← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الاتزان. ولما يترتب على شربها من أخطاء وجرائم. ولما يترتب على شربها من نقصان أوقات الصحو للعبادة ولإقامة الدنيا. ولما في الميسر من خراب البيوت، وتحطيم الأعصاب، ووجود العداوة. وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ومنافع الخمر من حيث إن فيها أحيانا بعض النفع للجسد في بعض حالاته، وفيها لذة لمن اعتادها، وفيها مصالح اقتصادية في الزرع والتسويق والتجارة. ومنافع الميسر مثل ارتفاق الفقراء، ونيل المال بلا تعب، وقيام كثير من المؤسسات عليها وقد يستفيد من ذلك خلق كثير. وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما. فإذا قورنت المنافع بالمضار الآثمة فإن المضار أكثر. والذي يقول هذا هو الله المحيط علما بكل شئ والذي وحده يملك الحكم الخالي من كل نقص، أو جهل. وهكذا ينتهي الجواب عند هذا الحد. فكانت هذه الآية ممهدة لتحريم الخمر والميسر على البتات. ولم تكن مصرحة بل معرضة. ولكنه التعريض الكافي لرفع الهمم إلى تركها، ولإشعار المسلم بالمكان الأردأ لهاتين القضيتين. إذ ذكر الإثم مشعر بالخطإ ولكن بما يترتب عليهما، وبما تحتويانه. فأصحاب الشرب والقمار، يقترفون فيهما الآثام من وجوه كثيرة. ومن ثم يأثم متعاطيهما قبل التحريم القطعي. فمن الذي يستطيع أن يشرب الخمر، ويلعب الميسر، ولا يفعل أثرا محرما من آثارهما؟! فوائد: [١ - ان الميسر نقل للملكية غير معقول] ١ - إن الميسر نقل للملكية غير معقول. فإن تنتقل الملكية بضربة نرد، أو باستقرار رقم، أو ما أشبه ذلك. فذلك كله غير معقول في نقل الملك. لأنه لم يرافقه مقابل. ثم إن الميسر يتساقط حوله، وحول مؤسساته آلاف من الناس، يربحون دون أن يقدموا إنتاجا حقيقيا للأمة. ٢ - صفة الميسر في الجاهلية: قال النسفي: (كانت لهم عشرة أقداح: سبعة منها عليها خطوط، وهي: الفذ وله سهم. والتوأم: وله سهمان. والرقيب: وله ثلاثة، والحلس: وله أربعة. والنافس: وله خمسة، والمسبل: وله ستة، والمعلى: وله سبعة وثلاثة أغفال لا نصيب لها. وهي: المنيح، والسفيح، والوغد. فيجعلون الأقداح في خريطة، ويضعونها على يد عدل. ثم يجلجلها، ويدخل يده، ويخرج باسم رجل، قدحا قدحا منها. فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح. ومن خرج له قدح مما لا نصيب له لم يأخذ شيئا، وغرم ثمن الجزور كله. وكانوا يدفعون تلك

стр. 492

الأنصباء إلى الفقراء، ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك. ويذمون من لم يدخل فيه). فأنت تلاحظ من صفة الميسر هذه أن ما يسمى باليانصيب اليوم الذي قد يكون قسم منه للفقراء، والقسم الكبير منه يذهب إلى المؤسسات، وإلى من يربح من أصحاب بعض الأرقام. هو من الميسر المحرم. وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ: الْعَفْوَ. أخرج ابن أبي حاتم أن معاذ بن جبل، وثعلبة ﵄ أتيا رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول ﷺ ، إن لنا أرقاء وأهلين من أموالنا. فأنزل الله: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ: الْعَفْوَ. والسؤال هنا- والله أعلم- عن مقدار ما ينفقون، وما يتركونه لأنفسهم. فكان الجواب أن ينفقوا ما فضل عن مقدار حاجة أنفسهم وأهليهم. فلا ينفق الإنسان ما يجهده، أو يجهد أهله، ثم يقعد يسأل الناس. روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: (قال رجل يا رسول الله! عندي دينار. قال: «أنفقه على نفسك». قال: عندي آخر. قال: «أنفقه على أهلك». قال: عندي آخر. قال: «أنفقه على ولدك». قال: عندي آخر. قال: «فأنت أبصر»). وفي صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ : «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى. واليد العليا خير من اليد السفلى. وابدأ بمن تعول». وهل الأمر بإنفاق العفو كان فرضا في أول الإسلام ثم نسخت الفريضة بآية الزكاة، وبقي إنفاق العفو على الندب؟. قاله ابن عباس، ولم يذكر النسفي غيره. أو أن الأمر بإنفاق العفو كان مندوبا في الأصل، وبقي على الندب ثم جاءت آية الزكاة لتحدد المفروض؟. أو أن الأمر بإنفاق العفو كان فرضا، وجاءت آية الزكاة لتحدد هذا العفو الواجب، فآية الزكاة إذن مبينة؟. قاله مجاهد وغيره. قال ابن كثير: وهو أوجه، وعلى كل حال، فالزكاة هي فريضة المال، وفي المال واجبات أخرى. ويبقى إنفاق ما زاد عن الحاجة نافلة. وفي الحديث: «ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك. ولا تلام على كفاف». كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ* فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ: أي مثل هذا التبيين المار بينه الله لكم لعلكم تتفكرون فيما يتعلق بالدارين. فتأخذون بما هو أصلح لكم، أو تتفكرون في الدارين، فتؤثرون أبقاهما، وأكثرهما منافع. فصار المعنى العام: كما فصل لكم هذه الأحكام، وبينها، وأوضحها، كذلك يبين لكم سائر الآيات في أحكامه، ووعده، ووعيده، لعلكم تتفكرون في شأن الدنيا، وفنائها. وأنها دار بلاء، ثم دار فناء. وإقبال الآخرة، وبقائها. وأنها دار جزاء، ثم دار بقاء فتعلمون

стр. 493

فضل الآخرة على الدنيا، وتؤثرون الآخرة عليها. نفهم من هذا أن من حكم نزول القرآن العظيم بآياته كلها، إثارة تفكير الإنسان. فمن لم يستثر القرآن تفكيره في أمر الدنيا والآخرة، فإنه لا يكون قد حقق الحكمة من هذا البيان الواضح في القرآن. وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى، قُلْ: إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. عن ابن عباس قال: لما نزلت: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (سورة الأنعام) وإِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً. (سورة النساء) انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه. فجعل يفضل له الشئ من طعامه فيحبس له حتى يأكله، أو يفسد. فاشتد ذلك عليهم. فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ . فأنزل الله: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى، قُلْ: إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ... رواه أبو داود والنسائي. المعنى الحرفي: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى ... أي: عن مخالطتهم في الطعام والشراب، بجعل الطعام والشراب مشتركا بين اليتيم ووصيه، وأمثال ذلك. والجواب قُلْ: إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ: أي مداخلتهم على وجه الإصلاح خير لهم ولأموالهم وخير من مجانبتهم ويحتمل أن يكون المراد بالإصلاح عزل طعامهم وشرابهم على حدة. وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ: أي وإن خلطتم طعامكم بطعامهم، وشرابكم بشرابهم فلا بأس عليكم، لأنهم إخوانكم في الدين. قالت عائشة: «إني لأكره أن يكون مال اليتيم عندي على حدة حتى أخلط طعامه بطعامي، وشرابه بشرابي». وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ: لأموالهم. مِنَ الْمُصْلِحِ: لها. أي: يعلم من قصده ونيته الإفساد، أو الإصلاح، فيجازيه على حسب مداخلته، فاحذروه. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ: العنت هو المشقة، والحرج. أي: لو شاء الله لضيق عليكم، وأحرجكم. ولكنه وسع عليكم، وخفف عنكم، وأباح لكم مخالطتهم بالتي هي أحسن. بل جوز الأكل منه للفقير بالمعروف، إما بشرط ضمان البدل، لمن أيسر، أو مجانا، كما سيأتي بيانه في سورة النساء. إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ. أي: غالب. يقدر أن يعنت عباده ويحرجهم إن شاء ويعاقبهم إن خالفوا في الدنيا وفي الآخرة. حَكِيمٌ: لا يكلف عباده إلا وسعهم.

стр. 494

كلمة في السياق: ما الصلة بين الأسئلة الثلاثة، والآيات التي قبلها مباشرة؟. إن المجموعة التي سبقت هذه الأسئلة كان موضوعها الرئيسي هو القتال. وآخر آية منها تحدثت عن الهجرة والجهاد. ادرس ظواهر الهجرة في العالم، تجد أنها تنتشر بسببها عادتا شرب الخمر، والميسر، ثم هي تحتاج إلى أعلى درجات الإنفاق. وتجد كثرة اليتامى أثناءها. وادرس حياة الجند، وقضايا القتال تجد أن القتال يحتاج إلى أعلى درجات الإنفاق. وأن اليتامى يكثرون بسبب القتال، وأن أكثر جنود العالم يسكرون ويقامرون فإن تأتي هذه الأسئلة، ويجاب عليها في هذا السياق، فلذلك أسبابه الكثيرة. وكنا ذكرنا من قبل، أن الموضوع الرئيسي للقسم الثالث كله في مقطعيه هو الدخول في الإسلام كله. ومن ثم نعرف سر ذكر الأسئلة في هذا السياق، والإجابة عليها. فإذا جاءت فريضة القتال في هذا السياق، أو جاء التمهيد لتحريم الخمر. أو جاءت الإباحة لمخالطة اليتامى. فكل ذلك جامعه أنه من الإسلام الذي يأمر السياق بالدخول فيه كله. فصول شتى: فصل في أن الإسلام هو السلام: يلاحظ أن قوله ﷻ : ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً قد فسر في أنه أمر بالدخول في الإسلام. وسنرى أنه في أكثر من مكان في القرآن يعبر عن الإسلام؛ بالسلام. كقوله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً (سورة النساء) أي: لا تقولوا لمن قال لكم لا إله إلا الله، لست مؤمنا. وفي ذلك دليل على أنه لا سلام إلا بهذا الإسلام. صحيح أن الإسلام فرض القتال على المسلمين، وأن الجهاد في الإسلام هو بذل الجهد في القتال من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا. ولكن ذلك كله من أجل أن يعم السلام العالم. فعند ما تكون كلمة الله هي العليا في العالم كله. عندئذ يتحقق السلام على هذه الأرض في صوره كلها. السلام في محيط الأسرة، والسلام في نفس الفرد، والسلام بين المسلمين وغير المسلمين ممن يعيشون في ظل الدولة المسلمة، والسلام بين العامل ورب العمل، والسلام بين الحاكم والمحكوم، وذلك لا يكون إلا إذا كانت كلمة الله هي الحاكمة. وكلمة الله حق وعدل. فالله كلف كل إنسان أن يدخل في الإسلام ليحقق السلام في ذاته، وكلف المسلمين أن يخضعوا العالم لكلمة الله ليتم السلام بانتصار الإسلام.

стр. 495

فصل في الحذر من الدراسات الموجهة في شأن الأديان: رأينا قوله تعالى: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ورأينا اتجاهات المفسرين فيها. وبهذه المناسبة نحب أن نشير إلى نقطة مهمة هي: إن الغالبية العظمى من الدارسين في الآثار، والباحثين عن الديانات، والمشتغلين بالمقارنة بين الأديان، ينطلقون من نظرة مسبقة. وعلى ضوء ذلك يبحثون، ويحللون، ويعللون. وأسوأ هؤلاء أصحاب الفكر الشيوعي. فهؤلاء ينطلقون من نظريتهم في التطور التاريخي ليضعوا الأحداث في بوتقتها. فليست المكتشفات، ولا الآثار، ولا الروايات هي التي توجه النظرية، أو المقارنة بل كل شئ يكتشف هو لصالح هذه النظرية. ومن ثم فإن علينا أن نكون حذرين جدا ونحن نقرأ كل دراسة للتاريخ القديم، وكل دراسة مقارنة للأديان. الفقرة الثانية من المقطع الأول من القسم الثالث: تتألف هذه الفقرة من خمس آيات. من الآية (٢٢١) إلى نهاية الآية (٢٢٥) وهذه هي: [سورة البقرة (٢): الآيات ٢٢١ الى ٢٢٥] وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١) وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣) وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)

стр. 496

كلمة في الفقرة: رأينا أن قسما من الفقرة السابقة كان بمثابة المقدمة للقسم كله. وكان قسم منها فيه تكليف عليه طابع الفعل بينما هذه الفقرة عليها طابع الترك في التكليف. فهي تنهى عن نكاح المشركين، والمشركات. وتنهى عن جماع الزوجة في الحيض. وتنهى عن إتيان المرأة في دبرها. وتنهى أن تكون الأيمان حائلا دون البر والإصلاح. فإذا كانت الفقرة الأولى فى أجواء: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً فهذه الفقرة في أجواء: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ. ولو أنك فتشت عن نهي يسبق قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا .. يمكن أن تربط به هذا النهي فإنك تجد أول نهي على نفس الوزن هو: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ. ولكن حتى قوله تعالى: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ جاء بعد الأمر بالدخول في شرائع الإسلام كلها. ولذلك، فإن هذه الفقرة تعرض علينا مجموعة من شرائع الإسلام في موضوع النكاح، والحياة الزوجية، والأيمان. وفيها نهيان، وسؤال وجوابه، وقاعدة. أما النهيان: فلهما صلة بموضوع تحريم الزواج بأهل الشرك، وبموضوع اتخاذ الأيمان حائلا دون البر والإصلاح. وأما السؤال: فحول علاقة الرجل بزوجته في فترة الحيض. وأما القاعدة: فحول الوظيفة الحياتية بين الرجال والنساء. والصلة بين آيات الفقرة سنراها. والصلة بين النهي الأول، وقضايا القتال، من حيث إن القتال قد يوجد تطلعات عند أصحابه للزواج بالمشركات، أو لتزويج المشركين. وعلى كل فكما قلنا فإن الفقرة آتية في سياق الدخول في شرائع الإسلام كلها فهي تفصيل لبعض هذه الشرائع. ولنبدأ تفسير الفقرة. وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا

стр. 497

وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ. أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. هذا تحريم من الله على المؤمنين أن يتزوجوا المشركات، أو يزوجوا المشركين. والحكمة في ذلك، أن معاشرة أهل الشرك ومخالطتهم تبعث على حب الدنيا واقتنائها وإيثارها على الدار الآخرة. والله يريد بشرعه، وبما أمر ونهى أن يسير المؤمنون في طريق الجنة، والمغفرة. فعلى المؤمن أن يكون متذكرا يقظا. إذ لم تنزل الآيات وتبين إلا لهذا. المعنى الحرفي: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ أي: لا تتزوجوهن. حَتَّى يُؤْمِنَّ أي: إلا إذا آمن وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ أي: لعبدة رقيقة مؤمنة. خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ: أي: أحسن من حرة مشركة، ولو كان الحال أن المشركة تعجبكم، وتحبونها. وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ أي: ولا تزوجوا المشركين بمسلمة حَتَّى يُؤْمِنُوا أي: حتى يدخلوا في الإسلام وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أي: ولرجل مؤمن ولو كان عبدا رقيقا خير من مشرك، وإن كان رئيسا، سريا. أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ هذه حكمة التحريم. والإشارة في أُولئِكَ إلى المشركين والمشركات. والمعنى أن أهل الشرك يدعون إلى الكفر والدنيا فقط. وذلك عمل أهل النار. فحقهم ألا يوالوا، وألا يصاهروا. أما المؤمنون، وهم أولياء الله. فإنهم دعاة إلى الجنة، والمغفرة، وما يوصل إليها. فهم الذين تجب موالاتهم، ومصاهرتهم. إذ إنهم هم الذين يدعون إلى ما يدعو الله له من الجنة، والمغفرة بأمر الله، وبعلمه. وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أي: يتعظون. فوائد: ١ - غير المسلم، مشرك. النصارى أشركوا، واليهود أشركوا، والمجوس مشركون والبراهمة والبوذيون، وكل أصحاب دين غير الإسلام. وكذلك الملحدون، وشرك الملحدين من باب أنهم أعطوا المادة والطبيعة، صفات الله. فهي عندهم الخالقة، والرازقة، والمحيية، والمميتة، وهكذا. وقد حرم الله على المسلمين نكاح المشركات جميعا إلا يهودية، أو نصرانية بقوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ. (سورة المائدة) ولكنه حرم على المسلمة أن تتزوج إلا من

стр. 498

مسلم. قال رسول الله ﷺ : «نتزوج نساء أهل الكتاب، ولا يتزوجون نساءنا». قال ابن جرير: (وهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه، فالقول به، لإجماع الجميع من الأمة عليه). وقد حكى ابن جرير أن الإجماع منعقد على إباحة تزوج الكتابيات وقال: وإنما كره عمر ذلك لئلا يزهد الناس بالمسلمات. وروي عن شقيق قال: (تزوج حذيفة يهودية. فكتب إليه عمر: خل سبيلها. فكتب إليه: أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها؟. فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعافوا المؤمنات منهن). قال ابن جرير: وهذا إسناد صحيح. فإذا اتضح هذا. فهل ذكر المشركين والمشركات في الآيات هنا خاص بغير أهل الكتاب؟ أو أنه يدخل فيه أهل الكتاب، ثم أخرج منهم أهل الكتاب بآية المائدة؟ قولان للعلماء. ولا يترتب على هذا الخلاف عمل. والحكمة- والله أعلم- في تحريم الزواج بالمشركة، وحله بالكتابية، أن الكتابية تؤمن بالله، واليوم الآخر، نوع إيمان على خلاف المشركة. والحكمة في تحريم غير المسلم على المسلمة، أن الزواج نوع سيادة. ولا سيادة لكافر على مسلم، أو مسلمة. ٢ - فى الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها. فاظفر بذات الدين تربت يداك». وفي صحيح مسلم، عن جابر، عن رسول الله ﷺ : «الدنيا متاع؛ وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة». ٣ - لا يجوز نكاح المرتدة عن الإسلام. ولا يجوز تزويج المرتد. وهذه قضية دقيقة في عصرنا. فلا بد لراغب الزواج، أو التزويج أن يتأكد من عدم وجود نوع من أنواع الردة. ٤ - ذكر السدي سببا لنزول قوله تعالى: وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ. قال: نزلت في عبد الله بن رواحة. كانت له أمة سوداء. فغضب عليها، فلطمها. ثم فزع، فأتى رسول الله ﷺ فأخبره خبرها. فقال له: «ما هي». قال: تصوم، وتصلي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. فقال: «يا أبا عبد الله هذه مؤمنة». فقال: والذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها. ففعل. فطعن عليه ناس من المسلمين. وقالوا: نكح أمته. وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين وينكحوهم رغبة في أحسابهم. فأنزل الله: وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ. وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ.

стр. 499

وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ، قُلْ: هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ. فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ: روى الإمام أحمد عن أنس: أن اليهود كانت إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت (أي لا يجتمعون بها أصلا) فسأل أصحاب النبي ﷺ النبي ﷺ فأنزل الله : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ .. الآية فقال رسول الله ﷺ «اصنعوا كل شئ إلا النكاح». المعنى الحرفي: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ أي: عن الأحكام التي تترتب على الحيض. وتعريف الحيض في كتب الحنفية: «دم يخرج من رحم آدمية تم لها من العمر تسع سنين فأكثر، ولا داء بها، ولا حبل، ولم تبلغ خمسا وخمسين سنة. وأقله ثلاثة أيام بلياليها، وأكثره عشرة أيام بلياليها. والناقص عن أقله، والزائد عن أكثره، أو على العادة، وجاوز أكثره: استحاضة». والجواب: قُلْ: هُوَ أَذىً أي: شئ يستقذر ويؤذي من يقرب صاحبته، ويؤذيها اقترابه. فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ أي: فاجتنبوا مجامعتهن وَلا تَقْرَبُوهُنَّ: مجامعين، أو ولا تقربوا مجامعتهن حَتَّى يَطْهُرْنَ: أي: حتى ينقطع الحيض وتغتسل، أو تتيمم من عذر. قال ابن كثير: (وقد اتفق العلماء على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا تحل حتى تغتسل بالماء، أو تتيمم إن تعذر ذلك عليها بشرطه إلا أن أبا حنيفة ﵀ يقول: فيما إذا انقطع دمها لأكثر الحيض- وهو عشرة أيام عنده- إنها تحل بمجرد الانقطاع. ولا تفتقر إلى غسل) اه. ونضيف أنه عند الحنفية إذا انقطع لأقل من عشرة، لا يجوز وطؤها حتى تغتسل، أو يمضي عليها وقت صلاة بعد الطهر ولم تغتسل. فَإِذا تَطَهَّرْنَ: أي بالماء، أو بما ينوب منابه فَأْتُوهُنَّ: أي فجامعوهن. والأمر هنا للندب. وهو إرشاد إلى غشيانهن بعد الطهر. مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ. أي: في الفرج، ولا تعدوه إلى غيره. وفيه دلالة على تحريم الوطء في الدبر. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ أي: من الذنب، وإن تكرر غشيانه. فالتواب هو الذي يتوب مرة، فمرة، فمرة، كلما تكرر ذنب، أحدث له توبة. وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ المتنزهين عن الأقذار، والأذى، أو المتطهرين بالماء، أو المتنزهين من أدبار النساء. أو من الجماع في الحيض. أو من الفواحش، أو من هذا كله.

стр. 500

فوائد: ١ - يخطئ بعض الناس، فيظن أن الطهر من الحيض هو انقطاع الدم، وعدم ظهوره في الخارج. والواقع أنه قد لا يظهر الدم في الخارج، ولا يكون طهر. فالعبرة هي في الانقطاع الفعلي من الداخل. وعلامة ذلك أن تدخل المرأة القطن في داخل فرجها. فإذا خرج عليه الطهر الخالص، أو لم يظهر عليه شئ أصلا عندئذ تكون قد طهرت. ٢ - قال ابن كثير: (ثم ذهب كثير من العلماء، أو أكثرهم إلى أنه يجوز مباشرة الحائض فيما عدا الفرج). قال النسفي: (ثم عند أبي حنيفة، وأبي يوسف: يجتنب ما اشتمل عليه الإزار. ومحمد ﵀ لا يوجب إلا اعتزال الفرج). روى أبو داود عن عمارة بن غراب أن عمة له حدثته أنها سألت عائشة قالت: إحدانا تحيض وليس لها ولزوجها فراش إلا فراش واحد قالت: أخبرك بما صنع رسول الله ﷺ . دخل فمضى إلى مسجده- قال أبو داود: تعني مسجد بيتها- فما انصرف حتى غلبتني عيني. فأوجعه البرد. فقال: «ادني مني». فقلت: إني حائض. فقال: «اكشفي عن فخذيك. فكشفت فخذي. فوضع خده وصدره على فخذي. وحنيت عليه حتى دفئ ونام ﷺ ». وعن مسروق قال: قلت لعائشة: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضا؟. قالت: كل شئ إلا الجماع. والذين ذهبوا إلى أنه لا يحل إلا ما فوق الإزار أدلة، مأخذهم أنه حريم الفرج، فهو حرام لئلا يتوصل إلى تعاطي ما حرم الله، الذي أجمع العلماء على تحريمه. وهو المباشرة في الفرج. ومن أدلتهم ما ورد في الصحيحين عن ميمونة قالت: «كان النبي ﷺ إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه، أمرها فأتزرت وهي حائض»، هذا لفظ البخاري. ٣ - من أتى امرأته وهي حائض، فقد أثم. وعليه التوبة، والاستغفار. وهل يلزمه مع ذلك كفارة أو لا؟. فيه قولان، أحدهما: نعم، لما رواه الإمام أحمد وأهل السنن عن ابن عباس عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض يتصدق بدينار، أو نصف دينار. وفي لفظ للترمذي: «إذا كان دما أحمر فدينار. وإن كان دما أصفر فنصف دينار». وللإمام أحمد أن رسول الله ﷺ جعل في الحائض نصاب دينار. فإن أصابها وقد أدبر الدم عنها ولم تغتسل فنصف دينار. والقول الثاني- وهو الصحيح- من

стр. 501

مذهب الشافعي. وقول الجمهور: أنه لا شئ فى ذلك. بل يستغفر الله . لأنه لم يصح عندهم رفع هذا الحديث. فإنه قد روي مرفوعا كما تقدم، وموقوفا، وهو الصحيح عند كثير من أئمة الحديث. ٤ - ويحل مضاجعتها، ومواكلتها بلا خلاف. قالت عائشة: (كان رسول الله ﷺ يأمرني فأغسل رأسه، وأنا حائض. وكان يتكئ في حجري وأنا حائض. فيقرأ القرآن). وفي الصحيح: (كنت أتعرق العرق «العرق هو العظم إذا كان عليه لحم»، وأنا حائض فأعطيه النبي ﷺ فيضع فمه في الموضع الذي وضعت فمي فيه. وأشرب الشراب فأناوله فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب منه). وقالت: (كنت أنا ورسول الله ﷺ في الشعار الواحد، وأنا حائض، طامث. فإن أصابه مني شئ غسل مكانه. لم يعده «أي لم يتجاوزه»، وصلى فيه). وأما ما رواه أبو داود عن عائشة أنها قالت: (كنت إذا حضت، نزلت عن المثال «الفراش» على الحصير. فلم تقرب رسول الله ﷺ ولم تدن منه حتى تطهر). فهو محمول على التنزه، والاحتياط. نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ. هذا بيان وتوضيح لقوله تعالى: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أي: إن المأتى الذي أمركم الله به هو مكان الحرث لا مكان الفرث، تنبيها على أن المطلوب الأصلي في الإتيان هو طلب الأولاد، لا قضاء الشهوة فحسب. فلا تأتوهن إلا من المأتى الذي نيط به هذا المطلوب. المعنى الحرفي: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ أي: نساؤكم مواضع حرث لكم. وهذا مجاز، شبهه بالمحارث تشبيها لما يلقى في أرحامهن من النطف التي فيها النسل- بالبذور والولد بالنبات. فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ أي: جامعوهن متى شئتم، أو كيف شئتم، باركة، أو مستلقية، أو مضطجعة بعد أن يكون المأتى واحدا. وهو موضع الحرث. وهو تمثيل. أي فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم. لا يحظر عليكم جهة دون جهة. وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ما يجب تقديمه من الأعمال

стр. 502

الصالحة، وما هو خلاف ما نهيتم عنه، أو هو طلب الولد، أو التسمية على الوطء، أو القبلة والمداعبة قبل الجماع. وَاتَّقُوا اللَّهَ: بعدم اجترائكم على مناهيه. وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ أي: صائرون إليه، فمحاسبكم على أعمالكم جميعا، فاستعدوا للقائه. وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ: أي بما أعد الله لهم في الآخرة. سبب نزول هذه الآية: عن جابر بن عبد الله قال: إن اليهود قالوا للمسلمين: من أتى امرأة وهي مدبرة جاء الولد أحول. فأنزل الله: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ. قال ابن جريج في الحديث: فقال رسول الله ﷺ : «مقبلة ومدبرة، إذا كان ذلك في الفرج». أخرجه ابن أبي حاتم. وعن ابن عباس: (كان هذا الحي من الأنصار وهم أهل وثن مع هذا الحي من يهود وهم أهل كتاب- وكانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم. فكانوا يقتدون كثيرا من فعلهم. وكان من أمر أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف. وذلك أستر ما تكون المرأة. فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم. وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحا منكرا. ويتلذذون بهن مقبلات، ومدبرات، ومستلقيات. فلما قدم المهاجرون المدينة، تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار. فذهب يصنع بها ذلك. فأنكرته عليه، وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف، فاصنع ذلك، وإلا فاجتنبني. فسرى أمرهما، فبلغ رسول الله ﷺ فأنزل الله: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ .. أي: مقبلات، ومدبرات، ومستلقيات. يعنى بذلك موضع الولد). قال ابن كثير: تفرد به أبو داود، ويشهد له بالصحة ما تقدم من الأحاديث. ولا سيما رواية أم سلمة. فإنها مشابهة لهذا السياق. وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: (جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله: هلكت. قال: «ما الذي أهلكك؟» قال: حولت رحلي البارحة. قال: فلم يرد عليه شيئا. قال: فأوحى الله إلى رسول الله ﷺ هذه الآية: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ .... أقبل، وأدبر، واتق الدبر والحيضة). ورواه الترمذي من طريق آخر وقال: حسن غريب. روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: أنزلت هذه الآية: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ في أناس من الأنصار، أتوا النبي ﷺ فسألوه؟. فقال النبي ﷺ «ائتها على كل حال إذا كان في الفرج».

стр. 503

فوائد: ١ - عن حفصة أم المؤمنين: أن امرأة أتتها فقالت: إن زوجي يأتيني مجبية ومستلقية، فكرهته. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «لا بأس إذا كان في صمام واحد». عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «استحيوا. إن الله لا يستحيي من الحق. لا يحل أن تأتوا النساء فى حشوشهن». روى الإمام أحمد أن النبي ﷺ قال: «الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطية الصغرى». وروى الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ : «لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها». وروى الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ : «ملعون من أتى امرأته في دبرها». وإتيان النساء في أدبارهن حرام. أجمع على ذلك الأئمة الأربعة بالنقول الثابتة عنهم. وما عدا ذلك فمردود. ٢ - إن ما بين قوله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ. وما بين الآية قبلها: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ... وما بين النص قبله ارتباط واضح. فوقت الحيض ليس أوان بذار. والمشركة ليست أرضا صالحة للبذرة الصالحة. ٣ - ورد معنا في تفسير الآية الأخيرة أنه مما فسر به قوله تعالى: وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ: التسمية قبل الجماع. وقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال باسم الله. اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا. فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك، لم يضره الشيطان أبدا». ٤ - ورد في هذه الفقرة قوله تعالى عن الحيض: هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ ... وقوله تعالى: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ. وقوله تعالى: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ. وهذا كله من الكنايات اللطيفة، والتعريضات المستحسنة عما لا ينبغي التصريح به إلا في حالة الضرورة. فعلى كل مسلم أن يتأدب بها. ويتكلف مثلها في المحاورات، والمكاتبات.

стр. 504

٥ - يلاحظ في هذا السياق المبدوء ب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً .. أنه قد جاء حتى الآن- ولا يوجد بعدها غيرها- ستة مرات، يسألونك. ثلاث مرات بلا واو. ثم مع الواو ثلاثا. قال النسفي في تعليل ذلك: (لأن سؤالهم عن تلك الحوادث الأول كأنه وقع في أحوال متفرقة. فلم يؤت بحرف العطف. لأن كل واحد من السؤالات، سؤال مبتدأ. وسألوا عن الحوادث الأخر في وقت واحد. فجيء بحرف الجمع لذلك. ٦ - أيهما أشد حرمة: إتيان الرجل زوجته في فرجها وهي حائض أو نفساء؟. أو إتيانها في دبرها؟ المسألة خلافية. والقائلون بأن إتيان الحائض في الفرج أشد حرمة قالوا: لو أن رجلا ازداد شبقه، ولم يجد سبيلا إلى صرف شهوته لا بتبطين، ولا تفخيذ، فإنه يأتي زوجته في دبرها، ولا يأتيها في فرجها أثناء حيضها، أو نفاسها. والحرمة واقعة، والاستغفار واجب. ولنعد إلى السياق: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ* لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ. هذا معنى جديد في سياق الأمر بالدخول في شرائع الإسلام كافة. وهو بيان لجزء من شرائع الله في موضوع الأيمان. ومجيئه بين الكلام عن النكاح، والطلاق واضح الحكمة، لأن الطلاق نوع يمين، ولأن حلف الإنسان في حياته الأسرية كثير. المعنى العام: يقول تعالى: لا تجعلوا أيمانكم بالله تعالى مانعة لكم من البر وصلة الرحم، إذا حلفتم على تركها. ثم بين الله أنه لا يعاقبنا، ولا يلزمنا بما صدر منا من الأيمان اللاغية، ولكن يؤاخذنا على ما تعمدنا من الإثم في الأيمان. المعنى الحرفي: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ: العرضة فعلة، بمعنى مفعول. وهي اسم ما تعرضه دون الشئ. فيتعرض دونه، ويصير حاجزا، ومانعا منه. تقول: فلان

стр. 505

عرضة دون الخير. كان الرجل يحلف ألا يفعل بعض الخيرات من صلة رحم أو إصلاح ذات البين، أو إحسان إلى أحد، ثم يقول: أخاف الله أن أحنث في يميني. فيترك البر، إرادة أن يبر في يمينه. فقيل لهم: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أي حاجزا لما حلفتم عليه. والمقصود باليمين في الآية المحلوف عليه. وإنما سمي يمينا لتلبسه باليمين. كقوله ﷺ : «من حلف على يمين- أي على محلوف عليه- فرأى غيرها خيرا منها، فليكفر عن يمينه». فصار المعنى: ولا تجعلوا اسم الله مانعا لكم عن ما حلفتم عليه من أن تفعلوا البر، أو تتقوا .. أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ: هذا بيان للأمور المحلوف عليها. والتي لا ينبغي أن يبر الإنسان بيمينه إذا حلف ألا يفعلها: البر، والتقوى والإصلاح بين الناس. ويدخل في البر والتقوى كل شرائع الإسلام. ويدخل في الإصلاح بين الناس كل بذل جهد يؤلف بين القلوب على الحق. وذهب بعضهم إلى أن اللام لِأَيْمانِكُمْ للتعليل وعلى هذا يكون معنى الآية: ولا تجعلوا الله لأجل أيمانكم به مانعا لأن تبروا، وتتقوا، وتصلحوا بين الناس. إذ فعلكم هذا قلب لما ينبغي. فالله يريد ممن آمن به أن يندفع في البر والتقوى، والإصلاح بين الناس وهذه هي ثمرة الإيمان بالله. فإذا فعلتم غير هذا، قلبتم الحقائق. وَاللَّهُ سَمِيعٌ لأيمانكم. عَلِيمٌ: بنياتكم. لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ اللغو: هو ما لا يعتد به من كلام، وغيره. ولغو اليمين: هو الذي لا يعتد به في باب الأيمان. وتعريفه عند الحنفية: أن يحلف الرجل على شئ يظنه على ما حلف. والأمر بخلافه. وعند الشافعية: هو ما يجري على لسانه من غير قصد للحلف. نحو: لا والله، وبلى والله. ومعنى النص: لا يعاقبكم الله بلغو اليمين الذي يحلفه أحدكم. وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ أي: ولكن يعاقبكم بما اقترفته قلوبكم من إثم القصد إلى الكذب في اليمين. وهو أن يحلف على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله، وهو اليمين الغموس، التي تغمس صاحبها في النار. وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ: حيث لم يؤاخذكم باللغو في أيمانكم. وحيث يقبل التوبة النصوح عن أي ذنب. فوائد: ١ - قال الحنفية: الأيمان ثلاثة: غموس، ومنعقدة، ولغو، فالغموس أن يحلف كاذبا عمدا. ولا كفارة فيها إلا التوبة والاستغفار. واللغو: أن يحلف على أمر يظنه كذلك، وليس كذلك. والمنعقدة: أن يحلف على مستقبل آت. وهذا القسم فيه الكفارة إن حنث فيه: فاللغو لا إثم فيها، ولا كفارة. ولكن الأدب أن لا يحلف. قال

стр. 506

الشافعي: ما حلفت بالله كاذبا ولا صادقا. والمنعقدة فيها الكفارة كما سنرى في سورة المائدة إن شاء الله. والغموس فيها الإثم. والواجب فيها: التوبة فقط عند الحنفية، والتوبة والكفارة عند الشافعي. تعلق الإمام الشافعي بوجوب الكفارة بالآية المارة آنفا. لأن كسب القلب: العزم، والقصد. والمؤاخذة غير مبينة هنا. وبينت في المائدة. فكان السياق ثمة بيانا هنا. ورد الحنفية: بأن المؤاخذة هنا مطلقة، وهي في دار الجزاء. والمؤاخذة ثم مقيدة بدار الابتلاء، فلا يصح حمل البعض على البعض. ٢ - في الصحيحين عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف فقال في حلفه: باللات، والعزى. فليقل: لا إله إلا الله». قال ابن كثير: (فهذا قاله لقوم حديثي عهد بجاهلية، قد أسلموا، وألسنتهم قد ألفت ما كانت عليه من الحلف باللات من غير قصد. فأمروا أن يتلفظوا بكلمة الإخلاص، كما تلفظوا بتلك الكلمة من غير قصد، لتكون هذه بهذه). ٣ - رأينا أن ليمين اللغو تعريفا عند الشافعية وآخر عند الحنفية. ومدار التعريفين على كلام عائشة، ﵁ ومن وافقها. قالت عائشة في إحدى الروايات عنها في تعريف اللغو: هو الشئ يحلف عليه أحدكم لا يريد منه إلا الصدق، فيكون على غير ما حلف عليه. وفي رواية أخرى: هو قوله: والله، وهو يرى أنه صادق، ولا يكون كذلك. ٤ - وفي حديث مرسل عن الحسن، إسناده حسن. قال: «مر رسول الله ﷺ بقوم ينتضلون- يعني يرمون- ومع رسول الله ﷺ رجل من أصحابه. فقام رجل من القوم فقال: أصبت والله، وأخطأت والله. فقال الذي مع النبي ﷺ للنبي ﷺ : حنث الرجل يا رسول الله؟ قال: «كلا أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة». ٥ - أخرج أبو داود عن سعيد بن المسيب: أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة. فقال: إن عدت تسألني عن القسمة مالي في رتاج الكعبة. فقال له عمر: إن الكعبة غنية من مالك. كفر عن يمينك، وكلم أخاك. سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب ، ولا في قطيعة الرحم، ولا فيما لا تملك». ٦ - روى البخاري عن رسول الله ﷺ قال: «والله لأن يلج أحدكم بيمينه في

стр. 507

أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه». وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ قال: «إني والله- إن شاء الله- لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير، وتحللتها». وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لعبد الرحمن بن سمرة: «يا عبد الرحمن بن سمرة: لا تسأل الإمارة. فإنك إن أعطيتها من غير مسألة، أعنت عليها. وإن أعطيتها عن مسألة، وكلت إليها. وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها، فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك». وفي صحيح مسلم عنه ﷺ قال: «من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها، فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير». كلمة في الفقرة الثانية وسياقها: منعت هذه الفقرة من نكاح المشركات والمشركين. وحضت على نكاح المؤمنين والمؤمنات. وبالنكاح يوجد وضع ما بين الزوجين. ومن ثم تحدثت الفقرة عن حرمة الوطء في الحيض، وحله بعد الطهر والتطهر حقيقة، أو حكما. وبينت الفقرة أنه متى اجتنب الإنسان الحيض والدبر، فإن أي وضعية من وضعيات الجماع، تحل له. وفي هذا السياق الذي فيه كلام عن أنواع الطهارة، والذي يتحدث عن أمور هي من مكامن الضعف البشري. جاء قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ. وفي الحياة الزوجية، والعائلية، تكثر الأيمان. والحياة الزوجية معرضة للفساد ومن ثم جاءت آيتان في الأيمان. ثم تأتي فقرة لاحقة، تبدأ بكلام عن نوع من الأيمان، يؤثر على الحياة الزوجية، وهو ما يسمى بالإيلاء كما سنرى إن شاء الله. ثم ينتقل السياق إلى الكلام عن الطلاق، وصلة ذلك ببعضه لا تخفى: فصول شتى: فصل في الأسرة: رأينا في الفقرة السابقة بعضا مما له علاقة في موضوع الأسرة في الإسلام. والفقرة السابقة واللاحقة تشكلان بعضا من دستور الأسرة في الإسلام. وفي هذا المقام، عن موضوع الأسرة يقول صاحب الظلال. والأسرة هي المحضن الطبيعي الذي يتولى حماية الفراخ الناشئة ورعايتها، وتنمية أجسادها وعقولها وأرواحها، وفي ظله تلتقي

стр. 508

مشاعر الحب والرحمة والتكافل، وتنطبع بالطابع الذي يلازمها مدى الحياة، وعلى هديه ونوره تتفتح للحياة وتفسر الحياة وتتعامل مع الحياة. والطفل الإنساني هو أطول الأحياء طفولة. تمتد طفولته أكثر من أي طفل آخر للأحياء الأخرى. ذلك أن مرحلة الطفولة هي فترة إعداد وتهيؤ وتدريب للدور المطلوب من كل حي باقي حياته. ولما كانت وظيفة الإنسان هي أكبر وظيفة. ودوره في الأرض هو أضخم دور .. امتدت طفولته فترة أطول، ليحسن إعداده وتدريبه للمستقبل .. ومن ثم كانت حاجته لملازمة أبويه أشد من حاجة أي طفل لحيوان آخر. وكانت الأسرة المستقرة الهادئة ألزم للنظام الإنساني وألصق بفطرة الإنسان وتكوينه ودوره في هذه الحياة. وقد أثبتت التجارب العملية أن أي جهاز آخر غير جهاز الأسرة لا يعوض عنها، ولا يقوم مقامها، بل لا يخلو من أضرار مفسدة لتكوين الطفل وتربيته، وبخاصة نظام المحاضن الجماعية التي أرادت بعض المذاهب المصطنعة المتعسفة أن تستعيض بها عن نظام الأسرة في ثورتها الجامحة الشاردة المتعسفة ضد النظام الفطري الصالح القويم، الذي جعله الله للإنسان. أو التي اضطرت بعض الدول الأوروبية اضطرارا لإقامتها، بسبب فقدان عدد كبير من الأطفال لأهليهم في الحرب الوحشية المتبربرة، التي تخوضها الجاهلية الغربية المنطلقة من قيود التصور الديني، والتي لا تفرق بين المسالمين والمحاربين في هذه الأيام، أو التي اضطروا إليها بسبب النظام المشئوم الذي يضطر الأمهات إلى العمل، تحت تأثير التصورات الجاهلية الشائهة للنظام الاجتماعي والاقتصادي المناسب للإنسان. هذه اللعنة التي تحرم الأطفال حنان الأمهات ورعايتهن في ظلل الأسرة، لتقذف بهؤلاء المساكين إلى المحاضن التي يصطدم نظامها بفطرة الطفل وتكوينه النفسي، فيملأ نفسه بالعقد والاضطرابات .. وأعجب العجب أن انحراف التصورات الجاهلية ينتهي بناس من المعاصرين إلى أن يعتبروا نظام العمل للمرأة تقدما وتحررا وانطلاقا من الرجعية، وهو هو هذا النظام الملعون، الذي يضحي بالصحة النفسية لأعلى ذخيرة على وجه الأرض .. الأطفال .. رصيد المستقبل البشري .. وفي مقابل ماذا؟ في مقابل زيادة في دخل الأسرة. أو في مقابل إعالة الأم، التي بلغ من جحود الجاهلية الغربية والشرقية المعاصرة وفساد نظمها الاجتماعية والاقتصادية أن تنكل عن إعالة المرأة التي لا تنفق جهدها في العمل، بدل أن تنفقه في رعاية أعز رصيد إنساني وأغلى ذخيرة على وجه الأرض. ومن ثم نجد النظام الاجتماعي الإسلامي، الذي أراد الله به أن يدخل المسلمون في السلم، وأن يستمتعوا في ظله بالسلام الشامل ... يقوم على أساس الأسرة، ويبذل لها

стр. 509

من العناية ما يتفق مع دورها الخطير .. ومن ثم نجد في سور شتى من القرآن الكريم تنظيمات قرآنية للجوانب والمقومات التي يقوم عليها هذا النظام. وهذه السورة واحدة منها. فصل في نكاح غير المسلمات: عند قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ، ذكر القرطبي الاتجاهات الفقهية في مجموعة مسائل لها صلة في نكاح غير المسلمات. فبالنص أن المشركة لا يجوز نكاحها وكذلك المشرك، وبالنص في سورة المائدة أبيح لنا نكاح الكتابيات فتعينت حرمة نكاح المسلمة من مشرك وجاز نكاح المسلم من الكتابية. قال القرطبي بعد أن نقل قول ابن عمر في عدم جواز نكاح الكتابية: قال النحاس: (وهذا قول خارج عن قول الجماعة الذين تقوم بهم الحجة، لأنه قد قال: بتحليل نكاح أهل الكتاب من الصحابة، والتابعين جماعة، منهم: عثمان، وطلحة، وابن عباس، وجابر، وحذيفة، ومن التابعين: سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، وطاوس، وعكرمة، والشعبي، والضحاك؛ وفقهاء الأمصار عليه). قال القرطبي: (واختلف العلماء في نكاح إماء أهل الكتاب. فقال مالك: لا يجوز نكاح الأمة الكتابية ... وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجوز نكاح إماء أهل الكتاب). قال القرطبي: (واختلفوا في نكاح نساء المجوس. فمنع مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وإسحاق من ذلك. وقال ابن حنبل: لا يعجبني .. وقال ابن القصار: قال بعض أصحابنا: يجب على أحد القولين، أن لهم كتابا أن تجوز مناكحتهم). وقال القرطبي: (وروى ابن وهب عن مالك أن الأمة المجوسية لا يجوز أن توطأ بملك اليمين. وكذلك الوثنيات، وغيرهن من الكافرات. وعلى هذا جماعة العلماء، إلا ما رواه يحيى بن أيوب عن ابن جريج عن عطاء وعمرو بن دينار أنهما سئلا عن نكاح الإماء المجوسيات؟. فقالا: لا بأس بذلك .. ) وأطال القرطبي برد هذا القول. ومما مر ندرك أن الإجماع منعقد على حرمة تزويج المسلمة بكافر، وندرك دليلة: وهو أن النص حرم زواج المسلمة بالمشرك ولم يأت مخصص ولا ناسخ. فصل في النكاح بولي: من المعارك الفقهية، معركة هل يجوز للمرأة البالغة أن تزوج نفسها بغير ولي. ومن

стр. 510

حجج القائلين بالمنع قوله تعالى: وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا. فقد أسند النكاح إلى الأولياء. ومن حجج المجيزين أن هناك آيات أسندت النكاح إلى المرأة: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ. وكل من الطرفين وجه حجج الآخر. وهو موضوع سيمر معنا تفصيلا في كتاب (الأساس في السنة وفقهها) إن شاء الله. وممن ذهب إلى الجواز: أبو حنيفة. قال القرطبي: (وكذلك كان أبو حنيفة يقول: «إذا زوجت المرأة نفسها كفؤا، بشاهدين، فذلك نكاح جائز». وهو قول زفر. وإن زوجت نفسها غير كفء، فالنكاح جائز، وللأولياء أن يفرقوا بينهما). فصل في النكاح عند الحنفية: الزواج عند الحنفية أفضل من التفرغ للعبادة. وهو واجب عندهم متى تاقت نفس الإنسان للجماع. وفريضة إن تيقن الإنسان أنه سيقع في الزنا إن لم يتزوج. وسنة حال الاعتدال. ومكروه لخوف الجور. وحرام إن تيقن من نفسه الجور. ويتم بإيجاب، وقبول بالألفاظ المعتمدة لذلك، بحضور شاهدين، حرين. أو حر، وحرتين، مكلفين، سامعين قولهما معا، فاهمين أنه نكاح مسلم لنكاح مسلمة كما صح نكاح مسلم ذمية عند ذميين، ولو مخالفين لدينها. فلو قال مسلم بالغ عاقل لمسلمة بالغة عاقلة: زوجيني نفسك على مهر قدره كذا. فقالت: زوجتك. وكان الشاهدان حاضرين، وسمعا كلام الطرفين، انعقد العقد. فصل في سبب الحيض ومدته: الحيض عند المرأة سببه عدم تلقيح البويضة عند الأنثى. فالبويضة إذا لم تأتها النطفة تنفجر. ويتسبب عن ذلك خروج هذا الدم المعروف. وواضح أن المرأة خلال فترة حيضها ليست جاهزة للحمل. بل لا تحمل المرأة إلا في الطهر. ومن ثم ربط جواز وطئها فيه، على أن المنع من الوطء حال الحيض له أكثر من حكمة. أولها عدم نظافة المحل. وهذا بعض ما حمل عليه المفسرون كلمة الأذى في قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ. قُلْ: هُوَ أَذىً. فالأذى على هذا الاتجاه نفسي، عملي. ولكن الأمر فيما يبدو أوسع من ذلك. فالنساء اللواتي يأتيهن أزواجهن في الحيض يشتكين من آلام، وأوجاع كثيرة. فالأذى حاصل للزوج. وحاصل للمرأة على اختلاف في نوع الأذى، ودرجته، وطبيعته عند كل من الرجل والمرأة. وأقل الحيض عند الشافعية والحنابلة يوم. وأكثره خمسة عشر يوما. فما نقص عن يوم، أو زاد عن خمسة عشر

стр. 511

يوما فهو استحاضة عندهم. وقال الحنفية: أقله ثلاثة أيام. وأكثره عشرة أيام. فما نقص عن الثلاثة أيام فليس حيضا. وما زاد عن عشرة فهو استحاضة. وإذا كان لها عادة فاستمر معها الدم حتى جاوز العشرة. فما زاد عن عادتها فهو استحاضة أما إذا لم يتجاوز العشرة فكله حيض. وعند المالكية تفصيلات يرجع إليها في كتبهم. الفقرة الثالثة في المقطع الاول من القسم الثالث: وتمتد هذه الفقرة من الآية (٢٢٦) إلى نهاية الآية (٢٤٢) وهذه هي: [سورة البقرة (٢): الآيات ٢٢٦ الى ٢٤٢] لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨) الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخافا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢) وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤) وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥) لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧) حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)

стр. 512

كلمة في هذه الفقرة وسياقها: من الكلام عن الأيمان إلى الحديث عن الإيلاء: وهو يمين في قضية خاصة هو: أن يحلف الإنسان ألا يقرب زوجته أربعة أشهر، أو أكثر على خلاف في ذلك، إلى الكلام عن الطلاق، إلى الكلام عن الوفاة وهما الصورتان الرئيسيتان لتصفية الحياة الزوجية ثم العودة إلى ذكر صور في الطلاق، ثم كلام عن الصلاة، ثم عودة إلى حديث الوفاة والطلاق. ثم تأتي خاتمة الفقرة. وبهذه الفقرة، والفقرة السابقة يستكمل الحديث عما له علاقة في شئون الأسرة. نكاح، فحياة زوجية، فاستقرار، ففراق بطلاق أو موت. فإن كان طلاق فكيف تصفى الحياة الزوجية؟ .. وإن كان موت فما العمل؟ .. وهناك صور يتم فيها الطلاق قبل الدخول أصلا .. فما العمل؟. وفي هذا السياق يأتي أمر بالصلاة حال الأمن والخوف. مما تستشعر به أن أحكام الإسلام لا تقوم، ولا تقام إلا بصلاة. ثم تختتم الفقرة بعودة إلى قضية الوفاة والطلاق. فتذكير بنعمة الله علينا بالبيان. تبدأ الفقرة بقوله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ... ثم بعد سياق طويل يأتي قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ... ثم بعد سياق طويل يتأتي قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ... فكأن الآيتين معطوفتان على قوله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ ... مما يشعر أن السياق واحد، وأن الحديث عن الطلاق والوفاة سياقه واحد، وفقرته واحدة. وفيما بين قوله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ .... وقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ.* الأولى يأتي قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ .. ثم بعد سياق طويل يأتي قوله تعالى: وَالْوالِداتُ ... فتصفية الحياة الزوجية لا تقتصر على إنهاء الزواج. وإنما تبين الآيات كيف يكون حال الأولاد الرضع. وفي الفقرة كلام عن الخلع، وعن العودة إلى الزوج الأول، وشروطها وعن زواج المرأة من آخر إذا توفى زوجها، وغير ذلك من المواضيع التي تفصل في أمور الحياة الزوجية وتصفيتها، وغير ذلك من شئون سنراها تفصيلا. فلنبدأ تفسير الفقرة: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ*

стр. 513

وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. هاتان الآيتان تأتيان بعد آيتي الأيمان، وقبل الآيات التي تفصل أحكام الطلاق، وصلتهما بما قبلهما واضحة. فما قبلهما كلام عن الأيمان. وهاهنا حديث عن نوع خاص من الأيمان: وهو حلف الرجل ألا يقرب زوجته مدة ما. والكلام عن هذا النوع من الأيمان يوصل إلى الكلام عن الطلاق الذي ستفصل أحكامه بعد هاتين الآيتين. وهذا كله يأتي ضمن السياق الذي يدعو إلى الدخول في شرائع الإسلام كلها. وعدم اتباع خطوات الشيطان في أي أمر. الإيلاء: الإيلاء: الحلف. فإذا حلف الرجل أن لا يجامع زوجته مدة، فلا يخلو إما أن يكون أقل من أربعة أشهر، أو أكثر منها؟ فإن كانت أقل، فله أن ينتظر انقضاء المدة، ثم يجامع امرأته. وعليها أن تصبر. وليس لها مطالبته بالفيئة في هذه المدة. ومن آيتي الأيمان السابقة ندرك أنه يستحب له أن يكفر عن يمينه ويفيء فأما إن زادت المدة على أربعة أشهر، فهل تقع بمضي الأربعة أشهر تطليقة بائنة؟ أو تطليقة رجعية؟ أو لا يقع طلاق، وللزوجة مطالبة الزوج عند انقضاء أربعة أشهر إما أن يفئ- أي يجامع- وإما أن يطلق. فيجبره الحاكم على هذا، أو هذا. لئلا يضر بها؟. ثلاثة أقوال للعلماء. ذهب الشافعي إلى الأخير. وعلى هذا كثير من الصحابة، والتابعين. وذهب إلى الأول أبو حنيفة. وعلى هذا كثير من الصحابة، والسلف. وذهب إلى أنه تطليقة رجعية بعض التابعين. وعلى قول الشافعية تكون الطلقة رجعية، سواء طلقها هو، أو طلقها عليه الحاكم. وله رجعتها في العدة. المعنى الحرفي: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ أي: للذين يحلفون على ترك الجماع من نسائهم. تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ: ترقب أربعة أشهر. فَإِنْ فاؤُ: للعلماء قولان فيها، الأول قول الشافعية: فإن رجعوا إلى ما كانوا عليه من الجماع بعد الأربعة أشهر كان بها. وإلا فإن عليه أن يطلق، أو يطلق عليه الحاكم. والقول الثاني، قول الحنفية: فإن رجعوا إلى الوطء خلال الأربعة أشهر، ولم يصروا على ترك الوطء كان بها، وإلا فإذا استمروا على الترك أربعة أشهر فإن يمينهم يعتبر طلاقا بائنا. فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: لما سلف من التقصير في حقهن بسبب اليمين. وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ:

стр. 514

قال الحنفية: بأن استمروا على ترك الوطء، ولم يفيئوا خلال الأربعة أشهر. وقال الشافعي: بعد مضي الأربعة أشهر فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ سميع للإيلاء، عليم بالنيات. وهو وعيد على إصرارهم وتركهم الفيئة. وفي مجيء آيتي اليمين قبل هذا، عظة لمن يؤلي من زوجته أن يراجع نفسه .. فوائد: ١ - في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله ﷺ آلى من نسائه شهرا. فنزل لتسع وعشرين، وقال: «الشهر تسع وعشرون» وهذه عملية تأديبية منه ﵊ اقتصر فيها على ما يحتاجه التأديب. ٢ - في قوله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ. دليل على أن الإيلاء يختص بالزوجات، دون الإماء، كما هو مذهب الجمهور فإذا آلى من أمته فلا يترتب عليه أن تطالبه إذا انقضت مدة ما بحقوق وإذا فاء فعليه الكفارة. ٣ - على الحالف المولي إذا فاء خلال الأربعة أشهر، الكفارة. وإذا فاء بعد الأربعة أشهر على مذهب الشافعية، التكفير، لعموم وجوب التكفير على كل حالف. وهو مذهب الجمهور. وهذا إذا كان يمينه على التأبيد. أما إذا كان مؤقتا بالأربعة أشهر فلا كفارة عليه. ٤ - جعل الأربعة أشهر هي الحد في الإيلاء، دليل على أن الأربعة أشهر هي الحد بين الضرار بالمرأة بترك الجماع، وعدمه. وبهذه المناسبة يروي الفقهاء الأثر الذي رواه الإمام مالك بن أنس ﵀ فى الموطأ عن عبد الله بن دينار قال: خرج عمر بن الخطاب من الليل، فسمع امرأة تقول: تطاول هذا الليل واسود جانبه ... وأرقني أن لا خليل ألاعبه فو الله لولا الله أني أراقبه ... لحرك من هذا السرير جوانبه فسأل عمر ابنته حفصة ﵂ كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة أشهر، أو أربعة أشهر. فقال عمر: لا أحبس أحدا من الجيوش أكثر من ذلك. ٥ - فهم الشافعي أن الفاء بقوله تعالى: فَإِنْ فاؤُ للتعقيب. ومن ثم قال: الطلاق بعد مضي المدة. أما الحنفية فقالوا: إن الفاء للتفصيل، والتفصيل يعقب المفصل، كما تقول: أنا نزيلكم هذا الشهر. فإن أحمدتكم أقمت عندكم.

стр. 515

ولنعد إلى السياق: توصل هاتان الآيتان إلى مجموعة تبدأ بالآية (٢٢٨): وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ .... إلى نهاية الآية (٢٣٣) أي إلى نهاية آية: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ ... وفي هذه المجموعة كلام عن الطلاق. وعدة المطلقة، وغير ذلك. وكل ذلك يأتي ضمن السياق الذي يدعو إلى الدخول بشرائع الإسلام عامة. وقد رأينا الصلة المباشرة بين هذه المجموعة، وما قبلها مباشرة. ولنبدأ بشرح المجموعة وتفسيرها شيئا فشيئا: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. المعنى العام: هذا أمر من الله سبحانه للمطلقات المدخول بهن من ذوي الأقراء، بأن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء. أي تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء، ثم تتزوج إن شاءت. وقد أخرج الأئمة الأربعة من هذا العموم، الأمة إذا طلقت فإنها تعتد عندهم قرءين لأنها على النصف من الحرة. والقرء لا يتبعض، فكمل لها قرءان. ولما كانت الثلاثة قروء متعلقة بالحيض، ولا يعرف إلا من جهتها، ولما كانت من جملة الحكم في القروء، استبراء الرحم من الحمل، ولا يعرف إلا من جهتها فقد حرم الله على المرأة أن تكتم الحق في أمر الحيض والحبل استعجالا منها لانقضاء العدة، أو رغبة منها في تطويلها لما لها في ذلك من المقاصد. فأمرت أن تخبر بالحق في ذلك من غير زيادة ولا نقصان: ثم بين الله أن زوجها الذي طلقها أحق بردها ما دامت في عدتها إذا كان مرادا- بردها- الإصلاح والخير. وهذا في الرجعيات. وأما المطلقات البوائن فسيأتي حكمهن بعد. ثم بين الله أن للنساء من الحق على الرجال مثل ما للرجال عليهن. فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف. ولكن للرجال عليهن درجة زائدة في الفضيلة في الخلق، والمنزلة، وطاعة الأمر، والإنفاق، والقيام بالمصالح. ويفسر هذه الدرجة قوله تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ. ثم بين الله أنه عزيز في انتقامه ممن عصاه وخالف أمره، حكيم في أمره، وشرعه، وقدره.

стр. 516

المعنى الحرفي: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ: المراد بالمطلقات هنا المدخول بهن أما غير المدخول بهن فسيأتي حكمهن في سورة الأحزاب. والمراد بهن كذلك ذوات الأقراء على الخلاف في القرء. هل هو الطهر، أو الحيض؟. أما غير ذوات الأقراء ممن لا يحضن، فسيأتي حكمهن في سورة الطلاق. وقوله تعالى: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ. خبر في معنى الأمر. وأصل الكلام: ولتتربص المطلقات. وإخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر، وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله. فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص. فهو يخبر عنه وجودا. وفي ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص الذي هو الترقب، وزيادة بعث. لأن أنفس النساء طوامح إلى الرجال. فأمرن أن يقمعنها، ويغلبنها على الطموح، ويجبرنها على التربص. والقروء جمع قرء. وهو من ألفاظ الأضداد. يستعمل للحيض، ويستعمل للطهر وقد اختلف السلف والخلف، والأئمة في المراد بالأقراء على قولين. أحدهما أن المراد بها الأطهار. وهو مذهب مالك، والشافعي وكثير. والقول الثاني أن المراد بالأقراء، الحيض. وهو مذهب أبي حنيفة وأصح الروايتين عن الإمام أحمد، ومذهب كثيرين غيرهم. ويؤيد هذا ما رواه أبو داود، والنسائي أن رسول الله ﷺ قال لفاطمة بنت حبيش: «دعي الصلاة أيام أقرائك». وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ من الولد، أو دم الحيض وذلك إذا أرادت فراق زوجها، فكتمت حملها لئلا ينتظر بطلاقها أن تضع. ولئلا يشفق على الولد فيترك تسريحها. أو كتمت حيضها فقالت وهي حائض قد طهرت، استعجالا للطلاق. فكل هذا محرم عليهن. إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. لأن من آمن بالله واليوم الآخر، لا يجترئ على ارتكاب الحرام. ففي هذا تهديد لهن على خلاف الحق. ودل هذا، وما قبله على أن المرجع في هذا إليهن. لأنه أمر لا يعلم إلا من جهتهنّ. ويتعذر إقامة البينة غالبا على ذلك. فرد الأمر إليهن. وتوعدن فيه لئلا يخبرن بغير الحق. وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ أي: وأزواجهن أولى برجعتهن في مدة ذلك التربص. أي في العدة. دل هذا على أن الطلاق الرجعي لا يحرم الوطء، حيث سماه زوجا بعد الطلاق. ودل على أن الرجل إن أراد الرجعة، وأبتها المرأة، وجب إيثار قوله على قولها. وكان هو أحق بها. ولا يفهم من النص أن لها حقا في الرجعة. فالرجعة حق خالص للرجل. إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً: أي إن أراد الأزواج بالرجعة إصلاحا لما بينهم، وبينهن، وإحسانا إليهن، ولم يريدوا مضارتهن. وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ أي: ويجب لهن من الحق على

стр. 517

الرجال من المهر، والنفقة، وحسن العشرة، وترك المضارة مثل الذي يجب لهم عليهن من الأمر والنهي بالوجه الذي لا ينكر في الشرع، وعادات الناس. فلا يكلف أحد الزوجين صاحبه ما ليس له. والمراد بالمماثلة، مماثلة الواجب الواجب في كونه حسنة. لا في جنس الفعل. فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه، أو طبخت له، أن يفعل نحو ذلك. ولكن يقابله بما يليق بالرجال. قال ابن عباس: (إني لأحب أن أتزين للمرأة، كما أحب أن تتزين لي المرأة. لأن الله يقول: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ). رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ: زيادة في الحق، وزيادة في الفضيلة، بسبب القوامة عليها، وبسبب الإنفاق، وملك النكاح، وإن اشتركا في اللذة، والاستمتاع وَاللَّهُ عَزِيزٌ: لا يعترض عليه في أموره حَكِيمٌ: لا يأمر إلا بما هو صواب، وحسن. فوائد: ١ - الطلاق ثلاثة أنواع: حسن، وأحسن، وبدعي. فالأحسن أن يطلقها طلقة رجعية فقط في طهر لم يجامعها فيه ثم يتركها حتى تمضي عدتها، وهو أحسن بالنسبة لما بعده، وأما الحسن فهو أن يطلقها ثلاث تطليقات في ثلاثة أطهار لا وطء فيها، أو في ثلاثة أشهر فيمن لا تحيض، كل طلقة في شهر ولو رافقه وطء، لأن كراهة الطلاق مع الوطء فيمن تحيض لتوهم الحبل، وهو مفقود هنا عند الآيسة أو الصغيرة أو الحامل. وأما البدعي الذي يأثم فيه صاحبها فهو ما خالف الحسن والأحسن كأن يطلقها ثلاثا أو اثنتين دفعة واحدة، أو يطلقها في طهر جامعها فيه، أو طلقها وهي حائض، فتجب رجعتها لو طلقها وهي حائض، رفعا للمعصية. فإذا طهرت طلقها. ٢ - الطلاق قسمان: رجعي وبائن. والبائن قسمان: بينونة كبرى وبينونة صغرى. فالطلاق الرجعي: تبقى فيه المرأة على عصمة الرجل حتى تنقضي عدتها فيستطيع أن يراجعها في العدة بلا عقد جديد، فالطلاق الرجعي لا يحرم الوطء، وللزوج مراجعتها في العدة بغير رضاها. وتثبت الرجعة بقوله: راجعتك ورجعتك ورددتك وأمسكتك، وبكل فعل تثبت فيه حرمة المصاهرة من الجانبين، ويستحب أن يشهد على الرجعة. وأما البينونة الصغرى بحيث لا تحل له إلا بعقد جديد، فذلك كأن يطلقها قبل أن يدخل بها، أو يطلقها طلاقا رجعيا حتى انقضت عدتها أو ما استعملت فيه ألفاظ الكنايات بنية الطلاق كقوله لزوجته: هي علي حرام.

стр. 518

وأما البينونة الكبرى: فهي التي لا تحل له إلا بعد أن تتزوج زوجا غيره ثم يطلقها فتنقضي عدتها ثم يعقد عليها عقدا جديدا، وذلك كأن طلقها ثلاثا. وسيأتي في هذا التفسير مزيد بيان في شأن الطلاق وكذلك في قسم السنة من هذه السلسلة وأما الصور الكثيرة لقضايا الطلاق فمحلها في كتب الفقه. ٣ - رأينا أن القرء هو الطهر على مذهب الشافعية. فإذا طلقها زوجها في طهر، فهل يعتبر هذا الطهر من الثلاثة أطهار عنده؟. الجواب: نعم. وعلى هذا فمتى دخلت في الحيضة الثالثة، تبين من زوجها عنده. قال ابن كثير: (وأقل مدة تصدق فيها المرأة في انقضاء عدتها، اثنان وثلاثون يوما، ولحظتان). وهذا على القول بأن المراد بالقرء، الطهر. ورأينا أن القرء هو الحيض على مذهب الحنفية. فإذا طلقها زوجها وهي حائض، فهل يعتد بهذه الحيضة من الأقراء عندهم؟ الجواب: لا. فلا بد من ثلاث حيضات كاملات حتى تطهر. وعلى هذا القول، فأقل وقت تصدق فيه المرأة في انقضاء عدتها ثلاثة وثلاثون يوما ولحظة. وعلى القول بأن المراد بالقرء الحيض، فهل تبين بمجرد الطهر؟ أو حتى تطهر، ويمضي وقت تستطيع أن تغتسل فيه؟ الجواب: إن وقت الاغتسال متمم للطهر. فلو حدث أنه قد جاءها زوجها لحظة طهرها، وقبل أن يمر وقت تستطيع أن تغتسل فيه، فإنها لا زالت زوجته. ويستطيع مراجعتها. عن علقمة قال: (كنا عند عمر ﵁. فجاءته امرأة فقالت: إن زوجي فارقني بواحدة، أو اثنتين، فجاءني وقد نزعت ثيابي، وأغلقت بابي- (أي لتغتسل) - فقال عمر لعبد الله بن مسعود: أراها امرأته ما دون أن تحل لها الصلاة قال وأنا أرى ذلك). ٤ - عند قوله تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ: نقل ابن كثير حديثين يذكران بعض أوجه التقابل في الحقوق والواجبات بين الرجال والنساء هما: أ- في صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قال في خطبته في حجة الوداع: «فاتقوا الله في النساء. فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله. ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه. فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح. ولهن رزقهن، وكسوتهن بالمعروف».

стр. 519

ب- وفي حديث بهز بن حكيم عن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده أنه قال: يا رسول الله: ما حق زوجة أحدنا؟. قال: «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت». [سورة البقرة (٢): الآيات ٢٢٩ الى ٢٣٢] الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخافا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢) المعنى العام: الآية الأولى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ .. : رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته، وإن طلقها مائة مرة ما دامت في العدة. فلما كان

стр. 520

هذا فيه ضرر على الزوجات قصرهم الله إلى ثلاثة طلقات. وأباح الرجعة في المرة والثنتين. وأبانها بالكلية في الثالثة. وبين تعالى في الآية أنه لا يحل للأزواج أن يضاجروهن، ويضيقوا عليهن ليفتدين منهم بما أعطوهن من الأصدقة، أو ببعضه. ثم بين فيها أنه إذا تشاقق الزوجان، ولم تقم المرأة بحقوق الرجل، وأبغضته ولم تقدر على معاشرته، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها. ولا حرج عليها في بذله له. ولا حرج عليه في قبول ذلك منها. ثم بين الله أن هذه الشرائع التي شرعها لنا هي حدوده، فلا يصح تجاوزها ومن تعداها فإنه هو الظالم. والظالم عند الله له ما له من العذاب. ثم بين الله في الآية الثانية أنه إذا طلق الرجل امرأته طلقة ثالثة بعد ما أرسل عليها الطلاق مرتين، فإنها تحرم عليه حتى تنكح زوجا غيره. أي حتى يطأها زوج آخر في نكاح صحيح. فلو وطئها واطئ في غير نكاح، ولو في ملك اليمين لم تحل للأول، لأنه ليس بزوج. وهكذا لو تزوجت، ولكن لم يدخل بها الزوج لم تحل للأول. فإذا طلقها الزوج الثاني بعد الدخول بها فإنها تحل لزوجها الأول بعد انقضاء العدة. فإذا شاءا أن يعودا إلى الحياة الزوجية فلهما ذلك بعقد جديد. ثم بين الله في الآية، أن شرائعه، وحدوده بينها لقوم يتصفون بالعلم. أما الجاهليون، فإنهم جهلة. لا يعرفون حراما، ولا حلالا. ثم بين تعالى في الآية الثالثة للرجال أنه إذا طلق أحدهم المرأة طلاقا، له فيه رجعتها. فإما أن يمسكها. أي يرتجعها إلى عصمة نكاحه بالمعروف وهو أن يشهد على رجعتها، وينوي عشرتها بالمعروف. أو يسرحها. أي يتركها حتى تنقضي عدتها. ويخرجها من منزله بالتي هي أحسن. من غير شقاق ولا مخاصمة، ولا تقابح. ثم نهى الله عن الإمساك بقصد الإضرار. وذلك أن الرجل كان يطلق المرأة. فإذا قاربت انقضاء العدة راجعها ضرارا، لئلا تذهب إلى غيره، ثم يطلقها، فتقعد فإذا شارفت على انقضاء العدة، طلق، لتطول عليها العدة. ثم نهى الله عن التلاعب، واللعب بآيات الله بأن لا تؤخذ آيات الله وأحكامه بمنتهى الجد. ثم أمرنا تعالى أن نتذكر نعمته علينا بإرسال رسوله بالهدى والبينات وإنزاله الكتاب، والسنة يأمرنا فيهما، وينهانا، ويتوعدنا على ارتكاب المحارم. ثم أمرنا بالتقوى فيما نأتي، وفيما نذر. ثم أمرنا أن نعلم أن علم الله محيط بكل شئ. فلا يخفى عليه شئ من أمورنا السرية، والجهرية. وسيحاسبنا على ذلك. ثم يبين الله في الآية الرابعة حكم الرجل يطلق امرأته طلقة، أو طلقتين. فتنقضي عدتها، ثم يبدو له أن يتزوجها، وأن يراجعها. وتريد المرأة ذلك، فيمنعهم أولياؤها من ذلك. فنهى الله أن يمنعوها. ثم بين

стр. 521

الله فيها، أن هذا الأمر الذي نهاهم عنه. من منع الولايا أن يتزوجن أزواجهن، إذا تراضوا بينهم بالمعروف يأتمر به، ويتعظ به، وينفعل له الذي يؤمن بشرع الله، ويخاف وعيد الله، وعذابه في الدار الآخرة، وما فيها من الجزاء. ثم بين تعالى أن اتباع شرع الله في رد الموليات إلى أزواجهن، وترك الحمية في ذلك أزكى للأنفس، وأطهر للقلوب. ثم بين الله تعالى أنه يعلم من المصالح فيما يأمر به، وينهى عنه. ونحن لا نعلم الخير فيما نأتي وما نذر، إلا بتعليم الله إيانا. المعنى الحرفي للآيات: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ: روى الإمام أحمد: قال رجل: يا رسول الله: أرأيت قول الله: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فأين الثالثة؟. قال: «التسريح بالإحسان». والطلاق بمعنى التطليق. كالسلام، بمعنى التسليم، وقوله تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ أي: التطليق الشرعي، تطليقة بعد تطليقة، على التفريق، دون الجمع والإرسال دفعة واحدة. ولم يرد بالمرتين، التثنية. ولكن التكرير كقوله تعالى: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ. (سورة الملك) أي كرة بعد كرة. وهو دليل على أن الجمع بين الطلقتين والثلاث في طهر واحد بدعة لأن الله تعالى أمرنا بالتفريق فإنه وإن كان ظاهر النص الخبر، فمعناه الأمر. فصار المعنى: الطلاق مرة، فمرة. ثم إما أن يراجعها، ويمسكها بمعروف. وإما أن يطلقها الثالثة. فإذا طلقها الثالثة، بانت منه بينونة كبرى. فلا تحل له كما سنرى إلا بعد أن تتزوج من غيره، ويدخل بها، ثم يطلقها، وتنقضي عدتها. سبب النزول: في الأثر الصحيح: «كان الرجل أحق برجعة امرأته، وإن طلقها ما شاء ما دامت في العدة. وإن رجلا من الأنصار غضب على امرأته فقال: والله لا آويك، ولا أفارقك، قالت: وكيف ذلك؟. قال: أطلقك. فإذا دنا أجلك، راجعتك. ثم أطلقك. فإذا دنا أجلك راجعتك. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ . فأنزل الله : الطَّلاقُ مَرَّتانِ. قال: فاستقبل الناس الطلاق، من كان طلق. ومن لم يكن طلق». رواه عبد بن حميد في تفسيره، والترمذي، والحاكم، وابن مردويه. قال ابن عباس: (إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين، فليتق الله في ذلك- أي في الثالثة- فإما أن يمسكها بمعروف. فيحسن صحابتها، أو يسرحها بإحسان. فلا يظلمها من حقها

стр. 522

شيئا). وقد مر معنا من قبل أحسن الطلاق، والطلاق الحسن، والطلاق البدعي. ومر معنا الطلاق الرجعي، والبائن بينونة صغرى، وكبرى فلا نعيده. وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ. فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ أي: ولا يحل لكم أيها الأزواج أن تأخذوا مما أعطيتموهن من المهور شيئا إلا في حالة واحدة: وهي أن يعلم الزوجان عدم استطاعتهما إقامة حدود الله فيهما يلزمهما من واجب الزوجية بسبب من الزوجة. فعندئذ رخص الله لها أن تفتدي نفسها بدل ما أوتيت من مهر مقابل أن يخلعها. ورخص للرجل أن يأخذ. والضمير بقوله تعالى فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ يعود إلى الجماعة المسلمة المتمثلة بقضاتها، وحكامها، وأهل الرأي فيها. ودل قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ على أن طلب المرأة الخلع من غير موجب حرام عليها. وقد روى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما قوله ﷺ : «أيما امرأة سألت زوجها طلاقها من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة». وقد احتج كثير من الأئمة بقوله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ على أن الخلع لم يشرع إلا في هذه الحالة. حتى قال الأوزاعي ومالك: لو أخذ منها شيئا، وهو مضار لها، وجب رده إليها. وكان الطلاق رجعيا. قال مالك: وهو الأمر الذي أدركت الناس عليه. وذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يجوز الخلع في حال الشقاق، وعند الاتفاق، بطريق الأولى والأحرى. وهذا قول جميع أصحابه قاطبة. سبب النزول: ذكر ابن جرير أن هذا النص نزل في شأن ثابت بن قيس بن شماس، وامرأته. وهو أول خلع في الإسلام. ولنذكر روايتين عن هذه الحادثة الواردة بأسانيد كثيرة. عن ابن عباس (أن جميلة بنت سلول أتت النبي ﷺ فقالت: والله ما أعتب على ثابت بن قيس في دين، ولا خلق. ولكني أكره الكفر في الإسلام. لا أطيقه بغضا. فقال لها النبي ﷺ : «تردين عليه حديقته؟.» قالت: نعم. فأمره النبي ﷺ أن يأخذ بستانه، ولا يزداد). رواه ابن ماجه بإسناد جيد مستقيم. وروى ابن جرير عن عكرمة، عن ابن عباس: (إن أول خلع كان في الإسلام في أخت عبد الله بن أبي. أتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله: لا يجمع رأسي ورأسه شئ أبدا. إني

стр. 523

رفعت جانب الخباء فرأيته قد أقبل في عدة. فإذا هو أشدهم سوادا، وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجها. فقال زوجها: يا رسول الله! إني أعطيتها أفضل مالي. حديقة لي. فإن ردت علي حديقتي. قال: «ما تقولين؟». قالت: نعم. وإن شاء زدته. قال: ففرق بينهما). تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها: الإشارة في تِلْكَ إلى ما حد الله من أحكام سابقة في النكاح، واليمين، والإيلاء، والطلاق. ومعنى فلا تعتدوها. أي: لا تجاوزوها بالمخالفة. أي: قفوا عندها. وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ: أي يتجاوزها بعدم الوقوف عندها فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ: الذين يظلمون أنفسهم فيضرونها في الدنيا والآخرة. فوائد: ١ - من حوادث الخلع في زمن عمر ما رواه ابن جرير «أن عمر أتي بامرأة ناشز. فأمر بها إلى بيت كثير الزبل (أي حبسها به) ثم دعا بها فقال: كيف وجدت؟. فقالت: ما وجدت راحة منذ كنت عنده إلا هذه الليلة التي كنت حبستني. فقال لزوجها: اخلعها ولو من قرطها» وفي رواية «فحبسها فيه ثلاثة أيام» ومن حوادث الخلع زمن عثمان ما حدثت به الربيع بنت معوذ قالت: «كان لي زوج يقل علي الخير إذا حضرني، ويحرمني إذا غاب عني. قالت: فكانت مني زلة يوما فقلت له: أختلع منك بكل شئ أملكه؟. قال: نعم، قالت: ففعلت. قالت: فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان، فأجاز الخلع. وأمره أن يأخذ عقاص رأسي، فما دونه» أو قالت: «ما دون عقاص رأسي» ٢ - هل يجوز في الخلع أن يأخذ الرجل أكثر مما أعطاها؟ قال أصحاب أبي حنيفة: إن كان الإضرار من قبلها، جاز أن يأخذ منها ما أعطاها. ولا يجوز الزيادة عليه. فإن ازداد جاز في القضاء. وإن كان الإضرار من جهته، لم يجز أن يأخذ منها شيئا. فإن أخذ جاز في القضاء. وقال الإمام أحمد: لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها. وقال الأوزاعي: القضاة يجيزون أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها. ومذهب مالك، والشافعي أنه يجوز له أن يأخذ كل ما يتفقان عليه من كثير، أو قليل. ولو كان ما بيدها. حتى لا يترك لها سوى عقاص شعرها.

стр. 524

٣ - هل يعتبر الخلع طلاقا؟. قال الحنفية: إن الخلع تطليقة بائنة. وهو مذهب مالك، والشافعي في الجديد. ومذهب أحمد والشافعي في القديم: أن الخلع فسخ، وليس بطلاق. وعلى هذا، فمن طلق امرأته تطليقتين، ثم اختلعت منه، يجوز له أن يتزوجها. ٤ - وليس للخالع أن يراجع المختلعة في العدة بغير رضاها عند الأئمة الأربعة. واتفق الجميع على أن للمختلع أن يتزوجها في العدة. ٥ - روى النسائي في سننه عن محمود بن لبيد قال: أخبر رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا. فقام غضبان، ثم قال: «أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم». حتى قام رجل فقال: يا رسول الله: ألا أقتله؟، قال ابن كثير فيه انقطاع. ولنعد إلى الآيات: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ: أي فإن طلقها مرة ثالثة بعد المرتين، فلا تحل له من بعد التطليقة الثالثة حتى تتزوج غيره. والحكمة في ذلك، أنه لما أقدم على فراق لم يبق للندم مخلصا لم تحل له إلا بدخول فحل عليها ليمتنع من ارتكابه. ولا بد في هذا الزواج من أن يجامعها الزوج الثاني. إن هذه الإصابة شرطت بحديث العسيلة الذي سنذكره بعد قليل إن شاء الله. وقد استدل الحنفية على مذهبهم بعدم اشتراط الولي في نكاح الكبيرة بإسناد النكاح للمرأة بهذا النص حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ. فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ: أي فإن طلقها الزوج الثاني بعد الوطء فلا إثم عليهما أن يرجع كل واحد منهما إلى صاحبه الأول بالزواج متى انقضت عدتها من الثاني إن كان في ظنهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية. ولم يقل إن علما أن يقيما. لأن اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلا الله. وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ: أي وتلك شرائع الله، وأحكامه. يوضحها لقوم يفهمون ما يبين لهم. فوائد: ١ - روى الإمام أحمد عن عائشة، قالت: «دخلت امرأة رفاعة القرظي، وأنا وأبو بكر عند النبي ﷺ فقالت: إن رفاعة طلقني البتة. وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني. وإنما عنده مثل الهدبة، وأخذت هدبة من جلبابها. وخالد بن سعيد بن

стр. 525

العاص بالباب لم يؤذن له. فقال: يا أبا بكر ألا تنهى هذه عما تجهر به بين يدي رسول الله ﷺ . فما زاد رسول الله ﷺ عن التبسم: فقال رسول الله ﷺ : «كأنك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك». وكون ذوق العسيلة شرطا لصحة العودة إلى الأول مذكور في أحاديث صحيحة، وحسنة كثيرة. وليس المراد بالعسيلة المني. لما رواه الإمام أحمد والنسائي عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «ألا إن العسيلة الجماع». ٢ - وينبغي أن يكون الزوج الثاني راغبا في المرأة، قاصدا لدوام عشرتها كما هو المشروع من التزويج. فأما إذا كان الثاني إنما قصده أن يحلها للأول. فهذا هو المحلل الذي وردت الأحاديث بذمه. ومتى صرح بمقصوده في العقد، بطل النكاح عند جمهور الأئمة. روى الإمام أحمد، والنسائي عن عبد الله بن مسعود قال: (آكل الربا، وموكله، وشاهداه، وكاتبه إذا علموا به. والواصلة، والمستوصلة، ولاوي الصدقة، والمتعدي فيها، والمرتد على عقبيه أعرابيا بعد هجرته، والمحلل، والمحلل له ملعونون على لسان محمد ﷺ يوم القيامة). والأحاديث الصحيحة، والحسنة في ذم المحلل، والمحلل له كثيرة. وقد اشتد بعض الصحابة في هذا الموضوع، حتى إنهم لم يرتبوا على زواج المحلل أي أثر. وإن كان بدون تآمر بين الزوج الأول والمحلل. حتى إنهم رووا عن عثمان أنه فرق بين المحلل والزوجة. والفتوى في هذا الموضوع على مذهب الحنفية أنه إذا لم يشترط التحليل في العقد ودخل بها المحلل ثم طلقها فانقضت عدتها حلت لزوجها الأول بعقد جديد. ٣ - اختلف الأئمة- ﵏ فيما إذا طلق الرجل امرأته طلقة، أو طلقتين، وتركها حتى انقضت عدتها، ثم تزوجت بآخر. فدخل بها، ثم طلقها. فانقضت عدتها. ثم تزوجها الأول. هل تعود إليه بما بقي من الثلاث كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وهو قول طائفة من الصحابة ﵃، أو يكون الزوج الثاني قد هدم ما قبله من الطلاق. فإن عادت إلى الأول تعود بمجموع الثلاث كما هو مذهب أبي حنيفة، وأصحابه ﵏. وحجتهم أن الزوج الثاني إذا هدم الثلاث فلأن يهدم ما دونها بطريق الأولى والأحرى. وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ: أي إذا طلقتم النساء طلاقا رجعيا، فبلغن آخر عدتهن، وشارفن منتهاها، إذ الأجل يقع على المدة كلها، وعلى آخرها. فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ:

стр. 526

أي: إما أن تراجعوهن من غير رغبة ضرار بالمراجعة، أو تخلوهن حتى تنقضي عدتهن. فيبن من غير ضرار. وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا: أي ولا تمسكوهن مضارين بأن تراجعوهن لا عن حاجة، ولكن لتطولوا العدة عليهن لتظلموهن، أو لتلجئوهن إلى الافتداء. وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ: أي ومن يمسكهن ضرارا فقد ظلم نفسه بتعريضها لعقاب الله. وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً: أي جدوا بالأخذ بها، والعمل بما فيها، وارعوها حق رعايتها. وإلا فقد اتخذتموها هزوا. يقال لمن لم يجد في الأمر، إنما أنت لاعب، وهازئ. وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ: بالإسلام، وبنبوة محمد ﷺ . وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ أي: اذكروا ما أنزل الله عليكم من القرآن والسنة يذكركم به، ويخوفكم. وتذكر ذلك إنما يكون بالشكر، وبالقيام بالحق. وَاتَّقُوا اللَّهَ: فيما امتحنكم به. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ: من ذكركم، وتقواكم، واتعاظكم، وغير ذلك. وهو أبلغ وعد، ووعيد. فائدة: قال مسروق في قوله تعالى: وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً: (هو الذي يطلق في غير كنهه. ويضار امرأته بطلاقها، وارتجاعها لتطول عليها العدة). وقد فهم مسروق هذا من السياق. وقال الحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني، والربيع، ومقاتل في تفسيرها: (هو الرجل يطلق ويقول كنت لاعبا، أو يعتق، أو ينكح ويقول: كنت لاعبا. فأنزل الله: وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً فألزم الله بذلك). وروى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد. النكاح، والطلاق، والرجعة». قال الترمذي: حسن غريب. وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ: أي وإذا طلقتم النساء فانقضت عدتهن وإذا سأل سائل: لماذا فسرنا قوله تعالى: فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ في الآية السابقة بمقاربة انتهاء العدة. وهاهنا بانقضاء العدة؟. نقول: دل السياق على افتراق البلوغين. فههنا أعقب النص النكاح. وهذا يكون بعد العدة. وهناك أعقب النص الرجعة. وهذا يكون في العدة. فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ: العضل: هو المنع، والتضييق. والخطاب للأولياء الذين لا يتركون مولياتهم يتزوجن من أزواجهن الأول. وسموا أزواجا باعتبار ما كان. فصار المعنى: فلا تمنعوهن أن يتزوجن أزواجهن الأول اللائي يرغبن فيهم، ويصلحون لهن إذا تراضى

стр. 527

الخطاب والنساء، ضمن حدود المعروف، والمعروف هنا هو ما يحسن في الدين. والمروءة من شرائط ذلك. ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ: لأن الموعظة تنجح فيهم فقط ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ أي: ترك العضل والضرار أفضل، وأطيب، وأزكى لأنفسكم، وأطهر لها من أدناس الآثام. وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. ومن ثم فهو الذي يحكم، ويأمر، وينهى، ويشرع. وليس لكم شئ من ذلك فما أجهل من نازع الله حق التشريع، وحق الأمر والنهي، وحق الحكم. فوائد: ١ - استشهد كل من الشافعية والحنفية بهذه الآية على مذهبيهما المتعارضين في موضوع جواز تزويج البالغة نفسها بدون ولي، كما هو مذهب الحنفية. أو عدم جواز ذلك إلا بولي كما هو مذهب الشافعية. استشهد الحنفية بقوله تعالى: أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ. فقالوا: أسند النكاح إليها. فدل على انعقاد النكاح بعبارة النساء. وقال الشافعية: نزلت هذه الآية في الرجل، يطلق امرأته طلقة، أو طلقتين. فتنقضي عدتها، ثم يبدو له أن يتزوجها، وأن يراجعها. وتريد المرأة ذلك. فيمنعها أولياؤها من ذلك. فنهى الله أن يمنعوها. فدل ذلك عندهم على أن المرأة لا تملك أن تزوج نفسها. وأنه لا بد في النكاح من ولي. وفي الحديث: «لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها. فإن الزانية هي التي تزوج نفسها» وفي الأثر الآخر: «لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل». وبسط هذا الموضوع في الجزء الثاني من هذا الكتاب (الأساس في السنة وفقهها). ٢ - نزلت هذه الآية في معقل بن يسار المزني وأخته. وذلك أنه زوج أخته رجلا من المسلمين على عهد رسول الله ﷺ فكانت عنده ما كانت. ثم طلقها تطليقة، لم يراجعها حتى انقضت عدتها. فهويها، وهويته. ثم خطبها مع الخطاب. فقال له: يا لكع ابن لكع. أكرمتك بها، وزوجتكها فطلقتها. والله لا ترجع إليك أبدا آخر ما عليك. قال: فعلم الله حاجته إليها، وحاجتها إلى بعلها، فأنزل الله: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ إلى قوله وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. فلما سمعها معقل قال: سمعا لربي وطاعة. ثم دعاه فقال: «أزوجك، وأكرمك». رواه الترمذي، وصححه. وزاد ابن مردويه: وكفرت عن يميني.

стр. 528

٣ - فسر فقهاء الحنفية المعروف في قوله تعالى: إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ: أنه مهر المثل، والكفء. لأنه عند عدم كفاءة الرجل فللأولياء أن يعترضوا. وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما. وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. المعنى العام: في هذه الآية إرشاد من الله تعالى للوالدات أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة وهي سنتان. ثم بين على والد الطفل نفقة الوالدات، وكسوتهن بالمعروف. أي بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن من غير إسراف ولا إقتار، بحسب قدرته في يساره، أو توسطه، أو إقتاره. لأن القاعدة العامة في الشريعة الإسلامية التكليف بقدر الوسع. ثم بين الله أنه لا يجوز للمرأة أن تدفع الولد عنها، لتضر أباه بتربيته. كما لا يحل له انتزاعه منها لمجرد الضرار بها. وكما أن عدم الضرار واجب على الوالد، فكذلك الوارث، يجب عليه عدم الضرار بزوجة المتوفى. ثم يبين الله أنه إذا اتفق والدا الطفل على فطامه، قبل الحولين، ورأيا في ذلك مصلحة له، وتشاورا في ذلك، وأجمعا عليه، فلا جناح عليهما في ذلك. ثم بين الله أنه إذا اتفقت الوالدة والوالد على أن يستلم منها الولد إما لعذر منها، أو لعذر له، فلا جناح عليها في بذله، ولا عليه في قبوله منها إذا سلمها أجرتها الماضية بالتي هي أحسن. واسترضع لولده غيرها ثم أمرنا الله أن نتقيه في جميع أحوالنا، وأن نعلم أنه لا يخفى عليه شئ من أحوالنا وأقوالنا. المعنى الحرفي: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ: هذا خبر في معنى الأمر. أي وليرضع الوالدات أولادهن حولين كاملين. وهذا الأمر على وجه الندب، أو على وجه الوجوب إذا لم يقبل الصبي إلا ثدي أمه. أو لم توجد له ظئر، أو كان الأب عاجزا عن

стр. 529

الاستئجار. ومعنى كاملين: تامين. ويمكن أن يراد بالوالدات هنا، الوالدات المطلقات. وإيجاب النفقة، والكسوة، لأجل الرضاع. لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ: هذا بيان لمن توجه إليه الحكم. أي هذا الحكم لمن أراد إتمام الرضاعة. قال النسفي: والحاصل أن الأب يجب عليه إرضاع ولده دون الأم. وعليه أن يتخذ له ظئرا، إلا إذا تطوعت الأم بإرضاعه. وهي مندوبة إلى ذلك. ولا تجبر عليه. ولا يجوز استئجار الأم ما دامت زوجة، أو معتدة. وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ: أي وعلى الذي يولد له وهو الوالد، رزقهن وكسوتهن بلا إسراف ولا تقتير. وتفسيره ما يعقبه. وهو لا يكلف واحد منهما ما ليس في وسعه. ولا يتضاران. وإنما قيل على المولود له، دون الوالد، ليعلم أن الوالدات إنما ولدن لهم إذ الأولاد للآباء والنسب إليهم لا إليهن. فكان عليهم أن يرزقوهن، ويكسوهن إذا أرضعن ولدهم كالأظآر. لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها التكليف: إلزام ما يؤثر فيه الكلفة. والوسع هو، الوجد، أو قدر الإمكان. أي لا يلزم الله نفسا إلا بقدر وجدها وإمكانها. لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها لا: هنا، ناهية. أي لا تضار والدة زوجها بسبب ولدها. وهو أن تعنف به، وتطلب منه ما ليس بعدل من الرزق والكسوة، وأن تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد، وأن تقول بعد ما ألفها الصبي: اطلب له ظئرا. وما أشبه ذلك. وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ: أي: ولا يضار مولود له، امرأته بسبب ولده. بأن يمنعها شيئا مما وجب عليه من رزقها وكسوتها، أو يأخذه منها، وهي تريد إرضاعه. ويمكن أن يفهم النص لا تُضَارَّ .. فهما آخر، إذا فهمنا لا تضار، بمعنى تضر. فيكون المعنى على هذا: لا تضر والدة ولدها. فلا تسئ غذاءه، وتعهده. ولا تدفعه إلى الأب بعد ما ألفها. ولا يضر الوالد به، بأن ينتزعه من يدها، أو يقصر في حقها، فتقصر هي في حق الولد. وإنما قيل: بولدها، وبولده: لأنه لما نهيت المرأة عن المضارة، أضيف إليها الولد استعطافا لها عليه، وكذلك الوالد. وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ أي: وعلى وارث الصبي عند عدم وجود الأب، مثل الذي كان على أبيه في حياته، من الرزق والكسوة. ووارث الصبي في الأصل هو كل من يرثه لو مات. ولذلك كان مذهب ابن أبي ليلى أن نفقة الصبي على كل من يرثه. وعند الحنفية الرحم المحرم أولى به، فعليه النفقة. وعند الشافعية: النفقة على من بينه وبين الصبي ولاد إذ لا نفقة إلا بهذا عنده. فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما: أي: فإن أراد الأبوان فطاما صادرا عن تراض بينهما

стр. 530

وتشاور بينهما فلا إثم عليهما في ذلك، زادا على الحولين، أو نقصا. وهذه توسعة بعد التحديد، والتشاور استخراج الرأي. وذكر التشاور في الآية، ليكون التراضي عن تفكر. فلا يضر الرضيع. واعتبر اتفاقهما. لأن للأب التبعة والولاية. وللأم الشفقة، والعناية. ويؤخذ منه أن انفراد أحدهما بذلك دون الآخر لا يكفي. ولا يجوز لواحد منهما أن يستبد بذلك من غير مشاورة الآخر. وهذا فيه احتياط للطفل، وإلزام للنظر في أمره. وهو من رحمة الله بعباده. وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ، فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ: أي وإن أردتم حين عجز الأم، أو إبائها أن تسترضعوا المراضع أولادكم، فلا إثم عليكم إذا سلمتم هذه المراضع ما أردتم إيتاءه لهن من الأجرة بالمعروف الذي هو هنا طيب النفس، والسرور، وتسليم الأجرة للمرضع ابتداء مندوب، وليس شرط جواز. أو إذا سلمتم الأمهات أجورهن على ما مضى بالمعروف. وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ: فلا تخفى عليه أعمالكم، وهو مجازيكم بها. وهاهنا أمران. أمر بالتقوى وأمر بمعرفة الله. وهما متلازمان. فوائد: ١ - جاءت هذه الآية في سياق آيات الطلاق. فإذا فهمناها من خلال السياق. فإن الآية تكون حديثا عن موضوع لا بد من حله، وهو موضوع الولد من حيث رضاعه، وتربيته: إن الأم المطلقة من شأنها أن ترضع ولدها حولين كاملين. وفي مقابل ذلك لها النفقة. وهذه النفقة تجب لها إذا كانت زوجة، أو معتدة بحكم الزوجية. أما بعد انفصام الزوجية، فبحكم قيامها على تربية الطفل، وانحباسها من أجل مصلحته. والشورى، والرغبة الصالحة في الإحسان هما الأصل في العلاقة من أجل الطفل. وإذا مات الأب، تنتقل النفقة على من تجب نفقة الطفل عليه. وإذا حدث ما يمنع الأم من الاستمرار في الرضاع، يسلم الطفل إلى مرضع أخرى. وفي مقابل ذلك، فعلى الأب أجرة الإرضاع للمرضع الجديد. ٢ - رأينا أن التشاور بين الأب والأم في شأن الطفل واجب لتحصيل ما هو مصلحة للطفل. ونفهم من ذلك، أدبا عاما، هو أن كل ما فيه مصلحة لأكثر من إنسان، ينبغي أن تقام فيه الشورى. وتجتمع فيه الآراء. فكيف إذا كان ذلك مصلحة الإسلام، والمسلمين ومن ثم فإننا نعتبر هذه الآية أصلا في موضوع كثير من الأمور في
следующие страницы →