← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

السياق إلى الكلام عن التوحيد. ثم إنّ المجموعة ذكّرت بالموت، وذكّرت بمآل الإنسان، وذكّرت بالحساب والمحاكمة، ثمّ بيّنت أنه لا أظلم ممن كذب على الله، وكذّب بالصدق إذ جاءه، أي: بالقرآن والوحي، فبيّنت بذلك أن الكافرين سيخسرون المحاكمة بلا ريب، وسيدخلون النار. ٣ - ثمّ ذكرت المجموعة تعريفا جديدا للمتقين وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ وصلة ذلك بمحور السورة ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ واضحة، كما أن صلة ذلك بمقدمة المقطع إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ واضحة، كما أن صلة ذلك بمقدمة المجموعة وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ واضحة. وهكذا فالمجموعة خدمت سياق السورة، وتفصيل المحور بشكل واضح. ٤ - ولم يبق عندنا في المقطع الأول إلا مجموعة واحدة، فلنر كيف سار السياق إليها: بيّنت المجموعة الأولى أن الله أنزل القرآن بالحق، وأن هذا يقتضي عبادة وإخلاصا، وخصّت نوعا من أنواع العبادة بالذكر، وهو قيام الليل، ثم جاءت المجموعة الثانية تأمر الرسول ﷺ أن يعلن مجموعة أمور لها علاقة بالعبادة. ثم جاءت المجموعة الثالثة لتهيّج على التقوى، وتلفت النظر إلى ما يوصل إليها. ثم جاءت المجموعة الرابعة لتقارن بين المهتدين والضالين، وتبين بعض خصائص هذا القرآن. ثم جاءت المجموعة الخامسة لتحذّر وتنذر، ثم جاءت المجموعة السادسة لتحدّثنا عن خصائص أخرى للقرآن، وتوصلنا إلى ضرورة الإيمان به، وبمن أنزل عليه، فإذ استقر هذا كله، وانتفت الصوارف عن السير، إلا أن يعوق عن السير رهبة أو رغبة، أو تهديد أو تخويف، أو غير ذلك، ومن ثمّ تأتي المجموعة السابعة لتعالج أمثال هذه القضايا ..

стр. 4622

تفسير المجموعة السابعة أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ أي: محمدا ﷺ أو كل من اتصف بصفة العبودية له سبحانه. قال ابن كثير: (يعني أنه تعالى يكفي من عبده وتوكّل عليه) وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ يعني: المشركين يخوّفون الرسول ﷺ ، ويتوعّدونه بأصنامهم وآلهتهم التي يدعونها معه دون الله، جهلا منهم، وضلالا، ودخل في ذلك كل تخويف بغير الله يخوّفه أحد عبدا من عباد الله وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ* وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ؟ أي: أليس الله منيع الجانب، لا يضام من استند إلى جنابه، ولجأ إلى بابه؟! فإنه العزيز الذي لا أعزّ منه، ولا أشدّ انتقاما منه، ممّن كفر به وأشرك، وعاند رسوله ﷺ ، وفي الآية وعيد للكافرين، ووعد للمؤمنين، بأنه ينتقم لهم منهم، وينصرهم عليهم، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ كائنا ما كان هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أي: دافعات شدّته عنّي أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ كائنة ما كانت هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ أي: هي لا تستطيع شيئا من الأمر، وقد جاء هذا في سياق تخويفهم إيّاه بمن دون الله، فأمره أن يقررهم أولا بأن حالق العالم هو الله وحده، ثمّ يقول لهم بعد التقرير فإن أرادني خالق العالم الذي أقررتم به بضرّ أو برحمة هل يقدرون على خلاف ذلك؟ فلمّا أفحمهم قال الله تعالى قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ كافيا لمضرة أوثانكم وأصنامكم وآلهتكم عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ لأنّه وحده أهل لأن يتوكل عليه، توكّلنا عليك ربنا، ثمّ أمر الله رسوله ﷺ الأمر الأخير في المقطع قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ أي: على حالكم التي أنتم عليها وجهتكم من العداوة التي تمكّنتم منها، والمكانة والمكان بمعنى واحد، أي: اعملوا على طريقتكم وهذا تهديد ووعيد إِنِّي عامِلٌ أي: على مكانتي وطريقتي ومنهجي فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ أي: يذله في الدنيا وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ أي: دائم مستمر لا محيد له عنه، وذلك يوم القيامة، وفي الآية أمر بالتوعّد بكونه منصورا عليهم، غالبا عليهم في الدنيا والآخرة؛ لأنهم إذا أتاهم الخزى والعذاب فذاك عزّه وغلبته، من حيث إن الغلبة تتم له بعزّ عزيز، يعز أولياءه، ويذلّ أعداءه، وبهذا انتهى المقطع الأول.

стр. 4623

كلمة في السياق: [المجموعة السابعة وعلاقة المقطع الأول بالثاني] ١ - رأينا أنّ هذه المجموعة ثبّتت على الطريق من خلال الأمر بالتوكل، ومن خلال التعريف على الله، ومن خلال إعلان المفاصلة في المواقف، ومن خلال الإنذار والتبشير، وبهذا تمّ المقطع ليبدأ مقطع جديد، بدايته شبيهة ببداية المقطع السابق: لاحظ البدايتين: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ. ٢ - والصلة ظاهرة بين بداية المقطع الجديد، ونهاية المقطع السابق، فالمقطع السابق انتهى بقوله تعالى: قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ، فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ فبعد أن أمر الله رسوله ﷺ أن يقول هذا الكلام، ذكّر رسوله ﷺ في الآية التالية بنعمته عليه بإنزال هذا الكتاب، وكونه حقا، وأن من اهتدى فقد نفع نفسه، ومن ضلّ فإنّما يضرّ نفسه، وأن مهمة الرسول ﷺ الإنذار فقط. ٣ - إنّ التشابه بين بداية المقطع الثاني وبداية المقطع الأول ومقدمة السورة يشير إلى أن البداية الجديدة سيبدأ معها السياق الرئيسي للسورة سيره من جديد، وسنعرض المقطع الثاني بعد أن ننقل بعض الفوائد حول المجموعات الست الأخيرة: فوائد [حول المجموعات الستة من الثانية إلى السابعة]: ١ - [سبب نزول قوله تعالى وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها .. ] في قوله تعالى: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها .. قال ابن كثير: (قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها نزلت في زيد بن عمرة بن نفيل وأبي ذر وسلمان الفارسي رضي الله تعالى عنهم، والصحيح أنها شاملة لهم ولغيرهم ممن اجتنب عبادة الأوثان، وأناب إلى عبادة الرحمن، فهؤلاء هم

стр. 4624

الذين لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة). ٢ - [حديث عن غرف الجنة بمناسبة آية .. لَهُمْ غُرَفٌ .. ] بمناسبة قوله تعالى: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ قال ابن كثير: (أخبر عن عباده السعداء أن لهم غرفا في الجنة وهي القصور أي: الشاهقة مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ طباق فوق طباق مبنيات محكمات، مزخرفات عاليات. روى عبد الله بن الإمام أحمد عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن في الجنة لغرفا يرى بطونها من ظهورها، وظهورها من بطونها» فقال أعرابي: لمن هي يا رسول الله؟ قال ﷺ «لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وصلى بالليل والناس نيام» ورواه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن إسحاق، وقال: حسن غريب، وقد تكلم بعض أهل العلم فيه من قبل حفظه وروى الإمام أحمد عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن في الجنة لغرفا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدّها الله لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى والناس نيام» تفرّد به أحمد. وروى الإمام أحمد أيضا عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة في الجنة كما تراءون الكوكب في أفق السماء» قال: فحدثت بذلك النعمان بن أبي عياش فقال: سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: «كما تراءون الكوكب الذي في الأفق الشرقي أو الغربي» أخرجاه في الصحيحين وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة أهل الغرف كما تراءون الكوكب الدري الغارب في الأفق الطالع في تفاضل أهل الدرجات» فقال يا رسول الله أولئك النبيون؟ فقال ﷺ «بلى والذي نفسي بيده، وأقوام آمنوا بالله وصدقوا الرسل» ورواه الترمذي، وقال حسن صحيح. وروى الإمام أحمد عن أبي المدلة مولي أم المؤمنين ﵂ أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قلنا يا رسول الله إذا رأيناك رقت قلوبنا وكنا من أهل الآخرة، فإذا فارقناك أعجبتنا الدنيا، وشممنا النساء والأولاد، قال ﷺ : «لو أنكم تكونون على كل حال على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفهم، ولزارتكم في بيوتكم؛ ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون كي يغفر لهم» قلنا: يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال ﷺ : «لبنة ذهب، ولبنة فضة، وملاطها المسك الأزفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت. لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه، ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم

стр. 4625

تحمل على الغمام، وتفتح لها أبواب السماوات، ويقول الرب ﵎: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين» وروى الترمذي وابن ماجه بعضه. ٣ - [كلام عن تأثر المؤمنين بالقرآن بمناسبة آية .. تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ .. ] بمناسبة قوله تعالى عن المؤمنين في وصف حالهم عند سماع القرآن: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ قال ابن كثير: (هذه صفة الأبرار عند سماع كلام الجبار، المهيمن العزيز الغفار، لما يفهمون منه من الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد، تقشعر من جلودهم من الخشية والخوف ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ لما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه، فهم مخالفون لغيرهم من الفجار من وجوه: (أحدها) أن سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات، وسماع أولئك نغمات الأبيات من أصوات القينات (الثاني) أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن خرّوا سجّدا وبكيا، بأدب وخشية، ورجاء ومحبة، وفهم وعلم كما قال ﵎ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (الأنفال: ٢ - ٤) وقال تعالى: وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً (الفرقان: ٢٥) أي: لم يكونوا عند سماعها متشاغلين لاهين عنها، بل مصغين إليها فاهمين بصيرين بمعانيها، فلهذا إنما يعملون بها ويسجدون عندها عن بصيرة لا عن جهل ومتابعة لغيرهم (الثالث) أنهم يلزمون الأدب عند سماعها كما كان الصحابة ﵃ عند سماعهم كلام الله تعالى من تلاوة رسول الله ﷺ تقشعر جلودهم، ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله. لم يكونوا يتصارخون ولا يتكلّفون ما ليس فيهم، بل عندهم من الثبات والسكون والأدب والخشية ما لا يلحقهم أحد في ذلك، ولهذا فازوا بالمدح من الرب الأعلى في الدنيا والآخرة. قال عبد الرازق: حدثنا معمر قال: تلا قتادة ﵀ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ قال: هذا نعت أولياء الله، نعتهم الله بأن تقشعر جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم، والغشيان عليهم، إنما هذا في أهل البدع، وهذا من الشيطان). ٤ - [كلام عن الموت والحساب بمناسبة آية إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ] بمناسبة قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ* ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ قال ابن كثير: (هذه الآية من الآيات التي استشهد بها الصديق

стр. 4626

رضي الله عنه عند موت الرسول ﷺ ، حتى تحقق للناس موته مع قوله : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ومعنى هذه الآية: أنكم ستنقلون من هذه الدار لا محالة، وستجتمعون عند الله تعالى في الدار الآخرة، وتختصمون فيما أنتم فيه في الدنيا من التوحيد والشرك بين يدي الله ، فيفصل بينكم، ويفتح بالحق، وهو الفتاح العليم، فينجي المؤمنين المخلصين الموحّدين، ويعذّب الكافرين الجاحدين المشركين المكذبين. ثمّ إن هذه الآية- وإن كان سياقها في المؤمنين والكافرين، وذكر الخصومة بينهم في الدار الآخرة فإنها شاملة لكل متنازعين في الدنيا فإنه تعاد عليهم الخصومة في الدار الآخرة. روى ابن أبي حاتم ﵀ عن ابن الزبير ﵄ قال: لما نزلت ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ قال الزبير ﵁: يا رسول الله: أتكرّر علينا الخصومة؟ قال ﷺ : «نعم» قال ﵁: إن الأمر إذن لشديد. وكذا رواه الإمام أحمد عن سفيان وعنده زيادة: ولما نزلت ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (التكاثر: ٨) قال الزبير ﵁: «أي رسول الله، أي نعيم نسأل عنه وإنما نعيمنا الأسودان: التمر والماء؟ قال ﷺ : «أما إن ذلك سيكون» وقد روى هذه الزيادة الترمذي وابن ماجه من حديث سفيان به وقال الترمذي حسن، وروى أحمد أيضا عن عبد الله بن الزبير عن الزبير بن العوام ﵁ قال: لما نزلت هذه السورة على رسول الله ﷺ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ* ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ قال الزبير ﵁: أي رسول الله أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال ﷺ «نعم ليكررن عليكم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه» قال الزبير ﵁: والله إن الأمر لشديد. وكذا رواه الترمذي وقال حسن صحيح، وروى الإمام أحمد عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أول خصمين يوم القيامة جاران» تفرد به أحمد، وروى أيضا عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده إنه ليختصم حتى الشاتان فيما انتطحتا» تفرد به أحمد ﵀، وفي المسند عن أبي ذر ﵁ أنه قال: رأى رسول الله ﷺ شاتين ينتطحان قال: «أتدري فيما ينتطحان يا أبا ذر؟» قلت: لا، قال ﷺ «لكن الله يدري وسيحكم بينهما» وروى الحافظ أبو بكر البزار: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يجاء بالإمام الجائر الخائن يوم القيامة،

стр. 4627

فتخاصمه الرعية فيفلحون عليه فيقال له: سد ركنا من أركان جهنم» ثم قال: الأغلب بن تميم ليس بالحافظ وهو من رجال الحديث. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ يقول: يخاصم الصادق الكاذب، والمظلوم الظالم، والمهتدي الضال، والضعيف المستكبر، وقد روى ابن مندة في كتاب الروح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: يختصم الناس يوم القيامة، حتى تختصم الروح مع الجسد، فتقول الروح للجسد: أنت فعلت، ويقول الجسد للروح: أنت أمرت، وأنت سوّلت، فيبعث الله تعالى ملكا يفصل بينهما، فيقول لهما: إن مثلكما كمثل رجل مقعد بصير، والآخر ضرير، دخلا بستانا، فقال المقعد للضرير، إني أرى هاهنا ثمارا، ولكن لا أصل إليها، فقال له الضرير: اركبني فتناولها، فركبه فتناولها فأيهما المعتدي؟ فيقولان: كلاهما، فيقول لهما الملك: فإنكما قد حكمتما على أنفسكما، يعني أن الجسد للروح كالمطية، وهي راكبة. وروى ابن أبي حاتم عن ابن عمر ﵄ قال: نزلت هذه الآية وما نعلم في أي شيء نزلت ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ قال: قلنا من نخاصم؟ ليس بيننا وبين أهل الكتاب خصومة، فمن نخاصم؟ حتى وقعت الفتنة، فقال ابن عمر ﵄: هذا الذي وعدنا ربنا نختصم فيه، ورواه النسائي. وقال أبو العالية في قوله ﵎: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ قال: يعني أهل القبلة، وقال ابن زيد: يعني أهل الإسلام وأهل الكفر، وقد قدمنا أن الصحيح العموم والله أعلم). ٥ - [الفرق في المعنى بين «الميت» و «الميّت»] قال النّسفي في تبيان الفارق بين كلمتي (ميت) و (ميّت): قال الخليل أنشد أبو عمرو: وتسألني تفسير ميت وميّت ... فدونك قد فسرت إن كنت تعقل فمن كان ذا روح فذلك ميّت ... وما الميت إلا من إلى القبر يحمل فالميّت، من حاله أنه سيموت، والميت من حلّ به الموت. ٦ - [كلام ابن كثير حول آية وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ .. ] رأينا أن قوله تعالى: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ هو محمد ﷺ وَصَدَّقَ بِهِ وهم المسلمون، إلا أن في الآية أقوالا أخرى، ذكرها ابن كثير فلنرها، قال ابن كثير: (قال مجاهد وقتادة والربيع بن أنس وابن زيد الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ هو

стр. 4628

رسول الله ﷺ ، وقال السّدّي: هو جبريل ﵇ وَصَدَّقَ بِهِ يعني محمدا ﷺ ، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ قال: من جاء بلا إله إلا الله وَصَدَّقَ بِهِ يعني رسول الله ﷺ وقرأ الربيع بن أنس والذين جاءوا بالصدق يعني: الأنبياء وصدقوا به يعني: الأتباع. وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ قال أصحاب القرآن المؤمنون يجيئون يوم القيامة فيقولون: هذا ما أعطيتمونا فعملنا فيه بما أمرتمونا. وهذا القول عن مجاهد يشمل كل المؤمنين، فإن المؤمنين يقولون الحق ويعملون به، والرسول ﷺ أولى الناس بالدخول في هذه الآية على هذا التفسير، فإنه جاء بالصدق وصدّق المرسلين، وآمن بما أنزل من ربه والمؤمنون، كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ هو رسول الله ﷺ وَصَدَّقَ بِهِ قال: المسلمون أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ قال ابن عباس ﵄: اتقوا الشرك. ٧ - [حديث بمناسبة قوله تعالى أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ] بمناسبة قوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ قال ابن كثير: (وروى ابن أبي حاتم عن فضالة بن عبيد الأنصاري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «أفلح من هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافا وقنع به» ورواه الترمذي والنسائي وقال الترمذي: صحيح). ٨ - [سبب نزول قوله تعالى وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ] في سبب نزول قوله تعالى: وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ذكر النّسفي أن قريشا: قالوا للنبي ﷺ : لتكفنّ عن شتم آلهتنا أو لنأمرنها فلتخبلنّك، فنزلت وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ .... ٩ - [كلام عن صدق التوكل على الله بمناسبة آية قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ .. ] بمناسبة قوله تعالى: قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ. قال ابن كثير: (وذكر ابن أبي حاتم ... عن ابن عباس مرفوعا: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة؛ إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك، جفت الصحف ورفعت الأقلام، واعمل لله بالشكر في اليقين. واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا. وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج

стр. 4629

مع الكرب، وأن مع اليسر يسرا» قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ أي: والله كافي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ كما قال هود ﵊ حين قال قومه إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ* مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ* إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (هود: ٥٤ - ٥٦) وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ رفع الحديث إلى رسول الله ﷺ قال: «من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله تعالى، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه، ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله ». ولننتقل إلى المقطع الثاني. *** المقطع الثاني ويتألف من ثلاث مجموعات ويمتدّ من الآية (٤١) إلى نهاية الآية (٧٥) أي: إلى نهاية السورة وهذا هو: المجموعة الأولى ٣٩/ ٤١

стр. 4630

٣٩/ ٤٢ - ٥٢

стр. 4631

المجموعة الثانية ٣٩/ ٥٣ - ٦١ المجموعة الثالثة ٣٩/ ٦٣ - ٦٤

стр. 4632

٣٩/ ٦٥ - ٧٥

стр. 4633

تفسير المجموعة الأولى إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ أي: القرآن لِلنَّاسِ أي: لأجلهم ولأجل حاجتهم إليه، ليبشّروا وينذروا فتقوى دواعيهم إلى اختيار الطاعة على المعصية، وقال ابن كثير (أي: لجميع الخلق من الإنس والجن لتنذرهم به) أي: لأجل الناس ومصالحهم الدنيوية والأخروية بِالْحَقِّ الخالص الذي لا يخالطه باطل فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ أي: فإنّما يعود نفع ذلك إلى نفسه وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها أي: إنما يرجع وبال ذلك على نفسه، قال النسفي: (أي: فمن اختار الهدى فقد نفع نفسه، ومن اختار الضّلالة فقد ضرّ) وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ أي: بحفيظ ثم أخبر تعالى بأنه الحفيظ القدير عليهم اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وتوفيها إماتتها: وهو أن يسلب ما هي به حيّة حسّاسة درّاكة وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي: يتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها، أي: يتوفّاها حين تنام، تشبيها للنائمين بالموتى حيث لا يتصرفون كما أنّ الموت كذلك. قال ابن كثير: (قال تعالى مخبرا عن نفسه الكريمة بأنّه المتصرف في الوجود بما يشاء، وأنّه يتوفى الأنفس الوفاة الكبرى، بما يرسل من الحفظة الذين يقبضونها من الأبدان، والوفاة الصغرى عند المنام) إِنَّ فِي ذلِكَ أي: في توفي الأنفس مائتة ونائمة، وإمساكها أو إرسالها إلى أجل لَآياتٍ على قدرة الله وعلمه لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ أي: يجيلون في ذلك أفكارهم ويعتبرون. كلمة في السياق: ما الصلة بين إنزال الكتاب على محمد ﷺ وبين توفي الأنفس؟ أي: الصلة بين الآية الأولى والآية الثانية في هذا المقطع؟ إن الآية الثانية بيّنت أنّ روح الإنسان في قبضة الله ، فهو يتوفّاها الوفاة الكبرى، ويتوفّاها الوفاة الصغرى، وهذا يقتضي من الإنسان أن يستجيب لأمر الله، ويهتدي بهداه الذي أنزله الله على رسوله ﵊، كما أن في ذكر الوفاة، وكونها بيد الله، تعزية لرسول الله ﷺ . فإذا تنكّب أحد عن الهدى فإنّ الآية تذكّر بإحاطة الله به، فإذا عرفنا الصلة بين الآيتين فلنتذكر الصلة بين الآية الأولى منهما وبين محور السورة، قال تعالى في سورة البقرة.

стр. 4634

ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وهاهنا قال تعالى مبيّنا الحكمة في إنزال الكتاب: إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ لكل الناس بِالْحَقِّ ثمّ بيّن أنّ نفع من اهتدى به عائد عليه، وضرر من ضلّ عنه عائد عليه، فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ولذلك صلته بقوله تعالى هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وإذا تقررت هذه المعاني، تأتي الآن آية تبيّن كيف أنّ الكافرين قد أشركوا: أَمِ أي: بل اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ أي: آلهة تشفع لهم في زعمهم عند الله والاستفهام للإنكار قُلْ يا محمد لهؤلاء الزاعمين ذلك أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً أي: أيشفعون ولو كانوا لا يملكون شيئا قط وَلا يَعْقِلُونَ أي: ولا عقل لهم قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً أي: هو مالكها فلا يستطيع أحد شفاعة إلا بإذنه لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ هذا تقرير لكون الشفاعة لله جميعا، لأنّه إذا كان له الملك كله، والشفاعة من الملك، كان مالكا لها ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ يوم القيامة، فلا يكون الملك في ذلك اليوم إلا له، فله ملك الدنيا والآخرة أي: فيحكم بينكم بعدله، ويجزي كلا بعمله. كلمة في السياق: ذكرت الآية الأولى أنّ الله منزل الكتاب، وذكرت الآية الثانية أن الله يتوفى الأنفس، ثم ذكرت الآية الثالثة موضوع اتخاذ المشركين آلهة مع الله لتشفع لهم- في زعمهم- عنده، فكأنّ السّياق يقول: إنه مع إنزال الكتاب، ومع كون أرواح الناس في قبضة الله فإنّ المشركين يشركون معه غيره مما لم ينزل به سلطانا ثم يأتي موقف آخر للكافرين وردّ عليه، فالمشرك لا يكتفي بأن يتخذ شريكا لله، بل إنّه يشمئز من ذكر اسم الله منفردا. وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ أي: إذا أفرد الله بالذكر، ولم تذكر معه آلهتهم

стр. 4635

اشْمَأَزَّتْ أي: نفرت وانقبضت قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ دلّ على أنّ العلة هي الكفر باليوم الآخر وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ يعني: آلهتهم إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ لافتتانهم بها. لاحظ موقفهم البشع، فهم في الغاية من السرور إذا ذكر غير الله، وفي غاية الانقباض إذا ذكر الله. قال النسفي: (ولقد تقابل الاستبشار والاشمئزاز إذ كل واحد منهما غاية في بابه، فالاستبشار أن يمتلئ قلبه سرورا حتى تنبسط له بشرة وجهه ويتهلل، والاشمئزاز أن يمتلئ غما وغيظا حتى يظهر الانقباض في أديم وجهه، والعامل في (إذا ذكر) هو العامل في إذا المفاجأة. تقديره وقت ذكر الذين من دونه فاجئوا وقت الاستبشار) وأمام هذا الموقف المغرق في الشرك والنفرة من التوحيد أمر الله رسوله ﷺ أن يقول معلنا للحق، ومذكّرا وواعظا ومنذرا قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ أي: يا فاطر السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ أي: يا عالم الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أي: السّر والعلانية أَنْتَ تَحْكُمُ أي: تقضي بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من الهدى والضلال، أي: أنت تفصل بينهم يوم معادهم، ونشورهم وقيامهم من قبورهم، ثمّ يحدّثنا الله عن موقف الكافرين يوم الفصل، وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا أي: أشركوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ أي: لو أن لهم جميع ما في الأرض وضعفه معه لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي: من شدّته وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ أي: وظهر لهم من الله من العذاب والنّكال بهم ما لم يكن في بالهم، ولا في حسابهم وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا أي: سيئات أعمالهم التي كسبوها، أو سيئات كسبهم حين تعرض صحائف أعمالهم، وكانت خافية عليهم، أو عقاب ذلك. وقال ابن كثير: أي: وظهر لهم جزاء ما اكتسبوا في الدار الدنيا من المحارم والمآثم. وَحاقَ بِهِمْ أي: نزل بهم وأحاط ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي: جزاء هزئهم، أي: وأحاط بهم من لعذاب والنّكال ما كانوا يستهزءون به في الدار الدنيا. كلمة في السياق: رأينا في الآيات الأخيرة موقفا آخر للمشركين من قضية التوحيد، ورأينا ما هو الموقف المكافئ لهذا الموقف، ثمّ يعرض الله علينا موقفا ثالثا للكافرين، وردّ عليه، هذا الموقف هو إنكار الكافرين أن يكون ما بهم من نعمة من الله، مع أنهم في أيام الشدة لا يدعون إلّا الله.

стр. 4636

فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا أي: تضرّع إلينا لنكشف عنه ضرّه، وهذا اعتراف منه بأنّ النعم من الله ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ أي: أعطيناه تفضّلا نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ أي: على علم مني بوجوه الكسب والعمل والحركة بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ أي: ابتلاء وامتحان لك، أتشكر أم تكفر وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أنها فتنة، فلهذا يقولون ما يقولون، ويدّعون ما يدّعون قَدْ قالَهَا أي: قد قال هذه المقالة وهي قولة إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كقارون مثلا إذ قال: (إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ من متاع الدنيا وما يجمعون منها فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا أي: جزاء سيئات كسبهم وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ أي: والذين أشركوا من هذه الأمّة سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا أي: سيصيبهم مثل ما أصاب أولئك وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ أي: بفائتين من عذاب الله أَوَلَمْ يَعْلَمُوا عن طريق ما يشاهدونه أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ أي: ويضيّق إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بأنّه لا قابض ولا باسط إلّا الله ، أما الكافرون فإنّهم عمي عن رؤية الآيات، وبهذا بينت الآيات تناقض الكافرين، وأقامت عليهم الحجة، فهم في حال الشدة يؤمنون بأنّ النعم بيد الله، فإذا أصبحوا في نعمة أنكروا أن يكون مصدر النعمة هو الله، بل نسبوها لأنفسهم، مع أنّ نظرة صحيحة لموضوع بسط الرزق وقبضه تدلّ على أن الله وحده هو المنعم، وفي سياق ذلك أنذرهم الله العذاب، مبيّنا أنّ عدم اعتراف الإنسان بالنّعمة، وأنّها من عند الله، يستحقّ بسببه عذاب الاستئصال. وبهذا انتهت المجموعة الأولى من المقطع الثاني. نقل: [عن صاحب الظلال حول آية فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ .. ] بمناسبة قوله تعالى: فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا. ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا، قالَ: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ. بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ قال صاحب الظلال: (والآية تصور نموذجا مكررا للإنسان، ما لم تهتد فطرته إلى الحق، وترجع إلى ربها الواحد، وتعرف الطريق إليه، فلا تضل عنه في السراء والضراء.

стр. 4637

إن الضر يسقط عن الفطرة ركام الأهواء والشهوات، ويعريها من العوامل المصطنعة التي تحجب عنها الحق الكامن فيها وفي ضمير هذا الوجود. فعندئذ ترى الله وتعرفه وتتجه إليه وحده. حتى إذا مرت الشدة وجاء الرخاء. نسي هذا الإنسان ما قاله في الضراء، وانحرفت فطرته بتأثير الأهواء. وقال عن النعمة والرزق والفضل: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ .. قالها قارون، وقالها كل مخدوع بعلم أو صنعة أو حيلة يعلل بها ما اتفق له من مال أو سلطان. غافلا عن مصدر النعمة، وواهب العلم والقدرة، ومسبب الأسباب، ومقدّر الأرزاق. بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ هي فتنة للاختبار والامتحان. ليتبين إن كان سيشكر أو سيكفر؛ وإن كان سيصلح بها أم سيفسد؛ وإن كان سيعرف الطريق أم يجنح إلى الضلال. والقرآن- رحمة بالعباد- يكشف لهم عن السر، وينبهم إلى الخطر، ويحذرهم الفتنة. فلا حجة لهم ولا عذر بعد هذا البيان. وهو يلمس قلوبهم بعرض مصارع الغابرين قبلهم. مصارعهم بمثل هذه الكلمة الضالة التي يقولها قائلهم: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ. قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ* فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ ... هي ذاتها هذه الكلمة الضالة قالها الذين من قبلهم، فانتهت بهم إلى السوء والوبال. ولم يغن عنهم علمهم ولا مالهم ولا قوتهم شيئا. وهؤلاء سيصيبهم ما أصاب الغابرين. فسنّة الله لا تتبدّل وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ. فالله لا يعجزه خلقه الضعاف المهازيل!. فأما ما أعطاهم الله من نعمة، وما وهبهم من رزق، فإنه يتبع إرادة الله وفق حكمته وتقديره في بسط الرزق وقبضه، ليبتلي عباده، ولينفذ مشيئته كما يريد: أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ؟ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ فلا يجعلوا آيات الله سببا في الكفر والضلال .. وهي جاءت للهدى والإيمان .. ). ملاحظات حول السياق: ١ - [إبراز التشابه بين المجموعة الأولى من كلا المقطعين] لاحظنا أن المجموعة الأولى في المقطع الأول: بدأت بقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا

стр. 4638

إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ثم تحدثت عن اتخاذ المشركين شركاء ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى ثم حدثنا السياق عن الله وعن شكره، ثم حدثنا عن موقف الكافر عند الشدة وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ .. ثم جاءت مجموعة مبدوءة بقوله تعالى قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ... ونلاحظ أن المجموعة الأولى في المقطع الثاني بدأت بقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ .. ثم حدثتنا عن اتخاذ المشركين آلهة ليشفعوا لهم ... أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ .. ثمّ وثمّ حتى حدثتنا عن موقف الكافر عند الشدة، وكفره عند الرخاء فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا ... ثم تأتي الآن مجموعة مبدوءة بقوله تعالى قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ .... هذا التشابه الكبير بين المجموعة الأولى والثانية في المقطع الأول، وبين المجموعة الأولى والثانية في المقطع الثاني، يذكّرنا بقوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ... إنك تلاحظ التشابه الواضح، وتلاحظ تثنية المعاني، وتلاحظ أن ذلك عرض على أعظم ما يكون البيان، وأحسن ما يكون الكلم، وكل ذلك في صيغة تبشير وإنذار، تقشعر منها الجلود ثم تلين، وهذا كله يتأدّى دون أن تحسّ بملل لرؤيتك التجديد والجديد كلما سرت في السورة، ومن ثم فإنك تجد كيف أنّ السورة يخدم بعضها بعضا بأشكال متعددة، وبشكل لا يمكن الإحاطة به، وهذا مظهر من مظاهر الإعجاز الكبير في هذا القرآن، ودليل على أنّ القرآن من عند الله. ٢ - [عرض عام لمسار السورة وعلاقة ذلك بالمحور] من التشابه بين المقطعين تستطيع أن تدرك مسار السورة، فالسورة تحدّثنا عن تنزيل هذا القرآن، وهذا يقتضي عبادة لله، والعبادة تقتضي معرفة لله وعملا، وقد عرفنا الله في المقطع الأول على ذاته، ودلّنا على طريق العمل، وأقام الحجة على الجاحدين والجاهلين والمشركين. وجاء المقطع الثاني ليكمّل المسار، فيقرر تنزيل الله هذا القرآن، ثم يعرفنا على الله ، ثمّ يبيّن ضلال المشركين في شأن الألوهية، ثم يبين لنا ما ينبغي فعله، وهكذا ما بين التعريف بالله ، والتعريف على العمل، وتبيان المآل، نرى السياق يسير، وكل ذلك بما يخدم محور السورة من سورة البقرة

стр. 4639

ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ إذ إنّ أوّل ما يقدّمه القرآن في باب الهداية هو الهداية إلى معرفة الله، والتعريف على طريق عبادته. فلنر المجموعة الثانية في المقطع الثاني التي تفتح باب التوبة، والرّجوع إلى الله. تفسير المجموعة الثانية قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أي: جنوا عليها بالإسراف في المعاصي والغلوّ فيها لا تَقْنَطُوا أي: لا تيأسوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً بالعفو عنها إلا الشرك إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ يستر عظائم الذنوب الرَّحِيمُ بكشف فظائع الكروب، قال ابن كثير: (هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله ﵎ يغفر الذنوب جميعا لمن تاب منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت، وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر، ولا يصح حمل هذه على غير توبة؛ لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه). وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ أي: وارجعوا إليه، أي: وتوبوا إليه وَأَسْلِمُوا لَهُ أي: واستسلموا له بالانقياد لشرعه، والتسليم لقدره مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ إن لم تتوبوا قبل نزول العقاب، أي: بادروا بالتوبة والعمل الصالح قبل حلول النقمة وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وهو القرآن أو عزائم القرآن مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ أي: من قبل أن يفجأكم العذاب وأنتم غافلون كأنكم لا تخشون شيئا لفرط غفلتكم من حيث لا تعلمون ولا تشعرون أَنْ تَقُولَ لئلا تقول نَفْسٌ من الأنفس يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ أي: على ما قصّرت فِي جَنْبِ اللَّهِ أي: في أمر الله، أو في طاعة الله، أو في ذاته، أو في طريقه: وهو توحيده والإقرار بنبوّة محمد ﷺ وَإِنْ كُنْتُ أي: وإنه كنت لَمِنَ السَّاخِرِينَ أي: المستهزئين قال قتادة لم يكفه أن ضيّع طاعة الله حتى سخر من أهلها، وتقدير الكلام فرّطت في حال سخريتي أَوْ تَقُولَ يوم القيامة لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي أي: أعطاني الهداية لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أي: من الذين يتقون الشرك أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً أي: رجعة إلى الدنيا فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ أي: من الموحّدين، أي: تودّ لو أعيدت إلى الدنيا لتحسن العمل. ولمّا عرض الله علينا ما يتمنّاه أهل الجرائم من العود إلى الدنيا ردّ عليهم فقال: بَلى قَدْ

стр. 4640

جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ قال ابن كثير: (أي: قد جاءتك أيها العبد النادم على ما كان منه آياتي في الدار الدنيا، وقامت حججي عليك فكذّبت بها، واستكبرت عن اتباعها، وكنت من الكافرين بها الجاحدين لها). وقال النسفي: (كأنه يقول: بلى قد جاءتك آياتي وبيّنت لك الهداية من الغواية وسبيل الحق من الباطل، ومكنتك من اختيار الهداية على الغواية، واختيار الحق على الباطل، ولكن تركت ذلك وضيّعته، واستكبرت عن قبوله، وآثرت الضلالة على الهدى، واشتغلت بضدّ ما أمرت به، فإنما جاء التضييع من قبلك فلا عذر لك) وبعد هذا الرد يعود السياق ليعرض علينا الحال يوم القيامة، لنتدارك أمرنا في الدنيا، ونكون من المتقين وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ أي: وصفوه بما لا يجوز عليه من إضافة الشريك والولد إليه وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أي: بكذبهم وافترائهم أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً أي: منزل لِلْمُتَكَبِّرِينَ أي: أليست جهنم كافية لهم سجنا وموئلا لهم، فيها الخزي والهوان بسبب تكبّرهم وتجبّرهم، وإبائهم عن الانقياد إلى الحق، وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ أي: بفلاحهم، أي: بما سبق لهم من السعادة والفوز عند الله، ثمّ فسّر فوزهم لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ أي: النار يوم القيامة وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أي: ولا يحزنهم الفزع الأكبر، بل هم آمنون من كل فزع، مزحزحون عن كل شر، نائلون كل خير. نقل: [عن صاحب الظلال بمناسبة آية قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا .. ] بمناسبة قوله تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ قال صاحب الظلال: (إنها الرحمة الواسعة التي تسع كل معصية كائنة ما كانت، وإنها الدعوة للأوبة، دعوة العصاة المسرفين الشاردين المبعدين في تيه الضلال. دعوتهم إلى الأمل والرجاء والثقة بعفو الله. إن الله رحيم بعباده. وهو يعلم ضعفهم وعجزهم. ويعلم العوامل المسلّطة عليهم من داخل كيانهم ومن خارجه. ويعلم أن الشيطان يقعد لهم كل مرصد. ويأخذ عليهم كل طريق. ويجلب عليهم بخيله ورجله. وأنه جاد كل الجد في عمله الخبيث! ويعلم أن بناء هذا المخلوق الإنساني بناء واه. وأنه مسكين سرعان ما يسقط إذا أفلت من يده الحبل الذي يربطه والعروة التي تشده. وأن ما ركب في كيانه من وظائف ومن ميول ومن

стр. 4641

شهوات سرعان ما ينحرف عن التوازن فيشط به هنا أو هناك؛ ويوقعه في المعصية وهو ضعيف عن الاحتفاظ بالتوازن السليم .. يعلم الله- سبحانه- عن هذا المخلوق كل هذا فيمد له في العون؛ ويوسع له في الرحمة؛ ولا يأخذه بمعصيته حتى يهيئ له جميع الوسائل ليصلح خطأه ويقيم خطاه على الصراط. وبعد أن يلج في المعصية، ويسرف في الذنب، ويحسب أنه قد طرد وانتهى أمره، ولم يعد يقبل ولا يستقبل. في هذه اللحظة- لحظة اليأس والقنوط- يسمع نداء الرحمة الندي اللطيف: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وليس بينه- وقد أسرف في المعصية، ولج في الذنب، وأبق عن الحمى، وشرد عن الطريق- ليس بينه وبين الرحمة الندية الرخية، وظلالها السمحة المحيية. ليس بينه وبين هذا كله إلا التوبة. التوبة وحدها. الأوبة إلى الباب المفتوح الذي ليس عليه بواب يمنع، والذي لا يحتاج من يلج فيه إلى استئذان. وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ* وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ. الإنابة. والإسلام. والعودة إلى أفياء الطاعة وظلال الاستسلام .. هذا هو كل شيء. بلا طقوس ولا مراسم ولا حواجز ولا وسطاء ولا شفعاء!. إنه حساب مباشر بين العبد والرب. وصلة مباشرة بين المخلوق والخالق. من أراد الأوبة من الشاردين فليؤب. ومن أراد الإنابة من الضالين فلينب. ومن أراد الاستسلام من العصاة فليستسلم. وليأت. ليأت وليدخل فالباب مفتوح. والفئ والظل والندى والرخاء. كله وراء الباب لا حاجب دونه ولا حسيب!). كلمة في السياق: ١ - [الصلة بين المجموعة الثانية من المقطع الثاني وبين المقطع الأول] يلاحظ أن هذه المجموعة تبنى على معان موجودة في المقطع الأول وتكمّلها،

стр. 4642

بل نلاحظ أن في هذه المجموعة ما يقابل أشياء موجودة في المقطع الأول، مما يؤكد ما ذكرناه من ملاحظات حول السياق بعد المجموعة الأولى من هذا المقطع، فمثلا في أواخر المقطع السابق ورد قوله تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ، إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ وهاهنا يرد قوله تعالى: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ وهناك يرد قوله تعالى: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ وهاهنا يرد قوله تعالى: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ .. وفي المقطع الأول يرد قوله تعالى: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ وهاهنا يرد قوله تعالى: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ فالمقطع الثاني يكمّل المقطع الأول. ٢ - [لخصت هذه المجموعة ما ينبغي أن يكون عليه المهتدون] لخّصت هذه المجموعة ما ينبغي أن يكون عليه المهتدون: من توبة، وإنابة، وإسلام لله، واتباع للقرآن، وإحسان وتقوى، وتجنّب لليأس من رحمة الله، وتجنّب للتفريط أو للسخرية بشرع الله وأهله أو للكبر، وهي معان تدخل في معنى العبادة، وهي أثر من آثار معرفة الله . ٣ - [الصلة بين هذه المجموعة وسورة آل عمران] نلاحظ أنّ سورة آل عمران فصّلت في الآيات الأولى من سورة البقرة، وقد ورد فيها قوله تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ والملاحظ أنه قد مرّ معنا في هذه المجموعة قوله تعالى: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ والصلة واضحة. ٤ - [المجموعة الثالثة وصلتها بما قبلها] ونلاحظ أن مجموعة جديدة ستأتي على صلة وثيقة جدا ببداية المقطع، فقد بدأ المقطع بقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ. ثمّ تأتي مجموعة مبدوءة بقوله تعالى: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ فالصلة واضحة، أنت يا محمد لست عليهم بوكيل، ولكن الله على كل شئ وكيل، فكأن المجموعتين السابقتين وضحتا معاني موجودة في الآية الأولى من المقطع، ثم تأتي المجموعة الجديدة فتوضح كذلك بشكل مباشر شيئا موجودا في هذه الآية فلنر تفصيل ذلك:

стр. 4643

الآية الأولى هي: إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ. وقد جاء مباشرة بعد هذه الآية قوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ .. وسار السياق حتى المجموعة الثالثة وهي مبدوءة بلفظ الجلالة اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، فكأن المقطع الثاني مؤلّف من مقدمة وجولتين، كل منهما مبدوءة بلفظ الجلالة (الله) (الله). وإذا تأمّلنا مجموعتي الجولة الأولى نلاحظ أنّها تفصّل في كون الله هو الوكيل، وأنّ محمدا ﷺ ليس وكيلا، وتفصّل كيف أنّ من اهتدى فلنفسه، ومن ضلّ فعليها، وتذكر مظاهر من الهداية، ومظاهر من الضلال، فإذا جاءت الجولة الجديدة فإنّها تفصّل في كون الله هو الوكيل بما يخدم الموضوع الرئيسي وهو تنزيل الكتاب، ووجوب اهتداء الإنسان به. فلنر الجولة الثانية في المقطع الثاني وهي تستمر حتى نهاية السورة وهي المجموعة الثالثة في المقطع الثاني. تفسير المجموعة الثالثة اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ فالذي يخلق كل شئ هو الذي على كل شئ وكيل، أي: حافظ ومراقب، ومن ثمّ فإنّه هو الذي يتولى أمر من يخالف الكتاب الذي أنزله، ومن ثم قال: لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: مفاتيح السموات والأرض، أي: هو مالك أمرهما وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ التي أنزلها على رسوله ﷺ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ في الدنيا والآخرة. كلمة في السياق: [تؤكد صلة هذه المجموعة ببداية المقطع] إن ختم الآيتين السابقتين بقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ

стр. 4644

الْخاسِرُونَ دليل على ما ذكرناه من كون السياق هنا يفصّل ما سبق ذكره في مقدمة المقطع، من أن الله هو الوكيل، وأنّ ذلك مرتبط بموضوع موقف الإنسان من كتاب الله، وإذا تقرّر أنّ الله هو منزل الكتاب، وأنّه هو الوكيل، وأنّ محمدا ﷺ ليس وكيلا، فالسّياق الآن يتوجه آمرا رسول الله ﷺ أن يقول للجاهلين الذين لم يهتدوا بهدي الله: قُلْ يا محمد أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أي: أفغير الله أعبد بأمركم بعد هذا البيان أَيُّهَا الْجاهِلُونَ بتوحيد الله؟. وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ من الأنبياء لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ الذي عملته قبل الشرك وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ قال النسفي: (وإنما صح هذا الكلام مع علمه تعالى بأن رسله لا يشركون؛ لأن الخطاب للنبي ﵇ والمراد به غيره، ولأنه على سبيل الفرض. والمحالات يصح فرضها، وقيل لئن طالعت غيري في السر ليحبطن ما بيني وبينك من السر. بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ هذا رد لما أمروه به من عبادة آلهتهم، كأنّه قال: لا تعبد ما أمروك بعبادته، بل فاعبد الله وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ على ما أنعم به عليك وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أي: وما عظّموه حقّ تعظيمه، إذ دعوك لعبادة غيره، ورفضوا الاهتداء بكتابه، ثمّ نبّههم على عظمته، وجلال شأنه فقال: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً أي: والأرضون السبع كلها قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ والقبضة بالمرّة من القبض، يعني أنّ الأرضين مع عظمهن وبسطتهن لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ والطّيّ ضدّ النّشر كما قال تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ* أي: ما أبعد من هذه قدرته وعظمته، وما أعلاه عمّا يضاف إليه من الشركاء.

стр. 4645

كلمة في السياق: عرفنا ممّا مر أن الله وحده هو الوكيل؛ ولأنّه هو الخالق، ولأنّه هو المالك، ولأن الأرضين قبضته يوم القيامة، والسّماوات مطويات بيمينه يوم القيامة، ومن ثمّ فإنّه وحده المستحق للعبادة، والمستحق للشكر، وأنّ من يشرك به خاسر وحابط عمله، وكون الله هو الوكيل فإنه سيحاسب من رفض هدايته ورفض كتابه، ومن ثمّ تبدأ المجموعة تعرض لنا مشهدا من مشاهد يوم القيامة، تذكر فيه كيف سيفعل الله بالمتقين الذين اهتدوا بكتابه، والكافرين الذين رفضوا كتابه. وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ أي: مات مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ قال النسفي: (أي: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وقيل هم حملة العرش، أو رضوان والحور العين ومالك والزبانية) وسنرى تحقيق هذا الموضوع في الفوائد، وسنرى في سورة المؤمن القادمة تفصيلا آخر ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى أي: ثم نفخ في الصور نفخة أخرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ قال النسفي: (يقلبون أبصارهم في الجهات، نظر المبهوت إذا فاجأه خطب، أو ينظرون أمر الله فيهم، ودلت الآية على أن هناك نفختين: الأولى للموت، والثانية للبعث، والجمهور على أنها ثلاث: الأولى للفزع، كما قال تعالى: يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ والثانية للموت والثالثة للإعادة). وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها أي: وأضاءت، وهل المراد بالنور العدل، أو المراد نور يخلقه الله يوم القيامة، وأضافه إلى ذاته تشريفا لإضاءة الأرض؟، قولان للمفسرين. قال ابن كثير: (أي: أضاءت يوم القيامة إذا تجلّى الحقّ جلّ وعلا للخلائق لفصل القضاء وَوُضِعَ الْكِتابُ أي: كتاب الأعمال وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ ليسألهم ربهم عن تبليغ الرسالة، وما أجابهم قومهم وَالشُّهَداءِ أي: الحفظة من الملائكة وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أي: بين العباد بِالْحَقِّ أي: بالعدل وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ شيئا وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ أي: جزاءه وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ من غير كتاب ولا شاهد وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً أي: أفواجا متفرقة بعضها في أثر بعض

стр. 4646

حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها السبعة قال ابن كثير: (أي: بمجرد وصولهم إليها فتحت أبوابها سريعا، لتعجّل لهم العقوبة، وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أي: قال لهم خزنتها من الزبانية الذين هم غلاظ الأخلاق، شداد القوى، على وجه التقريع والتوبيخ والتنكيل أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ أي: من جنسكم تتمكّنون من مخاطبتهم والأخذ عنهم يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ أي: وحيه، ويقيمون عليكم الحجج والبراهين على صحة ما دعوكم إليه وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا أي: ويحذرونكم وقت دخولكم النار، قالُوا أي: الكفار للخزنة بَلى قد جاءونا وتلوا علينا آيات ربنا وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ أي: ولكن وجبت علينا كلمة الله بأن يملأ جهنم، ذكروا عملهم الموجب لكلمة العذاب وهو الكفر والضلال قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أي: ماكثين فيها لا خروج لكم منها، ولا زوال لكم عنها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ جهنم، أي: فبئس المصير وبئس المقيل لكم، بسبب تكبركم في الدنيا، وإبائكم عن اتّباع الحق، فهو الذي صيّركم إلى ما أنتم فيه، فبئس الحال، وبئس المآل، ومن القائل لهم هذا؟ قال ابن كثير: (لم يسند هذا القول إلى قائل معيّن، بل أطلقه ليدلّ على أنّ الكون شاهد عليهم بأنهم يستحقون ما هم فيه بما حكم العدل الخبير عليهم) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً قال النسفي: المراد سوق مراكبهم، لأنّه لا يذهب بهم إلا راكبين إلى دار الكرامة والرضوان، قال ابن كثير: (وهذا إخبار عن حال السعداء المؤمنين حين يساقون على النجائب وفدا إلى الجنة زُمَراً أي: جماعة بعد جماعة: المقرّبون، ثم الأبرار، ثم الذين يلونهم، كل طائفة مع من يناسبهم: الأنبياء مع الأنبياء، والصديقون مع أشكالهم، والشهداء مع أضرابهم، والعلماء مع أقرانهم، وكل صنف مع صنف، كل زمرة تناسب بعضها بعضا). حَتَّى إِذا جاؤُها أي: وصلوا إلى أبواب الجنة وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ من دنس المعاصي، وطهّرتم من خبث الخطايا، وقال الزّجاج: أي: كنتم طيبين في الدنيا، ولم تكونوا خبيثين فَادْخُلُوها خالِدِينَ أشعرت الآية أن دخول الجنة مسبّب عن الطيب والطّهارة، لأنّها دار الطيبين، ومثوى الطاهرين، قد طهّرها الله من كل دنس، وطيّبها من كل قذر، فلا يدخلها إلا مناسب لها، موصوف بصفتها وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ أي: أنجزنا ما وعدنا في الدنيا من نعم العقبى وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ أي: أرض الجنة، وقد أورثوها أي:

стр. 4647

ملكوها وجعلوا ملوكها، وأطلق تصرّفهم فيها كما يشاءون، تشبيها بحال الوارث وتصرفه فيما يرثه، واتساعه فيه نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ أي: يكون لكل واحد منهم جنة لا توصف سعة وزيادة على الحاجة، فيتبوّأ أي: فيتخذ مبوّأ ومقرا من جنته حيث يشاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ الجنّة وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ أي: محدقين من حوله يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أي: بين الأنبياء والأمم، أو بين أهل الجنة والنار بِالْحَقِّ أي: بالعدل وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. قال النسفي: أي: يقول أهل الجنة شكرا حين دخولها وتمّ وعد الله لهم كما قال: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. كلمة في المجموعة الأخيرة والمقطع: ١ - إن المجموعة الأخيرة أرتنا كيف أن الله الذي أنزل هذا القرآن هو الوكيل، وأرتنا ما هي عاقبة الذين صدّقوا بالكتاب واهتدوا به، وعاقبة الذين كذّبوا بالكتاب، ومن ثم رأينا كيف كان خطاب الملائكة لأهل النار أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ ... وهذا يدلنا على الصلة بين المجموعة الأخيرة وبداية المقطع، وبين المجموعة وسياق السورة كلها. ٢ - نلاحظ أنّ المجموعة الأخيرة أكملت بناء الأمر بالعبادة في السورة، ففي المقطع الأول ورد قوله تعالى: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ... قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ... وفي هذا المقطع ورد قوله تعالى قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ* وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ* بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ وهكذا نجد كلا من المقطعين في السورة يكمّل الآخر. ٣ - نلاحظ أنّ المقطع الأخير قد بين أن الله الذي أنزل هذا القرآن هو الذي يتولّى أمر عقاب المنحرفين عن دينه وكتابه في الدنيا والآخرة وما على الرسول إلا أن يطيع الله فيما أمره به.

стр. 4648

فوائد [حول المقطع الثاني]: ١ - [كلام عن الوفاة الصغرى والكبرى بمناسبة آية اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ ... ] في قوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قال ابن كثير: (قال تعالى مخبرا عن نفسه الكريمة بأنه المتصرف في الوجود بما يشاء، وأنه يتوفى الأنفس الوفاة الكبرى بما يرسل الحفظة الذين يقبضونها من الأبدان. والوفاة الصغرى عند المنام كما قال ﵎: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ* وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (الأنعام: ٦٠، ٦١) فذكر الوفاتين الصغرى ثم الكبرى وفي هذه الآية ذكر الكبرى ثم الصغرى ولهذا قال ﵎: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فيه دلالة على أنها تجتمع في الملإ الأعلى إذا ماتت، كما ورد بذلك الحديث المرفوع الذي رواه ابن مندة وغيره. وفي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم ليقل باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين». وقال بعض السلف: يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا، وأرواح الأحياء إذا ناموا، فتتعارف ما شاء الله تعالى أن تتعارف). وقال النسفي في الآية: (وقالوا: التي تتوفى في المنام هي نفس التمييز لا نفس الحياة، لأن نفس الحياة إذا زالت زال معها النّفس، والنائم يتنفّس، ولكل إنسان نفسان: إحداهما نفس الحياة وهي التي تفارقه عند الموت، والأخرى نفس التمييز وهي التي تفارقه إذا نام، وروي عن ابن عباس ﵄: في ابن آدم نفس وروح، بينهما شعاع مثل شعاع النفس، فالنفس هي التي بها العقل والتمييز، والروح هي التي بها النفس والتحرك، فإذا نام العبد قبض الله نفسه ولم يقبض روحه، وعن علي ﵁ قال: تخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعها في الجسد فبذلك يرى الرؤيا، فإذا انتبه من النوم عاد الروح إلى جسده بأسرع من لحظة، وعنه: ما رأت نفس النائم في السماء فهي الرؤيا الصادقة، وما رأت بعد الإرسال فيلقنها الشيطان فهي كاذبة، وعن سعيد بن

стр. 4649

جبير أن أرواح الأحياء وأرواح الأموات تلتقي في المنام فيتعارف منها ما شاء الله أن يتعارف، فيمسك التي قضى عليه الموت، ويرسل الأخرى إلى أجسادها إلى انقضاء مدة حياتها، وروي أن أرواح المؤمنين تعرج عند النوم في السماء، فمن كان منهم طاهرا أذن له في السجود، ومن لم يكن منهم طاهرا لم يؤذن له فيه). ٢ - [كلام المؤلف حول تحديد سبب إعراض الكافرين بمناسبة آية وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ .. ] بمناسبة قوله تعالى: وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أقول: إن العلة الكبرى في المواقف الخاطئة هي انعدام أو نقص الإيمان باليوم الآخر، فهو الذي ينبع عنه ما ينبع، ومن ذلك هذا الاشمئزاز الذي يقابل به الكافرون ذكر اسم الله وحده، وهو داء استشرى في عصرنا، فإنك إذا ذكرت أن الشفاء بيد الله، والنصر بيد الله، أو غير ذلك من الكلام الذي هو توحيد محض، رأيت الاشمئزاز يعلو وجوه كثيرين، وإذا ذكرت عالم الأسباب وتأثيرات الأسباب تستبشر القلوب المنكرة، والوجوه، ومن ثم فإن على الدعاة إلى الله أن يحيوا قضية الإيمان باليوم الآخر بأن يدلّلوا، ويعظوا، ويذكّروا، والله الموفق. ٣ - [ذكر لبعض الأدعية المأثورة بمناسبة آية قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ .. ] بمناسبة قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ قال النسفي: (وعن ابن المسيب: لا أعرف آية قرئت فدعي عندها إلا أجيب سواها) وقال ابن كثير: (روى مسلم في صحيحه: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت عائشة ﵂ بأي شيء كان رسول الله ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل، قالت ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل افتتح صلاته «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «من قال: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الدنيا أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ورسولك، فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد، إلا قال الله لملائكته يوم القيامة: إن عبدي قد عهد إلي عهدا فأوفوه إياه فيدخله الله الجنة» وروى الإمام أحمد عن يحيى بن عبد الله أن أبا عبد الرحمن حدثه قال: أخرج لنا عبد الله ابن عمرو ﵄ قرطاسا وقال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا نقول: «اللهم فاطر

стр. 4650

السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت رب كل شيء، وإله كل شيء، أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك والملائكة يشهدون، أعوذ بك من الشيطان وشركه، وأعوذ بك أن أقترف على نفسي إثما أو أجرّه إلى مسلم». قال أبو عبد الرحمن ﵁ كان رسول الله ﷺ يعلّمه عبد الله بن عمرو ﵄ أن يقول ذلك حين يريد أن ينام، تفرد به أحمد أيضا. وروى الإمام أحمد عن أبي راشد الحبراني قال: أتيت عبد الله بن عمرو ﵄ فقلت له: حدّثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ ، فألقى بين يدي صحيفة، فقال: هذا ما كتب لي رسول الله ﷺ ، فنظرت فيها فإذا فيها أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: يا رسول الله علمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت فقال له رسول الله ﷺ : «يا أبا بكر قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، لا إله إلا أنت، رب كل شيء ومليكه، أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه، أو أقترف على نفسي سوءا أو أجرّه إلى مسلم» ورواه الترمذي وقال: حسن غريب من هذا الوجه. وروى الإمام أحمد عن مجاهد قال: قال أبو بكر الصديق ﵁: أمرني رسول الله ﷺ أن أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعي من الليل: اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ .... ٤ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا .. وسبب نزولها] بمناسبة قوله تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ قال ابن كثير: (روى البخاري عن ابن عباس ﵄ أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا محمدا صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزل وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ (الفرقان: ٦٨) ونزل قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي. والمراد من الآية الأولى قوله تعالى: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً الآية، وروى الإمام أحمد عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ إلى آخر الآية» فقال رجل: يا رسول الله فمن أشرك؟ فسكت رسول الله ﷺ ثم قال: «ألا ومن أشرك» - ثلاث مرات- تفرد به الإمام أحمد. وقال الإمام أحمد أيضا عن عمرو بن عنبسة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلم

стр. 4651

شيخ كبير يدعم على عصا له فقال: يا رسول الله إن لي غدرات وفجرات فهل يغفر لي؟ قال ﷺ : «ألست تشهد أن لا إله إلا الله؟» قال: بلى وأشهد أنك رسول الله، فقال صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم «قد غفر لك غدراتك وفجراتك» تفرد به أحمد. وروى الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد ﵂ قالت: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقرأ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ وسمعته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ولا يبالي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. ورواه أبو داود والترمذي من حديث ثابت، فهذه الأحاديث كلها دالة على أن المراد أنه يغفر جميع ذلك مع التوبة، لا يقنطن عبد من رحمة الله وإن عظمت ذنوبه وكثرت فإن باب الرحمة والتوبة واسع قال الله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ (التوبة: ١٠٤) وقال وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً (النساء: ١١٠) وقال جل وعلا في حق المنافقين: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً* إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا (النساء: ١٤٥، ١٤٦) وقال ﷻ : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (المائدة: ٧٣) ثم قال جلت عظمته: أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وقال ﵎: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا (البروج: ١٠) قال الحسن البصري رحمة الله عليه: انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، والآيات في هذا كثيرة جدا. وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ حديث الذي قتل تسعة وتسعين نفسا، ثم ندم، وسأل عابدا من عباد بني اسرائيل هل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله وأكمل به مائة، ثم سأل عالما من علمائهم هل له من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أمره بالذهاب إلى قرية يعبد الله فيها فقصدها، فأتاه الموت في أثناء الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمر الله أن يقيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أقرب فهو منها، فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة، وذكر أنه نأى بصدره عند الموت، وأن الله ﵎ أمر البلدة الخيّرة أن تقترب، وأمر تلك البلدة أن تتباعد، هذا معنى الحديث وقد كتبناه في موضع آخر بلفظه. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في

стр. 4652

قوله : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إلى آخر الآية، قال: قد دعا الله تعالى إلى مغفرته من زعم أن المسيح هو الله، ومن زعم أن المسيح ابن الله، ومن زعم أن عزيزا ابن الله، ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة، يقول الله تعالى لهؤلاء أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ثم دعا إلى التوبة من هو أعظم قولا من هؤلاء؛ من قال أنا ربكم الأعلى وقال: ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: من آيس عباد الله من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله ، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله عليه. وروى الطبراني من طريق الشعبي عن سنيد ابن شكل أنه قال: سمعت ابن مسعود يقول: إن أعظم آية في كتاب الله اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وإن أجمع آية في القرآن بخير وشر إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وإن أكثر آية في القرآن فرحا في سورة الغرف قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وإن أشد آية في كتاب الله تفويضا وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ فقال له مسروق: صدقت، وقال الأعمش: عن أبي سعيد عن أبي الكنود قال: مرّ عبد الله يعني ابن مسعود ﵁ على قاص وهو يذكر الناس فقال: يا مذكر لم تقنط الناس من رحمة الله؟ ثم قرأ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ رواه ابن أبي حاتم ﵀. فصل: في ذكر أحاديث فيها نفي القنوط: روى الإمام أحمد عن حسن السدوسي قال: دخلت على أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم الله تعالى لغفر لكم، والذي نفس محمد بيده لو لم تخطئوا لجاء الله بقوم يخطئون ثم يستغفرون الله فيغفر لهم» تفرد به أحمد. وروى الإمام أحمد أيضا عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه قال حين حضرته الوفاة: قد كنت كتمت منكم شيئا سمعته من رسول الله ﷺ ، يقول «لولا أنكم تذنبون لخلق الله قوما يذنبون فيغفر لهم» هكذا رواه الإمام أحمد، وأخرجه مسلم في صحيحه والترمذي. وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما

стр. 4653

قال: قال رسول الله ﷺ : «كفارة الذنب الندامة» وقال رسول الله ﷺ : «لو لم تذنبوا لجاء الله تعالى بقوم يذنبون فيغفر لهم» تفرد به أحمد. وروى عبد الله بن الإمام أحمد عن محمد بن الحنفية عن أبيه على بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن الله تعالى يحب العبد المفتن التواب» ولم يخرجوه من هذا الوجه. وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال «إن إبليس لعنه الله تعالى قال: يا رب إنك أخرجتني من الجنة من أجل آدم، وإني لا أستطيعه إلا بسلطانك، قال: فأنت مسلط، قال: يا رب زدني، قال: لا يولد له ولد إلا ولد لك مثله، قال: يا رب زدني، قال: أجعل صدورهم مساكن لكم وتجرون منهم مجرى الدم، قال: يا رب زدني، قال: أجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، فقال آدم ﵊: يا رب قد سلّطته علي وإني لا أمتنع إلا بك، قال ﵎: لا يولد لك ولد إلا وكّلت به من يحفظه من قرناء السوء، قال: يا رب زدني، قال: الحسنة عشر أو أزيد، والسيئة واحدة أو أمحوها، قال: يا رب زدني، قال: باب التوبة مفتوح ما كان الروح في الجسد، قال: يا رب زدني، قال: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وقال محمد بن إسحاق: قال نافع عن عبد الله بن عمر عن عمر ﵄ في حديثه قال: وكنا نقول ما الله بقابل ممن افتتن صرفا ولا عدلا ولا توبة، عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم، قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، قال: فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنزل الله تعالى فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ* وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ قال عمر ﵁: فكتبتها بيدي في صحيفة، وبعثت بها إلى هشام بن العاص ﵁ قال: فقال هشام: لما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوي، أصعد بها فيه وأصوّب ولا أفهمها، حتى قلت اللهم أفهمنيها، قال: فألقى الله في قلبي أنها إنما أنزلت فينا، وفيما كنا نقول في أنفسنا، ويقال فينا، فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله ﷺ بالمدينة).

стр. 4654

٥ - [سبب نزول آية قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ] في سبب نزوله قوله تعالى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ قال ابن كثير: (ذكروا في سبب نزولها ما رواه ابن أبي حاتم وغيره عن ابن عباس ﵄ أن المشركين من جهلهم دعوا رسول الله ﷺ إلى عبادة آلهتهم ويعبدوا معه إلهه فنزلت قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ؟. ٦ - [كلام عن عظمة قدرة الله بمناسبة قوله تعالى وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ .. ] من قوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ قال ابن كثير: يقول ﵎ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أي: ما قدر المشركون الله حق قدره حين عبدوا معه غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه القادر على كل شئ المالك لكل شئ وكل شئ تحت قهره وقدرته، قال مجاهد: نزلت في قريش، وقال السّدّي ما عظموه حق تعظيمه، وقال محمد بن كعب: لو قدروه حق قدره ما كذبوه. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم، فمن آمن أن الله على كل شئ قدير فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره، وقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة، والطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف. قال البخاري: قوله تعالى وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول أنا الملك، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الخبر ثم قرأ رسول الله ﷺ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ الآية ورواه البخاري أيضا في غير هذا الموضع من صحيحه والإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي في التفسير من سننهما عن ابن مسعود ﵁ بنحوه. وروى الإمام أحمد عن عبد الله ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم أبلغك أن الله تعالى يحمل الخلائق على إصبع، والسموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع؟ فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، قال: وأنزل الله وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إلى آخر الآية، وهكذا رواه البخاري ومسلم والنسائي وروى الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: مر يهودي برسول الله ﷺ وهو جالس فقال: كيف تقول يا أبا القاسم يوم يجعل الله السماء

стр. 4655

على ذه- وأشار بالسبابة- والأرض على ذه والجبال على ذه وسائر الخلق على ذه- كل ذلك يشير بأصابعه- قال: فأنزل الله وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ الآية، وكذا رواه الترمذي في التفسير، وقال: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه: البخاري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «يقبض الله تعالى الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض» تفرد به من هذا الوجه ورواه مسلم من وجه آخر. وروى البخاري في موضع آخر عن نافع عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ قال «إن الله ﵎ يقبض يوم القيامة الأرضين على إصبع وتكون السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك» تفرد به أيضا من هذا الوجه ورواه مسلم من وجه آخر، وقد رواه الإمام أحمد من طريق أخرى بلفظ آخر أبسط من هذا السياق وأطول عن مقسم عن ابن عمر ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ورسول الله ﷺ يقول: هكذا بيده يحركها يقبل بها ويدبر «يمجد الرب نفسه أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز أنا الكريم» فرجف برسول الله ﷺ المنبر حتى قلنا ليخرن به، وقد رواه مسلم والنسائي وابن ماجه، ولفظ مسلم عن عبيد الله بن مقسم في هذا الحديث أنه نظر إلى عبد الله بن عمر ﵄ كيف يحكي النبي ﷺ قال: يأخذ الله ﵎ سماواته وأرضه بيده ويقول: أنا الملك، ويقبض أصابعه ويبسطها أنا الملك حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شئ منه حتى إني لأقول أساقط هو برسول الله ﷺ ؟. وروى البزار عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية على المنبر وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ حتى بلغ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ فقال المنبر هكذا، فجاء وذهب ثلاث مرات والله أعلم. ورواه الإمام الحافظ أبو القاسم الطبراني من حديث عبيد بن عمير عن عبد الله بن عمرو ﵄ وقال: صحيح. وروى الطبراني في المعجم الكبير عن جرير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لنفر من أصحابه ﵃ «إني قارئ عليكم آية من آخر سورة الزمر فمن بكى منكم وجبت له الجنة» فقرأها ﷺ من عند وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إلى آخر السورة فمنا من بكى، ومنا من لم يبك فقال الذين لم يبكوا: يا رسول الله لقد جهدنا أن نبكي فلم نبك، فقال ﷺ «إني سأقرؤها عليكم فمن لم يبك فليتباك» هذا حديث غريب

стр. 4656

جدا وأغرب منه ما رواه في المعجم الكبير أيضا عن الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله تعالى يقول: ثلاث غيبتهن عن عبادي لو رآهنّ رجل ما عمل بسوء أبدا: لو كشفت غطائي فرآني حتى استيقن، ويعلم كيف أفعل بخلقي إذا أتيتهم، وقبضت السموات بيدي، ثم قبضت الأرضين ثم قلت: أنا الملك من ذا الذي له الملك دوني، فأريهم الجنة وما أعددت لهم فيها من كل خير، فيستيقنوها، وأريهم النار وما أعددت لهم فيها من كل شر، فيستيقنوها، ولكن عمدا غيبت ذلك عنهم، لأعلم كيف يعملون وقد بينته لهم» وهذا إسناد متقارب وهي نسخة تروى بها أحاديث جمة، والله أعلم. ٧ - [كلام عن النفخ في الصور بمناسبة آية وَنُفِخَ فِي الصُّورِ .. ] عند قوله تعالى وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ قال ابن كثير: (هذه النفخة هي الثانية، وهي نفخة الصعق، وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السموات والأرض، إلا من شاء الله كما جاء مصرحا به مفسرا في حديث الصور المشهور، ثم يقبض أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم الذي كان أولا وهو الباقي آخرا بالديمومة والبقاء ويقول لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ثلاث مرات ثم يجيب نفسه بنفسه فيقول لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ أنا الذي كنت وحدي وقد قهرت كل شيء، وحكمت بالفناء على كل شئ، ثم يحيي أول من يحيي إسرافيل، ويأمره أن ينفخ في الصور أخرى، وهي النفخة الثالثة: نفخة البعث، قال الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ أي: أحياء بعد ما كانوا عظاما ورفاتا، صاروا أحياء ينظرون إلى أهوال يوم القيامة، كما قال تعالى: فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ* فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (النازعات: ١٣، ١٤) وقال : يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (الإسراء: ٥٢) وقال جل وعلا وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (الروم: ٢٥) روى الإمام أحمد عن يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود قال: سمعت رجلا قال لعبد الله بن عمرو ﵄: إنك تقول الساعة تقوم إلى كذا وكذا، قال: لقد هممت أن لا أحدثكم شيئا، إنما قلت: سترون بعد قليل أمرا عظيما، ثم قال عبد الله بن عمرو ﵄: قال رسول الله ﷺ : «يخرج الدجال في أمتي، فيمكث فيهم أربعين، لا أدري أربعين يوما، أو أربعين شهرا، أو أربعين عاما، أو أربعين ليلة، فيبعث الله تعالى عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام، كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيظهر فيهلكه الله تعالى، ثم يلبث الناس بعده سنين سبعا ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله تعالى ريحا

стр. 4657

باردة من قبل الشام، فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، حتى أن لو كان أحدهم كان في كبد جبل لدخلت عليه» قال: سمعتها من رسول الله ﷺ «ويبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا، قال: فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون، فيأمرهم بعبادة الأوثان فيعبدونها وهم في ذلك دارة أرزاقهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا، وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه فيصعق، ثم لا يبقى أحد إلا صعق، ثم يرسل الله تعالى، أو ينزل الله مطرا كأنه الظل- أو الطل شك نعمان- فتنبت منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: أيها الناس هلموا إلى ربكم وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ- قال- ثم يقال أخرجوا بعث النار، فيقال: كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فيومئذ تبعث الولدان شيبا، ويومئذ يكشف عن ساق» انفرد بإخراجه مسلم في صحيحه (حديث أبي هريرة ﵁ وروى البخاري عن أبي صالح قال: سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يحدث عن النبي ﷺ قال: «ما بين النفختين أربعون» قالوا: يا أبا هريرة أربعون يوما؟ قال رضي الله تعالى عنه: أبيت، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيت ويبلى كل شئ من الإنسان إلا عجب ذنبه فيه يركب الخلق). ٨ - [كلام عن كيفية استقبال أهل الجنة بمناسبة آية وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا .. ] عند قوله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها قال ابن كثير: «وقد ورد في حديث الصور أن المؤمنين إذا انتهوا إلى أبواب الجنة تشاوروا فيمن يستأذن لهم في الدخول، فيقصدون آدم، ثم نوحا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم محمدا ﷺ وعليهم أجمعين، كما فعلوا في العرصات عند استشفاعهم إلى الله أن يأتي لفصل القضاء، ليظهر شرف محمد ﷺ على سائر البشر في المواطن كلها. وقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أنا أول شفيع في الجنة» وفي لفظ لمسلم «وأنا أول من يقرع باب الجنة». وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «آتي باب الجنة يوم القيامة أستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد- قال- فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك» ورواه مسلم عن أنس ﵁ به. وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أول

стр. 4658

زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون فيها، ولا يتغوّطون فيها، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة، ومجامرهم الألوّة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب واحد، يسبحون الله تعالى بكرة وعشيا» ورواه البخاري ومسلم. وروى الحافظ أبو يعلى عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على ضوء أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوّطون ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء» وأخرجاه أيضا من حديث جرير، وروى الزهري: عن سعيد عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال «يدخل الجنة من أمتي زمرة وهم سبعون ألفا تضئ وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر» فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال «اللهم اجعله منهم» ثم قام رجل من الأنصار فقال يا رسول الله ادع الله تعالى أن يجعلني منهم فقال ﷺ «سبقك بها عكاشة» أخرجاه وقد روى هذا الحديث في السبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين وابن مسعود ورفاعة بن عرابة الجهني وأم قيس بنت محصن ﵃، ولهما عن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا أو سبعمائة ألف، آخذ بعضهم ببعض، حتى يدخل أولهم وآخرهم الجنة، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر» وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «وعدني ربي أن يدخل في الجنة من أمتي سبعين ألفا مع كل ألف سبعون ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب، وثلاث حثيات من حثيات ربي » ورواه الطبراني. عن عيينة بن عبد السلمى «ثم مع كل ألف سبعين ألفا» ويروى مثله عن ثوبان وأبي سعيد الأنماري وله شواهد من وجوه كثيرة وقوله تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ لم يذكر الجواب هاهنا، وتقديره: حتى إذا جاءوها وكانت هذه الأمور من فتح الأبواب لهم إكراما وتعظيما، وتلقتهم الملائكة الخزنة بالبشارة والسلام والثناء، كما تلقى الزبانية الكفرة بالتثريب

стр. 4659

والتأنيب، فتقديره: إذا كان هذا سعدوا وطابوا وسروا وفرحوا بقدر كل ما يكون لهم فيه نعيم، وإذا حذف الجواب هاهنا ذهب الذهن كل مذهب في الرجاء والأمل، ومن زعم أن الواو في قوله ﵎: وَفُتِحَتْ أَبْوابُها واو الثمانية واستدل به على أن أبواب الجنة ثمانية فقد أبعد النجعة وأغرق في النزع، وإنما يستفاد كون أبواب الجنة ثمانية من الأحاديث الصحيحة. وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أنفق زوجين من ماله في سبيل الله تعالى دعي من أبواب الجنة وللجنة أبواب، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان» فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه يا رسول الله ما على أحد من ضرورة دعي من أيها دعي، فهل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال ﷺ : «نعم وأرجو أن تكون منهم» رواه البخاري ومسلم من حديث الزهري ينحوه وفيهما من حديث أبي حازم سلمة بن دينار عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة ثمانية أبواب» باب منها يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون». وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء» وروى الحسن بن عرفة عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مفتاح الجنة لا إله إلا الله». فصل: في ذكر سعة أبواب الجنة وبعض ما أعد الله فيها: في الصحيحين من حديث أبي زرعة عن أبي هريرة ﵁ في حديث الشفاعة الطويل «فيقول الله تعالى: يا محمد أدخل من لا حساب عليه من أمتك من الباب الأيمن، وهم شركاء الناس في الأبواب الأخر، والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة ما بين عضادتي الباب لكما بين مكة وهجر- وفي رواية- مكة وبصرى». وفي صحيح مسلم عن عتبة بن غزوان أنه خطبهم خطبة فقال فيها: ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام، وفي المسند عن حكيم ابن معاوية عن أبيه رضي الله

стр. 4660

عنه عن رسول الله ﷺ مثله، وروى عبد بن حميد عن أبي سعيد ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إن ما بين مصراعين في الجنة مسيرة أربعين سنة». وقوله ﵎: وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ أي: طابت أعمالكم وأقوالكم، وطاب سعيكم، وطاب جزاؤكم كما أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن ينادى بين المسلمين في بعض الغزوات «إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة- وفي رواية- مؤمنة» وقوله فَادْخُلُوها خالِدِينَ أي: ماكثين فيها أبدا لا يبغون عنها حولا وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ أي: يقول المؤمنون إذا عاينوا في الجنة ذلك الثواب الوافر، والعطاء العظيم، والنعيم المقيم، والملك الكبير، يقولون عند ذلك الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ أي: الذي كان وعدنا على ألسنة رسله الكرام كما دعوا في الدنيا رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (آل عمران: ١٩٤) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ (سورة الأعراف: ٤٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ* الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (سورة فاطر: ٣٤، ٣٥) وقولهم وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ. قال أبو العالية وأبو صالح وقتادة والسدي وابن زيد: أي: أرض الجنة، فهذه الآية كقوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (الأنبياء: ١٠٥) ولهذا قالوا نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ أي: أين شئنا حللنا، فنعم الأجر أجرنا على عملنا. وفي الصحيحين من حديث الزهري عن أنس ﵁ في قصة المعراج قال النبي ﷺ : «أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك». وروى عبد بن حميد عن أبي سعيد ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ سأل ابن صائد عن تربة الجنة فقال: در مكة بيضاء مسك خالص فقال رسول الله ﷺ : «صدق». ورواه مسلم أيضا عن أبي سعيد ﵁ قال: إن ابن صائد سأل رسول الله ﷺ عن تربة الجنة فقال «در مكة بيضاء مسك خالص». وروى ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب ﵁ في قوله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً قال: سيقوا حتى انتهوا إلى باب من أبواب الجنة فوجدوا عندها شجرة يخرج من تحت ساقها عينان فعمدوا إلى إحداهما فتطهروا منها، فجرت عليهم نضرة النعيم، فلم تغير أبشارهم بعدها أبدا، ولم تشعث أشعارهم أبدا بعدها كأنما دهنوا بالدهان، ثم عمدوا إلى الأخرى كأنما
следующие страницы →