← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

سورة الزّمر وهي السّورة التاسعة والثلاثون بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة الأولى من المجموعة الثالثة من قسم المثاني وآياتها خمس وسبعون آية وهي مكيّة

стр. 4587

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم

стр. 4588

كلمة في سورة الزمر ومحورها: تبدأ السورة بمقدمة هي آية واحدة وهي قوله تعالى: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (الآية: ١). ثم يأتي قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (الآية: ٢). ثم تسير السورة حتى نهاية الآية ٤٠ ثم يأتي قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (الآية: ٤١). ثم تسير السورة إلى نهايتها. فكأن السورة تتألف من مقدمة ومقطعين كل مقطع مبدوء بقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا ....... *. والصلة بين بدايتي المقطعين ومقدمة السورة واضحة؛ إذ يشترك الجميع في وجود معنى التنزيل. وفي المقطع الأول تجد قوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ .. (الآية: ٢٣). وتجد وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ* قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (الآيتين: ٢٧، ٢٨). وفي المقطع الثاني تجد قوله تعالى: وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (الآية: ٧١). وهذا يشير إلى أن الكلام عن القرآن وكونه منزلا من عند الله موضوع رئيسي في السورة، ونلاحظ أن هناك آيات في السورة مبدوءة بلفظ الجلالة: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ... اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها .... اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ. مما يشير إلى أن الكلام عن الله منزل هذا القرآن موضوع رئيسي من مواضيع السورة.

стр. 4589

ونلاحظ أن موضوع العبادة يتكرّر في السورة كثيرا: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ. قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ .... قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي .... قُلْ يا عِبادِيَ .... قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ .... بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ .... مما يشير إلى أنّ هناك صلة بين معرفة الله وعبادته وإنزاله القرآن. فلنتذكر الآن بعض معان في سورة يونس: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ* أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ* إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ. لاحظ وجود اسم الله (الحكيم) في الآية الأولى من السورتين، ولاحظ الأمر (فاعبد) في أوائل سورة الزمر، والأمر (فاعبدوه) في أوائل سورة يونس، ثم لاحظ خاتمة سورة يونس. قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ. وصلة ذلك بقوله تعالى في سورة الزمر: إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (الآية: ٤١). من خلال ذلك ندرك أن هناك صلة بين السورتين، وأنّ سورة الزمر تبني على سورة يونس، وتفصّل في محورها، ومن المعلوم أن سورة يونس فصّلت في الآية الأولى

стр. 4590

من سورة البقرة، أي: في قوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. وقد كنا رأينا من قبل أن سورة الصافات فصّلت في الآيات الأربع الأولى التي وصفت المتقين من سورة البقرة، ونلاحظ أن سورة الصافات ختمت بقوله تعالى: وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ* وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. كما نلاحظ أن سورة الزمر ختمت بقوله تعالى وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. وهذه الخاتمة كذلك تجعلنا نستأنس أن سورة الزمر تفصّل في ما فصلت فيه سورة الصافات، أي في الآيات الأولى من سورة البقرة. إن تفصيل سورة الزمر ينصبّ على المحور الذي فصلته سورة يونس، وهو قوله تعالى الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ إلا أن التفصيل الموجود في سورة الزمر يكمّل التفصيل الموجود في سورة يونس، فإذا كان الكلام في سورة يونس انصب على نفي الريب عن هذا القرآن بنفي كل ما يؤدي إليه، وتقرير أن هذا القرآن هدى، فإن سورة الزمر ينصب الكلام فيها على أن هذا القرآن منزّل من عند الله، وعلى تعريفنا على الله منزّل هذا القرآن، وعلى ما يترتب على كون هذا القرآن من عند الله: من عبادة لله، وصياغة للسلوك والأفكار على ضوء ذلك، إلى غير ذلك من المواضيع التي سنراها ونلاحظ في السورة بشكل واضح كثرة الآيات المبدوءة باستفهام: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً ... أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ ....

стр. 4591

أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ....... أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ .... أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ .... أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ ..... مما يعطي السورة جرسا معيّنا، ويصبغها بصبغة معينة، وهذا يرينا مظهرا من مظاهر هذا الإعجاز؛ إذ تجد الموضوع الواحد تفصّله سور كثيرة، كلّ سورة تبرز جانبا من جوانبه المتعلّقة به، مع كون التفصيل في كل مرّة يأتي بروح جديدة، وصيغة جديدة، وأسلوب جديد، وهكذا. وسنعرض السورة على أنّها مقدّمة ومقطعان، وسنرى أنّ كل مقطع فيه مجموعات واضحة المعالم، وسنرى صلة هذه المجموعات بسياق السورة الخاص، وصلتها بمحور السورة، ولا نستعجل الكلام عن ذلك، وقبل أن نبدأ عرض السورة نحبّ أن ننقل مجموعة نقول حول السّورة: نقول: [تقديم ابن كثير والألوسي لسورة الزمر] ١ - قدّم ابن كثير لتفسير سورة الزمر بالحديث التالي: (روى النسائي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول ما يريد أن يفطر، ويفطر حتى نقول ما يريد أن يصوم، وكان ﷺ يقرأ في كل ليلة بني إسرائيل والزمر.). ٢ - وقال الألوسي في تقديمه لسورة الزمر: (وتسمى سورة الغرف كما في الإتقان والكشاف لقوله تعالى لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ

стр. 4592

فَوْقِها غُرَفٌ أخرج ابن الضريس. وابن مردويه. والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنها أنزلت بمكة ولم يستثن، وأخرج النحاس عنه أنه قال: نزلت سورة الزمر بمكة سوى ثلاث آيات نزلت بالمدينة في وحشي قاتل حمزة قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ إلى ثلاث آيات، وزاد بعضهم قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ الآية ذكره السخاوي في جمال القراء وحكاه أبو حيان عن مقاتل، وزاد بعض اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ حكاه ابن الجوزي، والمذكور في البحر عن ابن عباس استثناء اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ وقوله تعالى قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا الخ، وعن بعضهم إلا سبع آيات من قوله سبحانه قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا إلى آخر السبع وآيها خمس وسبعون في الكوفي، وثلاث في الشامي، واثنتان في الباقي، وتفصيل الاختلاف في مجمع البيان وغيره، ووجه اتصال أولها بآخر سورة (ص) أنه قال سبحانه هناك: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ وقال جل شأنه هنا تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ وفي ذلك كمال الالتئام بحيث لو أسقطت البسملة لم يتنافر الكلام، ثم إنه تعالى ذكر آخر سورة (ص) قصة خلق آدم، وذكر في صدر هذه قصة خلق زوجه منه، وخلق الناس كلهم منه، وذكر خلقهم في بطون أمهاتهم خلقا من بعد خلق، ثم ذكر أنهم ميّتون، ثم ذكر سبحانه القيامة والحساب والجنة والنار وختم بقوله سبحانه: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فذكر جل شأنه أحوال الخلق من المبدأ إلى آخر المعاد، متصلا بخلق آدم- ﵇ المذكور في السورة قبلها، وبين السورتين أوجه أخر من الربط، تظهر بالتأمل، فتأمّل.). ***

стр. 4593

المقدمة: وهي آية واحدة وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٣٩/ ١ التفسير: تَنْزِيلُ الْكِتابِ أي: القرآن مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ أي: المنيع الجناب، غير المنازع في السّلطان الْحَكِيمِ في تدبيره وفي أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره. كلمة في السياق: قلنا إن محور هذه السورة من سورة البقرة هو قوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وقد جاءت مقدّمة السورة لتقرّر أنّ منزل هذا القرآن الذي لا ريب فيه هو الله العزيز الحكيم، وفي ذكر اسم الله العزيز في هذه المقدمة بيان أن الله لم ينزل كتابه ذلّة، وأنّ ما فيه من تكليف إنما هو تكليف عزيز في سلطانه، وفي ذلك إشعار إلى أنه سيحاسب ويعاقب لمن خالف كتابه، فذلك شأن العزيز، وفي ذكر اسم الله الحكيم في هذه المقدمة إشعار بأن كتابه حكيم، لأن الحكيم يصدر عنه ما هو حكيم، وفي ذلك بيان أن هذا القرآن فيه الحكمة في ما أمر، وفي ما نهى، وفيما أخبر، وفي ترتيبه، وترتيب سوره، وترتيب آياته. وإن ظهور الحكمة في هذا القرآن، وظهور آثار العزة الإلهية فيه لواضح، وذلك دليل على أن هذا القرآن من عند الله العزيز الحكيم، فالبشر لا يملكون الحكمة الكاملة، لأنّهم لا يملكون العلم الكامل، والبشر لا يملكون العزة المطلقة، فلو أنّ هذا القرآن بشريّ المصدر لظهر فيه الضعف البشري، والجهل البشري، أمّا وهو منزّه عن ذلك فذلك دليل أنّه من عند الله، وإذ تقرر ذلك كله في المقدمة يأتي المقطع الأول.

стр. 4594

المقطع الأول ويتألف من سبع مجموعات، ويمتد من الآية (٢) إلى نهاية الآية (٤٠) وهذا هو: المجموعة الأولى ٣٩/ ٢ - ٧

стр. 4595

٣٩/ ٨ - ٩ المجموعة الثانية ٣٩/ ١٠ - ١٨

стр. 4596

المجموعة الثالثة ٣٩/ ١٩ - ٢١ المجموعة الرابعة ٣٩/ ٢٢ - ٢٣ المجموعة الخامسة ٣٩/ ٢٤ - ٢٦

стр. 4597

المجموعة السادسة ٣٩/ ٢٧ - ٣٥ المجموعة السابعة ٣٩/ ٣٦ - ٣٧

стр. 4598

٣٩/ ٣٨ - ٤٠ تفسير المجموعة الأولى إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فالمنزل هو الله تعالى، والمنزل عليه محمد ﷺ ، والمنزل بالحق الكتاب، ويلاحظ التشابه بين الآية الأولى في السورة وهذه الآية قال النسفي: (هذا ليس بتكرار؛ لأنّ الأول (أي: ما ورد في الآية الأولى) كالعنوان للكتاب، أي: القرآن، والثاني (أي: ما ورد في هذه الآية لبيان ما في الكتاب) أي: القرآن، أي لبيان مضمون ما في هذا الكتاب وهو الحق الخالص، وبعد أن بيّن الله هذا، أمر الله رسوله ﷺ بالعبادة والإخلاص، فهما لازما كون هذا القرآن من عند الله، وكونه حقا خالصا، لقد خلق الله الخلق لعبادته، فشئ بديهي أن ينزل كتابه من أجل هذه العبادة، وبيانها والمطالبة بها، وذكر شروطها ومواصفاتها، ومن ثمّ قال: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أي: ممحّضا له الدين من الشرك والرياء، وذلك بالتوحيد، وتصفية السر، قال ابن كثير: (أي: فاعبد الله وحده لا شريك له، وادع الخلق إلى ذلك، وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا له وحده، وأنه ليس له شريك ولا عديل ولا نديد) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ أي: هو الذي وجب اختصاصه بأن تخلص له الطاعة من كل شائبة كدر؛ لاطّلاعه على الغيوب والأسرار. فالدين في الآية المراد به الخضوع والطاعة. قال ابن كثير في الآية: (أي: لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له) وهذا لا يكون إلا بالتوحيد الخالص، ومن ثمّ فسّر قتادة الدين في الآية: بأنه شهادة أن لا إله إلا الله وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أي: من دون الله أَوْلِياءَ أي: آلهة فإنهم يقولون ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى أي: تقربا، أي: ليشفعوا لهم عند الله تعالى في نصرهم ورزقهم، وما ينوبهم من أمور الدنيا، أما الآخرة فكانوا جاحدين لها، كافرين بها إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ

стр. 4599

بَيْنَهُمْ أي: بين عباده والمشركين به يوم القيامة فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ دلّ على أنّ المشركين ينازعون ويفلسفون، ويجادلون ويدّعون ويبرّرون. كما دلّت الآية على أنّ الله يحكم يوم القيامة بين المتنازعين من الفريقين، أي: سيفصل بين الخلائق يوم معادهم، ويجزي كل عامل بعمله إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ قال ابن كثير: (أي: لا يرشد إلى الهداية من قصد الكذب والافتراء على الله تعالى، وقلبه كافر بآياته وحججه وبراهينه.) قال النّسفي: (أي: لا يهدي من هو في علمه أنه يختار الكفر، يعني لا يوفّقه للهدى، ولا يعينه وقت اختياره الكفر، ولكنه يخذله) أقول: دلّت الآية على أنّه إذا اجتمعت صفتا الكذب والكفران في إنسان فإنّ الله لا يلهمه الهداية، فليحذر امرؤ من صفتي الكذب والكفران لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ أي: لو جاز اتخاذ الولد على ما تظنون لاختار مما يخلق ما يشاء، لا ما تختارون أنتم وتشاءون، وقد أشعرتنا الآية أنّ بعضا ممّن عبدوا مع الله غيره ليتقربوا- في زعمهم- إليه، عبدوهم بعد أن خلعوا عليهم صفات البنوّة لله كبعض العرب إذ قالوا: الملائكة بنات الله، والنصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله، واليهود الذين قالوا: عزير ابن الله، وقد ردّ الله هذا القول وفنّده، ثمّ نزّه ذاته سبحانه عن أن يكون له ما نسبوا إليه من الشركاء والأولاد فقال: سُبْحانَهُ أي: تعالى وتقدّس وتنزّه عن أن يكون له ولد هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ أي فإنه الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي كل شئ عبد لديه، فقير إليه، وهو الغني عمّا سواه، الذي قد قهر الأشياء؛ فدانت له وذلّت وخضعت، وإذ كان كذلك فقد كذب من نسب إليه الشريك والولد. قال النسفي: (يعني: أنه واحد، متبرئ عن انضمام الأعداد، متعال عن التجزؤ والأولاد، قهار غلاب لكل شئ، ومن الأشياء آلهتهم، فأنّى يكون له أولاد وشركاء.) نقل: [عن صاحب الظلال حول آية ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى] بمناسبة قوله تعالى على لسان المشركين: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى قال صاحب الظلال: (فلقد كانوا يعلنون أن الله هو خالقهم وخالق السماوات والأرض .. ولكنهم لم يكونوا يسيرون مع منطق الفطرة في إفراد الخالق إذن بالعبادة، وفي إخلاص الدين لله بلا

стр. 4600

شريك. إنما كانوا يبتدعون أسطورة بنوة الملائكة لله سبحانه. ثم يصوغون للملائكة تماثيل يعبدونها فيها. ثم يزعمون أن عبادتهم لتماثيل الملائكة- وهي التي دعوها آلهة أمثال اللات والعزى ومناة- ليست عبادة لها في ذاتها، إنما هي زلفى وقربى لله؛ كي تشفع لهم عنده، وتقرّبهم منه! وهو انحراف عن بساطة الفطرة واستقامتها، إلى هذا التعقيد والتخريف. فلا الملائكة بنات الله. ولا الأصنام تماثيل للملائكة. ولا الله- سبحانه- يرضى بهذا الانحراف. ولا هو يقبل فيهم شفاعة. ولا هو يقربهم إليه عن هذا الطريق! وإن البشرية لتنحرف عن منطق الفطرة كلما انحرفت عن التوحيد الخالص البسيط الذي جاء به الإسلام، وجاءت به العقيدة الإلهية الواحدة مع كل رسول. وإنا لنرى اليوم في كل مكان عبادة للقديسين والأولياء، تشبه عبادة العرب الأولين للملائكة- أو تماثيل الملائكة- تقربا إلى الله- بزعمهم- وطلبا لشفاعتهم عنده. وهو سبحانه يحدد الطريق إليه. طريق التوحيد الخالص الذي لا يتلبس بوساطة أو شفاعة على هذا النحو الأسطوري العجيب!) كلمة في السياق: [الآيات السابقة وعلاقتها بمحور السورة] قلنا إن محور السورة هو قوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ والآيات السابقة قرّرت أن هذا الكتاب من عند الله، وأنّ ذلك يقتضي توحيد الله بالعبادة، وإذن فأوّل مظاهر هدايته للمتقين دلالتهم على إفراد الله تعالى بالعبادة، وإخلاصهم إيّاها لله ، وإن الشرك بكل صوره باطل، ولنلاحظ الصلة بين قوله تعالى في الآيات المارة إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ، وبين قوله تعالى في الآية التي هي محور السورة من سورة البقرة هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ولنلاحظ أنه في سورة البقرة قال تعالى بعد مقدمتها يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ مما يشير إلى أن نقطة البداية الصحيحة للوصول إلى التقوى هي العبادة، وسورة الزمر- التي هي تفصيل لقوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ- تذكر في سياقها الآن نقطة البداية التي يقتضيها إنزال هذا القرآن، وهي العبادة الخالصة لله ، التي هي الطريق للاهتداء إلى اتباع كتاب الله، والتي هي اللازم الأول لإنزال الكتاب، وبعد أن بيّن الله في الآيات التي مرّت معنا استحقاقه وحده للعبادة، وأنّه منزّه عن الشريك

стр. 4601

والولد، وأنه الواحد القهار، يحدثنا الآن عن مظاهر من خلقه تدل على وحدانيته، وعلى استحقاقه العبادة وحده، وتدلّ على تنزهه عن الشريك والولد. خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وخلقه السموات والأرض بالحق دليل على أنه أنزل كتابه بالحق، ودليل على أنّه سيكلّف ويحاسب يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ قال النسفي: (والتكوير: اللف واللّي، يقال كار العمامة على رأسه وكوّرها) وفي ذلك إشارة واضحة إلى كروية الأرض؛ إذ التكوير لا يكون إلا للشئ الدائري. وقال ابن كثير في الآية: (أي: سخّرهما يجريان متعاقبين لا يفتران، كل منهما يطلب الآخر طلبا حثيثا) وقد أثبتنا في سورة الأعراف وغيرها أنّ القرآن أشار إلى دوران الأرض، ونقول هاهنا: إن ذكر تكوير الليل على النهار، وتكوير النهار على الليل، فيه إشارة إلى الكروية والدوران، والله أعلم وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أي: إلى مدة معلومة عند الله، تنتهي بيوم القيامة أَلا هُوَ الْعَزِيزُ أي: الغالب القادر الْغَفَّارُ أي: مع عزته وعظمته وكبريائه هو غفار لمن عصاه ثم تاب وأناب إليه خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ قال ابن كثير: (أي: خلقكم مع اختلاف أجناسكم وأصنافكم، وألسنتكم وألوانكم، من نفس واحدة، وهو آدم ﵊ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وهي حواء ﵍ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ قال ابن كثير: (وخلق لكم من ظهور الأنعام ثمانية أزواج، وهي المذكورة في سورة الأنعام ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ (من الآية: ١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ (من الآية: ١٤٤) وفي استعماله سبحانه كلمة أنزل كلام سنراه في الفوائد يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم .... فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ قال النسفي: (ظلمة البطن والرحم والمشيمة) وهو قول ابن كثير. وذكر أنه قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة .... ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ أي: الذي فعل هذا كله هو الله ربنا لَهُ الْمُلْكُ لأنّه الخالق، دلّ على أنّ من فعل هذا هو وحده المستحقّ للربوبية، والمالك الحقيقي، وبالتالي فهو وحده المستحقّ لعبوديّتنا، ومن ثمّ ختم الآية بقوله تعالى لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ عن عبادته سبحانه إلى عبادة غيره؟ فأين يذهب بعقولكم؟.

стр. 4602

نقول: بمناسبة قوله تعالى: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ قال صاحب الظلال: (وهو تعبير عجيب يقسر الناظر فيه قسرا على الالتفات إلى ما كشف حديثا عن كروية الأرض، ومع أنني في هذه الظلال حريص على ألا أحمل القرآن على النظريات التي يكشفها الإنسان، لأنها نظريات تخطئ وتصيب، وتثبت اليوم وتبطل غدا. والقرآن حق ثابت يحمل آية صدقه في ذاته، ولا يستمدها من موافقة أو مخالفة لما يكشفه البشر الضعاف المهازيل! مع هذا الحرص فإن هذا التعبير يقسرني قسرا على النظر في موضوع كروية الأرض. فهو يصوّر حقيقة مادية ملحوظة على وجه الأرض. فالأرض الكروية تدور حول نفسها في مواجهة الشمس؛ فالجزء الذي يواجه الشمس من سطحها المكور يغمره الضوء ويكون نهارا. ولكن هذا الجزء لا يثبت لأن الأرض تدور. وكلما تحركت بدأ الليل يغمر السطح الذي كان عليه النهار. وهذا السطح مكوّر، فالنهار كان عليه مكوّرا والليل يتبعه مكوّرا كذلك. وبعد فترة يبدأ النهار من الناحية الأخرى يتكوّر على الليل. وهكذا في حركة دائبة: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ. واللفظ يرسم الشكل، ويحدد الوضع، ويعين نوع طبيعة الأرض وحركتها. وكروية الأرض ودورانها يفسران هذا التعبير تفسيرا أدق من أي تفسير آخر لا يستصحب هذه النظرية). وبمناسبة قوله تعالى: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ قال صاحب الظلال: (والأنعام الثمانية كما جاءت في آية أخرى- هي: الضأن والمعز والبقر والإبل، من كلّ ذكر وأنثى، وكلّ من الذكر والأنثى يسمى زوجا عند اجتماعهما. فهي ثمانية في مجموعها .. والتعبير يعبر عن تسخيرها للإنسان بأنه إنزال لها من عند الله، فهذا التسخير منزل من عنده منزل من عليائه إلى عالم البشر، ومأذون لهم فيه من عنده تعالى). كلمة في السّياق: هاتان الآيتان خدمتا في تقرير أن القرآن حق، وخدمتا في موضوع استحقاق الله

стр. 4603

وحده للعبادة، ومن ثم نلاحظ أن الآية التالية تتحدّث عن الشكر والكفر. إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وعن أعمالكم وإيمانكم وأنتم محتاجون إليه لأنّكم أنتم الذين تتضررون بالكفر، وتنتفعون بالإيمان وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ أي: لا يحبه ولا يأمر به وإن كان بإرادته، لأنه لا يخرج شيء عن إرادته، فالإرادة في حق الله غير الأمر، وغير الرضا وَإِنْ تَشْكُرُوا بالإيمان والعبادة والعمل الصالح يَرْضَهُ لَكُمْ أي: يرضى الشكر لكم، لأنه سبب فوزكم، فيثيبكم عليه الجنة، قال ابن كثير: (أي: يحبه لكم ويزدكم من فضله) وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى أي: ولا يؤاخذ أحد بذنب آخر، أي: ولا تحمل نفس عن نفس شيئا، بل كل مطالب بأمر نفسه ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي: فيخبركم بأعمالكم ويجازيكم عليها، فإنّه لا تخفى عليه خافية. كلمة في السياق: قرّرت هذه الآية استحقاق الله للشكر، وأن هذا الشكر لصالح الإنسان نفسه، وقررت أن كفر الإنسان لا يضر الله ، كما قررت أن كل نفس مسئولة عن نفسها، ومحاسبة على فعلها، وهي معان كلها مرتبطة بمعرفة الله ، ومرتبطة بمعاني العبادة، التي هي نقطة البداية في الاهتداء بهذا القرآن. والآن تأتي آية تذكّر الإنسان بأنّه في الضرّ يوحّد، وفي الرّخاء يكفر، وتهدده وتنذره. وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ أي: بلاء وشدة دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ أي: راجعا إلى الله بالدعاء، لا يدعو غيره ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ أي: أعطاه نِعْمَةً مِنْهُ أي: من الله نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ أي: نسي ربه الذي كان يتضرّع إليه، أو نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه. قال ابن كثير: (أي: في حال الرفاهية ينسى ذلك الدعاء والتضرع) وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً أي: أمثالا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ أي: عن الإسلام، فهو في حال العافية يشرك بالله، ويدعو إلى الشرك

стр. 4604

قُلْ يا محمد لهذا الكافر تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا أي: في الدنيا، وهو أمر تهديد. قال ابن كثير: (أي: قل لمن هذه حالته وطريقته ومسلكه: تمتّع بكفرك قليلا، وهو تهديد شديد، ووعيد أكيد) دلّ هذا على أنّ للكفر متعته وهي آثار الكفر في الانفلات من التكليف إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ أي: من أهلها. كلمة في السياق: أقامت هذه الآية الحجة على الكفار بأنّهم جاحدون لنعم الله العامة والخاصة؛ فالطبيعة الكافرة طبيعة جحود، على خلاف الطبيعة المؤمنة، ومن ثم تأتى الآية اللاحقة لتبيّن الفارق البعيد بين موقف الكافر الذي صوّرته الآية السابقة، وموقف المؤمن الشاكر الذي تصوره الآية اللاحقة. أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ أي: مطيع لله آناءَ اللَّيْلِ أي: ساعاته ساجِداً وَقائِماً أي: مصليا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ أي: هو في حال عبادته خائف راج، يخاف عذاب الآخرة، ويرجو جنة ربه، لا كذلك الكافر الجاحد المشرك، الذي مرّ ذكره في الآية السابقة قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ قال ابن كثير: (أي: هل يستوي هذا والذي قبله ممن جعل لله أندادا؛ ليضل عن سبيله) جعل الكافر لا يعلم، وأي: علم لمن يجهل ربه، ويجهل طريق شكر إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ أي: إنّما يتّعظ بوعظ الله أولو العقول أو إنّما يعلم الفرق بين هذا وهذا من له لبّ وهو العقل. نقل بمناسبة قوله تعالى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ قال صاحب الظلال ﵀: فالعلم الحق هو المعرفة. هو إدراك الحق. هو تفتّح البصيرة. هو الاتصال بالحقائق الثابتة في هذا الوجود. وليس العلم هو المعلومات المفردة المنقطعة التي تزحم الذهن، ولا تؤدي إلى حقائق الكون الكبرى، ولا تمتد وراء الظاهر المحسوس. وهذا هو الطريق إلى العلم الحقيقي والمعرفة المستنيرة .. هذا هو .. القنوت لله وحساسية القلب، واستشعار الحذر من الآخرة، والتطلّع إلى رحمة الله وفضله؛

стр. 4605

ومراقبة الله هذه المراقبة الواجفة الخاشعة .. هذا هو الطريق، ومن ثم يدرك اللب ويعرف، وينتفع بما يرى وما يسمع وما يجرب؛ وينتهي إلى الحقائق الكبرى الثابتة من وراء المشاهدات والتجارب الصغيرة. فأما الذين يقفون عند حدود التجارب المفردة، والمشاهدات الظاهرة، فهم جامعو معلومات وليسوا بالعلماء .. ) كلمة في السياق: [آيات المجموعة الأولى من المقطع الأول وهي (٢ - ٩)] ١ - أعطتنا الآيتان الأخيرتان نموذجين على الشكر والكفر، بما ينفّر من الكفر وأهله، وبما يقيم الحجة على أهله، وكلّ ذلك قد جاء بعد الآية التي ذكرت الشكر والكفر، وكان قد سبق ذلك ذكر ما يقتضي الشكر، وجاء قبل ذلك الأمر بعبادة الله وتوحيده بعد ذكر أن العبادة هي اللازم لإنزال القرآن بالحق. ٢ - كنّا ذكرنا أن بين سورة الزمر وبين سورة يونس تشابها يدلّنا على وحدة المحور، وذكرنا نماذج على التشابه، وهاهنا نذكر نوعا آخر من التشابه: في سورة يونس يتكرّر الكلام عن النفسية الكافرة، كيف تقبل على الله في الشدة، وتكفر في الرخاء: قال تعالى في سورة يونس: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (الآية: ١٢) وقال كذلك في سورة يونس وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ (الآية: ٢١) وقال تعالى في سورة الزمر: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (الآية ٨) وسيأتي في المقطع الثاني من سورة الزمر قوله تعالى: فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. ٣ - بدأ المقطع الأول بالأمر بعبادة الله، ثم أوصلنا إلى الكلام عن شكر الله، ثم من خلال المقارنة بين المطيع المؤمن والجاحد، عرّفنا على مظهر من مظاهر عبادته تعالى وهو الصلاة آناء الليل، مع التلبس بحالي الرجاء والخوف، فعرفنا من خلال ذلك مظهرا من مظاهر الشكر، ومن مظاهر العبادة، وذلك عنوان العلم الصحيح، ومن ثمّ فإن

стр. 4606

علينا أن نعطي قيام الليل حقه من سلوكنا، إذا أردنا أن نشكر نعمة الله علينا بهذا القرآن، وبما سخّر لنا من الأكوان. ٤ - بعد أن استقر السياق في المقطع الأول على ما رأينا تأتي مجموعة أخرى يأمر الله فيها رسوله ﷺ أن يقول مجموعة أقوال سنراها أثناء عرضنا للمجموعة، ولنلاحظ قبل أن نعرض المجموعة القادمة أن المجموعة التي مرت معنا انتهت بقوله تعالى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ وأنّ المجموعة القادمة ستنتهي بقوله تعالى أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ وقد لاحظنا أن المجموعة السابقة قد شكّلت وحدة متكاملة، وسنرى أن المجموعة الثانية تشكل وحدة متكاملة كذلك، ضمن المقطع الأوّل وسياقه. وقبل أن ننتقل إلى المجموعة الثانية فلننقل بعض ال فوائد المتعلقة بالمجموعة الأولى: فوائد: ١ - [كلام ابن كثير حول آية ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا ... وحديث عن الوثنية] في قوله تعالى على لسان المشركين ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى قال ابن كثير: (قال قتادة والسّدّي ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى أي: ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجّوا في جاهليتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، وهذه الشبهة هي التي أعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بردّها، والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأن هذا شئ اخترعه المشركون من عند أنفسهم، لم يأذن الله فيه، ولا رضي به، بل أبغضه ونهى عنه وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ (النحل: ٣٦) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (الأنبياء: ٢٥) وأخبر أن الملائكة التي في السموات من الملائكة المقربين وغيرهم، كلهم عبيد خاضعون لله، لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبوه فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ (النحل: ٧٤) تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا)

стр. 4607

٢ - [كلام النسفي في تفسير كلمة «أنزل» في الآية (٦)] يلاحظ أن الله قال: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ فهل المراد بالإنزال الخلق، أو غير ذلك؟ قال النسفي مفسّرا كلمة (أنزل) في الآية: (أي: جعل عن الحسن، أو خلقها في الجنة مع آدم ﵇، ثم أنزلها، أو لأنها لا تعيش إلا بالنبات، والنبات لا يقوم إلا بالماء، وقد أنزل الماء فكأنه أنزلها) ٣ - [كلام النسفي حول آية يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ وحديث عن الخوف والرجاء] عند قوله عن المؤمن: يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قال النسفي: (ودلّت الآية على أن المؤمن يجب أن يكون بين الخوف والرجاء يرجو رحمته لا عمله، ويحذر عقابه لتقصيره في عمله، ثم الرجاء إذا جاوز حدّه يكون أمنا، والخوف إذا جاوز حدّه يكون إياسا، وقد قال الله تعالى فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (الأعراف: ٩٩) وقال إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (يوسف: ٨٧) فيجب أن لا يجاوز أحدهما حده) وقال ابن كثير: (ولا بد في العبادة من هذا وهذا (أي الرجاء والخوف) وأن يكون الخوف في مدة الحياة هو الغالب، ولهذا قال تعالى: يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ فإذا كان عند الاحتضار فليكن الرجاء هو الغالب عليه، كما قال الإمام عبد بن حميد في مسنده عن أنس ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ على رجل وهو في الموت فقال «كيف تجدك؟» فقال: أرجو وأخاف، فقال رسول الله ﷺ : «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله الذي يرجو، وأمّنه الذي يخافه». ورواه الترمذي والنسائي في اليوم والليلة، وابن ماجه وقال الترمذي غريب، وقد رواه بعضهم عن ثابت عن أنس عن النبي ﷺ مرسلا.) ٤ - [كلام ابن كثير حول آية أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ .. وحديث عن القنوت والخشوع] وفي قوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً قال ابن كثير: يقول أمّن هذه صفته كمن أشرك بالله وجعل له أندادا؟ لا يستوون عند الله كما قال تعالى: لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (آل عمران: ١١٣) وقال ﵎ هاهنا أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً أي: في حال سجوده وفي حال قيامه، ولهذا استدل بهذه الآية من ذهب إلى أن القنوت هو الخشوع في الصلاة، ليس هو القيام وحده، كما ذهب إليه آخرون. وقال الثوري عن فراس عن الشعبي عن مسروق عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: القانت المطيع لله ولرسوله ﷺ ، وقال ابن عباس ﵄ والحسن والسّدّي وابن زيد (آناء الليل): جوف الليل، وقال الثوري

стр. 4608

عن منصور: بلغنا أن ذلك بين المغرب والعشاء، وقال الحسن وقتادة: آناء الليل أوله وأوسطه وآخره) (وروى ابن أبي حاتم عن يحيى البكاء أنه سمع ابن عمر ﵄ يقرأ أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قال ابن عمر: ذاك عثمان بن عفان ﵁، وإنما قال ابن عمر ﵄ ذلك لكثرة صلاة أمير المؤمنين عثمان ﵁ بالليل، وقراءته، حتى أنه ربما قرأ القرآن في ركعة كما روى ذلك أبو عبيدة عنه رضي الله تعالى عنه، وقال الشاعر: ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحا وقرآنا وقال الإمام أحمد كتب إلى الربيع بن نافع ... عن تميم الداري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ بمائة آية في ليلة كتب له قنوت ليلة» وكذا رواه النسائي في اليوم والليلة. ٥ - [كلام النسفي حول آية هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ .. وحديث عن قيمة العلم] عند قوله تعالى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ قال النسفي: (كأنه جعل من لا يعمل غير عالم، وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم، ثم لا يقنتون ويفتنّون فيها ثم يفتنون بالدنيا، فهم عند الله جهلة، حيث جعل القانتين هم العلماء، أو أريد به التشبيه أي كما لا يستوي العالم والجاهل، كذلك لا يستوي المطيع والعاصي). ولننتقل إلى المجموعة الثانية في المقطع الأول من سورة الزمر. تفسير المجموعة الثانية قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ قال النسفي: (معناه: الذين أحسنوا في هذه الدنيا فلهم حسنة في الآخرة وهي دخول الجنة) وقال ابن كثير: أي لمن أحسن العمل في هذه الدنيا حسنة في دنياهم وأخراهم وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ قال مجاهد: فهاجروا فيها وجاهدوا واعتزلوا الأوثان. وقال عطاء: (أي) إذا دعيتم إلى معصية فاهربوا، وقال النسفي: (أي لا عذر للمفرّطين في الإحسان البتة، حتى إن اعتلوا بأنهم لا يتمكّنون في أوطانهم من التوفر على الإحسان، قيل لهم فإن أرض الله واسعة، وبلاده كثيرة، فتحوّلوا إلى بلاد أخر. واقتدوا بالأنبياء والصالحين في مهاجرتهم إلى غير

стр. 4609

بلادهم ليزدادوا إحسانا إلى إحسانهم، وطاعة إلى طاعتهم). إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ على مفارقة أوطانهم وعشائرهم، وعلى غيرها من تجرّع الغصص، واحتمال البلايا في طاعة الله، وازدياد الخير أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ أي: لا يهتدي إليه حساب الحسّاب ولا يعرف، أي: يوفون أجرهم موفرا في الجنة قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ أي: بأن أعبد الله مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أي: أمرت بإخلاص الدين، قال ابن كثير: أي: إنما أمرت بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ قال السّدّى: يعني من أمته. قال النسفي: (أي وأمرت بذلك لأجل أن أكون أوّل المسلمين أي مقدّمهم وسابقهم في الدنيا والآخرة. والمعنى: أن الإخلاص له السّبقة في الدين فمن أخلص كان سابقا، فالأول أمر بالعبادة مع الإخلاص، والثاني، بالسبق، فلاختلاف جهتيهما نزلا منزلة المختلفين، فصح عطف أحدهما على الآخر). قُلْ يا محمد إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وهو يوم القيامة، فإذا كان هو كذلك فما بال المقصّرين قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي قال النسفي: (وهذه الآية إخبار بأنه يخص الله وحده بعبادته مخلصا له دينه دون غيره، والأولى إخبار بأنه مأمور بالعبادة والإخلاص، فالكلام أولا واقع في نفس الفعل وإثباته، وثانيا فيما يفعل الفعل لأجله). ولذلك رتّب عليه قوله فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ وهذا أمر تهديد وتبّر منهم قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ أي: الكاملين في الخسران، الجامعين لوجوهه وأسبابه الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بإهلاكها في النار وَأَهْلِيهِمْ أي: وخسروا أهليهم يَوْمَ الْقِيامَةِ لأنّهم أضلّوهم فصاروا إلى النار، ثم وصف خسرانهم وأنه في غاية الفظاعة بقوله أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ وذلك لأنّهم استبدلوا بالجنة نارا، وبالدرجات دركات، ثمّ وصف حالهم في النار فقال لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ أي: أطباق مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ أي: أطباق من النّار، أي: النار محيطة بهم ذلِكَ أي: الذي وصف من العذاب، وذلك الظلل يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ ليؤمنوا به ويتّقوه، ويجتنبوا مناهيه، دلّ ذلك على أنّ الوعظ لا يؤثر إلا في عباد الله المؤمنين يا عِبادِ فَاتَّقُونِ أي: لا تتعرّضوا لما يوجب سخطي، خوّفهم بالنّار، ثمّ حذّرهم نفسه، قال ابن كثير: أي: اخشوا بأسي وسطوتي وعذابي ونقمتي، وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أي: الشياطين أَنْ

стр. 4610

يَعْبُدُوها أي: عبادتها وَأَنابُوا أي: رجعوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى قال النسفي: هي البشارة بالثواب تتلقاهم الملائكة عند حضور الموت مبشّرين، وحين يحشرون فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أي: يفهمونه ويعملون بما فيه قال النسفي: (أراد أن يكونوا نقادا في الدين يميّزون بين الحسن والأحسن، والفاضل والأفضل، فإذا اعترضهم أمران واجب وندب اختاروا الواجب، وكذا المباح والندب، حرصا على ما هو أقرب عند الله، وأكثر ثوابا أو يستمعون القرآن وغيره، فيتّبعون القرآن، أو يستمعون أوامر الله فيتبعون أحسنها نحو القصاص والعفو ونحو ذلك، أو يستمعون الحديث مع القوم فيه محاسن ومساوئ، فيحدّث بأحسن ما سمع، ويكفّ عن سواه) أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ أي: المتّصفون بهذه الصفة هم الذين هداهم الله في الدنيا والآخرة وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ أي: ذوو العقول والفطر المستقيمة. نقل [عن صاحب الظلال حول آية وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ .. ] بمناسبة قوله تعالى: وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ قال صاحب الظلال: (فلا يقعد بكم حب الأرض، وإلف المكان، وأواصر النسب والقربى والصحبة في دار عن الهجرة منها، إذا ضاقت بكم في دينكم، وأعجزكم فيها الإحسان. فإن الالتصاق بالأرض في هذه الحالة مدخل من مداخل الشيطان؛ ولون من اتخاذ الأنداد لله في قلب الإنسان. وهي لفتة قرآنية لطيفة إلى مداخل الشرك الخفية في القلب البشري، في معرض الحديث عن توحيد الله وتقواه، تنبئ عن مصدر هذا القرآن. فما يعالج القلب البشري هذا العلاج إلا خالقه البصير به، العليم بخفاياه. والله خالق الناس يعلم أن الهجرة من الأرض عسيرة على النفس، وأن التجرد من تلك الوشائج أمر شاق، وأن ترك مألوف الحياة ووسائل الرزق واستقبال الحياة في أرض جديدة تكليف صعب على بني الإنسان؛ ومن ثم يشير في هذا الموضع إلى الصبر وجزائه المطلق عند الله بلا حساب: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ.

стр. 4611

كلمة في السياق: [المجموعة الثانية وعلاقتها بالمحور وبالمجموعتين الأولى والثالثة] ١ - يلاحظ أن هذه المجموعة بدأت بقوله تعالى قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا وختمت بقوله تعالى: فَبَشِّرْ عِبادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ ومن البداية والنهاية نعرف أنّ من صفات عباد الله: الإيمان، واتّباع الحسن، أو الأحسن من القول، وتلك علامة الهداية فيهم أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ فلنتذكر محور السورة من سورة البقرة ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ فالمتقون هم المهتدون بهدي القرآن، وهم المؤمنون، وهم عباد الله. ٢ - يلاحظ أنّ الآية الأولى في المجموعة أمرت بالتقوى، قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ، وحضّت على الصّبر إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ والصبر جزء من التقوى كما رأينا ذلك في آية البرّ من سورة البقرة، فالأمر بالتقوى والصبر أمر بالاهتداء بكتاب الله، وذلك محور السورة ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. ٣ - يلاحظ أنّ الله أمر رسوله ﷺ أن يعلن إخلاصه العبادة لله قولا، وأن يعلن ممارسته لهذا الإخلاص في العبادة فعلا، وأن ينذر المشركين، وأن يبيّن لهم خسارهم، وأن يعلن خوفه من الله ، وكل ذلك قضايا توضح ماهية التقوى، وحقيقة المتقين الذين يهتدون بهذا القرآن. ٤ - من قوله تعالى: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ ندرك أنّ السياق يربّي فينا مشاعر التقوى، ومن ثمّ نعلم أن السورة تضعنا على حقيقة التقوى، وتربينا عليها، ولذلك صلته بقوله تعالى عن القرآن في آية المحور هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ومما ذكرناه ندرك صلة المجموعة بمحور السورة، وأما صلة المجموعة بسياق السورة الخاص فقد رأينا من بداية المقطع أنّ الله ربط بين نزول القرآن، والأمر بعبادته، والإخلاص فيها، وبعد أن ذكر كل ما يلزم لتعميق هذا المعنى، أمر رسوله ﷺ في هذه المجموعة أن يقول كلّ ما يلزم للتوكيد والتوضيح، وهكذا نجد أنّه سبحانه أمره ﷺ في المجموعة الأولى أن يعبد، وفي هذه المجموعة أمره أن يقول ويبشّر.

стр. 4612

٥ - نلاحظ أن المجموعتين السابقتين ختمتا بذكر أولي الألباب، ونلاحظ أن المجموعة الثالثة القادمة قد ختمت بقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ ممّا يوضّح أنّ المجموعات الثلاث الأولى في المقطع تعرّفنا على نفسها من خاتمتها فلنر المجموعة الثالثة. تفسير المجموعة الثالثة أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ أي: وجب عليه كَلِمَةُ الْعَذابِ أي: أن يعذبه الله أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ أي: أفأنت تنقذه؟ أي: لا يقدر أحد أن ينقذ من أضلّه الله، وسبق في علمه أنّه من أهل النّار، قال ابن كثير: يقول تعالى: أفمن كتب الله أنّه شقي تقدر تنقذه مما هو فيه من الضلال أو الهلاك؟ أي: لا يهديه أحد من بعد الله، لأنه من يضلل الله فلا هادي له، ومن يهده فلا مضلّ له، ثم أخبر تعالى عن عباده السعداء وما أعدّ لهم فقال: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ أي: لهم منازل في الجنة رفيعة، وفوقها منازل أرفع، فللكفار ظلل من النار، وللمتقين غرف مَبْنِيَّةٌ قال ابن كثير: طباق فوق طباق، مبنيات محكمات مزخرفات عاليات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ قال ابن كثير: أي: تسلك الأنهار خلال ذلك كما يشاءون، وأين أرادوا وَعْدَ اللَّهِ أي: هذا الذي ذكره وعد وعده الله عباده المؤمنين لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ فهو وعد كائن لا محالة أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً يعني المطر، قال ابن كثير: يخبر تعالى أن أصل الماء في الأرض من السماء، وفي هذا الذي ذكره ابن كثير معنى كبير سنراه في الفوائد فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ أي: فأدخله عيونا ومسالك ومجاري كالعروق في الأجساد، أي: فإذا أنزل الماء من السماء كمن في الأرض، ثم يصرّفه تعالى في أجزاء الأرض كما يشاء، وينبعه عيونا ما بين صغار وكبار بحسب الحاجة إليها ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ أي: بالماء زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ أي: هيئاته من خضرة، وحمرة، وصفرة، وبياض، وأصنافه من برّ، وشعير، وسمسم، وغير ذلك ثُمَّ يَهِيجُ أي: ثم يجفّ فَتَراهُ مُصْفَرًّا بعد نضارته وحسنه، قال ابن كثير: أي: بعد نضارته وشبابه يكتهل فتراه مصفرا قد خالطه اليبس ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً أي: فتاتا متكسّرا، أي: ثم يعود يابسا يتحطم إِنَّ فِي

стр. 4613

ذلِكَ أي: في إنزال الماء وإخراج الزرع لَذِكْرى أي: لتذكيرا وتنبيها لِأُولِي الْأَلْبابِ على أنّه لا بد من صانع حكيم، وأن ذلك كائن عن تقدير وتدبير، لا عن إهمال وتعطيل، قال ابن كثير: (أي: الذين يتذكّرون بهذا فيعتبرون إلى أن الدنيا هكذا تكون خضرة ناضرة حسناء، ثم تعود عجوزا شوهاء، والشاب يعود شيخا هرما كبيرا ضعيفا، وبعد ذلك كله الموت، فالسّعيد من كان حاله بعده إلى خير). كلمة في السياق: [المجموعة الثالثة وعلاقتها بالمحور وبما قبلها وما بعدها] ١ - حدّدت هذه المجموعة في آيتيها الأوليين حال الكافرين في الآخرة، وحال المتقين بهذا الشكل المعجز الذي رأيناه، من وصف الكافر وهو في طبقات النار، إلى وصف المؤمن وهو في طبقات الجنان، وذلك لاستجاشة النّفس وبعثها نحو التقوى التي من خصالها الاهتداء بالقرآن الكريم هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وذلك يذكّرنا بصلة المجموعة بمحور السورة، وفي هذا السياق لفت الله نظر رسوله ﷺ إلى موضوع إنزال الماء من السماء، وما يترتب عليه من نبات، وما يحدث للنّبات من تغيّرات، وفي ذلك تزهيد في الدنيا، وتشويق للآخرة، وفي ذلك تذكير بأن منزل الماء هو منزل القرآن، ولكن القرآن هو الحياة الدائمة للقلوب في الدنيا، وهو سبب الحياة الدائمة للإنسان في الآخرة، أمّا الماء فإنه يحيي، ولكنّ مآل من حيى به الموت، فالمجموعة كلها تهيّج على التقوى، وعلى طلب الآخرة. ٢ - والصلة بين المجموعة وما قبلها مباشرة واضحة، فما قبلها كان حديثا عن المتقين الذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها، كما كان حديثا عن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، فالمجموعة تكمّل صورة ما أعدّ لهؤلاء وهؤلاء، مع لفت النظر إلى فناء هذه الدار من خلال النّظر إلى حياة النبات. ٣ - نلاحظ أن المجموعة الأولى ختمت بقوله تعالى: إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ والمجموعة الثانية ختمت بقوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ والمجموعة الثالثة ختمت بقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ والآن تأتي مجموعة تبدأ بالحديث عن نعمة الله على من شرح الله قلبه للإسلام أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فكأن المجموعات

стр. 4614

الثلاث مقدمة لتبيان عظمة الاهتداء بهذا القرآن، وكأن المجموعات الثلاث مقدّمة لتبيان فظاعة قسوة القلب. فلنر المجموعة الرابعة في المقطع الأول من السورة: تفسير المجموعة الرابعة أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ أي: وسّع صدره للإسلام فاهتدى فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ أي: على بيان وبصيرة، والمعنى أفمن شرح الله صدره فاهتدى، كمن طبع على قلبه فقسا قلبه، ولكنه حذف لدلالة ما بعده عليه، قال ابن كثير: أي: هل يستوي هذا ومن هو قاسي القلب بعيد عن الحق، فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أي: فلا تلين عند ذكره، ولا تخشع، ولا تعي، ولا تفهم، قال النسفي: أي: من ترك ذكر الله، أو من أجل ذكر الله، أي: إذا ذكر الله عندهم أو آياته ازدادت قلوبهم قساوة كقوله فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ (التوبة: ١٢٥) أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي: في غواية ظاهرة اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً أي: يشبه بعضه بعضا في الصدق والبيان، والوعظ والحكمة والإعجاز، وغير ذلك مَثانِيَ جمع مثنى بمعنى: مردّد ومكرّر لما ثنّي من قصصه، وأنبائه وأحكامه، وأوامره ونواهيه، ووعده ووعيده، ومواعظه ومعانيه. قال ابن كثير: وليس هذا من المتشابه المذكور في قوله تعالى مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ (آل عمران: ٧) ذاك معنى آخر. تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ أي: تنقبض، والمعنى أنهم إذا سمعوا القرآن وآيات وعيده، أصابتهم خشعة تقشعر منها جلودهم، قال ابن كثير: (هذه صفة الأبرار، عند سماع كلام الجبار، المهيمن العزيز الغفار، لما يفهمون منه من الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد، تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف) ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ أي: إذا ذكرت آيات الرحمة لانت جلودهم وقلوبهم، وزال عنها ما كان بها من الخشية والقشعريرة. قال النّسفي: (وعدّي بإلى لتضمّنه معنى فعل متعد بإلى، كأنه قيل اطمأنت إلى ذكر الله، لينة غير منقبضة، واقتصر على ذكر الله من غير ذكر الرحمة لأن رحمته سبقت غضبه، فلأصالة رحمته إذا ذكر الله لم يخطر بالبال إلا كونه رءوفا رحيما، وذكرت الجلود وحدها أولا، ثم قرنت بها القلوب ثانيا، لأن محل الخشية

стр. 4615

القلب، فكان ذكرها يتضمن ذكر القلوب) ذلِكَ إشارة إلى الكتاب هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ من عباده وهم من علم منهم اختيار الاهتداء وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ أي: ومن يخلق الضلالة فيه فَما لَهُ مِنْ هادٍ إلى الحق، فعلامة من أراد الله هدايته تلك أن يقشعر جلده إذا تلي عليه القرآن ثم يلين. كلمة في السياق: [المجموعة الرابعة حول علاقتها بالمقطع والمحور والسياق الخاص بالسورة] ١ - رأينا أن المقطع بدأ بقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ورأينا أن آخر آية في المجموعة الثالثة هي قوله تعالى أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً .. ورأينا الصلة بين إنزال القرآن وإنزال الماء، ورأينا أنه قد عرض خلال ذلك كل ما يبعث على العبادة والتقوى، التي بدونها لا يكون اهتداء بكتاب الله، ثم جاءت بعد ذلك هذه المجموعة المؤلفة من آيتين، لتبيّن في الآية الأولى الفارق الكبير بين من شرح الله صدره للإسلام وبين قساة القلوب، فالأوّلون مهتدون فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ والآخرون ضالون أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وصلة ذلك بقوله تعالى ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ واضحة، ثم تأتي الآية الثانية لتبيّن أربع خصائص من خصائص هذا القرآن، ولتبيّن علامة المهتدين، وعلامة التقوى، ومن خلال ذكر الخصائص نعلم أن هذا القرآن معجز، وذلك دليل على أنّه حق، وأنّه لا ريب فيه، وصلة ذلك بسياق السورة وبمحورها واضحة الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. ٢ - ذكرت الآية الثانية أربع خصائص لهذا القرآن، كلها تشهد أنّه كتاب رب العالمين: أ- اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ فالقرآن أحسن الحديث، فكلمته أحسن الكلم، ومعانيه أحسن المعاني، وفي كتابنا (الرسول) ضربنا أمثلة كثيرة على كون الكلمة القرآنية في محلها لا يمكن أن يكون غيرها أحسن منها، ولا يمكن أن يحل غيرها محلها، وهذا وحده معجز، فكيف إذا اجتمع مع ذلك حسن المعنى، وحسن الجرس، وحسن الأسلوب، وأنواعا أخرى من الحسن لا يحاط بها؟.

стр. 4616

ب- كِتاباً مُتَشابِهاً فهو يشبه بعضه بعضا في الصدق والبيان، والوعظ والحكمة، والإعجاز والإخبار، والتذكير والتبشير والإنذار، فكل جزء منه تظهر فيه خصائص القرآن كله، مع تعدّد المواضيع وكثرتها وتنوّعها، وهذا وحده معجز، وإلا فأي كتاب في العالم يتحدّث عن الإبداع بنفس الأسلوب الذي يتحدّث فيه عن قضايا الإرث. وقد أبرزنا هذا المعنى في كتاب (الرّسول) في فصل (المعجزة القرآنية). ج- مَثانِيَ جمع مثنى بمعنى: مردّد ومكرّر؛ لما ثنّي من قصصه، وأنبائه وأحكامه، وأوامره ومعانيه ونواهيه، ووعده ووعيده، ومواعظه، وقد رأينا في هذا التفسير كيف أنّ بعض المعاني تثنّى مرات ومرات، وفي كلّ مرة تجد أسلوبا جديدا، وروحا جديدة، وعرضا جديدا، بشكل عجيب مدهش، غير مستطاع للبشر، وهذا وحده مظهر من مظاهر الإعجاز في هذا القرآن يدلّ على أنّه من عند الله. د- تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ إن التأثير الذي يحدثه القرآن في القلوب المؤمنة المخبتة شئ عجيب، وقد وصفته الآية هنا، ووصفته آيات كثيرة في القرآن، إنّ مثل هذا التأثير لا يمكن أن يكون على مثل هذه الشاكلة، لولا أنه من عند الله. إن إيراد هذه الخصائص في سياق السورة تدليل على ما بدأ به المقطع من ذكر إنزال القرآن بالحق، ونفي لما نفاه محور السورة عن القرآن من ريب. ٣ - ثمّ إنّ الآية الثانية ذكرت علامات التقوى، وعلامات الاهتداء بالقرآن: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ فلنتذكر محور السورة هُدىً لِلْمُتَّقِينَ لنعلم أي تفصيل لما أجمل هناك قد وجد هنا. ٤ - نلاحظ أن خصائص أخرى للقرآن ستذكر، ولكن بعد المجموعة الخامسة التي تهيّج على التقوى فلنر المجموعة الخامسة.

стр. 4617

تفسير المجموعة الخامسة أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي: كمن هو آمن من العذاب، والمراد بسوء العذاب: شدته، واتقاء الكافر سوء العذاب بوجهه معناه كما قال النسفي: (إن الإنسان إذا لقي مخوفا من المخاوف استقبله بيده، وطلب أن يقي بها وجهه، لأنه أعز أعضائه عليه، والذي يلقى في النار، يلقى مغلولة يداه إلى عنقه، فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه الذي كان يتقي المخاوف بغيره وقاية له ومحاماة عليه). وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ أي: تقول لهم خزنة النار تقريعا وتوبيخا ذُوقُوا وبال ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ أي: وبال كسبكم كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي: القرون الماضية المكذبة لرسلها فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ أي: من الجهة التي لا يحتسبون، ولا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها، بينما هم آمنون إذ فوجئوا من مأمنهم فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ أي: الذلّ والصغار كالمسخ والخسف، والقتل والجلاء، ونحو ذلك من عذاب الله فِي الْحَياةِ الدُّنْيا قال ابن كثير: أي بما أنزل بهم من العذاب والنّكال، وتشفّي المؤمنين منهم، فليحذر المخاطبون من ذلك، فإنهم قد كذّبوا أشرف الرسل، وخاتم الأنبياء وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ من عذاب الدنيا لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أي: والذي أعدّه الله ﷻ لهم في الآخرة من العذاب الشديد أعظم ممّا أصابهم في الدنيا، ولو كانوا يعلمون الحقيقة كاملة لآمنوا، ولكن لا يعلمون فيستمرون على الكفر .. كلمة في السياق: ١ - بيّنت هذه المجموعة عاقبة الضالين وعاقبة المهتدين، وبيّنت كيف ستكون عاقبة الذي لا يتقي الله في الآخرة حتى إنّه ليتّقي النّار بوجهه الذي كان في الدنيا يقيه بغيره، هذا مع استحقاقه العذاب في الدنيا، والخزي فيها، فالصلة بين هذه المجموعة وما قبلها واضحة. ٢ - من هذا التصوير المعجز للعذاب يوم القيامة، نرى كيف أن القرآن أحسن

стр. 4618

الحديث، وأنه متشابه، وأنه مثان، وأنّه تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ... ، ومن ثم ندرك الصلة كذلك بين المجموعة وما قبلها. ٣ - وفي قوله تعالى: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ نرى مثلا يوضّح لنا مآل الضالّين، فإذا عرفنا أنّ المجموعة اللاحقة مبدوءة بقوله تعالى: وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ... نعلم كيف أنّ هذه المجموعة مقدّمة لما بعدها. فلنر المجموعة السادسة من المقطع الأول. تفسير المجموعة السادسة وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ أي: بيّنا للناس فيه بضرب كل نوع من أنواع الأمثال لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أي: ليتعظوا، فإن المثل يقرّب المعنى إلى الأذهان قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ أي: مستقيما بريئا من التناقض والاختلاف. قال ابن كثير: (أي: هو قرآن بلسان عربي مبين، لا اعوجاج فيه ولا انحراف، ولا لبس، بل هو بيان ووضوح وبرهان) وإنما جعله الله تعالى كذلك، وأنزله بذلك لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي يحذرون ما فيه من الوعيد، ويعملون بما فيه من الوعد، ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ أي: متنازعون ومختلفون وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ أي: ذا سلامة أي: ذا خلوص له من الشركة، أي: خالصا له لا يملكه أحد غيره هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا قال ابن كثير: (أي: لا يستوي هذا وهذا. كذلك لا يستوي المشرك الذي يعبد آلهة مع الله، والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، فأين هذا من هذا؟ قال ابن عباس ﵄ ومجاهد وغير واحد: هذه الآية ضربت مثلا للمشرك والمخلص). ولما كان هذا المثل ظاهرا بينا جليا قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ أي: على إقامته الحجة عليهم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي: فلهذا يشركون بالله. قال النسفي: (مثّل الكافر ومعبوديه بعبد اشترك فيه شركاء بينهم تنازع واختلاف، وكل واحد منهم يدّعي أنّه عبده، فهم يتجاذبونه ويتعاورونه في مهن شتى، وهو متحيّر لا يدري أيّهم يرضي بخدمته، وعلى أيهم يعتمد في حاجاته، وممّن يطلب رزقه، وممّن يلتمس رفقه، فهمّه مشاع، وقلبه أوزاع، (ومثّل)

стр. 4619

المؤمن بعبد له سيّد واحد فهمّه واحد، وقلبه مجتمع). وقال صاحب الظلال: إنهما لا يستويان. فالذي يخضع لسيد واحد ينعم براحة الاستقامة والمعرفة واليقين. وتجمع الطاقة ووحدة الاتجاه. ووضوح الطريق. والذي يخضع لسادة متشاكسين معذب مقلقل لا يستقر على حال، ولا يرضي واحدا منهم فضلا عن أن يرضي الجميع!. وهذا المثل يصوّر حقيقة التوحيد وحقيقة الشرك في جميع الأحوال. فالقلب المؤمن بحقيقة التوحيد هو القلب الذي يقطع الرحلة على هذه الأرض على هدى، لأن بصره أبدا معلق بنجم واحد على الأفق فلا يلتوي به الطريق. ولأنه يعرف مصدرا واحدا للحياة والقوة والرزق، ومصدرا واحدا للنفع والضر، ومصدرا واحدا للمنح والمنع، فتستقيم خطاه إلى هذا المصدر الواحد، يستمد منه وحده، ويعلّق يديه بحبل واحد يشد عروته، ويطمئن اتجاهه إلى هدف واحد لا يزوغ عنه بصره. ويخدم سيدا واحدا يعرف ماذا يرضيه فيفعله، وماذا يغضبه فيتقيه .. وبذلك تتجمع طاقته كذلك وتتوحّد، فينتج بكل طاقته وجهده وهو ثابت القدمين على الأرض متطلع إلى إله واحد في السماء .. ويعقّب على ذلك المثل الناطق الموحي، بالحمد لله الذي اختار لعباده الراحة والأمن والطمأنينة والاستقامة والاستقرار. وهم مع هذا ينحرفون، وأكثرهم لا يعلمون .. ). إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ أي: إنك ستموت وإنّهم سيموتون ثُمَّ إِنَّكُمْ أي: إنك وإياهم يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ فتحتجّ أنت عليهم بأنك بلّغت فكذّبوا، واجتهدت في الدّعوة فلجّوا في العناد، ويعتذرون بما لا طائل تحته، ثمّ بيّن من تكون بينهم الخصومة فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ فافترى عليه بإضافة الولد والشريك إليه وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ أي: بالأمر الذي هو الصدق بعينه وهو ما جاء به محمد ﷺ إِذْ جاءَهُ يفيد التعبير أنّه أسرع بالتّكذيب بما سمع به من غير وقفة ولا إعمال رويّة، أو اهتمام بتمييز بين حق وباطل، لا كما يفعل أهل النّصفة فيما يسمعون قال ابن كثير: (أي: لا أجد أظلم من هذا لأنّه جمع بين طرفي الباطل: كذب على الله، وكذّب رسول الله ﷺ ، قالوا الباطل، وردّوا الحق) ولهذا قال جلت عظمته متوعدا لهم أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ أي: مقاما لهؤلاء الذين كذبوا على

стр. 4620

الله، وكذّبوا بالصدق، وهم الجاحدون المكذّبون وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ هو رسول الله ﷺ وَصَدَّقَ بِهِ هم المسلمون أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لا غيرهم لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يعني: في الجنة مهما طلبوا وجدوا ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ دلّ السّياق على أن المجئ بالصدق والتصديق به تقوى وإحسان لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أي: عن المتقين أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا أي: سئ عملهم، لأن تكفير الأسوأ يرافقه تكفير السيئ من باب أولى وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ كرما منه وتفضّلا. كلمة في السياق: [المجموعة السادسة حول علاقتها بالمقطع والمحور والربط بين المجموعات الستة] ١ - بدأت المجموعة بذكر خصيصتين من خصائص القرآن، أولاهما أنه ضرب للناس من كل مثل، وقد استوعب سيد قطب ﵀ الكلام في كتابه (التصوير الفني في القرآن) هذا الموضوع إذ أثبت أن الأصل في العرض القرآني هو التصوير المبدع، فإن يكون القرآن على مثل هذا الكمال في هذا الجانب وغيره، فذلك دليل كونه من عند الله، والخصيصة الثانية التي ذكرت هنا: هي كون القرآن لا عوج فيه، لا في اللغة، ولا في الأسلوب، ولا في المعاني، ولا في التشريع، ولا في أي شئ، فإن يكون كذلك فذلك دليل آخر على أنّه من عند الله، وصلة ذلك بمقدمة المقطع إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وبمحور السورة من سورة البقرة ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ واضحة، وفي الآية الأولى من هذه المجموعة بيّن الله حكمة ضرب الأمثال، فقال: لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وفي الآية الثانية بيّن حكمة كونه غير ذي عوج فقال: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فالتذكر والتقوى هما اللذان ينبغي أن يخرج بهما قارئ هذا القرآن. وصلة ذلك بما قبل هذه المجموعة وبمحور السورة هُدىً لِلْمُتَّقِينَ واضحة. ٢ - وقد ضرب الله في الآية الثالثة مثلا للموحّد والمشرك، وصلة ذلك ببداية المجموعة واضحة، إذ في المثل نموذج على كون القرآن قد ضرب الأمثال، وصلة ذلك ببداية المقطع فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ واضحة، فبعد الجولة الطويلة يعود

стр. 4621

السياق إلى الكلام عن التوحيد. ثم إنّ المجموعة ذكّرت بالموت، وذكّرت بمآل الإنسان، وذكّرت بالحساب والمحاكمة، ثمّ بيّنت أنه لا أظلم ممن كذب على الله، وكذّب بالصدق إذ جاءه، أي: بالقرآن والوحي، فبيّنت بذلك أن الكافرين سيخسرون المحاكمة بلا ريب، وسيدخلون النار. ٣ - ثمّ ذكرت المجموعة تعريفا جديدا للمتقين وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ وصلة ذلك بمحور السورة ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ واضحة، كما أن صلة ذلك بمقدمة المقطع إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ واضحة، كما أن صلة ذلك بمقدمة المجموعة وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ واضحة. وهكذا فالمجموعة خدمت سياق السورة، وتفصيل المحور بشكل واضح. ٤ - ولم يبق عندنا في المقطع الأول إلا مجموعة واحدة، فلنر كيف سار السياق إليها: بيّنت المجموعة الأولى أن الله أنزل القرآن بالحق، وأن هذا يقتضي عبادة وإخلاصا، وخصّت نوعا من أنواع العبادة بالذكر، وهو قيام الليل، ثم جاءت المجموعة الثانية تأمر الرسول ﷺ أن يعلن مجموعة أمور لها علاقة بالعبادة. ثم جاءت المجموعة الثالثة لتهيّج على التقوى، وتلفت النظر إلى ما يوصل إليها. ثم جاءت المجموعة الرابعة لتقارن بين المهتدين والضالين، وتبين بعض خصائص هذا القرآن. ثم جاءت المجموعة الخامسة لتحذّر وتنذر، ثم جاءت المجموعة السادسة لتحدّثنا عن خصائص أخرى للقرآن، وتوصلنا إلى ضرورة الإيمان به، وبمن أنزل عليه، فإذ استقر هذا كله، وانتفت الصوارف عن السير، إلا أن يعوق عن السير رهبة أو رغبة، أو تهديد أو تخويف، أو غير ذلك، ومن ثمّ تأتي المجموعة السابعة لتعالج أمثال هذه القضايا ..

стр. 4622

تفسير المجموعة السابعة أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ أي: محمدا ﷺ أو كل من اتصف بصفة العبودية له سبحانه. قال ابن كثير: (يعني أنه تعالى يكفي من عبده وتوكّل عليه) وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ يعني: المشركين يخوّفون الرسول ﷺ ، ويتوعّدونه بأصنامهم وآلهتهم التي يدعونها معه دون الله، جهلا منهم، وضلالا، ودخل في ذلك كل تخويف بغير الله يخوّفه أحد عبدا من عباد الله وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ* وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ؟ أي: أليس الله منيع الجانب، لا يضام من استند إلى جنابه، ولجأ إلى بابه؟! فإنه العزيز الذي لا أعزّ منه، ولا أشدّ انتقاما منه، ممّن كفر به وأشرك، وعاند رسوله ﷺ ، وفي الآية وعيد للكافرين، ووعد للمؤمنين، بأنه ينتقم لهم منهم، وينصرهم عليهم، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ كائنا ما كان هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أي: دافعات شدّته عنّي أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ كائنة ما كانت هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ أي: هي لا تستطيع شيئا من الأمر، وقد جاء هذا في سياق تخويفهم إيّاه بمن دون الله، فأمره أن يقررهم أولا بأن حالق العالم هو الله وحده، ثمّ يقول لهم بعد التقرير فإن أرادني خالق العالم الذي أقررتم به بضرّ أو برحمة هل يقدرون على خلاف ذلك؟ فلمّا أفحمهم قال الله تعالى قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ كافيا لمضرة أوثانكم وأصنامكم وآلهتكم عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ لأنّه وحده أهل لأن يتوكل عليه، توكّلنا عليك ربنا، ثمّ أمر الله رسوله ﷺ الأمر الأخير في المقطع قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ أي: على حالكم التي أنتم عليها وجهتكم من العداوة التي تمكّنتم منها، والمكانة والمكان بمعنى واحد، أي: اعملوا على طريقتكم وهذا تهديد ووعيد إِنِّي عامِلٌ أي: على مكانتي وطريقتي ومنهجي فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ أي: يذله في الدنيا وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ أي: دائم مستمر لا محيد له عنه، وذلك يوم القيامة، وفي الآية أمر بالتوعّد بكونه منصورا عليهم، غالبا عليهم في الدنيا والآخرة؛ لأنهم إذا أتاهم الخزى والعذاب فذاك عزّه وغلبته، من حيث إن الغلبة تتم له بعزّ عزيز، يعز أولياءه، ويذلّ أعداءه، وبهذا انتهى المقطع الأول.

стр. 4623

كلمة في السياق: [المجموعة السابعة وعلاقة المقطع الأول بالثاني] ١ - رأينا أنّ هذه المجموعة ثبّتت على الطريق من خلال الأمر بالتوكل، ومن خلال التعريف على الله، ومن خلال إعلان المفاصلة في المواقف، ومن خلال الإنذار والتبشير، وبهذا تمّ المقطع ليبدأ مقطع جديد، بدايته شبيهة ببداية المقطع السابق: لاحظ البدايتين: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ. ٢ - والصلة ظاهرة بين بداية المقطع الجديد، ونهاية المقطع السابق، فالمقطع السابق انتهى بقوله تعالى: قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ، فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ فبعد أن أمر الله رسوله ﷺ أن يقول هذا الكلام، ذكّر رسوله ﷺ في الآية التالية بنعمته عليه بإنزال هذا الكتاب، وكونه حقا، وأن من اهتدى فقد نفع نفسه، ومن ضلّ فإنّما يضرّ نفسه، وأن مهمة الرسول ﷺ الإنذار فقط. ٣ - إنّ التشابه بين بداية المقطع الثاني وبداية المقطع الأول ومقدمة السورة يشير إلى أن البداية الجديدة سيبدأ معها السياق الرئيسي للسورة سيره من جديد، وسنعرض المقطع الثاني بعد أن ننقل بعض الفوائد حول المجموعات الست الأخيرة: فوائد [حول المجموعات الستة من الثانية إلى السابعة]: ١ - [سبب نزول قوله تعالى وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها .. ] في قوله تعالى: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها .. قال ابن كثير: (قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها نزلت في زيد بن عمرة بن نفيل وأبي ذر وسلمان الفارسي رضي الله تعالى عنهم، والصحيح أنها شاملة لهم ولغيرهم ممن اجتنب عبادة الأوثان، وأناب إلى عبادة الرحمن، فهؤلاء هم

стр. 4624

الذين لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة). ٢ - [حديث عن غرف الجنة بمناسبة آية .. لَهُمْ غُرَفٌ .. ] بمناسبة قوله تعالى: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ قال ابن كثير: (أخبر عن عباده السعداء أن لهم غرفا في الجنة وهي القصور أي: الشاهقة مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ طباق فوق طباق مبنيات محكمات، مزخرفات عاليات. روى عبد الله بن الإمام أحمد عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن في الجنة لغرفا يرى بطونها من ظهورها، وظهورها من بطونها» فقال أعرابي: لمن هي يا رسول الله؟ قال ﷺ «لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وصلى بالليل والناس نيام» ورواه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن إسحاق، وقال: حسن غريب، وقد تكلم بعض أهل العلم فيه من قبل حفظه وروى الإمام أحمد عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن في الجنة لغرفا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدّها الله لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى والناس نيام» تفرّد به أحمد. وروى الإمام أحمد أيضا عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة في الجنة كما تراءون الكوكب في أفق السماء» قال: فحدثت بذلك النعمان بن أبي عياش فقال: سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: «كما تراءون الكوكب الذي في الأفق الشرقي أو الغربي» أخرجاه في الصحيحين وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة أهل الغرف كما تراءون الكوكب الدري الغارب في الأفق الطالع في تفاضل أهل الدرجات» فقال يا رسول الله أولئك النبيون؟ فقال ﷺ «بلى والذي نفسي بيده، وأقوام آمنوا بالله وصدقوا الرسل» ورواه الترمذي، وقال حسن صحيح. وروى الإمام أحمد عن أبي المدلة مولي أم المؤمنين ﵂ أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قلنا يا رسول الله إذا رأيناك رقت قلوبنا وكنا من أهل الآخرة، فإذا فارقناك أعجبتنا الدنيا، وشممنا النساء والأولاد، قال ﷺ : «لو أنكم تكونون على كل حال على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفهم، ولزارتكم في بيوتكم؛ ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون كي يغفر لهم» قلنا: يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال ﷺ : «لبنة ذهب، ولبنة فضة، وملاطها المسك الأزفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت. لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه، ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم

стр. 4625

تحمل على الغمام، وتفتح لها أبواب السماوات، ويقول الرب ﵎: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين» وروى الترمذي وابن ماجه بعضه. ٣ - [كلام عن تأثر المؤمنين بالقرآن بمناسبة آية .. تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ .. ] بمناسبة قوله تعالى عن المؤمنين في وصف حالهم عند سماع القرآن: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ قال ابن كثير: (هذه صفة الأبرار عند سماع كلام الجبار، المهيمن العزيز الغفار، لما يفهمون منه من الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد، تقشعر من جلودهم من الخشية والخوف ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ لما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه، فهم مخالفون لغيرهم من الفجار من وجوه: (أحدها) أن سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات، وسماع أولئك نغمات الأبيات من أصوات القينات (الثاني) أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن خرّوا سجّدا وبكيا، بأدب وخشية، ورجاء ومحبة، وفهم وعلم كما قال ﵎ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (الأنفال: ٢ - ٤) وقال تعالى: وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً (الفرقان: ٢٥) أي: لم يكونوا عند سماعها متشاغلين لاهين عنها، بل مصغين إليها فاهمين بصيرين بمعانيها، فلهذا إنما يعملون بها ويسجدون عندها عن بصيرة لا عن جهل ومتابعة لغيرهم (الثالث) أنهم يلزمون الأدب عند سماعها كما كان الصحابة ﵃ عند سماعهم كلام الله تعالى من تلاوة رسول الله ﷺ تقشعر جلودهم، ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله. لم يكونوا يتصارخون ولا يتكلّفون ما ليس فيهم، بل عندهم من الثبات والسكون والأدب والخشية ما لا يلحقهم أحد في ذلك، ولهذا فازوا بالمدح من الرب الأعلى في الدنيا والآخرة. قال عبد الرازق: حدثنا معمر قال: تلا قتادة ﵀ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ قال: هذا نعت أولياء الله، نعتهم الله بأن تقشعر جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم، والغشيان عليهم، إنما هذا في أهل البدع، وهذا من الشيطان). ٤ - [كلام عن الموت والحساب بمناسبة آية إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ] بمناسبة قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ* ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ قال ابن كثير: (هذه الآية من الآيات التي استشهد بها الصديق
следующие страницы →