Полный текст (6 440 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.
стр. 4446
كلمة في سورة الصافات ومحورها:
تبدأ سورة الصافات بقوله تعالى: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا* فَالزَّاجِراتِ زَجْراً* فَالتَّالِياتِ ذِكْراً* إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ وإذن فالسورة تبدأ بقسم، وجواب للقسم، ومن جواب القسم نعلم موضوع السورة الرئيسي وهو وحدانية الله ، ثم تسير السورة حتى تصل إلى قوله تعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ.
ثم تستمر السورة حتى تصل إلى قوله تعالى:
فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ [الآية: ١٤٩] مما يدل على أن التعريف على الله وما تستلزمه هذه المعرفة هو الشيء الذي يصب فيه سياق السورة الرئيسي.
فإذا وصلنا إلى آياتها الأخيرة نجد قوله تعالى: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ومن خلال البداية والنهاية، ومن خلال الاستفتاءين اللذين يشكلان نقطتي علام في السورة، ندرك المصبّ الرئيسي الذي يصبّ فيه سياق السورة وهو- كما قلنا- التعريف على الله ، وما تستلزمه تلك المعرفة، وهو الموضوع الأول من مواضيع الإيمان بالغيب، والذي يستتبع الإيمان بالغيب كله، ومن ثمّ فمن خلال السياق الرئيسي للسورة تعرض بعض المعاني التي لها علاقة بالآخرة والرسل والملائكة والكتاب، كما سنرى.
ونلاحظ أن قوله تعالى:
سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ* يتكرر في السورة أكثر من مرة مما يشير كذلك إلى الموضوع الرئيسي في السورة، وهو التعريف على الله وتنزيهه وتوحيده.
...
إنه من المعلوم بديهة أن كلمة التوحيد هي كلمة التقوى، وهي نقطة الارتكاز في هذا الدين، وهي نقطة البداية في دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنها تحوي كل عقائد الإسلام، وإليها ترجع هذه العقائد، فإذا عرفنا أن هذا هو مضمون السورة أدركنا محل سورة الصافات في تفصيل قوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ*
стр. 4447
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ إنها تفصّل في موضوع التوحيد ومستلزماته.
...
تتألف السورة بشكل واضح من مقدمة تستمر حتى نهاية الآية العاشرة، تتحدث عن التوحيد، وعن أدلته، وعن حفظ الوحي.
ثم يأتي مقطعان كل منهما مبدوء بقوله تعالى فَاسْتَفْتِهِمْ.
المقطع الأول مبدوء بقوله تعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ ويستمر حتى نهاية الآية (١٤٨).
والمقطع الثاني مبدوء بقوله تعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ويستمر حتى نهاية السورة أي حتى نهاية الآية (١٨٢).
ويندمج الكلام في المقطع الأول عن التوحيد، واليوم الآخر، والرسل كمواضيع متلازمة، إذ يرتبط الإيمان بالله بالإيمان باليوم الآخر، بل إنّ أكثر كفر الكافرين سببه الكفر باليوم الآخر، ويرتبط الإيمان بالله بالإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام؛ إذ هم الذين يعرفونه حق المعرفة، ويعرّفون عليه حقّ التعريف، ومن ثمّ يقول تعالى في السورة سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ* إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
ويندمج الكلام في المقطع الثاني عن الله والملائكة والرسل والمؤمنين بشكل عجيب سنراه.
ومن ثمّ فإن السورة إذ تعرض التوحيد تعرض معه قضايا الإيمان كلها، لأن التصور السليم عن موضوع التوحيد مرتبط بالتصور السليم عن قضايا الإيمان كلها.
...
ولأول مرة في السياق القرآني نجد سورة مبدوءة بقسم مباشر، فما قبل سورة الصافات نجد قسما في بداية السورة، ولكنه مسبوق بشيء مثل (يس) في سورة (يس) إذ مطلعها يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ.
ومن الآن فصاعدا سنجد سورا كثيرة مبدوءة بقسم مباشر، بل نجد في المجموعة
стр. 4448
الواحدة مجموعة سور كلها مبدوءة بقسم مباشر.
فمجموعة الذاريات فيها ثلاث سور متوالية مبدوءة بقسم مباشر هي:
وَالذَّارِياتِ وَالطُّورِ وَالنَّجْمِ وفي مجموعة الفجر تجد خمس سور مبدوءة بقسم مباشر هي: وَالْفَجْرِ، لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ وَالشَّمْسِ وَضُحاها وَاللَّيْلِ وَالضُّحى.
وكما كانت سورة الصافات المبدوءة بقسم مباشر بداية المجموعة، فسنجد أن القسم المباشر في بداية سورة علامة على أن مجموعة جديدة قد بدأت.
فلنبدأ بعرض سورة الصافات، وقبل أن نبدأ بعرضها فلنذكر فائدة صدّر بها ابن كثير الكلام عن سورة الصافات ولننقل بعض النقول حول السورة:
...
قال ابن كثير: روى النسائي ... عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالتخفيف ويؤمنا بالصافات، تفرد به النسائي.
أقول:
كأنّ ابن عمر يريد من هذه الرواية أن التخفيف لا يعني القراءة القليلة، والذي عليه الفقهاء أن الإمام يراعي حال المأمومين، واستعدادهم، وهذا يختلف باختلاف الأمكنة، والأزمنة، والبيئات، وأحوال الناس؛ فالعامل أثناء العمل، والمسافر أثناء السفر، والمبتدءون بالصلاة، والمشغولون بحادث يطرأ، والمعتادون على الصلاة القصيرة، كل من هؤلاء يراعي حاله، وحكمة الإمام في هذه الأمور هي التي تقدر، ولقد رأيت أئمة يطيلون قليلا عما ألفه الناس- وهو قليل- فيؤدّي ذلك إلى فتنة، أو قطع صلاة، وحتى إلى كلمة كفر، فلا بدّ للإمام أن يراعي هذا، وإذا اقتصر في بعض المواطن على الفاتحة وآيات قصار معدودة فلا بأس.
نقول: [تقديم الألوسي وصاحب الظلال لسورة الصافات]
١ - قدّم الألوسي لسورة الصافات بقوله:
(مكية ولم يحكوا في ذلك خلافا، وهي مائة وإحدى وثمانون آية عند البصريين، ومائة واثنتان وثمانون عند غيرهم، وفيها تفصيل أحوال القرون المشار إلى إهلاكها
стр. 4449
في قوله تعالى في السورة المتقدمة أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ وفيها من تفصيل أحوال المؤمنين، وأحوال أعدائهم الكافرين يوم القيامة، ما هو كالإيضاح لما في تلك السورة من ذلك، وذكر فيها شئ مما يتعلق بالكواكب لم يذكر فيما تقدم، ولمجموع ما ذكر ذكرت بعدها، وفي البحر مناسبة أول هذه السورة لآخر سورة يس أنه تعالى لما ذكر المعاد وقدرته سبحانه على إحياء الموتى، وأنه هو منشئهم، وأنه إذا تعلقت إرادته بشيء كان، ذكر هنا وحدانيته سبحانه إذ لا يتم ما تعلقت به الإرادة إيجادا وإعداما إلا بكون المريد واحدا، كما يشير إليه قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا).
٢ - ومن تقديم صاحب الظلال لسورة الصافات ما يلي:
(هذه السورة المكية- كسابقتها- قصيرة الفواصل، سريعة الإيقاع، كثيرة المشاهد والمواقف، متنوّعة الصور والظلال، عميقة المؤثرات، وبعضها عنيف الوقع، عنيف التأثير. وهي تستهدف- كسائر السور المكية- بناء العقيدة في النفوس، وتخليصها من شوائب الشرك في كل صوره وأشكاله. ولكنها- بصفة خاصة- تعالج صورة معينة من صور الشرك التي كانت سائدة في البيئة العربية الأولى. وتقف أمام هذه الصورة طويلا؛ وتكشف عن زيفها وبطلانها بوسائل شتى .. تلك هي الصورة التي كانت جاهلية العرب تستسيغها، وهي تزعم أن هناك قرابة بين الله- سبحانه- وبين الجن. وتستطرد في تلك الأسطورة فتزعم أنه من التزواج بين الله- تعالى- والجنة ولدت الملائكة. ثم تزعم أن الملائكة إناث. وأنهن بنات الله!
هذه الأسطورة تتعرض لحملة قوية في هذه السورة؛ تكشف عن تهافتها وسخفها. ونظرا لأنها هي الموضوع البارز الذي تعالجه السورة، فإنها تبدأ بالإشارة إلى طوائف من الملائكة: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا* فَالزَّاجِراتِ زَجْراً* فَالتَّالِياتِ ذِكْراً ..
ويتلوها حديث عن الشياطين المردة، وتعرضهم للرجم بالشهب الثاقبة كيلا يقربوا من الملأ الأعلى. ولا يتسمّعوا لما يدور فيه؛ ولو كانوا حيث تزعم لهم أساطير الجاهلية ما طوردوا هذه المطاردة! كذلك يشبّه ثمار شجرة الزقوم التي يعذب بها الظالمون في جهنم بأنها كرءوس الشياطين في معرض التقبيح والتفظيع! وفي نهاية السورة تأتي الحملة المباشرة على تلك الأسطورة المتهافتة: فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ* أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ* أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ* وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ
стр. 4450
لَكاذِبُونَ* أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ* ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ* أَفَلا تَذَكَّرُونَ* أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ* فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ .. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ!.
وإلى جانب علاج هذه الصورة الخاصة من صور الشرك الجاهلية تتناول السورة جوانب العقيدة الأخرى التي تتناولها السور المكية. فتثبت فكرة التوحيد مستدلة بالكون المشهود: إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ* رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ .. وتنص على أن الشرك هو السبب في عذاب المعذّبين في ثنايا مشهد من مشاهد القيامة: فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ* إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ* إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ* وَيَقُولُونَ: أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ* بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ* إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ* وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ..
كذلك تتناول قضية البعث والحساب والجزاء وَقالُوا: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ* أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ* أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ* قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ .. ثم تعرض بهذه المناسبة مشهدا مطولا فريدا من مشاهد القيامة الحافلة بالمناظر والحركات والانفعالات والمفاجات!
وتعرض لقضية الوحي والرسالة الذي ورد من قولهم: أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ؟ والرد عليهم: بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ.
وبمناسبة ضلالهم وتكذيبهم تعرض سلسلة من قصص الرسل: نوح وإبراهيم وبنيه. وموسى وهارون. وإلياس. ولوط. ويونس. ﵈. تتكشّف فيها رحمة الله ونصره لرسله وأخذه للمكذبين بالعذاب والتنكيل: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ* وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ* فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ* إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ.
وتبرز في هذا القصص قصة إبراهيم خاصة مع ابنه إسماعيل. قصة الذبح والفداء، وتبرز فيها الطاعة والاستسلام لله في أروع صورها وأعمقها وأرفعها؛ وتبلغ الذروة التي لا يبلغها إلا الإيمان الخالص الذي يرفع النفوس إلى ذلك الأفق السامق الوضيء.
***
стр. 4451
والمؤثرات الموحية التي تصاحب عرض موضوعات السور وقضاياها، تتمثل بشكل واضح في: مشهد السماء وكواكبها وشهبها ورجومها: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ* وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ* لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ* دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ* إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ.
وفي مشاهد القيامة ومواقفها المثيرة، ومفاجئاتها الفريدة، وانفعالاتها القوية.
والمشاهد التي تحويها هذه السورة ذات طابع فريد حقا سنلمسه عند استعراضه تفصيلا في مكانه من السورة.
وفي القصص ومواقفه وإيحاءاته. وبخاصة في قصة إبراهيم وولده الذبيح إسماعيل- ﵉، وترتفع المؤثرات الموحية هنا إلى الذروة التي تهزّ القلوب هزّا عميقا عنيفا.
ذلك إلى الإيقاع الموسيقي في السورة، وهو ذو طابع مميّز يتّفق مع صورها وظلالها ومشاهدها ومواقفها وإيحاءاتها المتلاحقة العميقة).
стр. 4452
مقدمة السورة وتمتدّ من الآية (١) إلى الآية (١٠) وهذه هي:
٣٧/ ٤ - ١ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
التفسير:
وَالصَّافَّاتِ صَفًّا* فَالزَّاجِراتِ زَجْراً* فَالتَّالِياتِ ذِكْراً هذا قسم بالملائكة فإنها تصفّ في صلاتها صفا، وتزجر عما نهى الله عنه زجرا، وتتلو ذكر الله. قال النسفي: (أقسم الله بطوائف الملائكة، أو بنفوسهم الصافات أقدامها في الصلاة، فالزاجرات السحاب سوقا، أو عن المعاصي بالإلهام، فالتاليات لكلام الله من الكتب المنزلة وغيرها) ولم يذكر ابن كثير إلا هذا الوجه الذي نقلناه عن النسفي، إلا أن النسفي يذكر وجهين آخرين في معنى الآيات فيقول: (أو بنفوس العلماء العمّال الصافات أقدامها في التهجد، وسائر الصلوات، فالزاجرات بالمواعظ والنّصائح، فالتاليات آيات الله، والدارسات شرائعه، أو بنفوس الغزاة في سبيل الله، التي تصف الصفوف، وتزجر الخيل للجهاد، وتتلو الذكر مع ذلك ... ) والفاء تدل على ترتيب الصفات في التفاضل، فتفيد الفضل للصف، ثم للزجر، ثم للتلاوة، أو على العكس، والآيات تفيد فضيلة الصف لله أو في سبيل الله، وفضيلة الزجر في الله، أو في سبيل الله، وفضيلة تلاوة القرآن والذكر
إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ هذا هو
стр. 4453
المقسم عليه أنه تعالى لا إله إلا هو
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما من المخلوقات وَرَبُّ الْمَشارِقِ أي والمغارب قال ابن كثير: واكتفى بذكر المشارق عن المغارب لدلالتها عليه.
وبعد أن عرفنا الله على أنه رب كل شئ وأنّه وحده الإله يعرفنا على مظاهر من فعله لنا، ومن أجلنا فقال: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا أي القربى منكم بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ قال النسفي: والمعنى: إنا زينا السماء الدنيا بالكواكب
وَحِفْظاً قال ابن كثير: تقديره: وحفظناها حفظا مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ قال ابن كثير: (يعني المتمرّد العاتي إذا أراد أن يسترق السمع أتاه شهاب ثاقب فأحرقه) فالمارد: هو الخارج عن الطاعة قال النسفي: المعنى: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء، وحفظا من الشياطين
لا يَسَّمَّعُونَ أي الشياطين إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى قال ابن كثير: (أي لئلا يصلوا إلى الملأ الأعلى- وهي السموات ومن فيها من الملائكة- إذا تكلموا بما يوحيه الله تعالى مما يقوله من شرعه وقدره) وفسّر النسفي: (الملأ الأعلى بالملائكة لأنهم يسكنون السموات وقال: والإنس والجن هم الملأ الأسفل لأنهم سكان الأرض) وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ أي ويرمون بالشهب من جميع جوانب السماء، من أي جهة صعدوا للاستراق
دُحُوراً أي يقذفون للدحور، أو مدحورين، والدحور: هو الطرد. قال ابن كثير:
(أي رجما يدحرون به، ويزجرون، ويمنعون من الوصول إلى ذلك، ويرجمون) وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ أي دائم، قال النسفي: (أي أنهم في الدنيا مرجومون بالشهب، وقد أعدّ لهم في الآخرة نوع من العذاب دائم غير منقطع) قال ابن كثير:
(أي في الدار الآخرة لهم عذاب دائم موجع مستمر)
إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ أي سلب السلبة يعني أخذ شيئا من كلام الملائكة بسرعة فَأَتْبَعَهُ أي لحقه شِهابٌ ثاقِبٌ أي مضئ مستنير، فالله الذي فعل هذا كله هو الرب، وهو وحده المستحق للإلهية والعبادة، وفي الكلام عن رجم الشياطين إذا صعدوا إلى السماء، وفي ذكر الملائكة في ابتداء السورة، وكونهم يتلون الذكر إشارة إلى حفظ الله وحيه، وهكذا تحدّثت مقدمة السورة عن التوحيد والملائكة والوحي، وفي ذلك كلام عن الرسل ضمنا؛ إذ هم الذين ينزل عليهم وحي الله ، وبذلك تجد مقدمة السورة تحدّثت- صراحة أو ضمنا- عن أركان الإيمان كلها، بما في ذلك الإيمان باليوم الآخر، إذ ورد قوله تعالى عن الشياطين وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ.
стр. 4454
فوائد:
١ - [حول أقوال المفسرين في (الصافات، والزاجرات، والتاليات) ورأي المؤلف]
رأينا أن النسفي ذكر ثلاثة أقوال في تفسير الصّافات، والزّاجرات، والتّاليات، بينما لم يذكر ابن كثير إلا قولا واحدا، والذي أراه أن سياق السورة لا يحتمل إلا الوجه الأول، إلا أن الملائكة قدوة في الطاعة، فمن تحقق بما وصف الله به الملائكة دخل في ما استحقوه من تشريف، ومن ثمّ سنجد في سياق السورة ما يدل على أن رسول الله ﷺ كان يحرص على أن يتأسى المسلمون بالملائكة، وفي الفائدة التالية بيان.
٢ - [كلام ابن كثير عند قوله تعالى وَالصَّافَّاتِ صَفًّا]
بمناسبة قوله تعالى: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا قال ابن كثير:
(روى مسلم عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلم: «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجدا، وجعل لنا ترابها طهورا إذا لم نجد الماء» وقد روى مسلم أيضا وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث الأعمش ... عن جابر ابن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلم:
«ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربهم؟» قلنا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟
قال ﷺ : «يتمون الصفوف المتقدمة، ويتراصون في الصف»).
٣ - [هل ترمى أجزاء من الكواكب على الشياطين أم يرمى الشيطان بكوكب كامل ؟]
نقلنا من قبل عن ابن كثير: أن أجزاء من الكواكب هي التي يرمى بها، فعند ما يذكر الله أن الكواكب يرمى بها إنما يريد أجزاءها، وليس كلها، وهذه قضية مهمة، فمن المعلوم أنّ النيازك التي تصطدم في جو الأرض، والتي بها يتمّ الرمي، إنما هي أجزاء من النجوم والكواكب، وذكر الجزء وإرادة الكلّ أسلوب معروف في كلام العرب، فقد يذكر الكل ويراد به الجزء، وقد يذكر الجزء ويراد به الكل، وقد يذكر العام ويراد به الخاص، ومن ذلك قوله ﵊:
«الحج عرفة» ومن ذلك قوله تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ... [آل عمران: ١٧٣].
٤ - [حول تزيين السماء الدنيا بالكواكب]
ولم يفهم ابن كثير من كون السماء الدنيا مزينة بالكواكب أن هذه الكواكب دون السماء الدنيا في المكان، ومن ثمّ قال: (فالكواكب السيارة والثوابت يثقب ضوؤها جرم السماء الشفاف، فتضئ لأهل الأرض) وهذا يرجّح ما ذكرناه في
стр. 4455
تفسير سورة البقرة، إذ ذكرنا أن السموات السبع- المنصوص عليها بالقرآن- سماوات مغيّبة عنا، وأنها قريبة، فهي أقرب من نجوم غير المجموعة الشمسية، ويؤكد هذا القرب النسبي أن النيازك إنما يظهر ضوؤها الثاقب إذا اصطدمت في جو الأرض، مما يشير إلى أن المكان الذي يصاب به الجن هو جو الأرض، وبالتالي فهم لا يصعدون بعيدا لسماع نبأ السماء والوحي.
٥ - [أقوال المفسرين في السموات السبع والعرش، ورأي المؤلف في ذلك]
للمفسرين كلام كثير ومختلف في موضوع النجوم، والأرض، والسموات، والشمس، والقمر، واختلاف الكلام يدلّ على أن للاجتهاد وللتحقيق فيه نصيب، فمن تصورات بعضهم ما نقله الألوسي بقوله: (خلق الله سبحانه السموات السبع، وجعل في كل منها كوكبا، وهي الجواري) ومن تصورات بعضهم أن الشمس في السماء الرابعة، ومن القديم ذهب بعض المفسرين إلى أنه يوجد بعد العرش نجوم، فالآراء في هذا كثيرة وقسم كبير منها ظني.
والذي أرجحه: أن السموات السبع والعرش من الأمور الغيبية، وأن المجموعة الشمسية في وسط السماء الدنيا، وأن الكواكب السيارة دونها، ولا أستبعد أن يكون ذلك هو المراد بقوله تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ [الصافات:
٦] فالكواكب السيارة بعض زينة السماء الدنيا، هذا إذا لم يكن المراد بالسماء الدنيا السماء اللغوية، وأتصور أن هناك نسبة ثابتة بين الأرض والسموات السبع والعرش، وأن السموات السبع والعرش والمجموعة الشمسية في حالة حركة واحدة، لتبقى النسبة ثابتة، وهذه كلها موجودة ضمن الكون الكبير في مجرّاته الواسعة وسيمرّ في هذا التفسير ما يوضّح الكثير عن هذه الأمور.
٦ - [حول المقصود بالمشرقين والمغربين وكلام صاحب الظلال بمناسبة آية وَرَبُّ الْمَشارِقِ]
ذكر القرآن مشرقا ومغربا واحدا، وذكر مشرقين ومغربين، وذكر مشارق ومغارب، فقال مرة رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [المزمل: ٩] وقال رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن: ١٧] وقال فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ [المعارج: ٤٠] وقال هاهنا في سورة الصافات وَرَبُّ الْمَشارِقِ وحاول بعض
المفسرين أن يذكر تعليلا لذلك والذي يبدو لي أن التعليل الوحيد لذلك هو: أن الإنسان في أي مكان من الأرض يرى شروقا واحدا للشمس، وغروبا، والغروب في حقه شروق في حق غيره من الجهة الثانية من الأرض، والشروق في حقه غروب في حق غيره، ومن ثمّ كان مشرقان ومغربان،
стр. 4456
ولكنه في الحقيقة ما من لحظة من اللحظات إلا وفيها شروق وغروب بالنسبة لجزء من أجزاء الكرة الأرضية، ومن ثمّ كانت مشارق ومغارب، فإن يذكر القرآن هذا المعنى فذلك من معجزاته الكثيرة وفي ذكر المشارق والمغارب إشارة إلى كروية الأرض، لأنه لا يمكن أن يكون مشارق ومغارب إلا إذا كانت الأرض كروية، وفي ذلك كذلك معجزة قرآنية إذا نظرنا إلى معارف الجزيرة العربية في عصر نزول القرآن.
قال صاحب الظلال عند قوله تعالى:
وَرَبُّ الْمَشارِقِ. (ولكل نجم مشرق، ولكل كوكب مشرق، فهي مشارق كثيرة في كل جانب من جوانب السماوات الفسيحة .. وللتعبير دلالة أخرى دقيقة في التعبير عن الواقع في هذه الأرض التي نعيش عليها كذلك. فالأرض في دورتها أمام الشمس تتوالى المشارق على بقاعها المختلفة- كما تتوالى المغارب- فكلما جاء قطاع منها أمام الشمس كان هناك مشرق على هذا القطاع، وكان هناك مغرب على القطاع المقابل له في الكرة الأرضية. حتى إذا تحركت الأرض كان هناك مشرق آخر على القطاع التالي، ومغرب آخر على القطاع المقابل له وهكذا ... وهي حقيقة ما كان يعرفها الناس في زمان نزول القرآن الكريم؛ ولكن خبّرهم بها الله في ذلك الزمان القديم!
وهذا النظام الدقيق في توالي المشارق على هذه الأرض. وهذا البهاء الرائع الذي يغمر الكون في مطالع المشارق .. كلاهما جدير بأن يوقع في القلب البشري من التأثرات الموحية، ما يهتف به إلى تدبّر صنعة الصانع المبدع، وإلى الإيمان بوحدانية الخالق المدبّر، بما يبدو من آثار الصنعة الموحدة التي لا اختلاف في طابعها الدقيق الجميل).
كلمة في السياق: [حول صلة مقدمة السورة بالمقطع الأول وبالمحور]
رأينا أنّ مقدمة السورة انصب سياقها الرئيسي على موضوع التوحيد والتعريف على الله ، وما يستلزمه ذلك من استحقاق الله وحده للألوهية، ومن ثمّ يبتدئ المقطع الأول في السورة بقوله تعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا ....
وفي هذا الابتداء ما يوحي باستمرار السورة في سياقها الرئيسي في الكلام عن موضوع التوحيد، ومع أن ذلك هو السياق الرئيسي فإنّ المقدّمة تحدّثت بشكل عرضي عن الملائكة، والوحي، والقرآن، واليوم الآخر، أي عن أركان الإيمان، وسنرى أنّ
стр. 4457
المقطع الأول كذلك يتحدث عن هذه القضايا، وصلة ذلك بالآيات الأولى لسورة البقرة واضحة الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فلنر المقطع الأول.
***
стр. 4458
المقطع الأول ويمتدّ من الآية (١١) إلى نهاية الآية (١٤٨) وهذا هو:
٣٧/ ١٤٨ - ١١
стр. 4459
٣٧/ ٣٦ - ٦٩
стр. 4460
٣٧/ ٧٠ - ١٠١
стр. 4461
٣٧/ ١٠٢ - ١٣٤
стр. 4462
٣٧/ ١٣٥ - ١٤٨
التفسير:
فَاسْتَفْتِهِمْ أي استخبر الكافرين أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أي أقوى أو أصعب وأشق أَمْ مَنْ خَلَقْنا من الملائكة والسموات والأرض وما بينهما قال النسفي:
(وجئ بمن تغليبا للعقلاء على غيرهم) إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ أي لاصق أو لازم. ومعنى الآية: أن من هان عليه خلق هذه الخلائق العظيمة، ولم يصعب عليه اختراعها، كان خلق البشر عليه أهون، وذكر خلقهم من طين احتجاج عليهم بأنّ الطين اللازب الذي خلقوا منه تراب، فمن أين استنكروا أن يخلقوا من تراب قال ابن كثير: (يقول تعالى: فسل هؤلاء المنكرين للبعث أيما أشد خلقا هم أم السموات والأرض، وما بينهما من الملائكة والشياطين والمخلوقات العظيمة ... ؟ فإنّهم يقرّون أنّ هذه المخلوقات أشدّ خلقا منهم، وإذا كان الأمر كذلك فلم ينكرون البعث؟ وهم يشاهدون ما هو أعظم ممّا أنكروا ... ثم بيّن أنهم خلقوا من شئ ضعيف هو الطين اللازب أي الجيّد الذي يلزق بعضه ببعض).
كلمة في السياق: [آيات المقطع ومدى ترابطها وصلتها بالمحور]
هذه الآية جسر للانتقال إلى موضوع اليوم الآخر وهي جسر يبيّن أنّ موضوع اليوم الآخر مرتبط بموضوع الإيمان بالله، فالسياق أشعرنا أنّ مجرد معرفة أن الله هو
стр. 4463
الخالق لما ذكر فهذا يقتضي إيمانا بالبعث، والسّياق أشعرنا أنّ الكافرين لا يعطون هذا اللازم حقه، ومن ثمّ أمر الله رسوله ﷺ أن يوجه لهم هذا السؤال ليقيم عليهم الحجة من خلاله، ومن هذا نفهم أنّ الذي لا يؤمن باليوم الآخر ليس مؤمنا بالله أصلا، ومن ثمّ ندرك كيف أن السورة مع أنها تصبّ في سياقها الرئيسي في موضوع التوحيد فهي تتعرض لموضوع اليوم الآخر، وغيره من المواضيع الإيمانية، وما ذلك إلا لأن التوحيد الكامل يدخل فيه موضوع الإيمان باليوم الآخر والرسل، فمن لا يؤمن باليوم الآخر يتصوّر أن هذا الكون خلقه الله سدى وعبثا، ومن لم يؤمن بالرسل يتصور أن الله يهمل ويترك عباده بلا هداية، وكل ذلك يتنافى مع التصور الصحيح لموضوع الألوهية، وبالتالي فهو يتنافى مع التوحيد الحق الخالص، ولنمض في التفسير:
...
بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ قال ابن كثير: (أي: بل عجبت يا محمد من تكذيب هؤلاء المنكرين للبعث، وأنت موقن مصدّق بما أخبر الله تعالى من الأمر العجيب، وهو إعادة الأجسام بعد فنائها، وهم بخلاف أمرك من شدة تكذيبهم يسخرون ممّا تقول لهم من ذلك) أي أنت تعجب من تكذيبهم لأن الأمر في غاية الوضوح عندك، وهم يسخرون منك، ومن تعجبك فالبعد بين الموقفين واضح، كالبعد بين الموقف العقلي الحاسم الجازم، والموقف النفسي الهازل
وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ أي ودأبهم إذا وعظوا لا يتعظون، فهم مع موقفهم الهازل الساخر المكذّب ليس عندهم استعداد للسماع ولا للتذكّر
وَإِذا رَأَوْا آيَةً أي معجزة، أو دلالة واضحة على صدق ما جئت به يَسْتَسْخِرُونَ أي يبالغون في الاستهزاء منها، أو يستدعي بعضهم بعضا أن يسخر منها، فلا الآيات تنفع لهم، ولا التذكير ينفع بهم، ولا عقل يخضعون لحكمه، وأبشع من هذا كله أنهم يعتبرون الحقّ القطعي سحرا
وَقالُوا إِنْ أي ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ أي ظاهر وما هو الذي سمّوه سحرا؟ إنّه البعث
أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ يتساءلون سؤال إنكار، أنبعث إذا كنا ترابا وعظاما؟
أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ أي أيبعث أيضا آباؤنا الأقدمون، ويعنون أنهم أقدم، فبعثهم أبعد وأبطل، وهكذا عرفنا لم أمر الله رسوله ﷺ أن يستفتي هؤلاء الكافرين الاستفتاء السابق، ويوجّه لهم ذلك السؤال، عرفنا أن ذلك من أجل هذا الموقف الذي وضّحه السياق فيما بعد، وإنّما أخّره ليربط
стр. 4464
بين موضوع الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر، وليجعل ما قبل السؤال حجة في ردّ ما زعموه، وفي تقرير أن اليوم الآخر لازم من لوازم الإيمان بالله، وإذ قامت الحجة عليهم من قبل فإنّ الجواب على سؤالهم الاستنكاري، يأتي الآن بشكل جواب تقريري، وعرض لما سيكون،
قال تعالى: قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ أي صاغرون ذليلون قال ابن كثير: (أي قل لهم يا محمد نعم تبعثون يوم القيامة، بعد ما تصيرون ترابا وعظاما، وأنتم داخرون: أي حقيرون تحت القدرة العظيمة ... )
فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ أي صيحة واحدة والتقدير: إذا كان الأمر كما ذكر فما هي إلا صيحة واحدة فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ أي فإذا هم أحياء بصراء ينظرون إلى سوء أعمالهم، أو ينتظرون ما يحل بهم قال ابن كثير: (أي فإنما هو أمر واحد من الله يدعوهم دعوة واحدة أن يخرجوا من الأرض، فإذا هم قيام بين يديه ينظرون إلى أهوال يوم القيامة، عندئذ يرجعون على أنفسهم بالملامة، ويعترفون بأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم في الدار الدنيا، فإذا عاينوا أهوال القيامة ندموا كل الندم؛ حيث لا ينفعهم الندم
وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ أي اليوم الذي ندان فيه، أي نجازى بأعمالنا، والويل كلمة يقولها القائل وقت الهلكة، قال ابن كثير: فتقول لهم الملائكة والمؤمنون
هذا يَوْمُ الْفَصْلِ أي يوم القضاء، والفرق بين فرق الهدى والضلال الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ يقال لهم هذا على وجه التقريع والتوبيخ، قال ابن كثير:
(ويأمر الله تعالى الملائكة أن تميّز الكفار من المؤمنين في الموقف، في محشرهم ومنشرهم) ولهذا قال تعالى:
احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا أي: كفروا، والخطاب للملائكة وَأَزْواجَهُمْ أي أشباههم وأمثالهم وإخوانهم وقرناءهم وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي من الأصنام والأنداد، تحشر معهم في أماكنهم فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ أي: فارشدوهم إلى طريق جهنم، أي: دلّوهم إلى طريق النار
وَقِفُوهُمْ أي احبسوهم إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ عن أقوالهم وأفعالهم قال ابن عباس: يعني احبسوهم إنّهم محاسبون وقال ابن كثير: أي: قفوهم حتى يسألوا عن أعمالهم وأقوالهم التي صدرت عنهم في الدار الدنيا ...
ثم يقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ أي: لا ينصر بعضكم بعضا، وهذا توبيخ لهم بالعجز عن التناصر، بعد ما كانوا متناصرين في الدنيا
بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ أي منقادون لأمر الله، لا يخالفونه ولا يحيدون عنه قال النسفي: (أو قد أسلم بعضهم بعضا، وخذله عن عجز، فكلّهم مستسلم غير منتصر).
стр. 4465
كلمة في السياق:
صوّر الله لنا حال الكافرين في الدنيا حيث يسخرون من رسول الله ﷺ ودعوته، وينأون عن التذكير، ويستسخرون من الآيات إذا رأوها،
ويستنكرون أن يكون هناك يوم آخر، ثم صوّر لنا حالهم في الآخرة، إذ ينقلب هذا كله ذلة واستسلاما، ومن تأمّل مثل هذا الإبداع في التصوير والتعبير- تصوير العناد في الدنيا وانقلابه استسلاما في الآخرة- أدرك- بما لا يقبل الشك- أن مثل هذا التعبير جل عن طوق البشر؛ إذ كيف يأتي التعبير بمثل هذه البلاغة والإحاطة في قضية ليست مطروقة إطلاقا في كلام العرب! ألا إن الذين يكابرون في كون هذا القرآن من عند الله لجاهلون جهلا فظيعا.
...
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ أي: يتخاصمون، والسياق يدل على أن هذا الخصام والتلاوم كان بين الأتباع والمتبوعين في عرصات القيامة
قالُوا أي الأتباع للمتبوعين إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ أي: عن القوة والقهر، قال النسفي: إذ اليمين موصوفة بالقوة، وبها يقع البطش، أي: إنكم كنتم تحملوننا على الضلال، وتقسروننا عليه قال ابن عباس: يقولون: كنتم تقهروننا بالقدرة منكم علينا، لأنّا كنّا أذلاء، وكنتم أعزاء
قالُوا أي: القادة والرؤساء من الجن والإنس للأتباع بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ أي: بل أبيتم أنتم الإيمان، وأعرضتم عنه مع تمكّنكم منه، مختارين له على الكفر، غير ملجئين، قال ابن كثير: (أي: ما الأمر كما تزعمون، بل كانت قلوبكم منكرة للإيمان، قابلة للكفر والعصيان)
وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ أي من تسلّط نسلبكم به تمكّنكم واختياركم، قال ابن كثير:
أي: من حجّة على صحة ما دعوناكم إليه بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ أي بل كنتم قوما مختارين للطغيان قال ابن كثير: (أي: بل كان فيكم طغيان ومجاوزة للحق، فلهذا استجبتم لنا، وتركتم الحق الذي جاءكم به الأنبياء، وأقاموا لكم الحجج على صحة ما جاءوكم به فخالفتموهم)
فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا أي فلزمنا جميعا وعيد الله إِنَّا لَذائِقُونَ أي بأنا لذائقون لعذابه لا محالة؛ لعلمه بحاله، قال ابن كثير: يقول الكبراء للمستضعفين: حقت علينا كلمة الله: إنّا من الأشقياء الذائقين للعذاب يوم القيامة
فَأَغْوَيْناكُمْ أي: فدعوناكم إلى الضلالة والغي إِنَّا كُنَّا غاوِينَ أي:
فأردنا إغواءكم لتكونوا مثلنا، أي: فدعوناكم إلى ما نحن فيه فاستجبتم لنا قال الله تعالى
стр. 4466
مقرّرا ما يستحقه الجميع
فَإِنَّهُمْ أي: الأتباع والمتبوعين يَوْمَئِذٍ أي: يوم القيامة فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ كما كانوا مشتركين في الغواية قال ابن كثير: أي:
الجميع في النار كل بحسبه
إِنَّا كَذلِكَ أي: مثل ذلك الفعل نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ أي: بالمشركين أي: بكل مجرم
إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ أي: إذا سمعوا بكلمة التوحيد استكبروا وأبوا إلا الإشراك قال ابن كثير: أي:
يستكبرون أن يقولوها كما يقولها المؤمنون
وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ أي: أنحن نترك عبادة آلهتنا وآلهة آبائنا عن قول هذا الشاعر المجنون، يصفون رسول الله ﷺ بذلك، وحاشاه،
قال الله تعالى تكذيبا لهم وردّا عليهم بَلْ جاءَ أي: محمد ﷺ بِالْحَقِّ في كل ما جاء به من الأخبار والطلب وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ قال ابن كثير: (أي صدّقهم فيما أخبروا عنه من الصفات الحميدة، والمناهج السديدة، وأخبر عن الله تعالى في شرعه وأمره كما أخبروا ... ).
...
كلمة في السياق:
١ - لقد علل الله لما أصاب الكافرين في الآخرة بقوله إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ* وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ مما يدل على أن أصل البلاء ومشكلته الكبرى هو الشرك، وأن الداء الذي ينبع عنه كل شر هو الشرك؛ فعنه ينبثق الكفر باليوم الآخر، وعنه ينبثق الكفر بالرسل عليهم الصلاة والسلام، ومن ثمّ قلنا إن السياق الرئيسي للسورة يصب في موضوع التوحيد، والمواضيع الأخرى التي تتحدث عنها السورة كلها تتفرّع عن هذا الأصل.
٢ - من السياق نعلم أن هناك موضوعين رئيسيين متفرّعين عن قضية التوحيد، هما: قضية اليوم الآخر، وقضية بعثة الرسل، ومن ثمّ نلاحظ أن هذا المقطع كله يتحدّث عن موضوع الإيمان باليوم الآخر، والرسل عليهم الصلاة والسلام، ولذلك فقد جاء في وسط الكلام عن اليوم الآخر قوله تعالى بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ وذلك بعد ذكر الشرك مباشرة.
٣ - وفي هذا السياق مرّ معنا قول السادة للأتباع بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ فإذا تذكرنا أن (لا إله إلا الله) هي أساس الإيمان، وإذا كان السياق كله في موضوع
стр. 4467
(لا إله إلا الله) نعرف صلة السورة بالآيات الأولى من سورة البقرة، وخاصة في قوله تعالى يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ... يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ولنمض في التفسير ملاحظين أن السياق لا زال يحدّثنا عن مشاهد يوم القيامة:
...
إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ أي عذاب النار
وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فليس عقابكم وتعذيبكم ظلما
إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فهؤلاء مستثنون من العذاب قال ابن كثير: (أي ليسوا يذوقون العذاب الأليم، ولا يناقشون في الحساب، بل يتجاوز عن سيئاتهم إن كان لهم سيئات، ويجزون الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، إلى ما يشاء الله من التضعيف)
أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ يعني الجنة ثمّ فسّره بقوله:
فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ أي يخدمون ويرفهون وينعمون
فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ أي وهم منعّمون في جنات النعيم، فهم في الجنة مكرمون مرزوقون قال النّسفي: (فسّر الرزق المعلوم بالفواكه وهي كل ما يتلذذ به، ولا يتقوّت لحفظ الصحة، يعني أن رزقهم كله فواكه، لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات، لأن أجسادهم محكمة مخلوقة للأبد، فما يأكلونه للتلذذ، ويجوز أن يراد رزق معلوم منعوت بخصائص خلق عليها من طيب طعم ورائحة ولذة وحسن منظر، وقيل معلوم الوقت كقوله: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم:
٦٢] والنفس إليه أسكن)
عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ قال مجاهد: (أي) لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض وقال النسفي: التقابل أتم للسرور والأنس
يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ أي من شراب معين، أو من نهر معين: وهو الجاري على وجه الأرض، الظاهر للعيون، وصف بما وصف به الماء لأنه يجري في الجنة كما يجري الماء كما سنرى في سورة محمد ﷺ والكأس: هي الزّجاجة إذا كان فيها الخمر، وتسمّى الخمر نفسها كأسا قال ابن كثير: (أي بخمر من أنهار جارية لا يخافون انقطاعها ولا فراغها)
بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ أي لونها مشرق حسن بهي، لا كخمر الدنيا في منظرها البشع الردئ، من حمرة أو سواد، أو اصفرار، أو كدورة، إلى غير ذلك مما ينفّر الطبع السليم، ووصفت بأنّها لذة للشاربين بمعنى: أنها ذات لذّة، أو أنها اللذة عينها قال ابن كثير: (أي طعمها طيّب كلونها، وطيب الطعام دليل على طيب الريح، بخلاف خمر الدنيا في ذلك كله)
لا فِيها غَوْلٌ أي لا تغتال عقولهم كخمر الدنيا
стр. 4468
وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ أي يسكرون قال مجاهد: لا تذهب عقولهم قال ابن كثير:
(وقال الضحاك عن ابن عباس: في الخمر أربع خصال: السّكر، والصداع، والقئ، والبول، فذكر الله تعالى خمر الجنة فنزّهها عن هذه الخصال) كما ذكر في سورة الصافات
وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أي عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن قال النسفي: أي قصرن أبصارهن على أزواجهن، لا يمددن طرفا إلى غيرهم عِينٌ جمع عيناء أي نجلاء واسعة العين، أي حسان الأعين، قال ابن كثير: (وهي النجلاء العيناء، فوصف عيونهن بالحسن والعفة)
كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ أي مصون، شبّهه ببيض النّعام المكنون في الصفاء، وبها تشبّه العرب النساء وتسمّيهن بيضات الجذور قال ابن كثير: (وصفهنّ بترافة الأبدان بأحسن الألوان).
كلمة في السياق:
قال تعالى في الآيات المارّة إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ* وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ* إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ* أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ ... ثم وصف تعالى الرزق المعلوم، لاحظ كلمة أُولئِكَ وتذكر ما ختم الله تعالى به الآيات الأولى من سورة البقرة أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فكأن الآيات هنا تصف فلاحهم فتقول أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ* فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ* فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ* عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ* يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ* بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ* لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ* وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ* كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ فإذا كان تحديدنا محور السورة صحيحا، وإذا كانت هذه الآيات تفصيلا لفلاح المتقين، فإن عباد الله المخلصين إذن هم المتقون الذين ورد تحديد صفاتهم في أول سورة البقرة، وعلى هذا فقوله تعالى إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ له صلة وارتباط بقوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ويستمر السياق في السورة مكمّلا وصف حال أهل الجنة، فيصف الآن مشهدا من مشاهد جلساتهم.
...
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ يعني أهل الجنة عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ جاء هذا بعد قوله
стр. 4469
تعالى فيما مرّ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ فالمعنى: أنهم يشربون ويتحادثون على الشراب كعادة الشّراب، فيقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى لهم وعليهم في الدنيا قال ابن كثير: (يخبر تعالى عن أهل الجنة أنّه أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، أي عن أحوالهم، وكيف كانوا في الدنيا، وماذا كانوا يعانون فيها، وذلك من حديثهم على شرابهم، واجتماعهم في تنادمهم، ومعاشرتهم في مجالسهم، وهم جلوس على السرر، والخدم بين أيديهم، يسعون ويجيئون بكل خير عظيم، من مآكل
ومشارب وملابس وغير ذلك، ممّا لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)
قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ قال ابن عباس: هو الرجل المشرك يكون له صاحب من أهل الإيمان في الدنيا
يَقُولُ المشرك للمؤمن أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ أي بيوم الدين قال ابن كثير: (أي أأنت تصدّق بالبعث والنّشور، والحساب والجزاء؟! يعني يقول ذلك على وجه التعجّب والتكذيب والاستبعاد والكفر والعناد)
أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ أي لمحاسبون ومجزيّون بأعمالنا
قالَ ذلك القائل هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ إلى النار لأريكم ذلك القرين
فَاطَّلَعَ المسلم فَرَآهُ أي قرينه فِي سَواءِ الْجَحِيمِ أي في وسطها
قالَ المؤمن تَاللَّهِ إِنْ أي إنه كِدْتَ لَتُرْدِينِ أي لتهلكني لو أطعتك
وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي أي عصمته وتوفيقه في الاستمساك بعروة الإسلام لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ أي من الذين أحضروا العذاب كما أحضرته أنت وأمثالك قال ابن كثير: (أي ولولا فضل الله عليّ لكنت مثلك في سواء الجحيم، حيث أنت، محضر معك في العذاب، ولكنّه تفضّل عليّ ورحمني فهداني للإيمان، وأرشدني إلى توحيده .. )
أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ قال ابن كثير:
(هذا من كلام المؤمن مغتبطا نفسه بما أعطاه الله تعالى من الخلد في الجنة، والإقامة في دار الكرامة، بلا موت فيها ولا عذاب) قال النسفي: (وهذا قوله يقوله المؤمن تحدّثا بنعمة الله، بمسمع من قرينه، ليكون توبيخا له، وزيادة تعذيب)، يقرّعه على اعتقاده في الدنيا أن لا بعث ولا عذاب، وما ثمّ إلا الموتة الأولى
ثم قال المؤمن لقرينه إِنَّ هذا أي الأمر الذي نحن فيه لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
...
стр. 4470
كلمة في السياق:
١ - لاحظ الصلة بين قوله تعالى في محور السورة من سورة البقرة وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وبين قوله تعالى إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فالسياق هاهنا يحدّثنا عن مظهر ثان من مظاهر فلاح أهل الإيمان.
٢ - جاء في أوائل المقطع الذي نحن فيه قوله تعالى: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ... أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لاحظ صلة ذلك بالمشهد الذي نحن فيه تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ... أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ* إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ.
إنّ للمقطع وحدته ضمن سياق السّورة، وللسورة وحدتها ضمن الوحدة القرآنية العامّة، من حيث ارتباطها بما قبلها، وبما بعدها، ومن حيث ارتباطها بمحورها من سورة البقرة.
...
وبعد أن قصّ الله علينا حال أهل الجنة وفوزهم وفلاحهم حثّنا على العمل فقال لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ أي لمثل هذا النعيم، وهذا الفوز، فليعمل العاملون في الدنيا ليصيروا إليه في الآخرة
أَذلِكَ أي نعيم الجنة وما فيها من اللذات، والطعام والشراب خَيْرٌ نُزُلًا النزل: ما يقدّم للنازل بالمكان من الرزق أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ خير نزلا؟! يقول ابن كثير: (يقول الله تعالى: أهذا الذي ذكره من نعيم الجنة وما فيها من مآكل ومشارب ومناكح وغير ذلك من الملاذ، خير ضيافة وعطاء، أم شجرة الزقوم أي التي في جهنم)
إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ أي محنة وعذابا لهم في الآخرة، أو ابتلاء لهم في الدنيا، وذلك أنهم قالوا: كيف يكون في النّار شجرة والنار تحرق الشجر؟ فكذّبوا. قال ابن كثير: (ومعنى الآية: إنما أخبرناك يا محمد بشجرة الزقوم؛ اختبارا تختبر به الناس، من يصدّق منهم ممّن يكذب ... )
إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ قال ابن كثير: أي أصل منبتها في قرار النار
طَلْعُها أي ثمرها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ قال ابن كثير: (تبشيع لها، وتكريه لذكرها ... وإنّما شبّهها برءوس الشياطين- وإن لم تكن معروفة عند
стр. 4471
المخاطبين- لأنه قد استقر في النفوس أن الشياطين قبيحة المنظر) وقال النسفي: (وشبّه (أي طلعها) برءوس الشياطين للدلالة على تناهيه في الكراهة، وقبح المنظر، لأن الشيطان مكروه، مستقبح في طباع الناس؛ لاعتقادهم أنه شر محض)
فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها أي من طلعها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ أي فمالئون منها بطونهم لما يغلبهم من الجوع الشديد
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً أي لخلطا ولمزاجا مِنْ حَمِيمٍ أي من ماء حار يشوي وجوههم، ويقطّع أمعاءهم قال النسفي والمعنى: (ثم إنهم يملئون البطون من شجرة الزقوم: وهو حار يحرق بطونهم، ويعطشهم فلا يسقون إلا بعد ملىّ؛ تعذيبا لهم بذلك العطش، ثم يسقون ما هو أحرّ، وهو الشراب المشوب بالحميم) وقد فسر بعضهم الشوب بأنه مزيج من الحميم والصّديد والغسّاق مما يسيل من فروجهم وعيونهم
ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ قال النسفي: (أي أنهم يذهب بهم عن مقارّهم ومنازلهم في الجحيم، وهي الدركات التي أسكنوها، إلى شجرة الزقوم فيأكلون إلى أن يمتلئوا، ويسقون بعد ذلك، ثم يرجعون إلى دركاتهم)
ثمّ علّل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد بتقليد الآباء في الدّين، واتّباعهم إياهم في الضلال، وترك اتّباع الدليل فقال تعالى: إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ* فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ الإهراع: الإسراع الشديد، كأنّهم يحثون حثا قال ابن كثير: (أي إنما جازيناهم بذلك لأنهم وجدوا آباءهم على الضلالة فاتّبعوهم فيها بمجرد ذلك من غير دليل ولا برهان)
وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أي قبل كفار هذه الأمة أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ أي أكثر الأمم الخالية بالتقليد، وترك النظر، والتأمّل
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ أي أنبياء حذّروهم العواقب
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ أي الذين أنذروا وحذّروا
إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أي الذين أخلصهم الله لدينه، فهؤلاء نجّاهم ونصرهم وظفّرهم.
...
كلمة في السياق:
١ - تكرّر قوله تعالى إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ* حتى الآن مرتين:
المرة الأولى: جاءت في سياق قوله تعالى إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ* وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ* إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ.
стр. 4472
والمرة الثانية: هاهنا في سياق قوله تعالى وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ* فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ* إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ.
وفي المرة الأولى بيّن أنّهم ناجون من عذاب يوم القيامة؛ وفي المرة الثانية بيّن أنهم ناجون من عذاب الاستئصال في الدنيا، فإذا تذكّرنا محور السورة من سورة البقرة، وتذكّرنا قوله تعالى أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، عرفنا أن فلاح المتقين كائن في الدنيا؛ إذ ينجّيهم الله من عذابه، وفي الآخرة إذ ينجيهم الله من عذابه، ومن قبل ذكرنا أن المخلصين هم المتقون، أخذنا ذلك من صلة السورة بمحورها. وبعد هذا البيان والتقرير يأتي دور التمثيل في المقطع، فيعرض الله علينا مثلا من نوح وإبراهيم وموسى وهارون وإلياس ولوطا ويونس عليهم الصلاة والسلام، وكأن المقطع ينقسم إلى مجموعتين رئيسيتين: مجموعة تقرّر المعاني، وأخرى تضرب الأمثال.
٢ - لقد جاء فيما مرّ معنا من السورة قوله تعالى بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ وجاء قوله تعالى وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ* وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ* فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ والآن يأتي دور التمثيل لكيفية كون دعوة الرسل واحدة، ولتصديق محمد ﷺ للمرسلين السابقين، ودعوتهم الحق القائمة على التوحيد، وتكذيب الأكثرية لذلك، وبماذا عوقبوا، والتمثيل لمواقف الرسل الإيمانية التي هي القدوة العليا، وغير ذلك مما تحتاجه المعاني السابقة من أمثلة قائمة، وسنرى ذلك، وصلته بسياق المقطع، وسياق السورة، وصلة ذلك بالمحور، وقبل أن نبدأ عرض المجموعة الثانية من المقطع فلننقل بعض ال فوائد المتعلّقة بما مرّ.
فوائد:
١ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ]
بمناسبة قوله تعالى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ قال ابن كثير: (وروى ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«أيما داع دعا إلى شئ كان موقوفا معه إلى يوم القيامة، لا يغادره ولا يفارقه وإن دعا رجل رجلا» ثم قرأ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ورواه الترمذي من حديث ليث ابن أبي سليم، ورواه ابن جرير عن يعقوب بن إبراهيم عن معتمر عن ليث عن رجل عن أنس ﵁ مرفوعا، وقال عبد الله بن المبارك سمعت عثمان بن زائدة يقول: إن أول ما يسأل عنه الرجل جلساؤه).
стр. 4473
٢ - [حول المراد باليمين في آية إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ وقول المؤلف في ذلك]
اعتمدنا في قوله تعالى إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ أن المراد باليمين القوة والقهر، إلا أننا نحب أن نسجل هنا ملاحظة وهي أن المفسرين في هذا المقام كثر كلامهم، ولا يكون الأمر كذلك إلا لأن النص يحتمل، ولا يأتي أحد بما يقطع، وقد عرض ابن كثير أقوال المفسرين، ولنا في الأخير كلمة نقولها قال ابن كثير: (قال الضحاك عن ابن عباس يقولون كنتم تقهروننا بالقدرة منكم علينا، لأنا كنا أذلاء، وكنتم أعزاء، وقال مجاهد يعني: عن الحق والكفار تقوله للشياطين. وقال قتادة قالت الإنس للجن: إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين، قال من قبل الخير فتنهونا عنه، وتبطّئونا عنه، وقال السدي: تأتوننا من قبل الحق، وتزيّنوا لنا الباطل، وتصدّونا عن الحق.
وقال الحسن في قوله تعالى إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ أي والله يأتيه عند كل خير يريده فيصدّه عنه، وقال ابن زيد معناه: تحولون بيننا وبين الخير، ورددتمونا عن الإسلام والإيمان والعمل بالخير الذي أمرنا به. وقال يزيد: الشك من قبل لا إله إلا الله، وقال خصيف: يعنون من قبل ميامنهم، وقال عكرمة إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ قال: من حيث نأمنكم).
أقول: في عصرنا طرح موضوع اليمين واليسار، وأصبح اليسار يعتبر عند بعض الناس علامة على الرغبة في التقدم والتخلّص من عراقيل الماضي، وأصبحت من أكبر
الشتائم أن تقول لإنسان أنت يميني، واتفق اليسار على أن يعتبر المتديّنين جميعا يمينيّين، وأصبح كثير من الناس يفرون من التدين خوفا من أن يتهموا بأنّهم يمينيون رجعيون، فهل تحتمل الآية- من جملة ما تحتمل- الإشارة إلى هؤلاء الناس الذين يصرفون الناس عن الإسلام بدعوى أنّ الإسلام يمينيّ، فيكون معنى الآية: إنكم كنتم تأتوننا عن طريق مهاجمة اليمين لتصرفونا عن الإسلام، لا نزعم أن الآية تعني هذا قطعا، ولكن التعبير يحتمله، وذلك من مظاهر الإعجاز القرآني، إذ يعطي التعبير فيه في كل عصر عبيرا خاصا. والله أعلم.
٣ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ]
بمناسبة قوله تعالى: إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله » وأنزل الله في كتابه العزيز، وذكر قوما استكبروا فقال تعالى إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ
стр. 4474
لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وروى ابن أبي حاتم أيضا عن أبي العلاء قال: يؤتى باليهود يوم القيامة فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله وعزيزا فيقال لهم:
خذوا ذات الشمال، ثم يؤتى بالنصارى فيقال لهم: ماذا كنتم تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله والمسيح، فيقال لهم خذوا ذات الشمال، ثم يؤتى بالمشركين فيقال لهم: لا إله إلا الله فيستكبرون، ثم يقال لهم: لا إله إلا الله فيستكبرون، ثم يقال لهم: لا إله إلا الله فيستكبرون، فيقال لهم: خذوا ذات الشمال. قال أبو نضرة: فينطلقون أسرع من الطير، قال أبو العلاء: ثم يؤتى بالمسلمين فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون:
كنا نعبد الله تعالى، فيقال لهم: هل تعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون: نعم، فيقال لهم:
وكيف تعرفونه ولم تروه؟ فيقولون: نعلم أنه لا عدل له، قال: فيتعرّف لهم ﵎ وتقدس وينجي الله المؤمنين).
٤ - [حديث بمناسبة قوله تعالى كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ]
بمناسبة قوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ قال ابن كثير: (وروى ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشرهم إذا حزنوا، وأنا شفيعهم إذا حبسوا، لواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على الله ولا فخر، يطوف عليّ ألف خادم كأنهن البيض المكنون- أو اللؤلؤ المكنون-» والله أعلم بالصواب).
٥ - [كلام ابن كثير حول آية أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ وما ورد عن الزقوم]
بمناسبة قوله تعالى: أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ قال ابن كثير: (وقد يحتمل أن يكون المراد بذلك جنس شجر يقال له الزقوم كقوله تعالى: وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ [المؤمنون: ٢٠] يعني الزيتونة، ويؤيد ذلك قوله تعالى ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ* لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ [الواقعة: ٥١، ٥٢] وقوله إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ قال قتادة: ذكرت شجرة الزقوم فافتتن بها أهل الضلالة، وقالوا صاحبكم ينبئكم أن في النار شجرة، والنار تأكل الشجر، فأنزل الله تعالى إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ غذيت من النار ومنها خلقت. وقال مجاهد إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ قال أبو جهل- لعنه الله-: إنما الزقوم التمر والزبد أتزقمه (قلت): ومعنى الآية إنما أخبرناك يا محمد بشجرة الزقوم اختبارا نختبر به الناس، من يصدق منهم ممن يكذب، كقوله ﵎ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي
стр. 4475
أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ* وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً [الإسراء: ٦٠]).
وبمناسبة الكلام عن الزقوم قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم ﵀ عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية وقال: «اتقوا الله حق تقاته، فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه؟» ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث شعبة وقال الترمذي: حسن صحيح).
٦ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ]
بمناسبة قوله تعالى ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ قال ابن كثير:
(وروى ابن أبي حاتم عن أبي أمامة الباهلي ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول: «يقرب- يعني إلى أهل النار- ماء فيتكرهه فإذا أدنى منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فيه فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره» وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: إذا أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم فأكلوا منها فاختلست جلود وجوههم فلو مارّا مرّ بهم يعرفهم لعرفهم بوجوههم فيها ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون فيغاثوا بماء كالمهل وهو الذي قد انتهى حره فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود ويصهر ما في بطونهم فيمشون أمعاءهم وتتساقط جلودهم ثم يضربون بمقامع من حديد فيسقط كل عضو على حياله يدعون بالثبور).
٧ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ]
بمناسبة قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ قال ابن كثير:
(أي ثم إن مردهم بعد هذا الفصل لإلى نار تتأجج، وجحيم تتوقّد، وسعير تتوهج، فتارة في هذا، وتارة في هذا، كما قال تعالى يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن:
٤٤] هكذا تلا قتادة هذه الآية وهو تفسير حسن قوي، وقال السدي في قراءة عبد الله ﵁ (ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم) وكان عبد الله ﵁ يقول: والذي نفسي بيده لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، ثم قرأ أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان: ٢٤] وروى الثوري عن عبد الله ﵁ قال: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء، ويقيل هؤلاء قال سفيان أراه ثم قرأ أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم (قلت): على هذا التفسير
стр. 4476
تكون ثم عاطفة لخبر على خبر).
ولنعد إلى التفسير:
وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ أي دعانا فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ أي فو الله لنعم المجيبون نحن، والجمع دليل العظمة والكبرياء والمعنى: أنا أجبناه أحسن الإجابة، ونصرناه على أعدائه، وانتقمنا منهم بأبلغ ما يكون
وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أي ومن آمن به من الناس ومن أولاده مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وهو الغرق أو التكذيب والأذى
وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ من قومه أو من الناس كافة
وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ من الأمم هذه الكلمة وهي
سَلامٌ عَلى نُوحٍ يعني يسلّمون عليه تسليما، ويدعون له فِي الْعالَمِينَ أي ثبّت هذه التحيّة فيهم جميعا، ولا يخلو أحد منهم منها، وكأنه قيل ثبّت الله التّسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين يسلّمون عليه من آخرهم،
ثم علّل مجازاته بتلك التكرمة السنيّة بأنه كان محسنا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ أي هكذا نجزي من أحسن من العباد في طاعة الله تعالى، نجعل له لسان صدق يذكر به بعده بحسب مرتبته في ذلك قال النّسفي: (ثمّ علّل كونه محسنا بأنّه كان عبدا مؤمنا ليريك جلالة محل الإيمان، وأنه القصارى من صفات المدح والتّعظيم)
إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ أي المصدّقين الموحّدين الموقنين
ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ أي الكافرين أهلكناهم فلم تبق منهم عين تطرف، ولا ذكر ولا أثر، ولا يعرفون إلا بهذه الصفة القبيحة.
كلمة في السياق:
١ - قلنا: إنّ المقطع الأول من سورة الصافات ينقسم إلى مجموعتين: الأولى للتقرير، والثانية للتمثيل، وقد جعل الله بين ذلك جسرا انتقل به السياق من التقرير إلى التمثيل، وهو قوله تعالى: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ* وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ* فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ* إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ثم بدأ التمثيل بقوله تعالى وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ ... قال النسفي: (لما ذكر إرسال المنذرين في الأمم الخالية، وسوء عاقبة المنذرين، أتبع ذلك ذكر نوح ﵇، ودعاءه إياه حين أيس من قومه) وقال ابن كثير: (لما ذكر تعالى عن أكثر الأولين أنهم ضلوا عن سبيل النجاة، شرع يبين ذلك مفصّلا؛ فذكر نوحا ﵊، وما لقي من
стр. 4477
قومه من التكذيب، وأنه لم يؤمن منهم إلا القليل، مع طول المدة، لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، فلما طال عليه ذلك، واشتد عليه تكذيبهم، وكلما دعاهم ازدادوا نفرة؛ فدعا ربه أني مغلوب فانتصر، فغضب الله تعالى لغضبه ... ).
٢ - في التمثيل بقصة نوح ﵇ في سياق السورة توضيح لنجاة عباد الله المخلصين، من عذاب الدنيا، وتوضيح لقيمة الإيمان، ونموذج على إرسال الله الرسل للإنذار، ونموذج على أن هؤلاء الرسل هم المثل الأعلى للأخلاق الربانية من إحسان وإيمان.
٣ - في قوله تعالى عن نوح ﵇ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ إشارة إلى كون نوح ﵇ من الموحّدين المؤمنين، ومن ثم فإن قصة نوح خدمت سياق السورة من عدة نواح، أولا: في موضوع التوحيد، ثانيا: في موضوع بعثة الرسل جميعا بالتوحيد، ثالثا: في موضوع إنجاء الله المؤمنين من العذاب، رابعا: في إبراز قيمة الإيمان في موازين الله ، وصلة ذلك كله بمحور السورة من سورة البقرة وخاصة قضية الإيمان واضحة.
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ... وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ... إن نوحا ﵇ هو نموذج من النماذج العليا للإيمان إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ.
...
فوائد: [تحقيق حول أولاد نوح ﵇ بمناسبة آية وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ]
- بمناسبة قوله تعالى: وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ قال ابن كثير: (قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ يقول: لم تبق إلا ذرية نوح ﵇، وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله ﵎ وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ قال: الناس كلهم من ذرية نوح ﵇، وقد روى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن سمرة ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ قال: سام وحام ويافث. وروى الإمام أحمد عن الحسن عن سمرة ﵁ أن نبي الله ﷺ قال:
«سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم» ورواه الترمذي، قال الحافظ
стр. 4478
أبو عمرو بن عبد البر: وقد روي عن عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ مثله، والمراد بالروم هاهنا: هم الروم الأول، وهم اليونان المنتسبون إلى رومي ابن ليطي بن يونان بن يافث بن نوح ﵇ ثم روي من حديث إسماعيل بن عياش ابن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: ولد نوح ﵇ ثلاثة: سام، ويافث، وحام، وولد كل واحد من هؤلاء الثلاثة ثلاثة: فولد سام العرب، وفارس والروم، وولد يافث الترك والصقالبة، ويأجوج ومأجوج، وولد حام القبط والسودان والبربر، وروي عن وهب بن منبه نحو هذا والله أعلم).
وفي سفر التكوين الإصحاح العاشر حديث عن أبناء نوح، ومن تفرّع عنهم وهذا هو ننقله للاستئناس:
(وهذه مواليد بني نوح. سام وحام ويافث. وولد لهم بنون بعد الطوفان.
بنو يافث جومر وماجوج وماداي وياوان وتوبال وماشك وتيراس. وبنو جومر أشكناز وريفاث وتوجرمة. وبنو ياوان أليشة وترشيش وكتيم ودودانيم. من هؤلاء تفرقت جزائر الأمم بأراضيهم كل إنسان كلسانه حسب قبائلهم بأممهم.
وبنو حام كوش ومصرايم وفوط وكنعان. وبنو كوش سبأ وحويلة وسبتة ورعمة وسبتكا. وبنو رعمة شبا وددان. وكوش ولد نمرود الذي ابتدأ يكون جبارا في الأرض. الذي كان جبار صيد أمام الرب. لذلك يقال كنمرود جبار صيد أمام الرب. وكان ابتداء مملكته بابل وأرك وأكد وكلنة في أرض شنعار. من تلك الأرض خرج أشعور وبني نينوى ورحوبوت عير وكالح ورسن بين نينوى وكالح. هي المدينة الكبيرة. ومصرايم ولد لوديم وعناميم ولهابيم ونفتوحيم وفتروسيم وكسلوحيم. الذين خرج منهم فلشتيم وكفتوريم. وكنعان ولد صيدون بكره وحثا واليبوسي والأموري والجرجاشي والحوي والعرقي والسيني والأروادي والصماري والحماتي. وبعد ذلك تفرقت قبائل الكنعاني. وكانت تخوم الكنعاني من صيدون حينما تجئ نحو جرار إلى غزة وحينما تجئ نحو سدوم وعمورة وأدمة وصبوييم إلى لاشع. هؤلاء بنو حام حسب قبائلهم كألسنتهم بأراضيهم وأممهم.
وسام أبو كل بني عابر أخو يافث الكبير ولد له أيضا بنون. بنو سام عيلام وأشور وأرفكشاد ولود وأرام. وبنو أرام عوص وحول وجاثر وماش. وأرفكشاد ولد شالح وشالح وكالح ولد عابر. ولعابر ولد ابنان. اسم الواحد فالج لأن في أيامه قسمت
стр. 4479
الأرض. واسم أخيه يقطان. ويقطان ولد الموداد وشالف وحضرموت ويارح وهدورام وأوزال ودقلة وعوبال وأبيمايل وشبا وأوفير وحويلة ويوباب. جميع هؤلاء بنو يقطان.
وكان مسكنهم من ميشا حينما تجئ نحو سفار جبل المشرق. هؤلاء بنو سام حسب قبائلهم كألسنتهم بأراضيهم حسب أممهم.
هؤلاء قبائل بني نوح حسب مواليدهم بأممهم. ومن هؤلاء تفرقت الأمم في الأرض بعد الطوفان).
ولنعد إلى التفسير:
وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ أي من شيعة نوح ﵇ أي ممن شايعه على أصول الدين، أو شايعه على التصلّب في دين الله، ومصابرة المكذبين لَإِبْراهِيمَ.
كلمة في السياق:
مرّ معنا من قبل قوله تعالى عن رسولنا ﵊ بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ وقد رأينا قصة نوح ﵇، وكيف أنّه جاء بعدها مباشرة قوله تعالى وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ وفي ذلك إشارة إلى أن الرسل جميعا أسرة واحدة، طريقهم واحد، فالآية الأولى من قصة إبراهيم ﵇ تخدم في سياق السورة هذا المعنى، كما تخدم معاني أخرى سنراها.
...
إِذْ جاءَ إبراهيم ﵇ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ من الشرك وآفات القلوب، وهذه الآية تفسير لما في الشيعة في الآية السابقة من معنى المشايعة على الدين والتقوى، فهذه الآية تبيّن نوع المشايعة الربانية الصحيحة أن يواطئ القلب القلب في الاعتقاد والصفاء، ومعنى مجئ إبراهيم ﵇ ربّه بقلب سليم: أنه أخلص لله قلبه، وعلم الله ذلك منه
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ أنكر عليهم عبادة الأصنام والأنداد
أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ أي أتريدون آلهة من دون الله إفكا أي كذبا
فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ قال قتادة: يعني ما ظنّكم أنّه فاعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم معه غيره وقال النسفي: (أي أيّ شئ ظنكم برب العالمين وأنتم تعبدون غيره ... أو فما ظنكم به ماذا يفعل بكم وكيف يعاقبكم وقد عبدتم غيره،
стр. 4480
وعلمتم أنه المنعم الحقيقي، فكان حقيقا بالعبادة؟) وهذه الآية تفسّر القلب السليم بأنه القلب الموحّد، النّافر من الشّرك، المنكر على أهله.
كلمة في السياق:
من ذكر أن إبراهيم ﵇ من شيعة نوح ﵇، ومن ذكر إنكار إبراهيم ﵇ على قومه الشرك نعلم أن إبراهيم ونوحا كليهما بعثا بالتوحيد، فإذا تذكّرنا قوله تعالى عن أهل النار إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ* وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ* بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ إذا تذكّرنا هذا نعرف كيف أنّ هذا الجزء من المقطع تمثيل لما ورد في المجموعة الأولى، فالرسل بعثوا بالتوحيد جميعا، ومحمد ﷺ مصدّق لهم في ذلك،
وصلة ذلك كله بالسياق الرئيسي للسورة إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ واضحة.
...
فَنَظَرَ إبراهيم ﵇ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ قال النسفي: (أي نظر في النجوم راميا ببصره إلى السماء، متفكّرا في نفسه كيف يحتال لإصلاح اعتقادهم، أو أراهم أنه ينظر في النجوم لاعتقادهم علم النجوم، فأوهمهم أنه استدلّ بأمارة على أنّه يسقم
فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ أي ضعيف أو مشارف للسقم قال ابن كثير: (إنما قال إبراهيم ﵊ لقومه ذلك ليقيم في البلد إذا ذهبوا إلى عيدهم، فإنه كان قد أزف خروجهم إلى عيد لهم، فأحب أن يختلي بآلهتهم ليكسّرها، فقال لهم كلاما هو حق في نفس الأمر، فهموا منه أنّه سقيم على مقتضى ما يعتقدونه)
فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ أي فأعرضوا عنه مولّين الأدبار، وقد فهم بعضهم من هذا أنه ذكر لهم مرضا يخافونه، قال ابن عباس: فقالوا له وهو في بيت آلهتهم: اخرج فقال: إني مطعون، فتركوه مخافة الطاعون
فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ أي مال إليها سرّا قال ابن كثير:
(أي ذهب إليها بعد ما خرجوا في سرعة واختفاء) فَقالَ للأصنام استهزاء أَلا تَأْكُلُونَ قال ابن كثير: وذلك أنهم كانوا قد وضعوا بين أيديها طعاما قربانا لتبرّك لهم فيه
ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ* فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ أي فأقبل ومال عليهم ضربا بيمينه، لأنّها أقوى الجارحتين، وأشدّهما، أو ضربهم بسبب اليمين الذي حلفه في قوله وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ [الأنبياء: ٥٧]
فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ أي يسرعون قال ابن كثير: (وهذه القصة هاهنا مختصرة وفي سورة الأنبياء مبسوطة فإنّهم
стр. 4481
لمّا رجعوا لم يعرفوا من أوّل وهلة من فعل ذلك حتى كشفوا واستعلموا، فعرفوا أن إبراهيم ﵊ هو الذي فعل ذلك، فلمّا جاءوا ليعاتبوه أخذ في تأنيبهم وعيبهم)
قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ أي بأيديكم
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ أي الله خالقكم وخالق أعمالكم، فلم تعبدون غيره؟ فعند ذلك لما قامت عليهم الحجة، عدلوا إلى أخذه باليد والقهر على طريقة الظالمين المستكبرين، إذ قامت عليهم الحجة
قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ أي في النّار الشّديدة
فَأَرادُوا بِهِ أي بإلقائه في النار كَيْداً أي أن يكيدوه فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ أي فجعلناهم المقهورين عند الإلقاء، ونجّاه الله من النار، وأظهره عليهم، وأعلى حجته ونصرها.
...
كلمة في السياق:
في إنجاء الله إبراهيم ﵇ من النار نموذج ثان على إنجاء الله عباده المخلصين، وهي إحدى المعاني الرئيسية، التي تمثل لها قصص هذه المجموعة من المقطع؛ فلقد سبقت هذه المجموعة بقوله تعالى وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ* فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ* إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ.
...
وَقالَ إبراهيم ﵇ بعد نجاته من النار، وبعد ما نصره الله تعالى على قومه، وأيس من إيمانهم بعد ما شاهدوا من الآيات العظيمة إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي أي مهاجر إلى المكان الذي أمرني ربي بالذهاب إليه سَيَهْدِينِ أي سيرشدني إلى ما فيه صلاحي في ديني ويعصمني ويوفّقني
رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ أي بعض الصالحين، يريد الولد لأنّ لفظ الهبة غلب في الولد قال ابن كثير: (يعني أولادا مطيعين يكونون عوضا من قومه وعشيرته الذين فارقهم)
فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ هو إسماعيل ﵇ قال النسفي: (انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد غلام ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم؛ لأن الصبي لا يوصف بالحلم، وأنّه يكون حليما، وأي حلم أعظم من حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح فاستسلم لذلك)
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ أي بلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه، أي فلمّا بلغ الحدّ الذي يقدر فيه على السّعي مع أبيه بمعنى: كبر وترعرع وشبّ وارتحل، وأطاق ما يفعله أبوه من
стр. 4482
السّعي والعمل قالَ إبراهيم ﵇ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أي في الرؤيا، ورؤيا الأنبياء حق أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى أي ما هو رأيك قال النسفي: (ولم يشاوره ليرجع إلى رأيه ومشورته، ولكن ليعلم أيجزع أم يصبر) قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ أي امض إلى ما أمرك الله من ذبحي سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ أي على الذبح، أي سأصبر وأحتسب ذلك عند الله ، وصدق صلوات الله وسلامه عليه فيما وعد
فَلَمَّا أَسْلَما أي انقادا لأمر الله وخضعا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ أي صرعه على وجهه ليذبحه من قفاه، ولا يشاهد وجهه عند ذبحه؛ ليكون أهون عليه، أي أكبّه على وجهه
وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا أي قد حصل المقصود من رؤياك بإضجاعك ولدك للذبح، أي حقّقت ما أمرناك به في المنام من تسليم الولد للذبح إِنَّا كَذلِكَ
نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
قال النسفي: (هذا) تعليل لتخويل ما خوّلهما من الفرج بعد الشدّة
إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ أي الاختبار البيّن الذي يتميّز فيه المخلصون من غيرهم قال ابن كثير: (أي الاختبار الواضح الجليّ، حيث أمر بذبح ولده، فسارع إلى ذلك مستسلما لأمر الله تعالى، منقادا لطاعته)
وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ الذّبح: هو ما يذبح، والمراد به هنا كبش ضخم الجثة، سمين وهو السنّة في الأضاحي
وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ فما من أمّة بعد إبراهيم ﵇ إلا وهي تسلّم على إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه
كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ بأن نبارك لهم في الذكر الحسن قال النسفي: ولم يقل (إنا كذلك) هنا كما في غيره؛ لأنه قد سبق في هذه القصة، فاكتفى بذكره مرّة عن ذكره ثانية
إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ هذا تعليل لكونه محسنا، بأنه كان عبدا مؤمنا ليريك- كما قال النسفي من قبل- جلالة محلّ الإيمان، وأنه القصارى من صفات المدح والتعظيم
وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا أي وبشّرناه بوجود إسحاق مقدّرة نبوته مِنَ الصَّالِحِينَ وكل نبي صالح، وفي ذكر الصلاح هنا ثناء عليه قال ابن كثير: (لمّا تقدّمت البشارة بالذبيح- وهو إسماعيل ﵇ عطف بذكر البشارة بأخيه إسحاق)
وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ أي أفضنا عليهما بركات وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ أي مؤمن وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ أي كافر مُبِينٌ أي ظاهر أو محسن إلى الناس وآخر ظالم لنفسه بتعديه حدود الشرع قال النسفي: (وفيه تنبيه على أنّ الخبث والطيب لا يجري أمرهما على العرف والعنصر، فقد يلد البرّ الفاجر، والفاجر البر، وهذا مما يهدم أمر الطبائع والعناصر، وعلى أن الظلم في أعقابهما لم يعد
стр. 4483
بعيب ولا نقيصة، وأن المرء إنما يعاب بسوء فعله، ويعاقب على ما اجترمت يداه، لا على ما وجد من أصله وفرعه).
...
نقل: [عن صاحب الظلال حول ورود قصة إبراهيم ﵇ في السورة]
قال صاحب الظلال في الجزء الأخير الذي مرّ معنا من قصة إبراهيم ﵇:
(هذا إبراهيم الشيخ. المقطوع من الأهل والقرابة. المهاجر من الأرض والوطن.
ها هو ذا يرزق في كبرته وهرمه بغلام. طالما تطلّع إليه. فلما جاءه جاء غلاما ممتازا يشهد له ربه بأنه حليم. وها هو ذا ما يكاد يأنس به، وصباه يتفتّح، ويبلغ معه السعي، ويرافقه في الحياة. ها هو ذا ما يكاد يأنس ويستروح بهذا الغلام الوحيد، حتى يرى في منامه أنه يذبحه. ويدرك أنها إشارة من ربه بالتضحية. فماذا؟ إنه لا يتردد، ولا يخالجه إلا شعور الطاعة، ولا يخطر له إلا خاطر التسليم .. نعم إنها إشارة. مجرد إشارة. وليست وحيا صريحا، ولا أمرا مباشرا. ولكنها إشارة من ربه ..
وهذا يكفي .. هذا يكفي ليلبي ويستجيب. ودون أن يعترض. ودون أن يسأل ربه .. لماذا يا ربي أذبح ابني الوحيد؟!
ولكنه لا يلبي في انزعاج، ولا يستسلم في جزع، ولا يطيع في اضطراب ..
كلا إنما هو القبول والرضى والطمأنينة والهدوء. يبدو ذلك في كلماته لابنه وهو يعرض عليه الأمر الهائل في هدوء وفي اطمئنان عجيب: قالَ: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ. فَانْظُرْ ماذا تَرى.
فهي كلمات المالك لأعصابه، المطمئن للأمر الذي يواجهه، الواثق بأنه يؤدي واجبه. وهي في الوقت ذاته كلمات المؤمن، الذي لا يهوله الأمر فيؤديه في اندفاع وعجلة ليخلص منه وينتهي، ويستريح من ثقله على أعصابه!
والأمر شاق- ما في ذلك شك- فهو لا يطلب إليه أن يرسل بابنه الوحيد إلى معركة. ولا يطلب إليه أن يكلفه أمرا تنتهي به حياته .. إنما يطلب إليه أن يتولى هو بيده. يتولى ماذا؟ يتولى ذبحه .. وهو- مع هذا- يتلقّى الأمر هذا التلقي، ويعرض على ابنه هذا العرض؛ ويطلب إليه أن يتروى في أمره، وأن يرى فيه رأيه!
إنه لا يأخذ ابنه على غرّة لينفذ إشارة ربه. وينتهي. إنما يعرض الأمر عليه كالذي
стр. 4484
يعرض المألوف من الأمر. فالأمر في حسّه هكذا. ربه يريد. فليكن ما يريد. على العين والرأس. وابنه ينبغي أن يعرف. وأن يأخذ الأمر طاعة وإسلاما، لا قهرا واضطرارا. لينال هو الآخر أجر الطاعة، وليسلم هو الآخر ويتذوّق حلاوة التسليم! إنه يحب لابنه أن يتذوّق لذة التطوّع التي ذاقها؛ وأن ينال الخير الذي يراه هو أبقى من الحياة وأقنى ..
فماذا يكون من أمر الغلام، الذي يعرض عليه الذبح، تصديقا لرؤيا رآها أبوه؟
إنه يرتقي إلى الأفق الذي ارتقى إليه من قبل أبوه:
قالَ: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ. سَتَجِدُنِي- إِنْ شاءَ اللَّهُ- مِنَ الصَّابِرِينَ.
إنه يتلقى الأمر لا في طاعة واستسلام فحسب. ولكن في رضى كذلك وفي يقين ..
يا أَبَتِ .. في مودة وقربى. فشبح الذبح لا يزعجه ولا يفزعه ولا يفقده رشده. بل لا يفقده أدبه ومودته.
افْعَلْ ما تُؤْمَرُ .. فهو يحسّ ما أحسّه من قبل قلب أبيه. يحسّ أن الرؤيا إشارة. وأن الإشارة أمر. وأنها تكفي لكي يلبي وينفذ بغير لجلجة ولا تمحل ولا ارتياب. ثم هو
الأدب مع الله، ومعرفة حدود قدرته وطاقته في الاحتمال؛ والاستعانة بربه على ضعفه ونسبة الفضل إليه في إعانته على التضحية، ومساعدته على الطاعة:
سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.
ولم يأخذها بطولة. ولم يأخذها شجاعة. ولم يأخذها اندفاعا إلى الخطر دون مبالاة. ولم يظهر لشخصه ظلا ولا حجما ولا وزنا .. إنما أرجع الفضل كله لله إن هو أعانه على ما يطلب إليه، وأصبره على ما يراد به: سَتَجِدُنِي- إِنْ شاءَ اللَّهُ- مِنَ الصَّابِرِينَ.
يا للأدب مع الله! ويا لروعة الإيمان. ويا لنبل الطاعة. ويا لعظمة التسليم!
ويخطو المشهد خطوة أخرى وراء الحوار والكلام .. يخطو إلى التنفيذ:
стр. 4485
فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ.
ومرة أخرى يرتفع نبل الطاعة. وعظمة الإيمان. وطمأنينة الرضى وراء كل ما تعارف عليه بنو الإنسان ..
إن الرجل يمضي فيكب ابنه على جبينه استعدادا. وإن الغلام يستسلم فلا يتحرك امتناعا. وقد وصل الأمر إلى أن يكون عيانا.
لقد أسلما .. فهذا هو الإسلام. هذا هو الإسلام في حقيقته. ثقة وطاعة وطمأنينة ورضى وتسليم .. وتنفيذ .. وكلاهما لا يجد في نفسه إلا هذه المشاعر التي لا يصنعها غير الإيمان العظيم.
إنها ليست الشجاعة والجراءة. وليس الاندفاع والحماسة. لقد يندفع المجاهد في الميدان، يقتل ويقتل. ولقد يندفع الفدائي وهو يعلم أنه قد لا يعود. ولكن هذا كله شئ والذي يصنعه إبراهيم وإسماعيل ﵉ هنا شئ آخر .. ليس هنا دم فاغر ولا حماسة دافعة، ولا اندفاع في عجلة تخفي وراءها الخوف من الضعف والنكوص! إنما هو الاستسلام الواعي المتعقّل القاصد المريد، العارف بما يفعل، المطمئن لما يكون.
لا بل هنا الرضى الهادئ المستشعر المتذوق للطاعة وطعمها الجميل!
وهنا كان إبراهيم وإسماعيل ﵉ قد أدّيا. كانا قد أسلما. كانا قد حققا الأمر والتكليف. ولم يكن باقيا إلا أن يذبح إسماعيل، ويسيل دمه، وتزهق روحه ..
وهذا أمر لا يعني شيئا في ميزان الله، بعد ما وضع إبراهيم وإسماعيل في هذا الميزان من روحهما وعزمهما ومشاعرهما كل ما أراده منهما ربهما ..
كان الابتلاء قد تم. والامتحان قد وقع. ونتائجه قد ظهرت. وغاياته قد تحقّقت. ولم يعد إلا الألم البدني. وإلا الدم المسفوح. والجسد الذبيح. والله لا يريد أن يعذّب عباده بالابتلاء. ولا يريد دماءهم وأجسادهم في شئ. ومتى خلصوا له واستعدوا للأداء بكلّياتهم فقد أدوا، وقد حققوا التكليف، وقد جاوزوا الامتحان بنجاح.
وعرف الله إبراهيم وإسماعيل صدقهما. فاعتبرهما قد أدّيا وحققا وصدقا:
وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا* إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* إِنَّ هذا
следующие страницы →