Полный текст (6 440 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.
стр. 4551
يعملون للآخرة ليس لهم همّ غيرها
وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ أي: المختارين من بين أبناء جنسهم الْأَخْيارِ جمع خيّر. قال ابن كثير: (أي المختارين المجتبين الأخيار، فهم أخيار مختارون.
...
كلمة في السياق:
يلاحظ أنه قال عن داود ﵇: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ وهاهنا قال عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب: أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ وفي ذلك درس للنذير وأمته. وفي قوله تعالى: إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ تبيان لطريق السير إلى أن يكون الإنسان من المخلصين. وفي ذلك درس ثان للنذير وأمته.
وفي الأمر بذكر الرّسل عليهم الصّلاة والسّلام إشعار بأن لله رسلا قبل محمد ﷺ قد بعثوا بالتوحيد والإنذار، فليس محمد ﷺ ببدع من الرسل، فعجب الكافرين الذي ذكره الله لنا في أوّل السورة في غير محله. وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ يدلّنا على هذا الآية الآتية، إذ ليس فيها إلا الأمر بذكر مجموعة من الرسل عليهم الصلاة والسلام.
وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وهو خليفة إلياس في قومه بني إسرائيل وَذَا الْكِفْلِ نقل الألوسي عن وهب بن منبه: (أن الله بعث بعد أيوب ﵇ شرف بن أيوب نبيا وسمّاه ذا الكفل) والاختلاف في شأن ذي الكفل ﵇ كثير وَكُلٌّ أي: وكلهم مِنَ الْأَخْيارِ.
كلمة في السياق:
١ - بالآية الأخيرة تنتهي الأوامر بصيغة وَاذْكُرْ الآتية في هذا المقطع وفي السورة، ويأتي بعد هذا مباشرة- كما سنرى- قوله تعالى: هذا ذِكْرٌ قال ابن كثير: (أي هذا فصل فيه ذكر لمن يتذكّر وقال السدي: يعني: القرآن العظيم).
ممّا يدلّ على ما ذكرناه من قبل أن في هذا المقطع نموذجا على كون هذا القرآن ذكرا يذكّر بالله ، وصفاته وأفعاله، وإنعامه واختباره، وعطائه وشرعه وسنته وغير ذلك. وكون القرآن على مثل هذا الكمال في الذكر فذلك وحده دليل على أنّه من عند الله، وإلا فمن من البشر قادر على أن يأتي بكتاب فيه كل شئ، وهو ذكر كله؟ وفي
стр. 4552
هذا إقامة حجّة على الكافرين الذين لا يستفيدون من الإنذار إذ لم يبق لهم ما يتعلّقون به بعد هذا القرآن، ولئن كان المقطع أدى دوره في هذا الموضوع فهو يؤدي دوره كذلك في تعليم النّذير وأمّته ما ينبغي أن يكونوا عليه من الكمال، غير ملتفتين إلى أقوال الكافرين ومواقفهم.
٢ - لقد رأينا في هذا المقطع كيف أن هذا القرآن ذكر من خلال تذكيره بفعل الله برسله، ومن خلال ذكره لكمال رسله وهديهم، ومن خلال تقريره للحجج القاطعة كما رأينا نموذج ذلك في الآيات الآتية في وسط الكلام عن داود وسليمان ﵉، وسنرى الآن المجموعة الأخيرة في المقطع كنموذج على كون القرآن ذكرا من خلال عرضه ما أعد الله للمتقين وللظالمين. فلنر المجموعة الأخيرة:
...
هذا ذِكْرٌ قال ابن كثير: (أي هذا فصل فيه ذكر لمن يتذكّر. وقال السدي يعني القرآن العظيم) وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ أي لحسن مرجع ومنقلب.
...
كلمة في السياق:
قد وجّه النسفي هذه الآية على الشكل التالي: قال: (أي: هذا شرف وذكر جميل، يذكرون فيه أبدا، وإنّ لهم مع ذلك لحسن مرجع، يعني: يذكرون في الدنيا بالجميل، ويرجعون في الآخرة إلى مغفرة رب جليل). وعلى هذا فالنسفي يفهم أن المراد بالمتقين في الآية هم المذكورون من قبل، وأن المراد بالأوامر السابقة وَاذْكُرْ ... التعريف على شرف هؤلاء الرّسل، فيكون على هذا الدرس الرئيسي في المقطع كله: هو أن الذين يتّقون الله لهم شرف الدنيا والآخرة، فكن أيها الإنسان منهم، ولا تكن من الكافرين الذين عرض الله لهم في أول السورة، وسيعرض الله علينا ما أعدّ لهم من عذاب في آخر هذه المجموعة، وهو توجيه حسن، ولكنّ التوجيه الذي وجهناه نحن، والذي يعضده عرض ابن كثير قد يكون أكثر انسجاما مع السّياق- والله أعلم-. وعلى توجيهنا يكون المعنى: إن هذا القرآن مهمته التذكير، فمن اتقى فجزاؤه كذا، ومن طغى فجزاؤه كذا، فكانت الصيغة المؤدية لهذا المعنى:
стр. 4553
هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ... هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ... ولنعد إلى التفسير.
...
فقد فسر الله حسن المآب الذي أعده للمتقين بقوله: جَنَّاتِ عَدْنٍ أي: جنات إقامة مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ أي: مفتحة لهم أبوابها أي: إذا جاءوها فتحت لهم أبوابها
مُتَّكِئِينَ فِيها أي: جلستهم المفضّلة هي الاتّكاء، وهي أكثر أنواع الجلوس راحة يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ أي: مهما طلبوا وجدوا، وأحضر كما أرادوا وَشَرابٍ أي: من أي أنواعه شاءوا أتتهم به الخدّام
وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أي: عن غير أزواجهن فلا يلتفتن إلى غير بعولتهن أَتْرابٌ أي: متساويات في السنّ والعمر. قال النسفي: (أي: لدات أسنانهنّ كأسنانهم، لأنّ التحابّ بين الأقران أثبت)
هذا ما تُوعَدُونَ أيها المتقون لِيَوْمِ الْحِسابِ أي: ليوم تجزى كل نفس بما عملت قال ابن كثير: (أي: هذا الذي ذكرنا من صفة الجنّة هي التي وعدها لعباده المتقين التي يصيرون إليها بعد نشورهم وقيامهم من قبورهم وسلامتهم من النار). ثم أخبر ﵎ عن الجنة أنه لا فراغ لها ولا زوال ولا انقضاء ولا انتهاء.
فقال تعالى: إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ أي: من انقطاع، ولما ذكر الله تعالى مآل السعداء، ثنّى بذكر حال الأشقياء، ومرجعهم ومآبهم في دار معادهم وحسابهم فقال:
هذا أي: الأمر هذا، أو هذا كما ذكر وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ أي: الخارجين عن طاعة الله ، المخالفين لرسل الله ﷺ لَشَرَّ مَآبٍ أي: لسوء منقلب ومرجع. ثمّ فسّره بقوله:
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها أي: يدخلونها فتغمرهم من جميع جوانبهم فَبِئْسَ الْمِهادُ شبّه ما تحتهم من النّار بالمهاد الذي يفترشه النائم
هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ أي: هذا حميم وغسّاق فليذوقوه. قال ابن كثير: (أما الحميم: فهو الماء الذي قد انتهى حره، وأما الغساق: فهو ضدّه، وهو البارد الذي لا يستطاع من شدة برده المؤلم). ولهذا قال :
وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ أي: وأشياء من هذا القبيل، الشئ وضده يعاقبون بها. قال الحسن البصري: ألوان من العذاب. وقال غيره:
كالزمهرير، والسّموم، وشرب الحميم، وأكل الزّقوم، والصعود والهوي، إلى غير ذلك من الأشياء المختلفة المتضادّة، والجميع مما يعذّبون به، ويهانون بسببه
هذا فَوْجٌ
стр. 4554
مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ هذا إخبار من الله تعالى عن قيل أهل النار بعضهم لبعض، أي: هذا جمع كثيف قد اقتحم معكم النار، أي: دخل النار في صحبتكم، والاقتحام:
الدخول في الشئ بشدة، والمراد بالفوج: أتباعهم الذين اقتحموا معهم الضلالة، فيقتحمون معهم العذاب لا مَرْحَباً بِهِمْ هذا دعاء منهم على أتباعهم إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ أي: داخلوها، هذا تعليل لاستيجابهم الدّعاء عليهم. وقيل: هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ كلام الخزنة لرؤساء الكفرة في أتباعهم لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ كلام الرؤساء، وقيل هذا كله كلام الخزنة، والقول الأوّل أقوى بدليل ما يأتي
قالُوا أي: الأتباع بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أي: الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به، وعلّلوا ذلك أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا أي: أنتم قدّمتم العذاب، أو دخول النار لنا، أي: إنكم دعوتمونا إليه فكفرنا باتّباعكم فَبِئْسَ الْقَرارُ النار
قالُوا أي: الأتباع رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً أي: مضاعفا فِي النَّارِ يطلبون أن يزيد الله عذاب زعمائهم بأن يكون ضعفي عذابهم
وَقالُوا أي: رؤساء الكفرة ما لَنا لا نَرى رِجالًا يعنون فقراء المسلمين كُنَّا نَعُدُّهُمْ في الدنيا مِنَ الْأَشْرارِ أي: من الأرذال الذين لا خير فيهم ولا جدوى
أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا هذا استفهام ينكرون به على أنفسهم استهزاءهم بالمؤمنين في الدنيا أَمْ زاغَتْ أي: مالت عَنْهُمُ الْأَبْصارُ أي: أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم، وهم فيها؟ قسّموا أمرهم بين أن يكونوا من أهل الجنة فلاموا أنفسهم على استهزائهم بهم في الدنيا، وبين أن يكونوا من أهل النار، إلا أنه خفي عليهم مكانهم. قال ابن كثير: (يسلون أنفسهم بالمحال يقولون: أو لعلّهم معنا في جهنم، ولكن لم يقع بصرنا عليهم)
إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ أي: إن هذا الذي أخبرناك به يا محمد من تخاصم أهل النار بعضهم في بعض، ولعن بعضهم لبعض، لحق لا مرية فيه ولا شك. وبهذا انتهى المقطع.
كلمة في المقطع الأول وسياقه: [وتكامل معاني سورتي الصافات و (ص)]
١ - نلاحظ أن هذا المقطع الذي مرّ معنا قد جاء في وسط السورة وما قبله كلام عن موقف الكافرين من رسول الله ﷺ ، وما بعده مباشرة سيأتي قوله تعالى:
قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ... مما يؤكد أن المقطع يخدم موضوع السورة الرئيسي، المتمثّل في محورها: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وهذه الخدمة رأيناها، إن في توجيه النذير، أو في
стр. 4555
تبيان أنّ هذا القرآن ذكر، أو في تبيان أنّ محمّدا ﷺ ليس بدعا من الرسل.
٢ - نلاحظ أن المجموعة الأخيرة عرضت ما أعد الله للمتقين، وما أعد للكافرين، وهو تفصيل لمعان موجودة في مقدّمة سورة البقرة، إن في وصف المتقين، أو في الكلام عن الكافرين، ومن قبل قلنا: إنّ الموضوعين متداخلان، ومن ثمّ عرضا في سورة البقرة ضمن حيّز واحد.
٣ - نلاحظ التكامل بين سورة الصافات وبين سورة (ص) من خلال معان وردت في المقطع؛ فسورة الصافات ذكرت إلياس أستاذ اليسع ﵉، ولم تذكر اليسع، وسورة (ص) ذكرت اليسع خليفة إلياس، ولم تذكر إلياس، وسورة الصافات عرضت لتخاصم الكافرين قبل دخولهم النار، وسورة (ص) عرضت لتخاصم الكافرين في النار، وسورة الصافات عرضت لتساؤل المؤمنين عن الكافرين، وسورة (ص) عرضت لتساؤل الكافرين عن المؤمنين.
٤ - في محور سورة (ص) نجد قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ونجد في آخر المقطع الذي مرّ معنا تفصيلا للعذاب العظيم الذي سيصيب الكافرين.
٥ - بقي معنا الآن في السورة مقطع واحد، مجموعاته مصدّرة بقوله تعالى لرسوله ﵊ قُلْ كما سنرى. وعلى هذا فالسورة في سياقها الرئيسي عرضت مواقف الكافرين من رسول الله ﷺ ، ثم أمرت الرسول ﷺ بالصبر والذكر، وحدّدت له ما يذكره في المقطع الأول. ويأتي المقطع الثاني- والأخير- ليحدّد للرسول ﷺ ما يقوله أمام هذا العناد المتكبّر، وقبل أن نعرض المقطع الأخير.
فلنذكر بعض ال فوائد المتعلّقة بالمقطع الأول.
فوائد:
١ - [حديث حول أحب الصلاة وأحب الصيام إلى الله بمناسبة الكلام عن داود ﵇]
بمناسبة الكلام عن داود ﵇، قال ابن كثير: (في الصحيحين عن رسول الله ﵌ أنه قال: «أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود؛ كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يفر إذا لاقى وإنه كان أوّابا»).
٢ - [كلام ابن كثير حول صلاة الضحى بمناسبة آية .. يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ]
بمناسبة قوله تعالى عن داود ﵇: إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ
стр. 4556
بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ قال ابن كثير: (روى ابن جرير ... عن ابن عباس ﵄ أنه بلغه أن أم هانئ ﵂ ذكرت أن رسول الله ﷺ يوم فتح مكة صلى الضحى ثمان ركعات، فقال ابن عباس ﵄: قد ظننت أن لهذه الساعة صلاة بقول الله يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ. ثم رواه من حديث سعيد ابن أبي عروبة عن أبي المتوكل عن أيوب عن صفوان عن مولاه عبد الله بن الحارث ابن نوفل أن ابن عباس ﵄ كان لا يصلي الضحى، فأدخلته على أم هانئ ﵂، فقلت: أخبري هذا ما أخبرتيني، فقالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ يوم الفتح في بيتي، ثم أمر بماء صبّ في قصعة، ثم أمر بثوب فأخذ بيني وبينه فاغتسل ثم رشّ ناحية البيت، فصلى ثمان ركعات، وذلك من الضحى قيامهن وركوعهنّ وسجودهنّ وجلوسهن سواء، قريب بعضهن من بعض، فخرج ابن عباس ﵄ وهو يقول: لقد قرأت ما بين اللوحين ما عرفت صلاة الضحى إلا الآن يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ وكنت أقول أين صلاة الإشراق وكان بعد يقول صلاة الإشراق).
٣ - [حول معنى كلمة فَصْلَ الْخِطابِ الذي أعطيه داود ﵇]
رأينا ماذا تعنى كلمة فَصْلَ الْخِطابِ الذي أعطيه داود ﵇، غير أن المفسرين يذكرون نماذج لفصل الخطاب في قضايا القضاء. والمراد بما أعطيه داود ﵇ أوسع مما يذكرونه. فلنر نماذج من أقوالهم ومحلها بالنسبة للآية. قال ابن كثير: وَفَصْلَ الْخِطابِ (قال شريح القاضي والشعبي: فصل الخطاب الشهود والأيمان، وقال قتادة: شاهدان على المدعي، أو يمين المدعى عليه، وهو فصل الخطاب الذي فصل به الأنبياء والرسل، أو قال المؤمنون والصالحون وهو قضاء هذه الأمة إلى يوم القيامة، وكذا قال عبد الرحمن السلمي، وقال مجاهد والسدي:
هو إصابة القضاء وفهم ذلك، وقال مجاهد أيضا هو الفصل في الكلام وفي الحكم، وهذا يشمل هذا كله، وهو المراد، واختاره ابن جرير، وروى ابن أبي حاتم ... عن أبي موسى ﵁ قال: أول من قال: أما بعد: داود ﵇ وهو فصل الخطاب، وكذا قال الشعبي فصل الخطاب: أما بعد).
٤ - [كلام ابن كثير والمؤلف والنسفي حول آية وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ ...
قال ابن كثير: (وقد ذكر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات، ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه، ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثا
стр. 4557
لا يصح سنده لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس ﵁ ويزيد- وإن كان من الصالحين- لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة، فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة وأن يرد علمها إلى الله فإن القرآن حق وما تضمّن فهو حق أيضا).
أقول: في الإصحاح الحادي عشر والثاني عشر من سفر صموئيل الثاني تذكر قصة فيها بعض كلمات القصة القرآنية، وفيها رجاسات اليهود، إذ يذكر الإصحاح الحادي عشر أن داود زنى بامرأة (أوريّا) قائده في حياة أوريّا، ودفع بأوريّا ليقتل. ثم يذكر الإصحاح الثاني عشر ضمّ داود زوجة أوريا إليه، وعتاب ناثان النبي له على ذلك.
ويذكر الإصحاح هنا فكرة النعجة الواحدة والنعاج الكثيرة. وكثير ممّا ذكر في كتب العهد القديم أو الجديد كلام لا قيمة له من الناحية العلمية؛ إذ يخالف الحقّ الذي أنزله الله في القرآن، ويكفي لرفضه، ومعرفة قيمته الخسيسة، ذكر أن داود ﵇ زنى بامرأة أوريا في حياة زوجها، وزوجها يقاتل في سبيل الله، ممّا لا يفعله أخسّ الخلق- فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين- بما يفترون على رسل الله. وقد حاول النسفي أن يستشف ما يمكن أن تكون الحادثة في إطارها اللائق في حق الأنبياء وسننقل كلامه فيما بعد، ونكتفي هنا بأن ننقل خاتمة كلامه:
قال ﵀:
(وما يحكى أنه بعث مرة بعد مرة أوريا إلى غزوة البلقاء وأحب أن يقتل ليتزوجها، فلا يليق من المتّسمين بالصلاح من أفناء المسلمين فضلا عن بعض أعلام الأنبياء، وقال علي ﵁: من حدّثكم بحديث داود ﵇ على ما يرويه القصاص- جلدته مائة وستين، وهو حد الفرية على الأنبياء، وروي أنه حدّث بذلك عمر بن عبد العزيز، وعنده رجل من أهل الحق، فكذّب المحدّث به وقال: إن كانت القصة على ما في كتاب الله، فما ينبغي أن يلتمس خلافها، وأعظم بأن يقال غير ذلك، وإن كانت على ما ذكرت، وكفّ الله عنها سترا على نبيه، فما ينبغي إظهارها عليه، فقال عمر: لسماعي هذا الكلام أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، والذي يدل عليه المثل الذي ضربه الله بقصته ﵇ ليس إلا طلبه إلى زوج المرأة أن ينزل له عنها فحسب، وإنما جاءت على طريق التمثيل والتعريض دون التصريح؛ لكونها أبلغ في التوبيخ من قبل أن التأمل إذا أداه إلى الشعور بالمعرّض به كان أوقع في نفسه، وأشد تمكنا من قلبه، وأعظم أثرا فيه، مع مراعاة حسن الأدب بترك المجاهرة).
стр. 4558
من كلام النسفي يفهم أنه يمكن أن يكون داود ﵇ قد طلب من أوريّا أن يتنازل له عن زوجته، ويبدو أنّ هذا كان سائغا في شريعتهم، ويمكن أن يكون داود ﵇ قد همّ أن يتزوجها لو حدث لزوجها حادث، فلمّا قتل زوجها تزوّجها دون أن يكون رغب في قتل زوجها، أو دفعه إلى موقف يقتل فيه حاشاه ﵇.
فعاتبه الله على مدّه بصره إلى ملك الآخرين والله أعلم.
ولنتذكر دائما ما يقوله النقاد الغربيون أنفسهم من أن أسفار العهد القديم لا يوجد فيها سفر يصمد على النقد إلا سفر إرميا، ونحن نشكك حتى في سفر إرميا لأنه لم يرد إلينا بسند صحيح.
٥ - [حول سجدة سورة (ص) أهي سجدة شكر أم من العزائم ؟]
بمناسبة قوله تعالى: وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ نقول: هاهنا سجدة من السجدات القرآنية عند أبي حنيفة ومالك، وبمناسبة الآية قال ابن كثير:
(وقد اختلف الأئمة في سجدة (ص) هل هي من عزائم السجود؟ على قولين الجديد مذهب الشافعي ﵁ أنها ليست من عزائم السجود، بل هي سجدة شكر. والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ أنه قال في السجدة: (ص) ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها، ورواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي في تفسيره من حديث أيوب به وقال الترمذي: حسن صحيح. وروى النسائي أيضا عند تفسير هذه الآية عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: إن النبي ﷺ سجد في (ص) وقال:
«سجدها داود ﵇ توبة، ونسجدها شكرا» تفرّد بروايته النسائي، ورجال إسناده كلهم ثقات. وقد أخبرني شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي قراءة عليه وأنا أسمع ... عن الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد قال: قال لي ابن جرير يا حسن حدثني جدّك عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم كأني أصلي خلف شجرة، فقرأت السجدة فسجدت، فسجدت الشجرة بسجودي، فسمعتها تقول وهي ساجدة: اللهم اكتب لي بها عندك أجرا، واجعلها لي عندك ذخرا، وضع بها عني وزرا، واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود. قال ابن عباس ﵄ فرأيت النبي ﷺ قام فقرأ السجدة ثم سجد فسمعته يقول وهو ساجد كما حكى الرجل من
стр. 4559
كلام الشجرة، رواه الترمذي عن قتيبة وابن ماجه عن أبي بكر بن خلاد كلاهما عن محمد بن يزيد بن خنيس نحوه، وقال الترمذي غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وروى البخاري عند تفسيرها عن العوام قال سألت مجاهدا عن سجدة (ص) فقال: سألت ابن عباس ﵄ من أين سجدت فقال أو ما تقرأ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ فكان داود ﵊ ممن أمر نبيكم ﷺ أن يقتدي به، فسجدها داود ﵊، فسجدها رسول الله ﷺ . وروى الإمام أحمد ... أن أبا سعيد الخدري ﵁ رأى رؤيا أنه يكتب (ص) فلما بلغ إلى الآية التي يسجد بها رأى الدواة والقلم وكل شئ بحضرته انقلب ساجدا قال: فقصها على النبي ﷺ فلم يزل يسجد بها بعد، تفرد به أحمد، وروى أبو داود ... عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر (ص) فلما بلغ السجدة نزل فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تشزن الناس للسجود فقال ﷺ : «إنما هي توبة نبي ولكني رأيتكم تشزنتم» فنزل وسجد، تفرد به أبو داود وإسناده على شرط الصحيح).
٦ - [أحاديث بمناسبة قوله تعالى عن داود ﵇ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى .. ]
بمناسبة قوله تعالى عن داود ﵇ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ قال ابن كثير: (كما جاء في الصحيح: «المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يقسطون في أهليهم وما ولوا» وروى الإمام أحمد ... عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسا إمام عادل، وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذابا إمام جائر» ورواه الترمذي، وروى ابن أبي حاتم عن جعفر بن سليمان قال: سمعت مالك ابن دينار في قوله تعالى وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ قال يقام داود يوم القيامة عند ساق العرش، ثم يقول يا داود مجّدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا فيقول وكيف وقد سلبته؟ فيقول الله إني أرده عليك اليوم، قال فيرفع داود ﵊ بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان).
٧ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ]
بمناسبة قوله تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم بسنده عن إبراهيم أبي زرعة- وكان قد قرأ الكتاب- أن الوليد بن عبد الملك
قال له: أيحاسب الخليفة؟ فإنك قد قرأت الكتاب
стр. 4560
الأول، وقرأت القرآن، وفقهت؛ فقلت: يا أمير المؤمنين أقول؟ قال: قل في أمان الله، قلت: يا أمير المؤمنين أنت أكرم على الله أو داود ﵊، إن الله تعالى جمع له النبوة والخلافة، ثم توعّده في كتابه فقال تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الآية).
[٨، ٩ - حول موضوع (الخيل) في قصة سليمان ﵇ وموضوع لعب الأطفال]
٨ - لا نجد في أسفار العهد القديم شيئا يشير إلى موضوع استعراض الخيل من قبل سليمان ﵇ حتى نستأنس نوع استئناس بشيء إذا وافق الحق الذي نعلمه، وهيهات أن تجد فيها الكثير، بل إنك لتجد فيها الكذب الكثير، حتى إنك لتجد في الإصحاح الحادي عشر (الملوك الأول) اتهام سليمان ﵇ بأن نساءه أمالت قلبه وراء آلهة أخرى ... ومما يقوله هذا الإصحاح: (فذهب سليمان وراء عشتورت إلاهة الصيدونيين وملكوم رجس العمونيين وعمل سليمان الشر في عيني الرب). وحاشاه ﵇، ولكنهم اليهود أجرأ خلق الله على الأنبياء ﵈. وأمام سكوت أسفار العهد القديم فليس أمامنا إلا الفهم من ألفاظ النّص القرآني ضمن القواعد العامة.
قال ابن كثير: (وقوله ﵎: فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ. ذكر غير واحد من السلف والمفسرين أنه اشتغل بعرضها حتى فات وقت صلاة العصر، والذي يقطع به أنه لم يتركها عمدا، بل نسيانا، كما شغل النبي ﷺ يوم الخندق عن صلاة العصر حتى صلاها بعد الغروب، وذلك ثابت في الصحيحين من غير وجه، من ذلك عن جابر ﵁ قال: جاء عمر ﵁ يوم الخندق بعد ما غربت الشمس، فجعل يسبّ كفار قريش، ويقول:
يا رسول الله، والله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب، فقال رسول الله ﷺ : «والله ما صليتها» فقال: فقمنا إلى بطحان فتوضأ نبي الله ﷺ للصلاة، وتوضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب. ويحتمل أنه كان سائغا في ملتهم تأخير الصلاة لعذر الغزو والقتال، والخيل تراد للقتال، وقد ادعى طائفة من العلماء أن هذا كان مشروعا فنسخ ذلك بصلاة الخوف، ومنهم من ذهب إلى ذلك في حال المسايفة والمضايقة حيث لا تمكن صلاة ولا ركوع ولا سجود، كما فعل الصحابة ﵃ في فتح تستر، وهو منقول عن مكحول والأوزاعي وغيرهما، والأول أقرب لأنه قال بعده رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ قال الحسن البصري: قال: لا والله لا تشغليني عن عبادة ربي آخر ما عليك، ثم أمر بها
стр. 4561
فعقرت، وكذا قال قتادة، وقال السّدّي ضرب أعناقها وعراقيبها بالسيوف، وقال علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حبا لها، وهذا القول اختاره ابن جرير، قال لأنه لم يكن ليعذب حيوانا بالعرقبة، ويهلك مالا من ماله بلا سبب، سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها، ولا ذنب لها، وهذا الذي رجّح به ابن جرير فيه نظر؛ لأنه قد يكون في شرعهم جواز مثل هذا، ولا سيما إذا كان غضبا لله تعالى بسبب أنه اشتغل بها حتى خرج وقت الصلاة، ولهذا لما خرج عنها لله تعالى عوّضه الله ما هو خير منها، وهو الريح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب، غدوّها شهر ورواحها شهر، فهذا أسرع وخير من الخيل. روى الإمام أحمد ... عن أبي قتادة وأبي الدهماء- وكان يكثران السفر نحو البيت- قالا: أتينا على رجل من أهل البادية فقال لنا البدوي أخذ بيدي رسول الله ﷺ فجعل يعلمني مما علمه الله وقال: «إنك لا تدع شيئا اتقاء لله تعالى إلا أعطاك الله خيرا منه»).
٩ - بمناسبة ذكر الخيل في قصة سليمان ﵇ ذكر ابن كثير حديثا قال:
(وروى أبو داود ... عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة ﵂ قالت: قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك- أو خيبر- وفي سهوتها ستر، فهبّت الريح، فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة ﵂ لعب، فقال ﷺ : «ما هذا يا عائشة؟» قالت ﵂: بناتي ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع فقال ﷺ : «ما هذا الذي أرى وسطهن؟» قالت ﵂: فرس، قال رسول الله ﷺ : «ما هذا الذي عليه؟» قالت ﵂: جناحان قال رسول الله ﷺ :
«فرس له جناحان؟» قالت ﵂: أما سمعت أن سليمان ﵊ كانت له خيل لها أجنحة، قالت ﵂: فضحك رسول الله ﷺ حتى رأيت نواجذه).
أقول: وقد أخطأ من فهم من الحديث أن خيل سليمان ﵇ لها أجنحة.
فليس في الحديث ما يدل على ذلك. والحديث دليل على أن لعب الأطفال متسامح بها.
١٠ - [حول (الجسد) الذي ألقي على كرسي سليمان ﵇]
لا نجد في أسفار العهد القديم ما يشير إلى الجسد الذي ألقي على كرسي سليمان، ولكنا نجد أن أخاه نافسه على الملك، وحاول أن يصل إلى الملك في حياة أبيه. ثم فشّل ذلك داود، وآل الأمر إلى سليمان ولا ندري إذا كان المراد بهذا هو
стр. 4562
المشار إليه في النّص. وينقل المفسرون في هذا المقام كلاما الله أعلم بحقيقته، ومرجعه كله أهل الكتاب، ولا نرى أن نتعب به القارئ.
١١ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ... ]
بمناسبة قوله تعالى: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ... قال ابن كثير: (والصحيح أنه سأل من الله تعالى ملكا لا يكون لأحد من بعده من البشر مثله، وهذا هو ظاهر السياق من الآية، وبذلك وردت الأحاديث الصحيحة من طرق عن رسول الله ﷺ .
وروى البخاري عند تفسير هذه الآية ... عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن عفريتا من الجن تفلّت عليّ البارحة- أو كلمة نحوها- ليقطع عليّ الصلاة، فأمكنني الله ﵎ منه، وأردت أن أربطه إلى سارية المسجد، حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان ﵊ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي» قال روح (وهو من رجال سنده) فرده خاسئا وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث شعبة به. وروى مسلم في صحيحه عن أبي الدرداء ﵁ قال قام رسول الله ﷺ يصلي فسمعناه يقول:
«أعوذ بالله منك- ثم قال- ألعنك بلعنة الله» ثلاثا وبسط يده كأنه يتناول شيئا، فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك، قال ﷺ : «إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي، فقلت: أعوذ بالله منك- ثلاث مرات- ثم قلت ألعنك بلعنة الله التامة فلم يتأخر- ثلاث مرات- ثم أردت أن آخذه، والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به صبيان أهل المدينة» وروى الإمام أحمد ... عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قام يصلي صلاة الصبح وهو خلفه، فقرأ فالتبست عليه القراءة، فلما فرغ من صلاته قال: «لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين إصبعي هاتين- الإبهام والتي تليها- ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل» وقد روى أبو داود منه «من استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل». وروى الإمام أحمد بسنده عن ربيعة بن يزيد بن عبد الله الديلمي قال: دخلت على عبد الله بن عمرو ﵄ وهو في حائط له بالطائف يقال له الرهط، وهو محاصر فتى من قريش
стр. 4563
يزني ويشرب الخمر، فقلت بلغني عنك حديث أنه «من شرب شربة من الخمر لم يقبل الله له توبة أربعين صباحا، وأن الشقي من شقي في بطن أمه، وأنه من أتى بيت المقدس لا ينهزه إلا الصلاة فيه خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه» فلما سمع الفتى ذكر الخمر اجتذب يده من يده ثم انطلق، فقال عبد الله بن عمرو ﵄: إني لا أحل لأحد أن يقول عليّ ما لم أقل، سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«من شرب من الخمر شربة لم تقبل له صلاة أربعين صباحا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم تقبل له صلاة أربعين صباحا، فإن تاب تاب الله عليه- قال: فلا أدري في الثالثة أو الرابعة قال- فإن عاد كان حقا على الله تعالى أن يسقيه من طينة الخبال يوم القيامة» قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من نوره يومئذ اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول جف القلم على علم الله » وسمعت رسول الله ﷺ يقول:
«إن سليمان ﵇ سأل الله تعالى ثلاثا فأعطاه اثنتين، ونحن نرجو أن تكون لنا الثالثة، سأله حكما يصادف حكمه، فأعطاه إياه، وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه إياه، وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه، فنحن نرجو أن يكون الله قد أعطانا إياها» وقد روى هذا الفصل الأخير من هذا الحديث النسائي وابن ماجه من طرق عن عبد الله بن فيروز الديلمي عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن سليمان ﵊ لما بنى بيت المقدس سأل ربه خلالا ثلاثا» وذكره، وقد روي من حديث رافع بن عمير ﵁ بإسناد وسياق غريبين. وروى الطبراني ... عن رافع بن عمير قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله لداود ﵊ ابن لي بيتا في الأرض، فبنى داود بيتا لنفسه قبل البيت الذي أمر به، فأوحى الله إليه يا داود نصبت بيتك قبل بيتي. قال يا رب هكذا قضيت من ملك استأثر، ثم أخذ في بناء المسجد فلما تم السور سقط ثلاثا، فشكا ذلك إلى الله ، فقال: يا داود إنك لا تصلح أن تبني لي بيتا، قال ولم يا رب؟ قال لما جرى على يديك من الدماء، قال: يا رب أو ما كان ذلك في هواك ومحبتك؟ قال: بلى ولكنهم عبادي وأنا أرحمهم، فشق ذلك عليه، فأوحى الله إليه لا تحزن فإني سأقضي بناءه على يدي ابنك سليمان، فلما مات داود أخذ سليمان في بنائه، ولما تم قرّب القرابين، وذبح الذبائح، وجمع بني إسرائيل، فأوحى الله إليه قد
стр. 4564
أرى سرورك ببنيان بيتي فسلني أعطك، قال: أسالك ثلاث خصال: حكما يصادف حكمك، وملكا لا ينبغي لأحد من بعدي، ومن أتى هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه- قال رسول الله ﷺ أما الثنتان فقد أعطيهما، وأنا أرجو أن يكون قد أعطي الثالثة». وروى الإمام أحمد عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: ما سمعت رسول الله ﷺ دعا إلا استفتحه «سبحان الله ربي العلي الأعلى الوهاب» وقد قال أبو عبيد عن صالح بن مسمار قال لما مات نبي الله داود ﵇ أوحى الله ﵎ إلى ابنه سليمان ﵊ أن سلني حاجتك، قال:
أسألك أن تجعل لي قلبا يخشاك كما كان قلب أبي، وأن تجعل قلبي يحبك كما كان قلب أبي، فقال الله : أرسلت إلى عبدي وسألته حاجته فكانت حاجته أن أجعل قلبه يخشاني، وأن أجعل قلبه يحبني، لأهبن له ملكا لا ينبغي لأحد من بعده. قال الله جلت عظمته فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ والتي بعدها، قال: فأعطاه ما أعطاه وفي الآخرة لا حساب عليه. هكذا أورده أبو القاسم بن عساكر في ترجمة سليمان ﵊ في تاريخه. وروي عن بعض السلف أنه قال بلغني عن داود ﵊ أنه قال: إلهي كن لسليمان كما كنت لي، فأوحى الله إليه: أن قل لسليمان أن يكون لي كما كنت لي، أكن له كما كنت لك.
وقوله ﵎ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ قال الحسن البصري ﵀: لما عقر سليمان ﵊ الخيل غضبا لله ، عوّضه الله تعالى ما هو خير منها وأسرع، الريح التي غدوّها شهر ورواحها شهر. وقوله جل وعلا حَيْثُ أَصابَ أي حيث أراد من البلاد وقوله ﷻ وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ أي منهم ما هو مستعمل في الأبنية الهائلة من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات، إلى غير ذلك من الأعمال الشاقة التي لا يقدر عليها
البشر، وطائفة غوّاصون في البحار يستخرجون ما فيها من اللآلئ والجواهر والأشياء النفيسة التي لا توجد إلا فيها وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ أي موثوقون في الأغلال والأكبال ممن قد تمرّد وعصى، وامتنع من العمل وأبى، أو قد أساء في صنيعه واعتدى. وقوله هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ أي هذا الذي أعطيناك من الملك التام، والسلطان الكامل كما سألتنا فأعط من شئت، واحرم من شئت، لا حساب عليك، أي مهما فعلت فهو جائز لك، احكم بما شئت فهو صواب، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلم لما خيّر
стр. 4565
بين أن يكون عبدا رسولا- وهو الذي يفعل ما يؤمر به وإنما هو قاسم يقسم بين الناس كما أمره الله تعالى به- وبين أن يكون نبيا ملكا، يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء بلا حساب ولا جناح، اختار المنزلة الأولى بعد ما استشار جبريل ﵊ فقال له: تواضع فاختار المنزلة الأولى، لأنها أرفع قدرا عند الله ، وأعلى منزلة في المعاد وإن كانت المنزلة الثانية وهي النبوة مع الملك عظيمة أيضا في الدنيا والآخرة، ولهذا لما ذكر ﵎ ما أعطى سليمان ﵊ في الدنيا نبّه تعالى على أنه ذو حظ عظيم عند الله يوم القيامة أيضا فقال تعالى وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ أي في الدنيا والآخرة).
١٢ - [حول بعض ما جاء في أسفار العهد القديم عن قصة داود وسليمان ﵉]
ونختم الكلام عن داود وسليمان ﵉ بذكر أن الذي نافس سليمان ﵇ على الملك هو أدونيّا أخوه الأكبر، وقصة ذلك مذكورة في الإصحاح الأول والثاني من سفر الملوك الأول، ونلاحظ في السفر الثاني ملاحظة: هو أن أدونيّا يطلب من أم سليمان أن تتوسط لدى سليمان أن يعطي سليمان أدونيا أبيشبح الشونمية امرأة له، والظاهر أن أبيشبح الشونمية كانت امرأة لسليمان ﵇، وقد غضب سليمان- فيما ذكر الإصحاح- لهذا الطلب، وأمر بقتل أخيه. فإذا صحّ أن أبيشبح كانت زوجة لسليمان، وصح توسّط أم سليمان عند سليمان في ذلك، فإنّ ذلك يدلّ على أنّه من المتعارف عندهم أن يتنازل بعضهم لبعض عن زوجاتهم. ومن ثمّ فإن قصة داود ﵇ كانت من هذا القبيل. وهذا الذي خرّج عليه النسفي الحادثة وهو تخريج مبني على الظن، وأظن أنه لا حرج لو نقلنا ما قاله النسفي هنا بعد معرفة حدوده. قال النسفي: (روي أن أهل زمان داود ﵇ كان يسأل بعضهم بعضا أن ينزل له عن امرأته فيتزوجها إذا أعجبته، وكان لهم عادة في المواساة بذلك، وكان الأنصار يواسون المهاجرين بمثل ذلك، فاتفق أن داود ﵇ وقعت عينه على امرأة أوريا فأحبها، فسأله النزول له عنها، فاستحيى أن يرده ففعل، فتزوجها وهي أم سليمان، فقيل له: إنك مع عظم منزلتك وكثرة نسائك لم يكن ينبغي لك أن تسأل رجلا ليس له إلا امرأة واحدة للنزول عنها لك، بل كان الواجب عليك مغالبة هواك، وقهر نفسك، والصبر على ما امتحنت به، وقيل خطبها أوريا ثم خطبها داود، فآثره أهلها، فكانت زلته أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه).
١٣ - [كلام المؤلف وابن كثير بمناسبة قصة أيوب ﵇]
في أسفار العهد القديم سفر اسمه سفر أيوب وهو سفر واضح الصنعة،
стр. 4566
وواضح أنه موضوع، وأنه مصنوع، وإن كان لا يخلو من نفس حق، ولكنّه لا يصلح للاعتماد، وقد ذكر فيه بلاء أيوب، ولكن فيه على لسان أيوب اعتراضات، وشكاوى على الله- وحاشاه- وإنما هو دأب اليهود- عليهم لعائن الله- في تشويه سمعة الأنبياء ﵈. وللمفسرين كلام كثير يبالغون فيه في بلاء أيوب مبالغة يرفضها علماء التوحيد. وفي مثل هذه الأحوال فالموقف الأصح هو الوقوف عند النص، وأن نفهمه ضمن القواعد العامة، وأن نذكر ما أثر عن رسولنا ﷺ في هذا المقام. ويذكر ابن كثير حديثين لهما علاقة بأيوب ﵇ فلننقلهما:
(روى ابن جرير وابن أبي حاتم جميعا ... عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن نبي الله أيوب ﵊ لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين كانا من أخص إخوانه به، كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين، قال له صاحبه وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله تعالى، فيكشف ما به، فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب ﵊: لا أدري ما تقول غير أن الله يعلم أني كنت أمرّ على الرجلين يتنازعان فيذكران الله تعالى فأرجع إلى بيتي فأكفّر عنهما كراهية أن يذكر الله تعالى إلا في حق، قال: وكان يخرج إلى حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ فلما كان ذات يوم أبطأ عليها، فأوحى الله ﵎ إلى أيوب ﵊ أن ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ فاستبطأته فالتفتت تنظر، فأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء، وهو على أحسن ما كان، فلما رأته قالت:
أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى؟ فو الله على ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحا، قال: فإني أنا هو، قال وكان له أندران: أندر للقمح، وأندر للشعير، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير حتى فاض، هذا لفظ ابن جرير ﵀.
وروى الإمام أحمد ... عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«بينما أيوب يغتسل عريانا خرّ عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب ﵊ يحثو في ثوبه، فناداه ربه : يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال عليه
стр. 4567
الصلاة والسلام: بلى يا رب ولكن لا غنى بي عن بركتك» انفرد بإخراجه البخاري من حديث عبد الرزاق به).
١٤ - [كلام المؤلف حول آية إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ]
بمناسبة قوله تعالى: إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ نقول إن هذه الآية من أهم ما ينبغي الانتباه إليه، مما له علاقة في السلوك إلى الله، فالحسن البصري يقول: الناس هلكى إلا العالمون، والعالمون هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلى المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم، فإذا كان المخلصون على خطر عظيم فمن هم الذين ليسوا كذلك، لا شك أنهم هم المخلصون. وقد رسمت الآية الطريق للوصول إلى أن يصبح الإنسان مخلصا، وهو ذكرى الدار الآخرة، فلنكثر من ذكرها.
١٥ - [كلام ابن كثير حول آية جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ]
بمناسبة قوله تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم ... عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة قصرا يقال له عدن، حوله البروج والمروج، له خسمة آلاف باب، وعند كل باب خمسة آلاف حبرة لا يدخله- أو لا يسكنه- إلا نبي أو صديق أو شهيد أو إمام عدل» وقد ورد في ذكر أبواب الجنة الثمانية أحاديث كثيرة من وجوه عديدة).
...
ولننتقل إلى المقطع الثاني في السورة وهو المقطع الأخير.
***
стр. 4568
المقطع الثاني ويمتدّ من الآية (٦٥) إلى نهاية السورة. أي إلى نهاية الآية (٨٨) وهذا هو:
المجموعة الأولى ٣٨/ ٦٦ - ٦٥ المجموعة الثانية ٣٨/ ٨٥ - ٦٧
стр. 4569
المجموعة الثالثة ٣٨/ ٨٨ - ٨٦
ملاحظة: [حول تقسيمات المقطع الثاني وتشابه بدايات مجموعاته]
نلاحظ أن كلمة (قل) تكررت في المقطع ثلاث مرات، ومن ثمّ فالمقطع يتألّف من ثلاث مجموعات، كل مجموعة تؤدي دورها في عملية الإنذار وإقامة الحجة ضمن سياق السورة. وبما يخدم محورها.
***
стр. 4570
تفسير المجموعة الأولى
قُلْ يا محمد للكافرين إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ أي ما أنا إلا رسول منذر، أنذركم عذاب الله تعالى، وأقول لكم إن دين الحق توحيد الله، وأن تعتقدوا أن لا إله إلا الله الْواحِدُ بلا ندّ ولا شريك الْقَهَّارُ لكل شئ فهو قد قهر كل شئ وغلبه
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا أي هو مالك جميع ذلك ومتصرّف فيه. قال النسفي: (أي) له الملك والربوبية في العالم كله الْعَزِيزُ الذي لا يغلب إذا عاقب الْغَفَّارُ لذنوب من التجأ إليه.
...
كلمة في السياق:
أمر الله رسوله ﷺ في هذه المجموعة أن يعلن أنه رسول، وأن لله وحده الألوهية والربوبية في العالم كله. وكأن السياق بعد أن عرض مواقف الكافرين المتعنّتة وعرض ما به تقوم الحجة يبيّن لرسوله ﵊ أن نور الحق لا بد من إظهاره، وأن الرسالة لا بد من تبليغها، وأن أسس الدعوة ينبغي الجهر بها على كل حال، وأن الرسول ﵊ في واقع الأمر وحقيقة الحال منذر، قبل الناس إنذاره أو رفضوه، استفادوا من ذلك أو لم يستفيدوا، وإذ يتقرر الإعلان هذا يأتي أمر جديد فيه إعلان عن قيمة الإعلان الأول، وفيه إقامة حجة جديدة عليهم، فالملاحقة ينبغي أن تستمر حتى يلقي الكفر سلاحه.
***
стр. 4571
تفسير المجموعة الثانية
قُلْ يا محمد هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أي هذا الذي أنبأتكم به من كوني رسولا منذرا وأن الله وحده لا شريك له نَبَأٌ عَظِيمٌ أي خبر عظيم وشأن بليغ وهو إرسال الله تعالى إياي إليكم لا يعرض عن مثله إلا غافل شديد الغفلة. ثم
أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ أي غافلون. وقال مجاهد والسدي وشريح القاضي في تفسير النبأ العظيم:
بأنه القرآن، وأنه هو المعرض عنه. وقال الحسن: يوم القيامة. وأيا ما كان النبأ فالمضمون الذي أعرضوا عنه هو الإنذار، وصلة ذلك بمحور السورة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ واضحة.
ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ أمره أن يحتج لصحة نبوته بأن ما ينبئ به عن الملأ الأعلى واختصامهم، أمر ما كان له به علم قط، ولم يسلك الطريق الذي يسلكه الناس في علم ما لم يعلموا، وهو الأخذ من أهل الكتاب فعلم أن ذلك لم يحصل له إلا بالوحي من الله تعالى. قال ابن كثير في الآية: (أي لولا الوحي من أين كنت أدري باختلاف الملأ الأعلى؟ يعني في شأن آدم ﵇ وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجّته ربه في تفضيله عليه). وهذا الاختصام قد فسّر بعد هذا بآية أثناء الكلام عن قصة آدم ﵇. كما ذكر ذلك ابن كثير
إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أي ما يوحى إلي إلا للإنذار، أو ما يوحى إلا هذا وهو أن أبلّغ وأنذر، ولا أفرّط في ذلك. أي ما أمر إلا بهذا الأمر وحده، وليس لي غير ذلك. قال النسفي: (والمراد بالملأ الأعلى أصحاب القصة (أي الآتية) الملائكة وآدم وإبليس، لأنهم كانوا في السماء، وكان التقاول بينهم). والآن تعرض السورة قصة الاختصام:
إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ أي فإذا أتممت خلقه وعدّلته وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي أي من الروح التي خلقتها وأضفتها إلى ذاتي تشريفا لهذه الروح والمعنى: أحييته وجعلته حساسا متنفسا فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ أي اسقطوا على الأرض له. أي اسجدوا له. قال النسفي: (قيل كان انحناء يدلّ على التواضع، وقيل كان سجدة لله (وهو كالقبلة) أو كان سجدة التحية). والسجود أو الانحناء لغير الله في شريعتنا محرّم فهو حكم منسوخ في شريعة الله الخاتمة.
فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ أفاد التعبير أنهم سجدوا عن آخرهم جميعهم في وقت واحد غير متفرقين في أوقات
إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ أي تعظّم عن السجود وَكانَ مِنَ
стр. 4572
الْكافِرِينَ أي وصار من الكافرين بإباء الأمر
قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ أي بلا واسطة، أي ما منعك عن السجود امتثالا لأمري، وإعظاما لخطابي لمن خلقته بلا واسطة، وفي ذلك دليل على بطلان نظرية التطور في شأن خلق آدم ﵇ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ هذا استفهام إنكار. أي هل الكبر أم العلو هو الذي جعلك ترفض السجود
قالَ إبليس أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ. قال النسفي: يعني: لو كان مخلوقا من نار لما سجدت له، لأنه مخلوق مثلي فكيف أسجد لمن هو دوني؟ لأنه من طين، والنار تغلب الطين وتأكله
قالَ الله فَاخْرُجْ مِنْها أي من الجنة أو من السموات فَإِنَّكَ رَجِيمٌ أي مرجوم أي مطرود. قال النسفي: (تكبّر إبليس أن يسجد لمن خلق من طين، وزلّ عنه أن الله أمر به ملائكته واتبعوا أمره إجلالا لخطابه، وتعظيما لأمره، فصار مرجوما ملعونا بترك أمره)
وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي أي إبعادي من كلّ الخير إِلى يَوْمِ الدِّينِ أي إلى يوم الجزاء. قال النسفي:
(ولا يظن ظانّ أن لعنته غايتها يوم الدين ثم تنقطع، لأن معناه أن عليه اللعنة في الدنيا وحدها، فإذا كان يوم الدين اقترن بها العذاب، فينقطع الانفراد أو لما كان عليه اللعنة في أوان الرحمة، فأولى أن تكون عليه في غير أوانها، وكيف تنقطع وقد قال الله تعالى:
فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ.
قالَ إبليس رَبِّ فَأَنْظِرْنِي أي فأمهلني إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ* قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ* إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ أي الوقت الذي تقع فيه النفخة الأولى، ويومه اليوم الذي وقت النفخة جزء من أجزائه ومعنى (المعلوم) أنه معلوم عند الله، معيّن لا يتقدم ولا يتأخر
قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ أقسم بعزة الله: وهي سلطانه وقهره أن يغويهم جميعا
إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ أي الذين أخلصتهم واستخلصتهم
قالَ الله فَالْحَقُ أي الحق قسمي أو أنا الحق وَالْحَقَّ أَقُولُ أي وأقول الحق الذي هو نقيض الباطل
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ أقسم الله أن يملأ جهنم بإبليس وجنسه من الشياطين وأتباعه من ذرية آدم أي لأملأن جهنم من المتبوعين والتابعين أجمعين لا أترك منهم أحدا.
...
стр. 4573
نقول [من الظلال]:
١ - [بمناسبة قوله تعالى قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ* أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ]
بمناسبة قوله تعالى: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ* أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ قال صاحب الظلال: (وإنه لأمر أعظم بكثير من ظاهره القريب. إنه أمر من أمر الله في هذا الوجود كله. وشأن من شئون هذا الكون بكامله. إنه قدر من قدر الله في نظام هذا الوجود. ليس منفصلا ولا بعيدا عن شأن السماوات والأرض، وشأن الماضي السحيق والمستقبل البعيد.
ولقد جاء هذا النبأ ليتجاوز قريشا في مكة، والعرب في الجزيرة، والجيل الذي عاصر الدعوة في الأرض. ليتجاوز هذا المدى المحدود من المكان والزمان؛ ويؤثّر في مستقبل البشرية كلها في جميع أعصارها وأقطارها؛ ويكيّف مصائرها منذ نزوله إلى الأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ولقد نزل في أوانه المقدر له في نظام هذا الكون كله، ليؤدي دوره هذا في الوقت الذي قدّره الله له.
ولقد حول خط سير البشرية إلى الطريق الذي خطته يد القدر بهذا النبأ العظيم.
سواء في ذلك من آمن به ومن صدّ عنه. ومن جاهد معه ومن قاومه. في جيله وفي الأجيال التي تلته. ولم يمر بالبشرية في تاريخها كله حادث أو نبأ ترك فيها من الآثار ما تركه هذا النبأ العظيم.
ولقد أنشأ من القيم والتصورات، وأرسى من القواعد والنظم في هذه الأرض كلها، وفي أجيال البشرية جميعها، ما لم يكن العرب يتصورونه ولو في الخيال!
وما كانوا يدركون في ذلك الزمان أن هذا النبأ إنما جاء ليغيّر وجه الأرض؛ ويوجّه سير التاريخ؛ ويحقق قدر الله في مصير هذه الحياة؛ ويؤثّر في ضمير البشرية وفي واقعها؛ ويصل هذا كله بخط سير الوجود كله، وبالحق الكامن في خلق السماوات والأرض وما بينهما. وأنه ماض كذلك إلى يوم القيامة. يؤدي دوره في توجيه أقدار الناس وأقدار الحياة.
والمسلمون اليوم يقفون من هذا النبأ كما وقف منه العرب أول الأمر. لا يدركون طبيعته وارتباطها بطبيعة الوجود؛ ولا يتدبرون الحق الكامن فيه ليعلموا أنه طرف من الحق الكامن في بناء الوجود؛ ولا يستعرضون آثاره في تاريخ البشرية وفي خط سيرها الطويل استعراضا واقعيا، يعتمدون فيه على نظرة مستقلة غير مستمدة من أعداء هذا
стр. 4574
النبأ الذين يهمهم دائما أن يصغّروا من شأنه في تكييف حياة البشر وفي تحديد خط التاريخ .. ومن ثمّ فإن المسلمين لا يدركون حقيقة دورهم سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل. وأنه دور ماض في هذه الأرض إلى آخر الزمان .. ).
٢ - [بمناسبة قوله تعالى وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي .. ]
وبمناسبة قوله تعالى: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي قال صاحب الظلال ﵀: (ونحن نجهل كنه هذه النفخة؛ ولكننا نعرف آثارها. فآثارها هي التي ميزت هذا الكائن الإنساني عن سائر الخلائق في هذه الأرض. ميزته بخاصية القابلية للرقي العقلي والروحي. هي التي جعلت عقله ينظر تجارب الماضي، ويصمم خطط المستقبل. وجعلت روحه يتجاوز المدرك بالحواس والمدرك بالعقول، ليتصل بالمجهول للحواس والعقول.
وخاصية الارتقاء العقلي والروحي خاصية إنسانية بحتة، لا يشاركه فيها سائر الأحياء في هذه الأرض. وقد عاصر مولد الإنسان الأول أجناس وأنواع شتى من الأحياء. ولم يقع في هذا التاريخ الطويل أن ارتقى نوع أو جنس- ولا أحد أفراده- عقليا أو روحيا. حتى مع التسليم بوقوع الارتقاء العضوي.
لقد نفخ الله من روحه في هذا الكائن البشري، لأن إرادته اقتضت أن يكون خليفة في الأرض؛ وأن يتسلّم مقاليد هذا الكوكب في الحدود التي قدرها له. حدود العمارة ومقتضياتها من قوى وطاقات.
لقد أودعه القدرة على الارتقاء في المعرفة. ومن يومها وهو يرتقي كلما اتصل بمصدر تلك النفخة، واستمد من هذا المصدر في استقامة. فأما حين ينحرف عن ذلك المصدر العلوي فإن تيارات المعرفة في كيانه وفي حياته لا تتناسق، ولا تتجه الاتجاه المتكامل المتناسق المتجه إلى الأمام؛ وتصبح هذه التيارات المتعارضة خطرا على سلامة اتجاهه. إن لم تقده إلى نكسة في خصائصه الإنسانية، تهبط به في سلم الارتقاء الحقيقي. ولو تضخّمت علومه وتجاربه في جانب من جوانب الحياة.
وما كان لهذا الكائن الصغير الحجم، المحدود القوة، القصير الأجل، المحدود المعرفة .. ما كان له أن ينال شيئا من هذه الكرامة لولا تلك اللطيفة الربانية الكريمة ..
وإلا فمن هو؟ إنه ذلك الخلق الصغير الضئيل الهزيل الذي يحيا على هذا الكوكب الأرضي مع ملايين الأنواع والأجناس من الأحياء. وما الكوكب الأرضي إلا تابع
стр. 4575
صغير من توابع أحد النجوم. ومن هذه النجوم ملايين الملايين في ذلك الفضاء الذي لا يدري إلا الله مداه .. فماذا يبلغ هذا الإنسان لتسجد له ملائكة الرحمن؛ إلا بهذا السر اللطيف العظيم؟ إنه بهذا السر كريم كريم. فإذا تخلى عنه أو انفصم منه ارتد إلى أصله الزهيد .. من طين!).
كلمة في السياق: [حول قصة آدم ﵇ في السورة وصلة لسورة الصافات بسورة (ص)]
١ - جاءت قصة آدم ﵇ لتؤدي مقصدا رئيسيا في السورة، وهو إقامة الحجة على الكافرين بأن محمدا ﷺ ما كان ليعلم مثل هذه القصة لولا الوحي، فهذا دليل من أدلة رسالته ﵊، ولكنها في سياقها أدّت خدمات أخرى، منها إعلام هؤلاء الكافرين الذين يأبون اتباع محمد ﷺ أنهم سائرون على قدم إبليس، ومنها تعريف هؤلاء بعاقبتهم إن استمروا على ما هم عليه، ومنها تعريف الراغبين بالحق بطريق الخلاص، وهو أن يخلص لله رب العالمين، وكل هذه المعاني واضحة الصلة بسياق السورة وبمحورها العام.
٢ - نلاحظ الصلة بين قوله تعالى: إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وبين قوله تعالى هنا إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ كما نلاحظ الصلة بين ذكر عباد الله المخلصين هنا، وذكر عباد الله المخلصين أكثر من مرة في سورة الصافات، مما يشير إلى التكامل بين سورتي الصافات وص.
والآن يأتي التوجيه الأخير للنذير ﵊ أن يقول لهؤلاء المعرضين الفارّين المستكبرين الطاغين الظالمين المتعجّبين الكلام الأخير.
***
стр. 4576
تفسير المجموعة الثالثة
قُلْ يا محمد ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي: على القرآن أو الوحي أو الإنذار مِنْ أَجْرٍ أي: ما أسألكم على هذا البلاغ، وهذا النصح أجرا تعطونيه من عرض الحياة الدنيا؛ حتى تظنوا بي
الظنون وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ أي: من الذين يتصنّعون ويتحلّون بما ليسوا من أهله، وما عرفتموني قط متصنّعا ولا مدّعيا بما ليس عندي؛ حتى أنتحل النّبوة، وأتقوّل القرآن، أمره أن يلفت نظرهم إلى خصائصه الذاتية التي تدل- وحدها- على أنّه لا يمكن أن يكون إلا رسولا صادقا لله.
ثم أمره أن يلفت نظرهم إلى خصائص القرآن إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ أي: ما القرآن إلا ذكر من الله للثقلين أوحي إلي، فأنا أبلغه
وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ أي: خبر القرآن وما فيه من الوعد والوعيد، وذكر البعث والنشور بَعْدَ حِينٍ أي: بعد الموت أو يوم القيامة. قال صاحب الظلال ﵀:
(إنها الدعوة الخالصة للنجاة، بعد كشف المصير وإعلان النذير. الدعوة الخالصة التي لا يطلب صاحبها أجرا. وهو الداعية السليم الفطرة، الذي ينطق بلسانه، لا يتكلّف ولا يتصنّع، ولا يأمر إلا بما يوحي منطق الفطرة القريب. وإنه للتذكير للعالمين أجمعين فقد ينسون ويغفلون. وإنه للنبإ العظيم الذي لا يلقون بالهم إليه اليوم، وليعلمن نبأه بعد حين. نبأه في الأرض- وقد علموه بعد سنوات من هذا القول- ونبأه في اليوم المعلوم. عند ما يحق وعد الله اليقين: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
إنه الختام الذي يتناسق مع افتتاح السورة ومع موضوعها والقضايا التي تعالجها.
وهو الإيقاع المدوي العميق، الموحي بضخامة ما سيكون: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ).
كلمة في السياق والمقطع:
١ - نلاحظ أن المجموعة الأخيرة لفتت نظرهم إلى مجموعة الأمور التي لو تأمّلوها لآمنوا بمحمد ﷺ وقبلوا إنذاره، ومن جملة ذلك كون القرآن ذكرا وهو المعنى الذي بدأت به السورة، وتوسّطت به، وانتهت به ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ. إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ
стр. 4577
لِلْعالَمِينَ. وهذا يفيد أن هذه الخاصية في القرآن كافية لأن تقيم الحجة على صحة رسالة الرسول ﷺ وعلى صحة كون هذا القرآن من عند الله، ومن ثمّ تقيم الحجة على المنذرين، فإذا رفضوا الإيمان مع وجود هذه الخاصية فالعلة في قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم.
٢ - ونلاحظ أن المقطع الأخير بمجموعه قد أتم صرح السورة في تبيان أن الكافرين لا يقبلون الإنذار، وفي تبيان العذاب العظيم المعدّ لهم، وفي تبيان ما ينبغي أن يفعله رسول الله ﷺ في مقابل إعراضهم من ذكر وتذكر، وإقامة حجة ولفت نظر.
...
فوائد:
١ - [حديث حول الملأ الأعلى بمناسبة ذكرهم في آية ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى .. ]
بمناسبة قوله تعالى: ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ذكر ابن كثير حديثا ليس له علاقة بالآية، ولكن لمجرد ذكر الملأ الأعلى فيه ونحن نذكره تبرّكا، لا على أنه تفسير للآية. قال ابن كثير:
(فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد ... عن معاذ ﵁ قال: احتبس علينا رسول الله ﷺ ذات غداة من صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى قرن الشمس، فخرج ﷺ سريعا فثوّب بالصلاة، فصلى وتجوّز في صلاته، فلما سلّم قال ﷺ :
«كما أنتم» ثم أقبل إلينا فقال: «إني قمت من الليل فصلّيت ما قدر لي، فنعست في صلاتي حتى استيقظت، فإذا أنا بربي في أحسن صورة، فقال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري يا رب- أعادها ثلاثا- فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين صدري فتجلى لي كل شئ، وعرفت، فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات. قال: وما الكفارات؟
قلت: نقل الأقدام إلى الجماعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء عند الكريهات؟ قال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام، قال: سل، قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني؛ وإذا أردت فتنة بقوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك» وقال رسول الله ﷺ : «إنها حق فادرسوها وتعلّموها» فهو حديث المنام المشهور، ومن
стр. 4578
جعله يقظة فقد غلط، وهو في السنن من طرق، وهذا الحديث بعينه قد رواه الترمذي من حديث جهضم بن عبد الله اليماني به، وقال: حسن صحيح وليس هذا الاختصام هو الاختصام المذكور في القرآن فإن هذا قد فسر).
٢ - [كلام ابن كثير بمناسبة ذكر قصة آدم ﵇ في سورة (ص)]
بمناسبة ذكر قصة آدم ﵇ في سورة (ص) قال ابن كثير:
(هذه القصة ذكرها الله ﵎ في سورة البقرة، وفي أول سورة الأعراف، وفي سورة الحجر، وسبحان، والكهف وهاهنا، وهي أن الله أعلم الملائكة قبل خلق آدم ﵊ بأنه سيخلق بشرا من صلصال من حمأ مسنون، وتقدم إليهم بالأمر، متى فرغ من خلقه وتسويته فليسجدوا له إكراما وإعظاما واحتراما وامتثالا لأمر الله ؛ فامتثل الملائكة كلهم ذلك سوى إبليس، ولم يكن منهم جنسا. كان من الجن، فخانه طبعه وجبلته أحوج إليه فاستنكف عن السجود لآدم، وخاصم ربه فيه، وادّعى أنه خير من آدم، فإنه مخلوق من نار، وآدم خلق من طين، والنار خير من الطين في زعمه، وقد أخطأ في ذلك وخالف أمر الله تعالى، وكفر بذلك، فأبعده الله ، وأرغم أنفه، وطرده عن باب رحمته، ومحل أنسه، وحضرة قدسه، وسماه إبليس إعلاما له بأنه قد أبلس من الرحمة، وأنزله
من السماء مذموما مدحورا إلى الأرض فسأل الله النظرة إلى يوم البعث، فأنظره الحليم الذي لا يعجل على من عصاه. فلما أمن الهلاك إلى القيامة تمرد وطغى وقال فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ كما قال أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ، لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا وهؤلاء هم المستثنون في الآية الأخرى، وهي قوله تعالى إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا [الإسراء: ٦٥].
٣ - [كلام النسفي والمؤلف بمناسبة آية قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ]
بمناسبة قوله تعالى: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ قال النسفي: (للمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال، ويقول ما لا يعلم) وأذكر بمناسبة هذه الآية قوله ﵊:
«أنا وصالحو أمتي براء من التكلف»، وفي الصحيحين أن ابن مسعود قال: أيها الناس من علم منكم علما فليقل به، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم، قال الله تعالى لرسوله ﷺ قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ.
стр. 4579
٤ - [كلام المؤلف بمناسبة قوله تعالى حكاية عن قسم إبليس فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ .. ]
بمناسبة قوله تعالى حكاية عن قسم إبليس: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ نتذكر ما أثبتناه في فوائد المقطع الأول عند قوله تعالى:
إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ من أجل أن نعمل على السير إلى طريق الاستخلاص، وهو كما حددته الآية: ذكر الدار الآخرة، والتذكير به- وحبذا لو وقف الإنسان عند الآيات المذكرة بالآخرة- وكانت له جلسة تفكر في الآخرة كل يوم، قال تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر: ١٨].
...
كلمة أخيرة في سورة (ص) ومجموعتها:
لاحظ قوله تعالى في سورة (ص) وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ وتذكر ما فسّر به المفسرون قوله تعالى: وَالْأَبْصارِ بأنه البصر في الدين والفقه فيه. وتذكّر الآن محور السورة من سورة البقرة:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.
فالكافرون على أبصارهم غشاوة، والرسل عليهم الصلاة والسلام أصحاب الأبصار، هذا نموذج على الصلة الدقيقة بين سورة (ص) ومحورها من سورة البقرة.
وقد رأينا كيف أن مقدّمة سورة (ص) أرتنا كيف أن الكافرين لا ينفع معهم الإنذار، كما رأينا كيف أن المقطع الأول أعطى دروسا للنذير من خلال الأمر بالصبر والذكر، ثم رأينا كيف أن المقطع الثاني أمر رسول الله ﷺ أن يقول المعاني الأخيرة الفاصلة القاطعة التي تقيم الحجج النهائية على الكافرين، وقد رأينا كيف أن عدم انتفاع الكافرين بالإنذار قد عرض في السورة بما تقوم به الحجة على الكافرين قياما كاملا، من خلال ذكر خصائص القرآن، وخصائص الرسول ﵊.
...
وسورة (ص) والصافات عالجت كل منهما معاني رئيسية لمحور محدد، ولكن كون السورتين عالجتا مقدمة سورة البقرة فإنك تجد تداخلا بين السورتين، بحيث تجد سورة الصافات قد تعرضت لمواقف الكافرين، وبحيث تجد سورة (ص) قد تعرّضت للكلام عن المتقين، ولكن في نفس الوقت انصبّ الكلام الرئيسي في سورة الصافات على
стр. 4580
تفصيل معان في إطار الآيات الأربعة الأولى من سورة البقرة، وانصبّ الكلام انصبابا رئيسيا في سورة (ص) عن الآيتين اللاحقتين.
...
وقد رأينا من خلال عرضنا لسورة (ص) كيف يظهر التكامل بينها وبين سورة الصافات، على اعتبار أنهما تشكلان مجموعة واحدة، فكما أن التكامل قائم بين محوريهما فكذلك نرى التكامل على امتداد السورتين. فمقدمة سورة الصافات تقرر إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ ومقدمة سورة (ص) يرد فيها قوله تعالى على لسان الكافرين: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ.
وسورة (ص) تتحدّث عن اختصام الكافرين مع بعضهم في النار، وسورة الصافات تستثني عباد الله المخلصين مرات. وسورة (ص) تذكر الطريق إلى هذا الاستخلاص، وتستثنيهم من الوقوع في غواية الشيطان. وسورة الصافات تذكر المرسلين وإنذارهم ودعوتهم، وسورة (ص) تتحدّث كذلك عن الرسل. وهكذا نجد السورتين تتداخلان، وتتكاملان لتؤديا دورا واحدا في بناء قضية الإيمان والسلوك الإيماني، وفضح الكفر والسلوك الكافر.
...
نلاحظ في سورة الصافات أنها لم تتحدّث عن داود وسليمان وأيوب ﵈، بينما تحدّثت عنهم سورة (ص). وتحدّثت سورة الصافات عن نوح وإلياس وموسى وهارون ولوط ويونس عليهم الصلاة والسلام ولم تتحدّث عنهم سورة (ص).
وتحدثت سورة الصافات عن إلياس ﵇. وتحدّثت سورة (ص) عن خليفته اليسع ﵇. وتحدّثت سورة الصافات بشيء من الإسهاب عن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق عليهم الصلاة والسلام بينما ذكرتهم ذكرا فقط سورة (ص). وكل ذلك من مظاهر التكامل بين السورتين.
...
ويلاحظ أن سورة (ص) تحدّثت عن خاصية من خواص القرآن وهو أنه (ذو الذكر) ونحب أن نذكر هنا أن هذه الخاصية التي تحدّثت عنها سورة (ص) خاصية فريدة وعجيبة ومعجزة. وهي وحدها تدل على أن هذا القرآن من عند الله.
стр. 4581
فكتاب تحدّث عن كل شئ، وفصّل كل شئ مما يحتاجه الإنسان، وكان فيه الأمر والنهي، والخبر والقصّة، والعظة والزجر، والترغيب والترهيب وغير ذلك، فإن يكون هذا كله فيه مذكّرا بالله ، إن كتابا على مثل هذا الكمال، وفيه مثل هذه الخاصية الظاهرة من أوله إلى آخره، لا يمكن أن يكون من عند بشر.
***
стр. 4582
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم
стр. 4583
المجموعة الثالثة من القسم الثالث من أقسام القرآن المسمّى بقسم المثاني وتشمل سور: (الزمر، وغافر، وفصلت)
стр. 4584
كلمة في المجموعة الثالثة من قسم المثاني:
دلّلنا من قبل على أنّ سورة (ص) نهاية مجموعة، وهذا يعني تلقائيا أن سورة الزمر بداية مجموعة، وسنرى بأكثر من دليل أن سورة الشورى بداية مجموعة أخرى، وهذا يقتضي بالضرورة أن تكون سورتا غافر وفصلت تتمة لمجموعة الزمر، خاصة إذا دلّنا على ذلك المعنى، وإذا لم يكن هناك ما يدلّ على أن واحدة منهما خارجة عن ذلك.
وعند ما ندرس السور الثلاث نلاحظ أن كل شئ فيهن يدلّ على أن السور الثلاث تشكّل وحدة متكاملة.
نلاحظ بشكل واضح أن سورة فصّلت تفصّل في محور سورة هود، لاحظ بدايتي السورتين.
بدأت سورة هود بقوله تعالى: الر* كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ* أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ....
وبدأت سورة فصّلت بقوله تعالى: حم* تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ* بَشِيراً وَنَذِيراً ....
ومن المعلوم أن سورة هود فصّلت من سورة البقرة قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ....
ونلاحظ بشكل واضح أن سورة الزّمر تفصّل في محور سورة يونس، لاحظ بدايتي السورتين:
بدأت سورة يونس بقوله تعالى: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ* أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ.
وبدأت سورة الزمر بقوله تعالى: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ* إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ وسنرى التشابه الكبير بين مضمونات سورة الزمر وسورة يونس.
وكان محور سورة يونس قوله تعالى في سورة البقرة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
стр. 4585
ونلاحظ بشكل واضح أن سورة غافر تفصّل في الكلام عن الكافرين، بدليل أنه بعد مقدمة السورة مباشرة يأتي قوله تعالى: ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ.
ونجد في السورة قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ ....
ونجد في خاتمة السورة قوله تعالى: وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ.
ولذلك نقول: إنّ محور سورة المؤمن (غافر) هو قوله تعالى من سورة البقرة:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.
وبناء على ما مرّ نقول: إنّ سورتي الزمر والمؤمن تفصّلان في مقدمة سورة البقرة، ثم تأتي سورة فصّلت لتفصل في حيز الآيات الآتية مباشرة بعد مقدمة سورة البقرة يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ... وسنرى تفصيل ذلك كله.
وإذن فأنت تلاحظ أن آيات سورة البقرة الأولى تفصّل في قسم المثاني مرات، وفي كل مرة تجد روحا جديدة، وأسلوبا جديدا، وسياقا جديدا، وعرضا جديدا،
ووحدة في كل سورة، ووحدة في كل مجموعة، إن هذا لمظهر من مظاهر الإعجاز في القرآن، أن تجد المعنى الواحد يعرض بالأساليب الكثيرة وفي السور الكثيرة، وفي كل مرة تجد جديدا وتجد تفريعات وتفصيلات لمعان مستكنة.
ولعلّه يتضح لك في عرضنا لمجموعات هذا القسم لم سمّي هذا القسم بالمثاني؟ إذ تجد المعاني تثنى وتكرّر مرّة بعد مرّة، ويلاحظ أيضا أن سورة الزمر يرد فيها قوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ.
ولنبدأ عرض السور الثلاث.
стр. 4586
سورة الزّمر
وهي السّورة التاسعة والثلاثون بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة الأولى من المجموعة الثالثة من قسم المثاني وآياتها خمس وسبعون آية وهي مكيّة
стр. 4587
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم
стр. 4588
كلمة في سورة الزمر ومحورها:
تبدأ السورة بمقدمة هي آية واحدة وهي قوله تعالى: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (الآية: ١). ثم يأتي قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (الآية: ٢).
ثم تسير السورة حتى نهاية الآية ٤٠ ثم يأتي قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (الآية: ٤١). ثم تسير السورة إلى نهايتها.
فكأن السورة تتألف من مقدمة ومقطعين كل مقطع مبدوء بقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا ....... *.
والصلة بين بدايتي المقطعين ومقدمة السورة واضحة؛ إذ يشترك الجميع في وجود معنى التنزيل. وفي المقطع الأول تجد قوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ .. (الآية: ٢٣). وتجد وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ* قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (الآيتين: ٢٧، ٢٨).
وفي المقطع الثاني تجد قوله تعالى: وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (الآية: ٧١).
وهذا يشير إلى أن الكلام عن القرآن وكونه منزلا من عند الله موضوع رئيسي في السورة، ونلاحظ أن هناك آيات في السورة مبدوءة بلفظ الجلالة:
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ...
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ....
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ.
مما يشير إلى أن الكلام عن الله منزل هذا القرآن موضوع رئيسي من مواضيع السورة.
стр. 4589
ونلاحظ أن موضوع العبادة يتكرّر في السورة كثيرا:
فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ.
قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ....
قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي ....
قُلْ يا عِبادِيَ ....
قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ ....
بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ ....
مما يشير إلى أنّ هناك صلة بين معرفة الله وعبادته وإنزاله القرآن.
فلنتذكر الآن بعض معان في سورة يونس:
الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ* أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ
مُبِينٌ* إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ.
لاحظ وجود اسم الله (الحكيم) في الآية الأولى من السورتين، ولاحظ الأمر (فاعبد) في أوائل سورة الزمر، والأمر (فاعبدوه) في أوائل سورة يونس، ثم لاحظ خاتمة سورة يونس. قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ. وصلة ذلك بقوله تعالى في سورة الزمر:
إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (الآية: ٤١).
من خلال ذلك ندرك أن هناك صلة بين السورتين، وأنّ سورة الزمر تبني على سورة يونس، وتفصّل في محورها، ومن المعلوم أن سورة يونس فصّلت في الآية الأولى
стр. 4590
من سورة البقرة، أي: في قوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ.
وقد كنا رأينا من قبل أن سورة الصافات فصّلت في الآيات الأربع الأولى التي وصفت المتقين من سورة البقرة، ونلاحظ أن سورة الصافات ختمت بقوله تعالى:
وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ* وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
كما نلاحظ أن سورة الزمر ختمت بقوله تعالى وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
وهذه الخاتمة كذلك تجعلنا نستأنس أن سورة الزمر تفصّل في ما فصلت فيه سورة الصافات، أي في الآيات الأولى من سورة البقرة.
إن تفصيل سورة الزمر ينصبّ على المحور الذي فصلته سورة يونس، وهو قوله تعالى الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ إلا أن التفصيل الموجود في سورة الزمر يكمّل التفصيل الموجود في سورة يونس، فإذا كان الكلام في سورة يونس انصب على نفي الريب عن هذا القرآن بنفي كل ما يؤدي إليه، وتقرير أن هذا القرآن هدى، فإن سورة الزمر ينصب الكلام فيها على أن هذا القرآن منزّل من عند الله، وعلى تعريفنا على الله منزّل هذا القرآن، وعلى ما يترتب على كون هذا القرآن من عند الله: من عبادة لله، وصياغة للسلوك والأفكار على ضوء ذلك، إلى غير ذلك من المواضيع التي سنراها
ونلاحظ في السورة بشكل واضح كثرة الآيات المبدوءة باستفهام:
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً ...
أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ ....
следующие страницы →