Полный текст (6 440 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.
стр. 4831
كلمة في السياق:
١ - من قوله تعالى أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ نعلم صلة هذه الآيات بما قبلها في النموذج السابق أي في قوله تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ فالآية هذه نموذج على قدرة الله، وهي في الوقت نفسه مثال لما ذكر في النموذج الأول.
٢ - نلاحظ أنّ الله- ذكر أنّ من حكمة عقوباته الدنيوية أن يعلم الذين يجادلون في آيات الله أنهم لا مهرب لهم من عذاب الله- ، وفي ذلك دعوة لهم للعودة إلى شريعة الله، ولذلك صلته بالسياق.
٣ - نلاحظ أن المجموعة الأولى في المقطع الثاني انتهت بقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ. وأن المجموعة الثانية في هذا المقطع انتهت بقوله تعالى: وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ... فالمجموعتان انتهتا بالكلام عن الذين يحاجّون ويجادلون، ولذلك صلته بموضوع إقامة دين الله، فالمجموعتان متكاملتان، إذ النقطة الرئيسية في سياق المجموعة الثانية أن منزل الكتاب هو الله- ، وأن هذا الكتاب هو الصيغة الوحيدة للحق والعدل، وأن على الإنسان أن يقيم شرع الله- ، وأن يترك شرع غيره. فإذا فعل حفّته رعاية الله في الدنيا والآخرة، وأنّ الانحراف عن شرع الله جزاؤه عقوبات الله في الدنيا والآخرة. فإذا أردنا أن نقول كلمة نلخّص فيها السياق العام للمقطع الثاني نقول:
بدأ المقطع بذكر حكمة إنزال القرآن على رسول الله ﷺ ، ثم بين أن شريعة الله تتضمن معنيين: إقامة دين الله، والاجتماع عليه.
ثم بيّن الله- موقف المشركين وأهل الكتاب من هذا المعنى، ثم أمر الله رسوله ﷺ بالدعوة إلى الله والاستقامة على أمره، ثمّ بيّن الله- ضياع وخسارة وعقوبة الصادّين عن دعوته. ثم جاءت المجموعة الثانية لتبيّن أن الحق والعدل هما صفتا هذا الكتاب، ثم سار السياق كما رأينا بما يخدم قضية التطبيق الدقيق للقرآن الكريم.
والآن تأتي مجموعة ثالثة تتألف من ثلاث فقرات، تبيّن الفقرة الأولى منها صفات
стр. 4832
الذين يستأهلون رضوان الله، وهم الذين يقيمون دين الله، ولا يتفرّقون فيه.
٤ - وإذن فنحن الآن أمام موضوع من أهمّ الموضوعات التي يجب أن يعرفها كل مسلم، وهو موضوع جماعة المسلمين، ما هي صفاتها؟ وما هي خصائصها؟ إنّ الله يعطينا الميزان الذي نتعرّف به على جماعة المسلمين لنلتزم بها، ونتحقق بأخلاقياتها. ولقد قدمت السورة لذلك بأمور كثيرة:
وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ.
إنّ الجماعة التي تقيم دين الله ولا تتفرّق فيه هي التي تتحقّق بمواصفات معيّنة، هي التي تذكرها الفقرة الأولى من المجموعة الثالثة، وأي صفة من هذه الصفات لا تظهر في الجماعة تجعلها غير مرشحة لإقامة دين الله، وتجعلها معرّضة للتفرق فيه. إن على المسلمين جميعا أن يكونوا جماعة واحدة وهذا هو الطريق لذلك:
[المجموعة الثالثة من المقطع الثاني وهي الآيات (٣٦ - ٥١)]
تفسير الفقرة الأولى من المجموعة الثالثة:
فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا قال ابن كثير: أي: مهما حصلتم وجمعتم فلا تغتروا به فإنّما هو متاع الحياة الدنيا، وهي دار دنيئة فانية زائلة لا محالة وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى وثواب الله تعالى خير من الدنيا وهو باق سرمدي، فلا تقدّموا الفاني على الباقي، لكن من هم الذين يستأهلون هذا الثواب؟ لِلَّذِينَ آمَنُوا بالغيب وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ فلا يتوكّلون على غيره
وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ كالشرك وقذف المحصنات والفرار من الزحف، وغير ذلك من الموبقات وَالْفَواحِشَ أي: ما عظم قبحه وفحشه كالزنا واللواط وَإِذا ما غَضِبُوا في أمر دنيوي أو شخصي هُمْ يَغْفِرُونَ أي: سجيتهم تقتضي الصفح والعفو عن النّاس، وليس من سجيّتهم الانتقام من الناس إذا أساءوا لأشخاصهم
وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ أي اتّبعوا رسله، وأطاعوا أمره واجتنبوا زجره، فأقاموا دينه واجتمعوا عليه وَأَقامُوا الصَّلاةَ أي: وأتموا الصلوات الخمس. وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ قال ابن كثير: أي لا يبرمون أمرا حتى يتشاوروا فيه؛ ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها. وقال النسفي: أي ذو شورى لا ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه، وعن الحسن: ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم وَمِمَّا
стр. 4833
رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أي: يتصدّقون
وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ أي: الظلم هُمْ يَنْتَصِرُونَ قال ابن كثير: أي فيهم قوة الانتصار ممّن ظلمهم واعتدى عليهم، ليسوا بالعاجزين ولا الأذلين، بل يقدرون على الانتقام ممّن بغى عليهم، وإن كانوا مع هذا إذا قدروا واعفوا. أقول: إلا إذا كان الحزم أو العلم أو الحكم عدم العفو، وقال النسفي:
أي هم ينتقمون ممن ظلمهم، أي: يقتصرون في الانتصار على ما جعله الله تعالى لهم، ولا يعتدون، وكانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق. وإنما حمدوا على الانتصار؛ لأن من انتصر وأخذ حقه ولم يجاوز في ذلك حد الله فلم يسرف في القتل- إن كان ولي دم- فهو مطيع لله وكل مطيع محمود.
ثمّ بيّن تعالى حدّ الانتصار فقال وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها أي: يجب إذا قوبلت الإساءة أن تقابل بمثلها من غير زيادة فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ أي: لا يضيع ذلك عنده كما صحّ ذلك في الحديث «وما زاد الله تعالى عبدا بعفو إلا عزّا» وهذا في الخصومات الشخصية بين مسلم ومسلم أو مسلم ومعاهد إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ أي: المعتدين وهم المبتدءون بالسيئة، وفسّر النسفي الظالمين هنا بقوله: الذين يبدءون الظلم، أو الذين يجاوزون حدّ الانتصار.
وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ أي: ليس عليهم جناح في الانتصار ممّن ظلمهم، أي: ولمن أخذ حقه بعد ما ظلم فهؤلاء ما عليهم من سبيل للمعاقب، ولا للمعاتب، ولا للمعايب. قال النسفي:
وفسّر السبيل بالتبعة والحجة.
إِنَّمَا السَّبِيلُ أي: إنما الحرج والعنت والعيب والعقاب والعتاب عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ أي: يبتدءونهم بالظلم وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أي: يتكبرون فيها ويعلون ويفسدون بالباطل أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي: شديد موجع يوم القيامة، وقد فهم من الآيتين الأخيرتين ضمنا أن من خصائص المسلمين ألا يلوموا وألا يعاقبوا من انتصر بحق أو بعد ما ظلم
وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ قال ابن كثير: أي صبر على الأذى وستر السيئة. وقال النسفي: ولمن صبر على الظلم والأذى وغفر ولم ينتصر إِنَّ ذلِكَ أي: الصبر والغفران معه لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ قال النسفي: أي من الأمور التي ندب إليها أو مما ينبغي أن يوجبه العاقل على نفسه ولا يترخّص في تركه. وقال ابن كثير: (قال سعيد بن جبير: يعني لمن حق الأمور التي أمر الله تعالى بها، أي: لمن الأمور المشكورة والأفعال الحميدة التي عليها ثواب جزيل وثناء جميل).
стр. 4834
نقول:
١ - [كلام صاحب الظلال عن الشورى كصفة من أهم صفات الجماعة المسلمة]
قدّم صاحب الظلال للفقرة التي مرّت معنا بقوله: (وهنا في هذه الآيات يصور خصائص هذه الجماعة التي تطبعها وتميزها. ومع أن هذه الآيات مكية، نزلت قبل قيام الدولة المسلمة في المدينة، فإننا نجد فيها أن من صفة هذه الجماعة المسلمة:
وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ .. مما يوحي بأن وضع الشورى أعمق في حياة المسلمين من مجرد أن تكون نظاما سياسيّا للدولة، فهو طابع أساسي للجماعة كلها، يقوم عليه أمرها كجماعة، ثم يتسرب من الجماعة إلى الدولة، بوصفها إفرازا طبيعيا للجماعة.
كذلك نجد من صفة هذه الجماعة: وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ.
مع أن الأمر الذي كان صادرا للمسلمين في مكة هو أن يصبروا وألا يردوا العدوان بالعدوان؛ إلى أن صدر لهم أمر آخر بعد الهجرة وأذن لهم في القتال، وقيل لهم:
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. وذكر هذه الصفة هنا في آيات مكية بصدد تصوير طابع الجماعة المسلمة يوحي بأنه صفة الانتصار من البغي صفة أساسية ثابتة؛ وأن الأمر الأول بالكف والصبر كان أمرا استثنائيا لظروف معينة. وأنه لما كان المقام هنا مقام عرض الصفات الأساسية للجماعة المسلمة ذكر منها هذه الصفة الأساسية الثابتة، ولو أن الآيات مكية، ولم يكن قد أذن لهم بعد في الانتصار من العدوان.
وذكر هذه الصفات المميزة لطابع الجماعة المسلمة، المختارة لقيادة البشرية وإخراجها من ظلام الجاهلية إلى نور الإسلام، ذكرها في سورة مكية وقبل أن تكون القيادة العملية في يدها فعلا، جدير بالتأمل. فهي الصفات التي يجب أن تقوم أولا، وأن تتحقق في الجماعة لكي تصبح بها صالحة للقيادة العملية. ومن ثم ينبغي أن نتدبرها طويلا .. ما هي؟ ما حقيقتها؟ وما قيمتها في حياة البشرية جميعا؟.
إنها الإيمان، والتوكل، واجتناب كبائر الإثم والفواحش، والمغفرة عند الغضب، والاستجابة لله، وإقامة الصلاة، والشورى الشاملة، والإنفاق مما رزق الله، والانتصار من البغي، والعفو، والإصلاح، والصبر).
٢ - [كلام الألوسي وصاحب الظلال عن الشورى بمناسبة آية وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ .. ]
وعند قوله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ قال الألوسي: (قد كانت الشورى بين النبي ﷺ وأصحابه فيما يتعلق بمصالح الحروب، وكذا بين الصحابة-
стр. 4835
رضي الله تعالى عنهم- بعده- ﵊، وكانت بينهم أيضا في الأحكام كقتال أهل الرّدة وميراث الجد وعدد حدّ الخمر وغير ذلك. والمراد بالأحكام ما لم يكن لهم فيه نص شرعي فالشورى لا معنى لها، وكيف يليق بالمسلم العدول عن حكم الله- إلى آراء الرجال والله سبحانه هو الحكيم الخبير. ويؤيد ما قلنا ما أخرجه الخطيب عن علي- كرم الله تعالى وجهه- قال: قلت يا رسول الله الأمر ينزل بنا بعدك لم ينزل فيه قرآن، ولم يسمع منك فيه شئ قال: اجمعوا له العابدين من أمتي واجعلوه بينكم شورى ولا تقضوه برأي واحد، وينبغي أن يكون المستشار عاقلا كما ينبغي أن يكون عابدا، فقد أخرج الخطيب أيضا عن أبي هريرة- مرفوعا-:
«استرشدوا العاقل ترشدوا، ولا تعصوه فتندموا». والشورى- على الوجه الذي ذكرناه- من جملة أسباب صلاح الأرض، ففي الحديث «إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم أسخياءكم وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاءكم وأمركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها». وإذا لم تكن على ذلك الوجه كان إفساد الدين والدنيا أكثر من إصلاحها).
وقال صاحب الظلال عند الآية نفسها: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ:
والتعبير يجعل أمرهم كله شورى؛ ليصبغ الحياة كلها بهذه الصبغة. وهو- كما قلنا- نص مكي، كان قبل قيام الدولة الإسلامية. فهذا الطابع إذن أعم وأشمل من الدولة في حياة المسلمين. إنه طابع الجماعة الإسلامية في كل حالاتها ولو كانت الدولة بمعناها الخاص لم تقم فيها بعد.
والواقع أن الدولة في الإسلام ليست سوى إفراز طبيعي للجماعة وخصائصها الذاتية. والجماعة تتضمن الدولة وتنهض وإياها بتحقيق المنهج الإسلامي وهيمنته على الحياة الفردية والجماعية.
ومن ثم كان طابع الجماعة في الشورى مبكرا، وكان مدلوله أوسع وأعمق من محيط الدولة وشئون الحكم فيها. إنه طابع ذاتي للحياة الإسلامية، وسمة مميزة للجماعة المختارة لقيادة البشرية، وهي من ألزم صفات القيادة.
أما الشكل الذي تتم به الشورى فليس مصبوبا في قالب حديدي، فهو متروك للصورة الملائمة لكل بيئة وزمان؛ لتحقيق ذلك الطابع في حياة الجماعة الإسلامية.
والنظم الإسلامية كلها ليست أشكالا جامدة، وليست نصوصا حرفية، إنما هي-
стр. 4836
قبل كل شئ- روح ينشأ عن استقرار حقيقة الإيمان في القلب، وتكيف الشعور والسلوك بهذه الحقيقة. والبحث في أشكال الأنظمة الإسلامية دون الاهتمام بحقيقة الإيمان الكامنة وراءها لا يؤدي إلى شئ .. وليس هذا كلاما عائما غير مضبوط كما قد يبدو لأول وهلة لمن لا يعرف حقيقة الإيمان بالعقيدة الإسلامية. فهذه العقيدة- في أصولها الاعتقادية البحتة، وقبل أي التفات إلى الأنظمة فيها- تحوي حقائق نفسية وعقلية هي في ذاتها شئ له وجود وفاعلية وأثر في الكيان البشري، يهيئ لإفراز أشكال معينة من النظم وأوضاع معينة في الحياة البشرية، ثم تجئ النصوص بعد ذلك مشيرة إلى هذه الأشكال والأوضاع، لمجرد تنظيمها لا لخلقها وإنشائها. ولكي يقوم أيّ شكل من أشكال النظم الإسلامية، لا بد قبلها من وجود مسلمين، ومن وجود إيمان ذي فاعلية وأثر. وإلا فكل الأشكال التنظيمية لا تفي بالحاجة، ولا تحقق نظاما يصح وصفه بأنه إسلامي ..
ومتى وجد المسلمون حقا، ووجد الإيمان في قلوبهم بحقيقته، نشأ النظام الإسلامي نشأة ذاتية، وقامت صورة منه تناسب هؤلاء المسلمين وبيئتهم وأحوالهم كلها، وتحقق المبادئ الإسلامية الكلية خير تحقيق) اه.
٣ - [نقل عن صاحب الظلال بمناسبة آية وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ]
وعند قوله تعالى وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ قال صاحب الظلال:
(وذكر هذه الصفة في القرآن المكي ذو دلالة خاصة كما سلف. فهي تقرير لصفة أساسية في الجماعة المسلمة، صفة الانتصار من البغي، وعدم الخضوع للظلم، وهذا طبيعي بالنسبة لجماعة أخرجت للناس لتكون خير أمة لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتهيمن على حياة البشرية بالحق والعدل، وهي عزيزة بالله وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ .. فمن طبيعة هذه الجماعة ووظيفتها أن تنتصر من البغي، وأن تدفع العدوان. وإذا كانت هناك فترة اقتضت- لأسباب محلية في مكة، ولمقتضيات
تربوية في حياة المسلمين الأوائل من العرب خاصة- أن يكفوا أيديهم ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فذلك أمر عارض لا يتعلق بخصائص الجماعة الثابتة الأصلية.
ولقد كانت هناك أسباب خاصة لاختيار أسلوب المسالمة والصبر في العهد المكي.
منها أن إيذاء المسلمين الأوائل وفتنتهم عن دينهم لم تكن تصدر من هيئة مسيطرة على
стр. 4837
الجماعة. فالوضع السياسي والاجتماعي في الجزيرة كان وضعا قبليا مخلخلا. ومن ثم كان الذين يتولون إيذاء الفرد المسلم هم خاصة أهله إن كان ذا نسب، ولم يكن أحد غير خاصة أهله يجرؤ على إيذائه، ولم يقع إلا في الندرة أن وقع اعتداء جماعي على فرد مسلم أو على المسلمين كجماعة، كما كان السادة يؤذون مواليهم إلى أن يشتريهم المسلمون ويعتقوهم فلا يجرؤ أحد على إيذائهم غالبا. ولم يكن الرسول ﷺ يحب أن تقع معركة في كل بيت بين الفرد المسلم من هذا البيت والذين لم يسلموا بعد. والمسالمة كانت أقرب إلى إلانة القلوب من المخاشنة.
ومنها أن البيئة العربية كانت بيئة نخوة تثور لصاحب الحق الذي يقع عليه الأذى.
واحتمال المسلمين للأذى وصبرهم على عقيدتهم، كان أقرب إلى استثارة هذه النخوة في صف الإسلام والمسلمين. وهذا ما حدث بالقياس إلى حادث الشّعب وحصر بني هاشم فيه. فقد ثارت النخوة ضد هذا الحصار، ومزقت العهد الذي حوته الصحيفة، ونقضت هذا العهد الجائر.
ومنها أن البيئة العربية كانت بيئة حرب ومسارعة إلى السيف، وأعصاب متوفزة لا تخضع لنظام. والتوازن في الشخصية الإسلامية كان يقتضي كبح جماح هذا التوافز الدائم، وإخضاعها لهدف، وتعويدها الصبر وضبط الأعصاب. مع إشعار النفوس باستعلاء العقيدة على كل نزوة وعلى كل مغنم. ومن ثم كانت الدعوة إلى الصبر على الأذى متفقة مع منهج التربية الذي يهدف إلى التوازن في الشخصية الإسلامية، وتعليمها الصبر والثبات والمضي في الطريق.
فهذه الاعتبارات وأمثالها قد اقتضت سياسة المسالمة والصبر في مكة، مع تقرير الطابع الأساسي الدائم للجماعة المسلمة: وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ...... ) اه.
كلمة في السياق: [حول علاقة الفقرتين الأولى والثانية من المجموعة الثالثة ببعضهما البعض]
بيّن الله- في الفقرة المارة أنّ متاع الدنيا قليل، ثمّ بيّن أن متاع الآخرة خير وأبقى لمن توفرت فيه مجموعة صفات. وقد تبيّن لنا من مجموع ما ذكر في الفقرة أن الطريق إلى الدنيا والآخرة هو إقامة دين الله. والاجتماع عليه. وقد حددت المجموعة
стр. 4838
مواصفات هؤلاء الذين يقيمون دين الله. ويجتمعون عليه. وبعد أنّ بيّن الله- ذلك، فإنّه- ﷻ يبيّن في الفقرة الثانية وضع الظالمين.
تفسير الفقرة الثانية من المجموعة الثالثة:
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ أي: فما له من أحد يلي هدايته من بعد إضلال الله إياه، وما له من أحد يمنعه من عذاب الله في الدنيا وفي الآخرة وَتَرَى الظَّالِمِينَ يوم القيامة لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ أي: حين يرون العذاب يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ أي: رجوع إلى الدنيا مِنْ سَبِيلٍ أي: من طريق نفعله لنرجع ونؤمن وهيهات فلا عودة ولا رجوع
وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها أي: على النار خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ أي: متضائلين متقاصرين ممّا يلحقهم من الذلّ يَنْظُرُونَ إلى النار مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ أي: ضعيف بمسارقة. قال ابن كثير: أي ينظرون إليها مسارقة خوفا منها، والذي يحذرون منه واقع بهم لا محالة، وما هو أعظم في نفوسهم، أجارنا الله من ذلك. وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا أي: يقولون يوم القيامة إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ قال ابن كثير: أي ذهب بهم إلى النار فعدموا لذّتهم في دار الأبد، وخسروا أنفسهم، وفرّق بينهم وبين أحبابهم وأصحابهم وأهاليهم وقراباتهم، فخسروهم أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ أي: دائم سرمدي أبدي، لا خروج لهم منه ولا محيد لهم عنه
وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: ينقذونهم مما هم فيه من العذاب والنكال وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ أي: ليس له طريق إلى النجاة، أي: ليس له خلاص.
كلمة في السياق: [الفقرة الثانية حول التشابه بين بدايتها ونهايتها]
نلاحظ أن هذه الفقرة بدأت بقوله تعالى: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وختمت بقوله تعالى: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ، لاحظ التشابه بين البداية والنهاية.
وبعد هذه الجولة الطويلة في المقطع، وكلها إقناع بضرورة الاستجابة لدين الله وشرعه، تأتي الآن فقرة تأمر بشكل مباشر بالاستجابة لشرع الله ودينه.
стр. 4839
تفسير الفقرة الثالثة من المجموعة الثالثة:
ج-
اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ أي: أجيبوه إلى كل ما دعاكم إليه مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ أي: يوم القيامة لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ أي: لا يردّه الله بعد ما حكم به، أو لا يقدر أحد على رده ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ أي: إنكار، أي:
ليس لكم مخلص من العذاب، ولا تقدروا أن تنكروا شيئا ممّا اقترفتموه ودوّن في صحائفكم، أو تستنكروا ما يفعل بكم
فَإِنْ أَعْرَضُوا عن الاستجابة لإقامة دين الله، وعن ترك الافتراق فيه فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً أي: رقيبا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ أي: إلا أن تبلّغ، أي: إنما كلّفناك أن تبلّغهم
رسالة الله إليهم وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً أي: نعمة وسعة، وأمنا وصحة، وأمثال ذلك فَرِحَ بِها أي: بطر بذلك وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ أي: بلاء كالمرض والفقر والجدب والشدة والنقمة، وغير ذلك بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي: بسبب معاصيهم فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ أي: يذكر البلاء وينسى النعم ويغمطها. قال ابن كثير: أي يجحد ما تقدّم من النّعم، ولا يعرف إلا الساعة الراهنة، فإن أصابته نعمة أشر وبطر، وإن أصابته محنة يئس وقنط.
لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ودليل ذلك يَخْلُقُ ما يَشاءُ وعلامة ذلك يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً أي: يرزقه البنات فقط وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ أي: يرزقه البنين فقط
أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً أي: ويعطي لمن يشاء من الناس الزوجين الذكر والأنثى، أي: من هذا وهذا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً أي: لا يولد له. قال ابن كثير: (فجعل الناس أربعة أقسام: منهم من يعطيه البنات، ومنهم من يعطيه البنين، ومنهم من يعطيه من النوعين ذكورا وإناثا، ومنهم من يمنعه هذا وهذا فيجعله عقيما لا نسل له ولا ولد له إِنَّهُ عَلِيمٌ أي: بمن يستحق كل قسم من هذه الأقسام قَدِيرٌ أي: على من يشاء من تفاوت الناس في ذلك، وهذا المقام شبيه بقوله ﵎ عن عيسى- ﵊ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ أي:
دلالة لهم على قدرته- تعالى وتقدس- حيث خلق الخلق على أربعة أقسام: فآدم- ﵊ مخلوق من تراب لا من ذكر ولا أنثى، وحواء- ﵍ مخلوقة من ذكر بلا أنثى، وسائر الخلق سوى عيسى- ﵇ من ذكر وأنثى، وعيسى- ﵇ من أنثى بلا ذكر، فتمت الدلالة بخلق عيسى ابن مريم- عليهما الصلاة والسلام- ولهذا قال تعالى: وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ فهذا المقام في
стр. 4840
الآباء، والمقام الأول في الأبناء وكل منهما أربعة أقسام فسبحان العليم القدير). إِنَّهُ عَلِيمٌ بكل شئ قَدِيرٌ على كل شئ. قال النسفي مبيّنا صلة هذه الآية بما قبلها: (لما ذكر إذاقة الإنسان الرحمة وإصابته بضدها أتبع ذلك أن له تعالى الملك، وأنه يقسم النعمة والبلاء كيف أراد، ويهب لعباده من الأولاد ما يشاء فيخص بعضا بالإناث وبعضا بالذكور، وبعضا بالصنفين جميعا، ويجعل البعض عقيما، والعقيم التي لا تلد، وكذلك رجل عقيم إذا كان لا يولد له، وقدم الإناث أولا على الذكور؛ لأن سياق الكلام أنه فاعل لما يشاؤه لا ما يشاؤه الإنسان، فكان ذكر الإناث اللاتي من جملة ما لا يشاؤه الإنسان أهم، والأهم واجب التقديم، وليلي الجنس الذي كانت العرب تعدّه بلاء، ذكر البلاء، ولما أخّر الذكور- وهم أحقاء بالتقديم- تدارك تأخيرهم بتعريفهم لأن التعريف تنويه وتشهير، ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين حقه من التقديم والتأخير، وعرّف أن تقديمهن لم يكن لتقدمهن ولكن لمقتضى آخر فقال: ذُكْراناً وَإِناثاً).
كلمة في السياق: [حول علاقة بدايتي المقطعين الأول والثاني بالآية (٥٠)]
وإذ ذكر الله- في بداية المقطع الأول، وفي أوائل المقطع الثاني أنّه أوحى إلى محمد- ﵊ والنبيّين من قبله، فإنه الآن يذكر أنواع الوحي كنهاية للمقطعين السابقين، وصلة وصل مع بداية المقطع الثاني المبدوء بقوله تعالى وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا فلنر الآية الأخيرة في المجموعة الثالثة وفي المقطع الثاني.
وَما كانَ لِبَشَرٍ أي: وما صحّ لأحد من البشر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أي: إلهاما، ومن ذلك رؤيا المنام أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أي: يسمع كلاما من الله كما سمع موسى- ﵇ من غير أن يبصر السامع من يكلّمه، وليس المراد بالحجاب حجابا كالحجاب المعروف في حق الخلق، بل هو حجاب يحجب به السامع عن رؤية الله في الدنيا، ولا نخوض في شأنه، قال- ﵊: «حجابه النّور» أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا أي: ملكا فَيُوحِيَ أي: الملك إلى الرسول أو النبي
стр. 4841
بِإِذْنِهِ أي: بأمر الله ما يَشاءُ الله من الوحي. إِنَّهُ أي: إن الله عَلِيٌّ قاهر فلا يمانع حَكِيمٌ في أقواله وأفعاله، فلا يعارض وبهذا انهى المقطع.
كلمة في السياق: [حول صلة المقطع الثاني بمحور السورة]
إن ارتباط آيات المقطع ببعضها، وارتباط مجموعاته ببعضها، كل ذلك قد ذكرناه أثناء عرضنا لمجموعات المقطع وفقراته وآياته. ويبقى أن نرى هنا صلة المقطع بمحور السورة. إن محور السورة هو الآيات الأولى من مقدمة سورة البقرة، وقد تعرض المقطع لإنزال هذا القرآن، ولكونه من عند الله، وذكر مواصفات أهل الآخرة: من إيمان وتوكل وصلاة وإنفاق. ولذلك صلاته بمقدمة سورة البقرة، فلقد نال قوله تعالى:
الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ تفصيلا في سورة الشورى، كما نال قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ تفصيلا، ونال قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ تفصيلا، ونال قوله تعالى. أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ تفصيلا، ولكنه تفصيل ليس كطريقة البشر في التفصيل بل هو تفصيل معجز.
فأنت إذ تدرس السورة دراسة تفصيلية، ترى أنّك قد خرجت من السورة وقد ازدادت قضايا الاهتداء بالكتاب والإيمان والعمل وغيرها وضوحا، فازددت تمسكا وعملا، وزادتك بصيرة. وبهذا يكمل البناء شيئا فشيئا.
الفوائد:
١ - [لماذا سميت مكة أم القرى ؟]
بمناسبة قوله تعالى: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها قال ابن كثير:
(وسميت مكة أمّ القرى؛ لأنها أشرف من سائر البلاد لأدلة كثيرة مذكورة في مواضعها، ومن أوجز ذلك وأدله ما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عدي بن الحمراء
الزهري أنه
стр. 4842
سمع رسول الله ﷺ يقول وهو واقف بالحزورة في سوق مكة: «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إليّ، ولولا إني أخرجت منك ما خرجت» هكذا رواية الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث الزهري به وقال الترمذي حسن صحيح).
أقول: وهناك اتجاه عند المالكية يرى أن للمدينة فضلا على غيرها، وإنما ذكرناه هنا للإشارة إلى أنه لا يوجد إجماع على ما قاله ابن كثير.
٢ - [كلام ابن كثير عن الإشفاق من يوم القيامة بمناسبة آية وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ .. ]
بمناسبة قوله تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ قال ابن كثير: (وقد روي من طرق تبلغ درجة التواتر في الصحاح والحسان، والسنن والمسانيد، وفي بعض ألفاظه أن رجلا سأل رسول الله ﷺ بصوت جهوري وهو في بعض أسفاره فناداه فقال: يا محمد، فقال له رسول الله ﷺ نحوا من صوته «هاؤم» فقال له: متى الساعة؟ فقال له رسول الله ﷺ «ويحك إنها كائنة فما أعددت لها؟» فقال: حب الله ورسوله، فقال ﷺ : «أنت مع من أحببت» فقوله في الحديث:
«المرء مع من أحب» هذا متواتر لا محالة والغرض، أنه لم يجبه عن وقت الساعة بل أمره بالاستعداد لها).
٣ - [كلام ابن كثير عن مصير أول من ابتدع عبادة الأصنام بمناسبة الآية (٢١)]
بمناسبة قوله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ قال ابن كثير: (وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «رأيت عمرو بن لحي بن قمعة يجر قصبه في النار» لأنه أول من سيّب السوائب، وكان هذا الرجل أحد ملوك خزاعة، وهو أول من فعل هذه الأشياء، وهو الذي حمل قريشا على عبادة الأصنام، لعنه الله وقبحه).
٤ - [كلام ابن كثير عن معنى المودة في القربى بمناسبة آية قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً .. ]
بمناسبة قوله تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى قال ابن كثير: (أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين من كفار قريش لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح لكم مالا تعطونيه، وإنما أطلب منكم أن تكفوا شرّكم عني وتذروني أبلّغ رسالات ربي، إن لم تنصروني فلا تؤذوني. بما بيني وبينكم من القرابة. روى البخاري عن ابن عباس- ﵄ أنه سئل عن قوله تعالى: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى فقال سعيد ابن جبير: قربى آل محمد. فقال ابن عباس: عجلت (وفي رواية عجيب) إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة. فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة. انفرد به البخاري، ورواه الإمام أحمد من طريق آخر به، وهكذا روى عامر الشعبي والضحاك وعلي بن أبي طلحة والعوفي ويوسف بن
стр. 4843
مهران وغير واحد عن ابن عباس- ﵄ مثله، وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وأبو مالك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم.
وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس- ﵄ قال: قال لهم رسول الله ﷺ : «لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني في نفسي لقرابتي منكم، وتحفظوا القرابة بيني وبينكم» وروى الإمام أحمد عن مجاهد عن ابن عباس- ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا أسألكم على ما آتيتكم من البينات والهدى أجرا إلا أن توادوا الله تعالى، وأن تقربوا إليه بطاعته» وهكذا روى قتادة عن الحسن البصري مثله، وهذا كأنه تفسير بقول ثان كأنه يقول: إلا المودة في القربى أي إلا أن تعملوا بالطاعة التي تقربكم عند الله زلفى. وقول ثالث وهو ما حكاه البخاري وغيره رواية عن سعيد ابن جبير ما معناه أنه قال: معنى ذلك أن تودوني في قرابتي أي تحسنوا إليهم وتبروهم. وقال السدي عن أبي الديلم قال: لما جئ بعلي بن الحسين ﵁ أسيرا فأقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم، وقطع قرن الفتنة. فقال له علي بن الحسين- ﵁:
أقرأت القرآن؟ قال: نعم. قال: أقرأت آل حم؟ قال: قرأت القرآن ولم أقرأ آل حم. قال: ما قرأت قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى قال: وإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم. وقال أبو إسحاق السبيعي: سألت عمرو بن شعيب عن قوله ﵎ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى فقال قربى النبي ﷺ . رواهما ابن جرير. ثم روى ابن جرير- أيضا- عن ابن عباس- ﵄ قال: قالت الأنصار: فعلنا وفعلنا، وكأنهم فخروا. فقال ابن عباس أو العباس ﵄ شك عبد السلام، وهو أحد رواة الحديث: لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأتاهم في مجالسهم فقال: «يا معشر الأنصار ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله بي؟» قالوا: بلى يا رسول الله! قال ﷺ : «ألم تكونوا ضلّالا فهداكم الله بي؟» قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «أفلا تجيبوني» قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: «ألا تقولون ألم يخرجك قومك فآويناك، أو لم يكذبوك فصدقناك، أو لم يخذلوك فنصرناك» قال: فما زال ﷺ يقول حتى جثوا على الركب، وقالوا: أموالنا في أيدينا لله ولرسوله قال فنزلت قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وهكذا رواه ابن أبي حاتم بإسناده مثله أو قريبا منه وهو ضعيف. وفي الصحيحين في قسم غنائم حنين قريب من هذا السياق، ولكن ليس فيه ذكر نزول هذه الآية، وذكر
стр. 4844
نزولها في المدينة فيه نظر، لأن السورة مكية، وليس يظهر بين هذه الآية وهذا السياق مناسبة والله أعلم. وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس- ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين أمر الله بمودتهم؟ قال: «فاطمة وولدها ﵄» وهذا إسناد ضعيف فيه مبهم لا يعرف عن شيخ شيعي مخترق وهو حسين الأشقر ولا يقبل خبره في هذا المحل، وذكر نزول الآية في المدينة بعيد فإنها مكية،
ولم يكن إذ ذاك لفاطمة- ﵂ أولاد بالكلية. فإنها لم تتزوج بعلي- ﵁ إلا بعد بدر من السنة الثانية من الهجرة. والحق تفسير هذه الآية بما فسرها به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄ كما رواه عنه البخاري، ولا ننكر الوصاة بأهل البيت، والأمر بالإحسان إليهم، واحترامهم وإكرامهم، فإنهم من ذرية طاهرة، من أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخرا وحسبا ونسبا، ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية، كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه، وعلي وأهل بيته وذريته ﵃ أجمعين.
وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال في خطبته بغدير خم: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، وإنهما لم يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» وروى الإمام أحمد عن العباس بن عبد المطلب- ﵁ قال: قلت يا رسول الله إن قريشا إذا لقي بعضهم بعضا لقوهم ببشر حسن، وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها، قال:
فغضب النبي ﷺ غضبا شديدا، وقال: «والذي نفسي بيده لا يدخل قلب الرجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله». ثم روى الإمام أحمد عن عبد المطلب بن ربيعة قال:
دخل العباس ﵁ على رسول الله ﷺ فقال: إنا لنخرج فنرى قريشا تحدث، فإذا رأونا سكتوا، فغضب رسول الله ﷺ ودر عرق بين عينيه ثم قال ﷺ : «والله لا يدخل قلب امرئ مسلم إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي» وروى البخاري عن ابن عمر- ﵄ عن أبي بكر- هو الصديق- ﵁ قال: ارقبوا محمدا ﷺ في أهل بيته. وفي الصحيح أن الصديق- ﵁ قال لعلي- ﵁: والله لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي. وقال عمر بن الخطاب للعباس- ﵄: والله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم؛ لأن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب. فحال الشيخين- ﵄ هو الواجب على كل أحد أن يكون
стр. 4845
كذلك، ولهذا كانا أفضل المؤمنين بعد النبيين والمرسلين ﵄ وعن سائر الصحابة أجمعين وروى الإمام أحمد ﵀ .. عن يزيد بن حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن ميسرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم ﵁، فلما جلسنا إليه قال حصين: لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا: رأيت رسول الله ﷺ وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت معه، لقد رأيت يا زيد خيرا كثيرا، حدّثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله ﷺ فقال: يا ابن أخي لقد كبر سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله ﷺ ، فما حدّثتكم فاقبلوه وما لا فلا تكلفونيه، ثم قال ﵁: قام رسول الله ﷺ يوما خطيبا فينا بماء يدعى خما- بين مكة والمدينة- فحمد الله تعالى وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال ﷺ : «أما بعد أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله تعالى فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به» فحث على كتاب الله ورغّب فيه وقال ﷺ :
«وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم عليه الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل جعفر وآل العباس- ﵃، قال: أكل هؤلاء حرم عليه الصدقة؟ قال: نعم. وهكذا رواه مسلم والنسائي من طرق يزيد بن حبان به وروى أبو عيسى الترمذي وعن زيد بن أرقم- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي. أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، والآخر عترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما» تفرد بروايته ثم قال: هذا حديث حسن غريب وروى الترمذي أيضا عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول: «يا أيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي» تفرد به الترمذي أيضا وقال حسن غريب.
وفي الباب عن أبي ذر وأبي سعيد وزيد بن أرقم وحذيفة بن أسيد ﵃.
وروى الترمذي أيضا عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم: «أحبوا الله تعالى لما يغذوكم من نعمه، وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي بحبي» ثم قال حسن غريب إنما نعرفه من هذا الوجه).
٥ - [كلام النسفي عن لطف الله بعباده بمناسبة آية اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ]
بمناسبة قوله تعالى: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ قال النسفي: (وقيل هو من
стр. 4846
لطف بالغوامض علمه، وعظم عن الجرائم حلمه، ومن ينشر المناقب ويستر المثالب، أو يعفو عمن يهفو، أو يعطي العبد فوق الكفاية ويكلفه الطاعة دون الطاقة).
٦ - [كلام النسفي وابن كثير بمناسبة آية وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ قال النسفي:
(والتوبة أن يرجع عن القبيح والإخلال بالواجب بالندم عليهما، والعزم على أن لا يعود، وإن كان لعبد فيه حق لم يكن بد من التفصي [أي: الاستحلال] على طريقه.
وقال علي- ﵁: هو اسم يقع على ستة معان: على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفرائض الإعادة، ورد المظالم، وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها
في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته. وعن السدي: هو صدق العزيمة على ترك الذنوب، والإنابة بالقلب إلى علام الغيوب. وعن غيره: هو أن لا يجد حلاوة الذنب في القلب عند ذكره. وعن سهل: هو الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة. وعن الجنيد: هو الإعراض عما دون الله).
وقال ابن كثير: (وقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لله تعالى أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كانت راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح» وقد ثبت أيضا في الصحيح من رواية عبد الله بن مسعود ﵁ نحوه. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في قوله تعالى وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ أن أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في المكان الذي يخاف أن يقتله فيه العطش» وقال همام بن الحارث:
سئل ابن مسعود ﵁ عن الرجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها؟ قال: لا بأس به (أي بالزواج) وقرأ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ الآية. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم).
٧ - [كلام ابن كثير عن معنى الاستجابة والزيادة من فضل الله بمناسبة الآية (٢٦)]
بمناسبة قوله تعالى. وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ قال ابن كثير: (قال السدي: يعني يستجيب لهم، وكذا قال ابن جرير: معناه يستجيب لهم الدعاء لأنفسهم ولأصحابهم وإخوانهم، وحكاه عن بعض
стр. 4847
النحاة وأنه جعلها كقوله- : فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ثم روى ابن أبي حاتم عن سلمة بن سيرة قال: خطبنا معاذ ﵁ بالشام فقال: أنتم المؤمنون وأنتم أهل الجنة والله إني لأرجو أن يدخل الله تعالى من تسبون من فارس والروم الجنة، وذلك بأن أحدكم إذا عمل له- يعني أحدهم- عملا قال: أحسنت رحمك الله، أحسنت بارك الله فيك، ثم قرأ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ. وحكى ابن جرير عن بعض أهل العربية أنه جعل قوله الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ أي: هم الذين يستجيبون للحق، ويتبعونه كقوله ﵎:
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ. وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ والمعنى الأول أظهر لقوله تعالى: وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أي: يستجيب دعاءهم ويزيدهم فوق ذلك. ولهذا روى ابن أبي حاتم عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في قوله تعالى: وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ قال: «الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليهم معروفا في الدنيا» وقال قتادة عن إبراهيم النخعي في قوله : وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قال: يشفعون في إخوانهم وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ قال: يشفعون في إخوان إخوانهم.
٨ - [كلام ابن كثير عن إنزال الغيث بمناسبة آية وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا قال ابن كثير: (قال قتادة: ذكرنا أن رجلا قال لعمر بن الخطاب ﵁: يا أمير المؤمنين قحط المطر وقنط الناس. فقال عمر ﵁: مطرتم، ثم قرأ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ أي: هو المتصرف لخلقه بما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، وهو المحمود العاقبة في جميع ما يقدره ويفعله).
٩ - [كلام المؤلف والنسفي عن احتمال وجود حياة على كواكب أخرى بمناسبة الآية (٢٩)]
رأينا ما يحتمله قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ وقلنا: إنه يحتمل أن يكون في الآية إشارة إلى وجود حياة في كواكب أخرى، وإشارة إلى اجتماع سكان أرضنا بسكان هذه الكواكب إلا أنه احتمال. ومن ثم فإننا نذكر هنا كيف فهم المفسرون القدامى هذه الآية. قال ابن كثير: (يقول تعالى: وَمِنْ آياتِهِ الدالة على عظمته وقدرته العظيمة وسلطانه القاهر خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما أي: ذرأ فيهما، أي: في السموات والأرض مِنْ دابَّةٍ وهذا يشمل الملائكة والإنس والجن وسائر
стр. 4848
الحيوانات على اختلاف أشكالهم وألوانهم، ولغاتهم وطباعهم وأجناسهم وأنواعهم، وقد فرقهم في أرجاء السموات والأرض وَهُوَ مع هذا كله عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ أي: يوم القيامة يجمع الأولين والآخرين، وسائر الخلائق في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، فيحكم فيهم بحكمه العدل الحق).
وقال النسفي: (الدواب تكون في الأرض وحدها لكن يجوز أن ينسب الشئ إلى جميع المذكور- وإن كان ملتبسا ببعضه- كما يقال: بنو تميم فيهم شاعر مجيد وإنما هو في فخد من أفخاذهم، ومنه قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ وإنما يخرج من الملح، ولا يبعد أن يخلق في السموات حيوانات يمشون فيها مشى الأناسي على الأرض، أو يكون للملائكة مشي مع الطيران، فوصفوا بالدبيب كما وصف به الأناسي).
أقول: في حالة اكتشاف حياة على ظهر كوكب آخر تكون الآية نصا في ذلك، وإلا ففي تأويلات ابن كثير والنسفي ما يكفي لفهمها.
١٠ - [كلام ابن كثير عن الصبر على البلاء بمناسبة آية وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قال ابن كثير: وفي الحديث الصحيح «والذي نفسي بيده ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن إلا كفر الله عنه بها من خطاياه حتى الشوكة يشاكها». وروى ابن جرير عن أيوب قال: قرأت في كتاب أبي قلابة نزلت فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ وأبو بكر ﵁ يأكل فأمسك وقال: يا رسول الله إني أرى ما عملت من خير وشر، فقال: «أرأيت ما رأيت مما تكره، فهو من مثاقيل ذر الشر وتدخل مثاقيل الخير حتى تعطاه يوم القيامة» قال: قال أبو إدريس: فإني أرى مصداقها في كتاب الله تعالى وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ثم رواه من وجه آخر عن أبي قلابة عن أنس ﵁، قال: والأول أصح وروى ابن أبي حاتم عن علي ﵁ قال: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله وحدثنا به رسول الله ﷺ ، قال:
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ وسأفسرها لك يا علي: ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم، والله تعالى أحلم من أن يثني عليه العقوبة في الآخرة، وما عفا الله عنه في الدنيا فالله تعالى أكرم من أن يعود بعد عفوه» وكذا رواه الإمام أحمد عن أبي سخيلة قال علي قال: رضي الله عنه
стр. 4849
فذكر نحوه مرفوعا. ثم روى ابن أبي حاتم نحوه من وجه آخر موقوفا عن أبي جحيفة قال: دخلت على علي بن أبي طالب ﵁ فقال: ألا أحدثكم بحديث ينبغي لكل مؤمن أن يعيه؟ قال فسألناه فتلا هذه الآية وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قال: «ما عاقب الله تعالى به في الدنيا فالله أحلم من أن يثني عليه العقوبة يوم القيامة، وما عفا الله عنه في الدنيا فالله أكرم من أن يعود في عفوه يوم القيامة» وروى الإمام أحمد عن معاوية- هو ابن أبي سفيان ﵁ قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول «ما من شئ يصيب المؤمن في جسده يؤذيه إلا كفّر الله تعالى عنه به من سيئاته» وروى الإمام أحمد أيضا عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له ما يكفرها ابتلاه الله تعالى بالحزن ليكفرها» وروى ابن أبي حاتم عن الحسن- هو البصري- قال في قوله ﵎:
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قال: لما نزلت قال رسول الله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده ما من خدش عود ولا اختلاج عرق ولا عثرة قدم إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر» وروى أيضا عن عمران بن حصين ﵁ قال: دخل عليه بعض أصحابه وقد كان قد ابتلى في جسده فقال له بعضهم: إنا لنبأس لك لما نرى فيك. قال: فلا تبتئس بما ترى، فإن ما ترى بذنب وما يعفو الله عنه أكثر ثم تلا هذه الآية وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ وحدثنا جرير عن أبي البلاد قال: قلت للعلاء بن بدر وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وقد ذهب بصري وأنا غلام؟ قال: فبذنوب والديك. وعن الضحاك قال: ما نعلم أحدا حفظ القرآن ثم نسيه إلا بذنب ثم قرأ الضحاك وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ثم يقول الضحاك:
وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن؟!
١١ - [كلام ابن كثير عن العفو عند المقدرة بمناسبة آية وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ]
بمناسبة قوله تعالى: وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ قال ابن كثير: (وقد ثبت في الصحيح «أن رسول الله ﷺ ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله» وفي حديث آخر كان يقول لأحدنا عند المعتبة: «ما له تربت يمينه» وروى ابن أبي حاتم عن إبراهيم قال: كان المؤمنون يكرهون أن يستذلوا وكانوا إذا قدروا عفوا).
١٢ - [كلام ابن كثير عن الشورى بمناسبة آية وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ]
بمناسبة قوله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ قال ابن كثير: (أي:
لا يبرمون أمرا حتى يتشاوروا فيه ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها كما
стр. 4850
قال ﵎: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ الآية ولهذا كان ﷺ يشاورهم في الحروب ونحوها ليطيب بذلك قلوبهم، وهكذا لما حضرت عمر بن الخطاب ﵁ الوفاة حين طعن جعل الأمر بعده شورى في ستة نفر وهم: عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن ابن عوف ﵃، فاجتمع رأي الصحابة كلهم على تقديم عثمان عليهم ﵃.
١٣ - [كلام ابن كثير عن الانتصار من البغي بمناسبة آية وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ قال ابن كثير: (أي فيهم قوة الانتصار ممن ظلمهم واعتدى عليهم، ليسوا بالعاجزين ولا الأذلين، بل يقدرون على الانتقام ممن بغى عليهم، وإن كانوا مع هذا إذا قدروا عفوا، كما قال يوسف ﵊ لإخوته: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ مع قدرته على مؤاخذتهم ومقابلتهم على صنيعهم إليه، وكما عفا رسول الله ﷺ عن أولئك النفر الثمانين الذين قصدوه عام الحديبية، ونزلوا من جبل التنعيم فلما قدر عليهم منّ عليهم مع قدرته على الانتقام، وكذلك عفوه ﷺ عن غورث بن الحارث الذي أراد الفتك به، حين اخترط سيفه وهو نائم، فاستيقظ ﷺ وهو في يده مصلتا فانتهره فوضعه من يده، وأخذ رسول الله ﷺ السيف في يده ودعا أصحابه، ثم أعلمهم بما كان من أمره وأمر هذا الرجل وعفا عنه، وكذلك عفا ﷺ عن لبيد بن الأعصم الذي سحره ﵇، ومع هذا لم يعرض له ولا عاتبه مع قدرته عليه، وكذلك عفوه ﷺ عن المرأة اليهودية- وهي زينب أخت مرحب اليهودي الخيبري الذي قتله محمود بن سلمة- التي سمّت الذراع يوم خيبر- فأخبره الذراع بذلك، فدعاها فاعترفت فقال ﷺ «ما حملك على ذلك؟» قالت: أردت إن كنت نبيا لم يضرك، وإن لم تكن نبيا استرحنا منك. فأطلقها ﵊، ولكن لما مات منه
بشر بن البراء ﵄ قتلها به والأحاديث والآثار في هذه كثيرة جدا والله أعلم).
١٤ - [كلام ابن كثير عن الظلم وعاقبته بمناسبة آية إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ قال ابن كثير: أي يبدءون الناس بالظلم كما جاء في الحديث الصحيح: «المستبان ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم» وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن محمد بن واسع قال: قدمت مكة فإذا على الخندق قنطرة، فأخذت فانطلق بي إلى مروان بن المهلب- وهو أمير البصرة- فقال: ما حاجتك؟ قلت: يا أبا عبد الله حاجتي إن استطعت أن تكون كما كان أخو بني عدي، قال: ومن أخو بني عدي؟
стр. 4851
قلت: العلاء بن زياد، استعمل صديقا له مرّة على عمل فكتب إليه: أما بعد، فإن استطعت أن لا تبيت إلا وظهرك خفيف، وبطنك خميص، وكفك نقية من دماء المسلمين وأموالهم، فإنك إذا فعلت ذلك لم يكن عليك سبيل إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فقال مروان:
صدق والله ونصح، ثم قال: حاجتك يا أبا عبد الله؟ قلت: حاجتي أن تلحقني بأهلي، قال: نعم. رواه بن أبي حاتم).
١٥ - [كلام ابن كثير عن الصبر والمغفرة بمناسبة آية وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ قال ابن كثير: (وروى ابن أبي حاتم عن الفضيل بن عياض قال: إذا أتاك رجل يشكو إليك رجلا، فقل: يا أخي اعف عنه فإن العفو أقرب للتقوى، فإن قال: لا يحتمل قلبي العفو ولكن أنتصر كما أمرني الله ، فقل له: إن كنت تحسن أن تنتصر وإلا فارجع إلى باب العفو فإنه باب واسع، فإنه من عفا وأصلح فأجره على الله، وصاحب العفو ينام على فراشه بالليل، وصاحب الانتصار يقلب الأمور. وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: إن رجلا شتم أبا بكر ﵁، والنبي ﷺ جالس فجعل النبي ﷺ يعجب ويتبسم، فلما أكثر ردّ عليه بعض قوله، فغضب النبي ﷺ وقام، فلحقه أبو بكر ﵁ فقال: يا رسول الله إنه كان يشتمني وأنت جالس فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت، قال: «إنه كان معك ملك يردّ عنك، فلما رددت عليه بعض قوله حضر الشيطان فلم أكن لأقعد مع الشيطان- ثم قال- يا أبا بكر! ثلاث كلهن حق: ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله إلا أعزه الله تعالى بها ونصره، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة» وكذا رواه أبو داود عن سعيد بن المسيب مرسلا، وهذا الحديث في غاية الحسن في المعنى وهو مناسب للصديق ﵁.
١٦ - [مضمون رسالات الله جميعا من خلال آية فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا ...
نقول: إنّ هذه السورة بيّنت أنّ مضمون كل رسالات الله هو: إقامة الدين والاجتماع عليه أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ وقد ذكر الله في هذه السورة كل ما يلزم لإقامة الدين وعدم التفرق فيه، ومن ذلك: الخصائص التي ينبغي أن تتوافر في كل مسلم وفي جماعة المسلمين. فإذا توافرت هذه الخصائص قام الإسلام، ووجد الاجتماع عليه، ولم توجد التفرقة فيه. وللتذكير بهذه الخصائص نجملها فيما يلي:
стр. 4852
١ - الإيمان ٢ - التوكل ٣ - اجتناب الكبائر ٤ - اجتناب الفواحش ٥ - كظم الغيظ، وضبط الغضب، ومغفرة الإساءة ٦ - الاستجابة لله في كل شئ ٧ - إقامة الصلاة ٨ - الشورى والتحقق بها وممارستها عمليا في الصغير والكبير وعلى أي مستوى ٩ - الإنفاق في سبيل الله ١٠ - الانتصار عند البغي ١١ - عدم تجاوز العدل في الانتصار ١٢ - العفو عند المقدرة والصبر على الأذى. وقد تساءل ابن العربي: لم أثنى الله على المنتصرين إذا بغي عليهم في مقام، وحضّهم على الصبر والمغفرة في مقام. فذكر أن ذلك يختلف باختلاف الظالم. فإذا كان الظالم ليس من شيمته الظلم وأخطأ فهذا من الأفضل أن نتحمله، وإلا فالأفضل أن نقتص منه، ومن ثم فاعرف محل التخلق بما ورد في عن هذا وهذا في الآيات.
١٧ - [كلام ابن كثير عن معنى كلمة «كفور» بمناسبة آية فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ]
بمناسبة قوله تعالى: فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ قال ابن كثير: (كما قال رسول الله ﷺ للنساء: «يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار» فقالت امرأة: ولم يا رسول الله؟ فقال ﷺ : «لأنكن تكثرن الشكاية وتكفرن العشير، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم تركت يوما قالت ما رأيت منك خيرا قط» وهذا حال أكثر النساء إلا من هداه الله تعالى وألهمه رشده، وكان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فالمؤمن كما قال ﷺ : «إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن»).
١٨ - [كلام ابن كثير عن مقامات الوحي بمناسبة آية وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ قال ابن كثير: (هذه مقامات الوحي بالنسبة إلى جناب الله وهو أنه ﵎ يقذف في روع النبي ﷺ شيئا لا يتمارى فيه أنه من الله ، كما جاء في صحيح ابن حبان عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب» وقوله تعالى أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ كما كلّم موسى ﵊ فإنه سأل الرؤية بعد التكليم فحجب عنها. وفي الصحيح أن رسول الله- ﵌ قال لجابر بن عبد الله- ﵄:
«ما كلم الله أحدا إلا من وراء حجاب وإنه كلم أباك كفاحا» كذا جاء الحديث، وكان قد قتل يوم أحد ولكن هذا في عالم البرزخ، والآية إنما هي في الدار الدنيا وقوله أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ كما ينزل جبريل- ﵊ وغيره من الملائكة على الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام-).
стр. 4853
المقطع الثالث والأخير ويمتد من الآية (٥٢) إلى نهاية الآية (٥٣) وهو خاتمة السورة وهذا هو:
٤٢/ ٥٢ - ٥٣
التفسير:
وَكَذلِكَ أي: وكما أوحينا إلى الرسل من قبلك، أو كما وصفنا حالات الوحي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أي: إيحاء كذلك رُوحاً مِنْ أَمْرِنا يعني القرآن، قال النّسفي: يريد [أي بذكر الروح] ما أوحي إليه، لأن الخلق يحيون به في دينهم كما يحيا الجسد بالروح ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ قبل الوحي وَلكِنْ جَعَلْناهُ أي: القرآن نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا أي: ممن يستحقون الهداية لعلم الله بهم وَإِنَّكَ لَتَهْدِي أي: لتدعو إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي:
الإسلام
صِراطِ اللَّهِ فهو الصراط المستقيم الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ أي: ترجع الأمور كلها إليه فيفصل في شأنها ويحكم فيها، وهو وعيد بالجحيم ووعد بالنعيم وبهذا انتهت السورة.
قال صاحب الظلال: (وهكذا تنتهي السورة التي بدأت بالحديث عن الوحي، وكان الوحي محورها الرئيسي. وقد عالجت قصة الوحي منذ النبوات الأولى؛ لتقرر وحدة الدين، ووحدة المنهج، ووحدة الطريق؛ ولتعلن القيادة الجديدة للبشرية ممثلة في رسالة محمد ﷺ وفي العصبة المؤمنة بهذه الرسالة؛ ولتكل إلى هذه العصبة أمانة القيادة إلى صراط مستقيم، صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض؛ ولتبين
стр. 4854
خصائص هذه العصبة وطابعها المميز، الذي تصلح به للقيادة، وتحمل به هذه الأمانة.
الأمانة التي تنزلت من السماء إلى الأرض عن ذلك الطريق العجيب العظيم) ..
كلمة في السياق: [حول العلاقة بين مقاطع السورة الثلاثة وعلاقة الأخير بالمحور]
إن صلة المقطع بالآية التي قبله مباشرة واضحة، فالآية التي قبله ذكرت أنواع الوحي، وهذا المقطع تحدّث عن الوحي الذي أنزل على محمد ﷺ . وصلة المقطع بالمقاطع السابقة عليه واضحة كذلك، لاحظ بدايات المقاطع الثلاثة:
كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا.
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ...
وإذا كان المقطع الأول قد تحدّث عن ظاهرة الوحي. وإذا كان المقطع الثاني قد ذكر حكمة إنزال القرآن. فإن المقطع الثالث قد ذكر بعض خصائص هذا القرآن، وهو أنه روح تحيا به القلوب والأرواح والأنفس والمجتمعات والبشرية كلها، كما ذكر هذا المقطع دليلا على كون هذا القرآن من عند الله، بكون محمد ﷺ قبل نزول هذا القرآن عليه ما كان يدري ما الكتاب ولا الإيمان، وبكون محمد ﷺ بعد هذا القرآن أصبح هاديا إلى صراط الله وهو الإسلام، وبكون هذا القرآن نفسه نورا يهدي به الله من يشاء إلى الحق الخالص الكامل.
ونلاحظ أن المقطع الأول ذكر ملك الله للسماوات والأرض، وكذلك المقطع الثاني، وكذلك المقطع الثالث صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وكأن السورة بهذا تنادي البشر المملوكين لله. أن هذا صراط ربكم ومالككم فاتبعوه. ولنر صلة المقطع الأخير بمحور السورة:
تذكّر أنه قد جاء في محور السورة قوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ .. وتذكّر أنّه قد جاء في المقطع الأخير قوله تعالى وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً وقوله تعالى: ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ ولذلك صلاته بمحور السورة، كما جاء في المقطع قوله
стр. 4855
تعالى: وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا ولذلك صلاته بقوله تعالى من مقدمة سورة البقرة هُدىً لِلْمُتَّقِينَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ.
فالصلة واضحة بين المقطع ومحور السورة في سورة البقرة. فهي تفصّل وتوضّح وتشرح ما استكنّ هناك، وكل ذلك ضمن السياق الخاصّ بها ..
قلنا من قبل إن هناك تشابها بين سورة (طه) وسورة (الشورى)، وكان ذلك من العلامات التي دلتنا على محور سورة الشورى، وكتأكيد لهذا نقول: إن من مظاهر التشابه بين السورتين ما ختمت به كل من السورتين، فسورة (طه) ختمت بقوله تعالى فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى وسورة (الشورى) ختمت بقوله تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ.
فائدة: [حول الأمور التي تجتمع في المسلم الكامل]
قال تعالى في سورة الروم وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ ومن هنا نفهم أن المسلم الكامل هو الذي اجتمع له علم صحيح وإيمان صادق. وقال تعالى في سورة الشورى: ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ دلّ ذلك على أن معرفة الكتاب، ومعرفة الإيمان، فضل من الله. ومن الجمع بين الآيتين نعلم أن المسلم مطالب بمعرفة الكتاب، وبمعرفة الإيمان، ومطالب بالعلم الواسع، وبالتحقق بالإيمان، وعلى المربين والدعاة أن يلاحظوا ذلك فيعلموا الكتاب، ويعلّموا العلوم التي تخدم فهم الكتاب، ويعلّموا الإيمان ويحققوا به، ففي ذلك صلاح النفس وفلاحها في الدنيا والآخرة.
كلمة أخيرة في سورة الشورى:
رأينا أنّ سورة الشورى تتألف من ثلاثة مقاطع متشابهة البدايات، ولو قلنا إنّ السورة تألفت من مقدمة ومقطع وخاتمة متشابهة البدايات والمعاني لم يكن ذلك بعيدا.
فكل من المقدمة والمقطع والخاتمة تحدّث عن إنزال القرآن، وتحدث عن ملك الله للسماوات والأرض، وفي ذكر هذين المعنيين في المقاطع الثلاثة إشارة إلى ارتباط الوحي
стр. 4856
بموضوع الملك، فالمالك الحق يأمر وينهى ويوجّه ويبيّن، فكيف إذا كانت مصلحة خلقه ومصلحة ملكه في ذلك، والله منزّه أن يكون له مصلحة أو غرض أو منفعة في خلقه أو في أمره.
ونلاحظ أن المقطع الأول في السورة بدئ بقوله تعالى: حم عسق* كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وأن المقطعين الآخرين بدئا بقوله تعالى: وَكَذلِكَ* مما يشير إلى أن بدايتي المقطعين الآخرين معطوفتان على بداية المقطع الأول، وذلك مظهر من مظاهر وحدة السورة.
وفي هذه الكلمة الأخيرة عن السورة نحبّ أن نذكّر ببعض معانيها:
١ - إن من حكم إنزال القرآن الكبرى الإنذار بيوم القيامة وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ ومن ثم فعلينا أن نلاحظ هذا المعنى في التعليم والوعظ والتربية؛ لأن القرآن ذكره وكأنه الحكمة الوحيدة. أقول هذا لأن الإنذار باليوم الآخر يكاد يكون معدوما في تعليم العلماء وخطب الخطباء، على حساب مواضيع أخرى لا ننكر أهميتها، ولكن يجب أن نعطي كل قضية حجمها.
٢ - إن إقامة الإسلام وعدم التفرق فيه هو القاسم المشترك بين رسالات الله ، ومن ثم فهو أهم شئ في هذا الدين، فإقامة الإسلام والتجمع عليه ينبغي أن يكون شغلنا الشاغل، والتعاون على تحقيق معنى إسلامي واجب وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ.
٣ - إنّه لا حقّ ولا عدل ولا حياة إلا بهذا الإسلام. فالإسلام وكتابه القرآن هو الصيغة الوحيدة للحق وللعدل، وبه وحده تكون حياة الإنسان الحقيقية.
٤ - إنّ الإيمان والكتاب هما اللذان عليهما مدار السير، وحول ذلك وفي ذلك ينبغي أن تبذل الجهود.
٥ - الخصائص المذكورة في السورة للجماعة المسلمة يجب أن نعطيها صيغتها العملية في حياتنا، لأنه لا جماعة للمسلمين بدونها، ولا إقامة للإسلام بدونها. هذه معان في السورة علينا أن ننتبه إليها انتباها كبيرا لتأثير ذلك على الفهم العام للمسلم، وعلى سلوكه وعلى تصوراته.
стр. 4857
ونظن أن التصور العام عن السورة في سياقها الخاص والعام، وفي صلتها بمحورها وكيفية تفصيلها لهذا المحور كل ذلك أصبح واضحا. فلننتقل إلى سورة الزخرف والله المستعان وعليه الاتكال.
***
стр. 4858
سورة الزّخرف
وهي السّورة الثالثة والأربعون بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة الثانية من المجموعة الرابعة من قسم المثاني وآياتها تسع وثمانون آية وهي مكيّة وهي السّورة الرابعة من آل (حم)
стр. 4859
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم
стр. 4860
[كلام الألوسي وصاحب الظلال في سورة الزخرف:]
قال الألوسي في سورة الزخرف: (مكية كما روي عن ابن عباس، وحكى ابن عطية إجماع أهل العلم على ذلك ولم ينقل استثناء، وقال مقاتل: إلا قوله تعالى:
وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا فإنها نزلت ببيت المقدس، كذا في مجمع البيان، وفي الإتقان: نزلت بالسماء، وقيل: بالمدينة. وعدد آيها ثمانون في الشامي وتسع وثمانون في غيره، ووجه مناسبة مفتتحها لمختتم ما قبلها ظاهر).
وقال صاحب الظلال: (تعرض هذه السورة جانبا مما كانت الدعوة الإسلامية تلاقيه من مصاعب وعقبات، ومن جدال واعتراضات. وتعرض معها كيف كان القرآن الكريم يعالجها في النفوس، وكيف تقرر- في ثنايا علاجها- حقائقه وقيمه في مكان الخرافات والوثنيات والقيم الجاهلية الزائفة، التي كانت قائمة في النفوس إذ ذاك، ولا
يزال جانب منها قائما في النفوس في كل زمان ومكان).
كلمة في سورة الزخرف ومحورها:
قلنا عن سورة يوسف إن محورها هو قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ.
وقد رأينا أن سورة يوسف بدأت بقوله تعالى: الر* تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ* إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ .... لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ ...
وختمت بقوله تعالى: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ* ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
ومن البداية والنهاية في سورة يوسف تشعر أن التفصيل انصب على معان بوجودها ينتفي الريب عن هذا القرآن، ويظهر عجز البشر عن الإتيان بسورة من مثل هذا القرآن، ومن ثم فالتفصيل للمحور كان لمعنى من معانيه، أو لإثبات معنى مرتبط به- وهو تبيان خصائص ما نزّل الله على عبده- بحيث ينتفي الريب، ويثبت الإعجاز بشكل محس لذي العقل واللب.
стр. 4861
لاحظ الصلة بين قوله وتعالى في محور سورة يوسف من سورة البقرة: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا وبين ما ذكره الله في سورة يوسف: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ* إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ .. تجد أن التفصيل مركّز على معنى مستكن في المحور.
لاحظ الآن الصلة بين قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا ..
وبين بداية سورة الزخرف حم* وَالْكِتابِ الْمُبِينِ* إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ فإنّك تلاحظ منذ الابتداء أن السورة تتحدث عن خصائص هذا القرآن المنزل على محمد ﷺ بما ينفي الريب والشك، كما تجد تشابها كاملا بين بداية سورة الزخرف وبداية سورة يوسف بما يؤكد وحدة المحور.
تتألف سورة الزخرف من مقدمة هي ثلاث آيات:
حم* وَالْكِتابِ الْمُبِينِ* إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ... ثم تأتي ثلاثة مقاطع كل مقطع مبدوء بقوله تعالى وَإِنَّهُ .. ، الأول: وَإِنَّهُ أي القرآن فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ والثاني: وَإِنَّهُ أي القرآن لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ .. الثالث وَإِنَّهُ أي القرآن- على رأي الحسن البصري وسعيد بن جبير- لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ...
إنك تجد من بدايات المقاطع هذه أنّ الكلام منصب على خصائص هذا القرآن، وتجد فيها دعوة إلى الإيمان به، والتسليم له، والعمل به، فضلا عن نفي الريب عنه، فالسورة تخدم ما خدمته سورة يوسف.
إن موضوع المحور لا يستدعي تفصيلا كبيرا. وإنما يستدعي تأكيدا لمضمونه، وتدليلا على كمال هذا القرآن وإعجازه، وتبيانا لخصائصه وظواهره. وهذا الذي نجده في سورتي يوسف والزخرف.
وإذا كانت سورة الزخرف في سياقها العام تؤدي هذه الخدمة فإن لها سياقها الخاص الذي يؤدي خدمة أخرى. فكل آية وكل مجموعة تؤدي دورها على طريق الهداية.
стр. 4862
وكل ذلك تجده في السورة على كماله وتمامه. وسنرى أثناء عرض السورة صلتها بمحورها ووحدة مضمونها.
مقدمة السورة ومقطعها الأول ويمتدان من الآية (١) إلى نهاية (٤٣) وهذان هما:
المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
٤٣/ ١ - ٣ بداية المقطع ٤٣/ ٤ - ٨ المجموعة الأولى ٤٣/ ٩ - ١٠
стр. 4863
٤٣/ ١١ - ١٤ المجموعة الثانية ٤٣/ ١٥ - ٢٣
стр. 4864
٤٣/ ٢٤ - ٣٩
стр. 4865
٤٣/ ٤٠ - ٤٣
التفسير:
حم* وَالْكِتابِ الْمُبِينِ أي: البين الواضح الجلي المعاني والألفاظ، لأنه نزل بلغة العرب التي هي أفصح اللغات؛ ولهذا قال تعالى:
إِنَّا جَعَلْناهُ أي: أنزلناه قُرْآناً عَرَبِيًّا أي: بلغة العرب فصيحا بليغا واضحا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي:
تفهمونه وتتدبرونه وتعملون به، فالعقل الشرعي: فهم صحيح لكتاب الله، وضبط للنفس عليه.
هذه هي مقدمة السورة وفيها قسم ومقسم عليه. القسم بالكتاب، والجواب في شأن الكتاب. والتناسب واضح بين القسم والمقسم عليه كالتناسب بين البيان والفصاحة والعقل. قال النسفي: (والمبين البيّن للذين أنزل عليهم، لأنه بلغتهم وأساليبهم، أو الواضح للمتدبرين، أو الذي أبان طرق الهدى من طرق الضلالة، وأبان كل ما تحتاج إليه الأمّة في أبواب الديانة).
قال الألوسي: (واستدل المعتزلة بالآية الأخيرة على أن القرآن مخلوق، وأطالوا الكلام في ذلك، وأجيب بأنه إن دل على المخلوقية فلا يدل على أكثر من مخلوقية الكلام اللفظي ولا نزاع فيها، وأنت تعلم أن الحنابلة ينازعون في ذلك ولهم عن الاستدلال أجوبة مذكورة في كتبهم).
стр. 4866
كلمة في السياق:
أقسم الله بالقرآن على أنه هو الذي جعله قرآنا عربيا من أجل أن يعقل الناس، وصلة ذلك بمحور السورة وهو وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا واضحة، فالله يقسم بالكتاب على أنه هو جاعل الكتاب على ما هو عليه من أجل أن يعقل الإنسان، فلا محلّ للريب. وبعد أن وصفه بهذه المقدمة بالإبانة والفصاحة والتسديد للعقل، يأتي المقطع الأول مبدوءا بالحديث عن القرآن. وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ.
[المقطع الأول من السورة وهو الآيات (٤ - ٤٣)]
فالمقطع إذن استمرار للمقدمة فلنره:
وَإِنَّهُ أي: القرآن فِي أُمِّ الْكِتابِ أي: في اللوح المحفوظ لَدَيْنا أي: عندنا لَعَلِيٌّ أي: ذو مكانة عظيمة وشرف وفضل. قال النسفي: أي في أعلى طبقات البلاغة، أو رفيع الشأن في الكتب لكونه معجزا من بينها حَكِيمٌ أي: ذو حكمة بالغة. قال ابن كثير: أي محكم برئ من اللبس والزيغ، وهذا كله تنبيه على شرفه وفضله. أقول: وصف القرآن بالحكمة أوسع مدى بكثير من أيّ تعبير، فكما أنّ الحكمة في هذا الكون لا يستطيع البشر الإحاطة بها، فإن هذا القرآن لا يستطيع البشر أن يحيطوا بكنه حكمته المتعددة الجوانب والظواهر والمظاهر، وإنما يدركون بعضها.
قال صاحب الظلال: (فهذا القرآن «عليّ» .. «حكيم» .. وهما صفتان تخلعان عليه ظل الحياة العاقلة، وإنه لكذلك! وكأنما فيه روح، روح ذات سمات وخصائص، تتجاوب مع الأرواح التي تلامسها. وهو في علوّه وفي حكمته يشرف على البشرية ويهديها ويقودها وفق طبيعته وخصائصه. وينشئ في مداركها وفي حياتها تلك القيم والتصورات والحقائق التي تنطبق عليها هاتان الصفتان: عليّ حكيم).
كلمة في السياق:
وصفت بداية السورة القرآن بالإبانة والفصاحة والعلو والحكمة، وفي ذلك كله تدليل على أن هذا القرآن من عند الله. فإذا أضيف لذلك أن هذا القرآن هو وحده الذي به يعقل الإنسان وبدونه لا يعقل، فذلك دليل على أن ذاتا عليا فوق الذوات كلها في العلم والإحاطة والحكمة هي التي أنزلته، وكل ذلك مما ينفي الريب عنه، ولذلك
стр. 4867
صلاته بمحور السورة، والآية التالية تزيد الأمر وضوحا:
أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ هذا يشير إلى سنة الله في الإرسال والتذكير، كما يشير إلى أنه مع كمال هذا القرآن فقد وجد إعراض عنه وريب فيه، ولهذا صلة بقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ ... فالسورة تبدأ بالحديث مع الذين يرتابون في هذا القرآن، مقيمة الحجة عليهم، مبيّنة أن الريب في القرآن سببه أمراض النفوس والقلوب، فلنر كيف سار السياق.
بعد أن بيّن الله شرف كتابه في الملأ الأعلى- كما قال ابن كثير- ليشرفه ويعظمه أهل الأرض قال تعالى: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ. أي: أفننحّي عنكم الذكر ونذوده عنكم صَفْحاً أي: إعراضا، فصار المعنى: أفنضرب عنكم إنزال القرآن وإلزام الحجة به إعراضا عنكم أَنْ أي: لأن كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ أي: مفرطين في الجهالة، مجاوزين الحد في الضلالة. والاستفهام في الآية إنكاري. قال النسفي: (إنكارا لأن يكون الأمر على خلاف ما قدّم من إنزاله الكتاب وجعله قرآنا عربيا ليعقلوه وليعملوا بمواجبه) وبعد أن ذكر ابن كثير أقوال المفسرين في الآية قال:
وقول قتادة لطيف المعنى جدا، وحاصله أنه يقول في معناه: أنه تعالى من نطفه ورحمته بخلقه لا يترك دعاءهم إلى الخير وإلى الذكر الحكيم، وهو القرآن. وإن كانوا مسرفين معرضين عنه، بل أمر به ليهتدي من قدّر هدايته، وتقوم الحجة على من كتب شقاوته،
ثم قال جل وعلا مسليا لنبيّه ﷺ في تكذيب من كذّبه من قومه، وآمرا له بالصبر عليهم: وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ أي: كثيرا من الرسل أرسلنا إلى من تقدّمك
وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي: يكذبونه ويسخرون به
فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً أي فأهلكنا من هو أشدّ بطشا من هؤلاء المسرفين المكذبين لك. وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ قال النسفي: (أي سلف في القرآن في غير موضع منه ذكر قصتهم وحالهم العجيبة التي حقّها أن تسير مسير المثل، وهذا وعد لرسول الله ووعيد لهم).
стр. 4868
كلمة في السياق:
دلّت هذه الآيات الأربع على أنّ كفّار هذه الأمّة قابلوا هذا القرآن بالاستهزاء، وعلى أنّهم كانوا مسرفين في مواقفهم وأعمالهم، وأنهم يستحقون عذاب الاستئصال، إذ يكفرون بهذا القرآن الذي جعل الله فيه من الخصائص ما لا يحيط به البشر، فهو العلي في كل شئ، وهو الحكيم في كل شئ، وهو المبين الفصيح، ومع ذلك أعرضوا. ولما كان سبب هذا الموقف من القرآن ومن الوحي ومن الرسول ﷺ عقائدهم الفاسدة التي هي أصل الفساد، والتي جاء القرآن مصحّحا لها، فإنّ السورة تبدأ مناقشتهم في هذه العقائد، وتقيم الحجة عليهم، وهو درس كبير في التربية والدعوة أن تكتشف العلّة الحقيقية للمواقف الخاطئة وتهدّمها وتحطّمها لتعالج المواقف المتفرعة عنها.
ونلاحظ فيما يأتي أن المقطع يناقش مجموعة قضايا، ومن خلال هذه المناقشة نرى كل خصائص القرآن المذكورة في بداية السورة: بيان القرآن، وفصاحته، وعلوّه، وحكمته. وسنعرض ما بقي من المقطع على مجموعات.
تفسير المجموعة الأولى من المقطع الأول
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ أي: ولئن سألت- يا محمد- هؤلاء المسرفين المستهزئين المشركين الكافرين بهذا القرآن الشاكين فيه مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ أي: ليعترفنّ بأنّ الخالق لذلك هو الله وحده لا شريك له، وهم مع هذا يعبدون معه غيره من الأصنام والأنداد. وموقف هؤلاء المشركين أقلّ سوءا من ملاحدة عصرنا الذين ينكرون وجود الخالق أصلا، مع أن ذلك يتنافى مع كل الحقائق العقلية والعلمية، كما دلّلنا على ذلك بتوسع في كتابنا (الله ﷻ ، وبعد أن ذكر الله جوابهم اعتمد هذا الجواب ثم ذكرهم بفعله بهم الذي يقتضي منهم شكرا.
وهم لا يفعلون إلا كفرا قال تعالى:
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً أي: فراشا صالحا للحياة عليه، والاطمئنان فيه وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا أي: طرقا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي: لكي تهتدوا في أسفاركم. قال ابن كثير: أي في سيركم من بلد إلى بلد، وقطر إلى قطر وإقليم إلى إقليم
وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ قال ابن كثير:
أي: بحسب الكفاية لزروعكم وثماركم وشربكم لأنفسكم ولأنعامكم. قال النسفي:
стр. 4869
أي بمقدار يسلم معه العباد وتحتاج إليه البلاد فَأَنْشَرْنا أي: فأحيينا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً أي: أرضا ميتة لا نبات فيها. ثمّ نبّه تعالى بإحياء الأرض على إحياء الأجساد يوم المعاد بعد موتها فقال كَذلِكَ تُخْرَجُونَ وبهذا قامت الحجة عليهم في شأن التوحيد، وفي شأن اليوم الآخر.
ثم قال تعالى: وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها قال ابن كثير: أي مما تنبت الأرض من سائر الأصناف من نبات وزروع وثمار وأزاهير وغير ذلك ومن الحيوانات على اختلاف أجناسها. أقول: وكذلك في عالم الذرة وغيره مما يكتشفه الإنسان شيئا فشيئا: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ أي: السفن وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ أي: ما تركبونه، قال ابن كثير عن الأنعام: أي ذللها لكم وسخّرها ويسّرها؛ لأكلكم لحومها، وشربكم ألبانها، وركوبكم ظهورها؛ ولهذا قال
لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ قال ابن كثير: لتستووا متمكّنين مرتفعين على ظهوره أي:
على ظهور هذا الجنس. قال النسفي: أي على ظهور ما تركبونه وهو الفلك والأنعام ثُمَّ تَذْكُرُوا بقلوبكم نِعْمَةَ رَبِّكُمْ أي: فيما سخّر لكم إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا بألسنتكم سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا أي: ذلّل لنا هذا المركوب وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ أي: مطيقين
وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ أي: لراجعون في المعاد قال ابن كثير: (أي لصائرون إليه بعد مماتنا وإليه سيرنا الأكبر، وهذا من باب التنبيه يسير الدنيا على سير الآخرة، كما نبّه بالزاد الدنيوي على الزاد الأخروي ..
وباللباس الدنيوي على الأخروي).
نقل: قال صاحب الظلال عند قوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً
(وحقيقة جعل هذه الأرض مهدا للإنسان يدركها كل عقل في كل جيل بصورة من الصور. والذين تلقوا هذا القرآن أول مرة ربما أدركوها في رؤية هذه الأرض تحت أقدامهم ممهدة للسير، وأمامهم ممهدة للزرع، وفي عمومها ممهدة للحياة فيها والنماء.
ونحن اليوم ندرك هذه الحقيقة في مساحة أعرض وفي صورة أعمق، بقدر ما وصل إليه علمنا عن طبيعة هذه الأرض وتاريخها البعيد والقريب- لو صحت نظرياتنا في هذا وتقديراتنا- والذين يأتون بعدنا سيدركون من تلك الحقيقة ما لم ندرك نحن، وسيظل مدلول هذا النص يتسع ويعمق، ويتكشّف عن آفاق وآماد كلما اتسعت المعرفة وتقدم العلم، وانكشفت المجاهيل لهذا الإنسان.
стр. 4870
ونحن اليوم ندرك من حقيقة جعل الأرض مهدا لهذا الجنس- يجد فيها سبله للحياة- أن هذا الكوكب مر في أطوار بعد أطوار، حتى صار مهدا لبني الإنسان. وفي خلال هذه الأطوار تغير سطحه من صخر يابس صلد إلى تربة صالحة للزرع، وتكوّن على سطحه الماء من اتحاد الإيدروجين والأكسوجين، واتأد في دورانه حول نفسه
فصار يومه بحيث يسمح باعتدال حرارته وصلاحيتها للحياة، وصارت سرعته بحيث يسمح باستقرار الأشياء والأحياء على سطحه، وعدم تناثرها وتطايرها في الفضاء.
ونعرف من هذه الحقيقة كذلك أن الله أودع هذا الكوكب من الخصائص خاصية الجاذبية، فاحتفظ عن طريقها بطبقة من الهواء تسمح بالحياة، ولو أفلت الهواء المحيط بهذا الكوكب من جاذبيته ما أمكن أن تقوم الحياة على سطحه، كما لم تقم على سطح الكواكب الأخرى التي تضاءلت جاذبيتها، فأفلت هواؤها كالقمر مثلا. وهذه الجاذبية ذاتها قد جعلها الخالق متعادلة مع عوامل الدفع الناشئ من حركة الأرض، فأمكن أن تحفظ الأشياء والأحياء من التطاير والتناثر، وفي الوقت ذاته تسمح بحركة الإنسان والأحياء على سطح الأرض، ولو زادت الجاذبية عن القدر المناسب للصقت الأشياء والأحياء بالأرض وتعذرت حركتها، أو تعسرت من ناحية، ولزاد ضغط الهواء عليها من ناحية أخرى فألصقها بالأرض إلصاقا، أو سحقها كما نسحق نحن الذباب والبعوض أحيانا بضربة تركز الضغط عليها دون أن تمسها أيدينا، ولو خف هذا الضغط عما هو عليه لا نفجر الصدر والشرايين انفجارا.
ونعرف كذلك من حقيقة جعل الأرض مهدا وتذليل السبل فيها للحياة، أن الخالق العزيز العليم قدّر فيها موافقات شتى تسمح مجتمعة بوجود هذا الإنسان وتيسير الحياة له، ولو اختلت إحدى هذه الموافقات لتعذّرت هذه الحياة أو تعسّرت، فمنها هذه الموافقات التي ذكرنا، ومنها أنّه جعل كتلة الماء الضخمة التي تكونت على سطح الأرض من المحيطات والبحار كافية لامتصاص الغازات السامّة التي تنشأ من التفاعلات الكثيرة التي تتمّ على سطحها، والاحتفاظ بجوها دائما في حالة تسمح للأحياء بالحياة، ومنها أنّه جعل من النبات أداة للموازنة بين الأكسجين الذي يستنشقه الأحياء ليعيشوا به، والأكسجين الذي يزفره النبات في أثناء عمليات التمثيل التي يقوم بها؛ ولولا هذه الموازنة لاختنق الأحياء بعد فترة من الزمان) أهـ.
следующие страницы →