← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

إن هذه المعاني التي ختم بها القسم الأول من أقسام سورة البقرة ترتبط بشكل مباشر بمقدّمتها أي بالكلام عن المتقين والكافرين. ... لاحظ صلة هذه المعاني بسورة الصافات: إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ* رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ [الآيتين: ٤، ٥]. وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ* قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ* قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ* وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ ... [الآيات: ٢٧ - ٣٠] فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ* قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ* .. [الآيتين: ٥٠، ٥١]. ... وهكذا نجد أن سورة الصافات تفصّل في محورها مع امتدادات معانيه ضمن سياقها الخاص بها، وهذا كله مع تكاملها مع سورة (ص) التي تشكّل معها المجموعة الثانية من قسم المثاني. وكنموذج على هذا التكامل: إنّك تجد في سورة الصافات كلمة (المخلصين) قد تكررت كثيرا، وتجد في سورة (ص) ذكرا لما به أخلصوا: إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ. ***

стр. 4517

سورة ص وهي السّورة الثامنة والثلاثون بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة الثانية والأخيرة من المجموعة الثانية من قسم المثاني، وآياتها ثمان وثمانون آية وهي مكيّة

стр. 4518

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم

стр. 4519

نقول في سورة (ص): [تقديم الألوسي لسورة (ص)] قدّم الألوسي لسورة (ص) بقوله: (مكية كما روي عن ابن عباس وغيره، وقيل مدنية وليس بصحيح كما قال الداني. وهي ثمان وثمانون آية في الكوفي وست وثمانون في الحجازي والبصري والشامي، وخمس وثمانون في عد أيوب بن المتوكل وحده، قيل ولم يقل أحد إن (ص) وحدها آية كما قيل في غيرها من الحروف في أوائل السور، وفيه بحث. وهي كالمتممة لما قبلها من حيث إنه ذكر فيها ما لم يذكر في تلك من الأنبياء ﵈، كداود وسليمان، ولما ذكر سبحانه فيما قبل عن الكفار أنهم قالوا لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ وأنهم كفروا بالذكر لمّا جاءهم بدأ في هذه السورة بالقرآن ذي الذكر، وفصّل ما أجمل هناك من كفرهم، وفي ذلك من المناسبة ما فيه، ومن دقّق النظر لاح له مناسبات أخر والله تعالى الموفق). ومن تقديم صاحب الظلال لسورة (ص): (وهذه الأشواط ... التي تجري بموضوعات السورة هذا المجرى، تجول بالقلب البشري في مصارع الغابرين، الذين طغوا وتجبروا واستعلوا على الرسل والمؤمنين، ثم انتهوا إلى الهزيمة والدمار والخذلان: جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ* كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ* وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ* إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ. تعرض على القلب البشري هذه الصفحة. صفحة الهزيمة والدمار والهلاك للطغاة المكذبين. ثم تعرض بإزائها صفحة العز والتمكين والرحمة والرعاية لعباد الله المختارين، في قصص داود وسليمان وأيوب. هذا وذلك في واقع الأرض .. ثم تطوف بهذا القلب في يوم القيامة وما وراءه من صور النعيم والرضوان. وصور الجحيم والغضب. حيث يرى لونا آخر مما يلقاه الفريقان في دار البقاء. بعد ما لقياه في دار الفناء. والجولة الأخيرة في قصة البشرية الأولى وقصة الحسد والغواية من العدو الأول، الذي يقود خطى الضالين عن عمد وعن سابق إصرار. وهم غافلون. كذلك ترد في ثنايا القصص لفتة تلمس القلب البشري وتوقظه إلى الحق الكامن

стр. 4520

في بناء السماء والأرض. وأنه الحق الذي يريد الله بإرسال الرسل أن يقره بين الناس في الأرض. فهذا من ذلك: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا .. وهي لفتة لها في القرآن نظائر. وهي حقيقة أصيلة من حقائق هذه العقيدة التي هي مادة القرآن المكي الأصيلة .. ). كلمة في سورة (ص) ومحورها: قلنا من قبل: إن محور سورة (ص) هو قوله تعالى من مقدمة سورة البقرة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. ومن ثمّ نجد في أول السورة قوله تعالى: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ* بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ. ثم نجد بعد آية قوله تعالى: وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ. ثم نجد في أعماق السورة: قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ* رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ. ثم نجد بعد آية: إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ. ثم نجد ختام السورة: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ* إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ* وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ. ... ونلاحظ أن السورة تبدأ بمقدمة ثم تنتقل منها بقوله تعالى: اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ. ونجد في السورة بعد ذلك: وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ. ونجد: وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ. ونجد: وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ.

стр. 4521

فكأن السورة تعطي دروسا للنذير. ... وتكثر في السورة الأوامر (قل) مما يشير إلى أنّ القرآن يلقّن النّدير حجّته أمام المواقف الجاحدة الكافرة. ... وتعرض السورة مظاهر من العذاب العظيم الذي أعدّه الله للكافرين. وتعرض السورة آدابا كثيرة للرسل الذين يقومون بواجب النذارة عن الله ، وارتباط كل ذلك بالمحور واضح، سنراه أثناء عرضنا للسورة. ... والسورة تكمّل سورة الصافات، ومن ثمّ نجد الكلام عن التوحيد منذ البداية: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ. وإذا حدّثتنا سورة الصافات عن إلياس، فإن سورة (ص) تذكر اسم خليفته (اليسع) وإذا حدّثتنا سورة الصافات عن عباد الله المخلصين، فسورة (ص) تحدّثنا عن الطريق إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ. ... ولأنّ سورتي الصافات وص تفصّلان في مقدمة سورة البقرة، فإننا نلاحظ تداخلا؛ فسورة الصافات تحدّثنا عن الكافرين في معرض الكلام عن التوحيد، وسورة (ص) تحدثنا عن المتقين في سياق الإنذار. ... وكما فصّلت سورة الصافات في الآيات الأولى من سورة البقرة مع امتداد معانيها في سورة البقرة كلها، فإن سورة (ص) تفصّل آيتي سورة البقرة في وصف الكافرين مع امتداد معانيها في سورة البقرة أيضا. لاحظ ما يلي: جاءت في سورة البقرة قصة إبليس، وهي مرتبطة بموضوع الكفر، وجاء في

стр. 4522

سورة البقرة قوله تعالى فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ [الآية: ١٣٧]. وجاء في سورة البقرة قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ [الآية: ١٧٦]. وجاء في سورة البقرة قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ [الآية: ٢٠٦]. لاحظ كلمتي الشقاق والعزّة ثمّ لاحظ أن سورة (ص) تبدأ بقوله تعالى ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ* بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ. والملاحظ كذلك أن سورة (ص) تنتهي بقصة إبليس عليه اللعنة، وهذا يؤكّد ما ذكرناه من أنّ سورة (ص) تفصّل في محورها، وفي امتدادات هذا المحور من سورة البقرة. ... وإذا كانت آيتا المحور في سورة البقرة قد أجملتا موضوع عدم استفادة الكافرين من الإنذار، فإن سورة (ص) ستفصّل لنا حرفيات مواقفهم التي أوصلتهم إلى هذه النتيجة وتردّ عليها. ... تتألف سورة (ص) من مقدمة تمتد حتى نهاية الآية (١٦). ومن مقطع أول يمتد حتى نهاية الآية (٦٤)، ومن مقطع ثان يمتد حتى نهاية السورة. فلنر السورة.

стр. 4523

مقدمة السورة وتمتدّ من الآية (١) حتى نهاية الآية (١٦) وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٣٨/ ١٦ - ١

стр. 4524

التفسير: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ أي: القرآن المشتمل على ما فيه ذكر للعباد، ونفع لهم في المعاش والمعاد، أو القرآن ذي الشرف، أي: ذي الشأن والمكانة. قال ابن كثير: (ولا منافاة بين القولين فإنه كتاب شريف، مشتمل على التذكير، والإعذار والإنذار) واختلفوا في جواب هذا القسم فقال قتادة جوابه: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ. واختاره ابن جرير، وقيل جوابه ما تضمّنه سياق السورة بكمالها. وذكر النسفي أكثر من وجه. أحدهما: (ص والقرآن ذي الشرف إنه لكلام معجز، وأيا ما كان التقدير ففي القسم بالقرآن وخاصيّة من خواصّه، وهي التذكير إشعار بأنّ الحجة قائمة على الكافرين فكتاب اشتمل على التذكير فيه دليل إعجازه، وأنّه من عند الله، وسنرى في السورة نماذج من كون هذا القرآن ذكرا، مما يؤكّد ما ذهبنا إليه أن في القسم إشعارا بأن الحجة على الكافرين قائمة، وسياق السورة الذي يبيّن خاصيّة هذا القرآن في كونه ذكرا يقيم الحجة على الكفر وأهله من خلال هذه الخاصية لكتاب الله . فالسورة تبيّن أن الحجة على الكافرين قائمة، ومع ذلك فإن الكافرين مصرون على كفرهم وعنادهم وكبرهم ... بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ أي تكبّر عن الإذعان لذلك والاعتراف بالحق وَشِقاقٍ أي خلاف لله ولرسوله ﷺ . قال النسفي: (والتنكير في عزة وشقاق للدلالة على شدتهما وتفاقمهما). وقال ابن كثير: (أي إن في هذا القرآن لذكرى لمن يتذكّر، وعبرة لمن يعتبر، وإنّما لم ينتفع به الكافرون لأنّهم في عزّة أي استكبار عنه وحميّة، وشقاق أي ومخالفة له ومعاندة ومفارقة) ثمّ خوّفهم الله ما أهلك به الأمم المكذّبة قبلهم بسبب مخالفتهم للرسل، وتكذيبهم للكتب المنزلة من السماء فقال تعالى كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ أي من أمّة مكذّبة فَنادَوْا أي حين جاءهم العذاب استغاثوا وجأروا إلى الله تعالى وَلاتَ حِينَ مَناصٍ أي وليس ذلك بمجد عنهم شيئا. والتقدير: وليس الحين حين مناص، أي منجى وفرار وذهاب وَعَجِبُوا أي وعجب الكافرون أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ أي رسول مِنْهُمْ أي من أنفسهم ينذرهم يعني: استبعدوا أن يكون النبي من البشر وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ اتّهموا الرسول ﷺ بالسّحر والكذب- عليهم من الله ما يستحقون- وقد علّل النّسفي لقوله تعالى: وَقالَ الْكافِرُونَ وعدم قوله وقالوا. فقال: (ولم يقل: وقالوا: إظهارا للغضب عليهم، ودلالة على أن هذا القول لا يجسر عليه إلا الكافرون المتوغّلون في الكفر، المنهمكون

стр. 4525

في الغيّ؛ إذ لا كفر أبلغ من أن يسمّوا من صدّقه الله كاذبا ساحرا، ويتعجّبوا من التوحيد، وهو الحقّ الأبلج، ولا يتعجبوا من الشّرك وهو باطل لجلج). أَجَعَلَ الْآلِهَةَ أي أصيّرهم إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ أي بليغ في العجب. قال ابن كثير: (أي أزعم أن المعبود واحد لا إله إلا هو؟ أنكر المشركون ذلك- قبّحهم الله تعالى- وتعجّبوا من ترك الشرك بالله، فإنّهم كانوا قد تلقّوا عن آبائهم عبادة الأوثان، وأشربته قلوبهم، فلمّا دعاهم رسول الله ﷺ إلى خلع ذلك من قلوبهم، وإفراد الإله بالوحدانية أعظموا ذلك وتعجّبوا) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أي سادتهم وقادتهم ورؤساؤهم وكبراؤهم قائلين أَنِ امْشُوا أي استمروا على دينكم وَاصْبِرُوا عَلى عبادة آلِهَتِكُمْ ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمد ﷺ من التوحيد إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ. أي: (إن هذا الذي يدعونا إليه محمد ﷺ من التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم والاستعلاء، وأن يكون له منكم أتباع، ولسنا نجيبه إليه) ذكره ابن جرير. ما سَمِعْنا بِهذا أي بالتوحيد فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ أي في ملة عيسى التي هي آخر الملل، لأن النصارى مثلّثة غير موحّدة، أو في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا. قال ابن عباس: قالوا: لو أن هذا القرآن حق لأخبرتنا به النصارى إِنْ أي: ما هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ أي: كذب اختلقه أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ أي: على محمد ﷺ الذِّكْرُ أي القرآن مِنْ بَيْنِنا يعني أنهم يستبعدون تخصيصه بإنزال القرآن عليه من بينهم كلهم. قال النسفي: أنكروا أن يختصّ بالشرف من بين أشرافهم، وينزل عليه الكتاب من بينهم حسدا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي أي: من القرآن بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ هذا بداية الردّ على مواقفهم. أي: بل أنهم لا يصدّقون به إلّا أن يمسهم العذاب فيصدقوا حينئذ. قال ابن كثير: (أي: إنما يقولون هذا لأنهم ما ذاقوا- إلى حين قولهم ذلك- عذاب الله تعالى ونقمته، سيعلمون غب ما قالوا وما كذبوا به يوم يدعّون إلى نار جهنم دعّا) ثم قال تعالى مبيّنا أنه المتصرّف في ملكه، الفعال لما يشاء، الذي يعطي من يشاء ما يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وينزل الروح من أمره على من يشاء من عباده، ويختم على قلب من يشاء، فلا يهديه أحد من بعد الله، وأن العباد لا يملكون شيئا من الأمر، وليس إليهم من التصرف في الملك ولا مثقال ذرة، وما يملكون من قطمير، ولهذا قال تعالى منكرا عليهم أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ أي: العزيز الذي لا يرام جنابه، الوهاب الذي يعطي ما يريد

стр. 4526

لمن يريد. قال النسفي: يعني ما هم بمالكي خزائن الرحمة حتى يصيبوا بها من شاءوا، ويصرفوها عمّن شاءوا، ويتخيّر للنبوة بعض صناديدهم، ويترفّعوا بها عن محمد ﷺ وإنّما الذي يملك الرحمة وخزائنها العزيز القاهر على خلقه. الوهّاب الكثير المواهب، المصيب بها مواقعها، الذي يقسمها على ما تقتضيه حكمته، ثم رشح هذا المعنى فقال: أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما حتى يتكلّموا في الأمور الربانية، والتدابير الإلهية التي يختص بها رب العزة والكبرياء فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ قال ابن كثير: أي: إن كان لهم ذلك فليصعدوا في الأسباب. قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم يعني: طرق السماء جُنْدٌ ما من الجنود المرتقين في الأسباب هُنالِكَ مَهْزُومٌ أي: مكسور هنالك أي في السماء مِنَ الْأَحْزابِ المكذّبين. ثم أخبر تعالى عن القرون الماضية، وما حلّ بهم من العذاب والنّكال والنّقمات في مخالفة الرّسل، وتكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ أي: قبل هذه الأمة قَوْمُ نُوحٍ كذّبوا نوحا وَعادٌ كذّبوا هودا وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ كذب موسى وسمّي ذا الأوتاد إمّا لأنّه كان يربط بالأوتاد سجناءه ومعذّبيه، وإمّا لتمكّن جذوره في الأرض وَثَمُودُ كذبت صالحا وَقَوْمُ لُوطٍ كذبوا لوطا وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أي: الغيضة كذبوا شعيبا أُولئِكَ الْأَحْزابُ قال النسفي: أراد بهذه الإشارة الإعلام بأن الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم هم، وأنهم الذين وجد منهم التكذيب. وقال ابن كثير: أي: كانوا أكثر منكم وأشد قوة وأكثر أموالا وأولادا، فما دافع ذلك عنهم من عذاب الله من شئ لمّا جاء أمر ربك، ولهذا قال إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ جعل علّة إهلاكهم تكذيبهم بالرّسل، فليحذر المخاطبون من ذلك أشدّ الحذر. قال النسفي: (ذكر أن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل لأن في تكذيب الواحد منهم تكذيب الجميع لاتحاد دعوتهم ... ) ومعنى فَحَقَّ عِقابِ أي: فوجب لذلك أن أعاقبهم حق عقابهم وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ أي: المكذبون من هذه الأمة إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً أي: النفخة الأولى وهي الفزع الأكبر ما لَها مِنْ فَواقٍ أي: ما لها من توقف مقدار فواق، وهو ما بين حلبتي الحالب. أي: إذا جاء وقتها لم تستأخر هذا القدر من الزمان، أو ما لها من رجوع وترداد، أي: إنها نفخة واحدة فحسب، لا تثنّى ولا تردّد وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ أي: عجّل لنا حظّنا ونصيبنا من الخير أو الشر في الدنيا. قال النسفي: أي: حظنا من الجنة

стр. 4527

لأنه ﵇ ذكر وعد الله للمؤمنين الجنة. فقالوا على سبيل الهزء: عجّل لنا نصيبنا منها أو نصيبنا من العذاب الذي وعدته كقوله: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ* وهو كلام لا يستأهل ردّا ولذلك لم يجب الله عليه، وإنما أمر رسوله ﷺ بالصبر كما سنرى. وبهذا الذي ذكرناه انتهت المقدمة. نقل: [عن صاحب الظلال حول آيتي ما سَمِعْنا بِهذا .. * أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ .. (٧، ٨)] بمناسبة قوله تعالى حكاية عن موقف الكافرين من رسول الله ﷺ : ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ* أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا قال صاحب الظلال: (وكانت عقيدة التثليث قد شاعت في المسيحية. وأسطورة العزير قد شاعت كذلك في اليهودية فكبراء قريش كانوا يشيرون إلى هذا وهم يقولون: ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ ... ما سمعنا بهذا التوحيد المطلق لله. الذي جاء به محمد ﷺ فما يقول إذن إلا اختلاقا! ولقد حرص الإسلام حرصا شديدا على تجريد عقيدة التوحيد وتخليصها من كل ما علق بها من الأساطير والأوشاب والانحرافات التي طرأت على العقائد التي سبقته. حرص هذا الحرص لأن التوحيد حقيقة أولية كبيرة يقوم عليها هذا الوجود كله؛ ويشهد بها هذا الوجود شهادة واضحة أكيدة. ولأن هذا التوحيد في الوقت ذاته قاعدة لا تصلح الحياة البشرية كلها في أصولها وفروعها إلا إذا قامت عليها. ويحسن ونحن نستعرض مقاومة قريش لهذه العقيدة ودهشتها وعجبها من جعل الآلهة إلها واحدا. ومقاومة المشركين قبل قريش على مدار القرون ومدار الرسالات لهذه الحقيقة كذلك. وإصرار كل رسول عليها، وقيام كل رسالة على أساسها. والجهد الضخم الذي بذل في إقرار هذه الحقيقة في نفوس البشر على مدار الزمان ... يحسن أن نتوسّع قليلا في بيان قيمة هذه الحقيقة. إنها حقيقة أولية كبيرة يقوم عليها الوجود، ويشهد بها كل ما في الوجود. إن وحدة النواميس الكونية التي تتحكم في هذا الكون الذي نراه واضحة؛ وناطقة بأن الإرادة التي أنشأت هذه النواميس لا بد أن تكون واحدة .. وحيثما نظرنا إلى هذا الكون واجهتنا هذه الحقيقة. حقيقة وحدة النواميس. وحدة تشي بوحدة الإرادة.

стр. 4528

كل ما في هذا الكون في حركة دائمة منتظمة .. الذرة الصغيرة وهي الوحدة الأولى لكل ما في الكون من شئ- حي أو غير حي- في حركة مستمرة. فهي مؤلفة من الكترونات تتحرك حول النواة المؤلفة من بروتونات. وكما تدور الكواكب حول الشمس في المجموعة الشمسية. وكما تدور المجرة المؤلفة من مجموعات شمسية ومن كتل سديمية حول نفسها .. واتجاه الدورة في الكواكب وفي الشمس وفي المجرة اتجاه واحد من الغرب إلى الشرق. عكس دورة الساعة! (١). والعناصر التي تتكون منها الأرض وبقية الكواكب السيارة واحدة. وعناصر النجوم هي كذلك من عناصر الأرض. والعناصر مؤلفة من ذرات. والذرات مؤلفة من الكترونات وبروتونات ونيوترونات .. كلها مؤلفة من هذه اللبنات الثلاث بلا استثناء .. «وفي الوقت الذي ترد فيه المادة إلى ثلاث لبنات. يرد العلماء (القوى) إلى أصل واحد: الضوء والحرارة، الأشعة السينية، الأشعة اللاسلكية، الأشعة الجيمية. وكل إشعاع في الدنيا .. كلها صور متعددة لقوة واحدة. تلك القوة المغناطيسية الكهربائية. إنها جميعا تسير بسرعة واحدة، وما اختلافها إلا اختلاف موجة». «المادة ثلاث لبنات. والقوى موجات متأصلات». «ويأتي أينشتين وفي نظريته النسبية الخاصة، يكافئ بين المادة والقوى؛ ويقول: إن المادة والقوى شئ سواء. وتخرج التجارب تصدّق دعواه. وخرجت تجربة أخيرة صدّقت دعواه بأعلى صوت تسمعه الدنيا. ذلك انفلاق الذرة في القنبلة اليودينوتية». «المادة والقوى إذن شئ سواء» (١). هذه هي الوحدة في تكوين الكون كما عرفها الإنسان أخيرا في تجاربه المحسوسة .. وهناك الوحدة الظاهرة في نظام الكون كما أشرنا إلى قانون الحركة الدائبة. ثم هي الحركة المنظمة المنسقة التي لا يشذ فيها شئ في هذا الكون. ولا يضطرب فيها شئ .. توازن هذه الحركة في جميع الكائنات بحيث لا يعطّل بعضها بعضا ولا يصدم بعضها بعضا. وأقرب مثل هذه الكواكب والنجوم والمجرات الضخمة التي تسبح في الفضاء: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ .. والتي تشهد بأن مجراها في هذا الفضاء، المنظم

стр. 4529

لحركتها وأبعادها ومواقعها واحد لا يتعدد، عارف بطبيعتها وحركتها. مقدر لهذا كلها في تصميم هذا الكون العجيب. ونكتفي بهذه اللمحة الخاطفة في تتبع حقيقة الوحدة التي ينطق بها نظام هذا الكون ويشهد بها كل ما فيه. وهي حقيقة لا يستقيم أمر هذه البشرية إلا عليها. فوضوح هذه الحقيقة في الضمير البشري ذو أهمية بالغة في تصور البشر للكون من حولهم، ولموضعهم هم في هذا الكون، ولعلاقتهم بكل ما فيه من أشياء وأحياء. ثم في تصوّرهم لله الواحد ولحقيقة ارتباطهم به، وبما عداه ومن عداه في هذا الوجود .. وكل ذلك ذو أهمية بالغة في تكييف مشاعر البشر وتصورهم لكل شئون الحياة. والمؤمن بالله الواحد، المدرك لمعنى هذه الوحدانية، يكيّف علاقته بربه على هذا الأساس، ويضع علاقته بمن عدا الله وبما عداه، في موضعها الذي لا تتعداه. فلا تتوزع طاقاته ومشاعره بين آلهة مختلفة الأمزجة! ولا بين متسلطين عليه غير الله ممن خلق الله! والمؤمن بأن الله الواحد هو مصدر هذا الوجود الواحد يتعامل مع الوجود ومن فيه وما فيه على أساس من التعارف والتعاون والألفة والمودة، يجعل للحياة طعما وشكلا غير ما لها في نفس من لا يؤمن بهذه الوحدة، ولا يحسها بينه وبين كل ما حوله ومن حوله. والمؤمن بوحدة الناموس الإلهي في الكون يتلقى تشريعات الله له وتوجيهاته تلقيا خاصا، لينسق بين القانون الذي يحكم حياة البشر والناموس الذي يحكم الكون كله؛ ويؤثر قانون الله. لأنه هو الذي ينسق بين حركة البشر وحركة الكون العام. وعلى الجملة فإن إدراك هذه الحقيقة ضروري لصلاح الضمير البشري واستقامته واستنارته وتصالحه مع الكون من حوله. وتنسيق حركته مع الحركة الكونية العامة. ووضوح الارتباطات بينه وبين خالقه. ثم بينه وبين الكون حوله. ثم بينه وبين كل ما في الكون من أحياء ومن أشياء! وما يتبع هذا من تأثرات أخلاقية وسلوكية واجتماعية وإنسانية عامة في كل مجال من مجالات الحياة. ومن ثمّ كان هذا الحرص على إقرار عقيدة التوحيد. وكان هذا الجهد الموصول المكرور مع كل رسالة وكل رسول. وكان هذا الإصرار من الرسل- صلوات الله

стр. 4530

عليهم- على كلمة التوحيد بلا هوادة. وفي القرآن الكريم يتضح الحرص والجهد والإصرار في تكرار عرض قضية التوحيد ومقتضياتها في السور المكية على وجه التخصيص وفي السور المدنية كذلك في صور تناسب طبيعة الموضوعات التي تعالجها السور المدنية. وهذه هي الحقيقة التي كان المشركون يعجّبون ذلك العجب من إصرار محمد ﷺ عليها ويحاورونه فيها ويداورونه، ويعجبون الناس منه ومنها، ويصرفونهم عنها بكل وسيلة. وقد مضوا بعد هذا يعجبون من اختياره ﷺ ليكون رسولا: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا .. وما كان في هذا من غرابة. ولكنه كان الحسد. الحسد الذي يدعو إلى العناد والمكابرة والشقاق. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، أنه حدث، أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي حليف بني زهرة، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله- ﷺ وهو يصلي من الليل في بيته. فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق؛ فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا. ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرّقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوه أول مرة. ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود فتعاهدوا على ذلك. ثم تفرقوا .. فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد. فقال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها. قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به كذلك! قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه في بيته، فقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن

стр. 4531

وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه! فقام عنه الأخنس وتركه .. فهو الحسد كما نرى. يقعد بأبي جهل عن الاعتراف بالحق الذي غالب نفسه عليه فغلبته ثلاث ليال! هو الحسد أن يكون محمد قد بلغ إلى ما لا مطمع فيه لطامع. وهو السر في قولة من كانوا يقولون: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا؟. وهم الذين كانوا يقولون: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ .. يقصدون بالقريتين مكة والطائف، وفيهما كان كبراء المشركين وعظماؤهم الحاكمون المسودون؛ الذين كانوا يتطلعون إلى السيادة عن طريق الدين، كلما سمعوا أن نبيا جديدا قد أطل زمانه. والذين صدموا صدمة الحسد والكبر حينما اختار الله- على علم- نبيه محمد ﷺ وفتح له من أبواب رحمته وأفاض عليه من خزائنها ما علم أنه يستحقه دون العالمين). كلمة في السياق: [حول مضمون المقدمة وصلتها بالمحور، وصلة لسورة الصافات بسورة ص] ١ - رأينا أن محور سورة (ص) هو قوله تعالى من سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. وقد رأينا في مقدمة سورة (ص) كيف أن الإنذار لا ينفع في هؤلاء الكافرين؛ بدليل أن الله بعد أن عرض علينا مواقفهم ختمها بقولهم: وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ فنهاية المطاف أنهم استعجلوا العذاب، ومن قبل ذلك قصّ الله علينا عنهم وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ. ومن استعراضنا لمجموع صفاتهم في المقدمة نعرف الحالة التي إذا وجدت لم يعد الإنذار ينفع: (١) العزة. (٢) المشاقّة لله والرسول. (٣) تكذيب الرسل واتّهامهم. (٤) استبعاد التوحيد. (٥) التآمر من أجل الاستمرار على الكفر. (٦) الاحتجاج بما عليه الكافرون الآخرون. (٧) الحسد. (٨) استعجال المتاع الدنيوي أو استعجال

стр. 4532

العذاب الذي يدل على عدم خوف الله . ٢ - من مظاهر التكامل بين ما عرضته سورة الصافات وسورة (ص). أن سورة الصافات عرضت في سياقها الرئيسي موضوع التوحيد، وتحدثت عن الرسل، وهاهنا نرى استبعاد الكافرين لموضوع التوحيد، وتكذيبهم للرسل عليهم الصلاة والسلام. فوائد: ١ - [سبب نزول الآيات أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً ... ] بمناسبة قوله تعالى حكاية عن تعجب الكافرين من دعوة رسول الله ﷺ : أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ* وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ ... قال ابن كثير: (ذكر سبب نزول هذه الآيات الكريمات) قال: (قال السّدّي: إن ناسا من قريش اجتمعوا فيهم أبو جهل بن هشام والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب والأسود بن عبد يغوث في نفر من مشيخة قريش فقال بعضهم لبعض انطلقوا بنا إلى أبي طالب فلنكلمه فيه، فلينصفنا منه، فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه الذي يعبده، فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون منا إليه شئ فتعيّرنا به العرب، يقولون تركوه حتى إذا مات عنه تناولوه، فبعثوا رجلا منهم يقال له المطلب، فاستأذن لهم على أبي طالب فقال: هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم يستأذنون عليك، قال: أدخلهم، فلما دخلوا عليه قالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا، فأنصفنا من ابن أخيك فمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه، وقال: فبعث إليه أبو طالب، فلما دخل عليه رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم، ويدعوك وإلهك، قال ﵌: «يا عم أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم؟» قال: وإلام تدعوهم؟ قال ﷺ : «أدعوهم أن يتكلّموا بكلمة يدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم» فقال أبو جهل- لعنه الله- من بين القوم: ما هي وأبيك لنعطينكها وعشر أمثالها؟ قال ﵌: «تقولون لا إله إلا الله» فنفروا، وقالوا: سلنا غيرها، قال ﷺ : «لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها» فقاموا من عنده غضابا، وقالوا: والله لنشتمنّك وإلهك الذي أمرك بهذا وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير وزاد فلما خرجوا دعا رسول الله صلّى الله

стр. 4533

تعالى عليه وآله وسلم عمه إلى قول لا إله إلا الله فأبى، وقال بل على دين الأشياخ ونزلت إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ. وروى أبو جعفر ابن جرير ... عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا، ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته، فجاء إليه النبي صلّى الله تعالى عليه وآله وسلم فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، قال: فخشي أبو جهل- لعنه الله- إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرقّ له عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس، ولم يجد رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلم مجلسا قرب عمه، فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي ابن أخي ما لقومك يشكونك، يزعمون أنك تشتم آلهتهم، وتقول وتقول؟ قال وأكثروا عليه من القول، وتكلم رسول الله ﷺ فقال: «يا عم إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها، تدين لهم بها العرب، وتؤدّي إليهم بها العجم الجزية» ففزعوا لكلمته ولقوله فقال القوم كلمة واحدة نعم وأبيك عشرا، فقالوا وما هي، وقال أبو طالب وأي كلمة هي يا ابن أخي؟ قال ﷺ : «لا إله إلا الله» فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً؟ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ قال نزلت من هذا الموضع إلى قوله بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ رواه الإمام أحمد والنسائي، ورواه الترمذي وابن أبي حاتم وابن جرير أيضا. وقال الترمذي حسن). ٢ - [من معجزات القرآن الكونية بمناسبة قوله تعالى ... فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ .. ] رأينا أن قوله تعالى: أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ* جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ آت في معرض الردّ على استنكارهم واستبعادهم أن ينزل الله على محمد ﷺ القرآن أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي ... وقد رأينا محل الآيات في الرد إذ المعنى: فليصعدوا إلى السماء حتى يدبروا أمر العالم، وملكوت الله، وينزلوا الوحي إلى من يختارون. فالآية آتية في أداء هذا المعنى، ولكنها حوت معجزة من معجزات القرآن التي تثبت أن القرآن وحي، وأنه فوق الشك، وذلك أن قوله تعالى: فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ* جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ أشعر أن عملية الارتقاء في الأسباب الموصلة إلى السماء كائنة، وأن أكثر من طرف داخل في عملية السباق هذه، وأن أحد الأطراف سيهزم، وأن جميع الأطراف كافرة، بدليل قوله تعالى بعد ذلك كَذَّبَتْ

стр. 4534

قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ... وهذا الذي أفهمنا إياه النص هو الذي رأيناه في عصرنا، إذ حدث السباق في الارتقاء في الأسباب إلى السماء بين أمريكا وروسيا، فسبقت أمريكا- حتى كتابة هذه السطور- في هذا الارتقاء، وأنزلت بشرا على القمر وهي ماضية في برامجها. ولننتقل إلى المقطع الأول. ***

стр. 4535

المقطع الأول ويمتد من الآية (١٧) إلى نهاية الآية (٦٤) وهذا هو: ٣٨/ ٦٤ - ١٧

стр. 4536

٣٨/ ٢٧ - ٤٥

стр. 4537

٣٨/ ٤٦ - ٦٤ ملاحظة في السياق: [حول صلة المقطع الأول بالمقدمة وبموضوع السورة الرئيسي] يلاحظ أن المقطع بدئ بقوله تعالى: اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ... فبعد أن تبيّن في المقدمة أن الإنذار لا ينفع بالكافرين، فالسورة تتوجّه بالخطاب إلى رسول الله ﷺ ، آمرة إياه بالصبر والذكر، فتأمره أن يذكر داود، ثم أيوب، ثم إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ثم إسماعيل واليسع وذا الكفل عليهم الصلاة والسلام مما يشير إلى أن على الرسول ﷺ أن يأخذ دروسا من هؤلاء ﵈. فالسورة بعد أن بيّنت انعدام فائدة الإنذار في هذا الصنف من الكافرين، بدأت تعطي

стр. 4538

دروسا للنذير، من خلال أمره أن يذكر هؤلاء المذكورين، ثم تأتي في نهاية المقطع مجموعة مبدوءة بقوله تعالى: هذا ذِكْرٌ مما يشير إلى أن المقطع يعطينا نماذج على كون القرآن ذكرا، وهي الصفة التي وصف بها القرآن في أول السورة: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ فالمقطع إذن برهان عملي على أن القرآن ذكر، وفي ذلك إقامة حجة على الكافرين، فإذا كان القرآن الذي هو ذكر من الله، وتذكير للإنسان، لم ينفع فيهم، بل شكّوا فيه وأعرضوا عنه ورفضوه، فإنّ أمثال هؤلاء ما عاد ينفع فيهم شئ، وليس لهم إلا العذاب. التفسير: اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ من أقوال كافرة فاجرة شاكّة ناقدة. قال النّسفي: (أي) اصبر على ما يقولون فيك، وصن نفسك أن تزلّ فيما كلّفت من مصابرتهم، وتحمّل أذاهم وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ لتأخذ من هذا الذكر دروسا وعبرا، ومن ذلك أنّه مع كرامته على الله زل تلك الزّلة اليسيرة، فلقي من عتاب الله ما لقي ذَا الْأَيْدِ أي ذا القوة في الدين، أو ذا القوة في العلم والعمل. وقال قتادة: أعطي داود ﵊ قوة في العبادة، وفقها في الإسلام إِنَّهُ أَوَّابٌ أي رجّاع إلى الله في جميع أموره وشئونه. قال النسفي: وهو تعليل لذي الأيد إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ أي ذلّلناها معه يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ قال ابن كثير: أي أنه تعالى سخّر الجبال تسبّح معه عند إشراق الشمس وآخر النهار. قال النسفي: واختار (يسبحن) على مسبحات ليدلّ على حدوث التسبيح من الجبال شيئا بعد شئ، وحالا بعد حال ... والعشي: وقت العصر إلى الليل، والإشراق: وقت الإشراق، وهو حين تشرق الشمس أي تضئ، وهو وقت الضحى وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً أي وسخّرنا الطير مجموعة من كل ناحية، تسبّح بتسبيحه وترجّع بترجيعه كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ أي مطيع مسبّح، لأنها كانت تسبّح لتسبيحه، ووضع الأوّاب موضع المسبّح لأنّ الأوّاب وهو التّواب الكثير الرجوع إلى الله وطلب مرضاته من عادته أن يكثر ذكر الله، ويديم تسبيحه وتقديسه. وقيل الضمير لله. أي كل من داود والجبال والطير لله أوّاب أي مسبّح مرجّع للتسبيح وَشَدَدْنا مُلْكَهُ أي قوّيناه. قال ابن كثير: أي جعلنا له ملكا كاملا من جميع ما يحتاج إليه الملوك. قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: كان أشدّ أهل الدنيا سلطانا وَآتَيْناهُ

стр. 4539

الْحِكْمَةَ قال النسفي: (أي: الزبور وعلم الشرائع، وقيل: كل كلام وافق الحق فهو حكمة. وقال مجاهد: يعني الفهم والعقل والفطنة، وقال مرة: العدل، وقال مرة: الصواب. وقال قتادة: كتاب الله واتباع ما فيه. وقال السّدّي: النبوة). وكل ذلك أوتيه داود ﵇ وَفَصْلَ الْخِطابِ قال النسفي: (أي: علم القضاء، وقطع الخصام، والفصل بين الحق والباطل، والفصل: هو التمييز بين الشيئين ... ، وفصل الخطاب: البين من الكلام الملخص يتبينه من يخاطب به لا يلتبس عليه ... والمراد بفصل الخطاب: الفاصل من الخطاب الذي يفصل بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، وهو كلامه في القضايا والحكومات، وتدابير الملك والمشورات). وقال مجاهد: هو الفصل في الكلام وفي الحكم. قال ابن كثير: وهو المراد. واختاره ابن جرير. ... كلمة في السياق: نلاحظ أن الله وصف داود ﵇ بالقوة والأوبة، وهما مطلوبان من كل مسلم أن يكون قويا رجّاعا إلى الله ، وهاتان الصفتان في سياق السورة تبيّنان أن المسلم يجابه الكفر بالصبر والقوة، والرجوع إلى الله، وذكرت لنا الآيات ما أعطى الله داود بهاتين الصفتين: من تسبيح الجبال، والطير معه، ومن تقوية ملكه، وإيتائه الحكمة، وإعطائه فصل الخطاب في القول إذا تكلم، فكأنّ الله يقول للمسلم: أيها المسلم كن صابرا قويا، أوّابا، وسأعطيك الكثير كما أعطيت داود ﵇. هذا هو الدرس الأول من ذكر قصة داود ﵇ في سياق هذه السورة. والآن يقصّ الله علينا حادثة عن داود ﵇ يتبيّن لنا فيها كيف أنّ داود ﵇ كان أوّابا، وفيها مثل على حكمة داود وعلى إعطائه الحكمة وفصل الخطاب. فالحادثة تخدم قصة داود ﵇ في جوانب متعددة. ... وَهَلْ أَتاكَ يا محمد نَبَأُ الْخَصْمِ أي خبر الخصماء. قال النسفي: ظاهر الاستفهام ومعناه الدلالة على الأنباء العجيبة إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ أي تصعّدوا سوره ونزلوا إليه، والسور: الحائط المرتفع، والمحراب: الغرفة أو المسجد، أو صدر المسجد إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قال ابن كثير: (إنما كان ذلك لأنه كان

стр. 4540

في محرابه وهو أشرف مكان في داره، وكان قد أمر أن لا يدخل عليه أحد ذلك اليوم، فلم يشعر إلا شخصين قد تسوّرا عليه المحراب، أي احتاطا به يسألانه عن شأنهما) قالُوا الضمير يعود على الخصم، ولذلك جمع مع أنهما كانا اثنين. والظاهر أنهما ملكان في صورة إنسانين لا تَخَفْ خَصْمانِ أي نحن خصمان بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ أي تعدّى بعضنا على بعض وظلم فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ أي ولا تجر أي لا تتجاوز الحدّ ولا تتخطّى الحقّ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ أي وأرشدنا إلى وسط الطريق ومحجّته، والمراد عين الحق ومحضه إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ المراد بالأخوّة هنا أخوّة الدنيا، أو أخوّة الصداقة والألفة، أو أخوّة الشركة والخلطة فَقالَ أَكْفِلْنِيها أي ملّكنيها. أي اجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي، أو اجعلها كفلي أي نصيبي وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ أي وغلبني في الخصومة. أي إنه كان أقدر على الاحتجاج مني قالَ داود ﵇ حاكما بينهما لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ قال النسفي: (وإنما ظلم الآخر بعد ما اعترف به خصمه، ولكنّه لم يحك في القرآن لأنّه معلوم). وعقّب على حكمه بقاعدة عظيمة من قواعد التعايش والخلطة فقال: وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ أي الشركاء والأصحاب، والمتخالطين مع بعضهم في بيت أو سجن أو دائرة لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ أي ليظلم بعضهم بعضا إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ فهذا القليل الصالح وحده لا يظلم بعضه بعضا في الخلطة وَظَنَّ داوُدُ أي علم وأيقن أَنَّما فَتَنَّاهُ أي اختبرناه وابتليناه، وأنّه المراد بهذا المثل فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً أي سقط على وجهه ساجدا لله وَأَنابَ أي ورجع إلى الله بالتوبة فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ أي ما ظنّ داود أنّه وقع فيه، ومن أجل ذلك اختصم إليه الملكان وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى أي لقربة وَحُسْنَ مَآبٍ أي مرجع وهو الجنة. قال ابن كثير في قوله تعالى: فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ: (أي ما كان منه مما يقال فيه إن حسنات الأبرار سيئات المقربين) وسنرى في الفوائد ما هي القضية التي تنسب لداود ﵇ وعوتب فيها. وقد فهمنا من الحادثة نموذجا من حكمة داود ﵇، ونموذجا من إيتائه فصل الخطاب، ونموذجا من أوبته إلى الله وهي- والله أعلم- المقاصد الرئيسية من عرض الحادثة في هذا السياق. ثم خاطب الله داود ﵇ خطابا هو درس لكل من ولّاه الله شأنا من شئون الأمة يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ

стр. 4541

خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ قال النسفي: (أي استخلفناك على الملك في الأرض، أو جعلناك خليفة ممن كان قبلك من الأنبياء القائمين بالحق) وفيه دليل على أن حاله بعد التوبة بقيت على ما كانت عليه لم تتغيّر فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ قال النسفي: أي بحكم الله إذ كنت خليفته، أو بالعدل وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى أي هوى النفس في قضائك وحكمك فَيُضِلَّكَ الهوى عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي عن دينه وشرعه وطريقه إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ أي بنسيانهم يوم الحساب. قال السّدّي: (أي) لهم عذاب شديد بما تركوا أن يعملوا ليوم الحساب. قال ابن كثير: (هذه وصية من الله لولاة الأمور، أن يحكموا بين الناس بالحق المنزّل من عنده ﵎، ولا يعدلوا عنه؛ فيضلّوا عن سبيل الله، وقد توعّد ﵎ من ضلّ عن سبيله وتناسى يوم الحساب بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد). ... كلمة في السياق: نلاحظ أنه بعد الأمر لداود ﵇ بالحكم بالحق، وترك اتباع الهوى، تأتي الآن ثلاث آيات تفصل بين الكلام عن داود وسليمان ﵉، فكأن هذه الآيات تعلّل للأمر بالحكم بالحق، وللنهي عن اتباع الهوى، وتعلّل لمجئ اليوم الآخر والحساب. .. وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما من الخلق باطِلًا أي خلقا باطلا أي ما خلقناهما وما بينهما للعبث واللعب، ولكن للحق المبين، وهو أنا خلقنا نفوسا أودعناها العقل، ومنحناها التمكين، وأزحنا عللها، ثمّ عرّضناها للمنافع العظيمة بالتكليف، وأعددنا لها عاقبة وجزاء على حسب أعمالهم. قال ابن كثير: (يخبر تعالى أنه ما خلق الخلق عبثا، وإنّما خلقهم ليعبدوه ويوحّدوه، ثمّ يجمعهم يوم الجمع فيثيب المطيع ويعذّب الكافر) ثم أخبر تعالى أن خلق السموات والأرض باطلا ظن الكافرين قال تعالى: ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي الذين لا يرون بعثا ولا معادا، وإنما يعتقدون أن ليس إلّا هذه الدار فقط. قال النسفي: (أي خلقها للعبث لا للحكمة

стр. 4542

هو مظنون الذين كفروا، وإنما جعلوا ظانين أنه خلقها للعبث لا للحكمة مع إقرارهم بأنه خالق السموات والأرض وما بينهما لقوله وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ* لأنه لما كان إنكارهم للبعث والحساب والثواب والعقاب مؤديا إلى أن خلقها عبث وباطل جعلوا كأنهم يظنون ذلك ويقولونه؛ لأن الجزاء هو الذي سيقت إليه الحكمة في خلق العالم، فمن جحده فقد جحد الحكمة في خلق العالم). فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أي ويل لهم يوم معادهم ونشورهم من النار المعدّة لهم. ثم بيّن تعالى أنّه من عدله وحكمته لا يساوي بين المؤمنين والكافرين فقال تعالى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ* أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ الاستفهام في الآية للإنكار. قال النّسفي: والمراد أنه لو بطل الجزاء- كما يقول الكافرون- لاستوت أحوال من أصلح وأفسد واتقى وفجر، ومن سوّى بينهم كان سفيها ولم يكن حكيما. وقال ابن كثير في الآية: أي لا نفعل ذلك (وهي التسوية بين المؤمنين والكافرين والمتقين والفجار) ولا يستوون عند الله، وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من دار أخرى يثاب فيها المطيع، ويعاقب فيها هذا الفاجر، وهذا الإرشاد يدلّ العقول السليمة والفطر المستقيمة على أنّه لا بدّ من معاد وجزاء؛ فإنا نرى الظالم الباغي يزداد ماله وولده ونعيمه ويموت كذلك، ونرى المطيع المظلوم يموت بكمده، فلا بدّ في حكمة الحكيم العليم العادل، الذي لا يظلم مثقال ذرة، من إنصاف هذا من هذا، وإذا لم يقع هذا في هذه الدار. فتعيّن أن هناك دارا أخرى لهذا الجزاء والمواساة، ولما كان القرآن يرشد إلى المقاصد الصحيحة، والمآخذ العقلية الصريحة، قال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ أي هذا كتاب أنزلناه إليك يعني القرآن لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ أي ليتدبّروا آياته ومعناه: ليتفكّروا فيها فيقفوا على ما فيه، ويعملوا به وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ أي وليتعظ بالقرآن أولو العقول. قال الحسن البصري: والله ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول قرأت القرآن كله، ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل. رواه ابن أبي حاتم. ... كلمة في السياق: ذكرنا أن هذه الآيات الثلاث جاءت في وسط الكلام عن داود وسليمان ﵉ وارتباطها بالسياق القريب واضح كما رأينا. فبعد أن ذكر الله نهيه داود

стр. 4543

عليه السلام عن اتّباع الهوى، وأمره إياه بالحكم بالحق، وتبيانه جزاء الضالين يوم القيامة، جاءت الآيتان التاليتان لذلك لتبيّنا ضرورة وجود اليوم الآخر وحكمته، واقتضى هذا أن تأتي الآية الثالثة لتبيّن حكمة نزول القرآن، إذ ما دام هناك يوم آخر فلا بدّ من وحي، وكان هذا الوحي في الرسالة الخاتمة هو القرآن الذي أنزله الله للتدبّر والتذكّر، فإذا اتضح هذا فلنتساءل ما محل هذه الآيات في سياق السورة والمقطع؟ لاحظنا أن المقطع بدأ بقوله تعالى: اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ... فالمقطع يبدأ بالأمر بذكر داود ﵇ مما يوحي أنّ المقطع يأتي من أجل تبيان نماذج من كون هذا القرآن ذكرا؛ فهو يذكّر من خلال القصة والحادثة، ويذكّر من خلال التقرير، ويذكّر من خلال العرض، وقد ذكّرنا في قصّة داود ﵇ من خلال القصة، وذكّرنا في الآيات الثلاث في الوسط من خلال التقرير، وختم الآيات بتبيان وتأكيد كون القرآن مذكّرا وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ وصلة ذلك ببداية السورة وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ واضحة. فالسّورة نموذج على كون القرآن ذكرا. ومجئ الآيات الثلاث بعد قوله تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ ... فيه إشارة إلى أهمية ما ورد في الآية، حتى جاءت ثلاث آيات بعدها لتعضّد مضمونها، فالحكم بالحق وترك اتباع الهوى من أعظم المقاصد في هذه الشريعة، وفي ختم الآيات الثلاث بقوله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ ... فيه إشارة إلى أن القرآن هو ميزان الحق، وميزان عدم اتباع الهوى، وفي ختم الآية الأخيرة بقوله تعالى: لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ما يفيد أن في السياق من العبر ما يحتاج إلى تدبّر، وتذكّر كبيرين، وبعد هذا الفاصل الذي خدم سياق السورة القريب والعام خدمات كثيرة يعود السياق إلى الحديث عن داود ﵇. ... وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ وفي ذكر هبة الله داود سليمان ﵉ في هذا المقام ما يشير إلى أنّ هذه الهبة مكافأة لداود ﵇ على ما مرّ، ممّا يشير إلى أنّه قد قام بحق الاستخلاف، وحكم بالحق، وترك اتباع الهوى نِعْمَ الْعَبْدُ أي سليمان إِنَّهُ أَوَّابٌ هذا تعليل لاستحقاقه الثناء، والأواب: هو الكثير الرجوع إلى الله تعالى، فكما كان أبوه أوّابا فهو أوّاب، وكما أعطي أبوه ما أعطي، فقد أعطي هو الكثير؛ مكافأة له على أوّابيته، وكما عرض الله حادثة تدل على أوّابيّة داود عليه

стр. 4544

السلام، فإنه الآن يقصّ علينا حادثة تدلّ على أوّابيّة سليمان ﵇، وتخصيص سليمان ﵇ بالذكر بأنّه هبة الله إلى داود- مع أن داود كان له بنون غيره- يدلّ على أنّ المراد بهذه الهبة جعله سليمان نبيا إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ أي على سليمان ﵇ بِالْعَشِيِّ أي بعد الظهر الصَّافِناتُ هي الخيل التي تقف على ثلاث، وطرف حافر الرابعة الْجِيادُ أي السراع، جمع جواد لأنه يجود بالركض. قال النسفي: (وصفها بالصفون لأنه لا يكون في الهجان، وإنّما هو في العراب، وقيل وصفها بالصفون والجودة ليجمع لها بين الوصفين المحمودين، واقفة وجارية، يعني إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها، وإذا جرت كانت سراعا خفافا في جريها وقيل الجياد الطوال الأعناق من الجيد ... ) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ أي المال أي الخيل عَنْ ذِكْرِ رَبِّي أي عن صلاتي حَتَّى تَوارَتْ الشمس بِالْحِجابِ قال النسفي: (والذي دلّ على أنّ الضمير للشمس مرور ذكر العشي، ولا بد للضمير من جري ذكر أو دليل ذكر، أو الضمير للصافنات أي حتى توارت بحجاب الليل يعني الظلام رُدُّوها عَلَيَّ أي ردّوا الصافنات عليّ فَطَفِقَ أي فجعل مَسْحاً أي يمسح السيف بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ أي يقطّعها لأنّها منعته عن الصلاة، وكانت الخيل مأكولة في شريعته، فلم يكن إتلافا. وسنرى في الفوائد كلام ابن كثير في هذا المقام. ... كلمة في السياق: تبيّن لنا هذه الحادثة أوابيّة سليمان ﵇، إذ رأينا سليمان ﵇ قد أشغله الاستعراض عن ذكر الله، ففعل ما فعل معاقبة لنفسه، وغضبا لله، بأن قتل ما شغله عن ذكر الله ، وفي ذلك درس لكل حاكم مسلم ألا تشغله الاستعراضات عن ذكر الله ، وألا يستغرقه شأن عن واجباته تجاه ربه ، وبعد أن ذكر الله هذه الحادثة التي دلّتنا على أوّابية سليمان ﵇، ذكر حادثة أخرى تدلّ على ذلك: ... وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ أي اختبرناه وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ أي: على سرير ملكه جَسَداً أي: لا روح فيه، أي لا إيمان كامل فيه، أو جسد ميّت عزيز

стр. 4545

عليه؛ عتابا له على حرصه عليه حرصا كبيرا استغرق قلبه عن التوكل ثُمَّ أَنابَ أي: رجع إلى الله وتاب، فهو أوّاب في كل حال، في حال الغفلة عن الشكر، أو في حال الاختبار والابتلاء. ... نقل: سننقل فيما بعد بعض كلام المفسّرين حول الخيل، وحول الجسد في قصة سليمان ﵇، وهاهنا ننقل ما ذكره صاحب الظلال في ذلك، قال ﵀: (والإشارتان الواردتان هنا عن الصافنات الجياد وهي الخيل الكريمة. وعن الجسد الذي ألقي على كرسي سليمان .. كلتاهما إشارتان لم تسترح نفسي لأي تفسير أو رواية مما احتوته التفاسير والروايات عنهما. فهي إما إسرائيليات منكرة، وإما تأويلات لا سند لها. ولم أستطع أن أتصور طبيعة الحادثين تصوّرا يطمئن إليه قلبي، فأصوره هنا وأحكيه. ولم أجد أثرا صحيحا أركن إليه في تفسيرهما وتصويرهما سوى حديث صحيح. صحيح في ذاته ولكن علاقته بأحد هذين الحادثين ليست أكيدة. هذا الحديث هو ما رواه أبو هريرة- ﵁ عن رسول الله ﷺ وأخرجه البخاري في صحيحه مرفوعا. ونصه: «قال سليمان: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة. كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله. ولم يقل: إن شاء الله. فطاف عليهن فلم يحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل. والذي نفسي بيده، لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون» .. وجائز أن تكون هذه هي الفتنة التي تشير إليها الآيات هنا. وأن يكون الجسد هو هذا الوليد الشق. ولكن هذا مجرد احتمال ... أما قصة الخيل فقيل: إن سليمان- ﵇ استعرض خيلا له بالعشي. ففاته صلاة كان يصليها قبل الغروب. فقال: ردّوها عليّ. فردوها عليه فجعل يضرب أعناقها وسيقانها جزاء ما شغلته عن ذكر ربه. ورواية أخرى أنه إنما جعل يمسح سوقها وأعناقها إكراما لها لأنها كانت خيلا في سبيل الله ... وكلتا الروايتين لا دليل عليهما. ويصعب الجزم بشيء عنها. ومن ثمّ لا يستطيع متثبّت أن يقول شيئا عن تفصيل هذين الحادثين المشار إليهما في القرآن.

стр. 4546

وكل ما نخرج به هو أنه كان هناك ابتلاء من الله وفتنة لنبي الله سليمان- ﵇ في شأن يتعلّق بتصرفاته في الملك والسلطان كما يبتلي الله أنبياءه ليوجّههم ويرشدهم، ويبعد خطاهم عن الزلل. وأن سليمان أناب إلى ربه ورجع، وطلب المغفرة؛ واتجه إلى الله بالدعاء والرجاء). كلمة في السياق: إن ذكر ابتلاء سليمان ﵇ في هذا المقام يؤدي دوره الرئيسي في السياق في تبيان أوّابيّة سليمان ﵇، ولكنّه يشعرنا- لوروده بعد حادثة غفلة- أن هذا الامتحان كان عقوبة له على تلك الغفلة، مما يعطينا درسا في أصول التعامل مع الله ، في ألا يفرط الإنسان، لأنه لا تفريط إلا وتعقبه عقوبة بشكل من الأشكال. فليحذر الإنسان سخط الله . وسنذكر في الفوائد ما يذكره المفسرون عن فتنة سليمان ﵇ هذه. ولنعد إلى التفسير لنرى دعاء سليمان ﵇، وما أعطاه الله مكافأة له على أوّابيّته: ... قالَ سليمان ﵇ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي أي لا يكون لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي قدّم الاستغفار على استيهاب الملك جريا على عادة الأنبياء- ﵈ والصالحين في تقديم الاستغفار على السؤال. قال النسفي: (وإنّما سأل بهذه الصفة ليكون معجزة له لا حسدا، وكان قبل ذلك لم يسخّر له الريح والشياطين، فلمّا دعا بذلك سخّرت له الريح والشياطين، ولن يكون معجزة حتى يخرق العادات) إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ تهب من تشاء ما تشاء فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ أي بأمر سليمان ﵇ رُخاءً أي ليّنة طيّبة حَيْثُ أَصابَ أي حيث أراد وقصد وَالشَّياطِينَ أي وسخّرنا له الشياطين كُلَّ بَنَّاءٍ يبني له من الأبنية الهائلة من المحاريب والتماثيل والجفان إلى غير ذلك من الأعمال الشاقّة التي لا يقدر عليها البشر وَغَوَّاصٍ أي: ويغوصون له في البحر، يستخرجون ما بها من اللآلئ والأشياء النفيسة التي لا توجد إلا فيها وَآخَرِينَ من الشياطين مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ قال ابن كثير: (أي موثوقون في الأغلال والأكبال ممّن تمرد وعصى وامتنع من العمل وأبى، أو قد أساء في صنيعه واعتدى) هذا

стр. 4547

عَطاؤُنا أي: هذا الذي أعطيناك من الملك والمال والبسطة عطاؤنا فَامْنُنْ أي: فأعط منه ما شئت من المنّة وهي العطاء أَوْ أَمْسِكْ عن العطاء. قال النّسفي: (وكان إذا أعطى أجر، وإن منع لم يأثم بخلاف غيره) بِغَيْرِ حِسابٍ أي: هذا عطاؤنا جمّا كثيرا، لا يكاد يقدر على حصره، أو بغير حساب، أي: لا حساب عليك في ذلك. قال ابن كثير: (أي هذا الذي أعطيناك من الملك التام، والسلطان الكامل كما سألتنا، فأعط من شئت، واحرم من شئت، لا حساب عليك، أي: مهما فعلت فهو جائز لك. احكم بما شئت فهو صواب) ثمّ نبّه الله على أنّ سليمان ﵇ ذو حظ عظيم عند الله يوم القيامة أيضا. ومن ثمّ قال: وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى أي: لقربى وَحُسْنَ مَآبٍ أي: وحسن مرجع. أي: في الدار الآخرة. ... كلمة في السياق: ١ - نلاحظ أنّ قصّة داود وسليمان ﵉ بدأت بقوله تعالى: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ... والآن تأتي قصة أيّوب ﵇ مبدوءة بقوله تعالى: وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ فالسياق كله في موضوع الذكر والتذكير، وذلك شأن المقطع كله، الذكر والتذكير للمنذر والنذير، فهي دروس للنذير الذي يقابله الكافرون بالإعراض، ليطمئنّ إلى رعاية الله وعطائه، وهي دروس للمنذرين الذين يستفيدون من الإنذار. ٢ - نلاحظ أنّ الأوّابيّة هي الدرس الأعظم الذي قدّمه لنا السّياق في قصة داود وسليمان ﵉، وهو الدرس الرئيسي الذي نجده في قصة أيوب ﵇. فلنر قصة أيوب ﵇ في السورة: ... وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أي: دعاه أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ أي: بتعب ومشقّة وَعَذابٍ يريد مرضه، وما كان يقاسي فيه من أنواع الوصب، فعند ما دعا الله بهذا الدعاء استجاب له أرحم الراحمين، وأمره أن يقوم من مقامه، وأن يركض الأرض برجله، ففعل، فأنبع الله تعالى عينا، وأمره أن

стр. 4548

يغتسل منها، فأذهبت جميع ما كان في بدنه من الأذى. قال ابن كثير: (ثم أمره فضرب الأرض في مكان آخر، فأنبع له عينا أخرى، وأمره أن يشرب منها، فأذهبت جميع ما كان في باطنه من السوء، وتكاملت العافية ظاهرا وباطنا) ولهذا قال ﵎: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ اضرب برجلك الأرض، فضربها، فنبعت عين فقيل له: هذا مغتسل بارد وشراب. قال النسفي: (أي هذا ماء تغتسل به وتشرب منه فيبرأ باطنك وظاهرك وقيل: نبعت له عينان فاغتسل من إحداهما وشرب من الأخرى، فذهب الداء من ظاهره وباطنه بإذن الله تعالى). وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ قال ابن كثير: (قال الحسن وقتادة: أحياهم الله تعالى له بأعيانهم وزادهم مثلهم معهم) رَحْمَةً مِنَّا أي به على صبره وثباته وإنابته وتواضعه واستكانته وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ أي ولتذكير أولي الألباب، لأنهم إذا سمعوا بما أنعمنا به عليه- لصبره وأوّابيّته- رغّبهم ذلك الصبر والأوّابيّة ليعلموا أن عاقبة الصبر الفرج، والمخرج والرحمة وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً أي: حزمة صغيرة من حشيش، أو ريحان أو غير ذلك فَاضْرِبْ بِهِ زوجتك وَلا تَحْنَثْ أي: بيمينك، قال ابن كثير: (وذلك أن أيوب ﵊ كان قد غضب على زوجته، ووجد عليها في أمر فعلته، وقيل: باعت ضفيرتها بخبز فأطعمته إيّاه فلامها على ذلك، وحلف إن شفاه الله تعالى ليضربنّها مائة جلدة، وقيل لغير ذلك من الأسباب، فلما شفاه الله وعافاه ما كان جزاؤها مع هذه الخدمة التامة، والرحمة والشفقة والإحسان أن تقابل بالضرب، فأفتاه الله أن يأخذ ضغثا: وهو الشمراخ، فيه مائة قضيب، فيضربها به ضربة واحدة، وقد برّت يمينه، وخرج من حنثه، ووفى بنذره. وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله تعالى وأناب إليه). وقال النسفي: (وكان حلف في مرضه ليضربن امرأته مائة إذا برأ، فحلل الله يمينه بأهون شئ عليه وعليها؛ لحسن خدمتها إياه، وهذه الرخصة باقية، ويجب أن يصيب المضروب كل واحدة من المائة، والسبب في يمينه أنها أبطأت عليه ذاهبة في حاجة، فحرج صدره، وقيل باعت ذؤابتيها برغيفين وكانتا متعلق أيوب ﵇ إذا قام). إِنَّا وَجَدْناهُ أي: علمناه صابِراً أي: على البلاء، صحيح أنّه قد شكا إلى الله ما به واسترحمه، لكن الشكوى إلى الله لا تسمى جزعا بل هي محض العبودية، ثم أثنى الله تعالى عليه ومدحه بقوله نِعْمَ الْعَبْدُ أيوب إِنَّهُ أَوَّابٌ أي: رجّاع منيب.

стр. 4549

نقل: بمناسبة الكلام عن أيوب ﵇ قال صاحب الظلال: (وقصة ابتلاء أيوب وصبره ذائعة مشهورة؛ وهي تضرب مثلا للابتلاء والصبر. ولكنها مشوبة بإسرائيليات تطغى عليها. والحد المأمون في هذه القصة هو أن أيوب- ﵇ كان- كما جاء في القرآن- عبدا صالحا أوّابا؛ وقد ابتلاه الله فصبر صبرا جميلا، ويبدو أن ابتلاءه كان بذهاب المال والأهل والصحة جميعا. ولكنه ظل على صلته بربه، وثقته به، ورضاه بما قسم له. وكان الشيطان يوسوس لخلصائه القلائل الذين بقوا على وفائهم له، ومنهم زوجته، بأن الله لو كان يحب أيوب ما ابتلاه. وكانوا يحدثونه بهذا فيؤذيه في نفسه أشد مما يؤذيه الضر والبلاء. فلما حدّثته امرأته ببعض هذه الوسوسة حلف لئن شفاه الله ليضربنها عددا عيّنه- قيل: مائة. وعندئذ توجه إلى ربه بالشكوى مما يلقى من إيذاء الشيطان، ومداخله إلى نفوس خلصائه، ووقع هذا الإيذاء في نفسه: أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ. فلما عرف ربه منه صدقه وصبره، ونفوره من محاولات الشيطان، وتأذيه بها، أدركه برحمته. وأنهى ابتلاءه، ورد عليه عافيته. إذ أمره أن يضرب الأرض بقدمه فتتفجر عين باردة يغتسل منها ويشرب فيشفى ويبرأ: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ. هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ. ويقول القرآن الكريم: وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ. وتقول بعض الروايات: إن الله أحيا له أبناءه ووهب له مثلهم، وليس في النص ما يحتم أنه أحيا له من مات. وقد يكون معناه أنه بعودته إلى الصحة والعافية قد استرد أهله الذين كانوا بالنسبة إليه كالمفقودين. وأنه رزقه بغيرهم زيادة في الإنعام والرحمة والرعاية. مما يصلح ذكرى لذوي العقول والإدراك). كلمة في السياق: [حول قصة أيوب وصلتها بالمقطع وصلة سورة (ص) بسورة الأنبياء] ١ - إن قصة أيوب ﵇ في هذا السياق هي الشئ الثاني الذي أمر الله

стр. 4550

رسوله ﷺ أن يذكره؛ لما فيها من دروس للنذير، ولأولي العقول من البشر في فضيلة الأوبة إلى الله، والصبر على بلائه. ويلاحظ أن قصة أيوب ﵇ تأتي هنا عقب قصة سليمان ﵇ كما هي في سورة الأنبياء، وفي ذلك إشارة إلى أن الله يبتلي بالنعمة، كما يبتلي بالمحنة، ومهمة العبد أن ينجح في الابتلاءين، ومن السياق هنا نعلم أنّ الأوّابيّة هي الصّفة المرشح أهلها للنّجاح في الامتحانات الإلهية. ٢ - رأينا أن سورة الأنبياء كانت تفصيلا لقوله تعالى في سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وقد آن لنا أن نلاحظ الشبه الكبير بين سورة الأنبياء، وسورة (ص) سواء في مقدمتها، أو في ذكر بعض النماذج والأمثلة فيها، مما يؤكد ما ذهبنا إليه من أن محور سورة (ص) هو نفس محور سورة الأنبياء. ٣ - نلاحظ أن قصة أيوب ﵇ ورد فيها قوله تعالى: وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ، ونلاحظ أنه في وسط قصة داود وسليمان ﵉ ورد قوله تعالى في القرآن وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ مما يشير إلى أن المقطع كله بيان لكون القرآن ذكرا، وعلى هذا فهو يعرض في سياقه نماذج تؤكّد أنه ذكر. وصلة ذلك بقوله تعالى: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ واضحة. إنّ في تبيان أن القرآن ذكر، وإقامة الدليل على ذلك في سياق السورة التي تتحدّث عن عدم استفادة الكافرين من الإنذار دليلا على أن العلة في الكافرين، والحجة قائمة عليهم، وسيتّضح هذا في الأمرين القادمين الآتيين بصيغة (واذكر): ... وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي. قال ابن عباس: أي: أولي القوة وَالْأَبْصارِ أي: الفقه في الدين. قال ابن كثير: (يعني بذلك العمل الصالح، والعلم النافع، والقوة في العبادة، والبصيرة النافذة). قال النسفي: أي: (أولي الأعمال الظاهرة، والفكر الباطنة) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ أي جعلناهم لنا خالصين بِخالِصَةٍ أي: بخصلة صالحة، لا شوب فيها ذِكْرَى الدَّارِ أي: هي ذكر الدار، أو يعني ذكر الدار الآخرة. قال النسفي: (يعني: جعلناهم لنا خالصين بأن جعلناهم يذكّرون النّاس الدار الآخرة، ويزهّدونهم في الدنيا، أو معناه: أنّهم يكثرون ذكر الآخرة، والرّجوع إلى الله، وينسون ذكر الدنيا). قال مجاهد: أي: جعلناهم

стр. 4551

يعملون للآخرة ليس لهم همّ غيرها وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ أي: المختارين من بين أبناء جنسهم الْأَخْيارِ جمع خيّر. قال ابن كثير: (أي المختارين المجتبين الأخيار، فهم أخيار مختارون. ... كلمة في السياق: يلاحظ أنه قال عن داود ﵇: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ وهاهنا قال عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب: أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ وفي ذلك درس للنذير وأمته. وفي قوله تعالى: إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ تبيان لطريق السير إلى أن يكون الإنسان من المخلصين. وفي ذلك درس ثان للنذير وأمته. وفي الأمر بذكر الرّسل عليهم الصّلاة والسّلام إشعار بأن لله رسلا قبل محمد ﷺ قد بعثوا بالتوحيد والإنذار، فليس محمد ﷺ ببدع من الرسل، فعجب الكافرين الذي ذكره الله لنا في أوّل السورة في غير محله. وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ يدلّنا على هذا الآية الآتية، إذ ليس فيها إلا الأمر بذكر مجموعة من الرسل عليهم الصلاة والسلام. وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وهو خليفة إلياس في قومه بني إسرائيل وَذَا الْكِفْلِ نقل الألوسي عن وهب بن منبه: (أن الله بعث بعد أيوب ﵇ شرف بن أيوب نبيا وسمّاه ذا الكفل) والاختلاف في شأن ذي الكفل ﵇ كثير وَكُلٌّ أي: وكلهم مِنَ الْأَخْيارِ. كلمة في السياق: ١ - بالآية الأخيرة تنتهي الأوامر بصيغة وَاذْكُرْ الآتية في هذا المقطع وفي السورة، ويأتي بعد هذا مباشرة- كما سنرى- قوله تعالى: هذا ذِكْرٌ قال ابن كثير: (أي هذا فصل فيه ذكر لمن يتذكّر وقال السدي: يعني: القرآن العظيم). ممّا يدلّ على ما ذكرناه من قبل أن في هذا المقطع نموذجا على كون هذا القرآن ذكرا يذكّر بالله ، وصفاته وأفعاله، وإنعامه واختباره، وعطائه وشرعه وسنته وغير ذلك. وكون القرآن على مثل هذا الكمال في الذكر فذلك وحده دليل على أنّه من عند الله، وإلا فمن من البشر قادر على أن يأتي بكتاب فيه كل شئ، وهو ذكر كله؟ وفي

стр. 4552

هذا إقامة حجّة على الكافرين الذين لا يستفيدون من الإنذار إذ لم يبق لهم ما يتعلّقون به بعد هذا القرآن، ولئن كان المقطع أدى دوره في هذا الموضوع فهو يؤدي دوره كذلك في تعليم النّذير وأمّته ما ينبغي أن يكونوا عليه من الكمال، غير ملتفتين إلى أقوال الكافرين ومواقفهم. ٢ - لقد رأينا في هذا المقطع كيف أن هذا القرآن ذكر من خلال تذكيره بفعل الله برسله، ومن خلال ذكره لكمال رسله وهديهم، ومن خلال تقريره للحجج القاطعة كما رأينا نموذج ذلك في الآيات الآتية في وسط الكلام عن داود وسليمان ﵉، وسنرى الآن المجموعة الأخيرة في المقطع كنموذج على كون القرآن ذكرا من خلال عرضه ما أعد الله للمتقين وللظالمين. فلنر المجموعة الأخيرة: ... هذا ذِكْرٌ قال ابن كثير: (أي هذا فصل فيه ذكر لمن يتذكّر. وقال السدي يعني القرآن العظيم) وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ أي لحسن مرجع ومنقلب. ... كلمة في السياق: قد وجّه النسفي هذه الآية على الشكل التالي: قال: (أي: هذا شرف وذكر جميل، يذكرون فيه أبدا، وإنّ لهم مع ذلك لحسن مرجع، يعني: يذكرون في الدنيا بالجميل، ويرجعون في الآخرة إلى مغفرة رب جليل). وعلى هذا فالنسفي يفهم أن المراد بالمتقين في الآية هم المذكورون من قبل، وأن المراد بالأوامر السابقة وَاذْكُرْ ... التعريف على شرف هؤلاء الرّسل، فيكون على هذا الدرس الرئيسي في المقطع كله: هو أن الذين يتّقون الله لهم شرف الدنيا والآخرة، فكن أيها الإنسان منهم، ولا تكن من الكافرين الذين عرض الله لهم في أول السورة، وسيعرض الله علينا ما أعدّ لهم من عذاب في آخر هذه المجموعة، وهو توجيه حسن، ولكنّ التوجيه الذي وجهناه نحن، والذي يعضده عرض ابن كثير قد يكون أكثر انسجاما مع السّياق- والله أعلم-. وعلى توجيهنا يكون المعنى: إن هذا القرآن مهمته التذكير، فمن اتقى فجزاؤه كذا، ومن طغى فجزاؤه كذا، فكانت الصيغة المؤدية لهذا المعنى:

стр. 4553

هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ... هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ... ولنعد إلى التفسير. ... فقد فسر الله حسن المآب الذي أعده للمتقين بقوله: جَنَّاتِ عَدْنٍ أي: جنات إقامة مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ أي: مفتحة لهم أبوابها أي: إذا جاءوها فتحت لهم أبوابها مُتَّكِئِينَ فِيها أي: جلستهم المفضّلة هي الاتّكاء، وهي أكثر أنواع الجلوس راحة يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ أي: مهما طلبوا وجدوا، وأحضر كما أرادوا وَشَرابٍ أي: من أي أنواعه شاءوا أتتهم به الخدّام وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أي: عن غير أزواجهن فلا يلتفتن إلى غير بعولتهن أَتْرابٌ أي: متساويات في السنّ والعمر. قال النسفي: (أي: لدات أسنانهنّ كأسنانهم، لأنّ التحابّ بين الأقران أثبت) هذا ما تُوعَدُونَ أيها المتقون لِيَوْمِ الْحِسابِ أي: ليوم تجزى كل نفس بما عملت قال ابن كثير: (أي: هذا الذي ذكرنا من صفة الجنّة هي التي وعدها لعباده المتقين التي يصيرون إليها بعد نشورهم وقيامهم من قبورهم وسلامتهم من النار). ثم أخبر ﵎ عن الجنة أنه لا فراغ لها ولا زوال ولا انقضاء ولا انتهاء. فقال تعالى: إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ أي: من انقطاع، ولما ذكر الله تعالى مآل السعداء، ثنّى بذكر حال الأشقياء، ومرجعهم ومآبهم في دار معادهم وحسابهم فقال: هذا أي: الأمر هذا، أو هذا كما ذكر وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ أي: الخارجين عن طاعة الله ، المخالفين لرسل الله ﷺ لَشَرَّ مَآبٍ أي: لسوء منقلب ومرجع. ثمّ فسّره بقوله: جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها أي: يدخلونها فتغمرهم من جميع جوانبهم فَبِئْسَ الْمِهادُ شبّه ما تحتهم من النّار بالمهاد الذي يفترشه النائم هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ أي: هذا حميم وغسّاق فليذوقوه. قال ابن كثير: (أما الحميم: فهو الماء الذي قد انتهى حره، وأما الغساق: فهو ضدّه، وهو البارد الذي لا يستطاع من شدة برده المؤلم). ولهذا قال : وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ أي: وأشياء من هذا القبيل، الشئ وضده يعاقبون بها. قال الحسن البصري: ألوان من العذاب. وقال غيره: كالزمهرير، والسّموم، وشرب الحميم، وأكل الزّقوم، والصعود والهوي، إلى غير ذلك من الأشياء المختلفة المتضادّة، والجميع مما يعذّبون به، ويهانون بسببه هذا فَوْجٌ

стр. 4554

مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ هذا إخبار من الله تعالى عن قيل أهل النار بعضهم لبعض، أي: هذا جمع كثيف قد اقتحم معكم النار، أي: دخل النار في صحبتكم، والاقتحام: الدخول في الشئ بشدة، والمراد بالفوج: أتباعهم الذين اقتحموا معهم الضلالة، فيقتحمون معهم العذاب لا مَرْحَباً بِهِمْ هذا دعاء منهم على أتباعهم إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ أي: داخلوها، هذا تعليل لاستيجابهم الدّعاء عليهم. وقيل: هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ كلام الخزنة لرؤساء الكفرة في أتباعهم لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ كلام الرؤساء، وقيل هذا كله كلام الخزنة، والقول الأوّل أقوى بدليل ما يأتي قالُوا أي: الأتباع بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أي: الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به، وعلّلوا ذلك أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا أي: أنتم قدّمتم العذاب، أو دخول النار لنا، أي: إنكم دعوتمونا إليه فكفرنا باتّباعكم فَبِئْسَ الْقَرارُ النار قالُوا أي: الأتباع رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً أي: مضاعفا فِي النَّارِ يطلبون أن يزيد الله عذاب زعمائهم بأن يكون ضعفي عذابهم وَقالُوا أي: رؤساء الكفرة ما لَنا لا نَرى رِجالًا يعنون فقراء المسلمين كُنَّا نَعُدُّهُمْ في الدنيا مِنَ الْأَشْرارِ أي: من الأرذال الذين لا خير فيهم ولا جدوى أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا هذا استفهام ينكرون به على أنفسهم استهزاءهم بالمؤمنين في الدنيا أَمْ زاغَتْ أي: مالت عَنْهُمُ الْأَبْصارُ أي: أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم، وهم فيها؟ قسّموا أمرهم بين أن يكونوا من أهل الجنة فلاموا أنفسهم على استهزائهم بهم في الدنيا، وبين أن يكونوا من أهل النار، إلا أنه خفي عليهم مكانهم. قال ابن كثير: (يسلون أنفسهم بالمحال يقولون: أو لعلّهم معنا في جهنم، ولكن لم يقع بصرنا عليهم) إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ أي: إن هذا الذي أخبرناك به يا محمد من تخاصم أهل النار بعضهم في بعض، ولعن بعضهم لبعض، لحق لا مرية فيه ولا شك. وبهذا انتهى المقطع. كلمة في المقطع الأول وسياقه: [وتكامل معاني سورتي الصافات و (ص)] ١ - نلاحظ أن هذا المقطع الذي مرّ معنا قد جاء في وسط السورة وما قبله كلام عن موقف الكافرين من رسول الله ﷺ ، وما بعده مباشرة سيأتي قوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ... مما يؤكد أن المقطع يخدم موضوع السورة الرئيسي، المتمثّل في محورها: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وهذه الخدمة رأيناها، إن في توجيه النذير، أو في

стр. 4555

تبيان أنّ هذا القرآن ذكر، أو في تبيان أنّ محمّدا ﷺ ليس بدعا من الرسل. ٢ - نلاحظ أن المجموعة الأخيرة عرضت ما أعد الله للمتقين، وما أعد للكافرين، وهو تفصيل لمعان موجودة في مقدّمة سورة البقرة، إن في وصف المتقين، أو في الكلام عن الكافرين، ومن قبل قلنا: إنّ الموضوعين متداخلان، ومن ثمّ عرضا في سورة البقرة ضمن حيّز واحد. ٣ - نلاحظ التكامل بين سورة الصافات وبين سورة (ص) من خلال معان وردت في المقطع؛ فسورة الصافات ذكرت إلياس أستاذ اليسع ﵉، ولم تذكر اليسع، وسورة (ص) ذكرت اليسع خليفة إلياس، ولم تذكر إلياس، وسورة الصافات عرضت لتخاصم الكافرين قبل دخولهم النار، وسورة (ص) عرضت لتخاصم الكافرين في النار، وسورة الصافات عرضت لتساؤل المؤمنين عن الكافرين، وسورة (ص) عرضت لتساؤل الكافرين عن المؤمنين. ٤ - في محور سورة (ص) نجد قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ونجد في آخر المقطع الذي مرّ معنا تفصيلا للعذاب العظيم الذي سيصيب الكافرين. ٥ - بقي معنا الآن في السورة مقطع واحد، مجموعاته مصدّرة بقوله تعالى لرسوله ﵊ قُلْ كما سنرى. وعلى هذا فالسورة في سياقها الرئيسي عرضت مواقف الكافرين من رسول الله ﷺ ، ثم أمرت الرسول ﷺ بالصبر والذكر، وحدّدت له ما يذكره في المقطع الأول. ويأتي المقطع الثاني- والأخير- ليحدّد للرسول ﷺ ما يقوله أمام هذا العناد المتكبّر، وقبل أن نعرض المقطع الأخير. فلنذكر بعض ال فوائد المتعلّقة بالمقطع الأول. فوائد: ١ - [حديث حول أحب الصلاة وأحب الصيام إلى الله بمناسبة الكلام عن داود ﵇] بمناسبة الكلام عن داود ﵇، قال ابن كثير: (في الصحيحين عن رسول الله ﵌ أنه قال: «أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود؛ كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يفر إذا لاقى وإنه كان أوّابا»). ٢ - [كلام ابن كثير حول صلاة الضحى بمناسبة آية .. يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ] بمناسبة قوله تعالى عن داود ﵇: إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ
следующие страницы →