← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

جدا وأغرب منه ما رواه في المعجم الكبير أيضا عن الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله تعالى يقول: ثلاث غيبتهن عن عبادي لو رآهنّ رجل ما عمل بسوء أبدا: لو كشفت غطائي فرآني حتى استيقن، ويعلم كيف أفعل بخلقي إذا أتيتهم، وقبضت السموات بيدي، ثم قبضت الأرضين ثم قلت: أنا الملك من ذا الذي له الملك دوني، فأريهم الجنة وما أعددت لهم فيها من كل خير، فيستيقنوها، وأريهم النار وما أعددت لهم فيها من كل شر، فيستيقنوها، ولكن عمدا غيبت ذلك عنهم، لأعلم كيف يعملون وقد بينته لهم» وهذا إسناد متقارب وهي نسخة تروى بها أحاديث جمة، والله أعلم. ٧ - [كلام عن النفخ في الصور بمناسبة آية وَنُفِخَ فِي الصُّورِ .. ] عند قوله تعالى وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ قال ابن كثير: (هذه النفخة هي الثانية، وهي نفخة الصعق، وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السموات والأرض، إلا من شاء الله كما جاء مصرحا به مفسرا في حديث الصور المشهور، ثم يقبض أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم الذي كان أولا وهو الباقي آخرا بالديمومة والبقاء ويقول لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ثلاث مرات ثم يجيب نفسه بنفسه فيقول لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ أنا الذي كنت وحدي وقد قهرت كل شيء، وحكمت بالفناء على كل شئ، ثم يحيي أول من يحيي إسرافيل، ويأمره أن ينفخ في الصور أخرى، وهي النفخة الثالثة: نفخة البعث، قال الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ أي: أحياء بعد ما كانوا عظاما ورفاتا، صاروا أحياء ينظرون إلى أهوال يوم القيامة، كما قال تعالى: فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ* فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (النازعات: ١٣، ١٤) وقال : يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (الإسراء: ٥٢) وقال جل وعلا وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (الروم: ٢٥) روى الإمام أحمد عن يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود قال: سمعت رجلا قال لعبد الله بن عمرو ﵄: إنك تقول الساعة تقوم إلى كذا وكذا، قال: لقد هممت أن لا أحدثكم شيئا، إنما قلت: سترون بعد قليل أمرا عظيما، ثم قال عبد الله بن عمرو ﵄: قال رسول الله ﷺ : «يخرج الدجال في أمتي، فيمكث فيهم أربعين، لا أدري أربعين يوما، أو أربعين شهرا، أو أربعين عاما، أو أربعين ليلة، فيبعث الله تعالى عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام، كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيظهر فيهلكه الله تعالى، ثم يلبث الناس بعده سنين سبعا ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله تعالى ريحا

стр. 4657

باردة من قبل الشام، فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، حتى أن لو كان أحدهم كان في كبد جبل لدخلت عليه» قال: سمعتها من رسول الله ﷺ «ويبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا، قال: فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون، فيأمرهم بعبادة الأوثان فيعبدونها وهم في ذلك دارة أرزاقهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا، وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه فيصعق، ثم لا يبقى أحد إلا صعق، ثم يرسل الله تعالى، أو ينزل الله مطرا كأنه الظل- أو الطل شك نعمان- فتنبت منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: أيها الناس هلموا إلى ربكم وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ- قال- ثم يقال أخرجوا بعث النار، فيقال: كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فيومئذ تبعث الولدان شيبا، ويومئذ يكشف عن ساق» انفرد بإخراجه مسلم في صحيحه (حديث أبي هريرة ﵁ وروى البخاري عن أبي صالح قال: سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يحدث عن النبي ﷺ قال: «ما بين النفختين أربعون» قالوا: يا أبا هريرة أربعون يوما؟ قال رضي الله تعالى عنه: أبيت، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيت ويبلى كل شئ من الإنسان إلا عجب ذنبه فيه يركب الخلق). ٨ - [كلام عن كيفية استقبال أهل الجنة بمناسبة آية وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا .. ] عند قوله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها قال ابن كثير: «وقد ورد في حديث الصور أن المؤمنين إذا انتهوا إلى أبواب الجنة تشاوروا فيمن يستأذن لهم في الدخول، فيقصدون آدم، ثم نوحا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم محمدا ﷺ وعليهم أجمعين، كما فعلوا في العرصات عند استشفاعهم إلى الله أن يأتي لفصل القضاء، ليظهر شرف محمد ﷺ على سائر البشر في المواطن كلها. وقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أنا أول شفيع في الجنة» وفي لفظ لمسلم «وأنا أول من يقرع باب الجنة». وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «آتي باب الجنة يوم القيامة أستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد- قال- فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك» ورواه مسلم عن أنس ﵁ به. وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أول

стр. 4658

زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون فيها، ولا يتغوّطون فيها، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة، ومجامرهم الألوّة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب واحد، يسبحون الله تعالى بكرة وعشيا» ورواه البخاري ومسلم. وروى الحافظ أبو يعلى عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على ضوء أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوّطون ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء» وأخرجاه أيضا من حديث جرير، وروى الزهري: عن سعيد عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال «يدخل الجنة من أمتي زمرة وهم سبعون ألفا تضئ وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر» فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال «اللهم اجعله منهم» ثم قام رجل من الأنصار فقال يا رسول الله ادع الله تعالى أن يجعلني منهم فقال ﷺ «سبقك بها عكاشة» أخرجاه وقد روى هذا الحديث في السبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين وابن مسعود ورفاعة بن عرابة الجهني وأم قيس بنت محصن ﵃، ولهما عن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا أو سبعمائة ألف، آخذ بعضهم ببعض، حتى يدخل أولهم وآخرهم الجنة، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر» وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «وعدني ربي أن يدخل في الجنة من أمتي سبعين ألفا مع كل ألف سبعون ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب، وثلاث حثيات من حثيات ربي » ورواه الطبراني. عن عيينة بن عبد السلمى «ثم مع كل ألف سبعين ألفا» ويروى مثله عن ثوبان وأبي سعيد الأنماري وله شواهد من وجوه كثيرة وقوله تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ لم يذكر الجواب هاهنا، وتقديره: حتى إذا جاءوها وكانت هذه الأمور من فتح الأبواب لهم إكراما وتعظيما، وتلقتهم الملائكة الخزنة بالبشارة والسلام والثناء، كما تلقى الزبانية الكفرة بالتثريب

стр. 4659

والتأنيب، فتقديره: إذا كان هذا سعدوا وطابوا وسروا وفرحوا بقدر كل ما يكون لهم فيه نعيم، وإذا حذف الجواب هاهنا ذهب الذهن كل مذهب في الرجاء والأمل، ومن زعم أن الواو في قوله ﵎: وَفُتِحَتْ أَبْوابُها واو الثمانية واستدل به على أن أبواب الجنة ثمانية فقد أبعد النجعة وأغرق في النزع، وإنما يستفاد كون أبواب الجنة ثمانية من الأحاديث الصحيحة. وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أنفق زوجين من ماله في سبيل الله تعالى دعي من أبواب الجنة وللجنة أبواب، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان» فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه يا رسول الله ما على أحد من ضرورة دعي من أيها دعي، فهل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال ﷺ : «نعم وأرجو أن تكون منهم» رواه البخاري ومسلم من حديث الزهري ينحوه وفيهما من حديث أبي حازم سلمة بن دينار عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة ثمانية أبواب» باب منها يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون». وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء» وروى الحسن بن عرفة عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مفتاح الجنة لا إله إلا الله». فصل: في ذكر سعة أبواب الجنة وبعض ما أعد الله فيها: في الصحيحين من حديث أبي زرعة عن أبي هريرة ﵁ في حديث الشفاعة الطويل «فيقول الله تعالى: يا محمد أدخل من لا حساب عليه من أمتك من الباب الأيمن، وهم شركاء الناس في الأبواب الأخر، والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة ما بين عضادتي الباب لكما بين مكة وهجر- وفي رواية- مكة وبصرى». وفي صحيح مسلم عن عتبة بن غزوان أنه خطبهم خطبة فقال فيها: ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام، وفي المسند عن حكيم ابن معاوية عن أبيه رضي الله

стр. 4660

عنه عن رسول الله ﷺ مثله، وروى عبد بن حميد عن أبي سعيد ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إن ما بين مصراعين في الجنة مسيرة أربعين سنة». وقوله ﵎: وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ أي: طابت أعمالكم وأقوالكم، وطاب سعيكم، وطاب جزاؤكم كما أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن ينادى بين المسلمين في بعض الغزوات «إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة- وفي رواية- مؤمنة» وقوله فَادْخُلُوها خالِدِينَ أي: ماكثين فيها أبدا لا يبغون عنها حولا وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ أي: يقول المؤمنون إذا عاينوا في الجنة ذلك الثواب الوافر، والعطاء العظيم، والنعيم المقيم، والملك الكبير، يقولون عند ذلك الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ أي: الذي كان وعدنا على ألسنة رسله الكرام كما دعوا في الدنيا رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (آل عمران: ١٩٤) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ (سورة الأعراف: ٤٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ* الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (سورة فاطر: ٣٤، ٣٥) وقولهم وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ. قال أبو العالية وأبو صالح وقتادة والسدي وابن زيد: أي: أرض الجنة، فهذه الآية كقوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (الأنبياء: ١٠٥) ولهذا قالوا نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ أي: أين شئنا حللنا، فنعم الأجر أجرنا على عملنا. وفي الصحيحين من حديث الزهري عن أنس ﵁ في قصة المعراج قال النبي ﷺ : «أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك». وروى عبد بن حميد عن أبي سعيد ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ سأل ابن صائد عن تربة الجنة فقال: در مكة بيضاء مسك خالص فقال رسول الله ﷺ : «صدق». ورواه مسلم أيضا عن أبي سعيد ﵁ قال: إن ابن صائد سأل رسول الله ﷺ عن تربة الجنة فقال «در مكة بيضاء مسك خالص». وروى ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب ﵁ في قوله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً قال: سيقوا حتى انتهوا إلى باب من أبواب الجنة فوجدوا عندها شجرة يخرج من تحت ساقها عينان فعمدوا إلى إحداهما فتطهروا منها، فجرت عليهم نضرة النعيم، فلم تغير أبشارهم بعدها أبدا، ولم تشعث أشعارهم أبدا بعدها كأنما دهنوا بالدهان، ثم عمدوا إلى الأخرى كأنما

стр. 4661

أمروا بها فشربوا منها فأذهبت ما كان في بطونهم من أذى أو قذى وتلقتهم الملائكة على أبواب الجنة سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ وتلقى كل غلمان صاحبهم يطوفون به فعل الولدان بالحميم جاء من الغيبة، أبشر قد أعد الله لك من الكرامة كذا وكذا، قد أعد الله لك من الكرامة كذا وكذا، قال: وينطلق غلام من غلمانه إلى أزواجه من الحور العين فيقول: هذا فلان باسمه في الدنيا فيقلن: أنت رأيته؟ فيقول: نعم فيستخفهن الفرح، ثم يخرج إلى أسكفة الباب، قال: فيجئ فإذا هو بنمارق مصفوفة، وأكواب موضوعة، وزرابي مبثوثة، قال: ثم ينظر إلى تأسيس بنيانه، فإذا هو قد أسس على جندل اللؤلؤ بين أحمر وأخضر وأصفر وأبيض، ومن كل لون، ثم يرفع طرفه إلى سقفه، فلولا أن الله تعالى قدر له أن لا يذهب ببصره إنه لمثل البرق، ثم ينظر إلى أزواجه من الحور العين، ثم يتكئ على أريكة من أرائكه ثم يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ. ٩ - لاحظ أنه لما كان الحديث عن أهل النار قال تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها بدون واو قبل (فتحت) بينما قال في أهل الجنة: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها بواو قبل (فتحت) فما السر في ذلك؟ علل النسفي لذلك بقوله: (إن أبواب النار لا تفتح إلّا عند دخول أهلها فيها، وأما أبواب الجنة فتقدم فتحها كقوله تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ فلذلك جيئت بالواو، كأنه قال حتى إذا جاءوها وقد فتحت أبوابها) وقد رأينا ردّ ابن كثير على من زعم أن هذه الواو تسمّى واو الثمانية. وبهذا ينتهي ما أردنا نقله من فوائد المقطع الأخير، وقد آن أن نتكلم كلمة أخيرة عن السورة. كلمة أخيرة في سورة الزمر: بدأت السورة بقوله تعالى: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ وقد كانت السورة مجلى لعزة الله وحكمته، فرأينا آثار عزّة الله في الكلام عن خلقه وعظمته، وفعله بالكافرين والمكذّبين والمستكبرين في الدنيا والآخرة، ورأينا آثار عزته بأمره بالعبادة والتقوى والإحسان والتوبة والإنابة، ورأينا آثار حكمته، في العرض والأمر

стр. 4662

والنهي، وإحاطة الأمر بكل ما يلزمه من معان، وتكرار المعنى اللازم تكراره بأكثر من طريقة عرض. وفي الوقت نفسه فقد كانت السورة تدليلا على أنّ هذا القرآن منزل من عند الله، إذ هي نموذج لمجموعة خصائص من خصائص هذا القرآن ذكرت في السورة، وكل خصيصة من هذه الخصائص برهان كامل على أن هذا القرآن من عند الله. رأينا أنّ السورة تتألف من مقدّمة ومقطعين يبدأ المقطع الأول بقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ وقد سار المقطع بعد ذلك مبينا الحق في أمور كثيرة، وراسما طريق العبادة الخالصة لله. وبدأ المقطع الثاني بقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ. وقد سار المقطع الثاني مبينا الحق في أمور، وسار في طريق تفصيل أن الله هو الوكيل، وذكر مظاهر من كونه هو الوكيل، وبين كيف أن من اهتدى فإنما نفع هدايته عائد عليه، ومن ضلّ فإنما وبال ضلاله عليه. وتحدّث المقطعان عن واجبات المنزل عليه القرآن، من عبادة وتبليغ، فحدّدا للرسول ﷺ كثيرا من القضايا التي عليه أن يبلغها أو يقولها، ومن ذلك قوله تعالى أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ فهناك قراءة هي «أمن» على أنّ الهمزة للنّداء، والمنادى رسول الله ﷺ ، فعلى هذه القراءة تكون الآية أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ أي: يا محمد المتصف بالقيام والرجاء والخوف قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ومن ثم نجد في السورة الأمر (قل) يتكرّر كثيرا.

стр. 4663

ورأينا أنّ السورة ذكرت خصائص ستا للقرآن: أنه أحسن الحديث، وأنه متشابه. وأنّه مثان، وأنّه في أعلى درجات التبشير والإنذار، وأنه ضرب للناس من كل مثل، وأنه غير ذي عوج. وكانت السورة نموذجا واضحا على كون هذا القرآن كذلك. ورأينا بأكثر من دليل أن السورة محورها قوله تعالى من سورة البقرة الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ولذلك ذكر في أكثر من مكان في السورة أن هذا القرآن من عند الله، وكان هذا الموضوع من الوضوح والتأكيد بحيث ذكر في المقدمة، وذكر في مقدمتي المقطعين، ورأينا من خلال ذكر خصائص القرآن كيف أن هذا القرآن من عند الله، لا شك في ذلك ولا ريب، ورأينا في السورة عاقبة اهتداء المتقين بهذا القرآن، وعاقبة نكوص الكافرين عن الاهتداء به بأشكال متعددة، ورأينا علامات الاهتداء به، وعلامات الضلال عنه في مثل قوله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ .... ورأينا في السورة أن نقطة البداية في الاهتداء بهذا القرآن هي العبادة، والعبادة فهم وسلوك وعلم وعمل، وقد وضّحت السورة هذه المعاني كلها، كما ذكرت كل الأشياء اللازمة للتحقق بالهداية، وكل الأشياء التي تحول دون الهداية كالكذب والكفر والكبر، كما فتحت الطريق للهداية ولو أن الإنسان كان غارقا في الذنوب. وهكذا نجد أنّ السورة فصّلت في محورها من سورة البقرة تفصيلا جديدا فأتمّت البناء، فهذا المحور فصّلت فيه سورة آل عمران، وفصّلت فيه سورة يونس، وفصّلت فيه سورة طه، وفصّلت فيه سورة الزمر، وكلّ سورة فصّلت في المحور تفصيلا يكمّل تفصيل السور الأخرى، هذا مع احتفاظ السورة بسياقها الخاص، واحتفاظ كل مقطع منها وكل مجموعة بوحدتهما، وكل ذلك يظهر على كماله وتمامه، وذلك شأن عجيب في هذا القرآن، يدلّك على أن هذا القرآن من عند الله .

стр. 4664

ونلاحظ أنّ السورة على طولها خلت من القصة مع أنه لم تمّر معنا سورة من قبل خالية من القصص، وهذا يشير إلى أن هذا القرآن إن تكلّم قاصا فهو أحسن الحديث، وإن تكلم كلاما مجردا عن القصة فهو أحسن الحديث، وأن أسلوبه الأعلى هو أسلوبه الذي لا يختلف في أي فن من فنون الكلام تطرّق له، فهذا الإبداع في العرض والأسلوب مع وجود مجموعة الخصائص القرآنية- من تذكير وتبشير وإنذار وهداية وصدق وحق وعدل في كل جزء منه- لدليل على أن هذا القرآن من عند الله. وقد أبرزنا أثناء الكلام عن مقدّمة السورة تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ صلة ذكر اسمي الله العزيز الحكيم بموضوع السورة، إذ بيّنا أنّ موضوع السورة كان فيه إظهار لمعاني اتصاف الله بالعزة والحكمة، وهو موضوع سنراه في أكثر من سورة من سور القرآن، فكما أنّ هذا الكون تظهر فيه أسماء الله كلها، من أنّه المحيي والمميت، والمعز والمذلّ، والقادر والغالب والعليم .. فكذلك هذا القرآن، نرى فيه ظهورا لأسماء الله كلها، ففيه يظهر اسم الله البديع والحكيم والعزيز، وبقية الأسماء، إما من خلال وصف القرآن لله فيها، أو من خلال كون الكتاب كلام الله ، والكلام يدل على المتكلم. وأخيرا نقول: إنّ علينا أن ننظر ببالغ الأهمية لما ورد في السورة من معان عملية، فنقبل على الله بالعبادة ملاحظين الرجاء والخوف، والشكر والاعتراف لله بالنعم، والإيمان والتقوى، والصبر والإخلاص والإسلام، والإنابة إلى الله، واجتناب عبادة الطاغوت، واتباع الأحسن من القول، والخشية لله، وتصديق الرسول ﷺ في كل ما جاء به، والتوكل على الله في كل حال، ولنلاحظ خاصة علامات انشراح الصدر في الإسلام، فقد قال النسفي عند قوله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ: (وسئل رسول الله ﷺ عن الشرح فقال: «إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح» فقيل: هل

стр. 4665

لذلك من علامة؟ قال: «نعم: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت»). ***

стр. 4666

سورة غافر وهي السّورة الأربعون بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة الثانية من المجموعة الثالثة من قسم المثاني، وآياتها خمس وثمانون آية وهي مكيّة وهي السّورة الأولى من آل (حم)

стр. 4667

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم

стр. 4668

كلمة في سورة غافر ومحورها: تبدأ السورة بآيتين هما قوله تعالى: حم* تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ* غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ وبعد ذلك يأتي قوله تعالى ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (الآية: ٤) ثم تسير السورة حتى تجد قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ .. (الآية: ١٠) ثم تتحدّث السورة عن أشياء كثيرة حتى تصل إلى قوله تعالى: الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (الآية: ٣٥) ثم تسير السورة فتحدّثنا عن معان كثيرة حتى تصل إلى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الآية: ٥٦) ثم تسير السورة فتحدّثنا عن معان كثيرة حتى تصل إلى قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ .. (الآية: ٦٩) ثم تسير السورة حتى تختتم بلفظ (الكافرون) في قوله تعالى: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ. (الآية: ٨٥). إن افتتاح السورة وختمها بالكلام عن الكافرين يشعرنا أن السورة تفصّل بشكل أخصّ في قوله تعالى من مقدمة سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ حتى لتكاد تكون هاتان الآيتان هما محور السورة. ولكنا في الوقت نفسه نلاحظ أنّ السورة تفصّل فيما فصّلت فيه سورة الروم، إذ نجد تشابها كبيرا بين سورة الروم وسورة غافر. فمثلا في سورة الروم يتكرّر الكلام عن نصر الله أكثر من مرة يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ونلاحظ أن سورة غافر ذكر فيها قوله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا

стр. 4669

وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ. ونلاحظ أن سورة الروم ورد فيها قوله تعالى: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (الآية: ٩). ونلاحظ أن سورة غافر ورد فيها قوله تعالى: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ. (الآية: ٢١) وكذلك ورد فيها قوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (الآية: ٨٢). فإذا تذكرنا أن سورة الروم فصّلت في الآيات الأربع الأولى من سورة البقرة فإن هذا يشعرنا أن لسورة غافر صلة بذلك، وعلى هذا فسورة غافر تفصّل بشكل مباشر في الآيتين الخامسة والسادسة من مقدمة سورة البقرة، وتفصّل بشكل غير مباشر في الآيات الأربع الأولى من سورة البقرة، وهي مواضيع متلاحمة، فصار تفصيلها الكلي في قوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. فإذا كانت سورة الزمر فصّلت قوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ كما رأينا، فإنّ سورة غافر تبني على تفصيل سورة الزمر، وتكمّل ذلك، ومن ثم نلاحظ مجئ قوله تعالى فيها: ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ. ويذكّرنا آخر الآية هذه بقوله تعالى من سورة آل عمران: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ

стр. 4670

الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ فيشعرنا كذلك بأن سورة غافر عليها طابع سورة آل عمران التي فصّلت مقدمة سورة البقرة كلها. ومن ثم نستطيع القول: إن سورة الزمر فصّلت في الآية الأولى من سورة البقرة بشكل أخص، وفصّلت فيما سوى ذلك من الآيات الأولى من سورة البقرة بشكل ضمني، وجاءت بعد ذلك سورة غافر لتفصّل في الآيتين الخامسة والسادسة بشكل أخص، وتفصّل في الآيات الأولى من سورة البقرة بشكل ضمني، وسنرى أن سورة فصّلت ستفصّل بشكل أخص في الآيات التي ستأتي بعد المقدمة من سورة البقرة، وتفصّل فيما قبل ذلك بشكل ضمني، فالتكامل بين السور الثلاث واضح بحيث تبني الثانية على الأولى، والثالثة على الأولى والثانية، فالأولى تفصّل في حيز محدّد، وتأتي الثانية لتفصّل في حيز أوسع يغطي نفس الحيّز الأول ويزيد عليه. وتأتي الثالثة لتغطي ما غطته السورتان الأوليان وزيادة، وكل ذلك يتمّ بتكامل وتداخل بحيث لا يطغى على السياق الخاص لكل سورة. ونلاحظ بشكل واضح أن السورة تتألف من مقدمة طويلة، تستمر حتى نهاية الآية (٢٠)، ثم يأتي قوله تعالى: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ... وتسير السورة حتى يأتى قبيل آخرها قوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ... مما يشير إلى أنّ هذه الآية معطوفة على شبيهتها بحرف العطف الفاء. ثم بعد ثلاث آيات مرتبطة بالآية المذكورة تنتهي السورة، فكأن السورة تتألف من مقدمة طويلة، ومقطع واحد، وسنرى ذلك بالتفصيل. كلمة في زمرة (آل حم) إنّ سورة غافر هي أول سورة مبدوءة ب (حم) والسور المبدوءة ب (حم) سبع، تأتي متعاقبة لا يفصل بينها شئ. والسؤال الذي يحتاج إلى جواب هو: لماذا اعتبرنا سورة الزمر بداية مجموعة؟، ولماذا لم نعتبر (حم غافر) مجموعة؟، ولماذا لم نعتبر حواميم كلها مجموعة واحدة؟ والجواب: إن سورة الزمر مبدوءة بقوله تعالى:

стр. 4671

تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ وهذه سورة غافر مبدوءة بقوله تعالى: حم* تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وستأتي معنا سورتان من حواميم هما: الجاثية والأحقاف، مبدوءتان بقوله تعالى: حم* تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ*. إن هذه البداية المتشابهة بين سورة الزمر وثلاثة من حواميم تدلنا على أن سورة الزمر لها صلة بحواميم، وإن لم تبدأ (بحم)، وقد رأينا أن سورة (ص) نهاية مجموعة، فلا بد أن تكون سورة الزمر بداية مجموعة، وسنرى بالدليل أن المعاني التي تعرّضت لها السور هي التي ساقتنا إلى تقسيماتنا التي سنراها. ولقد رأينا من قبل أنّ السور المبدوءة ب (الر) لم تشكّل كلها مجموعة واحدة، بل كان بعضها في مجموعة، وواحدة منها في مجموعة أخرى، ولكنها كانت كلها في قسم واحد، والمعاني هي التي هدتنا إلى ذلك وكذلك (آل حم) فإنها وإن اشتركت بحر في (حم) إلا أنها تشكّل أكثر من مجموعة، كما سنرى بالدليل. إلا أنها مع كونها كذلك فإنها جميعا تشترك بخاصية واحدة كما سنرى وسيبرز معنا من خلال رؤية أن آل حم مجموعات، سبب من الأسباب التي سمّي بها هذا القسم من القرآن بقسم المثاني، وسنرى بوضوح كيف أن سورة الزمر التي ذكر فيها وصف القرآن بأنه مثاني هي في الحقيقة مقدمة لآل حم. نقول: [لابن كثير والألوسي وصاحب الظلال حول تقديم سورة غافر] ١ - قال ابن كثير في تقديمه لسورة المؤمن (غافر): (قد كره بعض السلف منهم محمد بن سيرين أن يقال (الحواميم) وإنما يقال آل حم قال عبد الله بن مسعود ﵁: آل حم ديباج القرآن، وقال ابن عباس ﵄: إن لكل شئ لبابا، ولباب

стр. 4672

القرآن آل حم، أو قال: الحواميم، وقال مسعر بن كدام: كان يقال لهن العرائس، روى ذلك كله الإمام العالم أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى في كتاب (فضائل القرآن). وروى حميد بن زنجويه: عن عبد الله ﵁ قال: إن مثل القرآن كمثل رجل انطلق يرتاد لأهله منزلا، فمرّ بأثر غيث، فبينما هو يسير فيه ويتعجّب منه إذ هبط على روضات دمثات فقال: عجبت من الغيث الأول فهذا أعجب وأعجب، فقيل له: إن مثل الغيث الأول مثل عظم القرآن، وإن مثل هؤلاء الروضات الدمثات مثل آل حم في القرآن، أورده البغوي. وروى ابن لهيعة عن ابن عباس ﵄ قال: لكل شئ لباب ولباب القرآن الحواميم، وقال ابن مسعود ﵁: إذا وقعت في آل حم فقد وقعت في روضات أتأنق فيهنّ. وروى أبو عبيد أن رجلا رأى أبا الدرداء ﵁ يبني مسجدا فقال له: ما هذا؟ فقال: أبنيه من أجل حم. وقد يكون هذا المسجد الذي بناه أبو الدرداء ﵁ هو المسجد المنسوب إليه داخل قلعة دمشق، وقد يكون صيانتها وحفظها ببركته وبركة ما وضع له، فإن هذا الكلام يدل على النصر على الأعداء، كما قال رسول الله ﷺ لأصحابه في بعض الغزوات «إن بيتم الليلة فقولوا حم لا ينصرون- وفي رواية- لا تنصرون». وروى الحافظ أبو بكر البزار: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ آية الكرسي، وأول حم المؤمن عصم ذلك اليوم من كل سوء» ورواه الترمذي من حديث المليكي وقال: تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه). أقول: إن حرص بعض السلف على تسمية السور المبدوءة ب (حم) آل حم يشير إلى أنهم اعتبروا هذه السور السبع أسرة واحدة وزمرة واحدة. وهذا لا ينفي أن تكون هذه السور مجموعات. فكما أن السورة المبدوءة ب (الر) أو (الم) لم تشكل مجموعة واحدة مع أنها زمرة واحدة فكذلك هنا. ٢ - وقال الألوسي في تقديمة لسورة (المؤمن): (وتسمى سورة غافر وسورة الطول، وهي كما روي عن ابن عباس. وابن الزبير. ومسروق. وسمرة بن جندب مكية، وحكى أبو حيان الإجماع على ذلك، وعن الحسن

стр. 4673

أنها مكية إلا قوله تعالى وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ لأن الصلوات نزلت بالمدينة، وكانت الصلاة بمكة ركعتين من غير توقيت. وأنت تعلم أن الحق قول الأكثرين: أن الخمس نزلت بمكة على أنه لا يتعيّن إرادة الصلاة بالتسبيح في الآية، وقيل: هي مكية إلا قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ الآية، فإنها مدنية، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية وغيره أنها نزلت في اليهود لما ذكروا الدجال، وهذا ليس بنص على أنها نزلت بالمدينة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قولهم نزلت الآية في كذا يراد به تارة سبب النزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية، وإن لم يكن السبب كما تقول: عنى بهذه الآية كذا، وقال الزركشي في البرهان: قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت الآية في كذا فإنه يريد بذلك أنها تتضمّن هذا الحكم، لا أن هذا سبب في نزولها، فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية، لا من جنس النقل لما وقع. نعم سيأتي إن شاء الله تعالى عن أبي العالية ما هو كالنص على ذلك، وآيها خمس وثمانون في الكوفي والشامي، وأربع في الحجازي، واثنتان في البصري، وقيل: ست وثمانون، وقيل: ثمان وثمانون، ووجه مناسبة أولها لآخر الزمر أنه تعالى لما ذكر سبحانه هناك ما يؤول إليه حال الكافر وحال المؤمن، ذكر جل وعلا هنا أنه تعالى غافر الذنب، وقابل التوب، ليكون ذلك استدعاء للكافر إلى الإيمان والإقلاع عما هو فيه، وبين السورتين أنفسهما أوجه من المناسبة، ويكفي فيها أنه ذكر في كل من أحوال يوم القيامة وأحوال الكفرة فيه وهم في المحشر وفي النار ما ذكر، وقد فصّل في هذه من ذلك ما لم يفصّل منه في تلك، وفي تناسق الدرر: وجه إيلاء الحواميم السبع لسورة الزمر تواخي المطالع في الافتتاح (بتنزيل الكتاب). وفي مصحف ابن مسعود أول الزمر (حم) وتلك مناسبة جلية، ثم إن الحواميم ترتبت لاشتراكها في الافتتاح ب (حم)، وبذكر الكتاب، وأنها مكية، بل ورد عن ابن عباس. وجابر بن زيد أنها نزلت عقب الزمر متتاليات كترتيبها في المصحف، وورد في فضلها أخبار كثيرة. أخرج أبو عبيد في فضائله عن ابن عباس قال: إن لكل شئ لبابا وإن لباب القرآن الحواميم. وأخرج هو، وابن الضريس، وابن المنذر، والحاكم، والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال: الحواميم ديباج القرآن. وأخرجه أبو الشيخ. وأبو نعيم. والديلمي عن أنس رضي الله تعالى عنه مرفوعا، وأخرج الديلمي. وابن مردويه عن سمرة بن جندب مرفوعا «الحواميم روضة من رياض الجنة». وأخرج محمد بن نصر. والدارمي عن سعد بن إبراهيم قال: كنّ الحواميم يسمين

стр. 4674

العرائس. وأخرج ابن نصر، وابن مردويه عن أنس بن مالك قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله تعالى أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني الراءات إلى الطواسين مكان الإنجيل، وأعطاني ما بين الطواسين إلى الحواميم مكان الزبور، وفضلني بالحواميم والمفصّل، ما قرأهن نبي قبلي». وأخرج البيهقي في الشعب عن الخليل بن مرة أن رسول الله ﷺ قال: «الحواميم سبع وأبواب جهنم سبع تجئ كل (حم) منها فتقف على باب من هذه الأبواب تقول: اللهم لا تدخل من هذا الباب من كان يؤمن بي ويقرئني» وجاء في خصوص بعض آيات هذه السور ما يدل على فضله، أخرج الترمذي، والبزار، ومحمد بن نصر، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ حم إلى إِلَيْهِ الْمَصِيرُ، وآية الكرسي حين يصبح، حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح». ٣ - ومن تقديم صاحب الظلال لسورة المؤمن: (هذه السورة تعالج قضية الحق والباطل، قضية الإيمان والكفر، قضية الدعوة والتكذيب، وأخيرا قضية العلو في الأرض والتجبر بغير الحق، وبأس الله الذي يأخذ العالين المتجبرين .. وفي ثنايا هذه القضية تلم بموقف المؤمنين المهتدين الطائعين ونصر الله إياهم، واستغفار الملائكة لهم، واستجابة الله لدعائهم، وما ينتظرهم في الآخرة من نعيم. وجو السورة كله- من ثم- كأنه جو معركة. وهي المعركة بين الحق والباطل، وبين الإيمان والطغيان، وبين المتكبرين المتجبرين في الأرض وبأس الله الذي يأخذهم بالدمار والتنكيل. تنسم خلال هذا الجو نسمات الرحمة والرضوان حين يجئ ذكر المؤمنين!. ذلك الجو يتمثل في عرض مصارع الغابرين، كما يتمثل في عرض مشاهد القيامة- وهذه وتلك تتناثر في سياق السورة وتتكرر بشكل ظاهر- وتعرض في صورها العنيفة المرهوبة المخيفة متناسقة مع جو السورة كله، مشتركة في طبع هذا الجو بطابع العنف والشدة.

стр. 4675

ولعله مما يتفق مع هذه النسمة افتتاح السورة بإيقاعات ذات رنين خاص: غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ، شَدِيدِ الْعِقابِ، ذِي الطَّوْلِ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، إِلَيْهِ الْمَصِيرُ فكأنما هي مطارق منتظمة الجرس، ثابتة الوقع، مستقرة المقاطع، ومعانيها كذلك مساندة لإيقاعها الموسيقي!. كذلك نجد كلمة البأس. وبأس الله. وبأسنا .. مكررة تتردد في مواضع متفرقة من السورة. وهناك غيرها من ألفاظ الشدة والعنف بلفظها أو بمعناها). وقال صاحب الظلال: (هذه السورة بدء سبع سور كلها تبدأ بالحرفين: (حا، ميم). منها سورة واحدة يذكر فيها بعد هذين الحرفين ثلاثة حروف أخر: (عين. سين قاف). وقد سبق الحديث عن الأحرف المقطعة في أوائل السور. وأنها إشارة إلى صياغة هذا القرآن منها. وهو معجز لهم مع تيسير هذه الأحرف لهم ومعرفتهم بها، وهي أحرف لغتهم التي يتحدّثونها ويكتبونها). ولنبدأ عرض السورة. ***

стр. 4676

المقدمة وتتألف من أربع مجموعات، وتستمر من الآية (١) إلى نهاية الآية (٢٠) وهذه هي: المجموعة الأولى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ٤٠/ ١ - ٦ المجموعة الثانية ٤٠/ ٧

стр. 4677

٤٠/ ٨ - ٩ المجموعة الثالثة ٤٠/ ١٠ - ١٢ المجموعة الرابعة ٤٠/ ١٣ - ١٩

стр. 4678

٤٠/ ٢٠ تفسير المجموعة الأولى حم* تَنْزِيلُ الْكِتابِ أي: حم هذا تنزيل الكتاب مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ أي: المنيع بسلطانه عن أن يتقوّل عليه متقوّل الْعَلِيمِ بمن صدّق وكذّب، فهو تهديد للمشركين وبشارة للمؤمنين غافِرِ الذَّنْبِ غافر أي: سائر ذنب المؤمنين وَقابِلِ التَّوْبِ أي: وقابل توبة الراجعين. قال ابن كثير: أي: يغفر ما سلف من الذنب، ويقبل التوبة في المستقبل لمن تاب إليه وخضع لديه شَدِيدِ الْعِقابِ أي: لمن تمرّد وطغى، وآثر الحياة الدنيا، وعتا عن أوامر الله وبغى، والملاحظ أنه كثيرا ما يقرن تعالى بين وصفيه الغفور التوّاب، وبين شديد العقاب، ليبقى العبد بين الرجاء والخوف ذِي الطَّوْلِ أي: ذي الغنى والفضل، وذي النعم والفواضل. قال ابن كثير: والمعنى أنه المتفضّل على عباده، المتطوّل عليهم بما هم فيه من المنن والإنعام التي لا يطيقون القيام بشكر واحدة منها لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي: لا نظير له في جميع صفاته، فلا إله غيره ولا ربّ سواه إِلَيْهِ الْمَصِيرُ أي: المرجع والمآب، فيجازي كل عامل بعمله ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ أي: ما يدفع الحق ويجادل فيه بعد البيان وظهور البرهان إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أي: الجاحدون لآيات الله وبراهينه، أي: ما يخاصم فيها بالتكذيب بها والإنكار لها إلا الذين كفروا، قال النسفي: فأما الجدال فيها لإيضاح ملتبسها، وحل مشكلها، واستنباط معانيها، وردّ أهل الزيغ بها، فأعظم جهاد في سبيل الله فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ أي: في أموالها ونعيمها وزهرتها بالتجارات النافعة، والمكاسب المربحة، والانتصارات السياسية والعسكرية، والغلبة للخصوم، فإن عاقبة أمرهم إلى العذاب في الدنيا والآخرة. ثم بيّن تعالى كيف ذلك فقال: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ أي: والأحزاب الذين تحزّبوا على الرسل، وناصبوهم من كل أمة بعد قوم نوح، كعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ من هذه الأمم التي هي قوم نوح والأحزاب بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ أي: ليتمكنوا منه فيقتلوه. قال ابن كثير: أي: حرصوا على قتله بكل ممكن ومنهم من قتل

стр. 4679

رسوله وَجادَلُوا بِالْباطِلِ أي: بالكفر لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ أي: ليبطلوا به الإيمان. أي: ما حلوا بالشبهة ليردوا الحق الواضح الجلي فَأَخَذْتُهُمْ أي: أهلكتهم على ما صنعوا من هذه الآثام والذنوب العظام، من محاولتهم أخذ الرسل وتكذيبهم ومماحلتهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ أي: فكيف بلغك عذابي لهم ونكالي بهم؟ قد كان شديدا موجعا مؤلما. قال قتادة: كان شديدا والله وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ أي: مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم من أصحاب النار. ومعناه كما وجب إهلاكهم في الدنيا بالعذاب المستأصل، كذلك وجب تعذيبهم بعذاب النار في الآخرة، أو المعنى: كما وجب إهلاك أولئك الأمم كذلك وجب إهلاك هؤلاء، لأنّ علّة واحدة تجمعهم، أنهم من أصحاب النار. وينتقل السياق ليحدثنا عن الملائكة ودعائهم للمؤمنين .. كلمة في السياق: [المجموعة الأولى حول تفصيل السورة لمحورها وبعض معان أخرى] ١ - ذكر الله في الابتداء أن هذا الكتاب تنزيله، وذكر مجموعة من أسمائه ، وذكر ذلك كله بصيغة تقريرية تشير إلى أن هذا الموضوع حقيقة مقررة مقطوع بها، ومن ثم قال بعد ذلك: ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ... ٢ - في ذكر مجموعة الأسماء لله التي صدرت بها السورة إشارة إلى مظهر من مظاهر التدليل على كون هذا القرآن من عند الله. فكتاب يصف الله بمثل هذا الكمال لا يمكن أن يكون مكذوبا على الله. وكتاب تظهر فيه آثار هذه الأسماء من علم وحكمة، وعزّة وغفران، وشدة عقاب، وكثرة إنعام، دليل على أنه من عند الله؛ إذ الكلام تظهر فيه صفات المتكلّم وخصائصه. فعند ما يقول الله بعد ذلك ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا .. فلأن الحجة قد ذكرت من قبل. ٣ - إذا تذكرنا أن محور سورة غافر هو قوله تعالى من سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ نعرف سرّ مجئ قوله تعالى: ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا .. وأنّ هؤلاء المتّصفين بهذه الصفة هم الذين لا يفلح معهم الإنذار. وقد فصّلت الآيات الأخيرة نوعي العذاب العظيم الذي يستحقه هؤلاء

стр. 4680

في الدنيا والآخرة. ٤ - في قوله تعالى: فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ درس للنذير الذي يرى أن إنذاره لا ينفع في هؤلاء الكافرين، ألّا يغتر بما هم فيه من متع الدنيا، فالعبرة للعاقبة في الدنيا والآخرة. ٥ - نلاحظ من الآيات التي مرّت معنا في سورة غافر: أن آيتين منها فصّلتا في الآيات الأربع الأولى من سورة البقرة. وأن الآيات الثلاث التالية فصّلت في الآيتين اللاحقتين من سورة البقرة. وهذا شئ سنراه كذلك في الآيات اللاحقة، أن التفصيل يتناوب بين آيات المتقين من سورة البقرة، وآيتي الكافرين منها. فقوله تعالى: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ* غافِرِ الذَّنْبِ ... يفصّل في قوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ... وقوله تعالى: ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ... تفصيل في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ... وهذه مجموعة تحدثنا عن موقف الملائكة من المؤمنين في الدنيا، وعن موقف الملائكة من الكافرين يوم القيامة، وفي ذلك تفصيل لقضية من قضايا الإيمان بالغيب الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وتفصيل لنوع من أنواع الفوز، وتفصيل لنوع من أنواع العذاب للكافرين. تفسير المجموعة الثانية الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ من الملائكة وَمَنْ حَوْلَهُ أي: والحافين حوله وهم الذين يسمّيهم العلماء الكروبيين نسبة إلى لفظة الكروبيم العبرانية، والتي تعني العرش والله أعلم. يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ أي: يجمعون بين الإيمان والعمل، قارنين بين التسبيح الدال على نفي النقائص، والتحميد المقتضي لإثبات صفات المدح، وفائدة وصفهم بالإيمان في هذا المقام إظهار شرف الإيمان وفضله

стр. 4681

والترغيب فيه وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فالملائكة يستغفرون لأهل الإيمان أي: لمن في مثل حالهم. قال النسفي: وفيه دليل على أن الاشتراك في الإيمان يجب أن يكون أدعى شئ إلى النصيحة والشفقة، وإن تباعدت الأجناس والأماكن رَبَّنا أي: يقول الملائكة ربنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً أي: وسعت رحمتك كل شئ، ووسع علمك كل شئ، ولما كان الدعاء للمؤمنين فكأنهم أرادوا أن يقولوا: رحمتك تسع ذنوبهم وخطاياهم، وعلمك محيط بجميع أعمالهم وأقوالهم وحركاتهم وسكناتهم فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا أي: للذين علمت منهم التوبة، أو فاصفح عن المسيئين إذا تابوا وأنابوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ بأن أقلعوا عما كانوا فيه، واتّبعوا ما أمرتهم به من فعل الخيرات وترك المنكرات. أي: واتّبعوا طريق الهدى الذي دعوت إليه وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ أي: وزحزحهم عن عذاب الجحيم وهو العذاب الموجع الأليم رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ أي: اجمع بينهم وبينهم لتقرّ بذلك أعينهم بالاجتماع في منازل متجاورة إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ أي: الذي لا يمانع ولا يغالب، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن الْحَكِيمُ في أقوالك وأفعالك، من شرعك وقدرك وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ أي: فعلها، أو وبالها ممّن وقعت منه. أو جزاءها وهو عذاب النار وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ أي: يوم القيامة فَقَدْ رَحِمْتَهُ أي: لطفت به ونجيته من العقوبة وَذلِكَ أي: رفع العذاب هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الذي لا فوز أعظم منه. كلمة في السياق: [المجموعة الثانية وصلتها بمحور السورة] رأينا في هذه المجموعة ما للمؤمنين من مقام عظيم، إذ يدعو لهم حملة العرش ومن حوله من الملائكة هذا الدعاء العظيم، وفي ذلك دعوة للناس أن يكونوا من أهل الإيمان والتقوى، وصلة ذلك بأحد محوري السورة واضحة ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ... أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. فالآيات دعوة لأن يكون الإنسان من هؤلاء لينال دعوات الملائكة، وهي تفصيل لهذه الآيات كذلك من حيث إنها فصّلت في قضية فلاحهم، وذكرت نموذجا على هذا الفلاح في الدنيا والآخرة، من إلحاق أزواجهم وذرياتهم بهم في

стр. 4682

الآخرة، ومن دعوات الملائكة لهم، ومن وقايتهم السيئات، لأن دعاء الملائكة مستجاب، كما أنّها بيّنت أنّ التّوبة، واتباع السبيل، هما قوام هذا الأمر، وفي هذا زيادة تفصيل لقضية التقوى. والآن تأتي مجموعة آيات تتحدث عما يقوله الملائكة للكافرين يوم القيامة بعد أن عرفنا ما تدعو به الملائكة لأهل الإيمان في الدنيا ... تفسير المجموعة الثالثة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ أي يوم القيامة إذا دخلوا النار ومقتوا أنفسهم فيناديهم خزنة النار لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ البغض أشد المقت والمعنى: لمقت الله أنفسكم أكبر من مقتكم أنفسكم إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ والمعنى: أنه يقال لهم يوم القيامة: كان الله يمقت أنفسكم الأمّارة بالسوء والكفر حين كان الأنبياء يدعونكم إلى الإيمان فتأبون قبوله، وتختارون عليه الكفر أشد مما تمقتونهن اليوم وأنتم في النار، إذا وقعتم فيها باتباعكم هواهنّ: قال ابن كثير: (يقول تعالى مخبرا عن الكفار أنهم ينادون يوم القيامة وهم في غمرات النيران يتلظون، وذلك عند ما باشروا من عذاب الله تعالى ما لا قبل لأحد به، فمقتوا عند ذلك أنفسهم، وأبغضوها غاية البغض، بسبب ما أسلفوا من الأعمال السيئة التي كانت سبب دخولهم إلى النار، فأخبرتهم الملائكة عند ذلك إخبارا عاليا، بأن نادتهم نداء بأن مقت الله تعالى لهم في الدنيا حين كان يعرض عليهم الإيمان فيكفرون، أشدّ من مقتكم أيها المعذبون أنفسكم اليوم في هذه الحالة. قال قتادة في قوله تعالى: لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ يقول لمقت الله أهل الضلالة حين عرض عليهم الإيمان في الدنيا فتركوه وأبوا أن يقبلوه أكبر مما مقتوا أنفسهم حين عاينوا عذاب الله يوم القيامة، وهكذا قال الحسن البصري ومجاهد والسدي وذرّ بن عبيد الله الهمداني وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وابن جرير الطبري). قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ أي أمتنا إماتتين أو موتتين، وأحييتنا إحياءتين أو حياتين، وأرادوا بالإماتتين خلقهم أمواتا أولا، وإماتتهم عند انقضاء آجالهم، وبالإحياءتين، الإحياءة الأولى في الدنيا، والإحياءة الثانية البعث فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا لما رأوا الإماتة والإحياء قد تكررا عليهم علموا أن الله قادر على الإعادة، كما هو قادر على الإنشاء، فاعترفوا بذنوبهم التي

стр. 4683

اقترفوها، من إنكار البعث، وما تبعه من معاصيهم فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ من النار أي إلى نوع من الخروج سريع أو بطيء لنتخلّص مِنْ سَبِيلٍ قط أم اليأس واقع دون ذلك فلا خروج ولا سبيل إليه؟ وجاء الجواب من خلال التعليل لبقائهم في النار بقوله: ذلِكُمْ أي الذي أنتم فيه، وأن لا سبيل لكم إلى خروج قط بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا أي ذلكم كفركم بتوحيد الله، وإيمانكم بالإشراك به فَالْحُكْمُ لِلَّهِ حيث حكم عليكم بالعذاب السرمد الْعَلِيِّ شأنه فلا يرد قضاؤه الْكَبِيرِ أي العظيم سلطانه فلا يحدّ جزاؤه. كلمة في السياق: [المجموعة الثالثة حول الفرق بين الكفر والإيمان والعلاقة بين مقدمة سورة غافر وسورة الزمر] ١ - أرانا الله في هذه المجموعة ماذا يقول الملائكة للكافرين يوم القيامة إذا دخلوا النار، وبيّن لنا ماهية العذاب العظيم الذي يلاقونه، وبيّن لنا علّة ذلك، وهو رفضهم للإيمان والتوحيد، وقبولهم الشرك وسيرهم فيه. وهكذا نجد من خلال عرض موقف الملائكة من أهل الإيمان في الدنيا، وموقفهم من أهل الكفر في الآخرة، الفارق الكبير بين الكفر والإيمان وأهلهما. ولذلك صلته بمقدّمة سورة البقرة وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. ٢ - بدأت السورة بالحديث عن الله ، وأنه منزل الكتاب، وأن من أسمائه الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ. ثم حدثتنا عن مجادلة الكافرين في آيات الله، وعن تكذيب الأمم السابقة، وأخذهم واستحقاقهم النار. وحدثتنا عن موقف الملائكة من أهل الإيمان، ودعاء الله لهم بالتوبة ... والجنة. ثم عن موقف الملائكة من الكافرين إذا دخلوا النار، وقد عرفنا من خلال ذلك مظاهر عزّة الله وعلمه، وغفرانه وشدة عقابه، وكثرة إنعامه ووحدانيته حتى إذا رأينا في ما مرّ مظاهر اتّصاف الله بهذه الصفات كلها يعود الحديث الآن إلى الكلام عن الذات الإلهية في الآيات اللاحقة، فنرى الآية الآتية هي: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ ... فكأنها استمرار مباشر لما ورد في أول السورة: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ .. هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ. وكأن ما ورد بين ذلك قد أدى دوره المتعدد، وعاد السياق إلى سيره الرئيسي في الكلام عن الله : فلنتذكّر الآن أن هذه الآيات وما بعدها كلها

стр. 4684

مقدمة للمقطع الرئيسي في السورة، الذي يخاطب الكافرين. فكأنّ المقدّمة تعرّفنا على الله ، وتعرّفنا على عاقبة تكذيب رسله، ثم تتوجه بالخطاب إلى الكافرين لتقيم عليهم الحجة. ٣ - نلاحظ أن المقدّمة الطويلة لسورة غافر تفصّل معاني موجودة في الآيات الست الأولى من سورة البقرة، إلا أنّ السياق شيئا فشيئا سيستقل في تفصيل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ فهو المحور الرئيسي في السورة فلنلاحظ ذلك، فكأن مقدّمة سورة غافر تبني على سورة الزمر وتكملها، وتفصّل فيما فصّلت فيه، ثم تنطلق السورة لتفصّل في ما بعد محور سورة الزمر، وهو الكلام عن الكافرين، ولنعد إلى التفسير، فقد رأينا أن المجموعة اللاحقة تكمّل موضوع التعريف على الله الذي بدأته الآيتان الأوليان في السورة. تفسير المجموعة الرابعة هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ أي: يظهر قدرته لخلقه بما يشاهدونه في خلقه العلوي والسفلي، من الآيات العظيمة الدّالة على كمال خالقها ومبدعها ومنشئها، من ريح وسحاب ورعد وصواعق وغير ذلك وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وهو المطر الذي يخرج به من الزروع والثمار، ما هو مشاهد بالحس من اختلاف ألوانه وطعومه وروائحه وأشكاله، وهو ماء واحد، فبالقدرة العظيمة جعل المطر سبب الرزق، وفاوت بين هذه الأشياء وَما يَتَذَكَّرُ أي: يعتبر ويتفكّر في هذه الأشياء، ويستدلّ بها على عظمة خالقها إِلَّا مَنْ يُنِيبُ أي: إلا من هو رجّاع توّاب إلى الله. قال النسفي: (أي) وما يتعظ وما يعتبر بآيات الله إلا من يتوب من الشرك، ويرجع إلى الله، فإن المعاند لا يتذكّر ولا يتعظ. ثم قال للمنيبين فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي: فاعبدوه مخلصين له الدين من الشرك وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ أي: وإن غاظ ذلك أعداءكم ممن ليسوا على دينكم. قال ابن كثير: (أي: فأخلصوا لله وحده العبادة والدعاء، وخالفوا المشركين في مسلكهم ومذهبهم، ثمّ زادنا تعريفا على ذاته ليستخرج منا العبادة والإخلاص، وليبيّن لنا حكمة إنزاله الوحي على رسله فقال: رَفِيعُ الدَّرَجاتِ أي: رافع السموات بعضها فوق بعض، أو رافع درجات عباده في الدنيا بالمنزلة أو رافع منازلهم في الجنّة ذُو الْعَرْشِ أي: صاحب العرش ومالكه الذي خلقه فوق السموات مطافا للملائكة، وإظهارا لعظمته مع

стр. 4685

استغنائه يُلْقِي الرُّوحَ أي: جبريل ينزله، أو يلقي الوحي الذي تحيا به القلوب مِنْ أَمْرِهِ أي: من أجل أمره أو بأمره عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ المرسلين لِيُنْذِرَ الله أو الرسول يَوْمَ التَّلاقِ أي: يوم القيامة، لأنه يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض، والأولون والآخرون يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ أي: ظاهرون لا يسترهم شئ من جبل أو أكمة أو بناء لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ أي: من أعمالهم وأحوالهم، أي: الجميع في علمه على السواء لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ أي: يقول الله تعالى ذلك حين لا أحد يجيبه، ثم يجيب نفسه بقوله: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ. أي: الذي قهر الخلق بالموت الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ. قال النسفي: (لما قرر أن الملك لله وحده في ذلك اليوم، عدد نتائج ذلك وهي أن كل نفس تجزى بما كسبت وعملت في الدنيا من خير وشر، وأن الظلم مأمون منه؛ لأنه ليس بظلّام للعبيد، وأن الحساب لا يبطئ؛ لأنه لا يشغله حساب عن حساب، فيحاسب الخلق كله في وقت واحد وهو أسرع الحاسبين). كلمة في السياق: نلاحظ أنه في معرض كلام الله عن صفاته أعلمنا أن من صفاته إلقاء الوحي على رسله لينذروا يوم القيامة، وإذ تقرر ذلك يصدر الله أمرا لرسوله ﵊ بالإنذار، فمن السياق يتبيّن أنّ محمدا ﷺ قد أنزل عليه الروح، ومن ثمّ فإنه يؤمر بالإنذار، وكأنّ أمر نذارته بديهي. وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ أي: القيامة، سميت بذلك لاقترابها. فيوم الآزفة اسم من أسماء يوم القيامة إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ من الخوف كاظِمِينَ أي: ساكتين ما لِلظَّالِمِينَ أي: الكافرين مِنْ حَمِيمٍ أي: من محب مشفق وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ أي: ولا شفيع يشفّع. ثم أتمّ الله تعريفنا على ذاته

стр. 4686

يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ أي: استراق العين النظر إلى ما لا يحل وَما تُخْفِي الصُّدُورُ أي: ما تسرّه من أمانة وخيانة. قال النسفي: وقيل (في الآية): هو أن ينظر إلى أجنبية بشهوة مسارقة، ثم يتفكّر بقلبه في جمالها ولا يعلم بنظرته وفكرته من بحضرته، والله يعلم ذلك كله وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ أي: والذي هذه صفاته لا يحكم إلا بالعدل وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ أي: من آلهة مزعومة لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ أي: لا يملكون شيئا ولا يحكمون بشيء، لأنّهم ليس لهم مؤهلات الحكم إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ أي: لأقوال خلقه الْبَصِيرُ بهم. قال النسفي (هذا تقرير لقوله) يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ ووعيد لهم بأنه يسمع ما يقولون ويبصر ما يعملون وأنه يعاقبهم عليه، وتعريض بما يدعون من دونه وأنها لا تسمع ولا تبصر). كلمة في مقدّمة سورة غافر وسياقها: ١ - [بعض صفات الله التي ذكرت في مقدمة السورة] ذكر النسفي أن قوله تعالى: يُرِيكُمْ آياتِهِ وقوله تعالى: وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وقوله تعالى: رَفِيعُ الدَّرَجاتِ وقوله تعالى: ذُو الْعَرْشِ وقوله تعالى: يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ وقوله تعالى: يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ كلها أخبار لقوله تعالى في أول الآية: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ ... فإذا تذكّرنا أن هذه الآية امتداد لقوله تعالى في أول السورة: حم* تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ* غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ندرك أن الله عرّفنا على ذاته في هذه المقدمة. ومما عرفنا به على ذاته: أنه منزل القرآن، ومنزل الوحي، ومرسل الرسل، والحاكم بين العباد بالحق والعدل، وأنه هو الذي أمر رسوله محمدا ﷺ بالإنذار. ٢ - [العلاقة بين الآيات السابقة والمحور] نلاحظ أن بعد هذه المقدمة يأتي قوله تعالى مباشرة: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا ... مما يشير أنّه لمّا أمر رسوله ﷺ بالإنذار رفض الكافرون هذا الإنذار، ومن ثم خاطبهم ولفت نظرهم إلى ما فعله في المكذبين السابقين. فإذا أدركنا هذه النقطة نعرف أنّ محور السورة الرئيسي هو قوله تعالى من سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ولكن كما أنّ سورة البقرة

стр. 4687

قدّمت لهذا بذكر معان، فقد قدمت سورة غافر للوصول إلى هذا بمعان هي تفصيل للمعاني التي قدّمتها سورة البقرة، ومن ثم عرضت لنا سورة غافر صورا عن اليوم الآخر، وصورا من مضمونات الغيب، وعرضت لقضية الإيمان، وعرضت لقضية تنزيل الكتاب من الله ، وأنه فوق الريب والشكوك، فلا يجادل في هذا الشأن إلا معاند، وأوصلتنا إلى أن نفهم من السياق أن الكافرين يرفضون الإيمان والإنذار، وذكرت ذلك كله في مقدمة السورة، لتوصّلنا إلى المقطع الوحيد فيها، وهو الذي يقيم الله به الحجة على الكافرين، وينذرهم ويخوفهم، حتى تقوم الحجة الكاملة عليهم. ٣ - [تجلية أسماء الله وصفاته من أحد أهداف السورة] رأينا أن المقدمة بدأت بذكر أسماء الله ، حدثتنا عن صفاته، وقد رأينا كيف أن المقدّمة برهنت لنا على اتصاف الله بذلك، والواقع أن السورة كلها تجلّي هذه الحقيقة، وتدلّل على اتصاف الله بهذه الصفات والأسماء. فلننقل الآن بعض الفوائد المتعلّقة بهذه المقدّمة. فوائد: [حول آيات مقدمة السورة] ١ - بمناسبة قوله تعالى: حم* تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ* غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ قال ابن كثير (وقال أبو بكر بن عياش سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين إني قتلت فهل لي من توبة؟ فقرأ عمر ﵁ حم* تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ* غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ وقال: اعمل ولا تيأس. رواه ابن أبي حاتم واللفظ له وابن جرير. وروى ابن أبي حاتم عن يزيد ابن الأصم قال: كان رجل من أهل الشام ذو بأس وكان يفد إلى عمر بن الخطاب ﵁، ففقده عمر فقال: ما فعل فلان بن فلان، فقالوا يا أمير المؤمنين تتابع في هذا الشراب. قال فدعا عمر كاتبه فقال: اكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير. ثم قال لأصحابه ادعوا الله لأخيكم أن يقبل بقلبه، ويتوب الله عليه، فلما بلغ الرجل كتاب

стр. 4688

عمر ﵁ جعل يقرؤه ويردده ويقول: غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، قد حذروني عقوبته، ووعدني أن يغفر لي. ورواه الحافظ أبو نعيم من حديث جعفر بن برقان وزاد فلم يزل يرددها على نفسه ثم بكى ثم نزع فأحسن النزع، فلما بلغ عمر خبره قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخا لكم زل زلة فسددوه ووثقوه، وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه. وروى ابن أبي حاتم عن ثابت البناني قال كنت مع مصعب بن الزبير ﵁ في سواد الكوفة، فدخلت حائطا أصلي ركعتين، فافتتحت حم المؤمن، حتى بلغت لا إله إلا هو إليه المصير، فإذا رجل خلفي على بغلة شهباء، عليه مقطعات يمنية قال: إذا قلت: غافر الذنب فقل يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي، وإذا قلت: وقابل التوب فقل: يا قابل التوب اقبل توبتي. وإذا قلت شديد العقاب فقل: يا شديد العقاب لا تعاقبني، قال فالتفت فلم أر أحدا، فخرجت إلى الباب فقلت مرّ بكم رجل عليه مقطعات يمنية؟ قالوا: ما رأينا أحدا، فكانوا يرون أنه إلياس، ثم رواه من طريق أخرى عن ثابت بنحوه وليس فيه ذكر إلياس والله أعلم). ٢ - بمناسبة قوله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا ... قال ابن كثير: (ولما كان هذا من سجايا الملائكة عليهم الصلاة والسلام كانوا يؤمّنون على دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب، كما ثبت في صحيح مسلم «إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب قال الملك آمين ولك بمثله). ٣ - التحقيق أنّ حملة العرش الآن أربعة، ويوم القيامة يكونون ثمانية. وهو موضوع سنحققه عند الكلام عن سورة الحاقة إن شاء الله. ٤ - بمناسبة دعاء الملائكة: وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ قال ابن كثير: (وقال سعيد بن جبير: إن المؤمن إذا دخل الجنة سأل عن أبيه وابنه وأخيه أين هم؟ فيقال: إنهم لم يبلغوا طبقتك في العمل فيقول إني إنما عملت لي ولهم فيلحقون به في الدرجة، ثم تلا سعيد بن جبير هذه الآية رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: أنصح عباد الله للمؤمنين الملائكة ثم تلا هذه الآية رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ الآية

стр. 4689

وأغشّ عباده للمؤمنين الشياطين). ٥ - بمناسبة قوله تعالى: فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن أبي الزبير قال: كان عبد الله بن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يسلّم لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، قال وكان رسول الله ﷺ يهلل بهنّ دبر كل صلاة، ورواه مسلم وأبو داود والنسائي وقد ثبت في الصحيح عن ابن الزبير ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقول عقب الصلوات المكتوبات: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إيّاه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون». وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «ادعوا الله ﵎ وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله تعالى لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه»). ٦ - بمناسبة قوله تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ قال ابن كثير: (قد تقدم في حديث ابن عمر ﵄ أنه تعالى يطوي السموات والأرض بيده ثم يقول: أنا الملك أنا الجبار أنا المتكبر، أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ وفي حديث الصور أنه إذا قبض أرواح جميع خلقه فلم يبق سواه وحده لا شريك له، حينئذ يقول: لمن الملك اليوم؟ ثلاث مرات ثم يجيب نفسه قائلا: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ أي الذي هو وحده قد قهر كل شئ وغلبه. وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ قال: ينادي مناد بين يدي الساعة يا أيها الناس أتتكم الساعة، فيسمعها الأحياء والأموات، قال: وينزل الله إلى السماء الدنيا ويقول: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ، لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ. ٧ - بمناسبة قوله تعالى: الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ قال ابن كثير: كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر ﵁ عن رسول الله ﷺ فيما يحكي عن ربه أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا- إلى أن قال- يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله ﵎، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه»).

стр. 4690

ولننتقل إلى المقطع الوحيد في السورة بعد المقدمة. المقطع الأول والأخير في السورة ويتألف من ثلاث فقرات، ويمتد من الآية (٢١) إلى نهاية السورة أي: إلى نهاية الآية (٨٥) وهذا هو: الفقرة الأولى وتشتمل على خمس مجموعات المجموعة الأولى من الفقرة الأولى ٤٠/ ٢١ - ٢٢ المجموعة الثانية من الفقرة الأولى ٤٠/ ٢٣ - ٢٥

стр. 4691

٤٠/ ٢٦ - ٢٧ المجموعة الثالثة من الفقرة الأولى ٤٠/ ٢٨ - ٣٤

стр. 4692

٤٠/ ٣٥ - ٣٧ المجموعة الرابعة من الفقرة الأولى ٤٠/ ٣٨ - ٤٦

стр. 4693

المجموعة الخامسة من الفقرة الأولى ٤٠/ ٤٧ - ٥٤ الفقرة الثانية وتشتمل على أربع مجموعات المجموعة الأولى من الفقرة الثانية ٤٠/ ٥٥ - ٥٦

стр. 4694

المجموعة الثانية من الفقرة الثانية ٤٠/ ٥٧ - ٦٠ المجموعة الثالثة من الفقرة الثانية ٤٠/ ٦١ - ٦٦

стр. 4695

٤٠/ ٦٧ - ٦٨ المجموعة الرابعة من الفقرة الثانية ٤٠/ ٦٩ - ٧٦ الفقرة الثالثة ٤٠/ ٧٧
следующие страницы →