Полный текст (6 440 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.
стр. 4796
ومن مظاهر تكاملها أنّك تجد كل سورة من السور الثلاث ذكرت أسماء لله، وكانت هذه السور مجلى لهذه الأسماء.
ومن مظاهر تكامل المجموعة أنّك تجد في سورة معنى تكمّله سورة أخرى:
فالآية الثانية في سورة الزمر هي: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ....
والآية الرابعة في سورة المؤمن هي: ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ..
والآية الخامسة في سورة فصّلت هي: وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ .. لاحظ كيف تتكامل المعاني في السور الثلاث، حتى لو أنك وضعت هذه الآيات بجانب بعضها لخرج معك معنى متكامل.
٤ - [توضيح مدى الترابط بين أقسام القرآن ومجموعات كل قسم]
وهذه المجموعة تضيف صرحا جديدا لموضوع التفصيل القرآني المتلاحم:
جاءت سورة البقرة، ثم جاءت تتمّة السبع الطوال لتضع الصرح الأول في تفصيلها، ثمّ جاءت ثلاث مجموعات في قسم المئين، لتضيف صروحا ثلاثة أخرى في تفصيل سورة البقرة.
ثمّ جاء قسم المثاني ليضيف ست صروح أخرى، ثمّ يأتي قسم المفصّل ليضع صروحا أخرى في التفصيل، فتكون آخر مجموعة فيه هي قمّة الهرم.
قاعدة الهرم هي سورة البقرة، ثمّ يبنى الهرم بعد ذلك من مجموعات، كل مجموعة أكبر من التي بعدها، حتى نصل إلى القمة، وفيما بين ذلك من الصلات ما لا يحيط به إلا الله .
كل مجموعة لاحقة تبنى على كل ما سبقها من مجموعات، وكلّ سورة تفصّل في محور تبني على التفصيلات السابقة لهذا المحور، بحيث تعمّق المعاني وتؤكّدها وتكمّلها في عمليات متلاحقة، يتكامل بها بناء النفس البشرية؛ لتؤدي دورها مع غيرها في سير منضبط إلى الله، وفي صف واحد نحو تحقيق الأهداف.
стр. 4797
٥ - [تفصيل أكثر للترابط بين أقسام القرآن ومجموعات كل قسم]
لقد قلنا من قبل إن كلّ سورة لها محورها من سورة البقرة، تفصّل في هذا المحور، وفي امتداداته، لاحظ الآن ما يلي:
بعد مقدّمة سورة البقرة جاء مقطع يبدأ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... وينتهي بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وقد رأينا كيف أن محور سورة (فصّلت) هو يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ .. ولقد جاء في سورة فصّلت قوله تعالى: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ... ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ .. فلهذه الآيات صلة بآخر آية من المقطع الأول من القسم الأول من سورة البقرة، وهذا يعرّفنا على طبيعة التفصيل القرآني، ومن هذه الحيثية نجد أنفسنا أمام أشكال هندسية جديدة في الوحدة القرآنية، فلو افترضنا أن سورة البقرة تشكل قاعدة، أجزاؤها هي آياتها، فإنّ الآيات المتقاربة في معناها تلتقي خيوطها في نقطة واحدة لتأتي سورة فتفصّل، ثمّ تأتي سورة أخرى فتفصل في تجمّع آخر، وهكذا نجد أنفسنا أمام مئات الأشكال الهندسية التي تلتقي في نقاط، ثمّ تفترق لتتجمّع بعد ذلك في نقاط أخرى وهكذا، ويربط بين ذلك كله شكل جامع.
٦ - [ملاحظة هامة على سياق السور الثلاثة السابقة: الزمر وغافر وفصلت]
ونلاحظ أنّ السور الثلاث لم تحدّثنا كثيرا عن الأحكام العملية، بل كانت أكثر آياتها منصبة على البناء العقلي والقلبي للمسلم؛ لأن ذلك هو الأساس الذي تقوم عليه الأحكام.
تأمّل الآن ما يلي:
كل سورة من السور الثلاث ذكّرت بالمعاني الرئيسية التي ينبغي أن يتذكّرها الإنسان، والسور الثلاث بمجموعها ذكّرت بوحدة كلّية يحتاجها الإنسان، فإذا عرفت أن هذا القرآن يتألف من كذا سورة، ومن كذا مجموعة، وأن سوره منها القصير، ومنها الطويل، ومنها المتوسط، وأن مجموعاته كذلك- أدركت لم كان القرآن كذلك، وكيف أن القرآن ذكر ومذكّر، وفي ذلك مظهر من مظاهر الإعجاز.
٧ - [ضرورة دراسة القرآن لاستيعاب مواضيع العقيدة]
وأنت عندما تدرس مجموعات القرآن فإنك تجد أنّ القرآن يعالج أدقّ مواضيع العقيدة بأنواع المعالجات التي تستأصل الباطل، وتعمّق الحقّ، وتستأصل جذور
стр. 4798
الخطأ، وتربي أعماق الفطرة، ولا تبقي جانبا- عقليا، أو نفسيا، أو قلبيا، أو روحيا- من الإنسان إلا وتربيه تربية كاملة: قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ومن هذا وغيره ندرك أهمية أن يكون للمسلم ورده اليومي من كتاب الله، كما ندرك خطورة إهمال دراسة القرآن على حساب أي نوع من أنواع العلوم الإسلامية الأخرى، كما ندرك ضرورة التركيز على تعلمه وتعليمه قال تعالى: وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ.
***
стр. 4799
المجموعة الرابعة من القسم الثالث من أقسام القرآن المسمّى بقسم المثاني وتشمل سور: (الشورى، والزخرف، والدخان)
стр. 4800
كلمة في المجموعة الرابعة:
هناك تشابه واضح بين سورة (الشورى) وسورة (طه). تلحظ هذا التشابه في بدايات السورتين، وتلمحه في بدايات المقاطع: تأمّل بدايتي السورتين: طه* ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى * تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى * الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى * لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى.
قرن هذه البداية ببداية سورة الشورى: حم عسق* كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ* تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ ....
إنك تجد تشابها بين البدايتين:
ثمّ لاحظ أن كلمة (كذلك) تتكرّر في سورة طه: كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً (الآية: ٩٩). وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (الآية: ١١٣).
وأنّ نفس الظاهرة تجدها في سورة الشورى: حم عسق* كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها (الآية: ٧) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا (الآية: ٥٢). من هذا التشابه بين سورتي طه والشورى نستنتج أن محور السورتين واحد، وكما أنّ سورة (طه) بداية مجموعة، فسورة الشورى بداية مجموعة.
وعند الكلام عن كهيعص كنّا ذكرنا أنّ كلّ حرف منها إذا جاء في أوائل سورة فإنّه يكون علامة على بداية مجموعة، أو على نهايتها، تلك قاعدة استخرجناها استقراء من خلال المعاني، وقد كانت سورة طه وياسين وصاد منسجمة مع هذه القاعدة، فكذلك سورة الشورى التي ورد في أوائلها الحرف (ع).
فهذه علامة ثانية على أن سورة الشورى بداية مجموعة.
стр. 4801
وإذا كانت سورة الشورى بداية مجموعة، وإذا كان محورها هو محور سورة (طه) فإنّ محورها هو الآيات الأولى من سورة البقرة.
وبعد سورة الشورى تأتي سورتا الزخرف والدّخان، والملاحظ أن بدايتيهما واحدة هي: حم* وَالْكِتابِ الْمُبِينِ*. ولو أنك تأمّلت بداية سورة الزخرف فإنّك تجد تشابها كاملا بينها وبين سورة يوسف مما يشير إلى أن مفتاحهما واحد ومحورهما واحد.
تأمّل بداية سورة يوسف: الر* تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ* إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
وتأمّل سورة الزخرف: حم* وَالْكِتابِ الْمُبِينِ* إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ إن التشابه واضح بين البدايتين، مما يشير إلى وحدة المحور، وكنا ذكرنا من قبل أن محور سورة يوسف هو قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا وإنّه لمحور سورة الزخرف، ومحور سورة الدّخان كذلك، بدليل أن سورة الدّخان تناقش الرّيب بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ.
ضع الآن محور سورة الشورى ومحور سورتي الزخرف والدّخان بجانب بعضهما، تجد معنى متكاملا:
الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ.
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ....
بعد سورة الدخان تأتي سورتا الجاثية والأحقاف، ولهما بداية واحدة، هي بداية سورة الزمر نفسها بزيادة حم*: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ*.
وهذا يشير إلى أن سورة الجاثية بداية مجموعة، كما أن سورة الزمر بداية مجموعة.
بما مرّ حدّدنا بداية ونهاية المجموعة الرابعة من قسم المثاني، وحدّدنا أن هذه المجموعة تتألف من ثلاثة سور هي:
الشورى والزخرف والدّخان.
***
стр. 4802
سورة الشّورى
وهي السّورة الثانية والأربعون بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة الأولى من المجموعة الرابعة من قسم المثاني وآياتها ثلاث وخمسون آية وهي مكيّة وهي السّورة الثالثة من آل (حم)
стр. 4803
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم
стр. 4804
كلمة في سورة الشورى:
قلنا إنّ محور سورة (الشورى) هو محور سورة (طه) وإذن فهو الآيات الأولى من سورة البقرة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
ومن تأمّل الآيات الآتية من سورة الشورى أدرك صحة ما ذهبنا إليه: كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (الآية: ٣).
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها (الآية: ٧).
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى .. (الآية: ١٣).
وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ ... (الآية: ١٥).
اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ .. (الآية: ١٧).
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ .. (الآية: ٢٤).
وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (الآية: ٣٨).
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ (الآية: ٥٢).
إنّ من تأمّل هذه الآيات، وتأمّل الآيات الأولى من سورة البقرة لا يشك أن آيات سورة البقرة الأولى هي محور سورة الشورى.
تتألف سورة الشورى من ثلاثة مقاطع. المقطع الأول منها يبدأ بكلمة (كذلك) في قوله تعالى: حم عسق* كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ ... ، وينتهي بنهاية الآية السادسة.
والمقطع الثاني يبدأ- أيضا- بكلمة (وكذلك) في قوله تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا .. ، وينتهي بنهاية (الآية: ٥١). والمقطع الثالث يبدأ- أيضا- بكلمة (وكذلك) في قوله تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ... ، وينتهي بنهاية (الآية: ٥٣).
стр. 4805
ومن بدايتي المقطعين- الثاني والثالث- بكلمتي (وكذلك) (وكذلك) ندرك أنهما معطوفان على بداية المقطع الأول المبدوء بكلمة (كذلك). وهذا وحده يشعر بوحدة السورة.
ولعلّ أهم ما نلفت النظر إليه أن هذه السورة تتحدّث عن صفات جماعة المسلمين، فمن توافرت فيه الخصائص التي تتحدّث عنها هذه السورة فهم جماعة المسلمين، كائنا من كانوا. وهذا يجعلنا ننتبه كثيرا ونحن نقرأ هذه السورة أو نحاول فهمها وتفهيمها.
نقول: [تقديم الألوسي وصاحب الظلال لسورة الشورى]
١ - قال الألوسي في تقديمه لسورة الشورى:
(وتسمى سورة «حم عسق» «وعسق» نزلت- على ما روي عن ابن عباس، وابن الزبير- بمكة، وأطلق غير واحد القول بمكيتها من غير استثناء. وفي البحر هي مكية إلا أربع آيات من قوله تعالى:
قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى إلى آخر أربع آيات. وقال مقاتل:
فيها مدني قوله تعالى: ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ إلى الصُّدُورِ. واستثنى بعضهم قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى الخ، قال الجلال السيوطي: ويدل له ما أخرجه الطبراني والحاكم في سبب نزولها، فإنها نزلت في الأنصار، وقوله سبحانه:
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ الخ فإنها نزلت في أصحاب الصّفّة رضي الله تعالى عنهم، واستثنى أيضا وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ إلى قوله تعالى: مِنْ سَبِيلٍ حكاه ابن الفرس. وسيأتي- إن شاء الله تعالى- ما يدل على استثناء غير ذلك على بعض الروايات، وجوز أن يكون الإطلاق باعتبار الأغلب. وعدد آياتها ثلاث وخمسون في الكوفي، وخمسون فيما عداه، والخلاف في قوله تعالى: حم عسق وقوله تعالى:
كَالْأَعْلامِ كما فصّله الداني، وغيره. ومناسبة أولها لآخر السورة قبلها اشتمال كل على ذكر القرآن، وذب طعن الكفرة فيه، وتسلية النبي ﷺ .
٢ - ومن تقديم صاحب الظلال للسورة:
(هذه السورة تعالج قضية العقيدة كسائر السور المكية، ولكنها تركز بصفة خاصة على حقيقة الوحي والرسالة، حتى ليصح أن يقال: إنها هي المحور الرئيسي الذي ترتبط به السورة كلها، وتأتي سائر الموضوعات فيها تبعا لتلك الحقيقة الرئيسية فيها.
стр. 4806
هذا مع أن السورة تتوسع في الحديث عن حقيقة الوحدانية، وتعرضها من جوانب متعددة، كما أنها تتحدّث عن حقيقة القيامة والإيمان بها، ويأتي ذكر الآخرة ومشاهدها في مواضع متعددة منها. وكذلك تتناول عرض صفات المؤمنين وأخلاقهم التي يمتازون بها. كما تلمّ بقضية الرزق- بسطه وقبضه- وصفة الإنسان في السراء والضراء.
ولكن حقيقة الوحي والرسالة وما يتصل بها، تظل- مع ذلك- هي الحقيقة البارزة في محيط السورة، والتي تطبعها وتظللها. وكأن سائر الموضوعات الأخرى مسوقة لتقوية تلك الحقيقة الأولى وتوكيدها).
وبعد فمن وراء التركيز على حقيقة الوحي والرسالة في سياق السورة كله يبرز هدف خاص لعرضها على هذا النحو وفي هذا التتابع.
هذا الهدف هو تعيين القيادة الجديدة للمبشرين ممثلة في الرسالة الأخيرة، ورسولها، والأمة المسلمة التي تتبع نهجه الإلهي الثابت القويم.
وتبدأ أول إشارة من مطلع السورة كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .. لتقرر أنّ الله هو الموحي بجميع الرسالات لجميع الرسل، وأن الرسالة الأخيرة هي امتداد لأمر مقرر مطرد من قديم.
وتأتي الإشارة الثانية بعد قليل: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها .. لتقرر مركز القيادة الجديدة التي سترد الإشارة إليها فيما بعد.
وفي الإشارة الثالثة يقرر وحدة الرسالة بعد ما قرر في الإشارة الأولى وحدة المصدر:
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ..
وتستطرد هذه الإشارة إلى تقرير أن التفرق قد وقع، مخالفا لهذه التوصية، ولم يقع عن جهل من أتباع أولئك الرسل الكرام ولكن عن علم، وقع بغيا وظلما وحسدا:
وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ..
ثم تستطرد كذلك إلى بيان حال الذين جاءوا من بعد أولئك الذين اختلفوا: وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ..
وعند هذا الحدّ يتبيّن أن البشرية قد آلت إلى فوضى وارتياب، ولم تعد لها قيادة
стр. 4807
راشدة تقوم على نهج ثابت قويم، فرسالة السماء التي تقود البشرية قد آلت إلى اختلاف بين أتباعها، والذين جاءوا من بعدهم تلقوها في ريبة وفي شك لا تستقيم معهما قيادة راشدة. ومن ثم يعلن انتداب الرسالة الأخيرة وحاملها- ﷺ لهذه القيادة:
فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ .. الخ .. ومن ثم تجئ صفة الجماعة المؤمنة
المميّزة لها، طبيعية في سياق هذه السورة- في الدرس الثاني- بوصفها الجماعة التي ستقوم على قيادة هذه البشرية، على ذلك النهج الثابت القويم).
***
стр. 4808
ولنبدأ عرض السورة:
المقطع الأول ويمتد من بداية السورة حتى نهاية الآية (السادسة) وهذا هو:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤٢/ ١ - ٦
التفسير:
حم* عسق* كَذلِكَ .. أي: مثل ذلك الوحي، أو: مثل ذلك الكتاب يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ .. أي: وإلى الرسل من قبلك اللَّهُ الْعَزِيزُ أي: الغالب بقهره وانتقامه الْحَكِيمُ في أقواله وأفعاله. قال النسفي:
يعني أن ما تضمّنته هذه السورة من المعاني قد أوحى الله إليك مثله في غيرها من السور، وأوحاه إلى من قبلك يعني إلى رسله. والمعنى: أن الله كرر هذه المعاني في القرآن، وفي جميع الكتب السماوية، لما فيها من التنبيه البليغ، واللطف العظيم بعباده. عن ابن عباس.﵄: ليس من نبي صاحب كتاب إلا أوحي إليه ب «حم عسق» (أي بمعانيها) أقول: ويحتمل أن يكون المعنى: أنّ المعاني التي تضمّنتها كلّ سورة مبدوءة ب (حم)، وكل سورة في بدايتها حرف (عين)، وكلّ سورة في بدايتها
стр. 4809
حرف (سين)، وكل سورة في بدايتها حرف (قاف)، أن كل سورة من هذا القبيل معانيها مشتركة بين الرسالات السماوية كلها، وهذا يفيد أنه إذا كان هناك معنى تنفرد به رسالة محمد ﷺ فإنّه موجود في غير هذه السور، فإن من تأمّل هذه السور: سورة مريم، والطاسينات، وسورة يس، وآل حم كلها، وسورة قاف، يجد أن معانيها ليست خاصّة بهذه الرسالة، بل هي معان مشتركة في رسالات الرسل. وإذا صحّ فهمنا هذا فإنّ انفراد هذه السورة من بين سور آل (حم) ب (عسق)، يعطينا أكثر من مدلول، ويؤدي أكثر من خدمة، إن في الفهم، أو في السياق،
وبعد أن بيّن الله أنّ الذي أوحى إلى محمد ﷺ وإلى الرسل قبله هو الله العزيز الحكيم، قال: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ فالجميع عبيد له، وملك له، تحت قهره وتصريفه، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ قال ابن كثير: كقوله تعالى: الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ والآيات في هذا كثيرة.
تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ أي:
يتشققن مِنْ فَوْقِهِنَّ قال ابن كثير: أي فرقا من العظمة. وقال النسفي: ومعناه يكدن يتفطرن من علوّ شأن الله وعظمته وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ تنزيها وخضوعا وشكرا وعبودية لما يرون من عظمته وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أي:
للمؤمنين منهم كما مرّ في سورة غافر، خوفا عليهم من السخط، قال النسفي: (أو يوحدون الله وينزّهونه عما لا يجوز عليه من الصفات، حامدين له على ما أولاهم من ألطافه، متعجبين مما رأوا من تعرض المشركين لسخط الله تعالى، ويستغفرون لمؤمني أهل الأرض الذين تبرءوا من تلك الكلمة، أو يطلبون إلى ربهم أن يحلم عن أهل الأرض ولا يعاجلهم بالعقاب). أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ هذا إعلام من الله أنه يستجيب لدعاء الملائكة فيغفر للمؤمنين ويرحمهم.
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ يعني المشركين الذين جعلوا له شركاء وأندادا اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ أي: رقيب على أقوالهم وأعمالهم لا يفوته منها شئ، فيجازيهم عليها. قال ابن كثير:
أي شهيد على أعمالهم يحصيها ويعدّها عدا وسيجزيهم بها أوفر الجزاء وَما أَنْتَ يا محمد عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ أي بموكّل عليهم، ولا نفوّض إليك أمرهم، إنما أنت منذر فحسب، تجري عليك وعليهم أقدار الله، وتخضعون لمجرى قضائه وقهره.
كلمة في السياق: [آيات المقطع حول صلتها بمقدمة سورة البقرة]
هذه الآيات هي مقدمة السورة، وهي المقطع الأول فيها، وقد بيّن الله في
стр. 4810
هذا المقطع أن المعاني الموجودة في هذه السورة هي وحي الله لرسوله محمد ﷺ ولكل رسول سابق، وقد عرّفنا الله في هذا المقطع على ذاته وجلاله، وعظمته وبعض أسمائه، وعلى تسبيح الملائكة واستغفارهم لمن في الأرض، ورقابته على المشركين، وبذلك عرفنا بعض مضمون الرسالات السابقة، وعرفنا مهمّة الرسول ﷺ ، وعرفنا حكمة الوحي. فاتصاف الله بالعزة والحكمة يقتضي وحيا، وكونه مالك السموات والأرض وما فيهنّ يقتضي وحيا، وكونه العلي العظيم يقتضي وحيا، وكون الملائكة يسبّحون لمن في الأرض يقتضي وحيا، وكون الإنسان ينحرف فيشرك يقتضي وحيا وإنذارا، وهذا كله يقتضي وجود رسول يوحى إليه.
هذه المقدمة للسورة صلتها واضحة بالآيات الأولى من مقدمة سورة البقرة:
الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. حتى إنك لو ذكرت مقدمة سورة الشورى بعد هذه الآية لشعرت بالصلة الكاملة كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
. لاحظ تفسير ابن كثير لهذه الآية، قال:
(أي: كما أنزل إليك هذا القرآن كذلك أنزل الكتب والصحف على الأنبياء قبلك) إنك- من تفسير ابن كثير- تجد الربط الكامل بين مقدمة سورة البقرة وسورة الشورى، وهو موضوع ستراه بشكل واضح في السورة إن شاء الله.
فائدة: [كلام ابن كثير في وصف ظاهرة الوحي بمناسبة الآية (٣)]
بمناسبة قوله تعالى: كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ذكر ابن كثير بعض الروايات التي تصف ظاهرة الوحي قال: روى الإمام مالك ﵀ عن عائشة ﵂ قالت إن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليّ فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يأتيني الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول» قالت عائشة ﵂: فلقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه، وإن جبينه ﷺ ليتفصّد عرقا.
أخرجاه في الصحيحين ولفظه للبخاري. وقد رواه الطبراني عن عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه عن عائشة ﵂ عن الحارث بن هشام أنه سأل رسول الله ﷺ كيف
стр. 4811
ينزل عليك الوحي؟ فقال ﷺ : «في مثل صلصلة الجرس فيفصم عني وقد وعيت ما قال» وقال: «وهو أشدّه عليّ» قال: «وأحيانا يأتيني الملك فيتمثل لي فيكلمني فأعي ما يقول». وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال:
سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله هل تحس بالوحي؟ فقال رسول الله ﵌: «أسمع صلاصل ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إليّ إلا ظننت أن نفسي تقبض» تفرد به أحمد.
ولننتقل إلى المقطع التالي في السورة:
المقطع الثاني: ويمتد من الآية (٧) إلى نهاية الآية (٥١):
المجموعة الأولى ٤٢/ ٧ - ١١
стр. 4812
٤٢/ ١٢ - ١٦ المجموعة الثانية الفقرة الأولى من المجموعة الثانية: ٤٢/ ١٧ - ١٨
стр. 4813
الفقرة الثانية من المجموعة الثانية: ٤٢/ ١٩ - ٢٤ الفقرة الثالثة من المجموعة الثانية: ٤٢/ ٢٥
стр. 4814
٤٢/ ٢٦ - ٢٧ الفقرة الرابعة من المجموعة الثانية: ٤٢/ ٢٨ - ٣٥ المجموعة الثالثة الفقرة الأولى من المجموعة الثالثة: ٤٢/ ٣٦
стр. 4815
٤٢/ ٣٧ - ٤٣ الفقرة الثانية من المجموعة الثالثة: ٤٢/ ٤٤ - ٤٦ الفقرة الثالثة من المجموعة الثالثة:
стр. 4816
٤٢/ ٤٧ - ٥١
تفسير المجموعة الأولى من المقطع الثاني
وَكَذلِكَ قال ابن كثير: وكما أوحينا إلى الأنبياء قبلك أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا أي: واضحا جليا مبينا بلسان العرب لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى أي: مكة. قال ابن كثير: وسميت أمّ القرى لأنها أشرف من سائر البلاد لأدلة كثيرة مذكورة في مواضعها (وسنذكر بعضها والخلاف في أيهما أفضل هي أو المدينة في الفوائد) وَمَنْ حَوْلَها أي: من سائر البلاد شرقا وغربا، إذ العالم كله حولها وهي قبلته وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ أي: يوم القيامة، إذ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد لا رَيْبَ فِيهِ أي: لا شك في وقوعه، وأنّه كائن لا محالة. فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ أي: في النار
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً قال النسفي: أي:
مؤمنين كلهم. وقال ابن كثير: أي: إما على الهداية. أو على الضلالة، ولكنه تعالى فاوت بينهم، فهدى من يشاء إلى الحق، وأضل من يشاء عنه، وله الحكمة والحجة البالغة، ولهذا قال : وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ أي: يكرم من يشاء بالإسلام وَالظَّالِمُونَ أي: الكافرون ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ أي: شافع
стр. 4817
وَلا نَصِيرٍ أي: دافع. وإذ نفى الله أن يكون للظالمين ولي أو نصير يوم القيامة، يبيّن أن الكافرين قد اتخذوا من دونه أولياء
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ أي: بل اتخذوا من دونه شركاء. وهو استفهام إنكاري فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ أي: بالحق، فهو الذي يجب أن يتولى وحده، لا ولي سواه. قال النسفي: كأنه قيل بعد إنكار كل ولي سواه: إن أرادوا أولياء بحق فالله هو الولي بالحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده، وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فهو الحقيق
بأن يتخذ وليا دون من لا يقدر على شئ) وقد فهمنا من الآيات والسياق أنّ هناك فريقين، وأن أحد الفريقين يتخذ من دون الله أولياء، والآخر لا يتخذ، ومن ثم يقرر الله في الآية اللاحقة أنّه هو الحاكم في كل خلاف فقال:
وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ قال ابن كثير: أي: مهما اختلفتم فيه من الأمور- وهذا عام في كل الأشياء- فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ أي: هو الحاكم فيه بكتابه وسنة نبيه ﷺ . أقول:
دلّ ذلك على أنّه لا شئ إلا ولله فيه الحكم الحق ذلِكُمُ أي: الحاكم في كل شئ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ أي: فوّضت كل أموري إليه وَإِلَيْهِ أُنِيبُ أي: أرجع في جميع الأمور.
ثمّ وصف الله ذاته بما يذلّل به على أنّه وحده الحكم، وأنّه وحده الذي يجب التوكل عليه والإنابة إليه. فقال: فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: خالقهما وما بينهما جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أي: خلق لكم من جنسكم من الناس أَزْواجاً قال ابن كثير: أي: من جنسكم وشكلكم، منّة عليكم وتفضلا، جعل من جنسكم ذكرا وأنثى وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً أي: وخلق للأنعام من أنفسها أزواجا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ أي: يكثركم بهذا التدبير، وهو جعل الناس والأنعام أزواجا حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل. قال ابن كثير: أي:
يخلقكم فيه، أي: في ذلك الخلق على هذه الصفة. لا يزال يذرؤكم فيه ذكورا وإناثا، خلقا من بعد خلق، وجيلا بعد جيل، ونسلا بعد نسل، من الناس والأنعام لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ قال ابن كثير: أي: ليس كخالق الأزواج كلها شئ، لأنه الفرد الصمد، الذي لا نظير له. وقال النسفي. وتقديره ليس مثله شئ، وقيل: وتقديره ليس كهو شئ .. وقيل: المراد ليس كذاته شئ وَهُوَ السَّمِيعُ لجميع الموجودات الْبَصِيرُ بجميع الموجودات. قال النسفي: وكأنّه ذكرهما لئلا يتوهم أنّه لا صفة له، كما لا مثل له.
لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: مفاتيح السموات والأرض، أي: هو مالك أمرهما وحافظهما يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ أي:
стр. 4818
يوسّع على من يشاء، ويضيّق على من يشاء، وله الحكمة والعدل التام إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فهو يعطي بعلم ويمنع بعلم.
كلمة في السياق: [ حول بعض حكم إنزال القرآن]
نلاحظ أنّ الله قد بيّن لنا في هذه الآيات بعض حكم إنزال القرآن: منها إنذار الخلق. وكذلك الحكم في كل خلاف يقع بين الناس. وعرّفنا الله على ذاته بما يدلّل على ذلك، ويعلّل له. وقد ذكر لنا نموذجا على الاختلاف بين الخلق في قضية الكفر والإيمان، والشرك والتوحيد. وفي الآية اللاحقة يبيّن لنا أنّ ما شرعه في هذا الدين هو شرعه في رسالاته كلها.
شَرَعَ لَكُمْ أي: بيّن وأظهر لكم مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أي: شرع لكم من الدين، دين نوح ومحمد ومن بينهما من الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام-. ثمّ فسّر الشرع الذي اشترك هؤلاء الأعلام من رسله فيه بقوله: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ أي: دين الإسلام وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ أي: ولا تختلفوا في الدين. قال ابن كثير: أي: أوصى الله تعالى- جميع الأنبياء- ﵈ بالائتلاف والجماعة، ونهاهم عن الافتراق والاختلاف. قال النسفي: قال علي- ﵁: لا تتفرقوا، فالجماعة رحمة، والفرقة عذاب. أقول: هذا يدلّ على أنّ هذه السورة تتحدّث عن جماعة المسلمين.
كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ أي: عظم على المشركين وشقّ عليهم ما تدعوهم إليه، من إقامة الإسلام، والوحدة فيه وبه اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ قال النسفي: أي: يجتلب ويجمع إليه بالتوفيق والتسديد من يشاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ أي: من يقبل على طاعته. قال ابن كثير: أي: هو الذي يقدّر الهداية لمن يستحقها، ويكتب الضلالة على من آثرها على طريقة الرشد أقول: دلّت الآية على أن صفة الإنابة تجعل صاحبها مظنة الرشد والهداية.
كلمة في السياق:
لخّص الله- في هذه الآية مضمون شريعته في كل العصور، وهي إقامة دينه، والاجتماع على ذلك. فدين الله شريعة وجماعة. وسنرى في هذه السورة
стр. 4819
مواصفات الجماعة. وإن غياب هذا المعنى عن المسلمين من أخطر ما يواجههم، وما يقعون فيه. وقد بينت الآية أن المشركين يشقّ عليهم ويعظم أن يقبلوا هذا الدين، وأن يعملوا لإقامته، وأن يجتمعوا على ذلك، ومن تأمّل ما عليه أحزاب الضلالة رأى مصداق ذلك. ثم بعد أن بيّن موقف المشركين فقد بيّن حال أهل الكتاب الأوائل إذ تفرّقوا واختلفوا فحطّموا أحد مظهري دين الله، وهو الجماعة. وأن الأواخر منهم الذين ورثوا الكتاب شاكّون أصلا في هذا الكتاب، وبالتالي فلا إقامة لدين الحق، ولا اجتماع عليه.
وَما تَفَرَّقُوا قال النسفي: أي: أهل الكتاب بعد أنبيائهم إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ قال النسفي: إلا من بعد أن علموا أن الفرقة ضلال، وأمر متوعد عليه على ألسنة الأنبياء- ﵈ بَغْياً بَيْنَهُمْ أي: حسدا وطلبا للرئاسة، والاستطالة بغير حق. قال ابن كثير: أي: إنما كان مخالفتهم للحق بعد بلوغه إليهم، وقيام الحجة عليهم، وما حملهم على ذلك إلا البغي والعناد والمشاقّة وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى هو يوم القيامة لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أي: فصل بينهم في الدنيا. قال النسفي: أي: لأهلكوا حين افترقوا، لعظم ما اقترفوا. وقال ابن كثير:
أي: لولا الكلمة السابقة من الله تعالى، بإنظار العباد بإقامة حسابهم إلى يوم المعاد، لعجّل عليهم العقوبة في الدنيا سريعا. أقول: الذي يستحق العذاب هم الخارجون على الجماعة أي الخارجون عن الحق والباغون على أهله وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ أي: من بعد جيل الخلاف لَفِي شَكٍّ مِنْهُ قال النسفي: أي: من كتابهم لا يؤمنون به حقّ الإيمان مُرِيبٍ أي: موغل في الريبة. قال ابن كثير:
(يعني الجيل المتأخر بعد القرن الأول، المكذّب للحق لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ أي:
ليسوا على يقين من أمرهم وإيمانهم، وإنّما هم مقلّدون لآبائهم وأسلافهم بلا دليل ولا برهان، وهم في حيرة من أمرهم وشك مريب وشقاق بعيد).
ولشك أهل الكتاب وتفرقهم واختلافهم، وأمام استكبار المشركين عن إقامة الإسلام والاجتماع عليه، يأمر الله رسوله ﷺ بأوامر قال تعالى: فَلِذلِكَ قال النسفي: فلأجل ذلك التفرق، ولما حدث بسببه من تشعب الكفر شعبا. وقال ابن كثير: أي: فللذي أوحينا إليك من الدين الذي وصّينا به جميع المرسلين قبلك، أصحاب الشرائع الكبار المتبعة كأولي العزم وغيرهم فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ أي: فادع إلى دين الله والاجتماع عليه، واستقم
стр. 4820
على شريعة الله. وعلى الدعوة إليها، كما أمرك الله وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ المختلفة الباطلة من الرغبة عن دين الله، والتفرّق عنه، والاجتماع على غيره. أو أهواءهم التي بسببها اختلفوا، وبها وصلوا إلى باطل من القول وزور وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ أي: صدّقت بجميع الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء، لا نفرّق بين أحد منهم وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ أي: في الحكم كما أمرني الله اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ أي: كلّنا عبيده. قال ابن كثير: أي: هو المعبود لا إله غيره، فنحن نقر بذلك اختيارا، وأنتم وإن لم تفعلوا اختيارا فله يسجد من في العالمين طوعا وإجبارا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ أي: نحن برآء منكم، وإنا لا نؤاخذ بأعمالكم، وأنتم لا تؤاخذون بأعمالنا. لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ أي: لا مجادلة؛ لأن الحق قد ظهر وصرتم محجوجين به، فلا حاجة إلى المحاجّة، ومعناه: لا إيراد حجة بيننا، لأن المتحاجّين يورد هذا حجته وهذا حجته اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا أي: يوم القيامة وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ أي: المرجع لفصل القضاء، فيفصل بيننا وينتقم لنا منكم. قال ابن كثير:
(اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر كلمات مستقلات، كل منها منفصلة عن التي قبلها، حكم برأسها. قالوا: ولا نظير لها سوى آية الكرسي، فإنّها أيضا عشرة فصول كهذه). ولأنّ الدعوة الصافية إلى الله تلقى استجابة، ولأن الكافرين سيحاولون ثني المؤمنين عن هذه الاستجابة، فقد قال الله في الآية اللاحقة:
وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ قال ابن كثير: أي: يجادلون المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله؛ ليصدوهم عمّا سلكوه من طريق الهدى حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي: باطلة عند الله وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ من الله بكفرهم وصدهم عن سبيل الله وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ أي: يوم القيامة.
كلمة في السياق: [المجموعة الأولى حول صلتها بالمقطع الأول ومضمونها الرئيسي]
١ - بدأت المجموعة التي مرّت معنا بذكر الحكمة من إنزال القرآن، وعرّفتنا على الله- ، وحدّدت لنا مضمون شريعته التي أنزلها في هذا القرآن، وأنزلها من قبل، وذكرت لنا موقف المشركين من هذا المضمون، وما فعل أهل الكتاب الأوائل بهذا المضمون، وما هي حال أهل الكتاب الأواخر، ثمّ ذكرت ما ينبغي أن نقابل به هذه المواقف، ثمّ ذكرت بطلان حجج كل من يقف ضدّ الدعوة إلى الله.
стр. 4821
وإذا نظرنا إلى صلة هذه المعاني بالمقطع الأول من السورة، فإننا نجد أن الصلة كاملة. لقد قرّر المقطع الأول أن الله أوحى لرسوله محمد ﷺ وللرسل السابقين. وقد جاء في هذه المجموعة تحديد لمضمون الوحي، وتلخيص لحكم إنزال القرآن. وكما أن الصلة واضحة بين هذه المجموعة وسياق السورة، فالصلة واضحة مع المحور الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ فتقرير أن منزل الكتاب هو الله- ، وتبيان حكم النزول، وتبيان أن الذين يجادلون في آيات الله حجّتهم داحضة. كل هذه المعاني صلتها مباشرة بمحور السورة.
٢ - ذكر- فيما مرّ من السورة- التوحيد، كما ذكر أن مضمون شريعة الله إقامة دين الله والاجتماع على ذلك، وستأتي معنا مجموعتان: مجموعة موضوعها الرئيسى توحيد، ومجموعة موضوعها الرئيسي خصائص جماعة المسلمين، فلنر المجموعتين.
وهما الثانية والثالثة في المقطع الثاني. ونلاحظ أنّ المجموعة الآتية تتألف من فقرات واضحة المعالم. كل فقرة منها مبدوءة إما بلفظ الجلالة: اللَّهُ* أو بقوله تعالى:
وَهُوَ*. ومجموع فقراتها أربعة، وأوائلها على الترتيب: اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ .. اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ .. وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ...
وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا.
ومن ملاحظة بداية الفقرات نعلم أن الحديث عن الله- هو المضمون الرئيسي للمجموعة بفقراتها:
[المجموعة الثانية من المقطع الثاني وهي الآيات (١٧ - ٣٥)]
تفسير الفقرة الأولى من المجموعة الثانية:
اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ أي: جنس الكتاب بِالْحَقِّ أي: بالصدق، يعني أن الكتب المنزلة من عنده على أنبيائه كلها صدق وحق، وهو الذي أنزلها وَالْمِيزانَ أي: وهو الذي أنزل الميزان من أجل العدل والإنصاف، فكما هدى الإنسان للميزان ليقوم العدل والإنصاف في القضايا المادية، فقد أنزل الكتاب ليقوم العدل والإنصاف في الحياة البشرية كلها، ومن ثم فالعدل والإنصاف متلازمان مع هذا القرآن، فكلّ نظرية بشرية للعدل بمعزل عن هذا القرآن لا يمكن أن يتحقق فيها العدل؛ لأن بصر الإنسان محدود، ومن ثم فلا بد من تضخيم، أو نسيان، أو قصور، أو تقصير، أو غير ذلك مما يستحيل معه العدل في أي: نظرية بشرية للعدل وَما يُدْرِيكَ
стр. 4822
لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ أي: لعل الساعة قريب منك، وأنت لا تدري. قال ابن كثير:
فيه ترغيب فيها وترهيب منها، وتزهيد في الدنيا. قال النسفي: ووجه مناسبة اقتراب الساعة مع إنزال الكتب والميزان، أن مع الساعة يأتي الحساب ووضع الموازين
بالقسط، فكأنه قيل: أمركم الله بالعدل والتسوية والعمل بالشرائع، فاعملوا بالكتاب والعدل، قبل أن يفاجئكم يوم حسابكم ووزن أعمالكم.
يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها قال ابن كثير: أي: يقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين. وإنما يقولون ذلك تكذيبا واستبعادا، أو كفرا وعنادا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ أي:
خائفون مِنْها أي: وجلون من وقوعها. وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أي: كائنة لا محالة فهم مستعدون لها، عاملون من أجلها. أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ أي: يجادلون في وجودها، ويدفعون وقوعها لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ عن الحق. أي:
في جهل بيّن. قال ابن كثير: لأنّ الذي خلق السموات والأرض قادر على إحياء الموتى بطريق الأولى والأحرى. وقال النسفي: لأن قيام الساعة غير مستبعد من قدرة الله تعالى، وقد دلّ الكتاب والسنّة على وقوعها، والعقول تشهد على أنّه لا بدّ من دار جزاء.
كلمة في السياق: [الفقرة الأولى حول صلتها بما سبقها وبالمحور]
بيّنت المجموعة الأولى من هذا المقطع أن مضمون رسالات الله هي أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ فمضمون رسالات الله كلها الإسلام والاجتماع عليه، وقد جاءت هذه الفقرة لتبيّن أن الإسلام هو الحق وهو العدل، وحضّت على إقامته من خلال التذكير بقرب الساعة، فالصلة واضحة بين الفقرة وما سبقها، وصلة الفقرة بالآيات الأولى من سورة البقرة كذلك واضحة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ .. وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ...
стр. 4823
تفسير الفقرة الثانية من المجموعة الثانية:
اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ في إيصال المنافع، وصرف البلاء، فهو برّ بليغ البر بهم، قد وصل برّه إلى جميعهم، ومن مظاهر لطفه يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ أي: يوسّع رزقه على من يشاء، إذا علم مصلحته فيه وَهُوَ الْقَوِيُّ أي: الباهرة القدرة، الغالب على كل شئ الْعَزِيزُ المنيع الذي لا يغلب. قال ابن كثير: أي: لا يعجزه شئ.
أقول: ومن لطفه بعباده أن يرسل لهم رسلا، وأن ينزّل عليهم كتبا، ومن مظاهر رزقه أن يخصّ بعض عباده بالرسالة.
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ أي: عمل الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ بالتوفيق في عمله، أو التضعيف في إحسانه، أو بأن ينال به الدنيا والآخرة. قال ابن كثير: أي: نقوّيه ونعينه على ما هو بصدده، ونكثر نماءه ونجزيه بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما يشاء الله وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا أي: من كان عمله للدنيا، ولم يؤمن بالآخرة نُؤْتِهِ مِنْها أي: نؤته شيئا منها، وهو رزقه الذي قسمه له لا ما يريده ويبتغيه. قال ابن كثير: (أي: ومن كان إنما سعيه ليحصل له شئ من الدنيا، وليس له إلى الآخرة همّ البتة بالكلية حرمه الله الآخرة، وأما الدنيا إن شاء أعطاه منها، وإن لم يشأ لم يحصّل لا هذه ولا هذه، وفاز الساعي بهذه النّيّة بالصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة) ومن ثمّ قال تعالى عن هذا الطالب للدنيا: وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ أي: هو محروم بالكلية من نعيمها بل هو معذّب فيها.
كلمة في السياق: [الآيتين (١٩، ٢٠) حول الصلة بين الفقرتين الأولى والثانية]
بيّنت الفقرة الأولى من المجموعة الثانية أن الحق والعدل كائنان في الكتاب الذي أنزله الله، وبيّن ما مرّ من الفقرة الثانية أنّه- هو اللطيف بعباده، الرزاق القوي العزيز، ومن ثم فعلى الإنسان أن يعمل للآخرة، وألا يعمل للدنيا معترضا عن الآخرة، ظنا منه أنه بذلك يحصّل رزقا، أو اعتقادا منه أن العمل للآخرة يمنع عنه رزقا. كيف والله لطيف، والله هو الرزاق، والله قوي عزيز. وإذ بيّن الله- ميزة كتابه الذي فيه شرعه، وبيّن ضرورة العمل به، وخطأ الانحراف عنه، فإنه فيما يأتي من الفقرة الثانية يناقش زعمين وقضيتين، قضية السير في شرع غير شرعه، وقضية اتهام رسول الله ﷺ بالكذب عليه، وكل من القضيتين يبدأ مناقشتها بكلمة أَمْ.
стр. 4824
القضية الأولى: [مناقشة قضية السير في شرع غير شرع الله بمناسبة الآيات (٢١ - ٢٣)]
أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ قال ابن كثير: أي: هم لا يتّبعون ما شرع الله لك من الدين القويم، بل يتّبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس، من تحريم ما حرموا عليهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل أكل الميتة والدم والقمار، إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالات الباطلة، التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم من التحليل والتحريم، والعبادات الباطلة، والأموال الفاسدة.
قال النسفي: وفي الكلام إضمار تقديره: أيقبلون ما شرع الله من الدين، أم لهم آلهة شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به، أي: لم يأمر به وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ أي:
القضاء السابق بتأجيل الجزاء. أي: ولولا العدة بأنّ الفصل يكون يوم القيامة لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أي: بين الكافرين والمؤمنين، أو لعجّلت لهم العقوبة قال ابن كثير: أي:
لعوجلوا بالعقوبة لولا ما تقدم من الإنظار إلى يوم المعاد وَإِنَّ الظَّالِمِينَ أي:
المشركين لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة وإن أخر عنهم في دار الدنيا، دلّ ذلك على أن المشركين المتّبعين غير شرع الله ظالمون.
وبعد أنّ بيّنت الآية أن المشركين لهم عذاب أليم في الآخرة صوّر الله لنا حال هؤلاء يوم القيامة تَرَى الظَّالِمِينَ أي: المشركين في الآخرة مُشْفِقِينَ أي: خائفين مِمَّا كَسَبُوا أي: من جزاء كفرهم في عرصات القيامة وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ أي: نازل بهم لا محالة، أشفقوا أو لم يشفقوا وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وهم المقيمون شرع الله فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ قال ابن كثير: فأين هذا من هذا؟ أي: أين من هو في العرصات في الذل والهوان، والخوف المحقق عليه بظلمه، ممن هو في روضات الجنات فيما يشاء من مآكل ومشارب وملابس ومساكن ومناظر ومناكح وملاذّ، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ
الْكَبِيرُ
على العمل القليل، الفوز العظيم والنّعمة التّامة السابغة الشاملة العامّة
ذلِكَ أي: ما ذكر من الفضل الكبير الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قال ابن كثير: أي: هذا حاصل لهم كائن لا محالة، ببشارة الله تعالى لهم به قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي: على الدعوة، أو على التبليغ، أو على هذا الإسلام الموصّل إلى مثل هذا الفضل أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى أي: إلا أن تودّوا قرابتي، أي: أهلي. أو إلا أن تعملوا بالطاعة التي تقرّبكم عند الله زلفى، أو إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من
стр. 4825
القرابة. فتسمعون وتستجيبون، وسنرى تفصيل الأقوال في هذا الموضوع في الفوائد- إن شاء الله تعالى-. قال النسفي: وقيل القربى: التقرب إلى الله تعالى، أي: إلا أن تحبوا الله ورسوله في تقرّبكم إليه بالطاعة والعمل الصالح وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً أي:
يكتسب طاعة نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً أي: يضاعفها له أجرا وثوابا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ أي: يغفر الكثير من السيئات شَكُورٌ لمن أطاع، يكثر له القليل من الحسنات ويضاعفه، ويستر ويغفر له السيئات.
كلمة في السياق:
بيّن الله- في هذه الآيات عاقبة المشركين السائرين على غير شرعه، وبيّن عاقبة السائرين على شرعه، ويلاحظ التشابه بين نهاية هذه الآيات ونهاية الآيتين اللتين بدئت بهما هذه الفقرة:
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ... وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً ....
فالفقرة دعوة للسير على شريعة الله، ودعوة لترك شريعة غير الله، وبيان لعاقبة هؤلاء وهؤلاء. والآن يأتي عرض القضية الثانية في الفقرة:
فالفقرة كما قلنا دعوة للالتزام بكتاب الله. وإنّما يحول دون ذلك السير وراء شرائع أخرى، أو تكذيب الرسول ﷺ في إنزال الكتاب عليه، وقد عولجت القضية الأولى فيما مرّ، والآن يأتي دور القضية الثانية.
القضية الثانية: [مناقشة قضية اتهام الرسول ﷺ بالكذب على الله بمناسبة الآية (٢٤)]
أَمْ يَقُولُونَ أي: بل أيقول هؤلاء الظالمون افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وهو استفهام فيه توبيخ. قال النسفي: كأنه قيل أيتمالكون أن ينسبوا مثله (أي: مثل محمد) ﷺ إلى الافتراء، ثم إلى الافتراء على الله الذي هو أعظم الفرى وأفحشها فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ قال ابن كثير: أي: لو افتريت على الله كذبا- كما يزعم هؤلاء الجاهلون- يختم الله على قلبك أي: يطبع على قلبك، ويسلبك ما كان آتاك
стр. 4826
من القرآن وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ أي: الشرك، وهو وعد مطلق من الله وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ أي: ويظهر الإسلام ويثبته بكلماته بما أنزل من كتابه على لسان نبيّه- ﵊ وقد فعل- ﷻ ويفعل. قال ابن كثير: أي: يحقّقه ويثبته ويبيّنه ويوضّحه بكلماته، أي: بحججه وبراهينه. إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي: بما تكنّه الضمائر وتنطوي عليه السرائر، وبهذا انتهت الفقرة الثانية من المجموعة الثانية من المقطع الثاني.
كلمة في السياق: [حول الربط بين الفقرات الثلاثة للمجموعة الثانية]
رأينا أنّ المجموعة الثانية تتألف من فقرات: الفقرتان الأولى والثانية تبدءان بلفظ الجلالة اللَّهُ*، والفقرتان الثالثة والرابعة تبدءان بقوله تعالى: وَهُوَ*.
وقد رأينا أن الفقرتين الأولى والثانية ذكرتا إنزال الله- الكتاب والميزان، ووجوب العمل بالكتاب طلبا للآخرة، وأزاحتا العلل القاطعة عن السير إلى الله، وأنكرتا قضية السير وراء شرائع أخرى، وقد فنّدت الآية الأخيرة أن يكون رسول الله ﷺ قد كذب على الله بأن بيّنت أن لو كان شئ من ذلك لعاقبه الله بالختم على القلب فكان كافرا- والعياذ بالله- ولم يكن سيد المؤمنين. كيف والله- يؤيّده وينصره وهو العالم بكل شئ؟!. وبعد ذلك تأتي فقرة ثالثة في المجموعة الثانية تحضّ على التوبة، وتبيّن من هم الذين يستجيبون لدعوة الله- وتعلّل لسنّة الله- في رزقه العباد على ما نراه.
تفسير الفقرة الثالثة من المجموعة الثانية:
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ قال ابن كثير: يقول تعالى ممتنا على عباده بقبول توبتهم إليه إذا تابوا ورجعوا إليه، أنه من كرمه وحلمه أنه يعفو ويصفح ويستر ويغفر وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ قال النسفي: هو ما دون الشرك .. وقال ابن كثير:
أي: يقبل التوبة في المستقبل، ويعفو عن السيئات في الماضي وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ أي: من التوبة والمعصية. قال ابن كثير: أي: هو عالم بجميع ما فعلتم وصنعتم وقلتم، ومع هذا يتوب على من تاب إليه. أقول: ومجئ هذه الآية في هذا السياق يفيد مطالبة
стр. 4827
بالسير في شريعة الله، ومطالبة بالتوبة عن السير في غيرها أو في المعصية
وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ في هذا النصّ اتجاهان، أولهما:
أنّ الله- تعالى- يستجيب دعاء المؤمنين العاملين فيعطيهم مطلوبهم ويزيدهم عليه، وثانيهما: أنّ الذين اجتمع لهم الإيمان والعمل الصالح هم الذين يستجيبون الاستجابة الكاملة لخطاب الشارع، والله- يكرمهم بالزيادة من فضله فلا يزالون في ترقّ. وقد رجّح ابن كثير القول الأول. ويبدو لي- والله أعلم- أن القول الثاني هو الأرجح، فسياق السورة يفصّل في موضوع الاتّباع الكامل لشريعة الله، والإقامة الكاملة لدين الله، فمن اجتمع له الإيمان والعمل الصالح فهو المرشّح لكمال العمل
بالشريعة ولإقامة دين الله- ومما يرجّح ما ذهبنا إليه أنه قد جاء هذا بعد المنّ بقبول التوبة، فكأن الآية تشير إلى أن المؤمنين العاملين هم التوّابون إلى الله- المستجيبون لأمره وَالْكافِرُونَ لَهُمْ في الآخرة عَذابٌ شَدِيدٌ أي:
موجع مؤلم. وأيّ عذاب أشد من عذاب النار؟! نعوذ بالله منها. ولمّا كانت الفقرة الثانية ذكرت بسط الله الرزق لمن يشاء، فإنّ الآية تأتي معلّلة لحجب الله التوسعة في الرزق على كل الخلق، وتأخير التعليل يشعر بوحدة المجموعة، وليدخل الرزق الحسي والمعنوي في التعليل، ولتكون الآية مقدمة للفقرة الرابعة كما سنرى.
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ أي: لظلموا في الأرض لأن الغنى مبطرة مأشرة، أو لتكبّروا في الأرض وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ. قال النسفي: أي: يعلم أحوالهم فيقدر لهم ما تقتضيه حكمته فيفقر ويغني، ويمنع ويعطي، ويقبض ويبسط، ولو أغناهم جميعا لبغوا، ولو أفقرهم لهلكوا، وما ترى من البسط على من يبغي. ومن البغي بدون البسط فهو قليل، ولا شك أن البغي مع الفقر أقل ومع البسط أكثر وأغلب.
وقال ابن كثير: أي: ولكن يرزقهم من الرزق ما يختاره مما فيه صلاحهم وهو أعلم بذلك، فيغني من يستحق الغنى، ويفقر من يستحق الفقر، كما جاء في الحديث المروي «إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه».
стр. 4828
تفسير الفقرة الرابعة في المجموعة الثانية:
وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا فمن بعد يأس الناس من نزول المطر ينزّله عليهم في وقت حاجتهم وفقرهم إليه وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ أي: بركات الغيث ومنافعه، وما يحصل به الخصب قال ابن كثير: أي: يعم بها الوجود على أهل ذلك القطر وتلك الناحية وَهُوَ الْوَلِيُّ أي: الذي يتولى عباده بإحسانه الْحَمِيدُ أي: المحمود على ذلك، يحمده أهل طاعته، قال ابن كثير: أي: هو المتصرف لخلقه بما ينفعهم في دنياهم وأخراهم وهو المحمود في جميع ما يقدره ويفعله.
كلمة في السياق:
١ - جاء قوله تعالى وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا بعد قوله تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ فهذه الآية تعليل لقبض المطر.
وقبض المطر نموذج لقبض الرزق.
٢ - بدأت المجموعة الثانية بقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ ... ثم بعد نهاية الفقرة الأولى جاء قوله تعالى: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ ... ثم جاءت الفقرة الثالثة مبدوءة: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ .. وفيها نموذج على لطف الله ثم جاءت الفقرة الرابعة مبدوءة بقوله تعالى:
وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا .. وفي هذه البداية نموذج على لطف الله- .
وهكذا نجد أن الفقرة الثالثة والرابعة تخدمان في تبيان مظاهر من لطف الله- وذكر لطف الله- في سياق المجموعة دعوة لإقامة الكتاب والميزان دون خوف على رزق، وبهذا نعلم أن في المجموعة الثانية دعوة لإقامة شريعة الله بذكر كل ما يساعد على ذلك، وتفنيد كل ما يصدّ عن ذلك في سياق الحديث عن- الله . إذ كل الأمور منبثقة عن أصل الإيمان بالله ومعرفته، ومن ثم تنتهي المجموعة- كما سنرى- بذكر نموذجين من آياته- الدالة عليه، كل منهما مبدوء بقوله تعالى وَمِنْ آياتِهِ ..
стр. 4829
ا-
وَمِنْ آياتِهِ الدالة على عظمته وقدرته العظيمة، وسلطانه القاهر خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مع عظمهما وَما بَثَّ فِيهِما أي: وما ذرأ وفرّق في السموات والأرض مِنْ دابَّةٍ قد يكون في ذلك إشارة إلى وجود حياة في كواكب أخرى غير الأرض، وقد يكون المراد غير ذلك كما سنرى في الفوائد وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ أي: على جمع دواب الأرض والسماء. فإن كان المراد في الآية الإشارة إلى دوابّ في كواكب أخرى، فالآية إذن تشير إلى إمكانية جمع بعضهم ببعض، والمحاولات في عصرنا قائمة لاستكشاف الفضاء. وإن لم يكن الأمر كذلك فالآية تتحدّث عن قدرته- على جمعهم يوم القيامة. قال ابن كثير: أي: يوم القيامة يجمع الأولين والآخرين وسائر الخلائق في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر. فيحكم فيهم بحكمه العدل الحق.
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ من غمّ أو ألم أو مكروه أو قحط أو فقر أو شدة أو سجن أو غير ذلك فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ أي: فبجناية كسبتموها عقوبة لكم. قال ابن كثير: أي: مهما أصابكم أيها الناس من المصائب فإنما هي عن سيئات تقدمت لكم وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ أي:
من السيئات، فلا يجازيكم عليها بل يعفو عنها
وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ أي:
بفائتين الله- وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ أي: متول بالرحمة وَلا نَصِيرٍ أي: ناصر يدفع عنكم العذاب إذا حلّ بكم.
نقل: [عن الألوسي حول قوله تعالى وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ .. ]
قال الألوسي: (وأخرج ابن المنذر وجماعة عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية وَما أَصابَكُمْ الخ، قال- ﵊: «والذي نفسي بيده ما من خدش عود ولا اختلاج عرق ولا نكبة حجر ولا عثرة قدم إلا بذنب، وما يعفو الله- عنه أكثر» وأخرج ابن سعد عن أبي مليكة أن أسماء بنت أبي بكر الصديق- رضي الله
تعالى عنهما- كانت تصدع فتضع يدها على رأسها وتقول: بذنبي وما يغفره الله تعالى أكثر. ورؤي على كف شريح قرحة فقيل: بم هذا؟ فقال: بما كسبت يدي.
وسئل عمران بن حصين عن مرضه فقال: إن أحبه إليّ أحبه إلى الله تعالى وهذا بما كسبت يدي. والآية مخصوصة بأصحاب الذنوب من المسلمين وغيرهم فإن من لا ذنب له- كالأنبياء ﵈ قد تصيبهم مصائب، ففي الحديث «أشد الناس بلاء
стр. 4830
الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» ويكون ذلك لرفع درجاتهم أو لحكم أخرى خفيت علينا، وأما الأطفال والمجانين فقيل: غير داخلين في الخطاب لأنه للمكلفين وبفرض دخولهم أخرجهم التخصيص بأصحاب الذنوب فما يصيبهم من المصائب فهو لحكم خفية، وقيل: في مصائب الطفل رفع درجته ودرجة أبويه أو من يشفق عليه بحسن الصبر).
كلمة في السياق:
في وقوع المصائب وفي كونها عقوبة على الذنوب دليل على أنّ الإنسان لا يعجز الله- ، وفي ذلك دليل على قدرة الله على البعث، كما أن في خلق السموات والأرض دليلا على ذلك، وهذا درس في وجوب اتباع دين الله وإقامته خوفا من عقوبته في الدنيا بالمصائب، وخوفا من عقوبته في الآخرة. وهكذا نجد أن الآيات الثلاث الأخيرة خدمت السياق في أكثر من جانب، فكانت تعليلا لحبس الرزق وحبس المطر، وكانت تدليلا على مجئ اليوم الآخر الذي يجازى فيه المنحرفون عن أمر الله، ويكافأ فيه المقيمون لأمره، وكانت تحذيرا للمنحرفين عن أمر الله، سواء أكان انحرافهم كبيرا أو صغيرا. ثمّ بعد هذه الآيات الثلاث تأتي آيات أخرى مبدوءة بقوله تعالى وَمِنْ آياتِهِ تذكّر الإنسان بأنه في قبضته- ، وتدل على كمال قدرته، وتدل على أن الإنسان لا يعجزه، وتدل على مظهر من مظاهر عقوبته على الذنب.
ب-
وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ أي: السفن الجاريات فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ أي:
كالجبال
إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ أي: سائرات على مهل وكأنّهن ثوابت بالنسبة لإحساس الإنسان إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ على بلائه شَكُورٍ لنعمائه. أو صبار على طاعته، شكور لنعمته. قال النسفي: أي لكل مؤمن مخلص، فالإيمان نصفان: نصف شكر، ونصف صبر
أَوْ يُوبِقْهُنَّ أي: يهلكهن. والمعنى: إن يشأ يسكن الريح فيركدن أو يعصفها فيغرقن بعصفها بِما كَسَبُوا من الذنوب وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ من الذنوب فلا يجازي عليها.
وَيَعْلَمَ أي: لينتقم الله منهم وليعلم الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا أي: في إبطالها ودفعها ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ أي: مهرب من عذابه، أي: لا محيد لهم عن بأسنا ونقمتنا، فإنهم مقهورون بقدرتنا.
стр. 4831
كلمة في السياق:
١ - من قوله تعالى أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ نعلم صلة هذه الآيات بما قبلها في النموذج السابق أي في قوله تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ فالآية هذه نموذج على قدرة الله، وهي في الوقت نفسه مثال لما ذكر في النموذج الأول.
٢ - نلاحظ أنّ الله- ذكر أنّ من حكمة عقوباته الدنيوية أن يعلم الذين يجادلون في آيات الله أنهم لا مهرب لهم من عذاب الله- ، وفي ذلك دعوة لهم للعودة إلى شريعة الله، ولذلك صلته بالسياق.
٣ - نلاحظ أن المجموعة الأولى في المقطع الثاني انتهت بقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ. وأن المجموعة الثانية في هذا المقطع انتهت بقوله تعالى: وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ... فالمجموعتان انتهتا بالكلام عن الذين يحاجّون ويجادلون، ولذلك صلته بموضوع إقامة دين الله، فالمجموعتان متكاملتان، إذ النقطة الرئيسية في سياق المجموعة الثانية أن منزل الكتاب هو الله- ، وأن هذا الكتاب هو الصيغة الوحيدة للحق والعدل، وأن على الإنسان أن يقيم شرع الله- ، وأن يترك شرع غيره. فإذا فعل حفّته رعاية الله في الدنيا والآخرة، وأنّ الانحراف عن شرع الله جزاؤه عقوبات الله في الدنيا والآخرة. فإذا أردنا أن نقول كلمة نلخّص فيها السياق العام للمقطع الثاني نقول:
بدأ المقطع بذكر حكمة إنزال القرآن على رسول الله ﷺ ، ثم بين أن شريعة الله تتضمن معنيين: إقامة دين الله، والاجتماع عليه.
ثم بيّن الله- موقف المشركين وأهل الكتاب من هذا المعنى، ثم أمر الله رسوله ﷺ بالدعوة إلى الله والاستقامة على أمره، ثمّ بيّن الله- ضياع وخسارة وعقوبة الصادّين عن دعوته. ثم جاءت المجموعة الثانية لتبيّن أن الحق والعدل هما صفتا هذا الكتاب، ثم سار السياق كما رأينا بما يخدم قضية التطبيق الدقيق للقرآن الكريم.
والآن تأتي مجموعة ثالثة تتألف من ثلاث فقرات، تبيّن الفقرة الأولى منها صفات
стр. 4832
الذين يستأهلون رضوان الله، وهم الذين يقيمون دين الله، ولا يتفرّقون فيه.
٤ - وإذن فنحن الآن أمام موضوع من أهمّ الموضوعات التي يجب أن يعرفها كل مسلم، وهو موضوع جماعة المسلمين، ما هي صفاتها؟ وما هي خصائصها؟ إنّ الله يعطينا الميزان الذي نتعرّف به على جماعة المسلمين لنلتزم بها، ونتحقق بأخلاقياتها. ولقد قدمت السورة لذلك بأمور كثيرة:
وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ.
إنّ الجماعة التي تقيم دين الله ولا تتفرّق فيه هي التي تتحقّق بمواصفات معيّنة، هي التي تذكرها الفقرة الأولى من المجموعة الثالثة، وأي صفة من هذه الصفات لا تظهر في الجماعة تجعلها غير مرشحة لإقامة دين الله، وتجعلها معرّضة للتفرق فيه. إن على المسلمين جميعا أن يكونوا جماعة واحدة وهذا هو الطريق لذلك:
[المجموعة الثالثة من المقطع الثاني وهي الآيات (٣٦ - ٥١)]
تفسير الفقرة الأولى من المجموعة الثالثة:
فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا قال ابن كثير: أي: مهما حصلتم وجمعتم فلا تغتروا به فإنّما هو متاع الحياة الدنيا، وهي دار دنيئة فانية زائلة لا محالة وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى وثواب الله تعالى خير من الدنيا وهو باق سرمدي، فلا تقدّموا الفاني على الباقي، لكن من هم الذين يستأهلون هذا الثواب؟ لِلَّذِينَ آمَنُوا بالغيب وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ فلا يتوكّلون على غيره
وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ كالشرك وقذف المحصنات والفرار من الزحف، وغير ذلك من الموبقات وَالْفَواحِشَ أي: ما عظم قبحه وفحشه كالزنا واللواط وَإِذا ما غَضِبُوا في أمر دنيوي أو شخصي هُمْ يَغْفِرُونَ أي: سجيتهم تقتضي الصفح والعفو عن النّاس، وليس من سجيّتهم الانتقام من الناس إذا أساءوا لأشخاصهم
وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ أي اتّبعوا رسله، وأطاعوا أمره واجتنبوا زجره، فأقاموا دينه واجتمعوا عليه وَأَقامُوا الصَّلاةَ أي: وأتموا الصلوات الخمس. وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ قال ابن كثير: أي لا يبرمون أمرا حتى يتشاوروا فيه؛ ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها. وقال النسفي: أي ذو شورى لا ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه، وعن الحسن: ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم وَمِمَّا
стр. 4833
رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أي: يتصدّقون
وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ أي: الظلم هُمْ يَنْتَصِرُونَ قال ابن كثير: أي فيهم قوة الانتصار ممّن ظلمهم واعتدى عليهم، ليسوا بالعاجزين ولا الأذلين، بل يقدرون على الانتقام ممّن بغى عليهم، وإن كانوا مع هذا إذا قدروا واعفوا. أقول: إلا إذا كان الحزم أو العلم أو الحكم عدم العفو، وقال النسفي:
أي هم ينتقمون ممن ظلمهم، أي: يقتصرون في الانتصار على ما جعله الله تعالى لهم، ولا يعتدون، وكانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق. وإنما حمدوا على الانتصار؛ لأن من انتصر وأخذ حقه ولم يجاوز في ذلك حد الله فلم يسرف في القتل- إن كان ولي دم- فهو مطيع لله وكل مطيع محمود.
ثمّ بيّن تعالى حدّ الانتصار فقال وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها أي: يجب إذا قوبلت الإساءة أن تقابل بمثلها من غير زيادة فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ أي: لا يضيع ذلك عنده كما صحّ ذلك في الحديث «وما زاد الله تعالى عبدا بعفو إلا عزّا» وهذا في الخصومات الشخصية بين مسلم ومسلم أو مسلم ومعاهد إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ أي: المعتدين وهم المبتدءون بالسيئة، وفسّر النسفي الظالمين هنا بقوله: الذين يبدءون الظلم، أو الذين يجاوزون حدّ الانتصار.
وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ أي: ليس عليهم جناح في الانتصار ممّن ظلمهم، أي: ولمن أخذ حقه بعد ما ظلم فهؤلاء ما عليهم من سبيل للمعاقب، ولا للمعاتب، ولا للمعايب. قال النسفي:
وفسّر السبيل بالتبعة والحجة.
إِنَّمَا السَّبِيلُ أي: إنما الحرج والعنت والعيب والعقاب والعتاب عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ أي: يبتدءونهم بالظلم وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أي: يتكبرون فيها ويعلون ويفسدون بالباطل أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي: شديد موجع يوم القيامة، وقد فهم من الآيتين الأخيرتين ضمنا أن من خصائص المسلمين ألا يلوموا وألا يعاقبوا من انتصر بحق أو بعد ما ظلم
وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ قال ابن كثير: أي صبر على الأذى وستر السيئة. وقال النسفي: ولمن صبر على الظلم والأذى وغفر ولم ينتصر إِنَّ ذلِكَ أي: الصبر والغفران معه لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ قال النسفي: أي من الأمور التي ندب إليها أو مما ينبغي أن يوجبه العاقل على نفسه ولا يترخّص في تركه. وقال ابن كثير: (قال سعيد بن جبير: يعني لمن حق الأمور التي أمر الله تعالى بها، أي: لمن الأمور المشكورة والأفعال الحميدة التي عليها ثواب جزيل وثناء جميل).
стр. 4834
نقول:
١ - [كلام صاحب الظلال عن الشورى كصفة من أهم صفات الجماعة المسلمة]
قدّم صاحب الظلال للفقرة التي مرّت معنا بقوله: (وهنا في هذه الآيات يصور خصائص هذه الجماعة التي تطبعها وتميزها. ومع أن هذه الآيات مكية، نزلت قبل قيام الدولة المسلمة في المدينة، فإننا نجد فيها أن من صفة هذه الجماعة المسلمة:
وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ .. مما يوحي بأن وضع الشورى أعمق في حياة المسلمين من مجرد أن تكون نظاما سياسيّا للدولة، فهو طابع أساسي للجماعة كلها، يقوم عليه أمرها كجماعة، ثم يتسرب من الجماعة إلى الدولة، بوصفها إفرازا طبيعيا للجماعة.
كذلك نجد من صفة هذه الجماعة: وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ.
مع أن الأمر الذي كان صادرا للمسلمين في مكة هو أن يصبروا وألا يردوا العدوان بالعدوان؛ إلى أن صدر لهم أمر آخر بعد الهجرة وأذن لهم في القتال، وقيل لهم:
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. وذكر هذه الصفة هنا في آيات مكية بصدد تصوير طابع الجماعة المسلمة يوحي بأنه صفة الانتصار من البغي صفة أساسية ثابتة؛ وأن الأمر الأول بالكف والصبر كان أمرا استثنائيا لظروف معينة. وأنه لما كان المقام هنا مقام عرض الصفات الأساسية للجماعة المسلمة ذكر منها هذه الصفة الأساسية الثابتة، ولو أن الآيات مكية، ولم يكن قد أذن لهم بعد في الانتصار من العدوان.
وذكر هذه الصفات المميزة لطابع الجماعة المسلمة، المختارة لقيادة البشرية وإخراجها من ظلام الجاهلية إلى نور الإسلام، ذكرها في سورة مكية وقبل أن تكون القيادة العملية في يدها فعلا، جدير بالتأمل. فهي الصفات التي يجب أن تقوم أولا، وأن تتحقق في الجماعة لكي تصبح بها صالحة للقيادة العملية. ومن ثم ينبغي أن نتدبرها طويلا .. ما هي؟ ما حقيقتها؟ وما قيمتها في حياة البشرية جميعا؟.
إنها الإيمان، والتوكل، واجتناب كبائر الإثم والفواحش، والمغفرة عند الغضب، والاستجابة لله، وإقامة الصلاة، والشورى الشاملة، والإنفاق مما رزق الله، والانتصار من البغي، والعفو، والإصلاح، والصبر).
٢ - [كلام الألوسي وصاحب الظلال عن الشورى بمناسبة آية وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ .. ]
وعند قوله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ قال الألوسي: (قد كانت الشورى بين النبي ﷺ وأصحابه فيما يتعلق بمصالح الحروب، وكذا بين الصحابة-
стр. 4835
رضي الله تعالى عنهم- بعده- ﵊، وكانت بينهم أيضا في الأحكام كقتال أهل الرّدة وميراث الجد وعدد حدّ الخمر وغير ذلك. والمراد بالأحكام ما لم يكن لهم فيه نص شرعي فالشورى لا معنى لها، وكيف يليق بالمسلم العدول عن حكم الله- إلى آراء الرجال والله سبحانه هو الحكيم الخبير. ويؤيد ما قلنا ما أخرجه الخطيب عن علي- كرم الله تعالى وجهه- قال: قلت يا رسول الله الأمر ينزل بنا بعدك لم ينزل فيه قرآن، ولم يسمع منك فيه شئ قال: اجمعوا له العابدين من أمتي واجعلوه بينكم شورى ولا تقضوه برأي واحد، وينبغي أن يكون المستشار عاقلا كما ينبغي أن يكون عابدا، فقد أخرج الخطيب أيضا عن أبي هريرة- مرفوعا-:
«استرشدوا العاقل ترشدوا، ولا تعصوه فتندموا». والشورى- على الوجه الذي ذكرناه- من جملة أسباب صلاح الأرض، ففي الحديث «إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم أسخياءكم وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاءكم وأمركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها». وإذا لم تكن على ذلك الوجه كان إفساد الدين والدنيا أكثر من إصلاحها).
وقال صاحب الظلال عند الآية نفسها: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ:
والتعبير يجعل أمرهم كله شورى؛ ليصبغ الحياة كلها بهذه الصبغة. وهو- كما قلنا- نص مكي، كان قبل قيام الدولة الإسلامية. فهذا الطابع إذن أعم وأشمل من الدولة في حياة المسلمين. إنه طابع الجماعة الإسلامية في كل حالاتها ولو كانت الدولة بمعناها الخاص لم تقم فيها بعد.
والواقع أن الدولة في الإسلام ليست سوى إفراز طبيعي للجماعة وخصائصها الذاتية. والجماعة تتضمن الدولة وتنهض وإياها بتحقيق المنهج الإسلامي وهيمنته على الحياة الفردية والجماعية.
ومن ثم كان طابع الجماعة في الشورى مبكرا، وكان مدلوله أوسع وأعمق من محيط الدولة وشئون الحكم فيها. إنه طابع ذاتي للحياة الإسلامية، وسمة مميزة للجماعة المختارة لقيادة البشرية، وهي من ألزم صفات القيادة.
أما الشكل الذي تتم به الشورى فليس مصبوبا في قالب حديدي، فهو متروك للصورة الملائمة لكل بيئة وزمان؛ لتحقيق ذلك الطابع في حياة الجماعة الإسلامية.
والنظم الإسلامية كلها ليست أشكالا جامدة، وليست نصوصا حرفية، إنما هي-
следующие страницы →