال إنها بيروت السابعة بمعنى أن الله زلزل بها ست مرات، وفي كل مرة يعاد بناؤها، وهذه (بومبي) في إيطاليا التي أهلكها الله ببركان فيزوف المجاور، وهي الآن عجب من العجب فعلى بابها كما حدثني من شاهد ذلك تمثال لرجل يضع الذّكر في كفة ميزان، وفي الكفة الأخرى يوجد الذهب، مما يدل على أن رمز المدينة القديم: الشهوة، والمال، وقد يرمز التمثال إلى شئ آخر، وقد خلّف لنا البركان هياكل بشرية متحجّرة تدل على الحال الذي نزل عليها العذاب، فهناك جسد رجل متحجّر وهو يجامع امرأة وغير ذلك من مناظر الاعتبار. أقول هذا ليعلم أن المدن التي نزل بها العذاب كثيرة. ففي سوريا مثلا تجد أفاميا، وتجد كثيرا من البلدان المندثرة تكشف عنها الحفريات، وكلها مظنة عذاب، فإن نحمل قصة المرسلين الثلاثة على أن المراد بها بلد بعينها من دون دليل بل الدليل على خلاف ذلك، فإن هذا تسرّع لا ينبغي أن نتعامل به مع كتاب الله .
٥ - [عروة بن مسعود الثقفي يشبه حاله حال مؤمن (يس)]
نادرا ما تجد خيرا أو قدوة عليا في أمة من الأمم إلا وتجد في أمتنا مثله، فهذا عروة بن مسعود الثقفي الذي نقلنا قصته من قبل يشبه حاله حال مؤمن يس.
٦ - [دروس من قصة مؤمن يس حول القتل في سبيل الله]
من قصة مؤمن يس ندرك ضلال من يظن أن القتل في سبيل الله علامة على خطأ السير أو علامة على تهوّر صاحبه، إن القتل في سبيل الله له مردوده الكبير في العمل
الإسلامي، إن في نفسية الظالمين أو في نفسية المؤمنين في الدنيا والآخرة على الشهيد وعلى المسلمين بل على العالم كله.
...
ولننتقل إلى المجموعة الأولى من المقطع الثاني.
стр. 4402
المقطع الثاني [وهو الآيات (٣١ - ٨٣) ويتألف من ثلاث مجموعات]
المجموعة الأولى من المقطع الثاني وتمتدّ من الآية (٣١) إلى نهاية الآية (٧٠) وهذه هي:
٣٦/ ٧٠ - ٣١
стр. 4403
٣٦/ ٤٧ - ٦٦
стр. 4404
٣٦/ ٦٧ - ٧٠
ملاحظة في السياق: [صلة مجموعات المقطع الثاني ببعضها البعض وصلته بالمقطع الأول]
تبدأ هذه المجموعة بقوله تعالى: أَلَمْ يَرَوْا وسنرى أن المجموعة الثانية تبدأ ب أَوَلَمْ يَرَوْا مما يشير إلى أن المجموعة الثانية معطوفة على الأولى، ثم نرى أن المجموعة الثالثة مبدوءة بقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ ... مما يدل على أنها معطوفة على سياق الأولى والثانية. وهذا الذي جعلنا نعتبر أن ما بقي من السورة يشكّل مقطعا واحدا، وهذا يفيد أن الضمير في قوله تعالى: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يعود على العباد عامة الوارد ذكرهم في قوله تعالى: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ وهي الآية الآتية مباشرة قبل المقطع الثاني.
...
إن الهدف من السياق هم المخاطبون من هذه الأمة، وهم الذي ورد من أجلهم قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا ... والآن يخاطبون بقوله تعالى: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ ... فبعد أن بيّن المقطع الأول أن محمدا ﷺ من المرسلين، وأنه يدعو إلى صراط الله المستقيم، وأن الأكثرين يرفضون هذه الدعوة، وأن الأقلّين يقبلونها، وهم الذين اتبعوا الذكر وخافوا الله. أمر الله رسوله ﷺ أن يضرب لهم مثلا يبعث على الخشية. والآن يخاطبهم بما يبعث الخشية، وبما تقوم به الحجة، وبما يبعث على العمل الذي يؤدي إلى السير. فكما أن سورة فاطر ركّزت على نقطة البداية في السّير، فإنّ سورة (يس) تكمّل هذا الموضوع.
...
стр. 4405
تفسير الفقرة الأولى
أَلَمْ يَرَوْا أي ألم يعلم هؤلاء المرسل إليهم كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ قال النسفي: (أي) ألم يروا كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم. وقال ابن كثير: (أي ألم يتعظوا بمن أهلك الله قبلهم من المكذّبين للرّسل، كيف لم يكن لهم إلى هذه الدنيا كرّة ولا رجعة). أقول: وفي هذا ردّ واضح على القائلين بالتناسخ أو بالدور
وَإِنْ أي وما كُلٌّ أي جميع الأمم الماضية والآتية لَمَّا أي إلا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ أي وما كلهم إلا محشورون مجموعون محضرون للحساب أو معذّبون. قال ابن كثير: (أي وإن جميع الأمم الماضية والآتية ستحضر للحساب يوم القيامة بين يدي الله ، فيجازيهم بأعمالهم كلها، خيرها وشرها.
كلمة في السياق:
بدأ المقطع الثاني بالإنذار، وذلك بالتذكير بهلاك السابقين، وعدم عودتهم، وبالتذكير برجوع الخلق كلهم إلى الله . وبعد هذه الفقرة الخالصة في التذكير، تأتي الآن ثلاث فقرات كل منها مبدوءة بقوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ ... وفي ذكر الآيات في هذا السياق تدليل على قدرته تعالى على الإهلاك وعلى البعث، كما أن في ذكر الآيات في سياق السورة ما يقوم به الدليل على الإرسال من عدة نواح سنراها.
***
стр. 4406
تفسير الفقرة الثانية
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها أي وعلامة تدل على أن الله يبعث الموتى إحياء الأرض اليابسة، أو ودلالة لهم على وجود الصانع وقدرته التامة وإحيائه الموتى إحياء الأرض الهامدة، التي لا شئ فيها من النبات وَأَخْرَجْنا مِنْها من الأرض حَبًّا فَمِنْهُ أي من الحب يَأْكُلُونَ أي جعلناه رزقا لهم ولأنعامهم وقد قدم الجار والمجرور (فمنه) ليدل على أن جنس الحب هو الشيء الذي يتعلّق به معظم العيش، ويقوم بالأرزاق منه صلاح الإنس، وإذا قلّ جاء القحط، ووقع الضرّ، وإذا فقد حضر الهلاك ونزل البلاء
وَجَعَلْنا فِيها أي في الأرض جَنَّاتٍ أي بساتين مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لمّا امتنّ على خلقه بإيجاد الزروع لهم، عطف بذكر الثّمار وتنوّعها، وأصنافها بذكر أهمّها وَفَجَّرْنا فِيها
مِنَ الْعُيُونِ
أي وجعلنا في الأرض أنهارا سارحة، وآبارا ثابتة
لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ أي ليأكلوا من ثمر الله، أو ليأكلوا من ثمر ما مرّ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ قال ابن كثير: (أي وما ذاك كله إلا من رحمة الله تعالى بهم لا بسعيهم ولا كدّهم، ولا بحولهم وقوتهم). وعلى هذا فإن ابن كثير يعتبر أنّ (ما) في الآية نافية، ورجّح غيره أن (ما) اسم موصول والتقدير ليأكلوا من ثمره ومن الذي عملته أيديهم من الغرس والسّقي والتلقيح، وغير ذلك من الأعمال، ليبلغ الثمر منتهاه، يعني أن الثمر في نفسه فعل الله وخلقه، وفيه آثار من كدّ بني آدم أَفَلا يَشْكُرُونَ الله على نعمه باتّباع رسله
سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها أي الأصناف كلها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ أي من زروع وثمار ونبات وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ أي الأولاد ذكورا وإناثا وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ أي ومن أزواج لم يطلعهم الله عليها، ولا توصّلوا إلى معرفتها. وبهذا انتهت الفقرة الثانية من المجموعة.
نقل: [كلام صاحب الظلال بمناسبة آية سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها .. ]
بمناسبة قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ قال صاحب الظلال:
(وهذه التسبيحة تنطلق في أوانها وفي موضعها؛ وترتسم معها حقيقة ضخمة من حقائق هذا الوجود. حقيقة وحدة الخلق .. وحدة القاعدة والتكوين .. فقد خلق الله الأحياء أزواجا. النبات فيها كالإنسان. ومثل ذلك غيرهما .. مِمَّا لا يَعْلَمُونَ.
وإن هذه الوحدة لتشي بوحدة اليد المبدعة. التي توجد قاعدة التكوين مع اختلاف
стр. 4407
الأشكال والأحجام والأنواع والأجناس، والخصائص والسمات، في هذه الأحياء التي لا يعلم علمها إلا الله .. ومن يدري فربما كانت هذه قاعدة الكون كله حتى الجماد! وقد أصبح معلوما أن الذرة- أصغر ما عرف من قبل من أجزاء المادة- مؤلفة من زوجين مختلفين من الإشعاع الكهربي، سالب وموجب يتزاوجان ويتحدان! كذلك شوهدت ألوف من الثنائيات النجمية. تتألف من نجمين مرتبطين يشد بعضهما بعضا، ويدوران في مدار واحد كأنما يوقعان على نغمة رتيبة!).
كلمة في السياق: [حول مضمون الفقرة الثانية وسياقها]
يلاحظ أنه في آخر سياق الآيات قال تعالى: أَفَلا يَشْكُرُونَ سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وهذا يشير إلى أن الآية التي ذكرت في ابتداء الفقرة إنّما ذكرت لاستخراج الشكر وتنزيه الله، وهذا فحوى كل رسالة ابتعث الله بها رسله.
فالفقرات الثلاث التي تعرض لنا آيات ثلاثا كبارا تعرّفنا على الله ، وعلى ضرورة شكره، ثم إن عرض هذه الآيات في سياق هذه السورة يشير إلى أن الله الذي فعل هذا كله للإنسان لم يفعله سدى، ولن يترك عباده سدى، ومن ثمّ أرسل الرسل الذين تحدّث عنهم في المقطع الأول من السّورة.
***
стр. 4408
تفسير الفقرة الثالثة
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ أي نخرج منه النهار إخراجا لا يبقى معه شئ من ضوء النهار، أو ننزع عنه الضوء نزع القميص الأبيض فيعرى، أو نصرفه منه فيذهب فيقبل الليل فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ أي داخلون في الظلام.
وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها أي وآية لهم الشمس تسير لمستقر لها. قال الألوسي: (أي لحد معيّن تنتهي إليه من فلكها في آخر السّنة) وقال النسفي: (أو لانتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا) ذلِكَ أي الجري على ذلك التقدير والحساب الدقيق تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ أي الغالب بقدرته على كل مقدور الْعَلِيمِ بكل معلوم فهو الذي قدّر ذلك ووقّته على منوال لا اختلاف فيه ولا تعاكس
وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ قال ابن كثير:
(أي جعلناه يسير سيرا آخر يستدل به على مضي الشهور، كما أنّ الشمس يعرف بها الليل والنهار). وتعرف بها السنة الشمسية. والمعنى: والقمر قدّرنا نوره منازل فيزيد وينقص، أو قدّرنا مسيره منازل. قال النسفي: (وهي ثمانية وعشرون منزلا ينزل القمر كل ليلة في واحد منها، لا يتخطاه، ولا يتقاصر عنه، على تقدير مستو يسير فيها من ليلة المستهل، إلى الثامنة والعشرين، ثم يستتر ليلتين، أو ليلة إذا نقص الشهر حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ أي فإذا كان آخر منازل القمر دقّ واستقوس حتى عاد كقضيب النّخل إذا يبس واعوجّ وتقادم. قال النسفي: (إذا قدم دق وانحنى واصفر، فشبّه القمر به من ثلاثة أوجه)
لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ قال النسفي: (أي لا يتسهل لها ولا يصح ولا يستقيم أن تدرك القمر فتجتمع معه في وقت واحد وتداخله في سلطانه فتطمس نوره. لأن لكل واحد من النيّرين سلطانا على حياله؛ فسلطان الشمس بالنهار، وسلطان القمر بالليل) قال قتادة في الآية: يعني أن لكل منهما سلطانا فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ قال الضحاك: لا يذهب الليل من هاهنا حتى يجئ النهار من هاهنا. وقال مجاهد:
يطلبان حثيثين يسلخ أحدهما من الآخر. قال ابن كثير: (والمعنى في هذا: أنه لا فترة بين الليل والنهار، بل كل منهما يعقب الآخر بلا مهلة، ولا تراخ؛ لأنهما مسخّران دائبان، يتطالبان طلبا حثيثا) وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ قال ابن كثير: (يعني الليل والنهار، والشمس والقمر، كلهم يسبحون أي يدورون في فلك السماء، قاله ابن عباس وعكرمة والضحاك والحسن وقتادة وعطاء الخراساني). وقال النسفي في يَسْبَحُونَ أي يسيرون.
стр. 4409
نقول [من الظلال]:
١ - [حول قوله تعالى وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ .. ]
قال صاحب الظلال عند قوله تعالى وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ: (ومشهد قدوم الليل، والنور يختفي والظلمة تغشى .. مشهد مكرور يراه الناس في كل بقعة في خلال أربع وعشرين ساعة (فيما عدا بعض المواقع التي يدوم فيها النهار كما يدوم فيها الليل أسابيع وأشهرا قرب القطبين في الشمال والجنوب) وهو مع تكراره اليومي عجيبة تدعو إلى التأمل والتفكير.
والتعبير القرآني عن هذه الظاهرة- في هذا الموضع- تعبير فريد. فهو يصور النهار ملتبسا بالليل؛ ثم ينزع الله النهار من الليل فإذا هم مظلمون. ولعلنا ندرك شيئا من سر هذا التعبير الفريد حين نتصور الأمر على حقيقته. فالأرض الكروية في دورتها حول نفسها في مواجهة الشمس تمر كل نقطة منها بالشمس؛ فإذا هذه النقطة نهار؛ حتى إذا دارت الأرض وانزوت تلك النقطة عن الشمس، انسلخ منها النهار ولفها الظلام- وهكذا تتوالى هذه الظاهرة على كل نقطة بانتظام، وكأنما نور النهار ينزع أو يسلخ فيحل محله الظلام. فهو تعبير مصور للحقيقة الكونية أدق تصوير).
...
٢ - [بمناسبة قوله تعالى وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها .. ]
وقال صاحب الظلال عند قوله تعالى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها:
والشمس تدور حول نفسها، وكان المظنون أنها ثابتة في موضعها الذي تدور فيه حول نفسها، ولكن عرف أخيرا أنها ليست مستقرة في مكانها، إنما هي تجري فعلا، تجري في اتجاه واحد في الفضاء الكوني الهائل بسرعة حسبها الفلكيون باثني عشر ميلا في الثانية. والله ربها الخبير بها وبجريانها وبمصيرها يقول: (إنها تجري لمستقر لها). هذا المستقر الذي ستنتهي إليه لا يعلمه إلا هو سبحانه ولا يعلم بوعده سواه.
وحين نتصور أن حجم هذه الشمس يبلغ نحو مليون ضعف لحجم أرضنا هذه وأن هذه الكتلة الهائلة تتحرك وتجري في الفضاء لا يسندها شئ، ندرك طرفا من صفة القدرة التي تصرف هذا الوجود عن قوة وعن علم. ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ.
...
٣ - [بمناسبة آية وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ .. ]
وقال صاحب الظلال عند قوله تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ
стр. 4410
كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ:
(والعباد يرون القمر في منازله تلك. يولد هلالا. ثم ينمو ليلة بعد ليلة حتى يستدير بدرا. ثم يأخذ في التناقص حتى يعود هلالا مقوسا كالعرجون القديم.
والعرجون: هو العذق الذي يكون فيه البلح من النخلة.
والذي يلاحظ القمر ليلة بعد ليلة يدرك ظل التعبير القرآني العجيب: حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ .. وبخاصة ظل ذلك اللفظ الْقَدِيمِ فالقمر في لياليه الأولى هلال. وفي لياليه الأخيرة هلال .. ولكنه في الأولى يبدو وكأن فيه نضارة وفتوة. وفي الأخيرة يطلع وكأنما يغشاه سهوم ووجوم، ويكسوه شحوب وذبول. ذبول العرجون القديم! فليست مصادفة أن يعبر القرآن الكريم عنه هذا التعبير الموحي العجيب!
والحياة مع القمر ليلة بعد ليلة تثير في الحس مشاعر وخواطر ندية ثرية موحية عميقة. والقلب البشري الذي يعيش مع القمر دورة كاملة، لا ينجو من تأثرات واستجابات، ومن سبحات مع اليد المبدعة للجمال والجلال؛ المدبرة للأجرام بذلك النظام. سواء كان يعلم سر هذه المنازل والأشكال القمرية المختلفة أو لا يعلم.
فالمشاهدة وحدها كفيلة بتحريك القلب، واستجاشة الشعور، وإثارة التدبر والتفكير).
٤ - [حول آية لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ .. ]
وقال صاحب الظلال في الآية الأخيرة من الفقرة:
(وأخيرا يقرر دقة النظام الكوني الذي يحكم هذه الأجرام الهائلة، ويرتب الظواهر الناشئة عن نظامها الموحد الدقيق:
لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ، وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ. ولكل نجم أو كوكب فلك، أو مدار، لا يتجاوزه في جريانه أو دورانه. والمسافات بين النجوم والكواكب مسافات هائلة. فالمسافة بين أرضنا هذه وبين الشمس تقدر نحو ثلاثة وتسعين مليونا من الأميال. والقمر يبعد عن الأرض بنحو أربعين ومائتي ألف من الأميال ... وهذه المسافات على بعدها ليست شيئا يذكر حين تقاس إلى بعد ما بين مجموعتنا الشمسية وأقرب نجم من نجوم السماء الأخرى إلينا.
وهو يقدر بنحو أربع سنوات ضوئية. وسرعة الضوء تقدر بستة وثمانين ومائة ألف من الأميال في الثانية الواحدة! (أي إن أقرب نجم إلينا يبعد عنا بنحو مائة وأربعة مليون
стр. 4411
مليون ميل!).
وقد قدر الله خالق هذا الكون الهائل أن تقوم هذه المسافات الهائلة بين مدارات النجوم والكواكب. ووضع تصميم الكون على هذا النحو ليحفظه بمعرفته من التصادم
والتصدع- حتى يأتي الأجل المعلوم- فالشمس لا ينبغي لها أن تدرك القمر. والليل لا يسبق النهار، ولا يزحمه في طريقه، لأن الدورة التي تجئ بالليل والنهار لا تختل أبدا فلا يسبق أحدهما الآخر أو يزحمه في الجريان!.
وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ. وحركة هذه الأجرام في الفضاء الهائل أشبه بحركة السفين في الخضم الفسيح. فهي مع ضخامتها لا تزيد على أن تكون نقطا سابحة في ذلك الفضاء المرهوب.
وإن الإنسان ليتضاءل ويتضاءل، وهو ينظر إلى هذه الملايين التي لا تحصى من النجوم الدوارة، والكواكب السيارة. متناثرة في الفضاء، سابحة في ذلك الخضم، والفضاء من حولها فسيح فسيح وأحجامها الضخمة تافهة في ذلك الفضاء الفسيح!!).
*** كلمة في السياق [الفقرة الثالثة: حول ما يستوجب الشكر لله وتنزيهه]
عرض علينا ربنا في هذه الفقرة ما يستوجب شكره وتنزيهه، وعليهما مدار دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام. فالسورة كلها تستحث الإنسان ليتّبع رسل الله ﷺ .
فالله الذي فعل هذا كله للإنسان ينبغي أن يطاع بطاعة رسله واتّباعهم.
***
стр. 4412
تفسير الفقرة الرابعة
وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ أي المملوء والمراد بالذرية الأولاد، ومن يهمّهم حمله
وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ أي من مثل الفلك ما يَرْكَبُونَ في البر
وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ في البحر فَلا صَرِيخَ أي مغيث أو فلا إغاثة لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ أي ينجون مما أصابهم
إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ أي إلّا لرحمة منا ولتمتيع بالحياة إلى انقضاء الأجل، قال ابن كثير: (ولكن برحمتنا نسيّركم في البرّ والبحر ونسلمكم إلى أجل مسمّى) وبهذا انتهت الفقرات الثلاث التي عرضت ثلاث آيات كبار من آيات الله .
...
كلمة في السياق:
لنتذكر محور السورة: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ لاحظ الصلة بين قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وبين قوله تعالى هاهنا: وَآيَةٌ لَهُمُ وَآيَةٌ لَهُمُ وَآيَةٌ لَهُمْ وإذا تذكرنا الطاسينات الثلاث، نجد أن الكلام عن الآيات فيها واضح، فمثلا لاحظنا أن قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ* قد تكرّر مرارا في سورة الشعراء وفي سورة النّمل وورد ذكر الآيات أكثر من مرة إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.* وقد بدأت الطاسينات كلها بذكر الآيات وهكذا نجد كل سورة محورها الآية المذكورة في سورة البقرة تحدثنا عن الآيات، وتعطينا نماذج جديدة من آيات الله التي يتلوها علينا في هذا القرآن وهذه سورة يس تذكّرنا بثلاث كبار من آيات الله ، كل آية منها تنطوي على آيات. فإذا تذكّرنا آية المحور تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ندرك أنّ لذكر الآيات صلة بموضوع الرسالة، وهو الشئ الذي يشهد له السياق. فالله بعد أن قرر في المقطع الأول رسالة رسولنا ﵊، وحذّر من مخالفته فإنّه يذكّر بهذا المقطع بما يدعو إلى الإيمان به وبما يوصل إلى الإيمان برسوله وقبول نذارته، يدلّ على هذا الفقرة اللاحقة من هذه المجموعة إذ تقول:
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ* وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ فبعد أن ذكرت في الفقرات الثلاث الماضية
стр. 4413
الآيات المذكورة بيّن الله أنهم مع كل هذه الآيات إذا دعوا إلى التقوى لا يستجيبون ... فلنر الفقرة الخامسة في المجموعة.
تفسير الفقرة الخامسة
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ أي اتقوا ما تقدم من ذنوبكم وما تأخّر، أو اتقوا من مثل الوقائع التي ابتليت بها الأمم المكذّبة بأنبيائها وما خلفكم من أمر الساعة، أو اتقوا عذاب الله في الدنيا والآخرة لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أي لعلّ الله- باتقائكم ذلك- يرحمكم ويؤمّنكم من عذابه
وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ الدالّة على التوحيد، وصدق الرسل إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ أي لا يتأملونها ولا يقبلونها ولا ينتفعون بها. أي دأبهم الإعراض عن كل آية وموعظة، دلّت الآية على أنّهم قابلوا الدّعوة إلى التقوى بالإعراض
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أي للكافرين أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ أي تصدّقوا على الفقراء قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ يقولون: أيفقره الله ونطعمه نحن. قال ابن كثير: (أي هؤلاء الذين أمرتمونا بالإنفاق عليهم، لو شاء الله لأغناهم، ولأطعمهم من رزقه، فنحن نوافق مشيئة الله تعالى فيهم) إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي في أمركم لنا بذلك
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ أي وعد البعث والقيامة إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أيها المؤمنون.
كلمة في السياق:
من مجئ هذه الفقرة بعد الفقرات الثلاث المصدرة كل منها بقوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ نعلم أنّ رؤية الآيات المذكورة يقتضي تقوى، ويقتضي إنفاقا، ويقتضي إيمانا باليوم الآخر. ولكن الكافرين يرفضون التقوى مع التذكير بها، ويرفضون الإنفاق مع التذكير به، ويستبعدون في كل حال موضوع اليوم الآخر، عرفنا ذلك من مجئ الفقرة الأخيرة بعد الفقرات الثلاث. ومن السّياق نعرف أن رؤية آيات الله من قبل المؤمنين تجعلهم يأمرون غيرهم بالتقوى، والإنفاق، والإيمان باليوم الآخر. فرؤيتهم للآيات جعلتهم يؤمنون ويدعون غيرهم للإيمان. فالتذكير بالآيات يستتبع- عند المؤمنين- سلوكا، والكافرون لا يرفعون بشيء من ذلك رأسا، ولا يفقهون قولا، وها هو السياق فيما يأتي يذكّر هؤلاء وغيرهم بمشاهد من يوم القيامة ثم تختم المجموعة بالعودة إلى موضوع الرسول والإنذار. فلنعرض ما بقي من المجموعة.
стр. 4414
ما يَنْظُرُونَ أي ما ينتظرون إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً قال النسفي: هي النفخة الأولى تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ قال النسفي: والمعنى: تأخذهم وبعضهم يخصم بعضا في معاملاتهم
فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً أي أن يوصوا في شئ من أمورهم وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ أي ولا يقدرون على الرجوع إلى منازلهم.
ويرى ابن كثير أن هذه هي نفخة الفزع، ثم تكون نفخة الصعق، ثم تكون نفخة البعث
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ قال النسفي: هي النفخة الثانية. وقال ابن كثير: هذه النفخة الثالثة وهي نفخة البعث والنشور للقيام من الأجداث والقبور فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ أي القبور إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ أي يعدون، قال ابن كثير:
والنّسلان: هو المشي السريع
قالُوا أي الكفار يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا أي من أنشرنا مِنْ مَرْقَدِنا أي مضجعنا. قال ابن كثير: (وهذا لا ينفي عذابهم في قبورهم، لأنه بالنسبة إلى ما بعده في الشدة كالرّقاد. قال أبيّ بن كعب ﵁، ومجاهد والحسن وقتادة: ينامون نومة قبل البعث. قال قتادة: وذلك بين النفختين فلذلك يقولون مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا فإذا قالوا ذلك أجابهم المؤمنون، قاله غير واحد من السلف) هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ. قال ابن كثير:
(وقال الحسن إنما يجيبهم بذلك الملائكة ولا منافاة إذ الجمع ممكن والله أعلم. وقال عبد الرحمن بن زيد: الجميع من قول الكفار ... نقله ابن جرير واختار الأول وهو أصح).
كلمة في السياق:
في قوله تعالى: هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ما يشير إلى أن السياق الرئيسي للسورة يصب في موضوع تصديق الرسل، وقد ذكرنا أن محور السورة هو قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ.
...
إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً قال النسفي: النفخة الأخيرة فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ للحساب.
стр. 4415
كلمة في السياق:
نلاحظ أن الآية الثانية من هذه المجموعة هي قوله تعالى: وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ وهاهنا جاء قوله تعالى: إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ فكأن الشئ الذي ذكر في مقدمة المجموعة يأخذ الآن مداه في التفصيل، وما بين ذلك ورد قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمْ ... وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ... ليكون ما ذكر في الوسط تدليلا على وقوع ما سيقع وإقامة حجة.
...
فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً. قال ابن كثير: أي من عملها وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ هذه قاعدة الحساب
إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ أي يوم القيامة فِي شُغُلٍ عن غيرهم بما هم فيه من النعيم المقيم والفوز العظيم فاكِهُونَ قال النسفي: الفاكه والفكه: المتنعم المتلذذ، وشغل أهل الجنة فسره النسفي فقال: وهو افتضاض الأبكار على شط الأنهار تحت الأشجار، أو ضرب الأوتار أو ضيافة الجبار. قال ابن كثير: (يخبر تعالى عن أهل الجنة أنهم يوم القيامة إذا ارتحلوا من العرصات فنزلوا في روضات الجنات أنهم في شغل عن غيرهم بما هم فيه من النعيم المقيم والفوز العظيم)
هُمْ وَأَزْواجُهُمْ قال مجاهد: أي وحلائلهم فِي ظِلالٍ قال ابن كثير: أي في ظلال الأشجار عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ فهم في غاية المتعة واللذة والراحة
لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ من جميع الأنواع وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ قال ابن كثير: أي مهما طلبوا وجدوا من جميع أصناف الملاذّ
سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ قال النسفي: والمعنى أن الله يسلّم عليهم بواسطة الملائكة أو بغير واسطة تعظيما لهم وذلك متمنّاهم، ولهم ذلك لا يمنعونه وأما الكافرون فيقال لهم
وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ أي وانفروا عن المؤمنين وكونوا على حدة
أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ فيما ركزته فيكم من أدلة العقل، وأنزلته عليكم من دلائل السمع أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ أي ألا تطيعوه فيما يوسوس به إليكم، ويزيّنه لكم إِنَّهُ أي الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ أي واضح العداوة ظاهرها
وَأَنِ اعْبُدُونِي أي وحّدوني وأطيعوني هذا أي طاعة الرحمن ومعصية الشيطان صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ أي صراط بليغ في استقامته ولا صراط أقوم منه
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً أي خلقا كثيرا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ هذا استفهام تقريع على
следующие страницы →