كلمة في السياق:
ذكر الله في هذه الآيات ما يستوجب شكره وعبادته وإفراده بالعبادة، وختم هذه الآيات بأن أمر رسوله الله ﷺ أن يبيّن أنّه منهي عن عبادة غير الله ، ومأمور بالاستسلام لله، وفي ذلك بيان أنّ الموقف الصحيح من الآيات هو إفراد الله بالعبادة والاستسلام، لا كما فعل الكافرون من ردّ الآيات، ورفض العبادة والاستسلام لله ، وهذا يؤكّد الصلة بين هذه الآيات ومسار السورة عامة، كما يوضح الصلة بين هذه الآيات وبين قوله تعالى: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ كما يوضح أن الأمر بعبادة الله يدخل فيه النهي عن عبادة غيره، كما يدخل فيه التسليم لله رب العالمين.
ج-
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ قبل أن تكونوا نطفا، وذلك أن التراب والهواء يتحوّلان إلى غذاء، والغذاء يتحوّل داخل الجسم إلى نطف، أو المراد خلق آدم ﵇ من تراب ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ببلوغكم الأربعين ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً بعد بلوغكم الأشدّ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ أي: من قبل بلوغ الأشدّ أو بلوغ الشيخوخة وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى أي:
ويفعل ذلك ليبلغ الجنس البشري يوم القيامة وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ: ما في ذلك من العبرة والحجج، فتؤمنوا وتعبدوا وتسلموا
هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ أي: هو المنفرد بذلك لا يقدر على ذلك أحد سواه فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أي: فإنّما يكوّنه سريعا من غير كلفة، ومن كان هذا شأنه فيجب أن يعبد وحده، ولا يشرك به، وأن يسلم له.
كلمة في السياق:
قلنا إن سورة المؤمن تتألف من مقدّمة ومقطع، ورأينا أنّه بانتهاء قصة موسى تنتهي
стр. 4727
الفقرة الأولى من المقطع، ثمّ تأتي الفقرة الثانية التي تبدأ بقوله تعالى فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وقد مرّت معنا من الفقرة الثانية ثلاث مجموعات، والملاحظ أن المجموعة التي ستأتي معنا لها صلة ببداية الفقرة، فلقد جاء في بداية الفقرة قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ فلنر المجموعة الرابعة من الفقرة الثانية من المقطع:
تفسير المجموعة الرابعة من الفقرة الثانية
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ قال ابن كثير: يقول تعالى:
ألا تعجب يا محمد من هؤلاء المكذّبين بآيات الله، ويجادلون بالباطل كيف تصرف عقولهم عن الهدى إلى الضلال
الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ أي: بالقرآن وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا أي: من الهدى والبيان فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ قال ابن كثير: (هذا تهديد شديد، ووعيد أكيد من الرب ﷻ لهؤلاء)
ثم بيّن متى سيكون هذا العلم فقال إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ أي: إذ الأغلال والسلاسل في أعناقهم يُسْحَبُونَ أي: تسحبهم الزبانية على وجوههم
فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ قال ابن كثير: تارة إلى الحميم، وتارة إلى الجحيم. والحميم هو: الماء الحار، والجحيم:
النار، وسجر التّنور معناه: ملأه وقودا، ومعنى أنهم يسجرون أي أنّهم في النّار، فهي محيطة بهم، وهم مسجورون بالنّار، ومملوءة بها أجوافهم
ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ على وجه التقريع والتوبيخ والتحقير والتصغير، والتهكم والاستهزاء بهم، والقائل هم خزنة جهنم أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ
مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: الأصنام التي كنتم تعبدونها قالُوا ضَلُّوا عَنَّا أي: ذهبوا فلم ينفعونا، أو غابوا عن عيوننا فلا نراهم ولا ننتفع بهم بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً أي:
تبيّن لنا أنّهم لم يكونوا شيئا، وما كنا نعبد بعبادتهم شيئا، وقد يكون المراد جحودهم لعبادة غير الله كذبا منهم، كعادتهم الكذب في الدنيا ...
كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ أي: مثل ضلال آلهتهم عنهم في الآخرة، يضلهم الله عن الحق في الدنيا، بجدالهم في آيات الله، أو كما أضل هؤلاء المجادلين، يضل سائر الكافرين الذين علم منهم اختيار الضلال على الدين الحق
ذلِكُمْ العذاب الذي نزل بكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ أي: بسبب ما كان لكم من
стр. 4728
الفرح والمرح بغير الحق وهو الشرك، وعبادة الأوثان. قال ابن كثير: (أي: تقول لهم الملائكة: هذا الذي أنتم فيه جزاء على فرحكم في الدنيا بغير الحق، ومرحكم وأشركم وبطركم).
ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ أي: فبئس المنزل والمقيل الذي فيه الهوان والعذاب الشديد لمن استكبر عن آيات الله، واتّباع دلائله وحججه، وبهذا انتهت الفقرة الثانية من المقطع، لتبدأ فقرة ثالثة مبدوءة بما بدأت به الفقرة الثانية فَاصْبِرْ ...
كلمة في السياق: [حول علة من علل جدال الكافرين، وعلاقة الفقرة الثانية بالثالثة]
١ - عجّبت هذه المجموعة الأخيرة رسول الله ﷺ من صرف الذين يجادلون في آيات الله عن الحق، وبيّنت أنهم سيعلمون الحقّ عند ما يعذّبون في الآخرة، وذكرت أنّ استحقاقهم العذاب بسبب فرحهم في الأرض ومرحهم بغير الحق، ففهمنا علة جديدة من علل جدال الكافرين، وهي الفرح والمرح بغير الحق، وكان السياق قد ذكر من قبل الدنيا والإسراف والارتياب والتكبر والجبروت.
٢ - إنّ هذا الجزء من المقطع والمتضمن للفقرة الثانية بدأ بأمر رسول الله ﷺ بالصبر والاستغفار، والتسبيح والاستعاذة، ليساعده ذلك على السير رغم مكابرة المكابرين، وأقام الحجة على هؤلاء المكابرين في أمهات القضايا التي يكابرون فيها ويجادلون، رغبة في إبطالها، وبيّن أنّ كل ما يجادلون فيه إنما هو من باب البديهيات لمن عقل أو تذكّر. حتى إذا قامت الحجة يعود السياق في الفقرة الثالثة إلى الأمر بالصبر، وقبل أن نعرض الفقرة الثالثة فلنذكر بعض ال فوائد ..
فوائد:
١ - [عرض لاتجاهات العلماء في المقصود بالدعاء في آية ادْعُونِي أَسْتَجِبْ .. ]
للعلماء في قوله تعالى: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ثلاثة اتجاهات.
أن المراد بالدعاء هنا الدعاء المعروف، أو أن المراد به التوحيد، أو أن المراد به العبادة، والحديث الشريف يقول «الدعاء مخ العبادة» أو «الدعاء هو العبادة» وما ذلك إلا لأن فيه
стр. 4729
افتقارا إلى الله، وخضوعا له، ومعرفة لكونه سميعا قريبا مجيبا، فمن عبد الله بالدعاء لم يستكبر عن عبادته بمعاني العبادة الأخرى، ولذلك بدأت الآية بالأمر بالدعاء، وختمت بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ وبمناسبة هذه الآية قال ابن كثير: (روى الإمام الحافظ أبو يعلى في مسنده عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه قال: «أربع خصال: واحدة منهن لي، وواحدة لك، وواحدة فيما بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين عبادي، فأما التي لي لا تشرك بي شيئا، وأما التي لك عليّ فما عملت من خير جزيتك به، وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعليّ الإجابة، وأما التي بينك وبين عبادي فارض لهم ما ترضى لنفسك». وروى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول ﷺ «إن الدعاء هو العبادة» ثم قرأ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ وهكذا رواه أصحاب السنن الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن أبي حاتم وابن جرير، وقال الترمذي: حسن صحيح ورواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يدع الله غضب عليه» تفرد به أحمد وإسناده لا بأس به. وروى الحافظ أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي عن محمد بن سعيد قال: لما مات محمد بن مسلمة الأنصاري وجدنا في ذؤابة سيفه كتابابسم الله الرحمن الرحيم، سمعت رسول الله ﷺ قال: «إن لربكم في بقية أيام دهركم نفحات فتعرضوا له، لعل دعوة أن توافق رحمة فيسعد بها صاحبها سعادة لا يخسر بعدها أبدا».
٢ - [كلام ابن كثير حول آية فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ]
بمناسبة قوله تعالى: فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قال ابن كثير: (قال ابن جرير: كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال لا إله إلا الله أن يتبعها بالحمد لله رب العالمين، عملا بهذه الآية. ثم روى عن ابن عباس قال: من قال لا إله إلا الله فليقل على أثرها الحمد لله رب العالمين وذلك قوله تعالى فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. وعن سعيد بن جبير قال: إذا قرأت فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فقل لا إله إلا الله، وقل على أثرها الحمد لله رب العالمين ثم قرأ الآية فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. روى الإمام أحمد عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن بدر المكي قال: كان عبد الله بن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يسلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، لا
стр. 4730
حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، قال: وكان رسول الله
ﷺ يهلل بهن دبر كل صلاة، ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق أخرى عن أبي الزبير عن عبد الله بن الزبير قال: كان رسول الله ﷺ يقول في دبر كل صلاة «لا إله إلا الله وحده لا شريك له» وذكر تمامه).
ولننتقل للحديث عن الفقرة الثالثة في المقطع، وكما وجدت في الفقرة الثانية آيات مبدوءة بلفظ الجلالة فسنرى هاهنا نفس الظاهرة.
تفسير الفقرة الثالثة
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ أي: فاصبر يا محمد فإن وعد الله بالنصر على الكافرين حق بتعذيبهم في الدنيا، أو بالتسليط عليهم، عدا ما أعدّه لهم من عذاب الآخرة. قال ابن كثير: (يقول تعالى آمرا رسول ﷺ بالصبر على تكذيب من كذبه من قومه، فإن الله تعالى سينجز لك ما وعدك من النصر والظفر على قومك، وجعل العاقبة لك ولمن اتبعك في الدنيا والآخرة). فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ من العذاب في الدنيا أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل أن نريك ذلك فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ أي: يوم القيامة فننتقم منهم أشدّ الانتقام، وقد أرى الله رسوله ﷺ نصره في الحياة الدنيا، بأن أقرّ عينه من كبراء المشركين وعظمائهم الذين أبيدوا في يوم بدر، ثم فتح الله عليه مكة، وسائر جزيرة العرب في حياته ﵊،
ثمّ قال تعالى مسلّيا رسوله ﷺ ومبينا له سنته في هذا الأمر فقال وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ إلى أممهم مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ أي: منهم من أوحينا إليك خبرهم وقصصهم مع أقوامهم كيف كذّبوهم، ثم كانت للرسل العاقبة والنصرة وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ قال ابن كثير: وهم أكثر ممّن ذكر بأضعاف أضعاف كما تقدّم التنبيه على ذلك في سورة النساء وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ أي: بمعجزة إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فالأمر أمره فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وهو عذابه ونكاله المحيط بالمكذّبين قُضِيَ بِالْحَقِّ قال ابن كثير: فينجّي المؤمنين، ويهلك الكافرين ولهذا قال وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ أي: المعاندون والذين يجادلون في آيات الله.
стр. 4731
كلمة في السياق:
١ - دلّت الآيتان على أنّ نصرة الله لرسله محقّقة، ولكن ليس شرطا أن يروها، فإذا كانت النصرة بالتعذيب، فقد يأتي التعذيب بعد انتقال الرسول، وهاهنا نحبّ أن ننبّه إلى أمر: وهو أننا نلاحظ أن كلا من هاتين الفقرتين في المقطع بدأت بقوله تعالى:
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وقد يراد بالوعد في الآية الأولى وعد الله يوم القيامة، والوعد المذكور في الآية الثانية [فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ] قد يراد به وعد الله بالنصر في الدنيا.
٢ - قال الله في هذه الآيات وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وهذا يشعر أن الكافرين يقترحون على رسول الله ﷺ الآيات ولذلك فإن الله يلفت النظر فيما يأتي إلى آية من آياته في الكون.
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ أي: خلق لَكُمُ الْأَنْعامَ البقر والإبل والغنم والماعز لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ أي: لتركبوا بعضها وتأكلوا بعضها
وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ في ألبانها وأوبارها وجمالها وغير ذلك وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ أي: لتبلغوا عليها ما تحتاجون إليه من الأمور وَعَلَيْها أي: وعلى الأنعام وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ تفضلا من الله ونعمة قال ابن كثير: (فالإبل تركب وتؤكل وتحلب، ويحمل عليها الأثقال في الأسفار والرحال إلى البلاد النائية والأقطار الشاسعة، والبقر تؤكل ويشرب لبنها ويحرث عليها الأرض، والغنم تؤكل ويشرب لبنها، والجميع تجز أصوافها وأشعارها وأوبارها فيتخذ منها الأثاث والثياب والأمتعة، كما فصّل وبيّن في أماكن تقدم ذكرها في سورة الأنعام وسورة النحل وغير ذلك).
وَيُرِيكُمْ آياتِهِ أي: حججه وبراهينه في الآفاق وفي أنفسكم فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ أي: لا تقدرون على إنكار شئ من آياته، فكيف تقترحون الآيات وهي مبثوثة أمامكم، وكيف لا تؤمنون والآيات مرئية مشاهدة، ولماذا تجادلون وتعاندون وتكابرون والأمر أوضح من كل واضح
أَفَلَمْ يَسِيرُوا أي: أفلم يسر هؤلاء الكافرون المعاندون المجادلون فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ أي: نهاية الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ عددا وَأَشَدَّ قُوَّةً أي: في أبدانهم وَآثاراً خلّفوها فِي الْأَرْضِ والظاهر أنّ الخطاب لقريش المخاطبين
стр. 4732
الأوائل فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ أي: لم يردّ عنهم ذلك شيئا لمّا جاء بأس الله.
كلمة في السياق:
بدأ المقطع بقوله تعالى أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ... وبعد ثلاث فقرات يعود السياق إلى خطابهم بنفس المضمون أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ... لافتا نظرهم إلى الاعتبار في السير، إلى علة هلاك الأمم السابقة، وفي ذلك تحذير أي تحذير.
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات والحجج القاطعات، والبراهين الدامغات فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ قال النسفي: يريد علمهم بأمور الدنيا، ومعرفتهم بتدبيرها كما قال تعالى يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ فلما جاءتهم الرسل بعلوم الدين- وهي أبعد شئ من علمهم؛ لبعثها على رفض الدنيا والظلف عن الملاذ والشهوات- لم يلتفتوا إليها، وحقروها واستهزءوا بها، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم، ففرحوا به، أو علم الفلاسفة والدهريين فإنهم كانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه، وحقروا علم الأنبياء إلى علمهم، وَحاقَ بِهِمْ أي: بالكافرين الفرحين بما عندهم من العلم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي: يكذّبون ويستبعدون وقوعه
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا أي: عاينوا وقوع العذاب بهم قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ أي: وحّدوا الله ، وكفروا بالطاغوت، ولكن حيث لا تقال العثرات، ولا تنفع المعذرة
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا أي: عذابنا، أي: فلم يصح ولم يستقم أن ينفعهم إيمانهم وقتذاك سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ أي: مضت فِي عِبادِهِ أنّ الإيمان عند نزول العذاب لا ينفع، وأن العذاب نازل بمكذّبي الرسل. قال ابن كثير: أي: هذا حكم الله في جميع من تاب عند معاينة العذاب أنّه لا يقبل، ولهذا جاء في الحديث: «إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» أي: فإذا غرغر، وبلغت الروح الحنجرة، وعاين الملك فلا توبة حينئذ، ولهذا قال تعالى وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ والكافرون خاسرون في كل أوان، ولكن يتبيّن خسرانهم إذا عاينوا العذاب، وبهذا انتهت السورة مشبها آخرها أولها، مرتبطا أولها بآخرها بأواسطها.
стр. 4733
ملاحظات في السياق: [عرض لمظاهر تكامل السورة مع بعضها البعض]
جاء بعد آيتين في أوائل السورة قوله تعالى: ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ* كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ.
وجاء في أول المقطع بعد المقدمة. أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ* ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ.
وجاء في آخر السورة قوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ* فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ* فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ* فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ وإنك لتجد وحدة السياق من خلال وحدة هذه المعاني المتشابهة في أول السورة ووسطها وخاتمتها، كما أنك تجدها في غير ذلك، كموضوع جدال الكافرين في آيات الله الذي عرض في أول السورة ووسطها وخاتمتها ..
إنك لو تأمّلت قصة موسى ﵇ لوجدتها تخدم المعاني التي سبقتها، والمعاني التي لحقتها، ولو تأمّلت معاني الفقرات الأخيرة في السورة لوجدت تلاحمها مع بعضها، ولو وجدت صلاتها مع ما سبقها في السورة، فالسورة كل متكامل، ومع ذلك فهي تفصّل في محورها من سورة البقرة، وتأخذ محلّها في مجموعتها.
فائدة: [العلم الدنيوي قد يكون دافعا إلى الغرور والصد عن سبيل الله]
إن هناك معان كثيرة تذكر في القرآن باختصار، إن مجرد الإشارة إليها يعتبر معجزة ضخمة لمن عقل، وتأمّل من ذلك قوله تعالى: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ
стр. 4734
فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ فالإشارة إلى أنّ العلم الدنيوي عامل من عوامل الغرور الصاد عن متابعة الرسل، معجزة من معجزات هذا القرآن، وهي معجزة لا يدرك الإنسان مداها كما يدركه في عصرنا، إذ وصل الغرور البشري إلى ذروته، فأصبح أهل العلم بقوانين هذا الكون يحتقرون كل العلوم الدينية إلا المنصفين منهم، وقليل ما هم، قال صاحب الظلال: (والعلم- بغير إيمان- فتنة. فتنة تعمي وتطغي. ذلك أن هذا اللون من العلم الظاهري يوحي بالغرور، إذ يحسب صاحبه أنه يتحكم بعلمه هذا في قوى ضخمة، ويملك مقدرات عظيمة، فيتجاوز بنفسه قدرها ومكانها! وينسى الآماد الهائلة التي يجهلها. وهي موجودة في هذا الكون، ولا سلطان له عليها. بل لا إحاطة له بها. بل لا معرفة له بغير أطرافها القريبة. وبذلك ينتفخ فيأخذ أكثر من حقيقته. ويستخفه علمه وينسى جهله. ولو قاس ما يعلم إلى ما يجهل. وما يقدر عليه في هذا الكون إلى ما يعجز حتى عن إدراك سره لطامن من كبريائه، وخفف من فرحه الذي يستخفه).
كلمة أخيرة في سورة غافر ومحلّها من مجموعتها:
رأينا أن محور سورة غافر هو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.
وقد رأينا في السورة الكثير مما له علاقة بالمحور، فرأينا أنّ علامة الكفر هي المجادلة في آيات الله: ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا.
ورأينا أنّ الجدال في آيات الله هو علامة الطبع على القلب. كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ* الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ.
ورأينا أن العلّة الحقيقية للجدال في آيات الله هي الكبر: إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ.
ورأينا أن المجادلين في آيات الله مصروفون عن الحق بسبب العمى والصمم، اللذين يصاب بهما القلب الكافر أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ.
стр. 4735
ورأينا في السورة: استحقاق الكافرين لعذاب الله في الدنيا، ورأينا صورة عن عذابهم في البرزخ، ورأينا صورة عن عذابهم يوم القيامة، ورأينا- مع هذا كله- كيف أن الحجة قائمة عليهم، ورأينا أدب النذير، ونماذج من الإنذار، ورأينا ما ينبغي أن يفعله النذير في مقابلة كفر الكافرين، وارتباط ذلك كله بمحور السورة واضح.
وقد رأينا من قبل أنّ سورة (ص) فصّلت في نفس المحور، ورأينا أنّ سورة الأنبياء فصّلت في نفس المحور، ولو تأمّلنا هذه السور لوجدنا أن كل سورة منهنّ قد فصّلت
في مجال، وأبرزته ووضّحته، فالمحور وإن كان واحدا لكن التفصيل والسياق الخاص لكل سورة متعدد، ولكل سورة روحها الخاصة بها. وبمجموع السور التي تفصّل محورا واحدا يتكامل التفصيل للمحور، وكل سورة في محلها تخدم مجموعتها، وتترابط معها بحيث تؤدي مع مجموعتها خدمة متكاملة لمجموع القرآن، وذلك من عجائب هذا القرآن التي لا يحيط بها أحد إلا الله.
لاحظ ماذا أدّته سورة الزمر؟.
سورة الزمر فصّلت في نقطة البداية للاهتداء بهذا القرآن، وبيّنت أنّ الاهتداء بهذا القرآن لصالح الإنسان. وجاءت سورة غافر فبيّنت خطر المجادلة في آيات الله، وربّت على التسليم. وستأتي سورة (فصّلت) لتبين مواقف الكافرين من دعوة رسول الله ﷺ ، ومن القرآن، وتردّ عليها، وتبيّن ملامح الطريق إلى الله، وتدفع المسلم إلى السير الصحيح فيه، وهكذا تجد أنّ المجموعة كمّلت بعضها بعضا، مع كون كل سورة قد خدمت محورها في سياقها الرئيسي.
والملاحظ أن سورة غافر فصّلت في الآيات الأربع الأولى من سورة البقرة، من خلال سياقها، وما ذلك إلا لأنّ الآيات الأولى من سورة البقرة الواردة في المتقين هي المقدمة الصحيحة للكلام عن الكافرين، وسنلاحظ أنّ سورة (فصّلت) ستفصّل في الآيات نفسها، وفي الآيات التي تتحدّث عن الكافرين، حتى إنّ مقدمتها لتكاد تكون إجمالا لذلك كله. وما ذلك إلا لأنّ هذا كله مقدمة بديهية لمضمونها، فسورة (فصّلت) تلخّص مضمون السورتين السابقتين، ثم تنطلق في موضوعها الخاص .. وسورة (غافر) تلخّص مضمون سورة (الزمر)، وتنطلق في سياقها الخاص ومن ثمّ نجد ما يلي:
стр. 4736
تبدأ سورة الزمر بقوله تعالى: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ وسورة غافر تبدأ بقوله تعالى: حم* تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ* غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ .. ثم تحدثت عن الكافرين، وسورة فصّلت تلخص في مقدمتها مضمون السورتين السابقتين، وتنطلق فنجد بدايتها: حم* تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ* بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ* وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ فالسورة اللاحقة في المجموعة تلخّص مضامين ما قبلها وتبني عليها.
كنا قد سجّلنا معنى في سورة الزمر: هو أن سورة الزمر بدأت بذكر اسمين من أسماء الله . الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ وقلنا إنه يلاحظ أنّ السورة يظهر فيها آثار هذين الاسمين فهي مجلى لهما.
ونلاحظ أن سورة غافر بدأت بذكر ستة أسماء لله هي: العزيز- العليم- غافر الذنب- قابل التوب- شديد العقاب- ذو الطول- ومن تأمّل السورة وجد مظهر اسم الله العزيز في سياقها، سواء في نصرة الرسل، أو في تعذيب الكافرين، أو في عقوبة من يجادل في آياته، كما يجد فيها مظهر اسم الله العليم في سياقها عامة، سواء في ذكر أدق خفايا النفس البشرية، أو في عرضها ما لا يعلمه إلا الله، كما يجد فيها مظهر اسم الله غافر الذنب، نرى ذلك عند ما تحدّثنا عن دعاء الملائكة لأهل الإيمان بالغفران وكذلك قابل التوب فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ كما تجد فيها مظهر اسم الله ذي الطول في إنعامه على المؤمنين وعلى الرسل، كما نجد فيها مظهر اسم الله شديد العقاب، في الكلام عن معاقبته المكذبين للرسل، فالسّورة مجلى لأسماء الله التي ذكرت في بدايتها، وفي كون السور القرآنية تظهر فيها آثار أسماء الله ، وتعرفنا على هذه الأسماء فذلك وحده دليل على أن هذا القرآن من عند الله، فالكلام صفة المتكلم.
لقد جعل الله الكون مجلى لأسمائه، وجعل كتابه مجلى لأسمائه، فمن لم ير الله في الكون، ويره في القرآن فإنه أعمى، ومن شك أن هذا الكون ليس من خلق الله، أو شك أن هذا القرآن ليس كلام الله، فإنه أعمى.
стр. 4737
هذه سورة غافر تنسجم بداياتها ونهاياتها وأواسطها مع بعضها. وتخدم محورها، وتخدم مجموعتها، وتتداخل هذه المعاني كلها مع السياق الخاص للسورة.
أليس هذا من العجب العجيب؟! أو ليس الكفر بعد ذلك ضربا من الخيال العقلي الواضح؟!
***
стр. 4738
سورة فصّلت
وهي السّورة الحادية والأربعون بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة الثالثة من المجموعة الثالثة من قسم المثاني وآياتها أربع وخمسون آية وهي مكيّة وهي السّورة الثانية من آل (حم)
стр. 4739
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم
стр. 4740
كلمة في سورة فصلت ومحورها:
أول ظاهرة نراها في سورة فصّلت هي التشابه الكبير بينها وبين سورة هود، فنلاحظ ما يلي:
بدأت سورة هود بقوله تعالى: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ* أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ.
وبدأت سورة فصّلت بقوله تعالى: حم* تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ* بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ.
ويأتي في الآية الثالثة في سورة هود قوله تعالى: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ .... ونلاحظ أن الآية السادسة في سورة فصّلت فيها: فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ...
والآية السابعة في سورة هود هي: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ ....
ونلاحظ أن الآيتين التاسعة والعاشرة من سورة فصّلت: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ* وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ.
وتحدثت سورة هود عن عاد وثمود، وقول هود وصالح لهما: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ* ونلاحظ أنّ سورة فصّلت ورد فيها قوله تعالى: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ* إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ...
وجاءت في سورة هود قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ .. (الآية: ١١٠) والملاحظ أن هذه الآية وردت في سورة فصلت (الآية: ٤٥).
وقد ورد في سورة هود قوله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ (الآية:
١١٢).
стр. 4741
ونلاحظ أنّه قد ورد في سورة فصّلت قوله تعالى: فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ (من الآية:
٦) وإِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا (الآية: ٣٠).
ونجد في سورة هود قوله تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ* وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ* إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (الآية: ٩ - ١١).
ونجد في سورة فصّلت لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ* وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ* وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (الآية: ٤٩: ٥١).
من هذه المقارنة ندرك أن التشابه كبير بين سورة فصّلت وسورة هود، وهذا يفيد أنّ المحور واحد، فإذا كان محور سورة هود هو قوله تعالى من سورة البقرة: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ إذا كان هذا محور سورة هود فإنه هو نفسه محور سورة فصّلت.
لاحظ أن آيتي سورة البقرة فيهما أمر ونهي: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ .. فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
وفي سورة فصّلت نجد قوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ (الآية: ٦) ونجد قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً (الآية: ٩) فالعبادة ونفي الشرك واضحان من بدايات السورة.
وكما أن محور السورة من سورة البقرة فصل في الطريق إلى التقوى، وسورة هود فصّلت في هذا الطريق، فإنّ سورة فصّلت كذلك تفصّل في هذا الطريق.
ولا يظنّنّ ظانّ نتيجة للتشابه الكبير بين سورة هود وسورة فصّلت، ونتيجة لوحدة
стр. 4742
المحور أنّ سورة فصّلت نسخة طبق الأصل من سورة هود فذلك خطأ كبير، إن سورة فصّلت ككلّ سورة، لها روحها الخاصة، ووحدتها الخاصة، وسياقها الخاص، ثم هي تفصّل محورها من سورة البقرة تفصيلا جديدا، يبنى على تفصيل سورة هود، فإذا كانت سورة هود فصّلت في أنّ الأمر بالعبادة هو أمر مشترك بين هذه الرسالة وبين كل رسالة لله، وبينت ذلك، ودلّلت عليه، فإنّ سورة فصّلت ينصبّ الكلام فيها على مخاطبة هذه الأمة في هذا الشأن.
تتألف السورة من مقدمة هي: حم* تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ* بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ* وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ. ومن مقطع واحد هو ردّ على موقفهم هذا. ويتألف من ثلاث فقرات، كل فقرة مبدوءة بكلمة قُلْ*: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (الآية: ٦) قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً .. (الآية: ٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ... (الآية: ٥٢) فالسورة عرض لموقف وردّ عليه، ودعوة لما يقابله، من التوحيد والعبادة، والاستقامة على الأمر.
ومن ثمّ فإنّ السّورة كما قلنا تفصيل جديد، بأسلوب جديد، لمحورها من سورة البقرة.
فمحور السورة من سورة البقرة دعا الناس جميعا إلى عبادة الله للوصول إلى التقوى التي من أركانها الإيمان بالقرآن، وعدم الشك فيه، والاهتداء بهديه.
وجاءت سورة النّساء لتفصّل في ماهية التقوى، وجاءت سورة هود ففصّلت في موضوع العبادة، وتأتي سورة فصّلت لتبيّن موقف الكافرين من دعوة الرسول صلّى الله
عليه وسلم عامة.
ثم يأتي الرّد، ومن الرد نعلم أنهم رفضوا الاستقامة والاستغفار، ورفضوا الزكاة، ورفضوا التوحيد، وأصرّوا على الشرك، ومن خلال الردّ يدعونا الله للإيمان والتقوى، ومعرفة الله، وعبادته، والاستقامة على أمره.
стр. 4743
وهكذا نجد السورة تكمّل البناء الذي وضعت آيتا سورة البقرة أساسه، وجاءت سورة النساء، وسورة هود، وسورة الحج، وسورة الأحزاب، ثم سورة فصّلت لتكمّل كل منها البناء بشكل من الأشكال، وكانت كل سورة من هذه السور تفصيلا لمعنى مستكن في ذلك المحور.
نقل: [تقديم الألوسي لسورة فصلت]
قال الألوسي في تقديمه لسورة فصلت: (وتسمى سورة السجدة، وسورة حم السجدة، وسورة المصابيح، وسورة الأقوات، وهي مكية بلا خلاف، ولم أقف فيها على استثناء، وعدد آياتها كما قال الداني خمسون، وآيتان بصري وشامي، وثلاث مكي ومدني، وأربع كوفي، ومناسبتها لما قبلها أنه سبحانه ذكر قبل أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ* الخ .. وكان ذلك متضمنا تهديدا وتقريعا لقريش، وذكر جل شأنه هنا نوعا آخر من التهديد والتقريع لهم، وخصّهم بالخطاب في قوله تعالى: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ ثم بيّن سبحانه كيفية إهلاكهم، وفيه نوع بيان لما في قوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا ... * (الآية: ٢)، وبينهما أوجه من المناسبة غير ما ذكر. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن الخليل بن مرة أن رسول الله ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ تبارك وحم السجدة.).
***
стр. 4744
مقدمة السورة وتتألف من خمس آيات وهذه هي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤١/ ١ - ٥
التفسير:
حم* تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يعني: القرآن
كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قال ابن كثير: أي: بيّنت معانيه، وأحكمت أحكامه. وقال النسفي: أي: ميّزت وجعلت تفاصيل في معان مختلفة، من أحكام وأمثال، ومواعظ ووعد ووعيد، وغير ذلك.
قُرْآناً عَرَبِيًّا قال ابن كثير: أي: في حال كونه قرآنا عربيا واضحا، فمعانيه مفصّلة، وألفاظه واضحة غير مشكلة. لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ قال ابن كثير: أي: إنما يعرف هذا البيان والوضوح العلماء الراسخون
بَشِيراً وَنَذِيراً أي: بشيرا للمؤمنين، ونذيرا للكافرين فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ أي: أكثر الناس. أو أكثر المخاطبين الأوائل به وهم قريش فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ أي: لا يسمعون سماع قبول، ولا يعملون بمقتضاه
وَقالُوا أي: الكافرون قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ أي: في أغطية أي: في غلف مغطاة مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ من التوحيد والإيمان والتقوى وَفِي آذانِنا وَقْرٌ أي:
ثقل يمنع من استماع قولك. أي: صمم عما جئتنا به وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ أي: ستر، فلا يصل إلينا شئ مما تقول فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ أي:
اعمل أنت على طريقتك ونحن على طريقتنا عاملون ولن نتابعك، أو اعمل على دينك إننا عاملون على ديننا، أو فاعمل في إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال أمرك.
стр. 4745
نقل: [عن صاحب الظلال حول افتتاح سورة فصلت]
بمناسبة قوله تعالى: حم في افتتاح سورة فصّلت قال صاحب الظلال:
(سبق الحديث عن الافتتاح بالأحرف المقطعة في سور شتى. وتكرار هذا الافتتاح:
«حا. ميم» .. يتمشى مع طريقة القرآن في تكرار الإشارة إلى الحقائق التي يلمس بها القلب البشري، لأن فطرة هذا القلب تحتاج إلى تكرار التنبيه، فهو ينسى إذا طال عليه الأمد، وهو يحتاج ابتداء إلى التكرار بطرق شتّى لتثبيت أية حقيقة شعورية فيه.
والقرآن يأخذ هذا القلب بما أودع في فطرته من خصائص واستعدادات، وفق ما يعلم خالق هذا القلب ومصرّفه بما يشاء).
كلمة في السياق: [مقدمة السورة حول الصلة بينها وبين المحور]
ذكرت مقدّمة السورة بعض خصائص القرآن، وبيّنت أنّ العلم صفة لا بدّ منها لمعرفة هذه الخصائص، وبيّنت أنّ أكثر الناس قد أعرضوا عن قبول هذا القرآن؛ لأنهم لا يسمعون، فقلوبهم صمّاء. ولو أنّنا تأمّلنا هذه المقدّمة لوجدناها قد أجملت المعاني الموجودة في مقدّمة سورة البقرة الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ فالمقدّمة أشعرتنا بأن هذا القرآن أن لا ريب فيه من خلال ذكر إحكامه وتفصيله.
كما أجملت المعاني الموجودة في قوله تعالى من مقدّمة سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى
سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
لقد أجملت مقدّمة سورة فصّلت هذه المعاني عند ما قالت: فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ* وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ.
وكما أنّه بعد المقدّمة في سورة البقرة جاء قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ... فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. فسنرى فيما سيأتي من سورة فصّلت دعوة إلى العبادة والتوحيد، ونهيا عن الشرك، من خلال الردّ على قول الكافرين الذي تضمنته مقدّمة سورة فصّلت.
ولنتساءل: لقد قلنا إنّ محور سورة فصّلت هو قوله تعالى من سورة البقرة:
стр. 4746
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ....
بينما نرى سورة فصّلت تبدأ هذه البداءة، فما الصّلة بين هذه البداية والمحور؟ لقد دعا الله الناس جميعا لعبادته وتقواه، ولكن الجزء الأكبر من الناس رفضوا هذه الدعوة، وأعلنوا رفضهم، وهذا الرفض ينبغي أن يناقش، ومن ثمّ جاءت سورة فصلت لتبيّن رفض أكثر الناس لهذه الدعوة، وتناقشهم، وتبيّن أن مضمون هذه الدعوة حق، وتلاحق فكرة الرفض هذه ملاحقة تامة؛ فسورة فصّلت تؤدي دورا جديدا في تفصيل محورها، والدعوة إلى مضمونه.
ولكون إبراز هذا المعنى يقتضي منّا كلاما متواصلا فسنؤخّر نقل الفوائد إلى نهاية السورة، وسنعرض بقية السورة على مجموعات، وسنرى صلة المجموعات ببعضها البعض، ومحلّها في الردّ على كلام الكافرين، وموقفهم، وصلتها بالمحور.
*** المجموعة الأولى وتمتد من الآية (٦) إلى نهاية الآية (٨) وهذه هي:
٤١/ ٦ - ٨
التفسير:
قُلْ يا محمّد ردّا على موقف الكافرين وكلامهم إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ أي: إني لست بملك، وإنّما أنا بشر مثلكم، وقد أوحي إليّ دونكم، فصحّت نبوّتي بالوحي إليّ وأنا بشر، وإذا صحّت نبوّتي وجب عليكم اتّباعي، وفيما يوحى إليّ أنّ إلهكم إله واحد فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ قال ابن كثير:
(أي: أخلصوا له العبادة على منوال ما أمركم به على ألسنة الرّسل) وقال النّسفي:
стр. 4747
(أي: فاستووا إليه بالتوحيد وإخلاص العبادة، غير ذاهبين يمينا ولا شمالا، ولا ملتفتين إلى ما يسوّل لكم الشيطان من اتّخاذ الأولياء والشفعاء) وَاسْتَغْفِرُوهُ أي: لسالف الذنوب، أو واستغفروه إذا وقعتم فيما يخالف الاستقامة، أو واستغفروه من الشرك الذي واقعتموه وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ أي: دمار لهم وهلاك
الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ أي: لا يؤمنون بوجوب الزكاة، ولا يعطونها، أو لا يفعلون ما يكونون به أزكياء النفوس بأن يؤمنوا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ أي: بالبعث والثواب والعقاب هُمْ كافِرُونَ قال النسفي: (وإنما جعل منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة؛ لأن أحب الشئ إلى الإنسان ماله، وهو شقيق روحه، فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على استقامته، وصدق نيته، ونصوع طويته، وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة من الدنيا، فقرت عصبيتهم، ولانت شكيمتهم، وما ارتدت بنو حنيفة إلا بمنع الزكاة، وفيه بعث للمؤمنين على أداء الزكاة، وتخويف شديد من منعها).
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ أي: غير مقطوع ولا مجبوب.
كلمة في السياق: [المجموعة الأولى حول صلتها بما قبلها وبالمحور]
في هذه الآيات تلخيص لدعوة الرسول ﷺ التي رفضها الكافرون، وهي الإيمان بالوحي الإلهي، الذي مضمونه التوحيد، والاستقامة على أمر الله، والاستغفار، والإيمان والعمل الصالح، وأن العذاب واقع بالكافرين الذين من صفاتهم منع الزكاة، والكفر باليوم الآخر، وأنّ الأجر حاصل للمؤمنين الذين يعملون الصالحات. هذا تلخيص لدعوة الرسول ﷺ ، وهذا التلخيص ردّ على الكافرين في قولهم: وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ .. فدعوة هذا مضمونها لا شئ فيه يرفضه العقل أو العلم أو الإنصاف، فلماذا يرفضها الكافرون! هذا ما له علاقة بصلة هذه المجموعة بما قبلها. فلنر صلة المجموعة بمحور السورة.
رأينا أنّ محور السورة هو قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ... فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وقد ذكرت آيات المجموعة التوحيد، والاستقامة، والاستغفار، والزكاة، والإيمان باليوم الآخر،
стр. 4748
والإيمان، والعمل الصالح، وكلها معان داخلة في العبادة والتوحيد والتقوى، وأنذرت المشركين، وذكرت علامة الشرك، وأنها منع الزكاة، والكفر باليوم الآخر، وكل ذلك نوع تفصيل لمحور السورة؛ فالسورة لها مسارها الخاص، وهي في الوقت نفسه تفصيل لمحورها.
*** المجموعة الثانية وتمتد من الآية (٩) حتى نهاية الآية (١٢) وهذه هي:
٤١/ ٩ - ١٢
التفسير:
قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ قال النسفي: تعليما للأناة، ولو أراد الله أن يخلقها في لحظة لفعل وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً أي: نظراء وأمثالا وشركاء
وأشباها تعبدونهم من دون الله ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ أي: الخالق للأشياء هو رب العالمين وسيدهم ومربيهم فلا يستحق الربوبية إلا الخالق
وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ أي: جبالا ثوابت مِنْ فَوْقِها كما هو مشاهد وَبارَكَ فِيها أي:
стр. 4749
وأكثر خيرها قال ابن كثير: أي: جعلها مباركة قابلة للخير والبذار والغراس وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها أي: أرزاق أهلها ومعايشهم وما يصلحهم فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ قال النّسفي: (أي: في تتمة أربعة أيام، فخلق الأرض في يومين، وإيجاد الرواسي وتقدير الأقوات في يومين آخرين، فكان المجموع أربعة أيام). سَواءً أي: استواء لِلسَّائِلِينَ أي: هذا الحصر لأجل من سأل في كم خلقت الأرض وما فيها؟ قال ابن كثير: (أي: لمن أراد السؤال عن ذلك ليعلمه
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ أي: عمد إلى السماء في حالة كونها دخانا فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ أي: لهما جميعا ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قال ابن كثير: أي استجيبا لأمري وانفعلا لفعلي طائعتين أو مكرهتين قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ أي: قالتا بل نستجيب لك مطيعين قال الحسن البصري: (لو أبيا عليه أمره لعذّبهما عذابا يجدان ألمه) رواه ابن أبي حاتم
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ أي: فأحكم خلقهن سبع سماوات في يومين، قال ابن كثير: أي: ففرغ من تسويتهن سبع سماوات في يومين آخرين وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها قال ابن كثير: أي: ورتّب فورا في كل سماء ما تحتاج إليه من الملائكة، وما فيها من الأشياء التي لا يعلمها إلا هو وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا أي: القريبة من الأرض بِمَصابِيحَ وهي الكواكب المنيرة المشرقة على أهل الأرض وَحِفْظاً أي:
وحفظناها من المسترقة حفظا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الذي قد عزّ كل شئ فغلبه وقهره الْعَلِيمِ بمواقع الأمور. ولنا في الفوائد كلام حول هذه الآيات وما ورد فيها من خلق السموات والأرض.
وهاهنا ننقل وجهة نظر صاحب الظلال في هذه الآيات وقد جزم هاهنا على غير عادته بأنّ هذه الأيام الستة ليست كأيامنا، والذي دعاه إلى ذلك فيما يبدو ذكر الجبال والأقوات، ولا شك أنّ خلقها كما هي عليه جاء متأخرا عن بدء خلق الأرض، ولكنّ الآية تحتمل أنّه قد أوجد هذا فيها بالقوة ثمّ كان ذلك بالفعل.
قال ﵀ شارحا هذه الآيات التي مرّت معنا:
(إنه يذكر حقيقة خلق الأرض في يومين. ثم يعقب عليها قبل بقية قصة الأرض.
يعقب على الحلقة الأولى من قصة الأرض. ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ .. وأنتم تكفرون به وتجعلون له أندادا. وهو خلق هذه الأرض التي أنتم عليها. فأي تبجح وأي استهتار وأي فعل قبيح؟!
стр. 4750
وما هذه الأيام: الاثنان اللذان خلق فيهما الأرض. والاثنان اللذان جعل فيهما الرواسي. وقدر فيهما الأقوات، وأحل فيهما البركة. فتمت بهما الأيام الأربعة؟.
إنها بلا شك أيام من أيام الله التي يعلم هو مداها. وليست من أيام هذه الأرض.
فأيام هذه الأرض إنما هي مقياس زمني مستحدث بعد ميلاد الأرض. وكما للأرض أيام، هي مواعيد دورتها حول نفسها أمام الشمس، فللكواكب الأخرى أيام، وللنجوم أيام. وهي غير أيام الأرض. بعضها أقصر من أيام الأرض وبعضها أطول.
والأيام التي خلقت فيها الأرض أولا، ثم تكونت فيها الجبال، وقدرت فيها الأقوات، هي أيام أخرى مقيسة بمقياس آخر، لا نعلمه، ولكننا نعرف أنه أطول بكثير من أيام الأرض المعروفة.
وأقرب ما نستطيع تصوره وفق ما وصل إليه علمنا البشري أنها هي الأزمان التي مرت بها الأرض طورا بعد طور، حتى استقرت وصلبت قشرتها وأصبحت صالحة للحياة التي نعلمها. وهذه قد استغرقت- فيما تقول النظريات التي بين أيدينا- نحو ألفي مليون سنة من سنوات أرضنا!.
وهذه مجرد تقديرات علمية مستندة إلى دراسة الصخور وتقدير عمر الأرض بوساطتها. ونحن في دراسة القرآن لا نلجأ إلى تلك التقديرات على أنها حقائق نهائية.
فهي في أصلها ليست كذلك. وإن هي إلا نظريات قابلة للتعديل. فنحن لا نحمل القرآن عليها؛ إنما نجد أنها قد تكون صحيحة إذا رأينا بينها وبين النص القرآني تقاربا، ووجدنا أنها تصلح تفسيرا للنص القرآني بغير تمحل. فنأخذ من هذا أن هذه النظرية أو تلك أقرب إلى الصحة؛ لأنها أقرب إلى مدلول النص القرآني.
والراجح الآن في أقوال العلم أن الأرض كانت كرة ملتهبة في حالة غازية كالشمس الآن- والأرجح أنها قطعة من الشمس انفصلت عنها لسبب غير متفق على تقديره- وأنها استغرقت أزمانا طويلة حتى بردت قشرتها وصلبت. وأن جوفها لا يزال في حالة انصهار لشدة الحرارة حيث تنصهر أقسى الصخور.
ولما بردت القشرة الأرضية جمدت وصلبت. وكانت في أول الأمر صخرية صلبة.
طبقات من الصخر بعضها فوق بعض.
وفي وقت مبكر جدا تكونت البحار من اتحاد الإيدروجين بنسبة (٢) والأوكسجين
стр. 4751
بنسبة (١) ومن اتحادهما ينشأ الماء.
(والهواء والماء على أرضنا هذه قد تعاونا على تفتيت الصخر وتشتيته، وحمله وترسيبه، حتى كانت من ذلك تربة أمكن فيها الزرع. وتعاونا على نحر الجبال والنجاد، وملء الوهاد، فلا تكاد تجد في شيء كان على الأرض أو هو كائن إلا أثر الهدم وأثر البناء) (١).
(إن هذه القشرة الأرضية في حركة دائمة، وفي تغيير دائم، يهتز البحر بالموج فيؤثر فيها، ويتبخّر ماء البحر. تبخّره الشمس، فيصعد إلى السماء فيكون سحبا تمطر الماء عذبا، فينزل على الأرض متدفقا، فتكون السيول، وتكون الأنهار، تجري في هذه القشرة الأرضية فتؤثر فيها. تؤثر في صخره فتحله فتبدل فيه من صخر صخرا.- أي: تحوله إلى نوع آخر من الصخور- وهي من بعد ذلك تحمله وتنقله. ويتبدّل وجه الأرض على القرون، ومئات القرون وآلافها. وتعمل الثلوج الجامدة بوجه الأرض ما يفعله الماء السائل. وتفعل الرياح بوجه الأرض ما يفعل الماء. وتفعل الشمس بوجه الأرض ما يفعله الماء والريح، بما تطلق على هذا الوجه من نار ومن نور. والأحياء على الأرض تغير من وجهها كذلك. ويغير فيها ما ينبثق فيها من جوف الأرض من براكين.
«وتسأل عالم الأرض- العالم الجيولوجي- عن صخور هذه القشرة فيعدد لك من صخورها الشئ الكثير، ويأخذ يحدثك عن أنواعها الثلاثة الكبرى.
«يحدثك عن الصخور النارية. تلك التي خرجت من جوف الأرض إلى ظهرها صخرا منصهرا. ثم برد. ويضرب لك منها مثلا بالجرانيت والبازلت. ويأتيك بعينة منها يشير لك فيها إلى ما احتوته من بلورات. بيضاء وحمراء أو سوداء، ويقول لك: إن كل بلورة من هذه تدل على مركب كيماوي، له كيان بذاته. فهذه الصخور أخلاط.
ويلفت فكرك إلى أنه من هذه الصخور النارية ومن أشباهها تكونت قشرة هذه الأرض عند ما تمت الأرض تكونا في القديم الأقدم من الزمان. ثم قام يفعل فيها الماء، هابطا من السماء أو جاريا في الأرض، أو جامدا في الثلج، وقام يفعل الهواء ويفعل الريح ..
وقامت تفعل الشمس. قامت جميعها تغير من هذه الصخور. من طبيعتها ومن
стр. 4752
كيميائها. فولدت منها صخورا غير تلك الصخور، حتى ما يكاد يجمعها- في منظر أو مخبر- شئ.
وينتقل بك الجيولوجي إلى الصنف الأكبر الثاني من الصخور. إلى الصخور التي أسموها بالمترسبة أو الراسبة، وهي تلك الصخور التي اشتقت بفعل الماء والريح والشمس، أو بفعل الأحياء من صخور أكثر في الأرض أصالة وأعقد. وأسموها راسبة لأنها لا توجد في مواضعها الأولى. إنها حملت من بعد اشتقاق من صخورها الأولى، أو وهي في سبيل اشتقاق. حملها الماء أو حملتها الريح، ثم هبطت ورسبت واستقرت حيث هي من الأرض.
ويضرب لك الجيولوجي مثلا للصخور الراسبة بالحجر الجيري الذي يتألف منه جبل كجبل المقطم، ومن حجره تبني القاهرة بيوتها. ويقول لك: إنه مركب كيماوي يعرف بكربونات الكلسيوم، وإنه اشتق في الأرض من عمل الأحياء أو عمل الكيمياء.
ويضرب لك مثلا بالرمل، ويقول لك: إن أكثره أكسيد السيلسيوم، وإنه مشتق كذلك، ومثلا آخر بالطّفل والصلصال، وكلها من أصول سابقة.
وتسأل عن هذه الأصول السابقة التي منها اشتقت تلك الصخور الراسبة، على اختلافها، فتعلم أنها الصخور النارية. بدأت الأرض عند ما انجمد سطحها من بعد انصهار في قديم الأزل، ولا شئ على هذا السطح المنجمد غير الصخر الناري. ثم جاء الماء، وجاءت البحار، وتفاعل الصخر الناري والماء. وشركهما الهواء ..
شركهما غازات متفاعلة، وشركهما رياحا عاصفة، وشركتهما الشمس نارا ونورا.
وتفاعلت كل هذه العوامل جميعا. وفقا لما أودع فيها من طبائع. فغيرت من صخر ناري صلد غير نافع، إلى صخر نافع. صخر ينفع في بناء المساكن، وصخر ينفع في استخراج المعادن. وأهم من هذا، وأخطر من هذا، أنها استخرجت من هذا الصخر الناري الصلد، الذي لا ينفع لحياة تقوم عليه، استخرجت تربة، رسبت على سطح الأرض، مهدت لقدوم الأحياء والخلائق.
«إن الجرانيت لا ينفع لحرث أو زرع أو سقيا، ولكن تنفع تربة هشة لينة خرجت منه. ومن أشباه له. وبظهور هذه التربة ظهر النبات، وبظهور النبات ظهر الحيوان.
وتمهدت الأرض لقيام رأس الخلائق على هذه الأرض. ذلك الإنسان .... » (١).
стр. 4753
هذه الرحلة الطويلة- كما يقدرها العلم الحديث- قد تساعدنا على فهم معنى الأيام في خلق الأرض وجعل الرواسي فوقها، والمباركة فيها. وتقدير أقواتها في أربعة أيام ..
من أيام الله .. التي لا نعرف ما هي؟ ما طولها؟ ولكننا نعرف أنها غير أيام هذه الأرض حتما ..
ونقف لحظة أمام كل فقرة من النص القرآني قبل أن نغادر الأرض إلى السماء!.
وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها .. وكثيرا ما يرد تسمية الجبال «رواسي» وفي بعض المواضع يعلل وجود هذه الرواسي أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ* أي: إنها هي راسية، وهي ترسي الأرض، وتحفظ توازنها فلا تميد .. ولقد عبر زمان كان الناس يحسبون أن أرضهم هذه ثابتة راسخة على قواعد متينة! ثم جاء زمان يقال لهم فيه الآن: إن أرضكم هذه إن هي إلا كرة صغيرة سابحة في فضاء مطلق، لا تستند إلى شئ .. ولعلهم يفزعون حين يقال لهم هذا الكلام أول مرّة، أو لعل منهم من ينظر بوجل عن يمينه وعن شماله خيفة أن تتأرجح به هذه الأرض، أو تسقط في أعماق الفضاء! فليطمئن. فإن يد الله تمسكها أن تزول هي والسماء. ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده! وليطمئن فإن
النواميس التي تحكم هذا الكون متينة من صنع القوي العزيز!.
ونعود إلى الجبال فنجد القرآن يقول إنها «رواسي»، وإنها كذلك ترسي الأرض فلا تميد. ولعلها- كما قلنا في موضع آخر من هذه الظلال- تحفظ التناسق بين القيعان في المحيطات والمرتفعات في الأرض فتتوازن فلا تميد.
وهذا عالم يقول: «إن كل حدث يحدث في الأرض، في سطحها أو فيما دون سطحها، يكون من أثره انتقال مادة من مكان إلى مكان يؤثر في سرعة دورانها. فليس المد والجزر هو العامل الوحيد: ذلك. (أي: في بطء سرعة الأرض كما قال قبل هذه الفقرة) حتى ما تنقله الأنهار من ماء من ناحية في الأرض إلى ناحية يؤثر في سرعة الدوران. وما ينتقل من رياح يؤثر في سرعة الدوران. وسقوط في قاع البحار. أو بروز في سطح الأرض هنا أو هنا يؤثر في سرعة الدوران .. ومما يؤثر في سرعة هذا الدوران أن تتمدد الأرض أو تنكمش بسبب ما. ولو انكماشا أو تمددا طفيفا لا يزيد في قطرها أو ينقص منه إلا بضع أقدام» (١).
стр. 4754
فهذه الأرض الحساسة إلى هذا الحد، لا عجب أن تكون الجبال الرواسي حافظة لتوازنها ومانعة: أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ* كما جاء في القرآن الكريم منذ أربعة عشر قرنا.
وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها .. وقد كانت هذه الفقرة تنقل إلى أذهان أسلافنا صورة الزرع النامي في هذه الأرض، وبعض ما خبأه الله في جوف الأرض من معادن نافعة كالذهب والفضة والحديد وما إليها .. فأما اليوم بعد ما كشف الله للإنسان أشياء كثيرة من بركته في الأرض ومن أقواتها التي خزنها فيها على أزمان طويلة، فإن مدلول هذه الفقرة يتضاعف في أذهاننا ..
وقد رأينا كيف تعاونت عناصر الهواء فكونت الماء .. وكيف تعاون الماء والهواء والشمس والرياح فكونت التربة الصالحة للزرع. وكيف تعاون الماء والشمس والرياح فكونت الأمطار أصل الماء العذب كله من أنهار ظاهرة وأنهار باطنة تظهر في شكل ينابيع وعيون وآبار .. وهذه كلها من أسس البركة ومن أسس الأقوات.
وهناك الهواء. ومن الهواء أنفاسنا وأجسامنا ...
«إن الأرض كرة تلفها قشرة من صخر. وتلفّ أكثر الصخر طبقة من ماء. وتلفّ الصخر والماء جميعا طبقة من هواء. وهي طبقة من غاز سميكة. كالبحر، لها أعماق.
ونحن- بني الإنسان، والحيوان، والنبات- نعيش في هذه الأعماق، هانئين بالذي فيها.
«فمن الهواء نستمد أنفاسنا، من أكسجينه. ومن الهواء يبني النبات جسمه، من كربونة، بل من أكسيد كربونة، ذلك الذي يسميه الكيماويون ثاني أكسيد الكربون.
يبني النبات جسمه من أكسيد الفحم هذا. ونحن نأكل النبات. ونأكل الحيوان الذي يأكل النبات. ومن كليهما نبني أجسامنا. بقي من غازات الهواء النتروجين- أي الأزوت- فهذا لتخفيف الأكسجين حتى لا نحترق بأنفاسنا. وبقي بخار الماء، وهذا لترطيب الهواء. وبقيت طائفة من غازات أخرى، توجد فيه بمقادير قليلة هي- في غير ترتيب- الأرجون والهليوم والنيون، وغيرها. ثم الإدروجين. وهذه تخلفت- على الأكثر- في الهواء من بقايا خلقة الأرض الأولى» (١).
стр. 4755
والمواد التي نأكلها والتي ننتفع بها في حياتنا- والأقوات أوسع مما يؤكل في البطون- كلها مركبات من العناصر الأصلية التي تحتويها الأرض في جوفها أو في جوها سواء. وعلى سبيل المثال هذا السكر ما هو؟ إنه مركب من الكربون والإيدروجين والأكسجين. والماء علمنا تركيبه من الإدروجين والأكسجين .. وهكذا كل ما نستخدمه من طعام أو شراب أو لباس أو أداة .. إن هو إلا مركب من بين عناصر هذه الأرض المودعة فيها ..
فهذا كله يشير إلى شئ من البركة وشئ من تقدير الأقوات .. في أربعة أيام .. فقد تم هذا في مراحل زمنية متطاولة .. هي أيام الله، التي لا يعلم مقدارها إلا الله.
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ* فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ.
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ .. إن هناك اعتقادا أنه قبل خلق النجوم كان هناك ما يسمى السديم. وهذا السديم غاز .. دخان.
«والسدم- من نيرة ومعتمة- ليس الذي بها من غاز وغبار إلا ما تبقى من خلق النجوم. إن نظرية الخلق تقول: إن المجرة كانت من غاز وغبار. ومن هذين تكونت بالتكثّف النجوم، وبقيت لها بقية. ومن هذه البقية كانت السدم. ولا يزال من هذه البقية منتشرا في هذه المجرة الواسعة مقدار من غاز وغبار، يساوي ما تكونت منه النجوم. ولا تزال النجوم تحرص منه بالجاذبية إليها. فهي تكنس السماء منه كنسا.
ولكن الكناسين برغم أعدادهم الهائلة قليلون بالنسبة لما يراد كنسه من ساحات أكبر وأشد هولا» (١).
وهذا الكلام قد يكون صحيحا لأنه أقرب ما يكون إلى مدلول الحقيقة القرآنية:
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ .. وإلى أن خلق الله السموات تم في زمن طويل. في يومين من أيام الله.
ثم نقف أمام الحقيقة الهائلة: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً. قالَتا: أَتَيْنا طائِعِينَ.
стр. 4756
إنها إيماءة عجيبة إلى انقياد هذا الكون للناموس، وإلى اتصال حقيقة هذا الكون بخالقه اتصال الطاعة والاستسلام لكلمته ومشيئته. فليس هنالك إذن إلا هذا الإنسان الذي يخضع للناموس كرها في أغلب الأحيان. إنه خاضع حتما لهذا الناموس، لا يملك أن يخرج عنه، وهو ترس صغير جدا في عجلة الكون الهائلة؛ والقوانين الكونية الكلية تسري عليه رضي أم كره. ولكنه هو وحده الذي لا ينقاد طائعا طاعة الأرض والسماء. إنما يحاول أن يتفلّت، وينحرف عن المجرى الهين اللين، فيصطدم بالنواميس التي لا بد أن تغلبه- وقد تحطّمه وتسحقه- فيستسلم خاضعا غير طائع. إلا عباد الله الذين تصطلح قلوبهم وكيانهم وحركاتهم وتصوراتهم وإرادتهم ورغباتهم واتجاهاتهم.
تصطلح كلها مع النواميس الكلية، فتأتي طائعة، وتسير هينة لينة، مع عجلة الكون الهائلة، متجهة إلى ربها مع الموكب، متصلة بكل ما فيه من قوى .. وحينئذ تصنع الأعاجيب، وتأتي بالخوارق، لأنها مصطلحة مع الناموس، مستمدة من قوته الهائلة، وهي منه وهو مشتمل عليها في الطريق إلى الله طائِعِينَ.
إننا نخضع كرها. فليتنا نخضع طوعا. ليتنا نلبي تلبية الأرض والسماء. في رضى وفي فرح باللقاء مع روح الوجود الخاضعة المطيعة الملبية المستسلمة لله رب العالمين.
إننا نأتي أحيانا حركات مضحكة .. عجلة القدر تدور بطريقتها. وبسرعتها.
ولوجهتها. وتدير الكون كله معها. وفق سنن ثابتة .. ونأتي نحن فنريد أن نسرع. أو أن نبطئ. نحن من بين هذا الموكب الضخم الهائل. نحن بما يطرأ على نفوسنا- حين تنفك عن العجلة وتنحرف عن خطر السير- من قلق واستعجال وأنانية وطمع ورغبة ورهبة .. ونظل نشرد هنا وهناك والموكب ماض. ونحتك بهذا الترس وذاك ونتألم.
ونصطدم هنا وهناك ونتحطم. والعجلة ماضية في سرعتها وبطريقتها إلى وجهتها.
وتذهب قوانا وجهودنا كلها سدى. فأما حين تؤمن قلوبنا حقا، وتستسلم لله حقا، ونتصل بروح الوجود حقا. فإننا- حينئذ- نعرف دورنا على حقيقته؛ وننسق بين خطانا وخطوات القدر؛ ونتحرك في اللحظة المناسبة بالسرعة المناسبة، في المدى المناسب. نتحرك بقوة الوجود كله مستمدة من خالق الوجود. ونصنع أعمالا عظيمة فعلا. دون أن يدركنا الغرور. لأننا نعرف مصدر القوة التي صنعنا بها هذه الأعمال العظيمة. ونوقن أنها ليست قوتنا الذاتية. إنما هي كانت هكذا لأنها متصلة بالقوة العظمى.
стр. 4757
ويا للرضى. ويا للسعادة. ويا للراحة. ويا للطمأنينة التي تغمر قلوبنا يومئذ في رحلتنا القصيرة، على هذا الكوكب الطائع الملبي، السائر معنا في رحلته الكبرى إلى ربه في نهاية المطاف.
ويا للسلام الذي يفيض في أرواحنا ونحن نعيش في كون صديق. كله مستسلم لربه، ونحن معه مستسلمون. لا تشذ خطانا عن خطاه، ولا يعادينا ولا نعاديه. لأننا منه. ولأننا معه في الاتجاه:
قالَتا: أَتَيْنا طائِعِينَ .. فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ .. وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها ..
واليومان قد يكونان هما اللذان تكونت فيهما النجوم من السدم. أو تم فيهما التكوين كما يعلمه الله. والوحي بالأمر في كل سماء يشير إلى إطلاق النواميس العاملة فيها، على هدى من الله وتوجيه، أما ما هي السماء المقصودة فلا نملك تحديدا.
وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ..
وَحِفْظاً .. من الشياطين .. كما يدل على هذا ما ورد في المواضع الأخرى من القرآن .. ولا نملك أن نقول عن الشياطين شيئا مفصلا. أكثر من الإشارات السريعة في القرآن فحسبنا هذا. ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وهل يقدر هذا كله؟ ويمسك الوجود كلّه؟ ويدبر الوجود كله؟ إلا العزيز القويّ القادر؟ وإلا العليم الخبير بالموارد والمصادر ..
كلمة في السياق: [المجموعة الثانية حول صلتها بالمحور]
١ - في الآيتين اللتين هما محور سورة فصّلت من سورة البقرة ورد قوله تعالى فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وهاهنا يقول تعالى: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً فالله في آيتي المحور أمر النّاس جميعا ألا يشركوا به،. وفي هذه المجموعة يبيّن الله أنّ رفض دعوة رسول الله ﷺ وهو الموقف الكافر الذي ذكرته مقدمة السورة يعني الكفر بالله، ويعني الشرك به، وهو الذي خلق الأرض وما فيها لصالح الإنسان، فكيف يكفر
стр. 4758
الإنسان بربه، وهو الذي فعل ذلك كله!.
٢ - وفي الآيتين اللتين هما محور سورة فصّلت من سورة البقرة ورد قوله تعالى:
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ. ثمّ جاء في سورة البقرة بعد ذلك قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي
الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
وفي هذه المجموعة ورد تفصيل ذلك. قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ* وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ* ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ* فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ...
فمحور السورة يأمر بالعبادة لله الذي فعل هذه الأشياء، وينهى عن الشرك بالله الذي فعل هذه الأشياء.
والمجموعة التي مرّت معنا تبيّن للكافرين أن موقفهم من رفض دعوة الرسول ﷺ يعني الجحود لله، والإشراك به، وهو الذي فعل هذه الأشياء كلها، وهو موقف منكر مستنكر، ومن ثم جاءت هذه المعاني في الآيات بصيغة الاستفهام الاستنكاري قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ ...
إنّ هذه المجموعة تبيّن أنّ توحيد الله وعبادته وتقواه منطلقها الإيمان بالقرآن، وقبوله وقبول دعوة الرسول ﷺ والاستماع لها، وإزالة الحجب بين النفس البشرية وبينها. وأن الإنسان إذا لم يفعل هذا فإنّه بذلك يكون والغا في الكفر، مستغرقا في الشرك، وإذ قامت الحجة على الكافرين في المجموعتين الأولى والثانية، فقد آن الأوان أن يترك الفساد، ويقبل على الله بالعبادة، والتوحيد، والاستقامة، والاستغفار، فإن لم يفعل فإنّه يستحق العذاب ولذلك فقد أمر الله رسوله ﷺ في المجموعة الثالثة أن ينذر.
стр. 4759
المجموعة الثالثة وتمتدّ من الآية (١٣) إلى نهاية الآية (١٨) وهذه هي:
٤١/ ١٣ - ١٨
التفسير:
فَإِنْ أَعْرَضُوا عن الإيمان بعد هذا البيان، أو إن أعرضوا عن العبادة والتقوى والتوحيد بعد هذه الدعوة، أو إن أعرضوا عن الاستقامة إلى الله، والاستغفار إليه، مصرّين على رفضهم وموقفهم فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ أي: خوّفتكم وحذّرتكم صاعِقَةً أي: عذابا شديدا كأنه صاعقة مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ أي: ومن شاكلهما ممّن فعل كفعلهما
إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أي:
стр. 4760
أتوهم من كل جانب، وأعملوا معهم كل حيلة، فلم يروا منهم إلا الإعراض، وأنذروهم من وقائع الله فيمن كان قبلهم من الأمم، وأنذروهم عذاب الآخرة أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ وحده قالُوا أي: القوم لَوْ شاءَ رَبُّنا إرسال الرسل لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً أي: لو أرسل الله رسلا لكانوا ملائكة من عنده فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ أي: ما دمتم بشرا ولستم بملائكة. فإنا لا نؤمن بكم وبما جئتم به
فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ أي: عتوا وبغوا وعصوا بِغَيْرِ الْحَقِّ أي: تعظّموا في الأرض على أهلها بما لا يستحقون به التعظيم، وهو القوة وعظمة الإجرام، أو استولوا على الأرض بغير استحقاق للولاية وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً اغتروا بقوتهم الجسدية وتحدّوا بها .. أَوَلَمْ يَرَوْا أي: أو لم يعلموا علما يقوم مقام العيان أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً أي: أوسع منهم قدرة وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ أي:
كانوا يعرفون أنّها حقّ ولكنّهم جحدوها وأنكروها كبرا وعنادا، فبارزوا الجبّار بالعداوة، وجحدوا بآياته، وعصوا رسله
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً أي:
عاصفة تصرصر. أي: تصوّت في هبوبها، أو ريحا باردة تحرق بشدة بردها، أو ريحا شديدة الهبوب قال ابن كثير: والحق أنها متصفة بجميع ذلك. فإنها كانت ريحا شديدة قوية، لتكون عقوبتهم من جنس ما اغتروا به من قواهم، وكانت باردة شديدة البرد جدا، وكانت ذات صوت مزعج ... فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ أي: في أيام مشئومات عليهم، وقد ذكر الله عددها في سورة الحاقة لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ أي: الذل فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى أي: أشد خزيا لهم وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ أي: في الأخرى. كما لم ينصروا في الدنيا من قبل شركائهم الذين عبدوهم من دون الله، على رجاء النصر لهم
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ أي: بيّنا لهم الرّشد فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى أي: فاختاروا الكفر على الإيمان فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ أي: الهوان. قال ابن كثير: أي: بعث الله عليهم صيحة ورجفة، وذلا وهوانا، وعذابا ونكالا. بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أي: بكسبهم السيّئ وهو التكذيب والجحود والشرك والمعاصي
وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ قال ابن كثير: (أي: من بين أظهرهم لم يمسّهم سوء، ولا نالهم من ذلك ضرر، بل نجّاهم الله تعالى مع نبيّهم صالح ﵊. بإيمانهم وبتقواهم لله ... ).
стр. 4761
كلمة في السياق: [المجموعة الثالثة حول صلتها بسياق السورة الخاص وبالمحور]
نلاحظ أن الرسل عليهم الصلاة والسلام بعثوا إلى عاد وثمود بالنهي عن عبادة غير الله أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ وأن النجاة كانت لمن اجتمع له صفتا الإيمان والتقوى وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ومحور السورة هو اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ....
والتقوى مفسّرة في أول سورة البقرة بأنها إيمان واتّباع كتاب. فإذا اتضح هذا كله نعلم أن المجموعة تقول لهؤلاء الرافضين عبادة الله، وبالتالي الرافضين للإيمان
والتقوى واتّباع رسول الله ﷺ : إنكم برفضكم هذا تعرضون أنفسكم لعذاب الله في الدنيا فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ وهكذا نرى صلة المجموعة بسياق السورة الخاص، وصلتها بمحور السورة، وإذ كان العذاب الدنيوي هو بعض ما ينتظر هؤلاء المكذبين الرافضين، فقد أمر الله رسوله ﷺ أن يذكّرهم كذلك بما ينتظرهم من عذاب في اليوم الآخر، وهذا هو موضوع المجموعة الرابعة.
*** المجموعة الرابعة وتمتد من الآية (١٩) إلى نهاية الآية (٢٤) وهذه هي:
٤١/ ١٩ - ٢٢
стр. 4762
٤١/ ٢٣ - ٢٤
التفسير:
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أي: واذكر يوم يحشر أَعْداءُ اللَّهِ أي: الكفّار من الأوّلين والآخرين. إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ أي: يحبس أولهم على آخرهم. أي: يستوقف سوابقهم حتى يلحق بهم تواليهم. قال ابن كثير: (أي: اذكر لهؤلاء المشركين يوم يحشرون إلى النار يوزعون أي: تجمع الزبانية أولهم على آخرهم)
حَتَّى إِذا ما جاؤُها أي: وقفوا عليها أي: صاروا بحضرتها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أي: بأعمالهم ممّا قدّموه وأخّروه لا يكتم منه حرف، وسنرى في الفوائد النصوص المبيّنة لهذا المعنى
وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا أي: لاموا أعضاءهم وجلودهم حين شهدوا عليهم، فعند ذلك أجابتهم الأعضاء قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ أي: من الحيوان، والمعنى: إن نطقنا ليس بعجب من قدرة الله الذي قدر على إنطاق كلّ حيوان وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فهو لا يخالف ولا يمانع وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ومن كان هذا شأنه فكيف لا ينطقنا، وكيف لا ننطق إذا أمرنا.
وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ قال النسفي: (أي: أنكم كنتم تستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب الفواحش، وما كان استتاركم ذلك خيفة أن يشهد عليكم جوارحكم، لأنكم كنتم غير عالمين بشهادتها عليكم، بل كنتم جاحدين بالبعث والجزاء أصلا). وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ أي: ولكنّكم إنّما استترتم لظنّكم أنّ الله لا يعلم الخفايا من أعمالكم
وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ أي: وذلك الظن الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ أي: أهلككم .. فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ في الدنيا والآخرة.
فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ أي: فإن يصبروا لم ينفعهم الصبر، ولم ينفكّوا به من الثواء في النار وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ أي: وإن يطلبوا الرضا فما هم من المرضيين، أو إن يسألوا العتبى- وهو الرّجوع إلى ما يحبّون جزعا مما هم فيه- لم يعتبوا أي: لم يعطوا العتبى، أي: الرجوع إلى الدنيا، ولم يجابوا إليها. وقال ابن كثير في
стр. 4763
الآية: (أي: سواء عليهم صبروا أم لم يصبروا في النار لا محيد لهم عنها، ولا خروج لهم منها، وإن طلبوا أن يستعتبوا ويبدوا أعذارا فما لهم أعذار ولا تقال لهم عثرات ... ).
كلمة في السياق:
رأينا أن سياق السورة سار كما يلي:
عرض علينا موقف الكافرين من القرآن، ومن دعوة رسول الله ﷺ ، ثم ردّ على هذا الموقف: ١ - بعرض مضمون الدعوة. ٢ - بما يترتب على هذا الموقف من آثار بديهية البطلان. ٣ - ثم بإنذارهم بعذاب الدنيا. ٤ - ثم بإنذارهم عذاب الآخرة.
وبعد هذا البيان الذي رأيناه في المجموعات الأربع، والذي لو وجد عقل أو إنصاف أو سماع تدبر لترتّب على ذلك انزجار، إلا أنّه حيث لا عقل، ولا إنصاف، ولا سماع تدبّر، فإنّ هذا كله لم يفد فيهم، ومن ثمّ تأتي المجموعة الخامسة لتعرض علينا بشكل غير مباشر عدم استفادتهم وسببها، وإصرارهم على حرب القرآن، واستئهالهم العقوبات بذلك، وندم بعضهم حيث لا ينفع الندم. فلنر المجموعة الخامسة ..
*** المجموعة الخامسة وتمتد من الآية (٢٥) إلى نهاية الآية (٢٩) وهذه هي:
٤١/ ٢٥ - ٢٦
стр. 4764
٤١/ ٢٧ - ٢٩
التفسير:
وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ أي: وقدّرنا لهؤلاء الكافرين المعرضين عن العبادة أخدانا وملازمين من الشياطين، شياطين الإنس والجن، سلّطناهم عليهم فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ قال ابن كثير: (أي: حسّنوا لهم أعمالهم في الماضي، وبالنسبة إلى المستقبل فلم يروا أنفسهم إلا محسنين) وقال النسفي: أي: (زينوا لهم ما تقدّم من أعمالهم وما هم عازمون عليه، أو ما بين أيديهم من أمر الدنيا واتّباع الشهوات، وما خلفهم من أمر العاقبة، وأن لا بعث ولا عذاب ولا حساب) وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ أي: كلمة العذاب فِي أُمَمٍ أي: في جملة أمم قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ أي: من قبل كفار هذه الأمّة مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ هذا تعليل لاستحقاقهم العذاب، والضمير لهم وللأمم، أي:
استوى الجميع في النار والدّمار، وكأثر عن هذا التزيين فإنّهم يحاربون القرآن بكل الوسائل، ومن ثم قال تعالى:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ إذا قرئ وَالْغَوْا فِيهِ أي:
شوّشوا عليه وعارضوه بكلام غير مفهوم لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ لتغلبوا على قراءته.
وتغلبوا قرّاءه ومبلغيه ودعاته باستعمالكم كل أساليب التشويش: بالجحود والإنكار، والرد والطعن، والصفير والتصفيق، والغناء مع عدم السماع، قال تعالى مهدّدا لهم وموعدا إياهم:
فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً قال ابن كثير: أي: في مقابلة ما اعتقدوه في القرآن وعند سماعه. وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ أي: بشّر أعمالهم وسيّئ أفعالهم. قال النسفي: أي: ولنجزينّهم أعظم عقوبة على أسوأ أعمالهم وهو الكفر
ذلِكَ أي: الجزاء الأسوأ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ ثم فسّر ماهيته فقال:
النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ فلا يخرجون منها جَزاءُ أي: جوزوا بذلك جزاء بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ أي: بسبب جحودهم بآيات الله أي بالقرآن
وَقالَ الَّذِينَ
стр. 4765
كَفَرُوا إذا دخلوا النار رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا أي: الشيطانين اللذين أضلانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لأن الشيطان على ضربين إنس وجن، وقد تعاونا على الإضلال نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ في النّار جزاء إضلالهم إيانا. ولا ينفعهم هذا الكلام هناك، ومن ثم لا نجد السياق يجيبهم على النداء.
كلمة في السياق:
١ - نلاحظ أن المجموعة هذه بدأت الكلام عن قرناء الكافرين الذين زيّنوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم، وختمت بالكلام عن هؤلاء القرناء؛ إذ يدعو عليهم من ضلوا بسببهم إذا دخلوا النار، ممّا يشير إلى وحدة المجموعة.
٢ - فهمنا من المجموعة أن هؤلاء الكافرين الذين حدّثنا الله عنهم في أوّل السورة ثم ردّ عليهم لم يستفيدوا من التقرير والوعظ والإنذار؛ بل هم مزيّنة لهم أعمالهم، مصرّون على حرب القرآن، وأن الله سلّط عليهم شياطين الجن والإنس يضلونهم، وذلك عقوبة لهم على إعراضهم، كما سنرى ذلك واضحا في سورة الزخرف في قوله تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ومن ثمّ نعرف أنّ المجموعة الأخيرة ذكرت عقوبة جديدة مما يعاقب به الله المعرضين، إذ يسلط عليهم الشياطين ليضلوهم فيستحقون دخول النار. وقد عرض هذا في سياق يخدم مجموعة أمور بآن واحد، وإذ وصل السياق إلى هاهنا، فإن السورة تتجه اتجاها جديدا.
إذ نجد أن مجموعات ثلاثا تأتي، وفي كل منها آية مبدوءة بكلمة إِنَّ* التي تفيد التوكيد:
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ....
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا ....
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ....
وسنعرض المجموعات مبتدءين بالمجموعة الأولى التي هي المجموعة السادسة في السورة.