← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

لمّا رجعوا لم يعرفوا من أوّل وهلة من فعل ذلك حتى كشفوا واستعلموا، فعرفوا أن إبراهيم ﵊ هو الذي فعل ذلك، فلمّا جاءوا ليعاتبوه أخذ في تأنيبهم وعيبهم) قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ أي بأيديكم وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ أي الله خالقكم وخالق أعمالكم، فلم تعبدون غيره؟ فعند ذلك لما قامت عليهم الحجة، عدلوا إلى أخذه باليد والقهر على طريقة الظالمين المستكبرين، إذ قامت عليهم الحجة قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ أي في النّار الشّديدة فَأَرادُوا بِهِ أي بإلقائه في النار كَيْداً أي أن يكيدوه فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ أي فجعلناهم المقهورين عند الإلقاء، ونجّاه الله من النار، وأظهره عليهم، وأعلى حجته ونصرها. ... كلمة في السياق: في إنجاء الله إبراهيم ﵇ من النار نموذج ثان على إنجاء الله عباده المخلصين، وهي إحدى المعاني الرئيسية، التي تمثل لها قصص هذه المجموعة من المقطع؛ فلقد سبقت هذه المجموعة بقوله تعالى وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ* فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ* إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ. ... وَقالَ إبراهيم ﵇ بعد نجاته من النار، وبعد ما نصره الله تعالى على قومه، وأيس من إيمانهم بعد ما شاهدوا من الآيات العظيمة إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي أي مهاجر إلى المكان الذي أمرني ربي بالذهاب إليه سَيَهْدِينِ أي سيرشدني إلى ما فيه صلاحي في ديني ويعصمني ويوفّقني رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ أي بعض الصالحين، يريد الولد لأنّ لفظ الهبة غلب في الولد قال ابن كثير: (يعني أولادا مطيعين يكونون عوضا من قومه وعشيرته الذين فارقهم) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ هو إسماعيل ﵇ قال النسفي: (انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد غلام ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم؛ لأن الصبي لا يوصف بالحلم، وأنّه يكون حليما، وأي حلم أعظم من حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح فاستسلم لذلك) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ أي بلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه، أي فلمّا بلغ الحدّ الذي يقدر فيه على السّعي مع أبيه بمعنى: كبر وترعرع وشبّ وارتحل، وأطاق ما يفعله أبوه من

стр. 4482

السّعي والعمل قالَ إبراهيم ﵇ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أي في الرؤيا، ورؤيا الأنبياء حق أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى أي ما هو رأيك قال النسفي: (ولم يشاوره ليرجع إلى رأيه ومشورته، ولكن ليعلم أيجزع أم يصبر) قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ أي امض إلى ما أمرك الله من ذبحي سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ أي على الذبح، أي سأصبر وأحتسب ذلك عند الله ، وصدق صلوات الله وسلامه عليه فيما وعد فَلَمَّا أَسْلَما أي انقادا لأمر الله وخضعا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ أي صرعه على وجهه ليذبحه من قفاه، ولا يشاهد وجهه عند ذبحه؛ ليكون أهون عليه، أي أكبّه على وجهه وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا أي قد حصل المقصود من رؤياك بإضجاعك ولدك للذبح، أي حقّقت ما أمرناك به في المنام من تسليم الولد للذبح إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ قال النسفي: (هذا) تعليل لتخويل ما خوّلهما من الفرج بعد الشدّة إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ أي الاختبار البيّن الذي يتميّز فيه المخلصون من غيرهم قال ابن كثير: (أي الاختبار الواضح الجليّ، حيث أمر بذبح ولده، فسارع إلى ذلك مستسلما لأمر الله تعالى، منقادا لطاعته) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ الذّبح: هو ما يذبح، والمراد به هنا كبش ضخم الجثة، سمين وهو السنّة في الأضاحي وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ فما من أمّة بعد إبراهيم ﵇ إلا وهي تسلّم على إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ بأن نبارك لهم في الذكر الحسن قال النسفي: ولم يقل (إنا كذلك) هنا كما في غيره؛ لأنه قد سبق في هذه القصة، فاكتفى بذكره مرّة عن ذكره ثانية إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ هذا تعليل لكونه محسنا، بأنه كان عبدا مؤمنا ليريك- كما قال النسفي من قبل- جلالة محلّ الإيمان، وأنه القصارى من صفات المدح والتعظيم وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا أي وبشّرناه بوجود إسحاق مقدّرة نبوته مِنَ الصَّالِحِينَ وكل نبي صالح، وفي ذكر الصلاح هنا ثناء عليه قال ابن كثير: (لمّا تقدّمت البشارة بالذبيح- وهو إسماعيل ﵇ عطف بذكر البشارة بأخيه إسحاق) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ أي أفضنا عليهما بركات وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ أي مؤمن وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ أي كافر مُبِينٌ أي ظاهر أو محسن إلى الناس وآخر ظالم لنفسه بتعديه حدود الشرع قال النسفي: (وفيه تنبيه على أنّ الخبث والطيب لا يجري أمرهما على العرف والعنصر، فقد يلد البرّ الفاجر، والفاجر البر، وهذا مما يهدم أمر الطبائع والعناصر، وعلى أن الظلم في أعقابهما لم يعد

стр. 4483

بعيب ولا نقيصة، وأن المرء إنما يعاب بسوء فعله، ويعاقب على ما اجترمت يداه، لا على ما وجد من أصله وفرعه). ... نقل: [عن صاحب الظلال حول ورود قصة إبراهيم ﵇ في السورة] قال صاحب الظلال في الجزء الأخير الذي مرّ معنا من قصة إبراهيم ﵇: (هذا إبراهيم الشيخ. المقطوع من الأهل والقرابة. المهاجر من الأرض والوطن. ها هو ذا يرزق في كبرته وهرمه بغلام. طالما تطلّع إليه. فلما جاءه جاء غلاما ممتازا يشهد له ربه بأنه حليم. وها هو ذا ما يكاد يأنس به، وصباه يتفتّح، ويبلغ معه السعي، ويرافقه في الحياة. ها هو ذا ما يكاد يأنس ويستروح بهذا الغلام الوحيد، حتى يرى في منامه أنه يذبحه. ويدرك أنها إشارة من ربه بالتضحية. فماذا؟ إنه لا يتردد، ولا يخالجه إلا شعور الطاعة، ولا يخطر له إلا خاطر التسليم .. نعم إنها إشارة. مجرد إشارة. وليست وحيا صريحا، ولا أمرا مباشرا. ولكنها إشارة من ربه .. وهذا يكفي .. هذا يكفي ليلبي ويستجيب. ودون أن يعترض. ودون أن يسأل ربه .. لماذا يا ربي أذبح ابني الوحيد؟! ولكنه لا يلبي في انزعاج، ولا يستسلم في جزع، ولا يطيع في اضطراب .. كلا إنما هو القبول والرضى والطمأنينة والهدوء. يبدو ذلك في كلماته لابنه وهو يعرض عليه الأمر الهائل في هدوء وفي اطمئنان عجيب: قالَ: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ. فَانْظُرْ ماذا تَرى. فهي كلمات المالك لأعصابه، المطمئن للأمر الذي يواجهه، الواثق بأنه يؤدي واجبه. وهي في الوقت ذاته كلمات المؤمن، الذي لا يهوله الأمر فيؤديه في اندفاع وعجلة ليخلص منه وينتهي، ويستريح من ثقله على أعصابه! والأمر شاق- ما في ذلك شك- فهو لا يطلب إليه أن يرسل بابنه الوحيد إلى معركة. ولا يطلب إليه أن يكلفه أمرا تنتهي به حياته .. إنما يطلب إليه أن يتولى هو بيده. يتولى ماذا؟ يتولى ذبحه .. وهو- مع هذا- يتلقّى الأمر هذا التلقي، ويعرض على ابنه هذا العرض؛ ويطلب إليه أن يتروى في أمره، وأن يرى فيه رأيه! إنه لا يأخذ ابنه على غرّة لينفذ إشارة ربه. وينتهي. إنما يعرض الأمر عليه كالذي

стр. 4484

يعرض المألوف من الأمر. فالأمر في حسّه هكذا. ربه يريد. فليكن ما يريد. على العين والرأس. وابنه ينبغي أن يعرف. وأن يأخذ الأمر طاعة وإسلاما، لا قهرا واضطرارا. لينال هو الآخر أجر الطاعة، وليسلم هو الآخر ويتذوّق حلاوة التسليم! إنه يحب لابنه أن يتذوّق لذة التطوّع التي ذاقها؛ وأن ينال الخير الذي يراه هو أبقى من الحياة وأقنى .. فماذا يكون من أمر الغلام، الذي يعرض عليه الذبح، تصديقا لرؤيا رآها أبوه؟ إنه يرتقي إلى الأفق الذي ارتقى إليه من قبل أبوه: قالَ: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ. سَتَجِدُنِي- إِنْ شاءَ اللَّهُ- مِنَ الصَّابِرِينَ. إنه يتلقى الأمر لا في طاعة واستسلام فحسب. ولكن في رضى كذلك وفي يقين .. يا أَبَتِ .. في مودة وقربى. فشبح الذبح لا يزعجه ولا يفزعه ولا يفقده رشده. بل لا يفقده أدبه ومودته. افْعَلْ ما تُؤْمَرُ .. فهو يحسّ ما أحسّه من قبل قلب أبيه. يحسّ أن الرؤيا إشارة. وأن الإشارة أمر. وأنها تكفي لكي يلبي وينفذ بغير لجلجة ولا تمحل ولا ارتياب. ثم هو الأدب مع الله، ومعرفة حدود قدرته وطاقته في الاحتمال؛ والاستعانة بربه على ضعفه ونسبة الفضل إليه في إعانته على التضحية، ومساعدته على الطاعة: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ. ولم يأخذها بطولة. ولم يأخذها شجاعة. ولم يأخذها اندفاعا إلى الخطر دون مبالاة. ولم يظهر لشخصه ظلا ولا حجما ولا وزنا .. إنما أرجع الفضل كله لله إن هو أعانه على ما يطلب إليه، وأصبره على ما يراد به: سَتَجِدُنِي- إِنْ شاءَ اللَّهُ- مِنَ الصَّابِرِينَ. يا للأدب مع الله! ويا لروعة الإيمان. ويا لنبل الطاعة. ويا لعظمة التسليم! ويخطو المشهد خطوة أخرى وراء الحوار والكلام .. يخطو إلى التنفيذ:

стр. 4485

فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. ومرة أخرى يرتفع نبل الطاعة. وعظمة الإيمان. وطمأنينة الرضى وراء كل ما تعارف عليه بنو الإنسان .. إن الرجل يمضي فيكب ابنه على جبينه استعدادا. وإن الغلام يستسلم فلا يتحرك امتناعا. وقد وصل الأمر إلى أن يكون عيانا. لقد أسلما .. فهذا هو الإسلام. هذا هو الإسلام في حقيقته. ثقة وطاعة وطمأنينة ورضى وتسليم .. وتنفيذ .. وكلاهما لا يجد في نفسه إلا هذه المشاعر التي لا يصنعها غير الإيمان العظيم. إنها ليست الشجاعة والجراءة. وليس الاندفاع والحماسة. لقد يندفع المجاهد في الميدان، يقتل ويقتل. ولقد يندفع الفدائي وهو يعلم أنه قد لا يعود. ولكن هذا كله شئ والذي يصنعه إبراهيم وإسماعيل ﵉ هنا شئ آخر .. ليس هنا دم فاغر ولا حماسة دافعة، ولا اندفاع في عجلة تخفي وراءها الخوف من الضعف والنكوص! إنما هو الاستسلام الواعي المتعقّل القاصد المريد، العارف بما يفعل، المطمئن لما يكون. لا بل هنا الرضى الهادئ المستشعر المتذوق للطاعة وطعمها الجميل! وهنا كان إبراهيم وإسماعيل ﵉ قد أدّيا. كانا قد أسلما. كانا قد حققا الأمر والتكليف. ولم يكن باقيا إلا أن يذبح إسماعيل، ويسيل دمه، وتزهق روحه .. وهذا أمر لا يعني شيئا في ميزان الله، بعد ما وضع إبراهيم وإسماعيل في هذا الميزان من روحهما وعزمهما ومشاعرهما كل ما أراده منهما ربهما .. كان الابتلاء قد تم. والامتحان قد وقع. ونتائجه قد ظهرت. وغاياته قد تحقّقت. ولم يعد إلا الألم البدني. وإلا الدم المسفوح. والجسد الذبيح. والله لا يريد أن يعذّب عباده بالابتلاء. ولا يريد دماءهم وأجسادهم في شئ. ومتى خلصوا له واستعدوا للأداء بكلّياتهم فقد أدوا، وقد حققوا التكليف، وقد جاوزوا الامتحان بنجاح. وعرف الله إبراهيم وإسماعيل صدقهما. فاعتبرهما قد أدّيا وحققا وصدقا: وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا* إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* إِنَّ هذا

стр. 4486

لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ* وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ. قد صدّقت الرؤيا وحققتها فعلا. فالله لا يريد إلا الإسلام والاستسلام بحيث لا يبقى في النفس ما تكنّه عن الله أو تعزّه عن أمره، أو تحتفظ به دونه، ولو كان هو الابن فلذة الكبد. ولو كانت النفس والحياة. وأنت- يا إبراهيم- قد فعلت. جدت بكل شئ. وبأعز شئ. وجدت به في رضى وفي هدوء وفي طمأنينة وفي يقين. فلم يبق إلا اللحم والدم. وهذا ينوب عنه ذبح. أي ذبح من دم ولحم! ويفدي الله هذه النفس التي أسلمت وأدّت. يفديها بذبح عظيم. قيل: إنه كبش وجده إبراهيم مهيأ بفعل ربه وإرادته ليذبحه بدلا من إسماعيل! وقيل له: إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ .. نجزيهم باختيارهم لمثل هذا البلاء. ونجزيهم بتوجيه قلوبهم ورفعها إلى مستوى الوفاء. ونجزيهم بإقدارهم وإصبارهم على الأداء. ونجزيهم كذلك باستحقاق الجزاء! ومضت بذلك سنة النحر في الأضحى، ذكرى لهذا الحادث العظيم الذي يرتفع منارة لحقيقة الإيمان. وجمال الطاعة. وعظمة التسليم. والذي ترجع إليه الأمة المسلمة لتعرف فيه حقيقة أبيها إبراهيم ﵊، الذي تتبع ملّته، والذي ترث نسبه وعقيدته. ولتدرك طبيعة العقيدة التي تقوم بها أو تقوم عليها، ولتعرف أنها الاستسلام لقدر الله في طاعة راضية واثقة ملبية لا تسأل ربها لماذا؟ ولا تتلجلج في تحقيق إرادته عند أول إشارة منه وأول توجيه. ولا تستبقي لنفسها في نفسها شيئا، ولا تختار فيما تقدمه لربها هيئة ولا طريقة لتقديمه إلا كما يطلب هو إليها أن تقدم! ثم لتعرف أن ربها لا يريد أن يعذبها بالابتلاء؛ ولا أن يؤذيها بالبلاء، إنما يريد أن تأتيه طائعة ملبية وافية مؤدّية. مستسلمة لا تقدم بين يديه، ولا تتألى عليه، فإذا عرف منها الصدق في هذا أعفاها من التضحيات والآلام. واحتسبها لها وفاء وأداء. وقبل منها وفدّاها. وأكرمها كما أكرم أباها .. وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ.* فهو مذكور على توالي الأجيال والقرون. وهو أمة. وهو أبو الأنبياء. وهو أبو هذه الأمة المسلمة. وهي وارثة ملته. وقد كتب الله لها وعليها قيادة البشرية على ملة إبراهيم. فجعلها الله عقبا ونسبا إلى يوم الدين. سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ.

стр. 4487

أي سلام عليه من ربه. سلام يسجل في كتابه الباقي. ويرقم في طوايا الوجود الكبير. كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ .. كذلك نجزيهم بالبلاء. والوفاء. والذكر. والسلام. والتكريم. إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ .. وهذا جزاء الإيمان. وتلك حقيقته فيما كشف عنه البلاء المبين. ثم يتجلى عليه ربه بفضله مرة أخرى ونعمته فيهب له إسحاق في شيخوخته. ويباركه ويبارك إسحاق. ويجعل إسحاق نبيا من الصالحين: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ* وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ. وتتلاحق من بعدهما ذريتهما. ولكن وراثة هذه الذرية لهما ليست وراثة الدم والنسب، إنما هي وراثة الملة والمنهج: فمن اتبع فهو محسن. ومن انحرف فهو ظالم لا ينفعه نسب قريب أو بعيد: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ). كلمة في السياق: [حول قصة إبراهيم وولديه ﵈ وبعض ما فيها من دروس] ١ - ذكرنا من قبل أنّ في إنجاء الله تعالى إبراهيم ﵇ من النار نموذجا على إنجاء المؤمنين، ونلاحظ أن في ذكر إنجاء الله إسماعيل من الذبح نموذجا آخر على أن في تنفيذ أمر الله الخير كل الخير، وأنه مهما كان في ظاهره فيه شدّة فإنّ الخير فيه، وأن اليسر هو عاقبته، ولذلك اتبع الله موضوع الذبح بقوله تعالى إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ قال ابن كثير: (أي هكذا نصرف عمّن أطاعنا المكاره والشدائد، ونجعل لهم من أمرهم فرجا ومخرجا، كقوله تعالى وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ... [الطلاق: ٢، ٣] وقد جعل الله في هذه الحادثة سنة خالدة للمسلمين في شعيرة الأضحية، تذكيرا لما فعل إبراهيم وإسماعيل ﵉ إذ أسلما هذا الإسلام العجيب الخالد. ٢ - في قصة إبراهيم وإسماعيل ﵉ نموذج على التوحيد الخالص، الذي ترافقه الطاعة الكاملة والاستسلام الكامل لله، وفي ذلك تمثيل جديد لما يخدم قضية التوحيد، وهو الموضوع الرئيسي في السورة كما رأينا.

стр. 4488

٣ - في ثناء الله على إبراهيم ﵇ بقوله تعالى إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ إشارة إلى ما يفعله الإيمان الخالص في القلوب الصادقة، وما يتركه من آثار، فالقصة إذن نموذج من نماذج المواقف الإيمانية العالية الراقية، وفي ذلك كذلك انسجام مع الموضوع الرئيسي في السورة موضوع الإيمان. ٤ - في ذكر إبراهيم وإسماعيل وإسحاق عليهم الصلاة والسلام وثلاثتهم من رسل الله في سياق السّورة ما يذكّرنا بكون محمد ﷺ مصدّقا لدعوتهم، ومصدقا لهم بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ. وهكذا نجد أن قصة إبراهيم ﵇ قد خدمت السياق العام للسورة في أكثر من جانب. ... فوائد: ١ - [كلام ابن كثير بمناسبة قوله تعالى عن إبراهيم ﵇ إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ] بمناسبة قوله تعالى عن إبراهيم ﵇ إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ قال ابن كثير في تفسير القلب السليم: (قال ابن عباس ﵄: يعني شهادة أن لا إله إلا الله. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة عن عوف قلت لمحمد بن سيرين: ما القلب السليم؟ قال: يعلم أن الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وقال الحسن: سليم من الشرك، وقال عروة: لا يكون لعّانا). ٢ - [كلام ابن كثير بمناسبة قول إبراهيم لقومه إِنِّي سَقِيمٌ] بمناسبة قول إبراهيم ﵇ لقومه إِنِّي سَقِيمٌ قال ابن كثير: (فأما الحديث الذي رواه ابن جرير هاهنا عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لم يكذب إبراهيم ﵊ غير ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله، قوله إِنِّي سَقِيمٌ وقوله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا وقوله في سارة هي أختي» فهو حديث مخرج في الصحاح والسنن من طرق ولكن ليس هذا من باب الكذب الحقيقي الذي يذم فاعله، حاشا وكلا ولما، وإنما أطلق الكذب على هذا تجوزا وإنما هو من المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ديني كما جاء في الحديث «إن في المعاريض لمندوحة من الكذب» وروى ابن أبي حاتم عن سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في كلمات إبراهيم ﵊ الثلاث التي قال ما منها

стр. 4489

كلمة إلا ما حل بها عن دين الله تعالى فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ وقال بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا وقال للملك حين أراد امرأته هي أختي). ٣ - [حول معنى ما في قوله تعالى وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ وتوجيهات الآية] في قوله تعالى وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ قال ابن كثير: (يحتمل أن تكون (ما) مصدرية فيكون الكلام: خلقكم وعملكم، ويحتمل أن تكون بمعنى الذي تقديره: والله خلقكم، والذي تعملونه وكلا القولين متلازم، والأول أظهر لما رواه البخاري في كتاب أفعال العباد عن حذيفة ﵁ مرفوعا قال «إن الله تعالى يصنع كل صانع وصنعته»). ٤ - [مناقشة لابن كثير حول كون الذبيح إسماعيل وليس إسحاق ﵉ وتعليق المؤلف] بمناسبة الكلام عن الذبيح قال ابن كثير: (وهذا الغلام هو إسماعيل ﵇، فإنه أول ولد بشر به إبراهيم ﵇، وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين، وأهل الكتاب، بل في نص كتابهم إن إسماعيل ﵇ ولد ولإبراهيم ﵇ ست وثمانون سنة، وولد إسحاق وعمر إبراهيم ﵊ تسع وتسعون سنة، وعندهم أن الله ﵎ أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده وفي نسخة أخرى بكره فأقحموا هاهنا كذبا وبهتانا إسحاق، ولا يجوز هذا لأنه مخالف لنص كتابهم، وإنما أقحموا إسحاق لأنه أبوهم، وإسماعيل أبو العرب؛ فحسدوهم فزادوا ذلك وحرفوا وحيدك، بمعنى الذي ليس عندك غيره، فإن إسماعيل كان ذهب به وبأمه إلى مكة، وهو تأويل وتحريف باطل، فإنه لا يقال وحيدك إلا لمن ليس له غيره، وأيضا فإن أول ولد له معزّة ما ليس لمن بعده من الأولاد فالأمر بذبحه أبلغ في الابتلاء والاختبار). أقول: ما ذكره ابن كثير هنا موجود في سفر التكوين، فيما بين الإصحاح السادس عشر، والإصحاح الثالث والعشرين، وفي الإصحاح الثاني والعشرين (فقال: (خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق) إن إسحاق ليس هو الابن الوحيد لإبراهيم ﵇، لأنّه الابن الثاني، فالتحريف واضح في النّص، وهذا الذي أشار إليه ابن كثير. ٥ - [حديث «رؤيا الأنبياء وحي» بمناسبة الآية إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ .. ] بمناسبة قوله تعالى على لسان إبراهيم ﵇: إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ قال ابن كثير: (قال عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وحي، ثمّ تلا هذه الآية: قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى وقد روى ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله

стр. 4490

صلّى الله عليه وسلم: «رؤيا الأنبياء في المنام وحي» قال ابن كثير: (ليس هو في شئ من الكتب الستة من هذا الوجه) أقول: معناه صحيح. [(٦، ٧، ١١) - كلام ابن كثير والنسفي حول قوله تعالى وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وتعليق المؤلف] ٦ - بمناسبة قوله تعالى: وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ قال ابن كثير: (وقد استدلّ بهذه الآية والقصة جماعة من علماء الأصول على صحة النّسخ قبل التمكّن من الفعل، خلافا لطائفة من المعتزلة، والدلالة من هذه ظاهرة لأن الله تعالى شرع لإبراهيم ﵇ ذبح ولده ثمّ نسخه عنه، وصرفه إلى الفداء، وإنما كان المقصود من شرعه أولا إثابة الخليل ﵇ على الصبر على ذبح ولده، فسارع إلى ذلك مستسلما لأمر الله، منقادا لطاعته). ٧ - بمناسبة قوله تعالى: وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ قال ابن كثير: (وقد روى الإمام أحمد عن صفية بنت شيبة قالت: أخبرتني امرأة من بني سليم ولّدت عامّة أهل دارنا أرسل رسول الله ﷺ إلى عثمان بن طلحة ﵁، وقالت مرة إنها سألت عثمان لم دعاك النبي ﷺ ؟ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت فنسيت آمرك أن تخمرهما فخمّرهما، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شئ يشغل المصلي» قال سفيان لم يزل قرنا الكبش معلقين في البيت حتى احترق البيت فاحترقا، وهذا دليل مستقل على أنه إسماعيل ﵊ فإن قريشا توارثوا قرني الكبش الذي فدى به إبراهيم خلفا عن سلف، وجيلا بعد جيل إلى أن بعث الله رسوله ﷺ . ٨ - [فصل في ذكر الآثار الواردة بأن الذبيح هو إسماعيل ﵇ وهو المقطوع به] عقد ابن كثير فصلا عنوانه (فصل في ذكر الآثار الواردة عن السلف في أن الذبيح من هو) ثم ذكر من قال هو إسحاق ﵊، ثم ذكر الآثار الواردة بأنه إسماعيل ﵊ وقال وهو الصحيح المقطوع به، ونحن نضرب عن ذكر القسم الأول لتأكد خطئه ونذكر القسم الثاني قال: ذكر الآثار الواردة بأنه إسماعيل ﵊ وهو الصحيح المقطوع به قال سعيد بن جبير وعامر الشعبي ويوسف بن مهران ومجاهد وعطاء وغير واحد عن ابن عباس ﵄ هو إسماعيل ﵊. وروى

стр. 4491

ابن جرير ... عن ابن عباس أنه قال المفدى إسماعيل ﵇ وزعمت اليهود أنه إسحاق وكذبت اليهود، وقال إسرائيل عن ثور عن مجاهد عن ابن عمر ﵄ قال الذبيح إسماعيل وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: هو إسماعيل ﵇ وكذا قال يوسف بن مهران وقال الشعبي: هو إسماعيل ﵊ وقد رأيت قرني الكبش في الكعبة. وقال محمد بن إسحاق عن الحسن بن دينار وعمرو بن عبيد عن الحسن البصري أنه كان لا يشك في ذلك أن الذي أمر بذبحه من ابني إبراهيم: إسماعيل ﵇ قال ابن إسحاق وسمعت محمد بن كعب القرظي وهو يقول: إن الذي أمر الله تعالى إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل، وإنا لنجد ذلك في كتاب الله تعالى، وذلك أن الله تعالى حين فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم قال تعالى وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ويقول الله تعالى فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ [هود: ٧١] يقول بابن وابن ابن فلم يكن ليأمره بذبح إسحاق وله فيه من الموعد بما وعده وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل قال ابن إسحاق سمعته يقول ذلك كثيرا، وقال ابن إسحاق عن بريدة بن سفيان الأسلمي عن محمد بن كعب القرظي أنه حدثهم أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز ﵁ وهو خليفة إذ كان معه بالشام فقال له عمر: إن هذا لشيء ما كنت انظر فيه وإني لأراه كما قلت ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام كان يهوديا فأسلم وحسن إسلامه، وكان يرى أنه من علمائهم فسأله عمر ابن عبد العزيز ﵁ عن ذلك قال محمد بن كعب وأنا عند عمر بن عبد العزيز فقال له عمر: أي ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال: إسماعيل والله يا أمير المؤمنين، وإن اليهود لتعلم بذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه، والفضل الذي ذكر الله تعالى منه لصبره لما أمر به فهم يجحدون ذلك، ويزعمون أنه إسحاق، لأن إسحاق أبوهم والله أعلم أيهما كان، وكل قد كان طاهرا طيبا مطيعا لله ، وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ سألت أبي عن الذبيح هل هو إسماعيل أو إسحاق؟ فقال: هو إسماعيل. ذكره في كتاب الزهد. وقال ابن أبي حاتم وسمعت أبي يقول: الصحيح أن الذبيح إسماعيل ﵊ قال وروي عن علي وابن عمر وأبي هريرة وأبي الطفيل وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد والشعبي ومحمد بن كعب القرظي وأبي جعفر محمد بن علي وأبي صالح ﵃ أنهم قالوا: الذبيح إسماعيل. وقال البغوي في تفسيره وإليه ذهب عبد الله ابن عمر وسعيد بن المسيب والسدي والحسن البصري ومجاهد والربيع بن أنس ومحمد

стр. 4492

ابن كعب القرظي والكلبي وهو رواية عن ابن عباس وحكاه أيضا عن أبي عمرو ابن العلاء. وقد روى ابن جرير في ذلك حديثا غريبا ... عن عبد الله بن سعيد عن الصنابحي قال كنا عند معاوية بن أبي سفيان فذكروا الذبيح إسماعيل أو إسحاق؟ فقال: على الخبير سقطتم، كنا عند رسول الله ﷺ فجاءه رجل فقال: يا رسول الله عد علي مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين فضحك رسول الله ﷺ فقيل له يا أمير المؤمنين وما الذبيحان؟ فقال: إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر لله إن سهل الله له أمرها عليه ليذبحن أحد ولده قال: فخرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا افد ابنك بمائة من الإبل ففداه بمائة من الإبل، والثاني إسماعيل. وهذا حديث غريب جدا وقد رواه الأموي في مغازيه عن عبد الله بن سعيد حدثنا الصنابحي قال حضرنا مجلس معاوية ﵁ فتذاكر القوم إسماعيل أو إسحاق وذكره، كذا كتبته من نسخة مغلوطة والله أعلم). ٩ - [سياق قصة إبراهيم يشير إلى أن البشارة بإسحاق جاءت بعد تنفيذ إبراهيم للرؤيا] من الملاحظ أن سياق قصة إبراهيم ﵇ أشعرنا أن البشارة بإسحاق كانت بعد أن قام بتنفيذ ما رآه في الرؤيا، فكأن السياق أراد أن يرينا أنه لما نوى أن يذبح ابنه لله أنقذ ابنه وزاده ابنا آخر مباركا. ١٠ - [من دروس قصة إبراهيم ﵇ أن التوحيد والامتحان متلازمان] في قصة إبراهيم ﵇ دروس كثيرة من دروس التوحيد أحدها أن مقتضى التوحيد طاعة الله في كل أمر مهما كان ظاهره صعبا وشاقّا، فمن فهم أن الإسلام راحة، وأن التوحيد لا يرافقه تكليف، أو لا يرافقه امتحان، فقد أخطأ؛ فالتوحيد والامتحان متلازمان. ١١ - ذكر النسفي عن ابن عباس أنه لو تمّت تلك الذبيحة لصارت سنة، وذبح الناس أبناءهم وبمناسبة قوله تعالى: وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ قال النّسفي مفسّرا الذبح العظيم: (ضخم الجثة سمين وهي السنة في الأضاحي وروي أنه هرب من إبراهيم عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه، وبقيت سنة في الرمي وروي أنه لما ذبحه قال جبريل: الله أكبر الله أكبر، فقال الذبيح لا إله إلا الله والله أكبر، فقال إبراهيم: الله أكبر والله الحمد فبقي سنة، وقد استشهد أبو حنيفة ﵁ بهذه الآية فيمن نذر ذبح ولده أنه يلزمه ذبح شاة، والأظهر أن الذبيح إسماعيل وهو قول أبي بكر وابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين ﵃ لقوله ﵇ «أنا ابن الذبيحين» فأحدهما جده إسماعيل والآخر أبوه عبد الله وذلك أن عبد المطلب نذر إن بلغ

стр. 4493

بنوه عشرة أن يذبح آخر ولده تقربا وكان عبد الله آخرا ففداه بمائة من الإبل ولأن قرني الكبش كانا منوطين في الكعبة في أيدي بني إسماعيل إلى أن احترق البيت في زمن الحجاج وابن الزبير وعن الأصمعي أنه قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال: يا أصمعي أين عزب عنك عقلك، ومتى كان إسحاق بمكة؟ وإنما كان إسماعيل بمكة وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة). أقول: المشهور أن إبراهيم ﵇ رمى الشيطان بالحصيات، (روى الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لما أمر إبراهيم ﵊ بالمناسك عرض له الشيطان عند السعي، فسابقه فسبقه إبراهيم ﵊، ثم ذهب به جبريل ﵊ إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات، ثم تلّه للجبين وعلى إسماعيل ﵊ قميص أبيض، فقال له: يا أبت إنه ليس لي ثوب تكفنني فيه غيره فاخلعه حتى تكفنني فيه، فعالجه ليخلعه فنودي من خلفه أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا فالتفت إبراهيم فإذا بكبش أبيض أقرن أعين قال ابن عباس لقد رأيتنا نتتبع ذلك الضرب من الكباش). ... وَلَقَدْ مَنَنَّا أي أنعمنا عَلى مُوسى وَهارُونَ بالنبوة وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما بني إسرائيل مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ أي من الغرق أو من سلطان فرعون وقومه وغشمهم وَنَصَرْناهُمْ أي موسى وهارون وقومهما فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ على فرعون وقومه وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ أي البليغ في بيانه وهو التوراة وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ أي في الأقوال والأفعال وهي صراط أهل الإسلام وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ أي أبقينا لهما من بعدهما ذكرا جميلا وثناء حسنا ثمّ فسّره بقوله تعالى سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ* إِنَّا كَذلِكَ أي مثل ذلك الجزاء نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ الذين أحسنوا الاعتقاد والعمل إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وذلك أصل كل خير.

стр. 4494

كلمة في السياق: تحدّثت هذه الفقرة عن موسى وهارون ﵉ بما يخدم سياق السورة في ثلاث قضايا: ١ - قضية نجاة عباد الله المخلصين من عذاب الله في الدنيا. ٢ - قضية وحدة الرسالات. ٣ - قضية أنّ أصل كلّ حسن وخير الإيمان، وكل ذلك يخدم الموضوع الرئيسي للسورة. ... وَإِنَّ إِلْياسَ سنعطيك خبرا عنه في الفوائد لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ الذين جاء محمد ﷺ يصدّقهم والذين بعثوا بالتوحيد والحقّ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ أي ألا تخافون الله أَتَدْعُونَ بَعْلًا أي أتعبدون بعلا: وهو الصنم الذي كان يعبده أهل الشام في عصره، وتسرّبت عبادته إلى بني إسرائيل، وإليه نسبت بعلبك المدينة المعروفة في بلاد الشام وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ أي وتتركون عبادة الله الذي هو أحسن المقدّرين اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ إسحاق ويعقوب وإبراهيم أي هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ أي للعذاب يوم الحساب إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ من قومه أي الموحّدين منهم وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ أي ثناء جميلا سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ أي على إلياس كما يقال طور سيناء وطور سينين كذلك يقال إلياس وإلياسين إِنَّا كَذلِكَ أي مثل ذلك الجزاء الحسن في إبقاء الذكر الجميل نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ في القول والعمل والاعتقاد إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وذلك علّة إحسانه. ... كلمة في السياق: إن قصة إلياس تخدم سياق السورة في ثلاثة جوانب: في كون إلياس من المرسلين الذين صدّقهم رسول الله ﷺ ، وفي كونه دعا إلى التوحيد، وذلك دعوة جميع الرسل، وفي كونه من المؤمنين، فهو نموذج إيماني يقتدي به المؤمنون في كل زمان ومكان.

стр. 4495

فوائد: [حول قصة إلياس ﵇ ونقول من كتاب العهد القديم] يلاحظ أن العرب لم يكن عندهم تصور ما عن إلياس ﵇ حتّى ذهب ابن مسعود إلى أنه إدريس، والتصور الأول الذي وصلهم عن غير القرآن كان عن وهب بن منبه، فأن يذكر القرآن إلياس بجانب الكلام عن بعل فهذا من معجزات القرآن العظيمة يعرف ذلك من درس الكتب السابقة، إن أسفار العهد القديم تتحدّث بإسهاب عن إلياس وتلميذه وخليفته اليسع الذي سيذكر اسمه في سورة (ص). فمن الإصحاح السابع عشر في سفر الملوك الأول إلى نهاية هذا السفر إلى الإصحاح الثالث من سفر الملوك الثاني يستمر الكلام عن إلياس وها نحن ناقلون فقرات مما ورد في هذين السفرين: في الإصحاح السادس عشر من سفر الملوك الأول: (وعمل أخاب بن عمري الشّرّفي عيني الرب أكثر من جميع الذين قبله. وكأنه كان أمرا زهيدا سلوكه في خطايا يربعام بن نباط حتى اتخذ إيزابل ابنة أثبعل ملك الصيدونيين امرأة وسار وعبد البعل وسجد له. وأقام مذبحا للبعل في بيت البعل الذي بناه في السامرة. وعمل أخاب سواري وزاد أخاب في العمل لإغاظة الرب إله إسرائيل أكثر من جميع ملوك إسرائيل الذين كانوا قبله). وفي الإصحاح الثامن عشر من سفر الملوك الأول: (ولمّا رأى أخاب إيليا (إلياس) قال له أخاب أأنت هو مكدّر إسرائيل؟ فقال لم أكدر إسرائيل بل أنت وبيت أبيك بترككم وصايا الرب وبسيرك وراء البعليم. فالآن أرسل واجمع إلي كل إسرائيل إلى جبل الكرمل وأنبياء البعل أربع المئة والخمسين وأنبياء السواري أربع المئة الذين يأكلون على مائدة إيزابل. فأرسل أخآب إلى جميع بني إسرائيل وجمع الأنبياء إلى جبل الكرمل. فتقدم إيليا إلى جميع الشعب وقال حتى متى تعرجون بين الفرقتين. إن كان الرب هو الله فاتبعوه وإن كان البعل فاتبعوه. فلم يجبه الشعب بكلمة. ثم قال إيليا للشعب أنا بقيت نبيا للرب وحدي وأنبياء البعل أربع مئة وخمسون رجلا. فليعطونا ثورين فيختاروا لأنفسهم ثورا واحدا ويقطعوه ويضعوه على الحطب ولكن لا يضعوا نارا وأنا أقرب الثور الآخر وأجعله على الحطب ولكن لا أضع نارا. ثم تدعون باسم آلهتكم وأنا أدعو باسم الرب. والإله الذي يجيب بنار فهو الله. فأجاب

стр. 4496

جميع الشعب وقالوا الكلام حسن. فقال إيليا لأنبياء البعل اختاروا لأنفسكم ثورا واحدا وقربوا أولا لأنكم أنتم الأكثر وادعوا باسم آلهتكم ولكن لا تضعوا نارا. فأخذوا الثور الذي أعطى لهم وقربوه ودعوا باسم البعل من الصباح إلى الظهر قائلين يا بعل أجبنا. فلم يكن صوت ولا مجيب. وكانوا يرقصون حول المذبح الذي عمل. وعند الظهر سخر بهم إيليا وقال ادعوا بصوت عال لأنه إله. لعله مستغرق أو في خلوة أو في سفر أو لعله نائم فيتنبه. فصرخوا بصوت عال وتقطعوا حسب عادتهم بالسيوف والرماح حتى سال منهم الدم. ولما جاز الظهر وتنبأوا إلى حين إصعاد التقدمة ولم يكن صوت ولا مجيب ولا مصغ. قال إيليا لجميع الشعب تقدموا إلي. فتقدم جميع الشعب إليه. فرمم مذبح الرب المنهدم. ثم أخذ إيليا اثني عشر حجرا بعدد أسباط بني يعقوب الذي كان كلام الرب إليه قائلا إسرائيل يكون اسمك. وبنى الحجارة مذبحا باسم الرب وعمل قناة حول المذبح تسع كيلتين من البزر. ثم رتّب الحطب وقطع الثور ووضعه على الحطب وقال املأوا أربع جرات ماء وصبوا على المحرقة وعلى الحطب. ثم قال ثنوا فثنوا وقال ثلثوا فثلثوا. فجرى الماء حول المذبح وامتلأت القناة أيضا ماء. وكان عند إصعاد التقدمة أن إيليا النبي تقدم وقال أيها الرب إله إبراهيم وإسحاق وإسرائيل ليعلم اليوم أنك أنت الله في إسرائيل وأني أنا عبدك وبأمرك قد فعلت كل هذه الأمور. استجبني يا رب استجبني ليعلم هذا الشعب أنك أنت الرب الإله وأنك أنت حولت قلوبهم رجوعا. فسقطت نار الرب وأكلت المحرقة والحطب والحجارة والتراب ولحست المياه التي في القناة. فلما رأى جميع الشعب ذلك سقطوا على وجوههم وقالوا الرب هو الله الرب هو الله. فقال لهم إيليا أمسكوا أنبياء البعل ولا يفلت منهم رجل. فأمسكوهم فنزل بهم إيليا إلى نهر قيشون وذبحهم هناك). وفي الإصحاح الثاني من سفر الملوك الثاني: (وفيما هما يسيران (اليسع وإلياس) ويتكلّمان إذا مركبة من نار وخيل من نار ففصلت بينهما فصعد إيليّا في العاصفة إلى السماء). أقول: إن هذا النّقل هو مرجع ما يذكره بعض المفسرين أنّ إيليّا رفع إلى السماء والله أعلم بصحة ذلك، فهم يجعلونه كالمسيح ﵇، لكنّ المسيح قد نصّ القرآن على رفعه، وليس في إلياس نص.

стр. 4497

وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ الذين بعث محمد ﷺ مصدّقا لهم والذين دعوا إلى التوحيد إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ كسنّتنا في إنجاء عباد الله المخلصين إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ أي في الباقين الهالكين وهي زوجته، وقد مرّت قصتها في أكثر من مكان في القرآن ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ أي أهلكناهم كسنة الله في المنذرين المكذبين وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ يا أمة محمد ﷺ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أي ليلا ونهارا أَفَلا تَعْقِلُونَ أي: أفما فيكم عقول تعتبرون بها؟ قال النسفي: (وإنما لم يختم قصة لوط ويونس بالسلام كما ختم قصة من قبلهم لأن الله تعالى قد سلّم على جميع المرسلين في آخر السورة، فاكتفى بذلك عن ذكر كل واحد منفردا بالسلام). ... كلمة في السياق: خدمت قصة لوط سياق السورة في قضيتين: قضية إهلاك المكذبين للرسل، وقضية إنجاء عباد الله المخلصين من عذاب الله في الدنيا، ومحل ذلك في السياق لا يخفى؛ فقد سبقت هذه النماذج كلها بقوله تعالى فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ* إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ومحل ذلك في قضية التوحيد واضح، فالرسل الذين بعثوا بالتوحيد أيّدهم الله، بأن عذّب من خالفهم، ونجى من وافقهم واتّبعهم. ... وَإِنَّ يُونُسَ بن متى لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ الذين جاء محمد ﷺ مصدّقا لهم إِذْ أَبَقَ أي هرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ أي المملوء فَساهَمَ أي فقارعهم عند ما هاج البحر فيمن يلقي نفسه من السفينة فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ أي المغلوبين بالقرعة فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ أي فابتلعه الحوت وهو داخل في الملامة فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ أي من الذاكرين الله كثيرا بالتسبيح، أو من القائلين لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، أو من المصلّين لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ أي في بطن الحوت إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ أي إلى يوم البعث فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ أي فألقيناه بالمكان الخالي الذي لا شجر فيه ولا نبات وَهُوَ سَقِيمٌ أي عليل مما ناله من التقام الحوت وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ أي من قرع وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ أي بل يزيدون فَآمَنُوا به وبما أرسل به فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ أي إلى منتهى آجالهم.

стр. 4498

كلمة في السياق: خدمت قصة يونس سياق السورة بأن بيّنت أنّ يونس ﵇ من الرسل الذين جاء محمد ﷺ لتصديقهم في الدعوة إلى التوحيد، كما خدمت السياق في تبيان أن الإيمان وحده مئنّة النّجاة من عذاب الله، وأن أحدا لا ينجو من المحاسبة إذا أخلّ؛ فهذا يونس ﵇ تصرّف قبل الإذن فكان له هذا العقاب، وفي ذلك درس من دروس التوحيد الخالص سنراه في الفوائد. نقل: [لصاحب الظلال بمناسبة ورود قصة يونس ﵇ في سورة الصافات] بمناسبة الكلام عن يونس ﵇ في سورة الصافات قال صاحب الظلال: (وتذكر الروايات أن يونس ضاق صدرا بتكذيب قومه. فأنذرهم بعذاب قريب. وغادرهم مغضبا آبقا. فقاده الغضب إلى شاطئ البحر حيث ركب سفينة مشحونة. وفي وسط اللجة ناوأتها الرياح والأمواج. وكان هذا إيذانا عند القوم بأن من بين الركاب راكبا مغضوبا عليه لأنه ارتكب خطيئة. وأنه لا بد أن يلقى في الماء لتنجو السفينة من الغرق. فاقترعوا على من يلقونه من السفينة. فخرج سهم يونس- وكان معروفا عندهم بالصلاح. ولكن سهمه خرج بشكل أكيد فألقوه في البحر. أو ألقى هو نفسه. فالتقمه الحوت وهو (مليم) أي مستحق للوم، لأنه تخلى عن المهمة التي أرسله الله بها، وترك قومه مغاضبا قبل أن يأذن الله له. وعند ما أحس بالضيق في بطن الحوت سبّح الله واستغفره وذكر أنه كان من الظالمين. وقال: لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. فسمع الله دعاءه واستجاب له. فلفظه الحوت. فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. وقد خرج من بطن الحوت سقيما عاريا على الشاطئ. وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ. وهو القرع. يظلله بورقه العريض ويمنع عنه الذباب الذي يقال إنه لا يقرب هذه الشجرة. وكان هذا من تدبير الله ولطفه. فلما استكمل عافيته رده الله إلى قومه الذين تركهم مغاضبا. وكانوا قد خافوا ما أنذرهم به من العذاب بعد خروجه، فآمنوا، واستغفروا، وطلبوا العفو من الله فسمع لهم ولم ينزل بهم عذاب المكذبين: فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ وكانوا مائة ألف يزيدون ولا ينقصون. وقد آمنوا أجمعين).

стр. 4499

فوائد: ١ - [قصة يونس ﵇ درس بليغ من دروس التوحيد] إن في قصة يونس ﵇ درسا بليغا من دروس التوحيد، إذ ميزان الله دقيق والالتزام بأوامره ينبغي أن يكون بحذافيره، فهذا يونس- وهو رسول- ترك مكانه دون إذن فعوقب هذا العقاب الشديد، فلا يفر أحد من تنفيذ أمر الله خوفا من شئ، بل عليه أن يخاف إذا لم ينفذ أمر الله. ٢ - [حديث «ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى»] قال ابن كثير بمناسبة الكلام عن يونس ﵇: (قد تقدمت قصة يونس ﵊ في سورة الأنبياء، وفي الصحيحين عن رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى» ونسبه إلى أمه وفي رواية إلى أبيه). ٣ - [كلام ابن كثير بمناسبة قوله تعالى إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ* فَساهَمَ ... ] بمناسبة قوله تعالى: إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ* فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ أي فقارع فكان من المغلوبين قال ابن كثير: (وذلك أن السفينة تلعبت بها الأمواج من كل جانب وأشرفوا على الغرق فساهموا على من تقع عليه القرعة يلقى في البحر لتخف بهم السفينة فوقعت القرعة على نبي الله يونس ﵊ ثلاثة مرات وهم يضنّون به أن يلقى من بينهم فتجرّد من ثيابه ليلقي نفسه وهم يأبون عليه ذلك، وأمر الله تعالى حوتا من البحر الأخضر أن يشق البحار، وأن يلتقم يونس ﵇، فلا يهشم له لحما، ولا يكسر له عظما، فجاء ذلك الحوت وألقى يونس ﵇ نفسه، فالتقمه الحوت، وذهب به فطاف به البحار كلها، ولما استقر يونس في بطن الحوت حسب أنه قد مات، ثم حرّك رأسه ورجليه وأطرافه، فإذا هو حي فقام فصلى في بطن الحوت، وكان من جملة دعائه: يا رب اتخذت لك مسجدا في موضع لم يبلغه أحد من الناس. واختلفوا في مقدار ما لبث في بطن الحوت فقيل ثلاثة أيام قاله قتادة، وقيل سبعة قاله جعفر الصادق ﵁، وقيل أربعين يوما قاله أبو مالك، وقال مجاهد عن الشعبي: التقمه ضحى ولفظه عشية، والله تعالى أعلم بمقدار ذلك). ٤ - [كلام ابن كثير بمناسبة قوله تعالى فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ* لَلَبِثَ .. ] بمناسبة قوله تعالى: فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ* لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك ﵁ ولا أعلم إلا أن يرفع أنس الحديث إلى رسول الله ﷺ «أن يونس النبي عليه الصلاة

стр. 4500

والسلام حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت فقال: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فأقبلت الدعوة تحن بالعرش، قالت الملائكة: يا رب هذا صوت ضعيف معروف، من بلاد بعيدة غريبة، فقال الله تعالى: أما تعرفون ذلك؟ قالوا: يا رب ومن هو؟ قال : عبدي يونس، قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبّل ودعوة مستجابة؟ قالوا يا رب أو لا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه من البلاء؟ قال: بلى فأمر الحوت فطرحه بالعراء» ورواه ابن جرير عن يونس عن ابن وهب به). ٥ - [كلام ابن كثير حول آية وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ وفوائد القرع] بمناسبة قوله تعالى: وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال ابن كثير: (وذكر بعضهم في القرع فوائد منها سرعة نباته، وتظليل ورقه لكبره، ونعومته، وأنّه لا يقربها الذباب، وجودة تغذية ثمره، وأنّه يؤكل نيئا ومطبوخا بلبه وقشره أيضا، وقد ثبت أن رسول الله ﷺ كان يحبّ الدّبّاء ويتتبعه من حواشي الصفحة). ٦ - [مناقشة المؤلف لما جاء في سفر (يونان بن متاب) حول قصة يونس ﵇] هناك سفر من أسفار العهد القديم اسمه سفر (يونان بن متاب) خاص بالكلام عن يونس ﵇، يتألف من أربعة إصحاحات، وهو كبقية أسفار أهل الكتاب، قد اختلط فيه الحق بالباطل. (يتحدّث هذا السفر عن يونس، وأنه من بني إسرائيل، وأن الله كلّفه بالرسالة إلى أهل نينوى، فخشي التكليف، وأراد أن يفرّ إلى ترشيش، فركب السفينة، وحدث هيجان شديد في البحر، فاقترعوا فيمن يلقى في البحر، فوقعت القرعة على يونس، فألقوه في البحر، فسكن البحر والتقم الحوت يونس، فبقي في جوفه ثلاثة أيام وثلاث ليال، وصلّى يونس في جوف الحوت، فأمر الربّ الحوت فقذف يونس إلى البر، ثم كرر الله الأمر إلى يونس بالذهاب إلى نينوى، فذهب وأنذر أهل نينوى أن الله سيقلب نينوى بعد أربعين يوما، فآمن أهل نينوى فرفع الله العذاب عنهم، فاغتمّ يونس لأن الله لم يعذبهم، فأنبت الله اليقطينة عليه، ثمّ أماتها ليضرب له مثلا من حرصه عليها على حرص الله على خلقه، ويذكر السفر أن عدد أهل نينوى كان مائة وعشرين ألفا). وكما ترى فالأخطاء في السفر كثيرة، فاليقطينة نبتت بعد الإلقاء من بطن الحوت، وليس كما زعم السفر، والإنذار لأهل نينوى كان قبل هرب يونس، والغمّ الذي أصاب يونس كان بعد الإنذار الأول، مما ترتب عليه الهرب، والظاهر أن ما في السفر قد

стр. 4501

سرى إلى بعض المفسّرين، فحاول أن يحمل النّص القرآني عليه فأخطأ. ٧ - [هل كل مائة ألف من السكان ينبغي تفرغ وارث نبوة كامل لدعوتهم إلى الله ؟] هل تستطيع أن تستفيد من قوله تعالى وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ أن كل مائة ألف من السكان ينبغي أن يتفرغ لشأنهم في أمر الدعوة إلى الله وارث نبوّة كامل؟. كلمة في المقطع الأول: [حول صلة المقطع الأول بمقدمة السورة وبمقطعها الثاني وبالمحور وبآياته] نلاحظ أنه بعد قصة يونس ﵇ مباشرة يأتي قوله تعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وقد فطن النسفي للصلة بين بداية المقطع الجديد وبداية المقطع الأول فقال عن (فاستفتهم) الثانية في المقطع الثاني: معطوف على مثله في أول السورة، أي على فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً وإن تباعدت بينهما المسافة. أمر رسول الله باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث أولا، ثم ساق الكلام موصولا بعضه ببعض، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى التي قسموها؛ حيث جعلوا لله تعالى الإناث، ولأنفسهم الذكور في قولهم الملائكة بنات الله مع كراهتهم الشديدة لهن، ووأدهم واستنكافهم من ذكرهن). من كلام النسفي هذا ندرك أن المقطع الأول يشكّل وحدة متكاملة، ومن انتهاء المقطع كله بقصة يونس، ثم الانتقال مباشرة إلى قوله تعالى فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ندرك أن قصة يونس بانتهائها ينتهي سياق المقطع، فإذا تذكّرنا ما قلناه من قبل أن المقطع ينقسم إلى قسمين رئيسيين: قسم للتقرير، وقسم للتمثيل، تدرك أن التمثيل انتهى بقصة يونس ﵇ فبها ينتهي ما أراد الله أن يعمّقه من معان مرتبطة في قضية التوحيد. لقد قررت مقدّمة السورة التوحيد، وجاء المقطع الأول ليعمّق قضية التوحيد، وليبين ما يدخل في قضية التوحيد من معان، فاليوم الآخر وإرسال الرسل، كل ذلك فرع عن قضية التوحيد، وقد عمّق المقطع الأول هذه المعاني كلها من خلال التقرير والتمثيل كما رأينا. والآن يأتي مقطع ثان في السّورة ليبلور قضية التوحيد والتنزيه والإيمان، وما يتعلق بذلك، والمقطع الجديد يشكل خاتمة السورة فلنره.

стр. 4502

المقطع الثاني والأخير ويمتدّ من الآية (١٤٩) إلى نهاية الآية (١٨٢) أي إلى نهاية السورة وهذا هو: المجموعة الأولى ٣٧/ ١٨٢ - ١٤٩ المجموعة الثانية ٣٧/ ١٦١ - ١٦٣ المجموعة الثالثة ٣٧/ ١٦٤ - ١٦٦

стр. 4503

المجموعة الرابعة ٣٧/ ١٦٧ - ١٧٠ المجموعة الخامسة ٣٧/ ١٧١ - ١٨٢ تفسير المجموعة الأولى من المقطع الثاني فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أي سلهم على سبيل الإنكار كيف ينسبون إلى الله تعالى القسم الذي لا يختارونه لأنفسهم، أليس هذا منتهى الحماقة والجهل، وسوء التقدير أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ أي كيف حكموا على الملائكة أنهم إناث وما شاهدوا خلقهم قال النسفي في تفسير قوله تعالى شاهِدُونَ حاضرون ثم قال: تخصيص علمهم بالمشاهدة استهزاء بهم، وتجهيل لهم لأنهم كما لم يعلموا ذلك مشاهدة، لم يعلموه بخلق الله علمه في قلوبهم، ولا بإخبار صادق، ولا بطريق استدلال، أو معناه أنهم يقولون ذلك عن طمأنينة نفس، لإفراط جهلهم، كأنهم شاهدوا خلقهم أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ أي من كذبهم لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ أي صدر منه الولد وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في قولهم قال ابن كثير: (ذكر

стр. 4504

الله تعالى عنهم في الملائكة ثلاثة أقوال في غاية الكفر والكذب: فأولا جعلوهم بنات الله، فجعلوا لله ولدا- تعالى وتقدّس-، وجعلوا ذلك الولد أنثى، ثم عبدوهم من دون الله- تعالى وتقدّس- وكل منها كاف للتخليد في نار جهنم ثم قال تعالى منكرا عليهم أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ قال ابن كثير: (أي أي شئ يحمله على أن يختار البنات دون البنين) قال النسفي: (وهو استفهام توبيخ) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ هذا الحكم الفاسد أي أما لكم عقول تتدبرون بها ما تقولون أَفَلا تَذَكَّرُونَ فترون في تذكركم أنكم بهذا تجعلون لله المقام الأدنى، ولأنفسكم المقام الأعلى، على حسب تصوراتكم وقيمكم أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ أي حجة ظاهرة على ما تقولونه قال النسفي: (أي) أم لكم حجة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بنات الله؟! فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ الذي أنزل عليكم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعواكم قال ابن كثير: (أي هاتوا برهانا على ذلك يكون مستندا إلى كتاب منزل من السماء عن الله تعالى أنه اتخذ ما تقولونه، فإن ما تقولونه لا يمكن استناده إلى عقل، بل لا يجوّزه العقل بالكلية وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً الجنة هنا إما المراد بها الملائكة لاستتارهم، أو المراد بهم الجن على الحقيقة، فإذا كان المراد بهم الملائكة فهو استكمال لعرض موضوع كفرهم السابق، وإذا كان المراد به الجن فإنه يحتمل وجهين: الأول أن يكون المراد أن الجن هم أمهات الملائكة، وهم بالتالي أزواج الله- على قائل ذلك لعنة الله-، والثاني أن المراد بذلك ما يذهب إليه بعضهم من كون إبليس أخا لله تعالى الله عن ذلك- هذا مجمل ما ذكره النسفي وابن كثير في هذا المقام، وسنراه في الفوائد وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ أي الذين نسبوا لهم ذلك إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ أي إن الذين قالوا ذلك لمحضرون في العذاب يوم الحساب لكذبهم في ذلك، وافترائهم، وقولهم الباطل بلا علم، ثم نزّه الله ذاته عما يصفه به الخلق أجمعون، إلا عباد الله المخلصين فإنهم يصفونه بما هو له قال تعالى سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ نزّه نفسه عن الصاحبة والولد والنّسب إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنّهم برءاء من أن يصفوه إلا بما هو أهله. ... كلمة في السياق: ١ - بدأت السورة بتقرير وحدانية الله ، ثم ناقش المقطع الأول

стр. 4505

الكافرين في استبعادهم اليوم الآخر، وبيّن لنا المقطع أنّ أصل الكفر باليوم الآخر هو رفض التوحيد الذي بعث به محمد ﷺ والذي بعث به كل رسول، وسار المقطع الأول كما رأينا، حتى إذا جاء المقطع الثاني بدأ بمناقشة الكافرين في قضايا مخلّة بالتوحيد، كالزعم أن لله ولدا وزوجة وأخا، ثم نزّه الله ذاته في نهاية المجموعة الأولى من المقطع الثاني عما يصفه به الكافرون. ٢ - مرّ معنا في المقطع الأول أكثر من مرة قوله تعالى إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ:* (أ) إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ* وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ* بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ* إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ* وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ* إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ. (ب) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ* فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ* إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ. (ج) وفي قصة إلياس قال الله تعالى فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ* إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ. (د) وفي هذه المجموعة قال تعالى سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ* إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ. ومن مجموع هذا نفهم أن عباد الله المخلصين هم الموحّدون، وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم، فهؤلاء الذين يصفون الله بما هو أهله، وهكذا نجد كيف أن سياق السورة كله يصبّ في موضوع التوحيد، وما يدخل فيه، وها هو السياق في المجموعة الثانية يتوجّه إلى المشركين في الخطاب: ***

стр. 4506

تفسير المجموعة الثانية من المقطع الثاني فَإِنَّكُمْ أيها المشركون وَما تَعْبُدُونَ أي ومعبودكم ما أَنْتُمْ وهم عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ أي بمضلين إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي إنما ينقاد لمقالتكم وما أنتم عليه من الضلالة والعبادة الباطلة من هو أضلّ منكم ممّن ذرئ للنار، فهذا الضرب من الناس هو الذي ينقاد لدين الشرك والكفر والضلالة. قال النسفي: أي لستم تضلون أحدا إلا أصحاب النار الذين سبق في علمه أنهم- بسوء أعمالهم- يستوجبون أن يصلوها ... وقال الحسن: فإنكم أيها القائلون بهذا القول والذي تعبدونه من الأصنام ما أنتم على عبادة الأوثان بمضلين أحدا، إلا من قدّر عليه أن يصلى الجحيم أي يدخل النار وقيل: ما أنتم بمضلين إلا من أوجبت عليه الضلالة في السابقة. ... كلمة في السياق: بيّن الله في هذه الآيات أن الدعاة إلى الشرك لا يفتنون إلا من استوجب النار، وبهذا علمنا أن المستجيبين للرسل هم أهل الجنة، لأنهم هم أهل التوحيد الذي بدونه لا يدخل أحد الجنة، وبهذه الآيات عرفنا أن كل الكلام السابق من نسبة الولد والأخ والزوجة إلى الله كل ذلك مخلّ بالتوحيد وهو شرك، ثم حدثنا الله عن الملائكة الذين زعم المشركون أنهم بنات الله ما هو مقالهم وما هو فعلهم فقال على لسانهم: ***

стр. 4507

تفسير المجموعة الثالثة من المقطع الثاني وَما مِنَّا أحد إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ في العبادة لا يتجاوزه قال ابن كثير: أي له موضع مخصوص في السموات ومقامات العبادات لا يتجاوزه ولا يتعداه وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ أي تصف أقدامنا في الصلاة، أو تصفّ حول العرش، داعين للمؤمنين، قال ابن كثير: أي نقف صفوفا في الطاعة كما تقدم عند قوله ﵎ وَالصَّافَّاتِ صَفًّا وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ أي المنزهون أو المصلون وقال ابن كثير: (نصطف فنسبّح الربّ ونمجّده ونقدّسه وننزّهه عن النقائص، فنحن عبيد له، فقراء إليه، خاضعون لديه). ... كلمة في السياق: ١ - عرفنا من هذه الآيات ماهيّة مقام العبودية الكامل الذي يتحقق به الملائكة عليهم الرضوان، وهو مقام جدير أن يقتدى به، ولذلك فإنّ رسول الله ﷺ كان يؤدّب المسلمين عليه كما سنرى في الفوائد وهو مقام يتنافى مع ما ينسبه المشركون للملائكة من معان. ٢ - نلاحظ حتى الآن في السورة أنه قد كان حديث عن الله ، وعن الرسل عليهم الصلاة والسلام، وعن اليوم الآخر، وعن الملائكة، وكل ذلك من خلال عرض قضية التوحيد، أي إنه حتى الآن عرض علينا أربعة أركان من أركان الإيمان، ومرّ معنا ما يشير إلى موضوع القدر في قوله تعالى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ. وسيأتي معنا الآن أربعة آيات تتحدّث عن موضوع الإيمان بالكتاب، وهكذا نجد السورة من خلال عرض قضية التوحيد قد عرضت لنا أركان الإيمان كلها، وبهذا ندرك صلة السورة بمحورها وهو الآيات الأولى من سورة البقرة الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ... فلنر الآيات الأربعة التالية من سورة الصافات. ***

стр. 4508

تفسير المجموعة الرابعة من المقطع الثاني وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ أي وإنّه كان مشركو قريش ليقولون قبل مبعثه ﵊ لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ أي كتابا من كتب الأولين الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أي لأخلصنا العبادة لله ولما كذّبنا كما كذّبوا، ولما خالفنا كما خالفوا قال ابن كثير: (أي قد كانوا يتمنّون قبل أن تأتيهم يا محمد لو كان عندهم من يذكّرهم بأمر الله، وما كان من أمر القرون الأولى، ويأتيهم بكتاب الله) قال النسفي: فجاءهم الذكر الذي هو سيّد الأذكار، والكتاب الذي هو معجز من بين الكتب فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ مغبّة تكذيبهم وما يحل بهم من الانتقام. .. كلمة في السياق: بعد أن بيّن الله مواقف الكافرين المخلّة بالتوحيد، وردّها، ذكّر في الأربع الآيات السابقة بكتابه الذي يجب أن يؤمنوا به، وذكّر هؤلاء الكافرين بأنهم من قبل كانوا يتمنّون أن ينزل عليهم ذكر، وها هو قد نزل، وكان المفروض أن يؤمنوا ويصححوا تصوراتهم وأفكارهم، ويخلصوا لله العبادة والقول والاعتقاد، وإذا بهم قد كفروا بهذا القرآن، وبهذا تكون السورة قد أقامت الحجة على وجوب الإيمان بالله واليوم الآخر، والكتب والرسل والملائكة والقدر، وأعطتنا تصورا صحيحا عن أركان الإيمان كلها، وعن صلة كل ركن من الأركان بقضية التوحيد، وبيّنت لنا التصورات الخاطئة في أي قضية من هذه القضايا، وأن كل تصور خاطئ ينعكس خطؤه على موضوع التوحيد بالذات، فإذا استقرت هذه المعاني كلها تأتي الآن مجموعة هي خاتمة المقطع وخاتمة السورة، فيها التبشير والإنذار، وفيها التنزيه لله رب العالمين، وفيها إشارة إلى موضوع القدر. ***

стр. 4509

تفسير المجموعة الخامسة من المقطع الثاني وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا أي في اللوح المحفوظ لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ ثم فسّر الكلمة بقوله إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ أي في الدنيا والآخرة، وقد تقدّم بيان نصرتهم على من كذّبهم وخالفهم وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ بأن تكون لهم العاقبة قال النسفي: (والمراد الموعد بعلوّهم على عدوهم في مقام الحجاج، وملاحم القتال في الدنيا، وعلوّهم عليهم في الآخرة، وعن الحسن ما غلب نبي في حرب، وعن ابن عباس ﵄ إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في العقبى، والحاصل أن قاعدة أمرهم وأساسه والغالب منه الظفر والنصرة، وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة والعبرة للغالب). وإذا كان الأمر كذلك فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ أي فأعرض عنهم إلى مدة يسيرة أي اصبر على أذاهم لك، وانتظر إلى وقت مؤجّل، فإنا سنجعل لك العاقبة والنصرة والظفر، وقد كان ذلك في بدر، وفتح مكة، وغيرها وَأَبْصِرْهُمْ أي أبصر ما ينالهم يومئذ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ذلك قال النسفي: وهو للوعيد دون التبعيد، أو انظر إليهم إذا عذّبوا فسوف يبصرون ما أنكروا، أو أعلمهم فسوف يعلمون. وقال ابن كثير: أي أنظرهم وارتقب ماذا يحل بهم من العذاب والنّكال بمخالفتك وتكذيبك، ولهذا قال تعالى على وجه التهديد والوعيد فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ أي قبل حينه فَإِذا نَزَلَ العذاب بِساحَتِهِمْ أي بمحلتهم ودارهم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ صباحهم وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ قال ابن كثير: تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك. وقال النسفي: وإنما ثنّى ليكون تسلية على تسلية، وتأكيدا لوقوع الميعاد إلى تأكيد، وفيه فائدة زائدة: وهي إطلاق الفعلين معا عن التقييد بالمفعول، وأنه يبصر وهم يبصرون ما لا يحيط به الذكر من صنوف المسرّة، وأنواع المساءة، وقيل: أريد بأحدهما عذاب الدنيا، وبالآخر عذاب الآخرة سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ أي ذي العزّة التي لا ترام قال النسفي: (أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها، وكأنه قيل ذو العزة ... ويجوز أن يراد أنه ما من عزة لأحد إلا وهو ربها ومالكها) عَمَّا يَصِفُونَ أي عن قول هؤلاء المعتدين المفترين من نسبتهم إليه تعالى الولد والصاحبة والشريك. قال ابن كثير: ينزّه ﵎ نفسه الكريمة، ويقدّسها ويبرّئها عمّا يقول الظالمون

стр. 4510

المكذّبون المعتدون، تعالى وتنزّه وتقدّس عن قولهم علوا كبيرا وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ قال ابن كثير: (أي سلام الله عليهم في الدنيا والآخرة لسلامة ما قالوه في ربهم، وصحته وحقيقته) وقال النسفي: (عمّ الرسل بالسلام بعد ما خص البعض في السورة لأن في تخصيص كل بالذكر تطويلا) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قال ابن كثير: أي له الحمد في الأولى والآخرة في كل حال. وقال النسفي: (أي): والحمد لله على هلاك الأعداء ونصر الأنبياء. اشتملت السورة على ذكر ما قاله المشركون في الله، ونسبوه إليه، مما هو منزّه عنه، وما عاناه المرسلون من جهتهم، وما خوّلوه في العاقبة من النصرة عليهم، فختمها بجوامع ذلك من تنزيه ذاته عما وصفه به المشركون، والتسليم على المرسلين والحمد لله رب العالمين على ما قيّض لهم من حسن العواقب، والمراد تعليم المؤمنين أن يقولوا ذلك ولا يخلّوا به، ولا يغفلوا عن مضمّنات كتابه الكريم، ومودعات قرآنه المجيد. ... نقل: [لصاحب الظلال بمناسبة قوله تعالى وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ .. ] عند قوله تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ* إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ* وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ. قال صاحب الظلال: (والوعد واقع وكلمة الله قائمة. ولقد استقرت جذور العقيدة في الأرض؛ وقام بناء الإيمان، على الرغم من جميع العوائق، وعلى الرغم من تكذيب المكذّبين، وعلى الرغم من التنكيل بالدعاة والمتبعين. ولقد ذهبت عقائد المشركين والكفار. وذهبت سطوتهم ودولتهم؛ وبقيت العقائد التي جاء بها الرسل. تسيطر على قلوب الناس وعقولهم. وتكيف تصوراتهم وأفهامهم. وما تزال على الرغم من كل شئ هي أظهر وأبقى ما يسيطر على البشر في أنحاء الأرض. وكل المحاولات التي بذلت لمحو العقائد الإلهية التي جاء بها الرسل، وتغليب أية فكرة أو فلسفة أخرى قد باءت بالفشل. باءت بالفشل حتى في الأرض التي نبعت منها. وحقّت كلمة الله لعباده المرسلين. إنهم لهم المنصورون وإن جنده لهم الغالبون. هذه بصفة عامة. وهي ظاهرة ملحوظة. في جميع بقاع الأرض. في جميع العصور. وهي كذلك متحققة في كل دعوة لله، يخلص فيها الجند، ويتجرّد لها

стр. 4511

الدعاة. إنها غالبة منصورة مهما وضعت في سبيلها العوائق، وقامت في طريقها العراقيل. ومهما رصد لها الباطل من قوى الحديد والنار، وقوى الدعاية والافتراء، وقوى الحرب والمقاومة. وإن هي إلا معارك تختلف نتائجها. ثم تنتهي إلى الوعد الذي وعده الله لرسله. والذي لا يخلف ولو قامت قوى الأرض كلها في طريقه. الوعد بالنصر والغلبة والتمكين. هذا الوعد سنّة من سنن الله الكونية. سنّة ماضية كما تمضي هذه الكواكب والنجوم في دوراتها المنتظمة؛ وكما يتعاقب الليل والنهار في الأرض على مدار الزمان؛ وكما تنبثق الحياة في الأرض الميتة ينزل عليها الماء .. ولكنها مرهونة بتقدير الله، يحققها حين يشاء. ولقد تبطئ آثارها الظاهرة بالقياس إلى أعمار البشر المحدودة. ولكنها لا تخلف أبدا ولا تتخلف وقد تتحقق في صورة لا يدركها البشر لأنهم يطلبون المألوف من صور النصر والغلبة، ولا يدركون تحقق السنّة في صورة جديدة إلا بعد حين! ولقد يريد البشر صورة معينة من صور النصر والغلبة لجند الله وأتباع رسله. ويريد الله صورة أخرى أكمل وأبقى. فيكون ما يريده الله. ولو تكلف الجند المشقة وطول الأمد أكثر مما كانوا ينتظرون .. ولقد أراد المسلمون قبيل غزوة بدر أن تكون لهم عير قريش وأراد الله أن تفوتهم القافلة الرابحة الهينة؛ وأن يقابلوا النفير وأن يقاتلوا الطائفة ذات الشوكة، وكان ما أراده الله هو الخير لهم وللإسلام، وكان هو النصر الذي أراده الله لرسوله وجنده ودعوته على مدى الأيام. ولقد يهزم جنود الله في معركة من المعارك وتدور عليهم الدائرة ويقسو عليهم الابتلاء لأن الله يعدّهم للنصر في معركة أكبر، ولأن الله يهيئ الظروف من حولهم ليؤتي النصر يومئذ ثماره في مجال أوسع وفي خط أطول وفي أثر أدوم. لقد سبقت كلمة الله ومضت إرادته بوعده وثبتت سنته لا تتخلّف ولا تحيد: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ* إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ* وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ. كلمة في السياق والمقطع الثاني: نلاحظ أنه في المقطع الأول بعد قوله تعالى فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً ... سار السياق إلى أن أوصلنا إلى قوله تعالى وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ* وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ* فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ* إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ثم تحدث السياق عن الرسل مباشرة.

стр. 4512

وفي المقطع الثاني بعد أن ناقش الله المشركين جاء قوله تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ .... فكما أن المقطع الأول أوصل إلى قوله تعالى وَلَقَدْ .... فالمقطع الثاني أوصل إلى قوله تعالى وَلَقَدْ .... وجاءت المجموعة الأخيرة المبدوءة بقوله تعالى وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ لتبني على ما مرّ في السورة، ولتؤكّد ما مرّ من معان، ولتجمّل معاني السورة فتقرّر التنزيه، وتذكر بعثة الرسل، ونصرتهم وخذلان أعدائهم وهكذا أكمل المقطع الثاني بناء قضية التوحيد، وقضية الإيمان وختم بتبيان نوع من أنواع فلاح المؤمنين الذي أشارت إليه الآيات الأولى من سورة البقرة، والتي هي محور سورة الصافات وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وفي الكلمة الأخيرة عن السورة زيادة بيان عن السياق. ... فوائد: ١ - [كلام ابن كثير حول آية وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وتعليق المؤلف] بمناسبة قوله تعالى: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً قال ابن كثير: (قال مجاهد: قال المشركون: الملائكة بنات الله تعالى، فقال أبو بكر ﵁: فمن أمهاتهن؟ قالوا بنات سروات الجنّة، وكذا قال قتادة وابن زيد، وقال العوفي عن ابن عباس: قال زعم أعداء الله أنّه ﵎ هو وإبليس أخوان حكاه ابن جرير). أقول: ويشبه ما ذكره ابن عباس ما يقوله المجوس الذين يقولون بالثنوية أي بإلهين: إله للنور وإله للظلام. ٢ - [كلام ابن كثير بمناسبة قوله تعالى وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ .. ] بمناسبة قوله تعالى: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ* وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ قال ابن كثير: (وقال ابن عساكر في ترجمته لمحمد بن خالد بسنده إلى عبد الرحمن بن العلاء بن سعد عن أبيه- وكان ممن بايع يوم الفتح- أن رسول الله ﷺ قال يوما لجلسائه: «أطت السماء وحقّ لها أن تئط؛ ليس فيها موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد» ثم قرأ ﷺ وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ

стр. 4513

مَعْلُومٌ* وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ* وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وقال الضحاك في تفسيره وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ قال: كان مسروق يروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «ما من السماء الدنيا موضع إلا عليه ملك ساجد أو قائم» فذلك قوله تعالى وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ. وقال الإمام الأعمش عن أبي إسحاق عن مسروق عن ابن مسعود ﵁ قال: إن في السموات لسماء ما فيها موضع شبر إلا عليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ عبد الله ﵁ قال وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وكذا قال سعيد بن جبير وقال قتادة: كانوا يصلون الرجال والنساء جميعا حتى نزلت وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ فتقدم الرجال وتأخّر النساء وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ أي نقف صفوفا في الطاعة كما تقدم عند قوله ﵎ وَالصَّافَّاتِ صَفًّا قال ابن جريج عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث قال: كانوا لا يصفون في الصلاة حتى نزلت وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ فصفّوا، وقال أبو نضرة: كان عمر ﵁ إذا أقيمت الصلاة استقبل الناس بوجهه، ثم قال أقيموا صفوفكم، استووا قياما يريد الله تعالى بكم هدي الملائكة ثم يقول وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ تأخر يا فلان، تقدم يا فلان، ثم يتقدم فيكبر. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وفي صحيح مسلم عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فضّلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجدا، وتربتها طهورا» الحديث. وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ أي نصطف فنسبّح الرب، ونمجّده، ونقدّسه، وننزّهه عن النقائص، فنحن عبيد له فقراء إليه خاضعون لديه، وقال ابن عباس ﵄ ومجاهد وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ الملائكة وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ الملائكة وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ الملائكة تسبح الله . وقال قتادة وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ يعني المصلين يثبتون بمكانهم من العبادة كما قال ﵎ وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ* لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ* يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ* وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (الأنبياء: ٢٦ - ٢٩). ٣ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ .. ] بمناسبة قوله تعالى: فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ قال

стр. 4514

ابن كثير: (ثبت في الصحيحين عن أنس ﵁ قال: صبّح رسول الله ﷺ خيبر فلما خرجوا بفئوسهم ومساحيهم ورأوا الجيش رجعوا وهم يقولون: محمد والله، محمد والخميس، فقال النبي ﵌: «الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» ورواه البخاري من حديث مالك عن حميد عن أنس ﵁. وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك عن أبي طلحة ﵁ قال: لما صبّح رسول الله ﷺ خيبر وقد أخذوا مساحيهم، وغدوا إلى حروثهم وأرضيهم، فلما رأوا النبي ﵌ نكصوا مدبرين، فقال نبي الله ﷺ : «إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» لم يخرجوه من هذا الوجه وهو صحيح على شرط الشيخين). ٤ - [كلام ابن كثير حول الآيات الثلاث الأخيرة في السورة] بمناسبة قوله تعالى: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ* وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قال ابن كثير: (ولما كان التسبيح يتضمن التنزيه والتبرئة من النقص بدلالة المطابقة، ويستلزم إثبات الكمال- كما أن الحمد يدل على إثبات صفات الكمال مطابقة ويستلزم التنزيه من النقص- قرن بينهما في هذا الموضع وفي مواضع كثيرة من القرآن، ولهذا قال ﵎ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ* وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سلمتم عليّ فسلّموا على المرسلين؛ فأنا رسول من المرسلين» هكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سعيد عنه كذلك، وقد أسنده ابن أبي حاتم ﵀ ... عن قتادة قال حدثنا أنس ابن مالك عن أبي طلحة ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سلّمتم عليّ فسلّموا على المرسلين» وروى الحافظ أبو يعلى عن أبي سعيد ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا أراد أن يسلّم قال: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ* وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ثم يسلم. إسناده ضعيف. وروى ابن أبي حاتم عن أبي إسحاق عن الشعبي قال: قال رسول الله ﷺ : «من سرّه أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ* وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» وروي من وجه آخر متّصل موقوف على عليّ ﵁ روى أبو محمد البغوي في تفسيره ... عن الأصبغ بن نباتة عن علي ﵁ قال: من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه في مجلسه سُبْحانَ

стр. 4515

رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ* وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وروى الطبراني من طريق عبد الله بن صخر بن أنس عن عبد الله بن زيد بن أرقم عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين- ثلاث مرات- فقد اكتال بالجريب الأوفى من الأجر» وقد وردت أحاديث في كفارة المجلس: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك). كلمة أخيرة في سورة الصافات: قلنا من قبل: إنّ سورة ما عند ما تفصّل في محور من سورة البقرة فإنّها تفصّل فيه، وفي امتدادات معانيه من سورة البقرة نفسها. ولقد رأينا كيف أن سورة الصافات قد فصّلت في محورها من سورة البقرة؛ ففصّلت في الآيات الأولى من سورة البقرة وخاصة في قوله تعالى الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ فلقد فصّلت السورة في أركان الإيمان، حتى لم يبق ركن من هذه الأركان إلا وقد أصابه نوع تفصيل، وكل ذلك ضمن سياق السّورة الرئيسي، الذي انصب الكلام فيه على التوحيد. ... لنتذكر الآن ما يلي: تألّفت سورة البقرة من مقدّمة، وثلاثة أقسام، وخاتمة، وتحدّثت المقدّمة عن المتقين، والكافرين، والمنافقين، ثمّ جاء القسم الأول فدعا الناس جميعا أن يكونوا من المتقين، ولقد انتهى القسم الأول بقوله تعالى: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ [الآية: ١٦٣]. إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ... [الآية: ١٦٤]. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً ... [الآية: ١٦٥]. إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ... [الآية: ١٦٦]. وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ ... [الآية: ١٦٧].

стр. 4516

إن هذه المعاني التي ختم بها القسم الأول من أقسام سورة البقرة ترتبط بشكل مباشر بمقدّمتها أي بالكلام عن المتقين والكافرين. ... لاحظ صلة هذه المعاني بسورة الصافات: إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ* رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ [الآيتين: ٤، ٥]. وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ* قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ* قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ* وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ ... [الآيات: ٢٧ - ٣٠] فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ* قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ* .. [الآيتين: ٥٠، ٥١]. ... وهكذا نجد أن سورة الصافات تفصّل في محورها مع امتدادات معانيه ضمن سياقها الخاص بها، وهذا كله مع تكاملها مع سورة (ص) التي تشكّل معها المجموعة الثانية من قسم المثاني. وكنموذج على هذا التكامل: إنّك تجد في سورة الصافات كلمة (المخلصين) قد تكررت كثيرا، وتجد في سورة (ص) ذكرا لما به أخلصوا: إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ. ***

стр. 4517

سورة ص وهي السّورة الثامنة والثلاثون بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة الثانية والأخيرة من المجموعة الثانية من قسم المثاني، وآياتها ثمان وثمانون آية وهي مكيّة

стр. 4518

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم

стр. 4519

نقول في سورة (ص): [تقديم الألوسي لسورة (ص)] قدّم الألوسي لسورة (ص) بقوله: (مكية كما روي عن ابن عباس وغيره، وقيل مدنية وليس بصحيح كما قال الداني. وهي ثمان وثمانون آية في الكوفي وست وثمانون في الحجازي والبصري والشامي، وخمس وثمانون في عد أيوب بن المتوكل وحده، قيل ولم يقل أحد إن (ص) وحدها آية كما قيل في غيرها من الحروف في أوائل السور، وفيه بحث. وهي كالمتممة لما قبلها من حيث إنه ذكر فيها ما لم يذكر في تلك من الأنبياء ﵈، كداود وسليمان، ولما ذكر سبحانه فيما قبل عن الكفار أنهم قالوا لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ وأنهم كفروا بالذكر لمّا جاءهم بدأ في هذه السورة بالقرآن ذي الذكر، وفصّل ما أجمل هناك من كفرهم، وفي ذلك من المناسبة ما فيه، ومن دقّق النظر لاح له مناسبات أخر والله تعالى الموفق). ومن تقديم صاحب الظلال لسورة (ص): (وهذه الأشواط ... التي تجري بموضوعات السورة هذا المجرى، تجول بالقلب البشري في مصارع الغابرين، الذين طغوا وتجبروا واستعلوا على الرسل والمؤمنين، ثم انتهوا إلى الهزيمة والدمار والخذلان: جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ* كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ* وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ* إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ. تعرض على القلب البشري هذه الصفحة. صفحة الهزيمة والدمار والهلاك للطغاة المكذبين. ثم تعرض بإزائها صفحة العز والتمكين والرحمة والرعاية لعباد الله المختارين، في قصص داود وسليمان وأيوب. هذا وذلك في واقع الأرض .. ثم تطوف بهذا القلب في يوم القيامة وما وراءه من صور النعيم والرضوان. وصور الجحيم والغضب. حيث يرى لونا آخر مما يلقاه الفريقان في دار البقاء. بعد ما لقياه في دار الفناء. والجولة الأخيرة في قصة البشرية الأولى وقصة الحسد والغواية من العدو الأول، الذي يقود خطى الضالين عن عمد وعن سابق إصرار. وهم غافلون. كذلك ترد في ثنايا القصص لفتة تلمس القلب البشري وتوقظه إلى الحق الكامن

стр. 4520

في بناء السماء والأرض. وأنه الحق الذي يريد الله بإرسال الرسل أن يقره بين الناس في الأرض. فهذا من ذلك: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا .. وهي لفتة لها في القرآن نظائر. وهي حقيقة أصيلة من حقائق هذه العقيدة التي هي مادة القرآن المكي الأصيلة .. ). كلمة في سورة (ص) ومحورها: قلنا من قبل: إن محور سورة (ص) هو قوله تعالى من مقدمة سورة البقرة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. ومن ثمّ نجد في أول السورة قوله تعالى: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ* بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ. ثم نجد بعد آية قوله تعالى: وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ. ثم نجد في أعماق السورة: قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ* رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ. ثم نجد بعد آية: إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ. ثم نجد ختام السورة: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ* إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ* وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ. ... ونلاحظ أن السورة تبدأ بمقدمة ثم تنتقل منها بقوله تعالى: اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ. ونجد في السورة بعد ذلك: وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ. ونجد: وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ. ونجد: وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ.
следующие страницы →