Полный текст (6 440 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.
стр. 4761
كلمة في السياق: [المجموعة الثالثة حول صلتها بسياق السورة الخاص وبالمحور]
نلاحظ أن الرسل عليهم الصلاة والسلام بعثوا إلى عاد وثمود بالنهي عن عبادة غير الله أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ وأن النجاة كانت لمن اجتمع له صفتا الإيمان والتقوى وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ومحور السورة هو اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ....
والتقوى مفسّرة في أول سورة البقرة بأنها إيمان واتّباع كتاب. فإذا اتضح هذا كله نعلم أن المجموعة تقول لهؤلاء الرافضين عبادة الله، وبالتالي الرافضين للإيمان
والتقوى واتّباع رسول الله ﷺ : إنكم برفضكم هذا تعرضون أنفسكم لعذاب الله في الدنيا فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ وهكذا نرى صلة المجموعة بسياق السورة الخاص، وصلتها بمحور السورة، وإذ كان العذاب الدنيوي هو بعض ما ينتظر هؤلاء المكذبين الرافضين، فقد أمر الله رسوله ﷺ أن يذكّرهم كذلك بما ينتظرهم من عذاب في اليوم الآخر، وهذا هو موضوع المجموعة الرابعة.
*** المجموعة الرابعة وتمتد من الآية (١٩) إلى نهاية الآية (٢٤) وهذه هي:
٤١/ ١٩ - ٢٢
стр. 4762
٤١/ ٢٣ - ٢٤
التفسير:
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أي: واذكر يوم يحشر أَعْداءُ اللَّهِ أي: الكفّار من الأوّلين والآخرين. إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ أي: يحبس أولهم على آخرهم. أي: يستوقف سوابقهم حتى يلحق بهم تواليهم. قال ابن كثير: (أي: اذكر لهؤلاء المشركين يوم يحشرون إلى النار يوزعون أي: تجمع الزبانية أولهم على آخرهم)
حَتَّى إِذا ما جاؤُها أي: وقفوا عليها أي: صاروا بحضرتها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أي: بأعمالهم ممّا قدّموه وأخّروه لا يكتم منه حرف، وسنرى في الفوائد النصوص المبيّنة لهذا المعنى
وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا أي: لاموا أعضاءهم وجلودهم حين شهدوا عليهم، فعند ذلك أجابتهم الأعضاء قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ أي: من الحيوان، والمعنى: إن نطقنا ليس بعجب من قدرة الله الذي قدر على إنطاق كلّ حيوان وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فهو لا يخالف ولا يمانع وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ومن كان هذا شأنه فكيف لا ينطقنا، وكيف لا ننطق إذا أمرنا.
وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ قال النسفي: (أي: أنكم كنتم تستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب الفواحش، وما كان استتاركم ذلك خيفة أن يشهد عليكم جوارحكم، لأنكم كنتم غير عالمين بشهادتها عليكم، بل كنتم جاحدين بالبعث والجزاء أصلا). وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ أي: ولكنّكم إنّما استترتم لظنّكم أنّ الله لا يعلم الخفايا من أعمالكم
وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ أي: وذلك الظن الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ أي: أهلككم .. فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ في الدنيا والآخرة.
فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ أي: فإن يصبروا لم ينفعهم الصبر، ولم ينفكّوا به من الثواء في النار وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ أي: وإن يطلبوا الرضا فما هم من المرضيين، أو إن يسألوا العتبى- وهو الرّجوع إلى ما يحبّون جزعا مما هم فيه- لم يعتبوا أي: لم يعطوا العتبى، أي: الرجوع إلى الدنيا، ولم يجابوا إليها. وقال ابن كثير في
стр. 4763
الآية: (أي: سواء عليهم صبروا أم لم يصبروا في النار لا محيد لهم عنها، ولا خروج لهم منها، وإن طلبوا أن يستعتبوا ويبدوا أعذارا فما لهم أعذار ولا تقال لهم عثرات ... ).
كلمة في السياق:
رأينا أن سياق السورة سار كما يلي:
عرض علينا موقف الكافرين من القرآن، ومن دعوة رسول الله ﷺ ، ثم ردّ على هذا الموقف: ١ - بعرض مضمون الدعوة. ٢ - بما يترتب على هذا الموقف من آثار بديهية البطلان. ٣ - ثم بإنذارهم بعذاب الدنيا. ٤ - ثم بإنذارهم عذاب الآخرة.
وبعد هذا البيان الذي رأيناه في المجموعات الأربع، والذي لو وجد عقل أو إنصاف أو سماع تدبر لترتّب على ذلك انزجار، إلا أنّه حيث لا عقل، ولا إنصاف، ولا سماع تدبّر، فإنّ هذا كله لم يفد فيهم، ومن ثمّ تأتي المجموعة الخامسة لتعرض علينا بشكل غير مباشر عدم استفادتهم وسببها، وإصرارهم على حرب القرآن، واستئهالهم العقوبات بذلك، وندم بعضهم حيث لا ينفع الندم. فلنر المجموعة الخامسة ..
*** المجموعة الخامسة وتمتد من الآية (٢٥) إلى نهاية الآية (٢٩) وهذه هي:
٤١/ ٢٥ - ٢٦
стр. 4764
٤١/ ٢٧ - ٢٩
التفسير:
وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ أي: وقدّرنا لهؤلاء الكافرين المعرضين عن العبادة أخدانا وملازمين من الشياطين، شياطين الإنس والجن، سلّطناهم عليهم فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ قال ابن كثير: (أي: حسّنوا لهم أعمالهم في الماضي، وبالنسبة إلى المستقبل فلم يروا أنفسهم إلا محسنين) وقال النسفي: أي: (زينوا لهم ما تقدّم من أعمالهم وما هم عازمون عليه، أو ما بين أيديهم من أمر الدنيا واتّباع الشهوات، وما خلفهم من أمر العاقبة، وأن لا بعث ولا عذاب ولا حساب) وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ أي: كلمة العذاب فِي أُمَمٍ أي: في جملة أمم قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ أي: من قبل كفار هذه الأمّة مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ هذا تعليل لاستحقاقهم العذاب، والضمير لهم وللأمم، أي:
استوى الجميع في النار والدّمار، وكأثر عن هذا التزيين فإنّهم يحاربون القرآن بكل الوسائل، ومن ثم قال تعالى:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ إذا قرئ وَالْغَوْا فِيهِ أي:
شوّشوا عليه وعارضوه بكلام غير مفهوم لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ لتغلبوا على قراءته.
وتغلبوا قرّاءه ومبلغيه ودعاته باستعمالكم كل أساليب التشويش: بالجحود والإنكار، والرد والطعن، والصفير والتصفيق، والغناء مع عدم السماع، قال تعالى مهدّدا لهم وموعدا إياهم:
فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً قال ابن كثير: أي: في مقابلة ما اعتقدوه في القرآن وعند سماعه. وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ أي: بشّر أعمالهم وسيّئ أفعالهم. قال النسفي: أي: ولنجزينّهم أعظم عقوبة على أسوأ أعمالهم وهو الكفر
ذلِكَ أي: الجزاء الأسوأ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ ثم فسّر ماهيته فقال:
النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ فلا يخرجون منها جَزاءُ أي: جوزوا بذلك جزاء بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ أي: بسبب جحودهم بآيات الله أي بالقرآن
وَقالَ الَّذِينَ
стр. 4765
كَفَرُوا إذا دخلوا النار رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا أي: الشيطانين اللذين أضلانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لأن الشيطان على ضربين إنس وجن، وقد تعاونا على الإضلال نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ في النّار جزاء إضلالهم إيانا. ولا ينفعهم هذا الكلام هناك، ومن ثم لا نجد السياق يجيبهم على النداء.
كلمة في السياق:
١ - نلاحظ أن المجموعة هذه بدأت الكلام عن قرناء الكافرين الذين زيّنوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم، وختمت بالكلام عن هؤلاء القرناء؛ إذ يدعو عليهم من ضلوا بسببهم إذا دخلوا النار، ممّا يشير إلى وحدة المجموعة.
٢ - فهمنا من المجموعة أن هؤلاء الكافرين الذين حدّثنا الله عنهم في أوّل السورة ثم ردّ عليهم لم يستفيدوا من التقرير والوعظ والإنذار؛ بل هم مزيّنة لهم أعمالهم، مصرّون على حرب القرآن، وأن الله سلّط عليهم شياطين الجن والإنس يضلونهم، وذلك عقوبة لهم على إعراضهم، كما سنرى ذلك واضحا في سورة الزخرف في قوله تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ومن ثمّ نعرف أنّ المجموعة الأخيرة ذكرت عقوبة جديدة مما يعاقب به الله المعرضين، إذ يسلط عليهم الشياطين ليضلوهم فيستحقون دخول النار. وقد عرض هذا في سياق يخدم مجموعة أمور بآن واحد، وإذ وصل السياق إلى هاهنا، فإن السورة تتجه اتجاها جديدا.
إذ نجد أن مجموعات ثلاثا تأتي، وفي كل منها آية مبدوءة بكلمة إِنَّ* التي تفيد التوكيد:
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ....
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا ....
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ....
وسنعرض المجموعات مبتدءين بالمجموعة الأولى التي هي المجموعة السادسة في السورة.
стр. 4766
المجموعة السادسة وتمتد من الآية (٣٠) إلى نهاية الآية (٣٦) وهذه هي:
٤١/ ٣٠ - ٣٦
التفسير:
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ فاعترفوا لله بالربوبية، وعلى أنفسهم بالعبودية ثُمَّ اسْتَقامُوا على أمر الله فلم ينحرفوا يمينا أو شمالا. أخلصوا العمل لله، وعملوا بطاعة الله على ما شرع الله لهم. نطقوا بالتوحيد، ثم ثبتوا على الإقرار ومقتضياته تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ. عند الموت قائلين إِنَّ أي: أنّه أَلَّا تَخافُوا. قال مجاهد وعكرمة وزيد بن أسلم: أي: ممّا تقدمون عليه من أمر الآخرة وَلا تَحْزَنُوا. على ما خلّفتموه من أمر الدنيا من ولد وأهل ومال أو دين فإنا نخلفكم فيه. قال النسفي: (فالخوف: غمّ يلحق الإنسان لتوقّع المكروه، والحزن: غمّ يلحقه لما يتوقعه من فوات نافع، أو حصول
стр. 4767
ضار، والمعنى: أن الله كتب لكم الأمن من كل غم فلن تذوقوه). وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ أي: في الدنيا. قال ابن كثير: (يبشرونهم بذهاب الشرّ وحصول الخير)
نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ قال النسفي: (كما أن الشياطين قرناء العصاة وإخوانهم، فكذلك الملائكة أولياء المتقين وأحباؤهم في الدارين)، وقال ابن كثير: (أي تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار: «نحن كنا أولياءكم أي: قرناءكم في الحياة الدنيا نسدّدكم ونوفقكم ونحفظكم بأمر الله، وكذلك نكون معكم في الآخرة، نؤنس منكم الوحشة في القبور وعند النفخة في الصور، ونؤمّنكم يوم البعث والنشور، ونجاوز بكم الصراط المستقيم، ونوصلكم إلى جنات النعيم). وَلَكُمْ فِيها
أي:
في الجنة ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ أي: من جميع ما تختارون مما تشتهيه النفوس، وتقرّ به العيون من النّعيم وَلَكُمْ فِيها أي: في الجنة ما تَدَّعُونَ أي: ما تتمنّون، أي:
مهما طلبتم وجدتم وحضر كما اخترتم
نُزُلًا أي: ضيافة وعطاء وإنعاما مِنْ غَفُورٍ لذنوبكم رَحِيمٍ بكم رءوف، حيث غفر وستر ورحم ولطف
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ ... أي: إلى عبادته، أي: دعا عباد الله إلى الله وَعَمِلَ صالِحاً أي: وعمل عملا صالحا، وهو ما أمر الله به وكان خالصا له وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ. قال النسفي: (متفاخرا بالإسلام ومعتقدا له) ودخل في ذلك جميع الهداة والدعاة إلى الله، وأولهم وسيدهم وقدوتهم رسول الله ﷺ وأصحابه، وممّن يدخل في ذلك المؤذنون قال ابن كثير في قوله تعالى: وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ. (أي: وهو في نفسه مهتد بما يقوله، فنفعه لنفسه ولغيره لازم ومتعد.
وليس هو من الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه وينهون عن المنكر ويأتونه، بل يأتمر بالخير، ويترك الشر، ويدعو الخلق إلى الخالق ﵎، وهذه عامة في كل من دعا إلى خير، وهو في نفسه مهتد، ورسول الله ﷺ أولى الناس بذلك، كما قال محمد بن سيرين والسدى وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقيل المراد بها المؤذنون الصلحاء كما ثبت في صحيح مسلم (المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة) وفي السنن مرفوعا «الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن فأرشد الله الأئمة وغفر للمؤذّنين».
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ يعني: إن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما، فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها إذا اعترضتك حسنتان، وإذا اعترضتك سيئة فادفعها بالحسنة كذلك، كما لو أساء إليك رجل إساءة فالحسنة أن تعفو عنه، والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إساءته إليك، مثل أن
стр. 4768
يذمّك فتمدحه، أو يقتل ولدك فتفتدي ولده من يد عدوّه فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. فإنك إذا فعلت ذلك انقلب عدوك المشاقّ مثل الوليّ الحميم مصافاة لك
وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا أي: وما يلقّى هذه الخصلة التي هي مقابلة الإساءة بالإحسان إلا أهل الصبر قال ابن كثير: أي: وما يقبل هذه الوصية ويعمل بها إلا من صبر على ذلك، فإنّه يشق على النّفوس وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ أي: ذو نصيب وافر من السّعادة في الدنيا والآخرة. قال النسفي: أي: إلا رجل خيّر وفق لحظ عظيم من الخير. وقال ابن كثير: (قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان وخضع لهم عدوهم كأنه وليّ حميم).
وبعد أن بيّن الله طريقة معالجة عدوّ الإنس، يبيّن طريقة معالجة عدوّ الجن:
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ أي: نخس أي: وسوسة تنخس القلب نخسا فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ من شره ولا تطعه إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لاستعاذتك الْعَلِيمُ بنزغ الشيطان. قال ابن كثير في الآية: (أي: إن شيطان الإنس ربما ينخدع بالإحسان إليه فأما شيطان الجن، فإنه لا حيلة فيه إذا وسوس إلا الاستعاذة بخالقه الذي سلطه عليك، فإذا استعذت بالله والتجأت إليه كفّه عنك وردّ كيده، وقد كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يقول: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه» وقد قدمنا أن هذا المقام لا نظير له في القرآن إلا في سورة الأعراف عند قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ* وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وفي سورة المؤمنون عند قوله ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ* وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ* وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ. أقول: ومجئ الأمر بالاستعاذة بعد الآية التي أمرت بالدفع بالتي هي أحسن يعطينا معنى آخر سجّله النّسفي قال: (والمعنى: وإن صرفك الشيطان عمّا وصّيت به من الدفع بالتي هي أحسن فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ من شره، وامض على حلمك ولا تطعه ... ).
كلمة في السياق: [حول موضوعات المجموعات وترابطها وعلاقة المجموعة السادسة بالسياق القريب والعام]
١ - أمر الله رسوله ﷺ في أول السّورة أن يقول: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ
стр. 4769
مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ. ثمّ جاءت مجموعات ناقشت موضوع التوحيد، وموقف الكافرين منه، وأنذرتهم وحذرتهم، ثم جاءت المجموعة الأخيرة لتبين ما للاستقامة على أمر الله، ولتبين أن أحسن الأقوال الدعوة إلى الله، ولتبين أن الداعية إلى الله عليه أن يتخلّق بخلقين: الدفع بالتي هي أحسن، والاستعاذة بالله.
٢ - جاءت هذه المجموعة بعد المجموعة التي تحدّثت عن تقييض الله قرناء للكافرين، لتبيّن أن الذين يستجيبون لأمر الله، فيستقيمون يقيّض الله لهم ملائكة يتولّونهم في الدنيا والآخرة، وشتان بين الحالين.
٣ - من سنّة القرآن أن يتحدّث عن الكافرين وما أعدّ لهم، ثم يعقبه بالكلام عن المؤمنين وما أعد لهم، أو العكس وإذ كانت المجموعات السابقة على المجموعة الأخيرة تتحدّث عمّا أعدّه الله للكافرين من عذاب، فقد جاءت المجموعة الأخيرة لتتحدث عما أعد الله للمؤمنين، فصلة المجموعة في السياق القريب والسياق العام للسّورة واضحة، ولنر الصلة بين هذه المجموعة ومحور السورة.
٤ - رأينا أن محور السورة هو قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ .. ورأينا أنّ مجموعات في السّورة قد ناقشت الكافرين الذين يرفضون العبادة والتوحيد، وأنذرتهم وحذّرتهم، وتأتي هذه المجموعة لتبين ماذا أعد الله لمن يعبده ويتقيه، وتحضّه على الدعوة إلى الله،
وتوجّهه في ما ينبغي فعله أمام الأعداء الظاهرين والخفيين، وهي في الوقت نفسه تعرض علينا بعض ما يدخل في العبادة والتقوى. إن العبادة تقتضي اعترافا لله بالربوبية، واستقامة على أمره، وتقتضي دعوة إليه وعملا صالحا، وإعلانا عن الانتساب إلى الصف الإسلامي، وصبرا على أعداء الله وأذاهم وتقتضي استعاذة دائمة بالله من الشيطان.
٥ - يلاحظ أنّ السورة بدأت بقوله تعالى: حم* تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ* بَشِيراً وَنَذِيراً ... وجاءت السورة بعد ذلك وفيها تبيان لخصائص القرآن هذه، فالسورة تدلّنا على مظاهر تجليات اسمي الله: (الرحمن، الرحيم) الذي يتلطف فينزل وحيا، والذي يتلطف فيناقش ويبين ويوضح، والذي يأمر عباده بسلوك الطريق المرحوم أهلها، ويأمرهم بالرحمة، كما أنّ
стр. 4770
السورة نموذج على ما في هذا القرآن من تفصيل، فنجد المعنى الواحد يفصّل في كل مرة بأسلوب جديد عجيب، كما أنّ السورة نموذج على عروبة هذا القرآن، إذ تجده مبينا فصيحا واضحا، كما أنّ السورة نموذج على كون هذا القرآن بشيرا ونذيرا، وقد رأيت كيف أنذر في المجموعات قبل الأخيرة وبشّر في المجموعة الأخيرة. إن كتابا تظهر في كل سورة منه مجموع خصائصه وهي من الكثرة بحيث لا يحاط بها. إن كتابا هذا شأنه لا يضل عن كونه من عند الله إلا أعمى. إذا أدركت هذا المعنى تدرك أحد أسباب الإعجاز في هذا القرآن، وتدرك بعض السرّ لم كانت كل سورة من سوره معجزة يعجز الخلق عن الإتيان بمثلها.
*** المجموعة السابعة وتمتد من الآية (٣٧) إلى نهاية الآية (٤٠) وهذه هي:
٤١/ ٣٧ - ٤٠
ملاحظة حول السياق: [حول الصلة بين بدايات المجموعات: السادسة والسابعة والثامنة]
نلاحظ أن المجموعة السادسة بدأت بقوله تعالى إِنَّ والمجموعة الثامنة تبدأ
стр. 4771
كذلك بقوله تعالى إِنَّ بينما هذه المجموعة- أي السابعة- فقد انتهت بآية مبدوءة ب إِنَّ وذلك لأنها تتحدث عن الإلحاد بآيات الله، فناسب أن تذكر بعض آيات الله قبل أن تأتي الآية التي تقرّر جزاء الملحدين بآيات الله. وإنما نبهنا على ذلك حتى لا يظن ظان أن الآيات الثلاث الأولى من هذه المجموعة مرتبطة بالمجموعة السادسة.
معتبرا أنّ الحرف (إنّ) هو العلامة على بداية المجموعة كما هو الحال في المجموعة السادسة، والمجموعة الثامنة. إن التأمّل الدقيق للسياق يؤكد صحة ما قلناه والله الموفّق وله الحمد.
التفسير:
وَمِنْ آياتِهِ الكونية الدالّة على قدرته ووحدانيته اللَّيْلُ وَالنَّهارُ في تعاقبهما على حد معلوم، وتناوبهما على قدر مقسوم، وما فيهما من الحكم العظيمة وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ في اختصاصهما بسير مقدّر، ونور مقرّر، وغير ذلك من الحكم العظيمة، والآيات الباهرة، لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ فإنّهما مخلوقان وإن كثرت منافعهما وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ أي: الذي خلق الشمس والقمر والأرض التي هي محل الليل والنهار إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ أي: إن كنتم تدّعون عبادته، فهذا طريق عبادته، وليس أن يشرك به غيره
فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا أي: عن إفراد العبادة له، وأبوا إلّا أن يشركوا معه غيره. فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يعني: الملائكة يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ أي لا يملّون. قال النسفي: (والمعنى: فإن استكبروا ولم يمتثلوا ما أمروا به وأبوا إلا الواسطة فدعهم وشأنهم، فإنّ الله تعالى لا يعدم عابدا وساجدا بالإخلاص وله العباد المقرّبون الذين ينزّهونه بالليل والنهار من الأنداد).
وَمِنْ آياتِهِ الدالّة على توحيده وقدرته على إحياء الموتى والبعث أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً أي: هامدة لا نبات فيها بل هي ميتة يابسة مغبرة، والخشوع: التذلل، فاستعير لحال الأرض إذا كانت قحطة لا نبات فيها فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ أي: المطر اهْتَزَّتْ أي: تحرّكت بالنبات وَرَبَتْ أي: انتفخت. قال ابن كثير: (أي أخرجت من جميع ألوان الزروع والثمار) إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيكون قادرا على البعث ضرورة.
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا أي: يكفرون ويعاندون في آيات الله بأن لا يرتّبوا عليها لازمها العقلي، أو يرفضوا أن يعتبروها آية تدلّ على الله وأسمائه
стр. 4772
وصفاته. لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا قال ابن كثير: فيه تهديد شديد ووعيد أكيد أي: أنه تعالى عالم بمن يلحد في آياته وأسمائه وصفاته، وسيجزيه على ذلك بالعقوبة والنكال ولهذا قال تعالى: أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ هذا تمثيل للكافر والمؤمن أي: أيستوي هذا وهذا؟ لا يستويان. ثم قال تعالى تهديدا للكفرة اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ أي: من خير أو شر. قال النسفي: (هذا نهاية في التهديد .. ) إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي: إنه عالم بكم وبصير بأعمالكم فيجازيكم عليه.
كلمة في السياق: [المجموعة السابعة حول صلتها ببداية المقطع وبالمجموعة السابعة وبالمحور وبالمجموعة الثامنة]
١ - مر معنا في أول المقطع قوله تعالى: فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ* الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ وقد رأينا أن المجموعة السادسة تحدثت عن الاستقامة، وما لأصحابها، وجاءت المجموعة السابعة التي نحن بصددها تتحدّث عن أدلة التوحيد، وأدلة اليوم الآخر، وتذكر ما أعدّ الله للكافرين بآياته. أي فصّلت في ماهية الويل للمشركين، ومن ثم نلاحظ أن قوله تعالى وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ ... تحدّث عن قضية التوحيد، وأن قوله تعالى وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ
خاشِعَةً ..
تحدّث عن قضية اليوم الآخر. والآية الأخيرة تحدّثت عن عقوبة الملحدين في الآيات الدالة على التوحيد، والدالّة على اليوم الآخر. فالصلة بين المجموعة وبداية المقطع واضحة.
٢ - بعد أن حدّثنا الله في المجموعة السادسة. عن الذين يعترفون لله بالربوبية، والمستقيمين على أمره. حدّثنا في المجموعة اللاحقة عن الطرف المقابل، وهم الملحدون الذين لا يعترفون لله بالربوبية، ولا يستقيمون على أمره، والذين يلحدون في الآيات الدالّة عليه وعلى أسمائه وأفعاله، وقدّم للكلام عن هؤلاء بذكر آيات كونية تدل عليه وعلى أسمائه وأفعاله. وبهذا نعرف الصلة بين المجموعة السادسة والسابعة.
٣ - ونلاحظ أن في المجموعة السابعة أمرا بالسجود لله، وهو من العبادة وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ وأمر بإعطاء الآيات الكونية لوازمها العقلية، وهي معرفة الله وأسمائه وصفاته، كما نجد نهيا عن الشرك، وصلة ذلك بمحور السورة وهو: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ .. فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ .. واضحة.
стр. 4773
٤ - ذكر الله آيات كونية في هذه المجموعة، وأعقبها بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا .. وسنرى أن المجموعة الثامنة تتحدث عن الكفر بالقرآن فكأن المجموعة السابعة مخصصة للكلام عن الكفر بالآيات الكونية، والمجموعة الثامنة مخصصة للكلام عن الكفر بالآيات القرآنية، ومجئ قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا .. قبل قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ .. يلقي إشعاعا على قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ .. وكأنه مقدمة له، وبهذا ندرك أول صلة تربط بين المجموعة السابعة والثامنة، فلنر المجموعة الثامنة.
*** المجموعة الثامنة وتمتد من الآية (٤١) إلى نهاية الآية (٤٥) وهذه هي:
٤١/ ٤١ - ٤٥
стр. 4774
التفسير:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ أي: بالقرآن لَمَّا جاءَهُمْ أي حين جاءهم.
والخبر محذوف تقديره. أي: يعذّبون أو هالكون وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ قال ابن كثير: أي: منيع الجناب لا يرام أن يأتي أحد بمثله
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ قال ابن كثير: أي: ليس للبطلان إليه سبيل، لأنه منزّل من رب العالمين: قال النسفي: أي: لا يأتيه التبديل أو التناقض ... بوجه من الوجوه أقول: أي: لا من الماضي ولا من المستقبل. فالماضي يؤيده والمستقبل يؤيده، فلا ينقضه ماض ولا مستقبل تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ في أقواله وأفعاله حَمِيدٍ أي: مستحق للحمد، أي: محمود في جميع ما يأمر به وينهى عنه، جميع ذلك محمودة عواقبه وغاياته
ما يُقالُ لَكَ من التكذيب إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إلا مثل ما قال للرسل كفار قومهم من الكلمات المؤذية، والمطاعن في الكتب المنزلة. فكما كذّبت كذّبوا، وكما صبروا على أذى قومهم لهم فاصبر أنت على أذى قومك لك. إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ أي: لمن تاب إليه وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ أي: لمن استمر على كفره وطغيانه وعناده وشقاقه ومخالفته ثمّ لمّا ذكر تعالى القرآن وفصاحته وبلاغته وإحكامه في لفظه ومعناه، وأنّه مع هذا لم يؤمن به المشركون ممّا يدل على أن كفرهم به كفر عناد وتعنّت، بيّن فيما يأتي أنّه لو أنزل هذا القرآن بلغة العجم لقالوا على وجه التعنّت ما سيقصه علينا، فهم في كل حال متعنتون معاندون
وَلَوْ جَعَلْناهُ أي: القرآن قُرْآناً أَعْجَمِيًّا أي: بلغة العجم، وهو مع ذلك ظاهر الإعجاز، فاجتمع له أن يكون كتابا أعجميا معجزا نزل على إنسان عربي لَقالُوا مع هذا تعنتا وعنادا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ أي: أقرآن أعجمي ومخاطب عربي؟ والمعنى: أنّ آيات الله على أيّ طريقة جاءتهم وجدوا فيها مطعنا لأنّهم غير طالبين للحق، وإنما يتّبعون أهواءهم قُلْ هُوَ أي: القرآن لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً أي: إرشاد إلى الحق وَشِفاءٌ أي: لما في الصدور من الشكّ، إذ الشكّ مرض. قال ابن كثير: أي: قل يا محمد. هذا القرآن لمن آمن به هدى لقلبه، وشفاء لما في الصدور من الشكوك والريب وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ أي: ثقل وصمم وَهُوَ أي: القرآن عَلَيْهِمْ عَمًى قال النسفي أي: ظلمة وشبهة وقال ابن كثير: أي: لا يهتدون إلى ما فيه من البيان أُولئِكَ أي: الكافرون يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ قال ابن جرير معناه.
كأن من يخاطبهم يناديهم من مكان بعيد لا يفهمون ما يقول. وقال النسفي: يعني:
стр. 4775
إنّهم لعدم قبولهم وانتفاعهم كأنهم ينادون إلى الإيمان بالقرآن من حيث لا يسمعون لبعد المسافة. أقول: وهذا المعنى يحسّه الدّعاة إلى الله، ويشعرون به، فإنّهم عند ما يكلّمون أمثال هؤلاء بالمعاني الإسلامية يستشعرون العجز عن الإسماع، ويستشعرون بعد هؤلاء عن إمكانية فهم المعاني القرآنية على صفائها. وبعد هذا الذي مرّ يذكر الله إنزاله الكتاب على موسى ﵇، مما يفيد أن إنزال القرآن على محمد ﷺ ليس بدعا من الأمر، بل هو سنّة الله
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ قال النسفي: فقال بعضهم حق وقال بعضهم باطل، كما اختلف قومك يا محمد. وقال ابن كثير: أي: كذّب وأوذي فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ بتأخير الحساب إلى يوم المعاد لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أي: لعجّل لهم العذاب في الدنيا؛ بل لهم موعد وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ أي: موقع من الريبة، أي: وإن الكافرين لفي شك من القرآن شديد. قال ابن كثير: (أي: وما كان تكذيبهم له عن بصيرة منهم لما قالوا بل كانوا شاكّين فيما قالوه غير
محققين لشيء كانوا فيه. هكذا وجّهه ابن جرير وهو محتمل) ..
كلمة في السياق: [المجموعة الثامنة حول صلتها بمقدمة السورة وبالمجموعة السابعة وبالمحور والسياق القريب والبعيد]
١ - يذهب النسفي إلى أنّ قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ .. بدل من قوله تعالى .. إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا .. وهذا يفيد أن المراد بالكفر بالآيات في الآية الأولى الكفر بالقرآن، وليس هذا صحيحا فيما أرى لأن قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا جاء بعد ذكر آيات كونية. فالآيات الكونية داخلة في الآية، وفي عموم الآيات تدخل الآيات القرآنية، ومن ثم قلنا من قبل إنّ تأخير قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا .. عن أول المجموعة جعل الآية تؤدي أكثر من خدمة، إذ دخل في ذلك الآيات الكونية، والآيات القرآنية.
٢ - في مقدّمة سورة فصّلت قال تعالى عن القرآن: بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ* وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ وفي هذه المجموعة بيّن الله أن القرآن بالنسبة للذين لا يؤمنون عمى، وأنّهم لا يسمعونه؛ لأنّ في آذانهم وقرا، فههنا قرّر أنّ ما قالوه عن أنفسهم صحيح، ولكنه عرض في سياق التدليل على أن القرآن حق، وأن خصائصه تدلّ على ذلك. وأن القرآن لأهل الإيمان هدى وشفاء، ولكن المرض
стр. 4776
وحده هو الذي جعل القرآن بالنسبة لهؤلاء عمى. فالذي قالوه عن أنفسهم مما ذكرته السورة في مقدمتها أبرزته المجموعة هنا وبيّنت سببه، وهو كفرهم الذي لا يقوم على دليل بل الدليل ضدّه.
٣ - الملاحظ أنه قد ورد في أوائل السورة قوله تعالى: فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ وفي الآية السابقة على المجموعة الأخيرة ورد قوله تعالى: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ مما يفيد أنّ لامتدادات السورة صلة بمقدمتها، وأمّا الصّلة بين المجموعة السابعة والثامنة فواضحة، فالكلام كله عن الكفر بالآيات القرآنية والآيات الكونية.
٤ - نلاحظ أن في المجموعة السادسة حديثا عن المستقيمين على أمر الله، وأنّ في المجموعة السابعة حديثا عن الملحدين في آيات الله. وأنّ في المجموعة الثامنة حديثا عن القرآن في حق المؤمنين وعنه في حق الكافرين قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى وهكذا نجد أن المجموعة الثامنة تأخذ محلها في السياق القريب والبعيد للسورة.
٥ - نلاحظ أن محور السورة هو قوله تعالى. يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ... ومن التقوى كما ورد في أول سورة البقرة الاهتداء بهديه وعدم الارتياب فيه: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ...
وقد بيّنت المجموعة أنّ القرآن هدى وشفاء قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وذكرت خصائص من خصائص القرآن وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ .. وفي ذكر هذه الخصائص معالجة للريب في القرآن ولذلك صلته بمحور السورة وارتباطاته.
٦ - في كتابنا (الرسول ﷺ فصّلنا في باب المعجزة القرآنية. موضوع أن القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وبيّنا أن ذلك وحده دليل على أن القرآن من عند الله، وهاهنا نشير إلى خصيصة من خصائص القرآن مذكورة في المجموعة: لقد وصف الله كتابه بأنه عزيز فقال: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ومن عزّته أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ومن عزّته أنه لا يطاله قلب الكافر، ومن ثم قال تعالى وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى وما ذلك إلا لعزّته فإنّه يأبى أن يصل إلى قلب كافر،
стр. 4777
ومن عزته أنه لا يبقى في قلب إذا لم يعطه حقه من العناية والرعاية، ومن ثم قال ﵊: «تعاهدوا هذا القرآن فو الذي نفسي بيده لهو أشدّ تفلّتا من الإبل من عقلها» .. ولننتقل إلى المجموعة التاسعة في السورة.
*** المجموعة التاسعة وتمتد من الآية (٤٦) إلى الآية (٥١) وهذه هي:
٤١/ ٤٦ - ٥١
التفسير:
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ أي: إنّما يعود نفع ذلك على نفسه وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها أي: إنما يرجع وبال ذلك عليه وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ قال ابن كثير:
стр. 4778
أي: لا يعاقب أحدا إلا بذنبه، ولا يعذّب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه وإرسال الرسل إليه
إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ قال ابن كثير: أي: لا يعلم ذلك أحد سواه كما قال محمد ﷺ وهو سيد البشر لجبريل ﵊ وهو من سادات الملائكة حين سأله عن الساعة فقال: «ما المسئول عنها بأعلم من السائل» وقال النسفي: أي: علم قيامها يردّ إليه، أي: يجب على المسئول أن يقول: الله يعلم ذلك. وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها أي: من أوعيتها قبل أن تنشق وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ حملها إِلَّا بِعِلْمِهِ أي: ما يحدث شيء من خروج ثمرة، ولا حمل حامل، ولا وضع واضع، إلا وهو عالم به يعلم عدد أيام الحمل وساعاته وأحواله من الخداج والتمام، والذكورة والأنوثة، والحسن والقبح وغير ذلك. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي الذين زعمتموهم أنّهم لي شركاء قال ابن كثير: أي: يوم القيامة ينادي الله المشركين على رءوس الخلائق أين شركائي الذين عبدتموهم معي قالُوا آذَنَّاكَ أي: أعلمناك ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ أي: ليس أحد منا يشهد اليوم أنّ معك شريكا، فصار المعنى:
إنك علمت يا رب من قلوبنا الآن أنا لا نشهد بنفس الشهادة الباطلة، وما منّا أحد اليوم يشهد بأنّ لك شريكا، وما منّا إلا من هو موحد لك.
وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ أي: ما كانوا يعبدون من قبل أي: ذهبوا عنهم فلم ينفعوهم وَظَنُّوا أي: وأيقنوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ أي: من مهرب، أي: أيقنوا أنهم لا محيد لهم من عذاب الله،
لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ أي: لا يملّ الإنسان مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ أي: من دعاء ربه بالخير: وهو المال، وصحة الجسم وغير ذلك. وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ وهو البلاء أو الفقر فَيَؤُسٌ من الخير قَنُوطٌ من الرحمة، أي: يقع في ذهنه أنّه لا يتهيأ له بعد هذا خير، والقنوط: أن يظهر عليه أثر اليأس، فيتضاءل وينكر، أي:
يقطع الرجاء من فضل الله وروحه، وهذه صفة الكافر بدليل ما يأتي
وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي قال ابن كثير: أي: إذا أصابه خير ورزق بعد ما كان في شدة ليقولنّ هذا لي، إني كنت أستحقه عند ربي. وقال النسفي:
أي: وإذا فرّجنا عنه بصحة بعد مرض، أو سعة بعد ضيق، قال هذا لي، أي: هذا حقي وصل إلي لأني استوجبته بما عندي من خير وفضل أعمال وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً أي: ما أظنها تكون قائمة. قال ابن كثير: أي: يكفر بقيام الساعة، أي:
لأجل أنه خوّل نعمة يبطر ويفخر ويكفر ويقول وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى أي: الجنة أو الحالة الحسنى من الكرامة والنعمة قائسا أمر الآخرة على أمر
стр. 4779
الدنيا. قال ابن كثير: أي ولئن كان ثمّ معاد فليحسننّ إليّ ربي كما أحسن إليّ في هذه الدار يتمنّى على الله مع إساءته العمل وعدم اليقين، قال ﵎:
فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ أي: فلنخبرنّهم بحقيقة ما عملوا من الأعمال الموجبة للعذاب، ولنذيقنّهم من عذاب شديد لا يفترّ عنهم قال ابن كثير: يتهدّد تعالى من كان هذا عمله واعتقاده بالعقاب والنّكال ثم يذكر الله ضربا آخر من طغيان الإنسان، وإنّه إذا أصابته النعمة أبطرته فنسي المنعم، وأعرض عن شكره قال تعالى
وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ أي: أعرض عن الطاعة واستكبر عن الانقياد لأوامر الله وتباعد عن ذكر الله ودعائه أو ذهب بنفسه وتكبّر وتعظّم. والنّأي بالجنب يعني: البعد بالنفس، عبّر عن النّفس بالجنب ..
وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ أي: الشدّة من ضرّ أو فقر، أو مرض أو سجن فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ أي: كثير أي: أقبل على دوام الدعاء، وأخذ في الابتهال والتضرع، فهو يئوس قنوط القلب ذو دعاء عريض باللسان.
كلمة في السياق: [المجموعة التاسعة حول صلتها بالمجموعتين السابقتين وببداية المقطع وبالمحور]
١ - بعد أن قصّ الله علينا حال المستقيمين على أمره، والملحدين بآياته، والكافرين بقرآنه في المجموعات الثلاث الأخيرة بيّن لنا في هذه المجموعة أنه مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ فالمستقيم ينفع نفسه، والملحد يضرّها، والله حكم عدل، ثمّ عرّفنا الله على إحاطة علمه ليدلّنا على شمول حسابه، وكمال عدله، ثمّ بيّن لنا أنّ الكافرين جميعا يتبّرءون يوم القيامة من شركهم.
٢ - حدّثنا الله عن طبيعة الإنسان الكافر في يأسه وقنوطه في المحنة، وادّعائه في نسبة النّعمة إلى نفسه في المنحة، وجهله في شأن الألوهية وكبريائه وبطره في النعمة ودعائه الله في النقمة، فهو إنسان جاهل لا يعرف أن يضع الأمور في مواضعها، ولذلك كفر، وصلة ذلك بالمجموعتين السابقتين المتكلّمتين عن كفر الإنسان وإلحاده واضحة.
٣ - جاء في خاتمة المجموعة الأولى من السورة قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 4780
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ وجاء بعد ذلك قوله تعالى: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً فإن تحدثنا هذه المجموعة عن العمل الصالح ونفعه لصاحبه، وتحدّثنا عن الشرك وعن الطبيعة الكافرة فذلك يشعرنا بصلة المجموعة ببداية المقطع الذي يردّ على قول الكافرين وموقفهم.
٤ - ما الصلة بين المجموعة ومحور السورة يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً .. ؟.
لمّا كان موقف الإنسان من النعمة والنّقمة من أهمّ القضايا المرتبطة بمعرفة الله؛ فقد حدّثنا الله عن الموقف الجاهل للكافرين في هذا الشأن، وفي هذا الحديث نرى افتقار الإنسان في ساعة الشدّة إلى الله، وفي ذلك دليل على وجوب العبادة له، وللمجموعات صلات أخرى بمحور السورة، فمن عبد الله واتقاه فإنه يكون قد عمل صالحا، ونفع ذلك عائد إليه، وإلّا فإنّه لا يضر إلا نفسه ولم يبق عندنا في السورة إلا مجموعة واحدة هي المجموعة العاشرة فلنرها.
*** المجموعة العاشرة وتمتد من الآية (٥٢) إلى نهاية الآية (٥٤) وهذه هي:
٤١/ ٥٢ - ٥٤
ملاحظة في السياق: [حول الربط بين المجموعة العاشرة والمجموعتين الأولى والثانية]
يلاحظ أن هذه المجموعة هي المجموعة الثالثة المبدوءة بكلمة (قل) فالمجموعة الأولى
стр. 4781
والثانية بدئتا بكلمة (قل)، وهذه المجموعة بدئت بكلمة (قل)، والملاحظ أن المجموعات السبع التي جاءت في الوسط خدمت المجموعتين الأولى والثانية، ثم جاءت المجموعة الأخيرة على نمط المجموعتين الأولى والثانية، من حيث إنّهما ردّ مباشر على موقف الكافرين.
لاحظ ما يلي:
بدأت السورة بقوله تعالى: حم* تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ* بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ* وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ.
وجاء الردّ الأول. قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ* الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ.
ثم جاء الردّ الثاني. قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ* وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ* ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ* فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ.
ثم جاءت سبع مجموعات تخدم الردّين الأول والثاني. ثم يأتي الآن الردّ الثالث والأخير وبه تختم السورة: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ* سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ* أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ.
فلنر تفسير هذا الجواب الأخير.
стр. 4782
التفسير:
قُلْ يا محمد لهؤلاء المعرضين القائلين: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ أَرَأَيْتُمْ أي: أخبروني إِنْ كانَ هذا القرآن مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ ثم جحدتم أنه من عند الله كيف ترون حالكم عند الذي أنزله على رسوله ﷺ ، ولهذا قال مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ .. أي: من أضل؟ وصفهم أنّهم في شقاق بعيد، واستغنى بذكر صفتهم هذه عن توجيه الخطاب المباشر لهم، والمعنى: من أضل منكم أنتم يا أصحاب الشقاق البعيد .. أي: يا أصحاب الكفر والعناد والمشاقة للحق، ويا أصحاب المسلك البعيد عن الهدى،
ثم أكّد الله أنّ هذا القرآن من عنده فقال: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ. قال ابن كثير: أي: ستظهر لهم دلالاتنا وحججنا على كون القرآن حقا منزّلا من عند الله على رسوله ﷺ بدلائل خارجية في الآفاق .. وَفِي أَنْفُسِهِمْ قال ابن كثير: ويحتمل أن يكون المراد من ذلك ما الإنسان مركّب منه، وفيه، وعليه من الموادّ والأخلاط والهيئات العجيبة، كما هو مبسوط في علم التشريح الدالّ على حكمة الصانع ﵎. وكذلك ما هو مجبول عليه من الأخلاق المتباينة من حسن وقبيح وغير ذلك، وما هو متصرّف فيه تحت الأقدار التي لا يقدر بحوله وقوّته وحيله، وحذّره أن يجوزها ولا يتعداها حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ قال النسفي: أي: القرآن أو الإسلام الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. أي: كفى بالله شهيدا على أفعال عباده وأقوالهم، وهو يشهد أنّ محمدا ﷺ صادق فيما أخبر به عنه. قال النسفي: تقديره: أو لم يكفهم أن ربك على كل شئ شهيد. أي: أو لم تكفهم شهادة ربك على كل شئ، ومعناه: أنّ هذا الموعود من إظهار آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم سيرونه ويشاهدونه، فيتبيّنون عند ذلك أن القرآن تنزيل عالم الغيب الذي هو على كل شئ شهيد. أقول: وفي كتابنا (الرسول) ﷺ ذكرنا كيف أن الله أنجز وعده. فأرى الإنسان في الآفاق وفي الأنفس البشرية ما هو مصدّق لما في القرآن، حتى إن الإنسان إذا رأى ذلك، ورأى ما ورد في القرآن في أمره، أيقن أن هذا القرآن من عند الله ، وقد ضربنا على ذلك أمثلة كثيرة، ومن قرأ هذا التفسير، أو ذلك البحث رأى هذا بشكل واضح، فكيف يكفر كافر بالله وبالقرآن؟ ثمّ ختم الله السورة بقوله
أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ أي: في شك مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ قال ابن كثير: أي: في شك من قيام الساعة، ولهذا لا يتفكرون فيه، ولا يعملون له،
стр. 4783
ولا يحذرون منه، بل هو عندهم هزر لا يعبئون به، بينما هو كائن لا محالة، وواقع لا ريب فيه، أقول: وهذه هي العلّة الكبرى فإنّ كلّ سوء في المواقف والأقوال أثر عن الكفر باليوم الآخر، أو الشك فيه، أو الغفلة عنه، ثم قال تعالى، مقرّرا أنه على كل شئ قدير، وبكل شئ محيط، فإقامة الساعة يسيرة عليه سهلة لديه: أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ أي: المخلوقات كلها تحت قهره وفي قبضته، وتحت طيّ علمه، وهو المتصرّف فيها كلها بحكمه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. قال النسفي: أي: عالم بجمل الأشياء وتفاصيلها، وظواهرها وبواطنها، فلا تخفى عليه خافية، فيجازيهم على كفرهم ومريتهم في لقاء ربهم. أقول: في ختم السورة بهذا النص، تهديد لهؤلاء الكافرين على مواقفهم وأقوالهم، وشكّهم ورفضهم. وبهذا انتهت السورة.
كلمة في السياق: [حول صلة المجموعة العاشرة بالمحور]
وهكذا أقام الله الحجة على الكافرين من خلال مضمون الدعوة، ومن خلال ما يترتّب على مواقفهم من تناقضات واستحالات، ومن خلال إثبات أن هذا القرآن من عند الله. ثم إن السورة حذّرت وأنذرت، وبشّرت وبيّنت وعلّلت بما يخدم هذه المعاني، وفي الوقت نفسه ربّت الذين يسمعون لهذا القرآن والمؤمنين به على كثير من المعاني العملية، كما عرّفت على بعض آثار العبادة من استقامة واستعاذة، وصبر وطاعة، ولذلك كله ارتباطه بمحور السورة، وفي الكلمة الأخيرة عن السورة مزيد
بيان فلننقل بعض فوائد عن السورة.
الفوائد:
١ - [كلام ابن كثير عن الحادثة التي تلا فيها النبي ﷺ بداية السورة على عتبة بن ربيعة]
بمناسبة الكلام عن بداية سورة (فصّلت) يذكر بعض المفسّرين الحادثة التي تلا فيها رسول الله ﷺ هذه البداية على عتبة بن ربيعة وهذه هي. قال ابن كثير:
روى الإمام العالم عبد بن حميد في مسنده عن جابر بن عبد الله ﵁ قال:
اجتمعت قريش يوما فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذي قد فرّق جماعتنا وشتت أمرنا، وعاب ديننا فليكلمه، ولننظر ماذا يردّ عليه، فقالوا: ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة، فقالوا: أنت يا أبا الوليد، فأتاه عتبة، فقال: يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله ﷺ ، فقال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله ﷺ ، فقال: إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد
стр. 4784
عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك، وإنا والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومك منك، فرّقت جماعتنا، وشتّت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرا، وأن في قريش كاهنا، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى، أيها الرجل: إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا وأخذا، وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوّجك عشرا، فقال رسول الله ﷺ : «فرغت؟» قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* حم* تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حتى بلغ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ فقال عتبة: حسبك حسبك ما عندك غير هذا؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا» فرجع إلى قريش فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمون به إلا كلمته، قالوا: فهل أجابك؟ قال: نعم لا والذي نصبها بنية ما فهمت شيئا مما قاله غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، قالوا: ويلك يكلمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال؟ قال: لا والله ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة. وكذا رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده، وقد ساقه البغوي في تفسيره بسنده إلى جابر بن عبد الله ﵁ فذكر الحديث إلى قوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ فأمسك عتبة على فيه، وناشده بالرحم ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش، واحتبس عنهم، فقال أبو جهل: يا معشر قريش، والله ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد، وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة أصابته، فانطلقوا بنا إليه، فانطلقوا إليه فقال أبو جهل: يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك صبأت إلى محمد وأعجبك طعامه، فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد، فغضب عتبة وأقسم أن لا يكلم محمدا، أبدا، وقال: والله لقد علمتم أني من أكثر قريش مالا، ولكني أتيته وقصصت عليه القصة فأجابني بشيء، والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر، وقرأ السورة إلى قوله تعالى فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ فأمسكت فيه وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخشيت أن ينزل بكم العذاب. وهذا السياق أشبه من سياق البزار وأبي يعلى والله تعالى أعلم، وقد أورد هذه القصة الإمام محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب السيرة على خلاف هذا النمط فقال: حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة- وكان سيدا- قال يوما وهو
стр. 4785
جالس في نادي قريش، ورسول الله ﷺ جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله أن يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة ﵁، ورأوا أصحاب رسول الله ﷺ يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث علمت من البسطة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرّقت به جماعتهم، وسفّهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها، قال: قال رسول الله ﷺ : «قل يا أبا الوليد أسمع»، قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سوّدناك علينا، حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الأطباء، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه أو كما قاله، حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله ﷺ يستمع منه قال: «أفرغت يا أبا الوليد؟» قال: نعم. قال:
«فاستمع مني» قال: افعل، قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* حم* تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ* بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ثم مضى رسول الله ﷺ فيها وهو يقرؤها عليه، فلما سمع عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يستمع منه حتى انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة منها فسجد، ثم قال: «قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك»، فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالسحر، ولا بالشعر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي، خلّوا بين الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيمتوه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزّه عزّكم، وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه؟
قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم. وهذا السياق أشبه من الذي قبله والله أعلم).
٢ - [كلام ابن كثير حول معنى كلمة «الزكاة» في آية .. الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ .. ]
بمناسبة قوله تعالى وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ* الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ يذكر ابن
стр. 4786
كثير مجموعة الأقوال الواردة في معنى الزكاة هنا؛ لأن هذه الآية نزلت في مكة، والزكاة المعروفة نزل تشريعها في المدينة قال ابن كثير: (الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله، وكذا قال عكرمة، وهذا كقوله ﵎ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها* وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (الشمس: ٩، ١٠). وكقوله جلت عظمته قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (الأعلى: ١٤، ١٥) وقوله فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى؟ (النازعات: ١٨) والمراد بالزكاة هاهنا طهارة النفس من الأخلاق الرذيلة ومن أهم ذلك طهارة النفس من الشرك، وزكاة المال إنما سميت زكاة لأنها تطهره من الحرام، وتكون سببا لزيادته وبركته وكثرة نفعه وتوفيقا إلى استعماله في الطاعات، وقال السدي وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ* الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ أي: لا يؤدون الزكاة، وقال معاوية بن قرة: ليس هم من أهل الزكاة، وقال قتادة يمنعون زكاة أموالهم وهذا هو الظاهر عند كثير من المفسرين، واختاره ابن جرير، وفيه نظر؛ لأن إيجاب الزكاة إنما كان في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة على ما ذكره غير واحد، وهذه الآية مكية، اللهم إلا أن يقال لا يبعد أن يكون أصل الصدقة والزكاة كان مأمورا به في ابتداء البعثة، كقوله ﵎ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ (الأنعام: ١٤١) فأما الزكاة ذات النّصب والمقادير فإنما بيّن أمرها بالمدينة، ويكون هذا جمعا بين القولين، كما أن أصل الصلاة كان واجبا قبل طلوع الشمس وقبل غروبها في ابتداء البعثة، فلما كان ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة ونصف، فرض الله تعالى على رسوله ﷺ الصلوات الخمس، وفصل شروطها وأركانها وما يتعلق بها بعد ذلك شيئا فشيئا والله أعلم).
٣ - [معنى كلمة «ممنون» الواردة في الآية (٨)]
فهم بعضهم أنّ معنى مَمْنُونٍ في قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ أي: غير ممتنّ عليهم به، وهذا غلط بل غير الممنون هنا يعني: غير المقطوع. قال ابن كثير: (وقد رد هذا التفسير بعض الأئمة فإن المنة لله تعالى على أهل الجنة، قال الله ﵎: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ وقال أهل الجنة: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ وقال رسول الله ﷺ «إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل»).
٤ - [كلام النسفي حول الآية وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ قال النسفي: (وهذه تمثيلات لنبوّ قلوبهم عن تقبل الحق
стр. 4787
واعتقاده كأنها في غلف وأغطية من نفوذه فيها، ومج أسماعهم له كأن بها صمما عنه، ولتباعد المذهبين والدينين كأن بينهم وما هم عليه وبين رسول الله ﷺ وما هو عليه حجابا ساترا وحاجزا منيعا من جبل أو نحوه فلا تلاقي ولا ترائي).
٥ - [عرض لرأي المؤلف في موضوع خلق الأرض من خلال الآية (٩)]
بمناسبة قوله تعالى: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ...
نقول: إن هذا المقام، مقام يصعب التحقيق فيه، وقد ذكرنا رأينا فيه في سورة البقرة وسورة هود، وهاهنا نلخص مجمل رأينا في الموضوع:
أ- إنّ السماء بمعنى النجوم والمجرّات خلقت قبل خلق الأرض يشهد على ذلك:
أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها* رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها* وَأَغْطَشَ لَيْلَها* وَأَخْرَجَ ضُحاها* وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها وأنّ السموات السبع خلقت بعد الأرض هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وأنّ السموات السبع والأرض وما بينهما خلقت في ستة أيام. وأن المراد بما بينهما الكواكب السيارة، وأن الكواكب السيارة هي التي زينت بها السماء الدنيا؛ لأنها هي التي بأجزاء منها ترجم الشياطين. ونتصوّر أنه بكلامنا الذي قدّمناه نكون قد أعطينا الجواب الشافي الذي يجمع بين النصوص كلها، وبين معطيات العلوم المعاصرة، والتصور العام للكون حسب هذه المعطيات، والله أعلم، ونحبّ أن نذكّر هنا بما نبّهنا عليه في سورة البقرة أن ما يرد من روايات في تحديد ماذا كان في يوم سبت أو أحد أو غير ذلك مرجعها كلها روايات أهل الكتاب على التحقيق.
ب- وقد رجّحنا- لأسباب كثيرة- أن تكون السموات السبع- التي هي سكن الملائكة، وإليها ترجع أرواح المؤمنين، والتي فوقها عرش الرحمن- غيبية، فهي موجودة كما أخبرنا الله ، ورسوله ﷺ عنها ولكنها مغيّبة عنا، وقد ذكرنا أدلّة ذلك في أكثر من مكان في هذا التفسير.
٦ - [كلام ابن كثير حول شهادة الجوارح على أصحابها يوم القيامة بمناسبة الآية (٢٠)]
بمناسبة قوله تعالى: حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ .. قال ابن كثير: (روى الحافظ أبو بكر البزار عن أنس بن مالك ﵁ قال: ضحك رسول الله ﷺ ذات يوم- أو تبسم- فقال ﷺ : «ألا تسألوني عن أي شئ ضحكت؟» قالوا: يا رسول الله من أي شيء ضحكت؟ قال ﷺ : «عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة، يقول: أي رب أليس وعدتني أن لا تظلمني؟ قال: بلى، فيقول: فإني لا أقبل عليّ شاهدا إلا من نفسي،
стр. 4788
فيقول الله ﵎: أو ليس كفى بي شهيدا، وبالملائكة الكرام الكاتبين؟ قال:
فيردد هذا الكلام مرارا، قال: فيختم على فيه، وتتكلم أركانه بما كان يعمل، فيقول:
بعدا لكنّ وسحقا، عنكنّ كنت أجادل» وكذا رواه ابن أبي حاتم، وقد أخرجه مسلم والنسائي وروى ابن أبي حاتم عن حميد بن هلال قال: قال أبو بردة: قال أبو موسى:
ويدعى الكافر والمنافق للحساب، فيعرض عليه ربه عمله فيجحد ويقول:
أي رب، وعزّتك لقد كتب عليّ هذا الملك ما لم أعمل. فيقول له الملك: أما عملت كذا في يوم كذا في مكان كذا؟ فيقول: لا وعزّتك أي: رب ما عملته. قال: فإذا فعل ذلك ختم على فيه، قال الأشعري ﵁: فإني لأحسب أول ما ينطق منه فخذه اليمنى. وروى الحافظ أبو يعلى عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة عرّف الكافر بعمله، فجحد وخاصم فيقول: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك، فيقول: كذبوا، فيقول: أهلك وعشيرتك، فيقول:
كذبوا، فيقول احلفوا فيحلفون، ثم يصمتهم الله تعالى، وتشهد عليهم ألسنتهم ويدخلهم النار» وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ أنه قال لابن الأزرق: إن يوم القيامة يأتي على الناس منه حين لا ينطقون ولا يعتذرون ولا يتكلمون، حتى يؤذن لهم ثم يؤذن لهم، فيختصمون فيجحد الجاحد بشركه بالله تعالى، فيحلفون له كما يحلفون لكم، فيبعث الله تعالى عليهم حين يجحدون شهداء من أنفسهم، جلودهم وأبصارهم وأيديهم وأرجلهم، ويختم على أفواههم، ثم يفتح لهم الأفواه فتخاصم الجوارح فتقول أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فتقر الألسنة بعد الجحود. وروى ابن أبي حاتم عن راقع أبي الحسن قال:
وصف رجلا جحد قال: فيشير الله تعالى إلى لسانه فيربو في فمه حتى يملأه، فلا يستطيع أن ينطق بكلمة، ثم يقول لآرابه كلها: تكلمي واشهدي عليه، فيشهد عليه سمعه وبصره وجلده وفرجه، ويداه ورجلاه: صنعنا عملنا فعلنا).
٧ - [كلام ابن كثير حول حسن الظن بالله بمناسبة آية وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ .. ]
بمناسبة قوله تعالى وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن عبد الله ﵁ قال: كنت مستترا بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر قرشي وختناه ثقفيان- أو ثقفي وختناه قرشيان- كثير شحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخر: إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه، وإذا لم نرفعه لم يسمعه، فقال الآخر: إن سمع منه شيئا سمعه كله- قال- فذكرت ذلك للنبي ﷺ فأنزل الله
стр. 4789
عزّ وجل وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ إلى قوله مِنَ الْخاسِرِينَ وهكذا رواه الترمذي وأحمد ومسلم والبخاري وروى عبد الرزاق عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ في قوله تعالى أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ قال: «إنكم تدعون يوم القيامة مقدما على أفواهكم بالفدام، فأول شئ يبين عن أحدكم فخذه وكفه» قال معمر: وتلا الحسن:
وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ ثم قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله تعالى: أنا مع عبدي عند ظنه بي، وأنا معه إذا دعاني» ثم أخذ الحسن ينظر في هذا فقال: ألا إنما عمل الناس على قدر ظنهم بربهم، فأما المؤمن فأحسن الظن بربه فأحسن العمل، وأما الكافر والمنافق فأساءا الظن بالله فأساءا العمل ثم قال: قال الله ﵎ وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ إلى قوله وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ الآية. وروى الإمام أحمد عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يموتن أحد منكم إلا وهو يحسن بالله الظن، فإن قوما قد أرداهم سوء ظنهم بالله فقال الله تعالى: وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ.
٨ - [كلام ابن كثير والنسفي حول الإيمان والاستقامة بمناسبة آية إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ... قال النسفي: (وعن الصديق ﵁: استقاموا فعلا كما استقاموا قولا، وعنه أنه تلاها ثم قال: ما تقولون فيها، قالوا: لم يذنبوا، قال: حملتم الأمر على أشده، قالوا: فما تقول؟ قال: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان، وعن عمر ﵁: لم يروغوا روغان الثعالب، أي لم ينافقوا، وعن عثمان ﵁: أخلصوا العمل، وعن علي ﵁: أدوا الفرائض، وعن الفضيل: زهدوا في الفانية ورغبوا في الباقية، وقيل:
حقيقة الاستقامة القرار بعد الإقرار، لا الفرار بعد الإقرار).
وقال ابن كثير في الآية: (روى الحافظ أبو يعلى الموصلي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قرأ علينا رسول الله ﷺ هذه الآية إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا قد قالها ناس ثم كفر أكثرهم، فمن قالها حتى يموت فقد استقام عليها، وكذا رواه النسائي في تفسيره والبزار وابن جرير عن عمرو بن علي الفلاس عن مسلم بن قتيبة به.
وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن الفلاس به. روى ابن جرير عن سعيد بن عمران قال: قرأت عند أبي بكر الصديق ﵁ هذه الآية إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَ
стр. 4790
اسْتَقامُوا قال: هم الذين لم يشركوا بالله شيئا ثم روى من حديث الأسود بن هلال قال: قال أبو بكر الصديق ﵁ ما تقولون في هذه الآية إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا؟ قال: فقالوا: رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا من ذنب فقال: لقد حملتموها على غير المحمل، قالوا: ربنا الله ثم استقاموا فلم يلتفتوا إلى إله غيره. وكذا قال مجاهد وعكرمة والسدي وغير واحد، وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: سئل ابن عباس ﵄: أيّ آية في كتاب الله ﵎ أرخص؟ قال: قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا على شهادة أن لا إله إلا الله، وقال الزهري: تلا عمر ﵁ هذه الآية على المنبر ثم قال: استقاموا والله لله بطاعته، ولم يروغوا
روغان الثعالب. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا على أداء فرائضه، وكذا قال قتادة قال: وكان الحسن يقول: اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة، وقال أبو العالية: ثُمَّ اسْتَقامُوا أخلصوا له الدين والعمل. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن سفيان الثقفي عن أبيه أن رجلا قال: يا رسول الله مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال ﷺ : «قل آمنت بالله ثم استقم» قلت: فما أتقي؟ فأومأ إلى لسانه. ورواه النسائي من حديث شعبة عن يعلى بن عطاء به، ثم قال الإمام أحمد عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال:
قلت: يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به، قال ﵌: «قل ربي الله ثم استقم» قلت يا رسول الله ما أكثر ما تخاف عليّ؟ فأخذ رسول الله ﷺ بطرف لسان نفسه ثم قال- هذا» وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه من حديث الزهري به وقال الترمذي حسن صحيح. وقد أخرجه مسلم في صحيحه والنسائي من حديث هشام بن عروة عن أبيه سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك قال ﷺ : «قل آمنت بالله ثم استقم» وذكر تمام الحديث).
٩ - [كلام ابن كثير عن أهل الاستقامة بمناسبة آية تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ .. ]
بمناسبة قوله تعالى عن أهل الاستقامة تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ* نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ ... قال ابن كثير:
(وهذا كما جاء في حديث البراء ﵁ قال «إن الملائكة تقول لروح المؤمن اخرجي أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان» وقيل: إن الملائكة تتنزل عليهم يوم خروجهم من قبورهم، حكاه ابن جرير عن ابن عباس والسدي، وروى ابن أبي حاتم: عن جعفر بن سليمان قال:
стр. 4791
سمعت ثابتا قرأ سورة حم السجدة حتى بلغ إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ فوقف فقال: بلغنا أن العبد المؤمن حين يبعثه الله تعالى من قبره يتلقاه الملكان اللذان كانا معه في الدنيا فيقولان له: لا تخف ولا تحزن وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ قال: فيؤمّن الله تعالى خوفه، ويقرّ عينه، فما عظيمة يخشى الناس يوم القيامة إلا هي للمؤمن قرة عين لما هداه الله ﵎، ولما كان يعمل له في الدنيا، وقال زيد بن أسلم: يبشرونه عند موته وفي قبره وحين يبعث. رواه ابن أبي حاتم، وهذا القول يجمع الأقوال كلها وهو حسن جدا وهو الواقع).
١٠ - [كلام ابن كثير عن نعيم أهل الجنة بمناسبة الآيتين (٣١، ٣٢)]
وبمناسبة قوله تعالى عن جزاء أهل الاستقامة: وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ* نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ قال ابن كثير: (وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديث سوق الجنة عند قوله تعالى وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ* نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ فروى عن سعيد بن المسيب أنه لقي أبا هريرة ﵁ فقال أبو هريرة ﵁: أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة، فقال سعيد: أوفيها سوق؟ فقال: نعم، أخبرني رسول ﷺ أن أهل الجنة إذا دخلوا فيها نزلوا بفضل أعمالهم فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيزورون الله ، ويبرز لهم عرشه، ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة، ويوضع لهم منابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من ياقوت، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ذهب، ومنابر من فضة، ويجلس أدناهم- وما فيهم دنئ- على كثبان المسك والكافور، ما يرون أن أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلسا. قال أبو هريرة ﵁:
قلت: يا رسول الله وهل نرى ربنا؟ قال ﷺ : «نعم، هل تمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر؟» قلنا: لا؛ قال ﷺ : «فكذلك لا تتمارون في رؤية ربكم تعالى، ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره الله محاضرة حتى إنه ليقول للرجل منهم يا فلان بن فلان أتذكر يوم عملت كذا وكذا يذكره ببعض غدراته في الدنيا- فيقول: أي رب أفلم تغفر لي؟ فيقول: بلى، فبسعة مغفرتي بلغت منزلتك هذه- قال:- فبينما هم على ذلك، غشيتهم سحابة من فوقهم، فأمطرت عليهم طيبا لم يجدوا مثل ريحه شيئا قط- قال- ثم يقول ربنا : قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة، وخذوا ما اشتهيتم، قال: فنأتي سوقا قد حفت به الملائكة، فيها ما لم تنظر العيون إلى مثله، ولم تسمع الآذان، ولم يخطر على القلوب، قال: فيحمل لنا ما اشتهينا ليس يباع فيه شئ، ولا يشترى، وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضا. قال: فيقبل الرجل ذو
стр. 4792
المنزلة الرفيعة فيلقى من هو دونه- وما فيهم دنئ- فيروعه ما يرى عليه من اللباس، فما ينقضي آخر حديثه حتى يتمثل عليه أحسن منه، وذلك لأنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها، ثم ننصرف إلى منازلنا فيتلقانا أزواجنا فيقلن: مرحبا وأهلا بحبيبنا، لقد جئت وإن بك من الجمال والطيب أفضل مما فارقتنا عليه، فيقول: إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار ﵎، وبحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا به» وقد رواه الترمذي في صفة الجنة من جامعه وقال: هذا حديث غريب. وروى الإمام أحمد عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» قلنا: يا رسول الله كلنا نكره الموت قال ﷺ : «ليس ذلك كراهية الموت، ولكن المؤمن إذا حضر جاءه البشير من الله تعالى بما هو صائر إليه، فليس شئ أحب إليه من أن يكون قد لقي الله تعالى فأحب الله لقاءه- قال- وإن الفاجر- أو الكافر- إذا حضر جاءه بما هو صائر إليه من الشر أو ما يلقى من الشر، فكره لقاء الله فكره الله لقاءه» وهذا حديث صحيح وقد ورد في الصحيح من غير هذا الوجه.
١١ - [كلام ابن كثير حول فضل الأذان والمؤذنين بمناسبة الآية (٣٣)]
بمناسبة قوله تعالى. وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ نقل ابن كثير أحاديث كثيرة في فصل الأذان والمؤذنين على اعتبار أنه وجد من قال: إنّ الآية في المؤذنين، والصحيح أنها عامة في كل من دعا إلى خير، ويدخل في ذلك المؤذنون، ولدخولهم فيها نقل ابن كثير الأحاديث الكثيرة فيهم قال:
(وروى ابن أبي حاتم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: «سهام المؤذنين عند الله تعالى يوم القيامة كسهام المجاهدين وهو بين الأذان والإقامة كالمتشحط في سبيل الله تعالى في دمه» قال: وقال ابن مسعود ﵁: لو كنت مؤذنا ما باليت أن لا أحج أو أعتمر ولا أجاهد، قال: وقال عمر بن الخطاب ﵁: لو كنت مؤذنا لكمل أمري، وما باليت أن لا أنتصب لقيام الليل، ولا لصيام النهار، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اللهم اغفر للمؤذنين» ثلاثا، قال: فقلت: يا رسول الله، تركتنا ونحن نجتلد على الأذان بالسيوف، قال ﷺ : «كلا يا عمر إنه سيأتي على الناس زمان يتركون الأذان على ضعفائهم، وتلك لحوم حرمها الله على النار، لحوم المؤذنين» قال: وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: ولهم هذه الآية وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ قالت: فهو المؤذن إذا قال: حي على الصلاة، فقد دعا إلى الله وهكذا قال ابن عمر ﵄ وعكرمة، إنها نزلت في المؤذنين، وقد ذكر البغوي عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه
стр. 4793
أنه قال في قوله : وَعَمِلَ صالِحاً يعني: صلاة ركعتين بين الأذان والإقامة. ثم أورد البغوي حديث عبد الله بن المغفل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بين كل أذانين صلاة- ثم قال في الثالثة- لمن شاء» وقد أخرجه الجماعة في كتبهم من حديث عبد الله بن بريدة عنه، وحديث الثوري المروي عن أنس بن مالك ﵁، قال الثوري: لا أراه إلا قد رفعه إلى النبي ﷺ «الدعاء لا يردّ بين الأذان والإقامة» ورواه أبو داود والترمذي والنسائي في اليوم والليلة كلهم من حديث الثوري به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ورواه النسائي أيضا من حديث سليمان التيمي عن قتادة عن أنس به، والصحيح أن الآية عامة في المؤذنين وفي غيرهم، فأما حال نزول هذه الآية فإنه لم يكن الأذان مشروعا بالكلية لأنها مكية، والأذان إنما شرع بالمدينة بعد الهجرة حين أريه عبد الله بن عبد ربه الأنصاري ﵁ في منامه، فقصّه على رسول الله ﷺ ، فأمره أن يلقيه على بلال ﵁ فإنه أندى صوتا كما هو مقرر في موضعه، فالصحيح إذا أنها عامة كما قال عبد الرزاق عن معمر عن الحسن البصري أنه تلا هذه الآية وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ فقال: هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحا في إجابته، وقال: إنني من المسلمين، هذا خليفة الله).
١٢ - [كلام ابن كثير عن سعة عفو الله بمناسبة آية إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ]
بمناسبة قوله تعالى إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم ... عن سعيد بن المسيّب قال: نزلت هذه الآية إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ قال رسول الله ﷺ : «لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحدا العيش، ولولا وعيده وعقابه لاتّكل كل أحد»).
١٣ - [كلام صاحب الظلال حول آية سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ .. ]
وبمناسبة قوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ قال صاحب الظلال: (إنه وعد الله لعباده- بني الإنسان- أن يطلعهم على شئ من خفايا هذا الكون، ومن خفايا أنفسهم على السواء. وعدهم أن يريهم آياته في الآفاق وفي أنفسهم، حتى يتبيّن لهم أنه الحق. هذا الدين. وهذا الكتاب.
وهذا المنهج. وهذا القول الذي يقوله لهم. ومن أصدق من الله حديثا؟.
ولقد صدقهم الله وعده، فكشف لهم عن آياته في الآفاق خلال القرون الأربعة عشر
стр. 4794
التي تلت هذا الوعد، وكشف لهم عن آياته في أنفسهم. وما يزال يكشف لهم في كل يوم عن جديد.
وينظر الإنسان فيرى البشر قد كشفوا كثيرا جدا منذ ذلك الحين. فقد تفتّحت لهم الآفاق. وتفتّحت لهم مغاليق النفوس بالقدر الذي شاءه الله.
لقد عرفوا أشياء كثيرة. لو أدركوا كيف عرفوها وشكروا لكان لهم فيها خير كثير.
عرفوا منذ ذلك الحين أن أرضهم التي كانوا يظنونها مركز الكون .. إن هي إلا ذرة صغيرة تابعة للشمس. وعرفوا أن الشمس كرة صغيرة منها في الكون مئات الملايين.
وعرفوا طبيعة أرضهم وطبيعة شمسهم- وربما طبيعة كونهم، إن صح ما عرفوه!.
وعرفوا الكثير عن مادة هذا الكون الذي يعيشون فيه. إن صح أن هناك مادة.
عرفوا أن أساس بناء هذا الكون هو الذرة. وعرفوا أن الذرة تتحول إلى إشعاع.
وعرفوا إذن أن الكون كله من إشعاع .. في صور شتى: هي التي تجعل منه هذه الأشكال والأحجام!.
وعرفوا الكثير عن كوكبهم الأرضي الصغير. عرفوا أنه كرة أو كالكرة. وعرفوا أنه يدور حول نفسه وحول الشمس. وعرفوا قاراته ومحيطاته وأنهاره. وكشفوا عن شئ من باطنه. وعرفوا الكثير من المخبوء في جوف هذا الكوكب من الأقوات. والمنثور في جوه من هذه الأقوات أيضا!.
وعرفوا وحدة النواميس التي تربط كوكبهم بالكون الكبير، وتصرف هذا الكون الكبير. ومنهم من اهتدى فارتقى من معرفة النواميس إلى معرفة خالق النواميس. ومنهم من انحرف فوقف عند ظاهر العلم لا يتعداه. ولكن البشرية بعد الضلال والشرود من جراء العلم، قد أخذت عن طريق العلم تثوب، وتعرف أنه الحق عن هذا الطريق.
ولم تكن فتوح العلم والمعرفة في أغوار النفس بأقل منها في جسم الكون. فقد عرفوا عن الجسم البشري وتركيبه وخصائصه وأسراره الشئ الكثير. عرفوا عن تكوينه وتركيبه ووظائفه وأمراضه، وغذائه وتمثيله، وعرفوا عن أسرار عمله وحركته، ما يكشف عن خوارق لا يصنعها إلا الله.
وعرفوا عن النفس البشرية شيئا .. إنه لا يبلغ ما عرفوه عن الجسم؛ لأن العناية
стр. 4795
كانت متجهة بشدة إلى مادة هذا الإنسان وآلية جسمه أكثر مما كانت متجهة إلى عقله وروحه. ولكن أشياء قد عرفت تشير إلى فتوح ستجئ ..
وما يزال الإنسان في الطريق!.
ووعد الله ما يزال قائما: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ .. والشطر الأخير من الوعد قد بانت طلائعه منذ مطلع هذا القرن بشكل ملحوظ. فموكب الإيمان يتجمع من فجاج شتى. وعن طريق العلم المادي وحده يفد كثيرون! وهناك أفواج وأفواج تتجمع من بعيد. ذلك على الرغم من موجة الإلحاد الطاغية التي كادت تغمر هذا الكوكب في الماضي. ولكن هذه الموجة تنحسر الآن.
تنحسر- على الرغم من جميع الظواهر المخالفة- وقد لا يتم تمام هذا القرن العشرين الذي نحن فيه، حتى يتم انحسارها أو يكاد إن شاء الله).
كلمة في سورة فصّلت ومجموعتها:
١ - [سر السياق الخاص للسورة]
بدأت سورة فصّلت بمقدّمة تنتهي بتسجيل موقف للكافرين هو: وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ .. ثمّ سارت السورة تردّ على هذا القول، وتفنّده مرّة بعد مرّة، وفي ذلك يكمن سرّ السياق الخاص للسورة، وبه تتجلّى وحدتها.
٢ - [عدم تعارض تفصيل السورة للمحور مع كونها وحدة واحدة]
ومع أن للسورة وحدتها فإنّها قد فصّلت في محورها، وفي امتدادات هذا المحور، وبنت على السّور التي فصّلته.
٣ - [توضيح مدى ارتباط السورة بمجموعتها]
ومع هذا وهذا فللسورة ارتباطها بمجموعتها، فهي تكمّل مجموعتها وتتكامل معها.
لقد رأينا أن المجموعة الثالثة في قسم المثاني هي المجموعة التي تتألف من الزمر، والمؤمن، وفصّلت، والملاحظ أن هذه المجموعة تكمّل بعضها، وتتكامل مع بعضها.
ومن مظاهر وحدة المجموعة وحدة البدايات:
تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ سورة الزمر
حم* تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ سورة المؤمن
حم* تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ سورة فصّلت.
стр. 4796
ومن مظاهر تكاملها أنّك تجد كل سورة من السور الثلاث ذكرت أسماء لله، وكانت هذه السور مجلى لهذه الأسماء.
ومن مظاهر تكامل المجموعة أنّك تجد في سورة معنى تكمّله سورة أخرى:
فالآية الثانية في سورة الزمر هي: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ....
والآية الرابعة في سورة المؤمن هي: ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ..
والآية الخامسة في سورة فصّلت هي: وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ .. لاحظ كيف تتكامل المعاني في السور الثلاث، حتى لو أنك وضعت هذه الآيات بجانب بعضها لخرج معك معنى متكامل.
٤ - [توضيح مدى الترابط بين أقسام القرآن ومجموعات كل قسم]
وهذه المجموعة تضيف صرحا جديدا لموضوع التفصيل القرآني المتلاحم:
جاءت سورة البقرة، ثم جاءت تتمّة السبع الطوال لتضع الصرح الأول في تفصيلها، ثمّ جاءت ثلاث مجموعات في قسم المئين، لتضيف صروحا ثلاثة أخرى في تفصيل سورة البقرة.
ثمّ جاء قسم المثاني ليضيف ست صروح أخرى، ثمّ يأتي قسم المفصّل ليضع صروحا أخرى في التفصيل، فتكون آخر مجموعة فيه هي قمّة الهرم.
قاعدة الهرم هي سورة البقرة، ثمّ يبنى الهرم بعد ذلك من مجموعات، كل مجموعة أكبر من التي بعدها، حتى نصل إلى القمة، وفيما بين ذلك من الصلات ما لا يحيط به إلا الله .
كل مجموعة لاحقة تبنى على كل ما سبقها من مجموعات، وكلّ سورة تفصّل في محور تبني على التفصيلات السابقة لهذا المحور، بحيث تعمّق المعاني وتؤكّدها وتكمّلها في عمليات متلاحقة، يتكامل بها بناء النفس البشرية؛ لتؤدي دورها مع غيرها في سير منضبط إلى الله، وفي صف واحد نحو تحقيق الأهداف.
стр. 4797
٥ - [تفصيل أكثر للترابط بين أقسام القرآن ومجموعات كل قسم]
لقد قلنا من قبل إن كلّ سورة لها محورها من سورة البقرة، تفصّل في هذا المحور، وفي امتداداته، لاحظ الآن ما يلي:
بعد مقدّمة سورة البقرة جاء مقطع يبدأ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... وينتهي بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وقد رأينا كيف أن محور سورة (فصّلت) هو يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ .. ولقد جاء في سورة فصّلت قوله تعالى: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ... ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ .. فلهذه الآيات صلة بآخر آية من المقطع الأول من القسم الأول من سورة البقرة، وهذا يعرّفنا على طبيعة التفصيل القرآني، ومن هذه الحيثية نجد أنفسنا أمام أشكال هندسية جديدة في الوحدة القرآنية، فلو افترضنا أن سورة البقرة تشكل قاعدة، أجزاؤها هي آياتها، فإنّ الآيات المتقاربة في معناها تلتقي خيوطها في نقطة واحدة لتأتي سورة فتفصّل، ثمّ تأتي سورة أخرى فتفصل في تجمّع آخر، وهكذا نجد أنفسنا أمام مئات الأشكال الهندسية التي تلتقي في نقاط، ثمّ تفترق لتتجمّع بعد ذلك في نقاط أخرى وهكذا، ويربط بين ذلك كله شكل جامع.
٦ - [ملاحظة هامة على سياق السور الثلاثة السابقة: الزمر وغافر وفصلت]
ونلاحظ أنّ السور الثلاث لم تحدّثنا كثيرا عن الأحكام العملية، بل كانت أكثر آياتها منصبة على البناء العقلي والقلبي للمسلم؛ لأن ذلك هو الأساس الذي تقوم عليه الأحكام.
تأمّل الآن ما يلي:
كل سورة من السور الثلاث ذكّرت بالمعاني الرئيسية التي ينبغي أن يتذكّرها الإنسان، والسور الثلاث بمجموعها ذكّرت بوحدة كلّية يحتاجها الإنسان، فإذا عرفت أن هذا القرآن يتألف من كذا سورة، ومن كذا مجموعة، وأن سوره منها القصير، ومنها الطويل، ومنها المتوسط، وأن مجموعاته كذلك- أدركت لم كان القرآن كذلك، وكيف أن القرآن ذكر ومذكّر، وفي ذلك مظهر من مظاهر الإعجاز.
٧ - [ضرورة دراسة القرآن لاستيعاب مواضيع العقيدة]
وأنت عندما تدرس مجموعات القرآن فإنك تجد أنّ القرآن يعالج أدقّ مواضيع العقيدة بأنواع المعالجات التي تستأصل الباطل، وتعمّق الحقّ، وتستأصل جذور
стр. 4798
الخطأ، وتربي أعماق الفطرة، ولا تبقي جانبا- عقليا، أو نفسيا، أو قلبيا، أو روحيا- من الإنسان إلا وتربيه تربية كاملة: قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ومن هذا وغيره ندرك أهمية أن يكون للمسلم ورده اليومي من كتاب الله، كما ندرك خطورة إهمال دراسة القرآن على حساب أي نوع من أنواع العلوم الإسلامية الأخرى، كما ندرك ضرورة التركيز على تعلمه وتعليمه قال تعالى: وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ.
***
стр. 4799
المجموعة الرابعة من القسم الثالث من أقسام القرآن المسمّى بقسم المثاني وتشمل سور: (الشورى، والزخرف، والدخان)
стр. 4800
كلمة في المجموعة الرابعة:
هناك تشابه واضح بين سورة (الشورى) وسورة (طه). تلحظ هذا التشابه في بدايات السورتين، وتلمحه في بدايات المقاطع: تأمّل بدايتي السورتين: طه* ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى * تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى * الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى * لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى.
قرن هذه البداية ببداية سورة الشورى: حم عسق* كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ* تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ ....
إنك تجد تشابها بين البدايتين:
ثمّ لاحظ أن كلمة (كذلك) تتكرّر في سورة طه: كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً (الآية: ٩٩). وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (الآية: ١١٣).
وأنّ نفس الظاهرة تجدها في سورة الشورى: حم عسق* كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها (الآية: ٧) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا (الآية: ٥٢). من هذا التشابه بين سورتي طه والشورى نستنتج أن محور السورتين واحد، وكما أنّ سورة (طه) بداية مجموعة، فسورة الشورى بداية مجموعة.
وعند الكلام عن كهيعص كنّا ذكرنا أنّ كلّ حرف منها إذا جاء في أوائل سورة فإنّه يكون علامة على بداية مجموعة، أو على نهايتها، تلك قاعدة استخرجناها استقراء من خلال المعاني، وقد كانت سورة طه وياسين وصاد منسجمة مع هذه القاعدة، فكذلك سورة الشورى التي ورد في أوائلها الحرف (ع).
فهذه علامة ثانية على أن سورة الشورى بداية مجموعة.
следующие страницы →