← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

مليون ميل!). وقد قدر الله خالق هذا الكون الهائل أن تقوم هذه المسافات الهائلة بين مدارات النجوم والكواكب. ووضع تصميم الكون على هذا النحو ليحفظه بمعرفته من التصادم والتصدع- حتى يأتي الأجل المعلوم- فالشمس لا ينبغي لها أن تدرك القمر. والليل لا يسبق النهار، ولا يزحمه في طريقه، لأن الدورة التي تجئ بالليل والنهار لا تختل أبدا فلا يسبق أحدهما الآخر أو يزحمه في الجريان!. وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ. وحركة هذه الأجرام في الفضاء الهائل أشبه بحركة السفين في الخضم الفسيح. فهي مع ضخامتها لا تزيد على أن تكون نقطا سابحة في ذلك الفضاء المرهوب. وإن الإنسان ليتضاءل ويتضاءل، وهو ينظر إلى هذه الملايين التي لا تحصى من النجوم الدوارة، والكواكب السيارة. متناثرة في الفضاء، سابحة في ذلك الخضم، والفضاء من حولها فسيح فسيح وأحجامها الضخمة تافهة في ذلك الفضاء الفسيح!!). *** كلمة في السياق [الفقرة الثالثة: حول ما يستوجب الشكر لله وتنزيهه] عرض علينا ربنا في هذه الفقرة ما يستوجب شكره وتنزيهه، وعليهما مدار دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام. فالسورة كلها تستحث الإنسان ليتّبع رسل الله ﷺ . فالله الذي فعل هذا كله للإنسان ينبغي أن يطاع بطاعة رسله واتّباعهم. ***

стр. 4412

تفسير الفقرة الرابعة وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ أي المملوء والمراد بالذرية الأولاد، ومن يهمّهم حمله وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ أي من مثل الفلك ما يَرْكَبُونَ في البر وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ في البحر فَلا صَرِيخَ أي مغيث أو فلا إغاثة لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ أي ينجون مما أصابهم إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ أي إلّا لرحمة منا ولتمتيع بالحياة إلى انقضاء الأجل، قال ابن كثير: (ولكن برحمتنا نسيّركم في البرّ والبحر ونسلمكم إلى أجل مسمّى) وبهذا انتهت الفقرات الثلاث التي عرضت ثلاث آيات كبار من آيات الله . ... كلمة في السياق: لنتذكر محور السورة: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ لاحظ الصلة بين قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وبين قوله تعالى هاهنا: وَآيَةٌ لَهُمُ وَآيَةٌ لَهُمُ وَآيَةٌ لَهُمْ وإذا تذكرنا الطاسينات الثلاث، نجد أن الكلام عن الآيات فيها واضح، فمثلا لاحظنا أن قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ* قد تكرّر مرارا في سورة الشعراء وفي سورة النّمل وورد ذكر الآيات أكثر من مرة إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.* وقد بدأت الطاسينات كلها بذكر الآيات وهكذا نجد كل سورة محورها الآية المذكورة في سورة البقرة تحدثنا عن الآيات، وتعطينا نماذج جديدة من آيات الله التي يتلوها علينا في هذا القرآن وهذه سورة يس تذكّرنا بثلاث كبار من آيات الله ، كل آية منها تنطوي على آيات. فإذا تذكّرنا آية المحور تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ندرك أنّ لذكر الآيات صلة بموضوع الرسالة، وهو الشئ الذي يشهد له السياق. فالله بعد أن قرر في المقطع الأول رسالة رسولنا ﵊، وحذّر من مخالفته فإنّه يذكّر بهذا المقطع بما يدعو إلى الإيمان به وبما يوصل إلى الإيمان برسوله وقبول نذارته، يدلّ على هذا الفقرة اللاحقة من هذه المجموعة إذ تقول: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ* وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ فبعد أن ذكرت في الفقرات الثلاث الماضية

стр. 4413

الآيات المذكورة بيّن الله أنهم مع كل هذه الآيات إذا دعوا إلى التقوى لا يستجيبون ... فلنر الفقرة الخامسة في المجموعة. تفسير الفقرة الخامسة وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ أي اتقوا ما تقدم من ذنوبكم وما تأخّر، أو اتقوا من مثل الوقائع التي ابتليت بها الأمم المكذّبة بأنبيائها وما خلفكم من أمر الساعة، أو اتقوا عذاب الله في الدنيا والآخرة لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أي لعلّ الله- باتقائكم ذلك- يرحمكم ويؤمّنكم من عذابه وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ الدالّة على التوحيد، وصدق الرسل إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ أي لا يتأملونها ولا يقبلونها ولا ينتفعون بها. أي دأبهم الإعراض عن كل آية وموعظة، دلّت الآية على أنّهم قابلوا الدّعوة إلى التقوى بالإعراض وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أي للكافرين أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ أي تصدّقوا على الفقراء قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ يقولون: أيفقره الله ونطعمه نحن. قال ابن كثير: (أي هؤلاء الذين أمرتمونا بالإنفاق عليهم، لو شاء الله لأغناهم، ولأطعمهم من رزقه، فنحن نوافق مشيئة الله تعالى فيهم) إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي في أمركم لنا بذلك وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ أي وعد البعث والقيامة إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أيها المؤمنون. كلمة في السياق: من مجئ هذه الفقرة بعد الفقرات الثلاث المصدرة كل منها بقوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ نعلم أنّ رؤية الآيات المذكورة يقتضي تقوى، ويقتضي إنفاقا، ويقتضي إيمانا باليوم الآخر. ولكن الكافرين يرفضون التقوى مع التذكير بها، ويرفضون الإنفاق مع التذكير به، ويستبعدون في كل حال موضوع اليوم الآخر، عرفنا ذلك من مجئ الفقرة الأخيرة بعد الفقرات الثلاث. ومن السّياق نعرف أن رؤية آيات الله من قبل المؤمنين تجعلهم يأمرون غيرهم بالتقوى، والإنفاق، والإيمان باليوم الآخر. فرؤيتهم للآيات جعلتهم يؤمنون ويدعون غيرهم للإيمان. فالتذكير بالآيات يستتبع- عند المؤمنين- سلوكا، والكافرون لا يرفعون بشيء من ذلك رأسا، ولا يفقهون قولا، وها هو السياق فيما يأتي يذكّر هؤلاء وغيرهم بمشاهد من يوم القيامة ثم تختم المجموعة بالعودة إلى موضوع الرسول والإنذار. فلنعرض ما بقي من المجموعة.

стр. 4414

ما يَنْظُرُونَ أي ما ينتظرون إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً قال النسفي: هي النفخة الأولى تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ قال النسفي: والمعنى: تأخذهم وبعضهم يخصم بعضا في معاملاتهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً أي أن يوصوا في شئ من أمورهم وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ أي ولا يقدرون على الرجوع إلى منازلهم. ويرى ابن كثير أن هذه هي نفخة الفزع، ثم تكون نفخة الصعق، ثم تكون نفخة البعث وَنُفِخَ فِي الصُّورِ قال النسفي: هي النفخة الثانية. وقال ابن كثير: هذه النفخة الثالثة وهي نفخة البعث والنشور للقيام من الأجداث والقبور فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ أي القبور إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ أي يعدون، قال ابن كثير: والنّسلان: هو المشي السريع قالُوا أي الكفار يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا أي من أنشرنا مِنْ مَرْقَدِنا أي مضجعنا. قال ابن كثير: (وهذا لا ينفي عذابهم في قبورهم، لأنه بالنسبة إلى ما بعده في الشدة كالرّقاد. قال أبيّ بن كعب ﵁، ومجاهد والحسن وقتادة: ينامون نومة قبل البعث. قال قتادة: وذلك بين النفختين فلذلك يقولون مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا فإذا قالوا ذلك أجابهم المؤمنون، قاله غير واحد من السلف) هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ. قال ابن كثير: (وقال الحسن إنما يجيبهم بذلك الملائكة ولا منافاة إذ الجمع ممكن والله أعلم. وقال عبد الرحمن بن زيد: الجميع من قول الكفار ... نقله ابن جرير واختار الأول وهو أصح). كلمة في السياق: في قوله تعالى: هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ما يشير إلى أن السياق الرئيسي للسورة يصب في موضوع تصديق الرسل، وقد ذكرنا أن محور السورة هو قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. ... إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً قال النسفي: النفخة الأخيرة فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ للحساب.

стр. 4415

كلمة في السياق: نلاحظ أن الآية الثانية من هذه المجموعة هي قوله تعالى: وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ وهاهنا جاء قوله تعالى: إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ فكأن الشئ الذي ذكر في مقدمة المجموعة يأخذ الآن مداه في التفصيل، وما بين ذلك ورد قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمْ ... وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ... ليكون ما ذكر في الوسط تدليلا على وقوع ما سيقع وإقامة حجة. ... فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً. قال ابن كثير: أي من عملها وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ هذه قاعدة الحساب إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ أي يوم القيامة فِي شُغُلٍ عن غيرهم بما هم فيه من النعيم المقيم والفوز العظيم فاكِهُونَ قال النسفي: الفاكه والفكه: المتنعم المتلذذ، وشغل أهل الجنة فسره النسفي فقال: وهو افتضاض الأبكار على شط الأنهار تحت الأشجار، أو ضرب الأوتار أو ضيافة الجبار. قال ابن كثير: (يخبر تعالى عن أهل الجنة أنهم يوم القيامة إذا ارتحلوا من العرصات فنزلوا في روضات الجنات أنهم في شغل عن غيرهم بما هم فيه من النعيم المقيم والفوز العظيم) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ قال مجاهد: أي وحلائلهم فِي ظِلالٍ قال ابن كثير: أي في ظلال الأشجار عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ فهم في غاية المتعة واللذة والراحة لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ من جميع الأنواع وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ قال ابن كثير: أي مهما طلبوا وجدوا من جميع أصناف الملاذّ سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ قال النسفي: والمعنى أن الله يسلّم عليهم بواسطة الملائكة أو بغير واسطة تعظيما لهم وذلك متمنّاهم، ولهم ذلك لا يمنعونه وأما الكافرون فيقال لهم وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ أي وانفروا عن المؤمنين وكونوا على حدة أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ فيما ركزته فيكم من أدلة العقل، وأنزلته عليكم من دلائل السمع أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ أي ألا تطيعوه فيما يوسوس به إليكم، ويزيّنه لكم إِنَّهُ أي الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ أي واضح العداوة ظاهرها وَأَنِ اعْبُدُونِي أي وحّدوني وأطيعوني هذا أي طاعة الرحمن ومعصية الشيطان صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ أي صراط بليغ في استقامته ولا صراط أقوم منه وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً أي خلقا كثيرا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ هذا استفهام تقريع على

стр. 4416

تركهم الانتفاع بالعقل. دلّ هذا على أن من لم يصل إلى الإيمان لا يكون مستعملا عقله استعمالا صحيحا هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ بها. أي هذه التي حذّرتكم الرسل فكذبتموهم اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي ادخلوها بكفركم وإنكاركم لها الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ أي نمنعهم من الكلام وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ قال ابن كثير: (هذه حال الكفار والمنافقين يوم القيامة، حين ينكرون ما اجترموه في الدنيا، ويحلفون ما فعلوه، فيختم الله على أفواههم، ويستنطق جوارحهم بما عملت) وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ أي لأعميناهم وأذهبنا أبصارهم فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ أي فاستبقوا إلى الصراط فَأَنَّى يُبْصِرُونَ أي فكيف يبصرون حينئذ، وقد طمسنا أعينهم. وهل هذه الآية استمرار للكلام عن الآخرة، أو انتقل الكلام إلى خطابهم في الدنيا؟ لم يذكر ابن كثير إلا الثاني فهي خطاب لهم في الدنيا. وعلى هذا فالمراد بالصراط: الحق، وعلى هذا يكون معنى الآية: ولو نشاء لأضللناهم عن الهدى، فكيف يهتدون وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ قردة أو خنازير أو حجارة عَلى مَكانَتِهِمْ أي على مكانهم. أي لمسخناهم في منازلهم حيث يجترحون المآثم فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا أمامهم وَلا يَرْجِعُونَ خلفهم أي فلم يقدروا على ذهاب ولا مجئ وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أي نقلبه فيه. بمعنى من أطلنا عمره نكّسنا خلقه فصار بدل القوة ضعفا، وبدل الشباب هرما، وذلك أنا خلقناه على ضعف في جسده وخلو من عقل وعلم، ثم جعلناه يتزايد إلى أن يبلغ أشده ويستكمل قوته ويعقل ويعلم ما له وما عليه، فإذا انتهى نكّسناه في الخلق، فجعلناه يتناقص حتى يرجع إلى حال شبيهة بحال الصبيّ في ضعف جسده، وقلّة عقله، وخلوّه من العلم أَفَلا يَعْقِلُونَ أن من قدر على أن ينقلهم من الشباب إلى الهرم، ومن القوّة إلى الضعف، ومن رجاحة العقل إلى الخرف، وقلة التمييز، قادر على أن يطمس على أعينهم، ويمسخهم على مكانتهم، ويبعثهم بعد الموت وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ أي وما علمنا النبي ﷺ أن يقول الشعر وَما يَنْبَغِي لَهُ أي وما يصح له، ولا يليق بحاله، وبالتالي فإن القرآن ليس من جنس الشعر إِنْ هُوَ أي القرآن إِلَّا ذِكْرٌ من الله يوعظ به الإنس والجن وَقُرْآنٌ مُبِينٌ أي بيّن واضح جلي لمن تدبّره وتأمّله. قال النسفي: (وما هو إلا قرآن كتاب سماوي يقرأ في المحاريب، ويتلى في المتعبدات، وينال بتلاوته والعمل به فوز الدارين، فكم بينه وبين الشعر) لِيُنْذِرَ القرآن أو الرسول ﷺ مَنْ كانَ حَيًّا أي

стр. 4417

عاقلا متأمّلا- لأن الغافل كالميّت- أو حيا بالقلب وَيَحِقَّ الْقَوْلُ أي وتجب كلمة العذاب عَلَى الْكافِرِينَ الذين لا يتأمّلون وهم في حكم الأموات. قال ابن كثير: أي هو رحمة للمؤمنين وحجّة على الكافرين. كلمة في السياق: ١ - نلاحظ أن آخر هذه المجموعة هو قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ* لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ ونلاحظ أنه قبل قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا من المقطع الأول ورد قوله تعالى: وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ* إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ وهذا يفيد أن ما ورد بين هذه الآيات كان إنذارا، وقد شمل هذا الإنذار فقرة ضرب المثل، وشمل فقرة أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ ... وشمل فقرات وَآيَةٌ لَهُمُ وشمل فقرة ما يَنْظُرُونَ ... وشمل فقرة وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ مما يشير إلى أن أنواع الإنذار لا تفيد مع الكافرين الذين توافرت فيهم صفات معينة فههنا قد ذكر من أنواع الإنذار الكثير، الإنذار بضرب المثل، والإنذار بذكر العبر من التاريخ، والإنذار بذكر الآيات، والإنذار بالأمر العملي المباشر، والإنذار بعرض مشاهد اليوم الآخر، والإنذار ببأس الله وعقابه، واستقرّ السياق على أن غير الأحياء لا يستفيدون. ٢ - إن مجئ قوله تعالى في آخر المجموعة الأولى من المقطع الأول: إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ومجئ قوله تعالى: لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ في آخر المجموعة الأولى من المقطع الثاني يدلنا على أن إحدى الآيتين تفسير الأخرى؛ فالحي هو من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب. قال ابن كثير: (وإنما ينتفع بنذارته من هو حي القلب مستنير البصيرة، وقال قتادة: حي القلب حي البصيرة) ومن ثمّ فعلى الذين يشتغلون بالتربية أن يبدءوا بإحياء القلب فذلك الذي يجعل الإنسان يتّبع القرآن وعندئذ تبدأ التربية الكاملة على كل معاني الكتاب والسنة. وقد رأيت الناس في عصرنا قسمين: قسم يربون ويعتبرون أن مهمتهم تنتهي عند تربية القلب وإحيائه، ولا يعطون تعليم الكتاب والسنة الشريفة بعد ذلك الأهمية التي تستحقها، وقسم لا يعرفون شيئا عن موضوع

стр. 4418

إحياء القلب ويشتغلون في تعليم الفقه أو غيره، وينتهي دورهم عند هذا الحد. وهذا وهذا قصور عن التربية القرآنية والطريقة المحمدية. راجع كتاب (تربيتنا الروحية). ٣ - نلاحظ أنه بعد قوله تعالى في نهاية المقطع الأول: إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ورد قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ ثمّ استقرّ السياق على قوله تعالى: لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وهذا يفيد ضمنا أنّ إحياء القلوب على الله، والله يتولاه، ولكن لا بدّ من الأسباب: المنذر بنذارته، والمنذر ببذل الجهد، والله هو الذي يتولّى عملية الإحياء، ومن ثمّ فإن على الدعاة إلى الله أن يلاحظوا هذا، فيعقدوا حلقات الوعظ، ويدعوا الناس إليها، وعلى الناس أن يحضروا، وعلى الدعاة ألا يهملوا الوعظ أبدا في كل حال، وعلى الناس أن يسمعوا. والتقصير في هذا يؤدي إلى فقدان حياة القلوب وبالتالي إلى ضعف الإسلام. ٤ - فيما يتعلق بصلة المجموعة الأخيرة بمحور السورة أصبحت واضحة فالمحور يقول: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ والمجموعة ترسم الطريق للاستجابة إلى المرسلين من خلال الإنذار والتبشير، فهي تعليم للمرسلين، وإنذار للمرسل إليهم، وتبشير للمستجيبين. ٥ - لنلاحظ أخيرا أن بداية المجموعة كانت: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ* وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ. وأن نهاية المجموعة كانت: وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ* وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ* وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ. ذكّرهم أولا بهلاك القرون الخالية، ثم ذكّرهم أخيرا بقدرته على طمس أعينهم ومسخهم، وذكر لهم ما يعتبرون به وهو أن من عمّر نكّس في الخلق، مما يدل على قدرته جل شأنه على أن يفعل بهم ما هددهم به، وما بين البداية والنهاية كانت جولات في التذكير، وإقامة الحجة، حتى إذا نضج القلب الحي في التذكير، انصب الكلام عن الرسول ﷺ والقرآن فجاء قوله تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ ... تأمّل صلة ذلك ببداية السورة: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ... إنّ الصّلة على أشدّها بين

стр. 4419

المحور والسورة كلها، وبين السورة ومقاطعها ومجموعاتها وفقراتها، وقد بقيت معنا مجموعتان من المقطع الثاني، ونؤثر أن نؤخر الكلام عنهما إلى ما بعد ذكر بعض فوائد المجموعة الأولى من المقطع الثاني. فوائد: ١ - [معجزة من معجزات القرآن بمناسبة آية سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ .. ] في قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ معجزة من معجزات هذا القرآن الكثيرة؛ إذ تتحدث عن معنى يستحيل على أحد من البشر أن يتكلم فيه ساعة نزول هذا القرآن، مما يدلّ دلالة قطعية على أن هذا القرآن من عند الله . ٢ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها وتعليق المؤلف] رأينا أن قوله تعالى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها معناه تجري إلى يوم القيامة، وهناك قراءة أخرى ذكرها ابن كثير قال: (وقرأ ابن مسعود وابن عباس ﵄ (والشمس تجري لا مستقر لها) أي لا قرار لها ولا سكون، بل هي سائرة ليلا ونهارا لا تفتر ولا تقف كما قال ﵎: وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ أي لا يفتران ولا يقفان إلى يوم القيامة). أقول: وفي هذه القراءة الثانية كذلك معجزة من معجزات القرآن، فالحديث عن الشمس والقمر حديث علم محيط لا يمكن أن يكون إلا من المحيط علما بكل شئ. ٣ - [حول سبب كثرة الأقاويل عند الكلام عن الشمس والقمر في سورة يس] بمناسبة الكلام عن الشمس والقمر في السورة نجد كلاما كثيرا للمفسرين، منه الخطأ ومنه الصواب، لأن المفسّرين يفسرون هذا القرآن بقدر ثقافتهم من ثقافة عصرهم، ولا شك أن ثقافة أي عصر تتقاصر عن أن تسع هذا القرآن، وفي هذا المقام ذكر ابن كثير حديث أبي ذر في موضوع سجود الشمس واستئذانها، وطلوعها من مغربها قبل يوم القيامة وهو موضوع حققناه في آخر سورة الأنعام، فلا نعود إليه، وتحدثنا في أكثر من مكان في هذا التفسير عن موضوع سير الشمس وحركتها، وعن موضوع دوران الأرض وحركتها، وأن دوران الأرض لا يعني ثبوت الشمس، كما صوّره بعضهم، وتحدّثنا بأن للشمس ثلاث حركات: حركة مع مجرتها، وحركة حول نفسها، وحركة نحو كوكبة الجاثي هي ومجموعتها الشمسية ولعلها هي المرادة هنا بقوله تعالى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها وإنّ في قوله تعالى: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ما يدل على

стр. 4420

أن الشمس والقمر والأرض- التي هي محل الليل والنهار- كل هذه الأشياء في حالة حركة. ٤ - [حول علاقة تعاقب الليل والنهار بدوران الأرض] في قوله تعالى: وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ إشارة إلى تعاقبهما واستحالة انعدام واحد منهما في نظام هذا الكون، فتقرير هذا المعنى هنا، وتقرير أن الليل يطلب النهار في سورة الأعراف يؤكد ما ذهبنا إليه هناك وبرهنّا عليه، بأن في آية الأعراف إشارة إلى موضوع دوران الأرض. ٥ - [مظهر من مظاهر الإعجاز القرآني في آية وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ .. ] في قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ مظهر من مظاهر الإعجاز القرآني بل من هذا النّص ندرك كيف أن الإعجاز القرآني يسع العصور، فالفلك هي السفن، والسفن تصنع من خشب وحديد، أو من حديد فقط، ومما يشبه السفن من وسائل حديثة تسير في البر السيارات والقطارات والدبابات والطائرات وهي لم تكن موجودة في زمن نزول الوحي، وقد أشار النص القرآني إليها بقوله مِنْ مِثْلِهِ أي من مثل السفن، ومن ثمّ قال تعالى: حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فذرية المخاطبين الأول في القرآن هي التي اجتمع لها ركوب السفن، وركوب المثل الكامل لها وهي وسائل النقل الحديثة في عصرنا، ومما يؤكد أن المراد بذلك هو وسائل النقل الحديثة هو أن التصريح بالمركوبات القديمة سيأتي فيما بعد في المجموعة الثانية، إذ يحدثنا الله عن الأنعام فيقول: فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ. وعلى هذا فالآية فيها معجزة غيبية، وفيها ما يدلّ على أنّ منزّل هذا القرآن هو الذي وسع علمه الزمان والمكان. وقد يقول قائل إن قوله وَخَلَقْنا يدل على المضي نقول: إن الماضي قد يراد به المستقبل في القرآن للدلالة على تأكيد وقوعه كقوله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ ثم الوسائل المعاصرة ستكون ماضية بالنسبة لما يأتي من الزمن. ثم إن النص القرآني جاء بصيغة يرى فيها أهل كل عصر آية، فالمخاطبون الأوائل في القرآن حملوا النص على المراد به الإبل والخيل، وأمثال ذلك إذ المثلية متحققة من وجه من الوجوه، هو وجه الركوب، وهذا مظهر من مظاهر استيعاب النص القرآني للزمان والمكان وهكذا نلاحظ أنّ الله في الفقرات الثلاثة التي حدّثنا فيها عن آياته وَآيَةٌ لَهُمُ وَآيَةٌ لَهُمُ وَآيَةٌ لَهُمْ قد عرض لنا آياته في الكون في صيغة هي في نفسها آيات، فتأمّل هذه الظاهرة وصلتها بقوله تعالى في محور السورة

стр. 4421

تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. ٦ - [الكفر معدن الشح ولا يقوم نظام حضاري بغير إيمان بمناسبة الآية (٤٧)] بمناسبة قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ. قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ نقول: دل هذا النص على أن الكفر معدن الشحّ، وأنّ الحياة البشرية بدون إيمان لا يمكن أن يقوم فيها نظام اقتصادي متراحم متعاطف. ومن ثمّ نلاحظ في كل من النظامين العالميين الحاليين الشيوعي والرأسمالي أن التكافل لا يقوم إلا بسيف القانون، أما في النظام الإسلامي فسيف التشريع قائم، ومع ذلك فللتراحم البشري وللتعاطف محله، وبدون ذلك لا تستقيم الحياة البشرية، فسيف القانون لا يطول كلّ الأحوال، والتراحم والتعاطف لا يكفيان في كل الحالات. ٧ - [حول المقصود بالصيحة في آية ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً .. ] ذكرنا أن ابن كثير حمل قوله تعالى: ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ على أن المراد بذلك النفخة الأولى وهي واحدة من ثلاث نفخات كائنات قال: (والله أعلم وهذه نفخة الفزع، ينفخ في الصور نفخة الفزع والناس في أسواقهم ومعايشهم يختصمون ويتشاجرون على عادتهم، فبينما هم كذلك إذ أمر الله إسرافيل فنفخ في الصور نفخة، يطولها ويمدها، فلا يبقى أحد على وجه الأرض إلا أصغى ليتا، ورفع ليتا- وهي صفحة العنق-؛ يتسمّع الصوت من قبل السماء، ثم يساق الموجودون من الناس إلى محشر يوم القيامة بالنار، تحيط بهم من جوانبهم، ولهذا قال تعالى: فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً أي على ما يملكونه، الأمر أهم من ذلك وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ وقد وردت هاهنا آثار وأحاديث ذكرناها في موضع آخر، ثم يكون بعد هذه نفخة الصعق التي تموت بها الأحياء كلهم ما عدا الحي القيوم ثم بعد ذلك نفخة البعث). ٨ - [كلام ابن كثير بمناسبة قوله تعالى لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ] بمناسبة قوله تعالى: لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ. قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم ... عن كريب أنه سمع أسامة بن زيد ﵄ يقول: قال رسول صلّى الله عليه وعلى آله وسلم: «ألا هل مشمر إلى الجنة؟ فإن الجنة لا خطر لها هي ورب الكعبة نور كلها يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد؛ ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سلامة، وفاكهة خضرة، وخيرة ونعمة، في محلة عالية بهية» قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها. قال ﷺ : «قولوا إن شاء الله» فقال القوم: إن شاء الله، وكذا

стр. 4422

رواه ابن ماجه في كتاب الزهد من سننه من حديث الوليد بن مسلم عن محمد ابن مهاجر به). ٩ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ .. ] بمناسبة قوله تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ ... قال ابن كثير: (روى ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة أمر الله تعالى جهنم فيخرج منها عنق ساطع مظلم يقول: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ* وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ* هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ فيتميز الناس ويجثون، وهي التي يقول الله : وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» [الجاثية: ٢٨]). ١٠ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ .] بمناسبة قوله تعالى: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنا عند النبي ﵌ فضحك حتى بدت نواجذه ثم قال ﷺ : «أتدرون مم أضحك؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، قال ﷺ : «من مجادلة العبد ربه يوم القيامة، يقول: رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول لا أجيز علي إلا شاهدا من نفسي، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، وبالكرام الكاتبين شهودا، فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي بعمله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدا لكنّ وسحقا، فعنكنّ كنت أناضل» وقد رواه مسلم والنسائي كلاهما ... عن سفيان هو الثوري به. ثم قال النسائي لا أعلم أحدا روى هذا الحديث عن سفيان غير الأشجعي وهو حديث غريب والله تعالى أعلم. كذا قال. وقد تقدم من رواية أبي عامر عن عبد الملك بن عمرو الأسدي وهو العقدي عن سفيان. وروى عبد الرزاق عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي ﵌ قال: «إنكم تدعون مفدما على أفواهكم بالفدام، فأول من يسأل عن أحدكم فخذه وكفاه» رواه النسائي عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به، وروى سفيان ابن عيينة عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ في حديث القيامة الطويل قال فيه: «ثم يلقى الثالث فيقول ما أنت؟ فيقول: أنا عبدك آمنت بك وبنبيك وبكتابك، وصمت وصليت وتصدقت، يثني بخير ما استطاع» قال: «فيقال

стр. 4423

له: «ألا نبعث عليك شاهدنا؟» قال: «فيفكر في نفسه من الذي يشهد عليه فيختم على فيه، ويقال لفخذه انطقي» قال: «فينطق فخذه ولحمه وعظامه بما كان يعمل، وذلك المنافق، وذلك ليعذر من نفسه، ذلك الذي يسخط الله تعالى عليه» رواه مسلم وأبو داود من حديث سفيان بن عيينة به بطوله). ١١ - [تحقيق ابن كثير حول موضوع الشعر في حياة الرسول ﷺ بمناسبة الآية (٦٩)] بمناسبة قوله تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ كتب ابن كثير تحقيقا حول موضوع الشعر في حياة الرسول ﷺ ، وختمه بالإشارة إلى كون الشعر منه المباح، ومنه المندوب، وهذا هو كلام ابن كثير في هذا المقام: (وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ أي ما هو في طبعه فلا يحسنه ولا يحبه، ولا تقتضيه جبلته، ولهذا ورد أنّه ﷺ كان لا يحفظ بيتا على وزن منتظم، بل إن أنشده زحّفه، أو لم يتمّه، وروى أبو زرعة الرازي ... إسماعيل بن مجالد عن أبيه عن الشعبي أنّه قال: ما ولد عبد المطلب ذكرا ولا أنثى إلا يقول الشعر، إلا رسول الله ﷺ . ذكره ابن عساكر في ترجمة عتبة بن أبي لهب الذي أكله الأسد بالزرقاء. روى ابن أبي حاتم ... عن الحسن هو البصري قال: إن رسول الله ﷺ كان يتمثل بهذا البيت: (كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا). فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله: (كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا). قال أبو بكر أو عمر ﵄ أشهد أنك رسول الله، يقول تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ وهكذا روى البيهقي في الدلائل أن رسول الله ﷺ قال للعباس بن مرداس السلمي ﵁ أنت القائل: (أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة). فقال: إنما هو بين عيينة والأقرع. فقال ﷺ : «الكل سواء» يعني في المعنى، صلوات الله وسلامه عليه والله أعلم. وقد ذكر السهيلي في الروض الأنف لهذا التقديم والتأخير الذي وقع في كلامه ﷺ في هذا البيت مناسبة أغرب فيها، حاصلها شرف الأقرع بن حابس على عيينة بن بدر الفزاري لأنه ارتد أيام الصديق ﵁، بخلاف ذاك والله أعلم، وهكذا روى الأموي في مغازيه أن رسول الله ﷺ جعل يمشي بين القتلى يوم بدر وهو يقول: «نفلق هاما» فيقول الصديق ﵁ متمما للبيت: ... من رجال أعزة ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما وهذا لبعض شعراء العرب في قصيدة له وهي في الحماسة. وروى الإمام أحمد ...

стр. 4424

عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا استراب الخبر تمثل فيه ببيت طرفة: (ويأتيك بالأخبار من لم تزود) وهكذا رواه النسائي في اليوم والليلة من طريق إبراهيم بن مهاجر عن الشعبي عنها. ورواه الترمذي والنسائي أيضا من حديث المقدام ابن شريح بن هانئ عن أبيه عن عائشة ﵂ كذلك ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وروى الحافظ أبو بكر ... عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يتمثل من الأشعار: (ويأتيك بالأخبار من لم تزود) ثم قال: ورواه غير زائدة عن سماك عن عطية عن عائشة ﵂ وهذا في شعر طرفة بن العبد في معلقته المشهورة وهذا المذكور عجز بيت منها أوله: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود ويأتيك بالأخبار من لم تبع له ... بتاتا ولم تضرب له وقت موعد وقال سعيد بن عروة عن قتادة قيل لعائشة ﵂ هل كان رسول الله ﷺ يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت ﵂: كان أبغض الحديث إليه، غير أنه ﷺ كان يتمثل ببيت أخي بني قيس، فيجعل أوله آخره وآخره أوله، فقال أبو بكر ﵁: ليس هذا هكذا يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «إني والله ما أنا بشاعر وما ينبغي لي» رواه ابن أبي حاتم وابن جرير وهذا لفظه وقال معمر عن قتادة: بلغني أن عائشة ﵂ سئلت هل كان رسول الله ﷺ يتمثّل بشيء من الشعر؟ فقالت ﵂: لا إلا بيت طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود فجعل ﷺ يقول: «من لم تزود بالأخبار» فقال أبو بكر ليس هذا هكذا فقال ﷺ : «إني لست بشاعر ولا ينبغي لي» وروى الحافظ أبو بكر البيهقي بسنده عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: ما جمع رسول الله ﷺ بيت شعر قط إلا بيتا واحدا: تفاءل بما تهوى يكن فقلما ... يقال لشئ كان إلا تحققا سألت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي عن هذا الحديث فقال هو منكر، ولم يعرف شيخ الحاكم ولا الضرير (وهما من رجال إسناده) وثبت في الصحيح أنه ﷺ تمثّل يوم حفر الخندق بأبيات عبد الله بن رواحة ﵁، ولكن تبعا لقول

стр. 4425

أصحابه ﵃، فإنهم كانوا يرتجزون وهم يحفرون فيقولون: لا هم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا إن الأولى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا ويرفع ﷺ صوته بقوله أبينا ويمدها وقد روى هذا بزحاف في الصحيحين أيضا. وكذا ثبت أنه ﷺ قال يوم حنين وهو راكب البغلة يقدم بها في نحور العدو: أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب لكن قالوا هذا وقع اتفاقا من غير قصد لوزن شعر، بل جرى على اللسان من غير قصد إليه، وكذلك ما ثبت في الصحيحين عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غار فنكبت إصبعه فقال ﷺ : هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت وسيأتي عند قوله تعالى إِلَّا اللَّمَمَ إنشاد: إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك ما ألما وكل هذا لا ينافي كونه ﷺ ما علم الشعر، ولا ينبغي له؛ فإن الله تعالى إنما علمه القرآن العظيم الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ وليس هو بشعر كما زعمه طائفة من جهلة كفار قريش، ولا كهانة، ولا مفتعل، ولا سحر يؤثر، كما تنوعت فيه أقوال الضلال وآراء الجهال، وقد كانت سجيته ﷺ تأبى صناعة الشعر طبعا وشرعا، كما رواه أبو داود عن عبد الرحمن بن رافع الفتوحي قال: سمعت عبد الله بن عمرو ﵄ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما أبالي ما أوتيت إن أنا شربت ترياقا، أو تعلقت تميمة، أو قلت الشعر من قبل نفسي» تفرد به أبو داود، وروى الإمام أحمد ﵀ ... عن أبي نوفل قال: سألت عائشة ﵂ هل كان رسول الله ﷺ بسائغ عنده الشعر؟ فقالت: قد كان أبغض الحديث إليه وقال: عن عائشة ﵂ كان رسول الله ﷺ يعجبه الجوامع من الدعاء، ويدع ما بين ذلك، وروى أبو داود ... عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا» انفرد به من هذا الوجه، وإسناده على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وروى

стр. 4426

الإمام أحمد عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرض بيت شعر بعد العشاء الآخرة لم تقبل له صلاة تلك الليلة» وهذا حديث غريب من هذا الوجه ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، والمراد بذلك نظمه لا إنشاده والله أعلم، على أن الشعر فيه ما هو مشروع وهو هجاء المشركين الذي كان يتعاطاه شعراء الإسلام، كحسان بن ثابت ﵁، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وأمثالهم وأضرابهم ﵃ أجمعين، ومنه ما فيه حكم ومواعظ وآداب، كما يوجد في شعر جماعة من الجاهلية ومنهم: أمية بن أبي الصلت الذي قال فيه رسول الله ﷺ : «آمن شعره وكفر قلبه» وقد أنشد بعض الصحابة ﵃ للنبي ﷺ مائة بيت يقول ﷺ عقب كل بيت «هيه» يعني يستطعمه فيزيده من ذلك، وقد روى أبو داود من حديث أبي بن كعب وبريدة بن الخصيب وعبد الله بن عباس ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: «إن من البيان سحرا وإن من الشعر حكما»). ١٢ - [الصلة بين ذكر إحياء الله للموتى وذكر إحيائه للقلوب] رأينا أثناء الكلام عن السياق الصلة بين قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ ... وبين قوله تعالى: لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ إذ قلنا: إن في ذكر إحياء الله الموتى في سياق السورة إشارة إلى إحيائه القلوب. قال ابن كثير: (وفيه إشارة إلى أن الله تعالى يحيي قلب من يشاء من الكفار، الذين قد ماتت قلوبهم بالضّلالة فيهديهم بعد ذلك إلى الحق، كما قال تعالى بعد ذكر قسوة القلوب اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ). ١٣ - [نصيحة المؤلف للمتصدي للقراءة في كتب التفسير وكلام المفسرين] إن علينا أن نلاحظ أثناء قراءتنا لكتب التفسير صلة كلام المفسرين بتصوراتهم وثقافاتهم، وثقافات عصورهم، فإن كلامهم أحيانا لا يخلو عن خطأ في بعض المواطن، وخاصة عند ما يتحدثون عن الكون بمناسبة ذكر القرآن لمظهر من مظاهر الكون، إذ ثقافة عصورهم المحدودة تجعلهم يفهمون بعض النصوص على ضوء ثقافة عصرهم، ولو كان خطأ، وقد رأينا أكثر من مرّة كيف يسع النص القرآني الزمان والمكان، وكيف أن فيه من مظاهر الإعجاز ما لا يحاط به، وإنما نقول هذا ليتنبه القارئ على أنّ أقوال النّاس ليست حجة على كتاب الله، بل كتاب الله هو الحجة على أقوال الناس، والحاكم عليها. وفي عصرنا يحاول الكثيرون من الكافرين أن

стр. 4427

يشككوا بكتاب الله ، من خلال عرض ما قاله هذا المفسر أو ذاك، فيستدلون بخطإ المفسر على خطأ القرآن، لعنهم الله . وبهذه المناسبة نقول: إنه لا يجوز أن نتردد إطلاقا في فهم النص القرآني على ضوء الحقيقة العلمية، على شرط أن تكون حقيقة علمية، أما الفرضيات والنظريات فعلينا أن نحتاط في حمل النّص القرآني عليها. ***

стр. 4428

المجموعة الثانية من المقطع الثاني وتمتدّ من الآية (٧١) إلى نهاية الآية (٧٦) وهذه هي: ٣٦/ ٧٦ - ٧١ ملاحظة في السياق: [حول التدليل على أن المجموعة الثانية معطوفة على المجموعة الأولى] ذكرنا من قبل أن المجموعة الأولى من المقطع الثاني بدأت بقوله تعالى: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ. وأن المجموعة الثانية مبدوءة بقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا لاحظ الواو العاطفة، فالمجموعة الثانية معطوفة على المجموعة الأولى، ومكمّلة لها، إلا أن المجموعة الأولى يغلب عليها استثارة الخوف، وهذه يغلب عليها استثارة الشكر، وهما نقطتا البداية في السير إلى الله. ... التفسير: أَوَلَمْ يَرَوْا أي أو لم ير العباد أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أي مما تولينا نحن إحداثه، ولم يقدر على توليه غيرنا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ أي خلقناها لأجلهم فملّكناها إياهم فهم متصرّفون فيها تصرّف الملّاك، مختصّون بالانتفاع بها، أو فهم لها ضابطون قاهرون وَذَلَّلْناها لَهُمْ أي وصيّرناها منقادة لهم، فتمّت

стр. 4429

الاستفادة منها بتذليله وتسخيره فَمِنْها رَكُوبُهُمْ أي ما يركب وَمِنْها يَأْكُلُونَ أي سخّرناها لهم ليركبوا ظهرها ويأكلوا لحمها. قال ابن كثير: (جعلهم يقهرونها وهي ذليلة لهم لا تمتنع منهم. بل لو جاء صغير إلى بعير لأناخه، ولو شاء لأقامه وساقه وذاك ذليل منقاد معه، وكذا لو كان القطار مائة بعير أو أكثر لسار الجميع بسير الصغير). وهي مع هذا للركوب والأكل وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ من الجلود والأوبار وغير ذلك وَمَشارِبُ أي: من ألبانها طازجة ومخثرة أَفَلا يَشْكُرُونَ الله فيوحّدونه ويتّبعون رسله ويعملون بأمره ويجتنبون نهيه بدلا من أن يشركوا وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ أي لعل آلهتهم تنصرهم إذا حزبهم أمر لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ قال ابن كثير: (أي لا تقدر الآلهة على نصر عابديها، بل هي أضعف من ذلك وأقلّ وأذلّ وأحقر وأدحر، بل لا تقدر على الاستنصار لأنفسها ولا الانتقام ممن أرادها بسوء لأنها جماد لا تسمع ولا تعقل) وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ قال قتادة: والمشركون يغضبون للآلهة في الدنيا وهي لا تسوق إليهم خيرا ولا تدفع عنهم شرا. إنما هي أصنام. أي إن المشركين أعطوا الأصنام الجندية الكاملة؛ متصورين أن هذه الآلهة تنصرهم وليس الأمر كذلك، فلو أنهم أعطوا هذه الجندية الكاملة لله الذي يملك النصر ويملك النّفع والضرّ لكان هذا هو الصراط المستقيم. قال النسفي في الآية: (أي الكفار للأصنام أعوان وشيعة يخدمونهم ويذبّون عنهم، أو اتخذوهم لينصروهم عند الله، ويشفعوا لهم، والأمر على خلاف ما توهّموا حيث هم يوم القيامة جند معدّون لهم محضرون لعذابهم، لأنهم يجعلون وقود النار) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ أي تكذيبهم لك وكفرهم بالله. قال النسفي: يعني فلا يهمّك تكذيبهم وأذاهم وجفاؤهم إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ من عداوتهم وَما يُعْلِنُونَ وإنا مجازوهم عليه فحق مثلك أن يتسلّى بهذا الوعيد، ويستحضر في نفسه صورة حاله وحالهم في الآخرة، حتى ينقشع عنه الهمّ ولا يرهقه الحزن. قال ابن كثير: (أي نحن نعلم جميع ما هم فيه وسنجزيهم وصفهم، ونعاملهم على ذلك، يوم لا يفقدون من أعمالهم جليلا ولا حقيرا، ولا صغيرا ولا كبيرا. بل يعرض عليهم جميع ما كانوا يعملون قديما وحديثا). كلمة في السياق: بعد أن وعظهم الله وذكّرهم في المجموعة الأولى بمجموعة أمور كما رأينا.

стр. 4430

تأتي هذه المجموعة فتذكّرهم بنعم الله عليهم استخراجا لشكرهم، إلا أن السياق بيّن لنا أنهم مع هذا يشركون شركا بيّن الخطأ، ظاهر الخطل، ومع ذلك يخلصون له كامل الإخلاص، وأمام هذا الخطل الكبير، أمر الله رسوله ﷺ ألا يحزن على ذلك لأن الله مطّلع عليهم وسيجازيهم. فائدتان: ١ - [رأي النسفي حول من فتح همزة (إنا) في الصلاة في آية إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ .. ] بمناسبة قوله تعالى: إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ يتحدث النسفي عن موضوع هو: لو أن إنسانا فتح همزة (إنا) هل تبطل صلاته. يذهب النسفي: إلى أنه لا تبطل صلاته رادا على من زعم ذلك، لأنها في هذه الحالة يمكن أن تفيد التعليل أو غير ذلك من الأوجه التي لا تبطل معها الصلاة. ٢ - [الآية أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً .. وبطلان نظرية التطور] الظاهر من قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً أن الأنعام مخلوقة مباشرة بيد الله ، مما يشير إلى بطلان نظرية التطور في مثل هذا. ***

стр. 4431

المجموعة الثالثة والأخيرة من المقطع الثاني وتمتدّ من الآية (٧٧) إلى نهاية السورة أي إلى نهاية الآية (٨٣) وهذه هي: ٣٦/ ٨٣ - ٧٧ التفسير: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ الذي ينكر البعث. قال ابن كثير: للجنس يعم كل منكر للبعث أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ حقيرة ضعيفة مهينة فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ أي بيّن الخصومة. قال النسفي: (أي فهو على مهانة أصله، ودناءة أوّله، يتصدّى لمخاصمة ربه، وينكر قدرته على إحياء الميت، بعد ما رمّت عظامه، ثم يكون خصامه في ألزم وصف وألصقه به، وهو كونه منشأ من موات، وهو ينكر إنشاءه من موات، وهو غاية المكابرة). قال ابن كثير: (أي أو لم يستدل من أنكر البعث بالبدء على الإعادة؛ فإن الله ابتدأ خلق الإنسان من سلالة من ماء مهين، فخلقه من شئ حقير ضعيف مهين ... فالذي خلقه من هذه النطفة الضعيفة أليس بقادر على إعادته بعد موته) وَضَرَبَ لَنا أي هذا الإنسان الكافر المنكر للبعث مَثَلًا بفتّه العظم واستبعاده أن يعيد الله خلق الإنسان بعد تفرقه وَنَسِيَ خَلْقَهُ من المني فهو أغرب

стр. 4432

من إحياء العظم قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ الرميم: اسم لما بلي من العظام. قال ابن كثير: (أي استبعد إعادة الله تعالى ذي القدرة العظيمة التي خلقت السموات والأرض للأجساد والعظام الرميمة، ونسي نفسه، وأن الله تعالى خلقه من العدم إلى الوجود، فعلم من نفسه ما هو أعظم مما استبعده وأنكره وجحده). ولهذا قال : قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أي خلقها أَوَّلَ مَرَّةٍ أي ابتداء وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ أي مخلوق عَلِيمٌ لا يخفى عليه شئ، ومن ذلك أجزاء الحي بعد موته، فإنها- وإن تفرقت في البر والبحر- يجمعه الله ويعيده كما كان. قال ابن كثير: أي يعلم العظام في سائر أقطار الأرض وأرجائها، أين ذهبت، وأين تفرّقت وتمزقت الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ قال قتادة: الذي أخرج هذه النار من هذه الشجرة، قادر على أن يبعثه، وقال ابن كثير: (أي الذي بدأ خلق هذا الشجر من ماء حتى صار خضرا نضرا، ذا ثمر وينع، ثم أعاده إلى أن صار حطبا يابسا توقد به النار، كذلك هو فعّال لما يشاء، قادر على ما يريد، لا يمنعه شئ). ثم بيّن تعالى أن من قدر على خلق السموات والأرض مع عظم شأنهما فهو على إعادة خلق الأناسي أقدر أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ قال ابن كثير: أي مثل البشر فيعيدهم كما بدأهم بَلى أي قل: بلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ أي الكثير المخلوقات الْعَلِيمُ أي الكثير المعلومات إِنَّما أَمْرُهُ أي شأنه إِذا أَرادَ أن يكوّن شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أي فيحدث. قال ابن كثير: (أي إنما يأمر بالشيء أمرا واحدا، لا يحتاج إلى تكرار وتأكيد). قال النسفي: (أي فهو كائن موجود لا محالة). ثم ختم الله السورة بقوله: فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ أي ملك كل شئ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي تعادون بعد الموت بلا فوت. قال ابن كثير: (أي تنزيه وتقديس وتبرئة من السوء للحي القيوم الذي بيده مقاليد السموات والأرض، وإليه يرجع الأمر كله وله الخلق والأمر، وإليه ترجع العباد يوم المعاد، فيجازي كل عامل بعمله، وهو العادل المنعم المتفضل). نقل: [لصاحب الظلال حول آية أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ .. ] قال صاحب الظلال عند قوله تعالى: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ؟ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ:

стр. 4433

(والسماوات والأرض خلق عجيب هائل دقيق .. هذه الأرض التي نعيش عليها ويشاركنا ملايين الأجناس والأنواع، ثم لا نبلغ نحن شيئا من حجمها، ولا شيئا من حقيقتها، ولا نعلم عنها حتى اليوم إلا القليل .. هذه الأرض كلها تابع صغير من توابع الشمس التي تعيش أرضنا الصغيرة على ضوئها وحرارتها .. وهذه الشمس واحدة من مائة مليون في المجرة الواحدة التي تتبعها شمسنا، والتي تؤلف دنيانا القريبة! وفي الكون مجرات أخرى كثيرة. أو دنييات كدنيانا القريبة. عد الفلكيون حتى اليوم منها مائة مليون مجرة بمناظيرهم المحدودة. وهم في انتظار المزيد كلما أمكن تكبير المناظير والمراصد. وبين مجرتنا أو دنيانا والمجرة التالية لها نحو خمسين وسبع مائة ألف سنة ضوئية (السنة الضوئية تقدر بستة وعشرين مليون مليون من الأميال!) .. وهناك كتل ضخمة من السدم التي يظن أنه من نثارها كانت تلك الشموس. وهذا هو الجزء الذي يدخل في دائرة معارفنا الصغيرة المحدودة! تلك الشموس التي لا يحصيها العد. لكل منها فلك تجري فيه. ولمعظمها توابع ذات مدارات حولها كمدار الأرض حول الشمس .. وكلها تجري وتدور في دقة وفي دأب. لا تتوقف لحظة ولا تضطرب. وإلا تحطم الكون المنظور واصطدمت هذه الكتل الهائلة السابحة في الفضاء الوسيع. هذا الفضاء الذي تسبح فيه تلك الملايين التي لا يحصيها العد، كأنها ذرات صغيرة. لا نحاول تصويره .. فذلك شئ يدير الرءوس! أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ؟. وأين الناس من ذلك الخلق الهائل العجيب؟ بَلى! وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ). كلمة في سياق المجموعة والمقطع: انصبّ الكلام في المجموعة الأخيرة على إقامة الدليل على مجئ اليوم الآخر، لأن الإنذار والقيام بالتكليف، والقيام بالشكر، مرجعه كله إلى الإيمان باليوم الآخر، كما فصّلت ذلك سورة سبأ من قبل، وبهذا تكامل الإنذار في المقطع الثاني. بدأ المقطع الثاني بلفت النظر إلى هلاك الماضين، ثم ثنّى في سياقه الرئيسي بلفت النظر إلى النعمة، ثم ثلّث بلفت النظر إلى ما يوجب الإيمان باليوم الآخر. ومن ثمّ كانت بداية المجموعات:

стр. 4434

أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ. أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ. أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ .... فوائد: ١ - في سبب نزول المجموعة الأخيرة قال ابن كثير: (قال مجاهد وعكرمة وعروة بن الزبير والسدي وقتادة: جاء أبي بن خلف- لعنه الله- إلى رسول الله ﷺ وفي يده عظم رميم، وهو يفته، ويذروه في الهواء، وهو يقول: يا محمد أتزعم أن الله يبعث هذا؟ قال ﵌: «نعم يميتك الله تعالى ثم يبعثك ثم يحشرك إلى النار» ونزلت هذه الآيات من آخر يس أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ إلى آخرهن، وروى ابن أبي حاتم بسنده عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: إن العاص بن وائل أخذ عظما من البطحاء ففتّه بيده، ثم قال لرسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلم: أيحيي الله هذا بعد ما أرى؟ فقال رسول الله ﷺ : «نعم يميتك ثم يحييك ثم يدخلك جهنم» قال: نزلت الآيات من آخر يس، ورواه ابن جرير من غير طريق ابن عباس ﵄. ٢ - [حديث بمناسبة قوله تعالى أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ] بمناسبة قوله تعالى: أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد في مسنده ... عن بشر بن جحاش قال: إن رسول الله ﷺ بصق يوما في كفه فوضع عليها إصبعه ثم قال رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلم: «قال الله تعالى يا بني آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سوّيتك وعدلتك مشيت بين برديك وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق وأنى أوان الصدقة؟» ورواه ابن ماجه). ٣ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ] بمناسبة قوله تعالى: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد بسنده أنه قال عقبة بن عمرو لحذيفة ﵄: ألا تحدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ فقال: سمعته ﵌ يقول: «إن رجلا حضره الموت فلما يئس من الحياة أوصى أهله إذا أنا مت فاجمعوا لي حطبا كثيرا جزلا، ثم

стр. 4435

أوقدوا فيه نارا، حتى إذا أكلت لحمي، وخلصت إلى عظمي فامتحشت، فخذوها فدقّوها فذروها في اليم، ففعلوا فجمعه الله تعالى إليه ثم قال له: لم فعلت ذلك؟ قال من خشيتك، فغفر الله له» فقال عقبة بن عمرو: وأنا سمعته صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول ذلك وكان نباشا. وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الملك بن عمير بألفاظ كثيرة منها أنه أمر بنيه أن يحرقوه، ثم يسحقوه، ثم يذروا نصفه في البر، ونصفه في البحر في يوم رائح- أي كثير الهواء- ففعلوا ذلك، فأمر الله تعالى البحر فجمع ما فيه، وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال له: كن فإذا هو رجل قائم، فقال له ما حملك على ما صنعت؟ قال: مخافتك وأنت أعلم؛ فما تلافاه أن غفر له). ٤ - [اتجاه آخر في تفسير آية الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً وتعليق المؤلف] هناك اتجاه آخر غير الذي ذكرناه في قوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً ذكره ابن كثير ووجه على ضوئه النسفي الآية. قال ابن كثير: (وقيل المراد بذلك شجر المرخ والعفار ينبت في أرض الحجاز فيأتي من أراد قدح نار وليس معه زناد فيأخذ منه عودين أخضرين، ويقدح أحدهما بالآخر، فتتولد النار من بينهما كالزناد سواء، وروي هذا عن ابن عباس ﵄، وفي المثل: لكل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، وقال الحكماء في كل شجر نار إلا العناب). قال النّسفي: (ذكر من بدائع خلقه انقداح النار من الشجر الأخضر مع مضادة النار للماء، وانطفائها به، وهي الزناد التي توري بها الأعراب، وأكثرها من المرخ والعفار وفي أمثالهم في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار، لأن المرخ: شجر سريع الورى، والعفار شجر تقدح منه النار، يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين، وهما خضراوان، يقطر منهما الماء فيسحق المرخ- وهو ذكر- على العفار- وهي أنثى- فتنقدح النار بإذن الله، وعن ابن عباس ﵄: ليس من شجرة إلا وفيها النار، إلا العناب لمصلحة الدق للثياب، فمن قدر على جمع الماء والنار في الشجر قدر على المعاقبة بين الموت والحياة في البشر، وإجراء أحد الضدين على الآخر بالتعقيب أسهل في العقل من الجمع معا بلا ترتيب). أقول: العنّاب لا نار فيه بمعنى: أنك مهما حككته ببعضه لا يتولّد منه نار وليس

стр. 4436

المعنى أنّه لا يحترق، بدليل ما نقله النسفي في شأنه (إلا العناب لمصلحة الدّق للثياب). ٥ - [معنى (الملك والملكوت) عند الصوفية وفي الكتاب والسنة] يفرق الصوفية في مصطلحاتهم بين الملك والملكوت. فيريدون بالملك عالم الحس، ويريدون بالملكوت عالم المعنى وهو مصطلح خاص بهم، أما لفظتا الملك والملكوت في الكتاب والسنة فلا فارق بينهما، إلا من حيث إن زيادة الواو والتاء تفيد المبالغة كما قال النسفي، وقد حقق ابن كثير هذا المقام فقال: (فالملك والملكوت واحد في المعنى كرحمة ورحموت، ورهبة ورهبوت، وجبر وجبروت، ومن الناس من زعم أن الملك هو عالم الأجسام، والملكوت هو عالم الأرواح، والصحيح الأول، وهو الذي عليه الجمهور من المفسرين وغيرهم، روى الإمام أحمد عن حذيفة ﵁ قال: قمت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة فقرأ السبع الطوال في سبع ركعات، وكان ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: «سمع الله لمن حمده» ثم قال: «الحمد لله ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة» وكان ركوعه مثل قيامه، وسجوده مثل ركوعه، فانصرف وقد كادت تنكسر رجلاي. وقد روى أبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي ... عن حذيفة ﵁ أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي من الليل وكان يقول: «الله أكبر- ثلاثا- ذي الملكوت والجبروت، والكبرياء والعظمة» ثم استفتح فقرأ البقرة ثم ركع فكان ركوعه نحوا من قيامه، وكان يقول في ركوعه: «سبحان ربي العظيم» ثم رفع رأسه من الركوع فكان قيامه نحوا من ركوعه وكان يقول في قيامه: «لربي الحمد» ثم سجد فكان سجوده نحوا من قيامه، وكان يقول في سجوده: «سبحان ربي الأعلى» ثم رفع رأسه من السجود وكان يقعد فيما بين السجدتين نحوا من سجوده، وكان يقول: «رب اغفر لي رب اغفر لي» فصلى أربع ركعات فقرأ فيهن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، أو الأنعام- شك شعبة- هذا لفظ أبي داود. وقال النسائي: أبو حمزة عندنا طلحة ابن يزيد، وهذا الرجل يشبه أن يكون ابن عم حذيفة كما هو مذكور في رواية الإمام أحمد والله أعلم. وأما رواية صلة بن زفر عن حذيفة ﵁ فإنها في صحيح مسلم ولكن ليس فيها ذكر الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة. وروى أبو داود ... عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: قمت مع رسول الله ﷺ ليلة فقام فقرأ سورة البقرة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف وسأل، ولا يمر بآية عذاب

стр. 4437

إلا وقف وتعوّذ، قال: ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه «سبحان ذي الجبروت والملكوت، والكبرياء والعظمة» ثم سجد بقدر قيامه ثم قال في سجوده مثل ذلك ثم قام فقرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة سورة، ورواه الترمذي في الشمائل والنسائي من حديث معاوية بن صالح به). نقل: قال الألوسي في خواتيم كلامه عن سورة (يس): (وقد اشتملت هذه السورة الكريمة على تقرير مطالب عليّة، وتضمنت أدلة جليلة جلية، ألا ترى أنه تعالى أقسم على كونه صلّى الله تعالى عليه وسلم أكمل الرسل، وأن طريقه أوضح السبل، وأشار سبحانه إلى أن المقصود ما ذكر بقوله تعالى لِتُنْذِرَ الخ ثم بينه إجمالا أنه اتباع الذكر وخشية الرحمن بالغيب وتمّمه بضرب المثل مدمجا فيه التحريض على التمسك بحبل الكتاب، والمنزل عليه، وتفضيلهما على الكتب والرسل، والتنبيه عليه ثانيا بأنه عبادة من إليه الرجعى وحده، ثم أخذ في بيان المقدمات بذكر الآيات، وأوثر منها الواضحات الدالة على العلم والقدرة والحكمة والرحمة وضمّن فيه أن العبادة شكر المنعم وتلقي النعمة بالصرف في رضاه والحذر من الركون إلى من سواه، ثم في بيان المتمم بذكر الوعد والوعيد، بما ينال في المعاد، وأدرج فيه حديث من سلك ومن ترك، وذكر غايتهما، ولخّص فيه أن الصراط المستقيم هو عبادة الله تعالى بالإخلاص عن شائبتي الهوى والرياء، حيث قدّم على الأمر بعبادته تعالى التجنب عن عبادة الشيطان، وضمّن فيه أن أساسها التوحيد، وكما أنه ذكر الآيات لئلا يكون الكلام خطابيا في المقدمات، ختم بالبرهان على الإعادة ليكون على منواله في المتممات، وجعل سبحانه ختام الخاتمة أنه لا يتعاظمه شئ، ولا ينقص خزائنه عطاء، وأنه لا يخرج عن مملكته من قربه قبول أو بعده إباء تحقيقا لكل ما سلف على الوجه الأتم، ولما كان كلاما صادرا عن مقام العظمة والجلال وجب أن يراعى فيه نكتة الالتفات في قوله تعالى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ليكون إجمالا لتوضيح التفصيل. كذا قرره صاحب الكشف. والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل).

стр. 4438

كلمة أخيرة في سورة يس ومجموعتها: ذكرت سورة يس رسالة الرسول ﷺ ، وأظهرت حكمتها، وذكرت مضمونها، وحدّدت موقف الناس منها، ونوعية الذين يستجيبون لها ويقبلونها. وبالتالي من لا يستجيب لها ولا يقبلها. ... وحدّدت صفات الذين يستجيبون بأنهم الذين يتبعون الذكر ويخشون الله. وذكّرت بكل ما يوصّل إلى ذلك، وأقامت الحجة على الآخرين، وهي بذلك تكون قد أكملت البناء الذي ابتدأته سورة فاطر، إذ حدّدت سورة فاطر نقطة البداية في السير: وهي خشية الله، وإقام الصلاة. قالت سورة فاطر: إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ. وقالت سورة يس: إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فاجتمع من السورتين أن الذي يقبل الإنذار هو الخائف من الله، المصلي المتّبع لكتاب الله، وبالتالي فهو الحي كما قالت سورة (يس): لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا فسورة فاطر ذكرت بداية الطريق، وأكملت هذه البداية سورة يس؛ فذكرت الأساس الذي يقوم عليه تلقي دعوة الرسول ﷺ ، ومن قبل ذكرت سورة سبأ الأسس العامة للقيام بالتكليف، فلو رجعنا إلى سورة سبأ فإننا نلاحظ أنّها ذكّرت بالشروط اللازمة لقضية الشكر التي هي القيام بالتكليف، ثم جاءت سورتا فاطر ويس، فذكّرتا ببداية السير العملي، وبهذا تكاملت السور الثلاث في تبيان الهدف، ونقطة البداية فيه، والطريق إليه، فإذا تذكرنا السور الأربع: العنكبوت، والروم، ولقمان، والسجدة، التي فصّلت في قضية الإيمان العملي والنظري، وتذكرنا سورة الأحزاب، التي رسمت الطريق للتحقق، نعلم كيف تكاملت مواضيع المجموعة، وكيف أدّت كل سورة محلها في هذا التكامل. ... فالسور الأربع الأولى حدّدت خريطة الإيمان النظري والعملي، وسورة الأحزاب حددت الطريق للتحقق بذلك. وجاءت سورة سبأ لتبيّن ماهية الشكر الذي هو مجموع ما ورد في السور الخمس السابقة، وتبين كل الشروط اللازمة للتحقق به، ثم جاءت

стр. 4439

سورة فاطر لتبيّن نقطة البداية فيه، وجاءت سورة يس لتكمّل قضية الأساس في قبول الإسلام كله، ومن ثم نفهم كيف أن كل مجموعة من مجموعات القرآن لها تكاملها، ولها دورها في بناء قضية الإسلام لرب العالمين. ... ومن المعنى السابق ندرك خطأ الذين يتصورون أنّ فهم شئ من القرآن- حتى ولو كان سورة البقرة- يغني عن فهم كل آية من آيات القرآن؛ لأن كل آية، وكل سورة، وكل مجموعة، لها غناؤها، وفيها فقهها الخاص بها، ولها دورها في بناء النفس البشرية، والأمّة الإسلامية، وفي تفصيل القضايا النفسية، أو الشروط النفسية، أو غير ذلك مما يلزم عملية البناء، صحيح أنّ كل مجموعة من المجموعات، أو كل قسم من الأقسام، يذكّر بالقضايا الرئيسية، بل قد تجد سورا قصيرة تذكّر بالمعاني الرئيسية، إلا أن التذكير شئ، وفهم الإسلام كله شئ آخر. لقد جعل الله كتابه فيه تبيان كل شئ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩] ومن ثمّ فلا يتعرف الإنسان تعرفا كاملا على القضايا كلها إلا من خلال فهم الكتاب كله. ... وإذ أدركنا من خلال المجموعة المارّة كيف تتكامل كل مجموعة من المجموعات ندرك صلة الآيات التي تشكّل محاور هذه المجموعات من سورة البقرة مع بعضها، وهو موضوع تحدّثنا عنه من قبل فلا نعيده، ولكنا هنا نقول: إن تفصيل المجموعات لسورة البقرة يأخذ كل مرة منحى جديدا، وطابعا جديدا، وأسلوبا جديدا، بحيث يوجد عندنا في كل مرة، وبكل مجموعة موضوع متكامل يؤدي دوره في بناء الشخصية المسلمة والأمة المسلمة، ومن الملاحظ أن بعض آيات سورة البقرة يتكرر تفصيلها في كل مجموعة، بينما لا يتكرر تفصيل بعض الآيات، ولذلك صلته باحتياجات النفس البشرية لتكرار بعض المعاني، أو لاحتياج معنى من المعاني إلى تفصيلات كثيرة. وبهذا ننهي الكلام عن المجموعة الأولى من قسم المثاني ولله الحمد والمنة. ***

стр. 4440

المجموعة الثانية من القسم الثالث من أقسام القرآن المسمّى بقسم المثاني وتشمل سورتي: (الصافات، وص)

стр. 4441

كلمة في هذه المجموعة: هذه المجموعة تتألف من سورتين فقط، وإنما دلنا على أن هذه المجموعة تتألف من هاتين السورتين هو ابتداء سورة الصافات بالقسم، وهي علامة من الآن فصاعدا على بداية المجموعات كما سنرى وَالذَّارِياتِ. لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً وَالْفَجْرِ ... وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ... وَالْعادِياتِ ضَبْحاً. وَالْعَصْرِ، وأن السورة الثانية مبدوءة بالحرف (ص) وهي علامة على نهاية مجموعة منذ سورة مريم. فسورة مريم فيها (صاد) فهي نهاية مجموعة، وهذه كذلك نهاية مجموعة. ... وممّا يدلّنا على أنّ سورة الصافات بداية مجموعة كون (يس) قبلها كانت نهاية مجموعة، وكون سورة الزمر بعد (ص) بداية مجموعة كما سنرى، فتعيّن أنّ الصافات وصاد مجموعة واحدة في هذا القسم- قسم المثاني- وسنرى في هذا القسم كثرة المجموعات وكيف أنّ أكثرها يفصّل في أوائل سورة البقرة ولعلّ لهذا صلة بتسمية هذا القسم بالمثاني. ... وتكاد سورة الصافات تمثل في معنى من معاني الآيات الأولى من سورة البقرة والواردة في صفات المتقين، وتكاد سورة (ص) تفصّل في معنى من معاني الآيات الآتية بعدها والواردة في صفات الكافرين. فسورة الصافات تفصّل في معان مستكنّة في قوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وكذلك سورة (ص) تفصّل في معان مستكنّة في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.

стр. 4442

وكما أن كل مجموعة لها تكاملها، ولها روحها، ولها كذلك دورها الخاص بها، فإن هاتين السورتين كذلك، فهما تبرزان معنى من المعاني المستكنة في مقدمة سورة البقرة بشكل بارز لا نراه في غيرهما. كما أن كل سورة منهما على حدة تبرز معاني من محورها وتفصلها بشكل لا نراه على كماله وتمامه كما هو في هاتين السورتين، وكل ذلك سنراه بالتفصيل إن شاء الله تعالى. ... وإذ كانت السورتان تفصلان في حيز واحد هو مقدمة سورة البقرة، فإننا نجد بينهما تداخلا، كما أن الكلام في المقدمة متداخل، إذ الكلام عن المؤمنين يحوي في طياته كلاما عن الكافرين. والكلام عن الكافرين يحوي في طياته كلاما عن المتقين، فمن خلال تقريرك لصفات الكافرين تكون قد حددت بعض خصائص المؤمنين، ومن خلال تقريرك لصفات المؤمنين تكون قد حددت بعض خصائص الكافرين، وإذا كانت السورتان تتحدثان في هاتين الدائرتين فمن ثمّ نجد فيهما تكاملا وتداخلا مع احتفاظ كل منهما بدوره في تفصيل محوره الرئيسي. ... وبمناسبة ذكر الاستكنان نقول: إنك تجد معاني كثيرة مستكنة في آية من آيات القرآن، فتجد سورة كاملة تفصّل هذا الاستكنان، كما رأينا ذلك في كثير من آيات سورة البقرة، إذ تأتي سورة وسور كاملة من أجل أن تفصّل ما استكنّ فيها. إنك لتجد كثيرا من سور القرآن تفصّل تفصيلا نورانيا لمحورها، فمثلا سورة الأنعام تفصيل لآيتين من سورة البقرة. وسورتا سبأ وفاطر تفصيل جديد لهاتين الآيتين، ولكنه تفصيل يراعي التفصيل الأول، إن أول تفصيل لمقدمة سورة البقرة يأتي في سورة آل عمران، ثم يأتي تفصيل ثان لبعضها في سورة يونس، مراعى فيه التفصيل الأول. ثم تأتي سورة الحجر لتفصّل في بعض المقدمة تفصيلا ثالثا، مراعى فيه التفصيلين السابقين، ثم تأتي سورة طه والأنبياء فتفصلان بعض المقدمة تفصيلا رابعا، مراعى فيه التفصيلات السابقة. ثم تأتي زمرة (الم) في هذه المجموعة لتفصّل في مقدمة سورة البقرة تفصيلا خامسا، مراعى فيه التفصيلات السابقة، ومن ثمّ تجد معنى في تفصيل سابق قد فصّل في تفصيل لاحق.

стр. 4443

وهكذا تجد معاني فصّلت مرة بعد مرة، وكل التفصيلات اللاحقة مستكنة في آيات المحور. وسنرى هذا بشكل بارز في سورتي هذه المجموعة فمثلا: أن لا إله إلا الله مستكنة في قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وستجد كيف أن سورة الصافات تبرز هذا المستكنّ هناك، وهي تفصّل من جديد في مقدمة سورة البقرة. ولنبدأ عرض سورتي المجموعة الثانية من قسم المثاني.

стр. 4444

سورة الصّافّات وهي السّورة السّابعة والثلاثون بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة الأولى من المجموعة الثانية من قسم المثاني وآياتها مائة واثنتان وثمانون آية وهي مكيّة

стр. 4445

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم

стр. 4446

كلمة في سورة الصافات ومحورها: تبدأ سورة الصافات بقوله تعالى: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا* فَالزَّاجِراتِ زَجْراً* فَالتَّالِياتِ ذِكْراً* إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ وإذن فالسورة تبدأ بقسم، وجواب للقسم، ومن جواب القسم نعلم موضوع السورة الرئيسي وهو وحدانية الله ، ثم تسير السورة حتى تصل إلى قوله تعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ. ثم تستمر السورة حتى تصل إلى قوله تعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ [الآية: ١٤٩] مما يدل على أن التعريف على الله وما تستلزمه هذه المعرفة هو الشيء الذي يصب فيه سياق السورة الرئيسي. فإذا وصلنا إلى آياتها الأخيرة نجد قوله تعالى: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ومن خلال البداية والنهاية، ومن خلال الاستفتاءين اللذين يشكلان نقطتي علام في السورة، ندرك المصبّ الرئيسي الذي يصبّ فيه سياق السورة وهو- كما قلنا- التعريف على الله ، وما تستلزمه تلك المعرفة، وهو الموضوع الأول من مواضيع الإيمان بالغيب، والذي يستتبع الإيمان بالغيب كله، ومن ثمّ فمن خلال السياق الرئيسي للسورة تعرض بعض المعاني التي لها علاقة بالآخرة والرسل والملائكة والكتاب، كما سنرى. ونلاحظ أن قوله تعالى: سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ* يتكرر في السورة أكثر من مرة مما يشير كذلك إلى الموضوع الرئيسي في السورة، وهو التعريف على الله وتنزيهه وتوحيده. ... إنه من المعلوم بديهة أن كلمة التوحيد هي كلمة التقوى، وهي نقطة الارتكاز في هذا الدين، وهي نقطة البداية في دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنها تحوي كل عقائد الإسلام، وإليها ترجع هذه العقائد، فإذا عرفنا أن هذا هو مضمون السورة أدركنا محل سورة الصافات في تفصيل قوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ*

стр. 4447

وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ إنها تفصّل في موضوع التوحيد ومستلزماته. ... تتألف السورة بشكل واضح من مقدمة تستمر حتى نهاية الآية العاشرة، تتحدث عن التوحيد، وعن أدلته، وعن حفظ الوحي. ثم يأتي مقطعان كل منهما مبدوء بقوله تعالى فَاسْتَفْتِهِمْ. المقطع الأول مبدوء بقوله تعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ ويستمر حتى نهاية الآية (١٤٨). والمقطع الثاني مبدوء بقوله تعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ويستمر حتى نهاية السورة أي حتى نهاية الآية (١٨٢). ويندمج الكلام في المقطع الأول عن التوحيد، واليوم الآخر، والرسل كمواضيع متلازمة، إذ يرتبط الإيمان بالله بالإيمان باليوم الآخر، بل إنّ أكثر كفر الكافرين سببه الكفر باليوم الآخر، ويرتبط الإيمان بالله بالإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام؛ إذ هم الذين يعرفونه حق المعرفة، ويعرّفون عليه حقّ التعريف، ومن ثمّ يقول تعالى في السورة سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ* إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ويندمج الكلام في المقطع الثاني عن الله والملائكة والرسل والمؤمنين بشكل عجيب سنراه. ومن ثمّ فإن السورة إذ تعرض التوحيد تعرض معه قضايا الإيمان كلها، لأن التصور السليم عن موضوع التوحيد مرتبط بالتصور السليم عن قضايا الإيمان كلها. ... ولأول مرة في السياق القرآني نجد سورة مبدوءة بقسم مباشر، فما قبل سورة الصافات نجد قسما في بداية السورة، ولكنه مسبوق بشيء مثل (يس) في سورة (يس) إذ مطلعها يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. ومن الآن فصاعدا سنجد سورا كثيرة مبدوءة بقسم مباشر، بل نجد في المجموعة

стр. 4448

الواحدة مجموعة سور كلها مبدوءة بقسم مباشر. فمجموعة الذاريات فيها ثلاث سور متوالية مبدوءة بقسم مباشر هي: وَالذَّارِياتِ وَالطُّورِ وَالنَّجْمِ وفي مجموعة الفجر تجد خمس سور مبدوءة بقسم مباشر هي: وَالْفَجْرِ، لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ وَالشَّمْسِ وَضُحاها وَاللَّيْلِ وَالضُّحى. وكما كانت سورة الصافات المبدوءة بقسم مباشر بداية المجموعة، فسنجد أن القسم المباشر في بداية سورة علامة على أن مجموعة جديدة قد بدأت. فلنبدأ بعرض سورة الصافات، وقبل أن نبدأ بعرضها فلنذكر فائدة صدّر بها ابن كثير الكلام عن سورة الصافات ولننقل بعض النقول حول السورة: ... قال ابن كثير: روى النسائي ... عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالتخفيف ويؤمنا بالصافات، تفرد به النسائي. أقول: كأنّ ابن عمر يريد من هذه الرواية أن التخفيف لا يعني القراءة القليلة، والذي عليه الفقهاء أن الإمام يراعي حال المأمومين، واستعدادهم، وهذا يختلف باختلاف الأمكنة، والأزمنة، والبيئات، وأحوال الناس؛ فالعامل أثناء العمل، والمسافر أثناء السفر، والمبتدءون بالصلاة، والمشغولون بحادث يطرأ، والمعتادون على الصلاة القصيرة، كل من هؤلاء يراعي حاله، وحكمة الإمام في هذه الأمور هي التي تقدر، ولقد رأيت أئمة يطيلون قليلا عما ألفه الناس- وهو قليل- فيؤدّي ذلك إلى فتنة، أو قطع صلاة، وحتى إلى كلمة كفر، فلا بدّ للإمام أن يراعي هذا، وإذا اقتصر في بعض المواطن على الفاتحة وآيات قصار معدودة فلا بأس. نقول: [تقديم الألوسي وصاحب الظلال لسورة الصافات] ١ - قدّم الألوسي لسورة الصافات بقوله: (مكية ولم يحكوا في ذلك خلافا، وهي مائة وإحدى وثمانون آية عند البصريين، ومائة واثنتان وثمانون عند غيرهم، وفيها تفصيل أحوال القرون المشار إلى إهلاكها

стр. 4449

في قوله تعالى في السورة المتقدمة أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ وفيها من تفصيل أحوال المؤمنين، وأحوال أعدائهم الكافرين يوم القيامة، ما هو كالإيضاح لما في تلك السورة من ذلك، وذكر فيها شئ مما يتعلق بالكواكب لم يذكر فيما تقدم، ولمجموع ما ذكر ذكرت بعدها، وفي البحر مناسبة أول هذه السورة لآخر سورة يس أنه تعالى لما ذكر المعاد وقدرته سبحانه على إحياء الموتى، وأنه هو منشئهم، وأنه إذا تعلقت إرادته بشيء كان، ذكر هنا وحدانيته سبحانه إذ لا يتم ما تعلقت به الإرادة إيجادا وإعداما إلا بكون المريد واحدا، كما يشير إليه قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا). ٢ - ومن تقديم صاحب الظلال لسورة الصافات ما يلي: (هذه السورة المكية- كسابقتها- قصيرة الفواصل، سريعة الإيقاع، كثيرة المشاهد والمواقف، متنوّعة الصور والظلال، عميقة المؤثرات، وبعضها عنيف الوقع، عنيف التأثير. وهي تستهدف- كسائر السور المكية- بناء العقيدة في النفوس، وتخليصها من شوائب الشرك في كل صوره وأشكاله. ولكنها- بصفة خاصة- تعالج صورة معينة من صور الشرك التي كانت سائدة في البيئة العربية الأولى. وتقف أمام هذه الصورة طويلا؛ وتكشف عن زيفها وبطلانها بوسائل شتى .. تلك هي الصورة التي كانت جاهلية العرب تستسيغها، وهي تزعم أن هناك قرابة بين الله- سبحانه- وبين الجن. وتستطرد في تلك الأسطورة فتزعم أنه من التزواج بين الله- تعالى- والجنة ولدت الملائكة. ثم تزعم أن الملائكة إناث. وأنهن بنات الله! هذه الأسطورة تتعرض لحملة قوية في هذه السورة؛ تكشف عن تهافتها وسخفها. ونظرا لأنها هي الموضوع البارز الذي تعالجه السورة، فإنها تبدأ بالإشارة إلى طوائف من الملائكة: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا* فَالزَّاجِراتِ زَجْراً* فَالتَّالِياتِ ذِكْراً .. ويتلوها حديث عن الشياطين المردة، وتعرضهم للرجم بالشهب الثاقبة كيلا يقربوا من الملأ الأعلى. ولا يتسمّعوا لما يدور فيه؛ ولو كانوا حيث تزعم لهم أساطير الجاهلية ما طوردوا هذه المطاردة! كذلك يشبّه ثمار شجرة الزقوم التي يعذب بها الظالمون في جهنم بأنها كرءوس الشياطين في معرض التقبيح والتفظيع! وفي نهاية السورة تأتي الحملة المباشرة على تلك الأسطورة المتهافتة: فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ* أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ* أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ* وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ

стр. 4450

لَكاذِبُونَ* أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ* ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ* أَفَلا تَذَكَّرُونَ* أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ* فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ .. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ!. وإلى جانب علاج هذه الصورة الخاصة من صور الشرك الجاهلية تتناول السورة جوانب العقيدة الأخرى التي تتناولها السور المكية. فتثبت فكرة التوحيد مستدلة بالكون المشهود: إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ* رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ .. وتنص على أن الشرك هو السبب في عذاب المعذّبين في ثنايا مشهد من مشاهد القيامة: فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ* إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ* إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ* وَيَقُولُونَ: أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ* بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ* إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ* وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ .. كذلك تتناول قضية البعث والحساب والجزاء وَقالُوا: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ* أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ* أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ* قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ .. ثم تعرض بهذه المناسبة مشهدا مطولا فريدا من مشاهد القيامة الحافلة بالمناظر والحركات والانفعالات والمفاجات! وتعرض لقضية الوحي والرسالة الذي ورد من قولهم: أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ؟ والرد عليهم: بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ. وبمناسبة ضلالهم وتكذيبهم تعرض سلسلة من قصص الرسل: نوح وإبراهيم وبنيه. وموسى وهارون. وإلياس. ولوط. ويونس. ﵈. تتكشّف فيها رحمة الله ونصره لرسله وأخذه للمكذبين بالعذاب والتنكيل: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ* وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ* فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ* إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ. وتبرز في هذا القصص قصة إبراهيم خاصة مع ابنه إسماعيل. قصة الذبح والفداء، وتبرز فيها الطاعة والاستسلام لله في أروع صورها وأعمقها وأرفعها؛ وتبلغ الذروة التي لا يبلغها إلا الإيمان الخالص الذي يرفع النفوس إلى ذلك الأفق السامق الوضيء. ***
следующие страницы →