Полный текст (6 440 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.
стр. 4691
٤٠/ ٢٦ - ٢٧ المجموعة الثالثة من الفقرة الأولى ٤٠/ ٢٨ - ٣٤
стр. 4692
٤٠/ ٣٥ - ٣٧ المجموعة الرابعة من الفقرة الأولى ٤٠/ ٣٨ - ٤٦
стр. 4693
المجموعة الخامسة من الفقرة الأولى ٤٠/ ٤٧ - ٥٤ الفقرة الثانية وتشتمل على أربع مجموعات المجموعة الأولى من الفقرة الثانية ٤٠/ ٥٥ - ٥٦
стр. 4694
المجموعة الثانية من الفقرة الثانية ٤٠/ ٥٧ - ٦٠ المجموعة الثالثة من الفقرة الثانية ٤٠/ ٦١ - ٦٦
стр. 4695
٤٠/ ٦٧ - ٦٨ المجموعة الرابعة من الفقرة الثانية ٤٠/ ٦٩ - ٧٦ الفقرة الثالثة ٤٠/ ٧٧
стр. 4696
٤٠/ ٧٨ - ٨٥
تفسير المجموعة الأولى من الفقرة الأولى
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ أي: أولم يسر هؤلاء المكذبون برسالتك وإنذارك يا محمد فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ أي: كيف كان آخر أمر الذين كذبوا الرسل من قبلهم، ما حلّ بهم من العذاب والنكال كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً بأجسادهم وَآثاراً فِي الْأَرْضِ يشهد على ذلك ما خلّفوه، ومن رأى سدّ الصين، وأهرامات مصر، وأعمدة تدمر، وبعلبك رأى فضل آثار السابقين على آثار من بعدهم. هذا إذا اعتبرنا أنّ الخطاب عام للبشرية كلها التي بعث لها محمد ﷺ ، أما إذا كان الخطاب لأهل مكة المخاطبين الأوّلين بهذا الخطاب فالأمر واضح، كيف أنّ الأوّلين أقوى منهم، وأشدّ آثارا في الأرض، فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ أي: عاقبهم
стр. 4697
بذنوبهم مع هذه القوّة العظيمة، والبأس الشديد وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ أي: وما دفع عنهم عذاب الله أحد، ولا ردّه عنهم رادّ، ولا وقاهم منه واق.
ثم ذكر علة أخذه إياهم، وأنّها ذنوبهم التي ارتكبوها واجترموها فقال تعالى: ذلِكَ أي:
الأخذ بِأَنَّهُمْ أي: بسبب أنهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي: بالدلائل الواضحات، والبراهين القاطعات فَكَفَرُوا أي: مع هذا البيان والبرهان كفروا وجحدوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ أي: أهلكهم ودمّرهم إِنَّهُ قَوِيٌّ أي: ذو قوة عظيمة وبطش شديد شَدِيدُ الْعِقابِ أي: عقابه أليم شديد موجع إذا عاقب.
كلمة في السياق: [ما مر من السورة وعلاقته بمحورها]
بدأ الكلام عن الكافرين في هذه السورة بقوله تعالى: ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ* كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ* وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ.
ثم جاء كلام آخر عنهم في الآيات (١٠، ١١، ١٢) وهو: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ* قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ* ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ.
وفي الآية (١٨) ورد قوله تعالى: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ.
وبعد ذلك تأتي آيتان لا تشعراننا بقبولهم الإنذار. ثم يأتي قوله تعالى: أَوَلَمْ يَسِيرُوا ... مما يشير إلى أنهم رفضوا الإنذار والله يحذرهم أن يفعل بهم كما فعل بالمكذبين من قبل.
ونلاحظ أنّ هناك صلة بين الآيات التي تتحدّث عنهم: ما يُجادِلُ ... كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ ... فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ فالسورة إذن تصبّ في الكلام عن الكافرين في سيرها الرئيسي، وتذكّرهم
стр. 4698
بالمعنى الواعظ مرّة بعد مرّة. مرّة بصيغة التقرير، ومرّة بصيغة الطلب، وتذكرهم بالعذاب الدنيوي، والعذاب الأخروي.
فالسير العام للسورة يفصّل قوله تعالى من سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.
والسورة تبين لنا نوعية هؤلاء الكافرين الذين لا ينفعهم الإنذار، وهم الذين يجادلون في آيات الله، تكذيبا وعنادا مع وضوحها. ونلاحظ أن السورة مع تبيانها عدم استفادة الكافرين من الإنذار فإن الله يأمر رسول الله ﷺ بالإنذار، لأن الكافرين الذين حكم الله عليهم بالموت على الكفر لا يعلمهم إلا الله، ومن أعلمه الله بشأنهم، وإذ كان الأمر غيبا فإن على الرسول الإنذار، ثم إنه مع كفر الكافرين لا بد من إقامة الحجة عليهم، هذا مع ملاحظة أن الكافرين الذين ختم الله على قلوبهم هم الذين اجتمعت بهم صفات معينة استكملوا بها صفات لم يعد ينفع معها إنذار. وقد رأينا في سورة الأنبياء هذه الصفات. وسنرى في هذه السورة كذلك هذه الصفات، ولاحتمال أن هناك كافرا لم يصل إلى هذا الحد فإن على الرسول ﷺ الإنذار لعلّ أحدا يهتدي.
ونلاحظ أنه بعد ما قال الله أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ* ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ يقصّ علينا الله قصة من قصص السابقين كيف كانوا أشدّ قوة وآثارا، وكيف كذّبوا رسل الله، وكيف كانت عاقبتهم، وكيف كان عقابهم شديدا، هذه القصة هي قصة فرعون، وذكر قصة فرعون في
هذا السياق له دلالته، إذ الفراعنة كانوا أشدّ قوة وآثارا في الأرض، كما هو مشهور. وسنرى أنّ القصة تخدم سياق السورة بأكثر من وجه.
***
стр. 4699
تفسير المجموعة الثانية من الفقرة الأولى
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أي: المعجزات التسع وَسُلْطانٍ مُبِينٍ أي وحجة ظاهرة، فاجتمع له المعجزة والحجة القولية
إِلى فِرْعَوْنَ ملك مصر وَهامانَ وهو وزيره في مملكته وَقارُونَ وهو من بني إسرائيل، وكان أكثر الناس في زمانه مالا وتجارة. وقد مرّت قصته في سورة القصص فَقالُوا عن موسى هو ساحِرٌ كَذَّابٌ فسمّوا المعجزات سحرا، والحجة الواضحة كذبا. أي:
كذّبوه وجعلوه ساحرا مجنونا مموّها كذّابا في أنّ الله أرسله
فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا أي: بالبرهان القاطع الدّال على أنّ الله أرسله إليهم قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ أي: أعيدوا عليهم قتل الذكور الذي كان أولا، واستحياء الإناث للخدمة. قال ابن كثير: (وهذا أمر ثان من فرعون بقتل ذكور بني إسرائيل، أما الأول فكان لأجل الاحتراز من وجود موسى، أو لإذلال هذا الشعب وتقليل عددهم، أو لمجموع الأمرين، وأما الأمر الثاني فللعلة الثانية، ولإهانة هذا الشعب، ولكي يتشاءموا بموسى ﵇؛ ولهذا قالوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (سورة الأعراف: ١٢٩). قال قتادة هذا أمر بعد أمر). ومن القائل هذه المرة، هل هو فرعون وحده، أو اشترك معه هامان وقارون؟ الملاحظ أن القرآن عبّر بصيغة (قالوا) وهذا يشير إلى تواطؤ الثلاثة على القتل. وسنتحدث في الفوائد عن قارون وهامان. فلنسر الآن في التفسير قال تعالى عن كيدهم في قتل الأولاد واستحياء الذرية وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ أي: في ضياع يعني أنهم باشروا قتلهم أولا، فما أغنى عنهم، ونفذ قضاء الله بإظهار من خافوه، فما يغني عنهم هذا القتل الثاني؟! وكان فرعون قد كفّ عن قتل الولدان. فلمّا بعث موسى ﵇، وأحسّ بأنّه قد وقع، أعاده عليهم غيظا وظنا منه أنّه يصدّهم بذلك عن مظاهرة موسى ﵇، وما علم أنّ كيده ضائع في الكرّتين جميعا
وَقالَ فِرْعَوْنُ لملئه ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى أي: دعوني حتى أقتل موسى. قال ابن كثير: وهذا عزم من فرعون لعنه الله تعالى على قتل موسى ﵊ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ قال ابن كثير: أي لا أبالي منه، وهذا في غاية الجهل والتجهرم والعناد إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أي أن يغيّر ما أنتم عليه أَوْ أَنْ يُظْهِرَ
стр. 4700
موسى فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ أي التقاتل والتهايج والفوضى، بحيث يذهب معه الأمن، وتتعطّل المزارع والمكاسب والمعايش، ويهلك الناس قتلا وضياعا، كأنه قال:
إني أخاف أن يفسد عليكم دينكم بدعوتكم إلى دينه، أو يفسد عليكم دنياكم، بما يظهر من الفتن بسببه قال ابن كثير: يخشى فرعون أن يضل موسى الناس ويغيّر رسومهم وعاداتهم. وهذا كما يقال في المثل: صار فرعون مذكّرا يعني واعظا يشفق على الناس من موسى ﵇.
وَقالَ مُوسى لمّا بلغه قول فرعون: إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أي استجرت بالله وعذت به مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ عن الحق مجرم لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ لأنه إذا اجتمع في الرجل التكبّر، والتكذيب بالجزاء، وقلة المبالاة بالعاقبة، فقد استكمل أسباب القسوة والجراءة على الله وعلى عباده، ولم يترك عظيمة إلا ارتكبها، وأراد موسى بالتكبّر الاستكبار عن الإذعان للحق، وهو أقبح استكبار، وأدل على دناءة صاحبه، وعلى فرط ظلمه. وفي قول موسى وَرَبِّكُمْ بعث لهم على أن يقتدوا به فيعوذ بالله عياذه، ويعتصموا بالتوكل عليه اعتصامه.
فوائد:
١ - [حول تحقيق عن شخصية قارون]
يلاحظ أن قارون ورد ذكره هنا على أنه من الذين شاركوا في تعذيب بني إسرائيل، فهل هو نفس قارون الذي ورد في سورة القصص؟ وإذا كان هو فهل يعني هذا أنه كان خائنا لقومه باغيا عليهم؟ الظاهر نعم؛ لقوله تعالى في سورة القصص: إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وهل هو قورح المذكور في التوراة الحالية على أنه خسف به الأرض أو هو غيره؟ يلاحظ أن أسفار موسى تذكر أن هذا الخسف حدث بعد خروج بني إسرائيل من مصر، ويلاحظ أن بحيرة في مصر بجانب بلدة الفيوم تسمى بحيرة قارون. فإذا كانت هذه البحيرة هي مكان الخسف بقارون، وإذا كانت رواية التوراة صحيحة. فمعنى هذا أن قارون غير قورح، فهما حادثتان منفصلتان، وقد تكون الحادثة واحدة إذا كان قارون هو قورح، والخطأ إما في رواية التوراة الحالية، أو في رواية الناس.
٢ - [نقل عن كتب العهد القديم عن هامان]
في سفر إستير من كتب العهد القديم حديث عن هامان وزير الملك أحشويروش في زمن سبي بابل، وأنه كاد لبني اسرائيل في زمن المحنة هذه، فهل هامان وزير فرعون
стр. 4701
موسى هو هذا نفسه. ونسّاخ بني إسرائيل الكذبة حرّفوا القصة وجعلوا هامان وزير هذا بدل فرعون، أو أن هناك تشابها في الاسم والعمل بين وزير فرعون ووزير أحشويروش؟ أو أنهم أطلقوا على وزير أحشويروش اسم ذاك تشبيها له به؟ أعلم بحقيقة الأمر.
٣ - [عن صيغة الاستعاذة]
بمناسبة قول موسى: إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ قال ابن كثير: ولهذا جاء في الحديث (عن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا خاف قوما قال «اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم وندرأ بك في نحورهم»).
كلمة في السياق: [قصة موسى توضح الأخلاق الفاسدة التي ينبع عنها كل شر]
إنّ قصة موسى ﵇ في سياق هذه السورة تعرض لنا قصة كفرة يجادلون في آيات الله، ولا ينفع معهم الإنذار، ويكذّبون الرسل، فيعاقبون في الدنيا والآخرة، والآيات التي مرت معنا أرتنا من طبيعة هؤلاء الكافرين اتهامهم موسى رسول الله ﷺ بالسحر والكذب، ومحاولتهم إيذاء قوم موسى، ومحاولتهم قتل موسى، واتهامهم موسى بالإفساد في الأرض، وتغيير النظام، واتصافهم بالكبر والكفر باليوم الآخر، وفي هذا دروس كثيرة في فقه الدعوة، سواء للنذير، أو لأهل الإيمان، أو في معرفة مواقف الكافرين من المؤمنين، ومن أهم ما ينبغي أن نعرفه مما له علاقة بسياق السورة العام: أن الكبر والكفر باليوم الآخر هما أفظع وأسوأ الأخلاق، وعنهما يتبع كل شر، وبوجودهما لا ينفع الإنذار. وبعد أن أرانا الله في المجموعة السابقة موقف الكافرين من نذارة موسى، ورغبتهم في قتله. يعرض علينا بعد ذلك كيف قام رجل من آل فرعون يدافع عن موسى ويعظ قومه وكيف كان موقفهم منه:
تفسير المجموعة الثالثة من الفقرة الأولى
وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ قال ابن كثير: المشهور أن هذا الرجل المؤمن كان قبطيا من آل فرعون يَكْتُمُ إِيمانَهُ أي آمن بموسى سرّا أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ أي: أترتكبون الفعلة الشنعاء التي هي قتل نفس محرّمة، وما لكم علة في ارتكابها إلا كلمة الحق، وهي قوله: ربي الله، وهو ربكم أيضا لا ربه وحده وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ يعني أنه ليس له بينة واحدة فقط، بل له بيّنات
стр. 4702
من الله، وقد جاءكم بها وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ وبال كَذِبُهُ لا يتخطّاه إلى غيره وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ أي من العذاب، ولم يقل: كل الذي يعدكم مع أنّه وعد من نبي صادق القول؛ مداراة لهم، فجاء بما هو أقرب إلى تسليمهم قال ابن كثير في تفسير قول مؤمن آل فرعون هذا: (يعني إذا لم يظهر لكم صحة ما جاءكم به فمن العقل والرأي التام والحزم أن تتركوه ونفسه فلا تؤذوه، فإن يك كاذبا فإن الله سيجازيه على كذبه بالعقوبة في الدنيا والآخرة، وإن يك صادقا وقد آذيتموه يصبكم بعض الذي يعدكم، فإنه يتوعّدكم إن خالفتموه بعذاب في الدنيا والآخرة، فمن الجائز عندكم أن يكون صادقا، فينبغي على هذا أن لا تتعرضوا له، بل اتركوه وقومه يدعوهم ويتبعونه). إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ أي: مجاوز للحد كَذَّابٌ في ادّعائه، وهذا أيضا من باب المجاملة.
والمعنى أنه إن كان مسرفا كذّابا خذله الله وأهلكه فتخلصون منه، أو لو كان مسرفا كذّابا لما هداه الله بالنبوة، ولما عضده بالبينات. وقال النسفي: وقيل: أوهم أنّه عنى بالمسرف موسى وهو يعني به فرعون. وقال ابن كثير: (أي لو كان هذا الذي يزعم أن الله تعالى أرسله إليكم كاذبا كما تزعمون لكان أمره بيّنا يظهر لكل أحد في أقواله وأفعاله، فكانت تكون في غاية الاختلاف والاضطراب، وهذا نرى أمره سديدا ومنهجه مستقيما، ولو كان من المسرفين الكذابين لما هداه الله وأرشده إلى ما ترون من انتظام أمره وفعله).
يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ أي: عالين فِي الْأَرْضِ أي: بأرض مصر، أو الأرض كلها بانتشار نفوذهم، وانتشار سمعتهم. قال ابن كثير: (أي: قد أنعم الله عليكم بهذا الملك والظهور في الأرض، بالكلمة النافذة والجاه العريض، فراعوا هذه النعمة بشكر الله تعالى، وتصديق رسوله ﷺ ، واحذروا نقمة الله إن كذبتم رسوله فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا أي: لا تغني عنكم هذه الجنود وهذه العساكر ولا ترد عنا شيئا من بأس الله إن أرادنا بسوء). يعني أن لكم ملك مصر، وقد علوتم الناس وقهرتموهم، فلا تفسدوا أمركم على أنفسكم، ولا تتعرّضوا لبأس الله أي عذابه، فإنه لا طاقة لكم به إن جاءكم، ولا يمنعكم منه أحد قالَ فِرْعَوْنُ لقومه رادا على هذا الرجل الصالح ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى أي ما أشير عليكم برأي إلا بما أرى من قتله، يعني: لا أستصوب إلا قتله، وهذا الذي تقولونه غير صواب وَما أَهْدِيكُمْ بهذا الرأي إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ أي طريق الصواب والصلاح، أو ما أعلمكم إلا ما أعلم من الصواب ولا ادّخر منه شيئا، ولا أسرّ
стр. 4703
عنكم خلاف ما أظهر، يعني: أن لسانه وقلبه متواطئان على ما يقول، فلعنه الله ما أكثر ضلاله، إذ يرى أن في قتل موسى رشادا
وَقالَ الَّذِي آمَنَ متابعا دفاعه عن موسى ﵇ ومحاورا يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ أي: مثل أيام الذين كذّبوا رسل الله في قديم الدهر. كقوم نوح وعاد وثمود، والذين من بعدهم من الأمم المكذبة، كيف حلّ بهم بأس الله، وما ردّه عنهم رادّ، ولا صدّه عنهم صادّ، ومن ثم قال:
مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ أي مثل جزاء دأب هؤلاء، ودأب هؤلاء دءوبهم في عملهم من الكفر والتكذيب وسائر المعاصي وديمومتهم عليه لا يفترون فيه وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ أي وما يريد الله أن يظلم عباده فيعذّبهم بغير ذنب، أو يزيد على قدر ما يستحقون من العذاب يعني: أنّ تدميرهم كان عدلا، لأنّهم استحقوه بأعمالهم،
ثمّ تابع تذكيره ووعظه وتحذيره دفاعا عن موسى ﵇، محذّرا إيّاهم من عذاب الآخرة بعد أن خوّفهم عذاب الدنيا وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ أي يوم القيامة، وسمّي بذلك لأن أصحاب النار ينادون أصحاب الجنة، وأصحاب الجنة ينادون أصحاب النار، كما ذكر في سورة الأعراف، وقيل غير ذلك كما سنذكره في الفوائد
يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ أي منصرفين عن موقف الحساب إلى النار ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ أي لا مانع يمنعكم من بأس الله وعذابه وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ أي من مرشد
وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ بن يعقوب مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ أي بالمعجزات، أي جاء أهل مصر قبل موسى ﵇ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ أي فشككتم فيها ولم تزالوا شاكّين حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا وذلك لكفرهم وتكذيبهم حكموا هذا الحكم من عند أنفسهم من غير برهان، أي: أقمتم على كفركم، وظننتم أنّه لا يجدّد الله عليكم إقامة الحجة كَذلِكَ أي: مثل هذا الإضلال يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ أي: مسرف في عصيانه، مرتاب: أي: شاك في دينه. قال ابن كثير:
أي: كحالكم هذا يكون حال من يضله الله لإسرافه في أفعاله، وارتياب قلبه.
ثمّ بيّن من هؤلاء المسرفون المرتابون؟، وما هي صفاتهم فقال: الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ دفعا لها وإبطالا بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ أي: بغير حجة جاءتهم من الله. قال ابن كثير: أي: الذين يدفعون الحق بالباطل، ويجادلون الحجج بغير دليل وحجة معهم من الله تعالى. فإن الله يمقت على ذلك أشد المقت. ولهذا قال تعالى: كَبُرَ مَقْتاً أي: عظم بغضا جدال الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم عِنْدَ اللَّهِ
стр. 4704
وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا فالله يبغضهم أشد البغض، والمؤمنون أيضا يبغضون من تكون هذه صفته كَذلِكَ أي: مثل هذا الطبع يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ على الحق جَبَّارٍ على خلق الله، وإنما وصف القلب بالتكبر والتجبر لأنه منبعهما. وقد بيّنت الآية أنّ الطبع على القلب إنّما يستحقّه من اتّصف بالكبرياء والجبروت، ويبدو أنّه على أثر هذا الدفاع الحارّ عن موسى ﵇، وعلى أثر هذا الوعظ الشديد، أقلع فرعون عن قتل موسى، فخاطب وزيره من أجل أن يبني له صرحا يطّلع إلى إله موسى ﵇، وبذلك أشعر بصرف النظر، وأراد أن يغطي ذلك بهذا الطلب دون أن يعترف أنه كان مخطئا في تفكيره في قتل موسى ﵇، ودون أن يعلن انصرافه عن هذا القتل
وَقالَ فِرْعَوْنُ جهلا، أو تمويها، أو تغطية، أو انصرافا عما كان فيه، أو إنهاء لكلام مؤمن آل فرعون يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً أي: قصرا عاليا منيفا شاهقا. قال النسفي: وقيل الصرح: البناء الظاهر الذي لا يخفى على الناظر وإن بعد لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ
أَسْبابَ السَّماواتِ أي: طرقها وأبوابها، وما يؤدي إليها، إذ كل ما أدّاك إلى شئ فهو سبب فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى أي: فأنظر إليه وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ أي: موسى ﵇ كاذِباً في قوله له إله غيري، أو في وجود إله غيري وَكَذلِكَ أي: ومثل ذلك التزيين وذلك الصدّ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ المستقيم وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ أي: في خسران وهلاك.
كلمة في السياق: [حول قضية الختم على القلب وسببه، وأهمية الإنذار، وإبراز وحدة السورة]
١ - يلاحظ أنه ورد في أول السورة قوله تعالى: ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ وأنه ورد على لسان مؤمن آل فرعون هنا قوله: الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ وفي ذلك دليل على أن قصة موسى ﵇ وما ورد فيها تمثيل واقعي للمعاني التي ذكرت من قبل في السورة، كما أن في الآية دليلا على أنّ علامة الطبع على القلب الجدال في آيات الله. وبإدراكنا لهذه القضية ندرك مفتاح السورة، ونعرف محورها إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ فالختم على القلب سببه الجدال في آيات الله، وهي علامته. ومن ثم فإن
стр. 4705
السورة عند ما بدأت في الكلام عن الجدال في آيات الله إنّما كانت تفصّل قوله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ... من سورة البقرة.
٢ - ورد في كلام مؤمن آل فرعون هذان القولان: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ إن الله لا يهدي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ* الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ .... وهذا يدل على أن الله إذا حكم على إنسان بالكفر، وختم على قلبه فما ذلك إلا لاتّصافه بصفات: منها الإسراف، ومنها الكذب، ومنها الارتياب الذي يرافقه جدال في آيات الله بغير حق، وردّ لها ودفع، أما إذا كان ريب يرافقه رغبة في الإيمان، وتسليم للحجة، فهذا يرجى من صاحبه خير.
٣ - إذا اعتبرنا كلام مؤمن آل فرعون تفصيلا لمحور السورة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ فإننا ندرك هاهنا قضية مهمة: وهي أنّه إذا كان الإنذار لأمثال هؤلاء الكافرين لا ينفعهم، بحيث يؤمنون، فإن الكلام معهم قد يفيد في شيء آخر؛ فإننا لاحظنا أن كلام مؤمن آل فرعون أثّر في صرف فرعون عن قتل موسى ﵇، ومن ثم فلا بد من إنذار، فإنه إنّ لم ينفع في تحقيق قضية الإيمان، فإنه ينفع في شئون أخرى، فلا يقولن إنسان لا ينفع الإنذار أبدا. فليس هناك طاغية كفرعون، ومع ذلك تزحزح عن موقف من مواقفه بسبب الإنذار البليغ.
٤ - نلاحظ أنه في أول السورة وعظ الله الكافرين بقوله: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ .. ونلاحظ أن مؤمن آل فرعون وعظ قومه بهذا: يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ* مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ ... فالله يعظ هذه الأمة من خلال الخطاب المباشر، ومن خلال العرض، ومن خلال القصة.
ومن كل ما ذكرناه ندرك أنّ السورة تسير في اتجاه واحد، وتؤلف وحدة متكاملة ومحورا محددا.
وقبل أن ننتقل إلى الجولة الثانية من كلام مؤمن آل فرعون. فلننقل بعض ال فوائد .
فوائد:
١ - [كلام ابن كثير عن مؤمن آل فرعون]
بمناسبة الكلام عن مؤمن آل فرعون. قال ابن كثير: (قال ابن جرير عن ابن
стр. 4706
عباس ﵄ لم يؤمن من آل فرعون سوى هذا الرجل، وامرأة فرعون والذي قال يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ (سورة القصص: ٢٠) رواه ابن أبي حاتم، وقد كان هذا الرجل يكتم إيمانه عن قومه القبط فلم يظهر إلا هذا اليوم حين قال فرعون ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى فأخذت الرجل غضبة لله . وأفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر كما ثبت بذلك الحديث، ولا أعظم من هذه الكلمة عند فرعون وهي قوله أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ اللهم إلا ما رواه البخاري في صحيحه عن عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنهما قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أخبرني بأشد شئ صنعه المشركون برسول الله ﷺ قال: بينا رسول الله ﷺ يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فأخذ بمنكب رسول الله ﷺ ، ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقا شديدا فأقبل أبو بكر ﵁، فأخذ بمنكبه، ودفعه عن النبي ﷺ ثم قال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ؟ انفرد به البخاري وروى ابن أبي حاتم عن عمرو بن العاص ﵁ أنه سئل ما أشد ما رأيت قريشا بلغوا من رسول الله ﷺ ؟ قال: مرّ ﷺ بهم ذات يوم فقالوا له: أنت تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا؟ فقال «أنا ذاك» فقاموا إليه فأخذوا بمجامع ثيابه، فرأيت أبا بكر ﵁ محتضنه من ورائه وهو يصيح بأعلى صوته، وإن عينيه ليسيلان وهو يقول يا قوم أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ حتى فرغ من الآية كلها وهكذا رواه النسائي من حديث عبدة فجعله من مسند عمرو بن العاص ﵁.
٢ - [كلام ابن كثير عن سبب تسمية يوم القيامة بيوم التناد]
ذكرنا أن في سبب تسمية يوم القيامة يوم التناد أقوالا متعددة وقد عرض ابن كثير الأقوال الواردة في ذلك. قال: (وسمي بذلك قال بعضهم: لما جاء في حديث الصور إن الأرض إذا زلزلت وانشقت من قطر إلى قطر، وماجت وارتجت، فنظر الناس إلى ذلك، ذهبوا هاربين، ينادي بعضهم بعضا، وقال آخرون منهم الضحاك:
بل ذلك إذا جئ بجهنم، ذهب الناس هرابا منها، فتتلقاهم الملائكة فتردهم إلى مقام المحشر، وهو قوله تعالى وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها (الحاقة: ١٧) وقوله يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ (الرحمن: ٣٣) وقد روي عن ابن عباس ﵁ والحسن والضحاك أنهم قرءوا يوم التناد بتشديد الدال، من ندّ البعير إذا تردى وذهب، وقيل:
لأن الميزان عنده ملك، إذا وزن عمل العبد فرجح نادى بأعلى صوته: ألا قد سعد فلان
стр. 4707
ابن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وإن خفّ عمله نادى ألا قد شقي فلان بن فلان، وقال قتادة: ينادى كل قوم بأعمالهم، ينادي أهل الجنة أهل الجنة وأهل النار أهل النار، وقيل سمي بذلك لمناداة أهل الجنة أهل النار أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ قالُوا نَعَمْ (الأعراف: ٤٤) ومناداة أهل النار أهل الجنة أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (الأعراف: ٥٠) ولمناداة أصحاب الأعراف أهل الجنة وأهل النار كما هو مذكور في سورة الأعراف، واختار البغوي وغيره أنه سمي بذلك لمجموع ذلك وهو قول حسن جيد والله أعلم).
٣ - [معنى كلمة «جبار» وكلام حول آية يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ]
بمناسبة قوله تعالى: كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ روى ابن أبي حاتم عن عكرمة وحكى عن الشعبي أنهما قالا: لا يكون الإنسان جبارا حتى يقتل نفسين، وقال أبو عمران الجوني وقتادة: آية الجبابرة القتل بغير حق والله تعالى أعلم).
أقول: ليس شرطا حتى يعتبر الإنسان من الجبارين أن يقتل، بل قد يكون جبارا لمجرد قسوته وظلمه بدليل الحديث: «لا يزال الرّجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما أصابهم» رواه الترمذي وقال حديث حسن قال النووي: (يذهب بنفسه) أي يرتفع ويتكبر، فقد يكون الإنسان من الجبارين ولو لم يقتل بغير حق، ولكن القتل بغير حق علامة من علامات الجبروت.
٤ - [هدم نظرية الوصول إلى الله عن الطريق الحسي]
في مقدمة كتابنا (الله ﷻ ذكرنا أن الطريق إلى الله آياته، وذكرنا أن كثيرين- خلال العصور السابقة وفي عصرنا- يطلبون الوصول إلى الله عن طريق الحسّ. واستشهدنا- من جملة ما استشهدنا على ذلك- بموقف فرعون إذ يقول لهامان ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ* أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وذكرنا أن الطريق إلى الله ليس هذا، مستشهدين بأدلة العقل والنقل، ومن جملة ما استشهدنا عليه من أدلة النقل قول الله في هذا المقام: وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ فالسبيل إلى الله ليس ما تصوره فرعون.
٥ - [بشارة لأهل الإيمان وتهديد لأهل الطغيان]
نلاحظ أنه في أول قصة موسى ﵇ هاهنا ورد قوله تعالى: وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ وفي نهاية المجموعة الأخيرة ورد قوله تعالى: وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ وهذه بشارة لأهل الإيمان أن يطمئنوا إلى العاقبة، وأن يعرفوا أن
стр. 4708
أعداء الله ليسوا على شئ مهما علا سلطانهم وامتد بغيهم، هذا في الدنيا، وما عند الله أشد. وفي الحديث: «ما من إمام يموت- يوم يموت- وهو غاش لرعيته إلا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام» ولننتقل إلى الجولة الثانية في قصة مؤمن آل فرعون وهي المجموعة الرابعة من الفقرة الأولى في المقطع ..
تفسير المجموعة الرابعة من الفقرة الأولى
وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ لا كما كذب فرعون عند ما قال: وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ. والرشاد هو: نقيض الغي: وفي قول مؤمن آل فرعون تعريض شبيه بالتصريح، أن ما عليه فرعون وقومه سبيل الغيّ. وبعد أن أجمل في دعوته فسّر، فافتتح بذم الدنيا فزهّدهم فيها، وهي التي قد آثروها على الأخرى، وصدّتهم عن التصديق برسول الله موسى ﵇، وفي ذلك إشارة إلى أن بداية الرشاد وطريقه هو الزهد في الدنيا
يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ أي قليلة زائلة فانية عن قريب تذهب وتضمحل، والمتاع هو ما فيه تمتيع يسير، فالإخلاد إلى الدنيا أصل الشر، ومنبع الفتن. وبعد أن حقّر الدنيا ثنى بتعظيم الآخرة، وبيّن أنّها هي الوطن والمستقر فقال: وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ أي: الدار التي لا زوال لها، ولا انتقال منها، ولا ظعن عنها إلى غيرها، بل إما نعيم وإما جحيم.
ومن ثم عقّب بذكر الأعمال سيئها وحسنها، وعاقبة كل منها، ليثبّط عما يتلف، وينشّط لما يزلف فقال: مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ هذا هو الشرط فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ أي لا يتقدّر بجزاء بل يثيبه الله ثوابا كثيرا لا انقضاء له ولا نفاد.
ثم وازن بين الدعوتين: دعوته إلى دين الله الذي ثمرته الجنات، ودعوتهم إلى اتخاذ الأنداد الذي عاقبته النار. فقال: وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وهي عبادة الله وحده لا شريك له وتصديق رسوله ﷺ الذي بعثه والتي مآلها الجنة وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ
ثم بيّن ما يدعونه إليه تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ أي: أجحده وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ أي: ما ليس لي بربوبيته وألوهيته علم، أي: ما لا يقوم الدليل والبرهان على صحة ألوهيته وربوبيته وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الذي لا أعظم من عزته، والذي هو مع عزته الْغَفَّارِ يغفر ذنب من تاب إليه
لا جَرَمَ أي: حقا أو لا كذب
стр. 4709
أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ من الأصنام والأنداد لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ أي: هو لا يدعو إلى عبادة نفسه، لا في الدنيا ولا في الآخرة فكيف تعبدونه؟! أو ليس له استجابة دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، فكيف تدعون من لا يستطيع استجابة دعاء من دعاه وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ أي: وإن رجوعنا إليه في الدار الآخرة، فيجازي كلّا بعمله وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ أي: خالدين فيها بإسرافهم، وهو شركهم بالله
فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ أي: من النصيحة عند نزول العذاب. أي: سوف تعلمون صدق ما أمرتكم به، ونهيتكم عنه، ونصحتكم ووضحت لكم، وتتذكرونه وتندمون حيث لا ينفعكم الندم وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ أي: وأتوكل على الله وأستعينه، وأقاطعكم وأباعدكم، أو وأسلّم أمري إلى الله إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ أي: بأعمالهم ومآلهم. أي: هو بصير بهم تعالى وتقدّس، فيهدي من يستحق الهداية، ويضلّ من يستحقّ الإضلال، وله الحجة البالغة، والحكمة التامّة، والقدر النافذ
فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا أي: شدائد مكرهم، وما همّوا به من إلحاق أنواع العذاب بمن خالفهم، دلّ ذلك على أنّهم أرادوا الإيقاع به، ولكنّ الله نجاه وَحاقَ أي: ونزل بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ وهو الغرق في اليمّ، ثم النقلة منه إلى الجحيم، فإن أرواحهم تعرض على النار صباحا ومساء إلى قيام الساعة.
فإذا كان يوم القيامة اجتمعت أرواحهم وأجسادهم في النار، ولهذا قال: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا أي: في هذين الوقتين يعذّبون في النار، وفيما بين ذلك، إما أن يعذبوا بجنس آخر، أو ينفّس عنهم، ويجوز أن يكون المراد بذلك الدوام. وهذه الآية دليل على عذاب القبر. قال ابن كثير: وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ أي: أشدّه ألما وأعظمه نكالا.
كلمة في السياق: [حول صلة قصة مؤمن آل فرعون بمحور السورة]
نلاحظ أن الله عقّب على إنذار مؤمن آل فرعون بقوله: فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ وهذا يدل على أنّهم لم ينتفعوا بإنذاره، ولذلك صلته بمحور السورة. من سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ
стр. 4710
عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وقد عرض الله علينا نموذجا من هذا العذاب العظيم في قوله: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ ولما كان آل فرعون أتباعا ومتبوعين فإنّ الله يقصّ علينا خصومة أهل النّار مع بعضهم. ثم يقصّ علينا حكمة تعذيبه الكافرين في الدنيا والآخرة. ثم يختم قصة موسى ﵇ في السورة. فلنر ذلك ثم نعود إلى السياق.
تفسير المجموعة الخامسة من الفقرة الأولى
وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ أي: واذكر وقت تخاصمهم في النار فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ يعني الأتباع لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا يعني الرؤساء إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً أي: أتباعا أطعناكم فيما دعوتمونا إليه في الدنيا من الكفر والضلال فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ أي: دافعون عَنَّا نَصِيباً أي: جزءا مِنَ النَّارِ
قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها أي: إنا كلنا فيها لا يغني أحد عن أحد، أي: لا نتحمل عنكم شيئا، كفى بنا ما عندنا، وما حمّلنا من العذاب والنكال إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ أي: قضى بَيْنَ الْعِبادِ أي: قسم بيننا العذاب بقدر ما يستحقّه كل منّا
وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ جميعا لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ أي: للملائكة الموكّلين بعذاب أهل النار ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً أي: بقدر يوم من أيام الدنيا مِنَ الْعَذابِ لمّا علموا أنّ الله لا يستجيب منهم، ولا يستمع لدعائهم- سألوا الخزنة- وهم كالسجّانين لأهل النار- أن يدعوا لهم الله تعالى في أن يخفف عن الكافرين ولو بمقدار يوم واحد من العذاب، فقالت لهم الخزنة رادّين عليهم
قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ أي: بالمعجزات والدلائل الواضحات قالُوا أي: الكافرون بَلى قالُوا فَادْعُوا أي: أنتم لأنفسكم، فنحن لا ندعو لكم، ولا نسمع منكم، ولا نودّ خلاصكم، ونحن منكم براء، ثمّ أخبروهم أنه سواء دعوا أو لم يدعوا لا يستجاب لهم، ولا يخفف عنهم؛ ولهذا قالوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ أي: إلا في ضياع وذهاب لا يقبل ولا يستجاب.
стр. 4711
نقل: [عن صاحب الظلال حول آية فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا .. ]
عند قوله تعالى: فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً. فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ؟ قال صاحب الظلال: (إن الضعفاء إذن في النار مع الذين استكبروا. لم يشفع لهم أنهم كانوا ذيولا وإمّعات! ولم يخفف عنهم أنهم كانوا غنما تساق! لا رأي لهم ولا إرادة ولا اختيار!.
لقد منحهم الله الكرامة. كرامة الإنسانية. وكرامة التبعة الفردية. وكرامة الاختيار والحرية. ولكنهم هم تنازلوا عن هذا جميعا. تنازلوا وانساقوا وراء الكبراء والطغاة والملأ والحاشية. لم يقولوا لهم: لا. بل لم يفكروا أن يقولوها. بل لم يفكروا أن يتدبروا ما يقولونه لهم وما يقودونهم إليه من ضلال .. إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً .. وما كان تنازلهم عما وهبهم الله واتباعهم الكبراء ليكون شفيعا لهم عند الله. فهم في النار. ساقهم إليها قادتهم كما كانوا يسوقونهم في الحياة. سوق الشياه! ثم ها هم أولاء يسألون كبراءهم:
فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ؟ .. كما كانوا يوهمونهم في الأرض أنهم يقودونهم في طريق الرشاد، وأنهم يحمونهم من الفساد، وأنهم يمنعونهم من الشر والضر وكيد الأعداء!.
فأما الذين استكبروا فيضيقون صدرا بالذين استضعفوا، ويجيبونهم في ضيق وبرم وملالة. وفي إقرار بعد الاستكبار ...
قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ.
كلمة في السياق:
ذكر الله ثلاثة أنواع من العذاب يسلّطه على الكافرين به وبرسله:
عذاب الدنيا، وعذاب البرزخ في القبر، وعذاب النار، وبعد أن ذكر الله سبحانه أنواع العذاب هذه بيّن أنّ ذلك كله إنّما يفعله نصرة لرسله وللمؤمنين فقال:
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا كما نصر موسى ومؤمن آل فرعون بإغراق فرعون وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ أي: يوم القيامة
يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ أي: لا يقبل عذرهم وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ أي: البعد من رحمة الله وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ أي: سوء دار الآخرة وهو عذابها، وسمّي يوم القيامة بيوم الأشهاد؛ لأن
стр. 4712
الأنبياء يشهدون فيه، والحفظة يشهدون، فالأنبياء يشهدون عند رب العزة على الكفرة بالتكذيب، والحفظة يشهدون على بني آدم بما عملوا من الأعمال.
كلمة في السياق:
بدأ الله موسى ﵇ بقوله وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ* إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ ... ثمّ قصّ علينا موقف الكافرين من موسى ﵇ ودفاع مؤمن آل فرعون عن موسى، ثم قصّ الله علينا أنواع العذاب الذي يعذّبها الله الكافرين، انتصارا لرسله وللمؤمنين، ويختم الله قصة موسى ﵇ في هذه السورة بقوله:
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى يريد به جميع ما أتى به في باب الدين من المعجزات والتوراة والشرائع وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ أي: التوراة
هُدىً أي: هداية وَذِكْرى أي: تذكيرا لِأُولِي الْأَلْبابِ أي: لأولي العقول.
كلمة في السياق:
بدأت قصة موسى ﵇ بقوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ وختمت بقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ* هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ فكأنه يشير إلى البداية والنهاية في حياة موسى ﵇: مرحلة الصراع مع فرعون، ومرحلة النجاة، وهداية بني إسرائيل، ووراثتهم التوراة بعد ذلك وهي النعم الكبرى، والنصر العظيم، فالنّعمة الكبرى أن يكون الإنسان على الهدى، والنّصر العظيم أن يوجد ورّاث لدين الله ودعوته.
وبهذا تنتهي الفقرة الأولى من المقطع الوحيد بعد مقدمة السورة، ويتوجّه الآن الخطاب لرسول الله ﷺ آمرا إياه بالصبر والاستغفار والتسبيح كما سنرى. وهذه بعض الفوائد المتعلّقة بالمجموعتين الأخيرتين.
стр. 4713
فوائد:
١ - [كلام ابن كثير عن مقاعد أهل النار بمناسبة آية النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها .. ]
بمناسبة قوله تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا قال ابن كثير:
(روى الإمام أحمد عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة» أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به.
٢ - [الفهم الصحيح لكيفية نصر الله للمؤمنين من خلال كلام ابن كثير وصاحب الظلال]
بمناسبة قوله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ قال ابن كثير: (قد أورد أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى عند قوله تعالى إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا سؤالا فقال: قد علم أن بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قتله قومه بالكلية كيحيى وزكريا وشعياء، ومنهم من خرج من بين أظهرهم، إما مهاجرا كإبراهيم، وإما إلى السماء كعيسى، فأين النصرة في الدنيا؟ ثم أجاب عن ذلك بجوابين «أحدهما» أن يكون الخبر خرج عامّا، والمراد به البعض، قال: وهذا سائغ في اللغة «الثاني» أن يكون المراد بالنصر الانتصار لهم ممن آذاهم، وسواء كان ذلك بحضرتهم، أو في غيبتهم، أو بعد موتهم، كما فعل بقتلة يحيي وزكريا وشعياء سلط عليهم من أعدائهم من أهانهم، وأذلوهم وأظهرهم الله تعالى عليهم، ثم قبل يوم القيامة سينزل عيسى ابن مريم ﵊ إماما عادلا، وحكما مقسطا، فيقتل المسيح الدجال وجنوده من اليهود، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، فلا يقبل إلا الإسلام، وهذه نصرة عظيمة، وهذه سنة الله تعالى في خلقه في قديم الدهر وحديثه، أن ينصر عباده المؤمنين في الدنيا، ويقر أعينهم ممن آذاهم. ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يقول الله ﵎: من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب» وفي الحديث الآخر: «إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب»، ولهذا أهلك الله قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الرس وقوم لوط وأهل مدين وأشباههم وأضرابهم ممن كذب الرسل وخالف الحق. وأنجى الله تعالى من بينهم المؤمنين، فلم يهلك منهم أحدا، وعذب الكافرين فلم يفلت منهم أحدا. وقال السدي لم يبعث الله رسولا قط إلى قوم فيقتلونه، أو قوم من المؤمنين يدعون إلى الحق فيقتلون فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله ﵎ لهم من ينصرهم، فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا،
стр. 4714
قال فكانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا وهم منصورون فيها، وهكذا نصر الله نبيه محمدا ﷺ وأصحابه على من خالفه وناوأه وكذبه وعاداه، فجعل كلمته هي العليا، ودينه هو الظاهر على سائر الأديان، وأمره بالهجرة من بين ظهراني قومه إلى المدينة النبوية، وجعل له فيها أنصارا وأعوانا، ثم منحه أكتاف المشركين يوم بدر، فنصره عليهم وخذلهم، وقتل صناديدهم، وأسر سراتهم فاستاقهم مقرّنين في الأصفاد، ثم منّ عليه بأخذ الفداء منهم، ثم بعد مدة قريبة فتح عليه مكة فقرّت عينه ببلده- وهو البلد المحرم الحرام المشرف المعظم- فأنقذه الله تعالى به مما كان فيه من الكفر والشرك، وفتح له اليمن، ودانت له جزيرة العرب بكمالها، ودخل الناس في دين الله أفواجا، ثم قبضه الله تعالى إليه لما له عنده من الكرامة العظيمة، فأقام الله ﵎ أصحابه خلفاء بعده، فبلّغوا عنه دين الله ، ودعوا عباد الله تعالى إلى الله جلّ وعلا، وفتحوا البلاد والرساتيق، والأقاليم والمدائن، والقرى والقلوب، حتى انتشرت الدعوة المحمدية في مشارق الأرض ومغاربها، إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ أي: يوم القيامة تكون النصرة أعظم وأكبر وأجل) ..
أقول: الذي يظهر من السياق في السورة أنّ النّصرة التي وقعت لموسى ﵇ ولمؤمن آل فرعون تظهر في أخذ فرعون وجنده في البحر، وتسليط أنواع من العذاب الرباني عليهم، ثم تعذيبهم في القبر، ثم تعذيبهم يوم القيامة، فهذه مظاهر النصرة لموسى ﵇ ومن آمن به، ومظاهر انتصار الله لرسله وللمؤمنين كثيرة فليستبشر المؤمنون، فإنّ في قوله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا بشارة للمؤمنين إلى قيام الساعة بنصرة الله.
وبمناسبة قوله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ* يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ قال صاحب الظلال:
فأما في الآخرة فقد لا يجادل أحد من المؤمنين بالآخرة في هذه النهاية. ولا يجد ما يدعوه إلى المجادلة. وأما النصر في الحياة الدنيا فقد يكون في حاجة إلى جلاء وبيان.
إن وعد الله قاطع جازم: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ... ..
بينما يشاهد الناس أن الرسل منهم من يقتل، ومنهم من يهاجر من أرضه وقومه مكذّبا مطرودا، وأن المؤمنين فيهم من يسام العذاب، وفيهم من يلقى في الأخدود، وفيهم من
стр. 4715
يستشهد، وفيهم من يعيش في كرب وشدة واضطهاد .. فأين وعد الله لهم بالنصر في الحياة الدنيا؟ ويدخل الشيطان إلى النفوس من هذا المدخل، ويفعل بها الأفاعيل!.
ولكن الناس يقيسون بظواهر الأمور. ويغفلون عن قيم كثيرة وحقائق كثيرة في التقدير. إن الناس يقيسون بفترة قصيرة من الزمان، وحيّز محدود من المكان. وهي مقاييس بشرية صغيرة. فأما المقياس الشامل فيعرض القضية في الرقعة الفسيحة من الزمان والمكان، ولا يضع الحدود بين عصر وعصر ولا بين مكان ومكان. ولو
نظرنا إلى قضية الاعتقاد والإيمان في هذا المجال لرأيناها تنتصر من غير شك. وانتصار قضية الاعتقاد هو انتصار أصحابها. فليس لأصحاب هذه القضية وجود ذاتي خارج وجودها. وأول ما يطلبه منهم الإيمان أن يفنوا فيها ويختفوا هم ويبرزوها!.
والناس كذلك يقصرون معنى النصر على صورة معينة معهودة لهم، قريبة الرؤية لأعينهم. ولكن صور النصر شتى. وقد يلتبس بعضها بصور الهزيمة عند النظرة القصيرة. إبراهيم ﵇ وهو يلقى في النار فلا يرجع عن عقيدته ولا عن الدعوة إليها .. أكان في موقف نصر أم في موقف هزيمة؟ ما من شك- في منطق العقيدة- أنه كان في قمة النصر وهو يلقى في النار. كما أنه انتصر مرة أخرى وهو ينجو من النار. هذه صورة وتلك صورة. وهما في الظاهر بعيد من بعيد. فأما في الحقيقة فهما قريب من قريب! .. والحسين- رضوان الله عليه- وهو يستشهد في تلك الصورة العظيمة من جانب، المفجعة من جانب؟ أكانت هذه نصرا أم هزيمة؟ في الصورة الظاهرة وبالمقياس الصغير كانت هزيمة. فأما في الحقيقة الخالصة وبالمقياس الكبير فقد كانت نصرا. فما من شهيد في أرض تهتز له الجوانح بالحب والعطف، وتهفو له القلوب وتجيش بالغيرة والفداء كالحسين رضوان الله عليه. يستوي في هذا المتشيعون وغير المتشيعين من المسلمين.
وكثير من غير المسلمين!.
وكم من شهيد ما كان يملك أن ينصر عقيدته ودعوته ولو عاش ألف عام، كما نصرها باستشهاده. وما كان يملك أن يودع القلوب من المعاني الكبيرة، ويحفز الألوف إلى الأعمال الكبيرة، بخطبة مثل خطبته الأخيرة التي يكتبها بدمه، فتبقى حافزا محركا للأبناء والأحفاد. وربما كانت حافزا محركا لخطى التاريخ كله مدى أجيال.
ما النصر؟ وما الهزيمة؟ إننا في حاجة إلى أن نراجع ما استقر في تقديرنا من الصور ومن القيم. قبل أن نسأل: أين وعد الله لرسله وللمؤمنين بالنصر في الحياة الدنيا!.
стр. 4716
على أن هناك حالات كثيرة يتم فيها النصر في صورته الظاهرة القريبة. ذلك حين تتصل هذه الصورة الظاهرة القريبة بصورة باقية ثابتة. لقد انتصر محمد ﷺ في حياته.
لأن هذا النصر يرتبط بمعنى إقامة هذه العقيدة بحقيقتها الكاملة في الأرض. فهذه العقيدة لا يتم تمامها إلا بأن تهيمن على حياة الجماعة البشرية وتصرفها جميعا- من القلب المفرد إلى الدولة الحاكمة- فيشاء الله أن ينصر صاحب هذه العقيدة في حياته ليحقق هذه العقيدة في صورتها الكاملة، ويترك هذه الحقيقة مقررة في واقعة تاريخية محددة مشهودة. ومن ثم اتصلت صورة النصر القريبة بصورة أخرى بعيدة، واتحدت الصورة الظاهرة مع الصورة الحقيقية. وفق تقدير الله وترتيبه.
وهنالك اعتبار آخر تحسن مراعاته كذلك. إن وعد الله قائم لرسله وللذين آمنوا.
ولا بد أن توجد حقيقة الإيمان في القلوب التي ينطبق هذا الوعد عليها. وحقيقة الإيمان كثيرا ما يتجوز الناس فيها. وهي لا توجد إلا حين يخلو القلب من الشرك في كل صوره وأشكاله. وإن هنالك لأشكالا من الشرك خفية؛ لا يخلص منها القلب إلا حين يتجه لله وحده، ويتوكل عليه وحده، ويطمئن إلى قضاء الله فيه وقدره عليه، ويحس أن الله وحده هو الذي يصرفه فلا خيرة له إلا ما اختار الله. ويتلقى هذا بالطمأنينة والثقة والرضى والقبول. وحين يصل إلى هذه الدرجة فلن يقدم بين يدي الله، ولن يقترح عليه صورة معينة من صور النصر أو صور الخير. فسيكل هذا كله لله. ويلتزم. ويتلقى كل ما يصيبه على أنه الخير .. وذلك معنى من معاني النصر .. النصر على الذات والشهوات. وهو النصر الداخلي الذي لا يتم نصر خارجي بدونه بحال من الأحوال.
كلمة في الفقرة الأولى من هذا المقطع وفي مقدمة السورة:
١ - بدأ هذا المقطع بقوله تعالى: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ* ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ. ثم جاءت قصة موسى ﵇ نموذجا على تعذيب الله لمن كذّب الرسل، حتى إذا استقر هذا المعنى يتوجّه الآن الخطاب لرسول الله ﷺ آمرا إياه بالصبر، فإذا تذكرنا مقدمة سورة (ص) التي تفصّل في نفس المحور الذي تفصّل فيه سورة غافر، فإننا نلاحظ أنّه قد جاء بعد مقدمة السورة قوله تعالى اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ وهاهنا بعد إذ
стр. 4717
قرر الله ما رأينا يأتي قوله تعالى فَاصْبِرْ ... ثم بعد آيات كثيرة يتكرر الأمر بالصبر فَاصْبِرْ فإذا تذكّرنا أنه قبيل بداية المقطع ورد قوله تعالى وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ .. نعلم كيف أنّ السورة وجّهت الرسول ﷺ نحو الإنذار، ثم تبدأ الآن توجّهه نحو الصبر أمام المواقف المتعنّتة المستكبرة.
٢ - إذا اتضح ما مرّ ندرك كيف تسير السورة في تفصيل المحور إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ فالسورة ترينا أنّ هناك كافرين لا يؤثّر فيهم الإنذار، وترينا مظاهر من العذاب العظيم للكافرين، وترينا علامة الكافرين الذين يستأهلون الطبع على القلوب، كما ترينا ضرورة الإنذار. وها هي ذي تصل إلى الحديث عما ينبغي أن يكون عليه النذير من الصفات.
٣ - رأينا في قصة مؤمن آل فرعون نموذجا على إنذار المؤمن، ونموذجا على مواقف المؤمنين، والدرس الكبير الذي نأخذه من القصة: أن كتمان الإيمان ينبغى أن يكون لخدمة الدعوة، حتى إذا أصبح الإظهار هو المصلحة الحقيقية فينبغي أن يظهر الإيمان، فالذين يكتمون ويموتون وهم كاتمون مع وجود المصلحة الحقيقية للإظهار- وخاصة عند ما يكونون في وضع يفترض عليهم أن يفعلوا- هؤلاء آثمون.
٤ - بدأت السورة بتبيان أن هذا القرآن من عند الله، ثم تحدّثت عن كون الكافرين يجادلون في آيات الله، وأمرت رسول الله ﷺ بألا يغرّ بتقلّبهم في البلاد، ثم ذكرت موقف الأمم السابقة من رسلها، وما عوقبوا به، ثم حدّثتنا عن دعاء الملأ الأعلى للمؤمنين، وتأنيب الملائكة للكافرين يوم القيامة، ثمّ عرّفتنا على الله عزّ
وجل، آمرة لنا بعبادته، والإخلاص فيها ولو كره الكافرون، ثمّ عرّفتنا على الله وإرساله الرسل، وأمرت الرسول ﷺ بالإنذار. ثمّ خاطب الله الكافرين بأن يعتبروا بمشاهداتهم لفعل الله لرسله وللمؤمنين، وفي ذلك بشارة للمؤمنين وتثبيت لقلب رسول الله ﷺ ، حتى إذا وضحت الأمور هذا الوضوح يأتي الآن توجيه لرسول الله ﷺ آمرا إياه بالصبر كما سنرى.
٥ - إن قصة موسى ﵇ خدمت بشكل مباشر قوله تعالى أَوَلَمْ يَسِيرُوا .. ، كما خدمت مقدمة السورة كذلك؛ إذ بيّنت لنا الأسباب النفسية والقلبية
стр. 4718
لجدال الكافرين، واستحقاقهم الطبع على القلب بذلك، وبيّنت لنا أنماطا من جدال الكافرين بآيات الله، وبيّنت لنا تأييد الله لرسله وللمؤمنين، وبيّنت لنا مآل الكافرين، وكل ذلك قد تحدّثت عنه مقدمة السورة، فالقصة خدمت ما سبقها من معان، وهي كذلك تخدم المعاني التي ستأتي بعدها فلننتقل الآن إلى الفقرة الثانية في المقطع.
الفقرة الثانية من المقطع [وتشتمل على أربع مجموعات]
تفسير المجموعة الأولى من الفقرة الثانية
فَاصْبِرْ يا محمد على ما يجرعك الكافرون من الغصص في مواقفهم الظالمة الكافرة المنكرة المستكبرة الرافضة للحق إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بإقامة الساعة حَقٌّ لا مرية فيه ولا شك وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ قال النسفي: أي: لذنب أمّتك، وقال ابن كثير: هذا تهييج للأمّة على الاستغفار، أقول: هو على كل حال أمر له ﵊ بالاستغفار، وكان ﵊ يستغفر كثيرا كل يوم كما سنرى في الفوائد، ولعل استغفاره أثر عن رؤية التقصير عن مراتب العمل كما ينبغي لله ﷻ ، فإنّ الإنسان كلّما عرف من جلال الله وكماله، زاد شعوره بكثرة تقصيره؛ فيستغفر استغفار المذنبين، ومن ثمّ قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ أي: في أواخر النّهار، وأوائل الليل وَالْإِبْكارِ وهي أوائل النهار وأواخر الليل هكذا قال ابن كثير في تفسير العشي والإبكار، وقال النسفي: أي: دم على عبادة ربك والثناء عليه، وقيل:
هي صلاتا الفجر والعصر، وقيل: سبحان الله وبحمده
إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ أي: يدفعون الحق بالباطل، ويردّون الحجج بالشبه الفاسدة بلا برهان ولا حجة من الله إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ أي: تعظّم، وهو إرادة التقدّم والرئاسة، وألا يكون أحد فوقهم، فلهذا عادوك ودفعوا آياتك، خيفة أن تتقدمهم، ويكونوا تحت يدك وأمرك ونهيك؛ لأن النبوة تحتها كل ملك ورئاسة، أو إرادة أن تكون لهم النبوة دونك، حسدا وبغيا، أو إرادة دفع الآيات بالجدل ما هُمْ بِبالِغِيهِ أي:
ما هم ببالغي موجب الكبر ومقتضاه وهو متعلّق إرادتهم من الرئاسة، أو النّبوة، أو دفع الآيات، قال ابن كثير: أي: ما في صدورهم إلا كبر على اتباع الحق واحتقار لمن جاءهم
стр. 4719
به، وليس ما يرومونه من إخماد الحق، وإعلان الباطل بحاصل لهم، بل الحق هو المرفوع، وقولهم وقصدهم هو الموضوع فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لما تقول ويقولون الْبَصِيرُ بما تعمل ويعملون فهو ناصرك عليهم، وعاصمك من شرّهم، أو المعنى:
فاستعذ بالله من شر مثل هؤلاء المجادلين في آيات الله بغير سلطان، إنه هو السميع لكل شئ، البصير بكل شئ.
كلمة في السياق: [حول عرض كيفية جدال الكافرين في آيات الله]
يلاحظ أنّ موضوع مجادلة الذين كفروا بآيات الله قد ذكرت ثلاث مرات حتى هاهنا: مرّة في أوّل السورة ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ ومرة على لسان مؤمن آل فرعون: إن الله لا يهدي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ* الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ومرة هنا: إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
المرة الأولى قررت أن المجادلة في آيات الله لا يفعلها إلا الكافرون، والمرّة الثانية بيّنت أنّ الإسراف والارتياب هما سبب الجدل في آيات الله، وأن الجدل في آيات الله هو علامة أن القلب قد طبع عليه بسبب الكبرياء والجبروت، والمرّة الثالثة بيّنت أنّ الجدال في آيات الله أثر عن الكبر الذي يستهدف أصحابه الجاه والعظمة والرئاسة.
وإذ تحدّدت الأسباب النفسية والقلبية للجدال في آيات الله، وتبيّنت مظاهر ذلك وأهداف أصحابه، فإن الآيتين الأخيرتين حدّدتا الموقف المكافئ لذلك، وهو الصبر والاستغفار، والتسبيح بحمد الله، والاستعاذة بالله، ومن قبل أمرت الآية الأولى من الآيات الثلاث بعدم الاغترار بما عليه الكافرون، وهكذا نرى كيف أن السياق يصبّ في مصبّ واحد مع تعرضه لكثير من المعاني خلال سيره الرئيسي؛ لاحتياج المعنى الرئيسي إلى ذلك، وإذا كان الصبر مستحيل الوجود إلا إذا كان هناك إيمان بالله وباليوم الآخر.
وإذا كان الاستغفار والتسبيح والاستعاذة أثرا عن معرفة الله ، فإنّ السياق الآن يتّجه للحديث عن اليوم الآخر، ويتّجه ليعرّفنا على الله .
стр. 4720
تفسير المجموعة الثانية من الفقرة الثانية
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ قال النّسفي: (لما كانت مجادلتهم في آيات الله مشتملة على إنكار البعث- وهو أصل المجادلة ومدارها- حجّوا بخلق السموات الأرض؛ لأنهم كانوا مقرين بأن الله خالقها، فإن من قدر على خلقها مع عظمها كان على خلق الإنسان مع مهانته أقدر). وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ لأنهم لا
يتأملون لغلبة الغفلة عليهم قال ابن كثير في الآية: (يقول الله تعالى منبها على أنه يعيد الخلائق يوم القيامة، وأن ذلك سهل عليه يسير لديه بأنه خلق السموات والأرض، وخلقهما أكبر من خلق الناس بدأة وإعادة، فمن قدر على ذلك فهو قادر على ما دونه بطريق الأولى والأخرى)، ولأنّ رؤية هذه المعاني تدلّ على بصيرة القلب، وعدم رؤيتها يدلّ على العمى، ولأن الإيمان بها ينبع عنه العمل الصالح، وعدم الإيمان ينبع عنه العمل السيئ،
قال تعالى وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ أي: كما لا يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئا، والبصير الذي يرى ما انتهى إليه بصره، بل بينهما فرق عظيم، كذلك لا يستوي المؤمنون الأبرار، والكفرة الفجار قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ أي: تذكرا قليلا تتذكّرون، قال ابن كثير: أي: ما أقلّ ما يتذكّر كثير من الناس،
ثمّ قرّر تعالى: إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ أي: لكائنة وواقعة لا رَيْبَ فِيها أي: لا شك. قال النسفي: (أي: لا بدّ من مجيئها، وليس بمرتاب فيها لأنّه لا بدّ من جزاء لئلا يكون خلق الخلق للفناء).
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ أي: لا يصدّقون بها بل يكذّبون بوجودها
وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أي: اعبدوني، أو وحّدوني، أو سلوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ أي:
أثيبكم، أو أغفر لكم، أو أعطكم قال ابن كثير: هذا من فضله ﵎ وكرمه أنه ندب عباده إلى دعائه، وتكفّل لهم بالإجابة، ولنا عودة في الفوائد على هذه الآية إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي قال ابن كثير: أي: عن دعائي وتوحيدي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ أي: صاغرين حقيرين.
نقول:
١ - [كلام صاحب الظلال عن عجائب خلق الله في السموات والأرض بمناسبة الآية (٥٧)]
قال صاحب الظلال عند قوله تعالى: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ والسماوات والأرض معروضتان للإنسان
стр. 4721
يراهما، ويستطيع أن يقيس نفسه إليهما. ولكنه حين (يعلم) حقيقة النسب والأبعاد، وحقيقة الأحجام والقوى، يطامن من كبريائه، ويتصاغر ويتضاءل حتى ليكاد يذوب من الشعور بالضآلة. إلا أن يذكر العنصر العلوي الذي أودعه الله إياه، والذي من أجله كرمه. فهو وحده الذي يمسك به أمام عظمة هذا الكون الهائل العظيم. ولمحة خاطفة عن السموات والأرض تكفي لهذا الإدراك.
هذه الأرض التي نحيا عليها تابع صغير من توابع الشمس تبلغ كتلتها ثلاثة من مليون من كتلة الشمس! ويبلغ حجمها أقل من واحد من مليون من حجم الشمس.
وهذه الشمس واحدة من نحو مائة مليون من الشموس في المجرة القريبة منا؛ والتي نحن منها. وقد كشف البشر- حتى اليوم- نحو مائة مليون من هذه المجرات! متناثرة في الفضاء الهائل من حولها.
والذي كشفه البشر جانب ضئيل صغير لا يكاد يذكر من بناء الكون! وهو- على ضآلته- هائل شاسع يدير الرءوس مجرد تصوره. فالمسافة بيننا وبين الشمس حوالي ثلاثة وتسعين مليونا من الأميال. ذلك أنها رأس أسرة كوكبنا الأرضي الصغير. بل هي- على الأرجح- أم هذه الأرض الصغيرة. ولم تبعد أرضنا عن أحضان أمها بأكثر من هذه المسافة: ثلاثة وتسعين مليونا من الأميال.
أما المجرة التي تتبعها الشمس فقطرها حوالي مائة ألف مليون سنة .. ضوئية .. والسنة الضوئية تعني مسافة ستمائة مليون مليون ميل! لأن سرعة الضوء هي ستة وثمانون ومائة ألف ميل في الثانية!.
وأقرب المجرات الأخرى إلى مجرتنا تبعد عنا بنحو خمسين وسبعمائة ألف سنة ضوئية .. ! ونذكر مرة أخرى أن هذه المسافات وهذه الأبعاد وهذه الأحجام هي التي استطاع علم البشر الضئيل أن يكشف عنها. وعلم البشر هذا يعترف أن ما كشفه قطاع صغير في هذا الكون العريض!).
٢ - [كلام صاحب الظلال عن آداب الدعاء بمناسبة آية ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ .. ]
وقال صاحب الظلال عند قوله تعالى: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ:
وللدعاء أدب لا بد أن يراعى. إنه إخلاص القلب لله. والثقة بالاستجابة مع عدم اقتراح صورة معينة لها، أو تخصيص وقت أو ظرف، فهذا الاقتراح ليس من أدب
стр. 4722
السؤال. والاعتقاد بأن التوجه للدعاء توفيق من الله، والاستجابة فضل آخر. وقد كان عمر- ﵁ يقول: «أنا لا أحمل همّ الإجابة إنما أحمل همّ الدعاء. فإذا ألهمت الدعاء كانت الإجابة معه» وهي كلمة القلب العارف، الذي يدرك أن الله حين يقدر الاستجابة يقدر معها الدعاء. فهما- حين يوفق الله- متوافقان متطابقان.
فأما الذين يستكبرون عن التوجه لله فجزاؤهم الحق أن يوجهوا أذلاء صاغرين لجهنم! وهذه نهاية الكبر الذي تنتفخ به قلوب وصدور في هذه الأرض الصغيرة، وفي هذه الحياة الرخيصة، وتنسى ضخامة خلق الله. فضلا على نسيانها عظمة الله. ونسيانها للآخرة، وهي آتية لا ريب فيها. ونسيانها للموقف الذليل في الآخرة بعد النفخة والاستكبار).
كلمة في السياق: [حول علاقة المجموعة بما قبلها وما بعدها وبالمحور، وملاحظة حول المجموعات القادمة]
١ - جاءت هذه الآيات بعد الآية التي قالت إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ وكأنّها تذكر أمهات القضايا التي يجادلون فيها، وهي الساعة والإيمان والعمل الصالح والعبادة، وقد عرضها الله عرضا يظهر منه أنّ جدالهم في غير محله، فذكر أن خلق السموات والأرض
أكبر من خلق الناس، فموضوع البعث بديهي، وذكر أن الإيمان والعمل الصالح لا يستوي مع الإساءة، كما لا يستوي الأعمى والبصير، فالإيمان والعمل الصالح لا ينبغي أن يمارى في فضلهما، والعبادة لله بديهية من البديهيات، كيف والله قد خلق للإنسان ما خلق ممّا سنراه في المجموعة اللاحقة، فالمجموعة تربط بين ما قبلها وما بعدها.
٢ - جاءت هذه المجموعة بعد أمر الله رسوله ﷺ بالصبر والتسبيح والاستعاذة بالله، فكانت برهانا على مجئ اليوم الآخر، وتهييجا على الإيمان والعمل الصالح والدعاء والعبادة التي فيها الاستغفار والتسبيح والاستعاذة.
٣ - إذا تأمّلنا محور السورة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وتأمّلنا قوله تعالى في المجموعة إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ وإذا تأمّلنا عدم استواء الإيمان والكفر، والعمل الصالح والإساءة،
стр. 4723
أدركنا صلة ذلك بكون الكافرين لا يستفيدون من الإنذار، وأدركنا ضرورة الصبر على مثل هذه المواقف.
٤ - نلاحظ أنّ المجموعات القادمة تتحدّث عن الله ، وذلك بعد قوله تعالى وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ فكأنّ السياق يرينا أنّه من البديهي أن تجب العبادة لله، فلنر ذلك ملاحظين أن لفظ الجلالة (الله) أو الضمير العائد إليه (هو) يتكرر ورودهما في آيات المجموعة التالية:
تفسير المجموعة الثالثة من الفقرة الثانية
أ-
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ أي: لتطمئنوا فيه وتستريحوا وَالنَّهارَ مُبْصِراً أي: مضيئا ليتصرفوا بالأسفار، وقطع الأقطار، والتمكّن من الصناعات إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ أي: لصاحب فضل عليهم لا يوازيه فضل وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ أي: لا يقومون بشكر الله عليهم، بأن يعبدوه كما أمرهم
ذلِكُمُ أي: الذي خلق الليل والنهار اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فلا شئ إلا وهو خلقه لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فلا رب غيره، ولا إله سواه، فهو الجامع لأوصاف الربوبية والإلهية والوحدانية فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ أي: تصرفون. قال ابن كثير: أي فكيف تعبدون غيره من الأصنام التي لا تخلق شيئا بل هي مخلوقة منحوتة. وقال النسفي:
أي: (فكيف ومن أي وجه تصرفون عن عبادته إلى عبادة الأوثان)
كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ قال النسفي: أي: كل من جحد بآيات الله، ولم يتأمّلها، ولم يطلب الحق، أفك كما أفكوا وقال ابن كثير: (أي كما ضلّ هؤلاء بعبادة غير الله، كذلك أفك الذين من قبلهم فعبدوا غيره بلا دليل ولا برهان، بل بمجرد الجهل والهوى، وجحدوا حجج الله وآياته) ومعنى يؤفك: يصرف.
стр. 4724
كلمة في السياق:
وهكذا أقامت هذه الآيات الحجة على ضرورة عبادة الله وشكره، بأن ذكّرت بنعم الله في خلقه الليل والنهار والأشياء كلها، وبأن ذكّرت بوحدانيته وربوبيته وألوهيته، كما أنكرت على من يصرف عن العبادة، وبيّنت أنّ سبب الصرف عن العبادة هو جحود آيات الله. فالجحود هو الصارف عن العبادة، وعن الشكر، وصلة ذلك بقوله تعالى وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ واضحة، وصلة ذلك بالجدال في آيات الله واضحة.
ب-
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً قال النسفي: أي مستقرا وقال ابن كثير: (أي جعلها لكم مستقرا بساطا مهادا تعيشون عليها وتتصرّفون فيها، وتمشون في مناكبها، وأرساها بالجبال لئلا تميد بكم). أقول: وقد أخطأ من ظنّ أن القرار لا يجتمع مع الدوران، فأتت تشعر بالاستقرار وأنت راكب في السيارة والقطار والطائرة، ولا يعني ذلك نفي الحركة، فالله يمنّ علينا باستقرارنا على الأرض بحيث لا تميد بنا ولا تضطرب، وهذا يتحقق في حالة سكون الأرض، أو حركتها المنتظمة وَالسَّماءَ بِناءً محكما غير مضطرب، أي: فخلقكم في أحسن الأشكال، ومنحكم أكمل الصور.
قال صاحب الظلال: فأما الإنسان ذاته فمن حسن صورته هذه الهيئة المتفردة بين سائر الأحياء، وهذا الاكتمال من ناحية الأجهزة لأداء وظائفه جميعها في يسر ودقّة؛ وهذا التوافق بين تكوينه والظروف الكونية العامة التي تسمح له بالوجود والحركة في هذا الوسط الكوني كما هو كائن. وذلك كله فوق خاصيته الكبرى التي جعلت منه خليفة في الأرض، مجهزا بأداة الخلافة الأولى: العقل والاتصال الروحي بما وراء الأشكال والأعراض.
ولو رحنا نبحث دقة التكوين وتناسق أجزائه ووظائفه- بوصفها داخلة في قوله تعالى: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ- لوقفنا أمام كل عضو صغير، بل أمام كل خلية مفردة، في هذا الكيان الدقيق العجيب.
стр. 4725
ونضرب مثلا لهذه الدقة العجيبة فك الإنسان ووضع الأسنان فيه من الناحية الآلية البحتة. إن هذا الفك من الدقة بحيث إن بروز واحد على عشرة من المليمتر في اللثة أو في اللسان، يزحم اللثة واللسان، وبروز مثل هذا الحجم في ضرس أو سن يجعله يصطك بما يقابله ويحتك! ووجود ورقة كورقة السيجارة بين الفكين العلوي والسفلي يجعلها تتأثر بضغط الفكين عليها فتظهر فيها علامات الضغط لأنهما من الدقة بحيث يلتقيان تماما ليمضغ الفك ويطحن ما هو في سمك ورقة السيجارة.
ثم .. إن هذا الإنسان بتكوينه هذا مجهز ليعيش في هذا الكون .. عينه هذه مقيسة على الذبذبات الضوئية التي تقتضي وظيفته في الأرض أن يراها. وأذنه تلك مقيسة على الذبذبات الصوتية التي تقتضي وظيفته في الأرض أن يسمعها. وكل حاسة فيه أو جارحة مصممة وفق الوسط المهيأ لحياته، ومجهزة كذلك بالقدرة على التكيف المحدود عند تغير بعض الظروف.
إنه مخلوق لهذا الوسط، ليعيش فيه، ويتأثر به، ويؤثر فيه. وهناك ارتباط وثيق بين تصميم هذا الوسط وتكوين هذا الإنسان. وتصوير الإنسان على هذه الصورة ذو علاقة بوسطه. أي: بالأرض والسماء. ومن ثم يذكر القرآن صورته في نفس الآية التي يذكر فيها الأرض والسماء .. ألا إنه الإعجاز القرآنى .. ).
وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أي: من المآكل والمشارب في الدنيا قال ابن كثير: فذكر أنّه خلق الدار والسكان، والأرزاق فهو الخالق الرازق ذلِكُمُ أي: الذي فعل هذا كله اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ أي: فتعالى وتقدّس وتنزّه رب العالمين كلهم
هُوَ الْحَيُّ وليس كمن تعبدون من الأموات من أصنام وطبيعة لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فهو المنفرد بالألوهية فَادْعُوهُ أي: فاعبدوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي: الطاعة من الشرك والرياء، مع التوحيد الخالص قائلين الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أي: جامعين بين العبادة والشكر
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من الأصنام والأوثان والأنداد لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي أي: القرآن وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ أي: وأمرت أن أستسلم وأستقيم وأنقاد لرب العالمين.
стр. 4726
كلمة في السياق:
ذكر الله في هذه الآيات ما يستوجب شكره وعبادته وإفراده بالعبادة، وختم هذه الآيات بأن أمر رسوله الله ﷺ أن يبيّن أنّه منهي عن عبادة غير الله ، ومأمور بالاستسلام لله، وفي ذلك بيان أنّ الموقف الصحيح من الآيات هو إفراد الله بالعبادة والاستسلام، لا كما فعل الكافرون من ردّ الآيات، ورفض العبادة والاستسلام لله ، وهذا يؤكّد الصلة بين هذه الآيات ومسار السورة عامة، كما يوضح الصلة بين هذه الآيات وبين قوله تعالى: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ كما يوضح أن الأمر بعبادة الله يدخل فيه النهي عن عبادة غيره، كما يدخل فيه التسليم لله رب العالمين.
ج-
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ قبل أن تكونوا نطفا، وذلك أن التراب والهواء يتحوّلان إلى غذاء، والغذاء يتحوّل داخل الجسم إلى نطف، أو المراد خلق آدم ﵇ من تراب ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ببلوغكم الأربعين ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً بعد بلوغكم الأشدّ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ أي: من قبل بلوغ الأشدّ أو بلوغ الشيخوخة وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى أي:
ويفعل ذلك ليبلغ الجنس البشري يوم القيامة وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ: ما في ذلك من العبرة والحجج، فتؤمنوا وتعبدوا وتسلموا
هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ أي: هو المنفرد بذلك لا يقدر على ذلك أحد سواه فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أي: فإنّما يكوّنه سريعا من غير كلفة، ومن كان هذا شأنه فيجب أن يعبد وحده، ولا يشرك به، وأن يسلم له.
كلمة في السياق:
قلنا إن سورة المؤمن تتألف من مقدّمة ومقطع، ورأينا أنّه بانتهاء قصة موسى تنتهي
стр. 4727
الفقرة الأولى من المقطع، ثمّ تأتي الفقرة الثانية التي تبدأ بقوله تعالى فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وقد مرّت معنا من الفقرة الثانية ثلاث مجموعات، والملاحظ أن المجموعة التي ستأتي معنا لها صلة ببداية الفقرة، فلقد جاء في بداية الفقرة قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ فلنر المجموعة الرابعة من الفقرة الثانية من المقطع:
تفسير المجموعة الرابعة من الفقرة الثانية
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ قال ابن كثير: يقول تعالى:
ألا تعجب يا محمد من هؤلاء المكذّبين بآيات الله، ويجادلون بالباطل كيف تصرف عقولهم عن الهدى إلى الضلال
الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ أي: بالقرآن وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا أي: من الهدى والبيان فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ قال ابن كثير: (هذا تهديد شديد، ووعيد أكيد من الرب ﷻ لهؤلاء)
ثم بيّن متى سيكون هذا العلم فقال إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ أي: إذ الأغلال والسلاسل في أعناقهم يُسْحَبُونَ أي: تسحبهم الزبانية على وجوههم
فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ قال ابن كثير: تارة إلى الحميم، وتارة إلى الجحيم. والحميم هو: الماء الحار، والجحيم:
النار، وسجر التّنور معناه: ملأه وقودا، ومعنى أنهم يسجرون أي أنّهم في النّار، فهي محيطة بهم، وهم مسجورون بالنّار، ومملوءة بها أجوافهم
ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ على وجه التقريع والتوبيخ والتحقير والتصغير، والتهكم والاستهزاء بهم، والقائل هم خزنة جهنم أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ
مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: الأصنام التي كنتم تعبدونها قالُوا ضَلُّوا عَنَّا أي: ذهبوا فلم ينفعونا، أو غابوا عن عيوننا فلا نراهم ولا ننتفع بهم بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً أي:
تبيّن لنا أنّهم لم يكونوا شيئا، وما كنا نعبد بعبادتهم شيئا، وقد يكون المراد جحودهم لعبادة غير الله كذبا منهم، كعادتهم الكذب في الدنيا ...
كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ أي: مثل ضلال آلهتهم عنهم في الآخرة، يضلهم الله عن الحق في الدنيا، بجدالهم في آيات الله، أو كما أضل هؤلاء المجادلين، يضل سائر الكافرين الذين علم منهم اختيار الضلال على الدين الحق
ذلِكُمْ العذاب الذي نزل بكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ أي: بسبب ما كان لكم من
стр. 4728
الفرح والمرح بغير الحق وهو الشرك، وعبادة الأوثان. قال ابن كثير: (أي: تقول لهم الملائكة: هذا الذي أنتم فيه جزاء على فرحكم في الدنيا بغير الحق، ومرحكم وأشركم وبطركم).
ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ أي: فبئس المنزل والمقيل الذي فيه الهوان والعذاب الشديد لمن استكبر عن آيات الله، واتّباع دلائله وحججه، وبهذا انتهت الفقرة الثانية من المقطع، لتبدأ فقرة ثالثة مبدوءة بما بدأت به الفقرة الثانية فَاصْبِرْ ...
كلمة في السياق: [حول علة من علل جدال الكافرين، وعلاقة الفقرة الثانية بالثالثة]
١ - عجّبت هذه المجموعة الأخيرة رسول الله ﷺ من صرف الذين يجادلون في آيات الله عن الحق، وبيّنت أنهم سيعلمون الحقّ عند ما يعذّبون في الآخرة، وذكرت أنّ استحقاقهم العذاب بسبب فرحهم في الأرض ومرحهم بغير الحق، ففهمنا علة جديدة من علل جدال الكافرين، وهي الفرح والمرح بغير الحق، وكان السياق قد ذكر من قبل الدنيا والإسراف والارتياب والتكبر والجبروت.
٢ - إنّ هذا الجزء من المقطع والمتضمن للفقرة الثانية بدأ بأمر رسول الله ﷺ بالصبر والاستغفار، والتسبيح والاستعاذة، ليساعده ذلك على السير رغم مكابرة المكابرين، وأقام الحجة على هؤلاء المكابرين في أمهات القضايا التي يكابرون فيها ويجادلون، رغبة في إبطالها، وبيّن أنّ كل ما يجادلون فيه إنما هو من باب البديهيات لمن عقل أو تذكّر. حتى إذا قامت الحجة يعود السياق في الفقرة الثالثة إلى الأمر بالصبر، وقبل أن نعرض الفقرة الثالثة فلنذكر بعض ال فوائد ..
فوائد:
١ - [عرض لاتجاهات العلماء في المقصود بالدعاء في آية ادْعُونِي أَسْتَجِبْ .. ]
للعلماء في قوله تعالى: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ثلاثة اتجاهات.
أن المراد بالدعاء هنا الدعاء المعروف، أو أن المراد به التوحيد، أو أن المراد به العبادة، والحديث الشريف يقول «الدعاء مخ العبادة» أو «الدعاء هو العبادة» وما ذلك إلا لأن فيه
стр. 4729
افتقارا إلى الله، وخضوعا له، ومعرفة لكونه سميعا قريبا مجيبا، فمن عبد الله بالدعاء لم يستكبر عن عبادته بمعاني العبادة الأخرى، ولذلك بدأت الآية بالأمر بالدعاء، وختمت بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ وبمناسبة هذه الآية قال ابن كثير: (روى الإمام الحافظ أبو يعلى في مسنده عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه قال: «أربع خصال: واحدة منهن لي، وواحدة لك، وواحدة فيما بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين عبادي، فأما التي لي لا تشرك بي شيئا، وأما التي لك عليّ فما عملت من خير جزيتك به، وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعليّ الإجابة، وأما التي بينك وبين عبادي فارض لهم ما ترضى لنفسك». وروى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول ﷺ «إن الدعاء هو العبادة» ثم قرأ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ وهكذا رواه أصحاب السنن الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن أبي حاتم وابن جرير، وقال الترمذي: حسن صحيح ورواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يدع الله غضب عليه» تفرد به أحمد وإسناده لا بأس به. وروى الحافظ أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي عن محمد بن سعيد قال: لما مات محمد بن مسلمة الأنصاري وجدنا في ذؤابة سيفه كتابابسم الله الرحمن الرحيم، سمعت رسول الله ﷺ قال: «إن لربكم في بقية أيام دهركم نفحات فتعرضوا له، لعل دعوة أن توافق رحمة فيسعد بها صاحبها سعادة لا يخسر بعدها أبدا».
٢ - [كلام ابن كثير حول آية فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ]
بمناسبة قوله تعالى: فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قال ابن كثير: (قال ابن جرير: كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال لا إله إلا الله أن يتبعها بالحمد لله رب العالمين، عملا بهذه الآية. ثم روى عن ابن عباس قال: من قال لا إله إلا الله فليقل على أثرها الحمد لله رب العالمين وذلك قوله تعالى فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. وعن سعيد بن جبير قال: إذا قرأت فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فقل لا إله إلا الله، وقل على أثرها الحمد لله رب العالمين ثم قرأ الآية فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. روى الإمام أحمد عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن بدر المكي قال: كان عبد الله بن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يسلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، لا
стр. 4730
حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، قال: وكان رسول الله
ﷺ يهلل بهن دبر كل صلاة، ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق أخرى عن أبي الزبير عن عبد الله بن الزبير قال: كان رسول الله ﷺ يقول في دبر كل صلاة «لا إله إلا الله وحده لا شريك له» وذكر تمامه).
ولننتقل للحديث عن الفقرة الثالثة في المقطع، وكما وجدت في الفقرة الثانية آيات مبدوءة بلفظ الجلالة فسنرى هاهنا نفس الظاهرة.
تفسير الفقرة الثالثة
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ أي: فاصبر يا محمد فإن وعد الله بالنصر على الكافرين حق بتعذيبهم في الدنيا، أو بالتسليط عليهم، عدا ما أعدّه لهم من عذاب الآخرة. قال ابن كثير: (يقول تعالى آمرا رسول ﷺ بالصبر على تكذيب من كذبه من قومه، فإن الله تعالى سينجز لك ما وعدك من النصر والظفر على قومك، وجعل العاقبة لك ولمن اتبعك في الدنيا والآخرة). فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ من العذاب في الدنيا أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل أن نريك ذلك فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ أي: يوم القيامة فننتقم منهم أشدّ الانتقام، وقد أرى الله رسوله ﷺ نصره في الحياة الدنيا، بأن أقرّ عينه من كبراء المشركين وعظمائهم الذين أبيدوا في يوم بدر، ثم فتح الله عليه مكة، وسائر جزيرة العرب في حياته ﵊،
ثمّ قال تعالى مسلّيا رسوله ﷺ ومبينا له سنته في هذا الأمر فقال وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ إلى أممهم مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ أي: منهم من أوحينا إليك خبرهم وقصصهم مع أقوامهم كيف كذّبوهم، ثم كانت للرسل العاقبة والنصرة وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ قال ابن كثير: وهم أكثر ممّن ذكر بأضعاف أضعاف كما تقدّم التنبيه على ذلك في سورة النساء وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ أي: بمعجزة إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فالأمر أمره فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وهو عذابه ونكاله المحيط بالمكذّبين قُضِيَ بِالْحَقِّ قال ابن كثير: فينجّي المؤمنين، ويهلك الكافرين ولهذا قال وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ أي: المعاندون والذين يجادلون في آيات الله.
следующие страницы →