← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

كلمة في السياق: أقسم الله بالقرآن على أنه هو الذي جعله قرآنا عربيا من أجل أن يعقل الناس، وصلة ذلك بمحور السورة وهو وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا واضحة، فالله يقسم بالكتاب على أنه هو جاعل الكتاب على ما هو عليه من أجل أن يعقل الإنسان، فلا محلّ للريب. وبعد أن وصفه بهذه المقدمة بالإبانة والفصاحة والتسديد للعقل، يأتي المقطع الأول مبدوءا بالحديث عن القرآن. وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ. [المقطع الأول من السورة وهو الآيات (٤ - ٤٣)] فالمقطع إذن استمرار للمقدمة فلنره: وَإِنَّهُ أي: القرآن فِي أُمِّ الْكِتابِ أي: في اللوح المحفوظ لَدَيْنا أي: عندنا لَعَلِيٌّ أي: ذو مكانة عظيمة وشرف وفضل. قال النسفي: أي في أعلى طبقات البلاغة، أو رفيع الشأن في الكتب لكونه معجزا من بينها حَكِيمٌ أي: ذو حكمة بالغة. قال ابن كثير: أي محكم برئ من اللبس والزيغ، وهذا كله تنبيه على شرفه وفضله. أقول: وصف القرآن بالحكمة أوسع مدى بكثير من أيّ تعبير، فكما أنّ الحكمة في هذا الكون لا يستطيع البشر الإحاطة بها، فإن هذا القرآن لا يستطيع البشر أن يحيطوا بكنه حكمته المتعددة الجوانب والظواهر والمظاهر، وإنما يدركون بعضها. قال صاحب الظلال: (فهذا القرآن «عليّ» .. «حكيم» .. وهما صفتان تخلعان عليه ظل الحياة العاقلة، وإنه لكذلك! وكأنما فيه روح، روح ذات سمات وخصائص، تتجاوب مع الأرواح التي تلامسها. وهو في علوّه وفي حكمته يشرف على البشرية ويهديها ويقودها وفق طبيعته وخصائصه. وينشئ في مداركها وفي حياتها تلك القيم والتصورات والحقائق التي تنطبق عليها هاتان الصفتان: عليّ حكيم). كلمة في السياق: وصفت بداية السورة القرآن بالإبانة والفصاحة والعلو والحكمة، وفي ذلك كله تدليل على أن هذا القرآن من عند الله. فإذا أضيف لذلك أن هذا القرآن هو وحده الذي به يعقل الإنسان وبدونه لا يعقل، فذلك دليل على أن ذاتا عليا فوق الذوات كلها في العلم والإحاطة والحكمة هي التي أنزلته، وكل ذلك مما ينفي الريب عنه، ولذلك

стр. 4867

صلاته بمحور السورة، والآية التالية تزيد الأمر وضوحا: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ هذا يشير إلى سنة الله في الإرسال والتذكير، كما يشير إلى أنه مع كمال هذا القرآن فقد وجد إعراض عنه وريب فيه، ولهذا صلة بقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ ... فالسورة تبدأ بالحديث مع الذين يرتابون في هذا القرآن، مقيمة الحجة عليهم، مبيّنة أن الريب في القرآن سببه أمراض النفوس والقلوب، فلنر كيف سار السياق. بعد أن بيّن الله شرف كتابه في الملأ الأعلى- كما قال ابن كثير- ليشرفه ويعظمه أهل الأرض قال تعالى: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ. أي: أفننحّي عنكم الذكر ونذوده عنكم صَفْحاً أي: إعراضا، فصار المعنى: أفنضرب عنكم إنزال القرآن وإلزام الحجة به إعراضا عنكم أَنْ أي: لأن كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ أي: مفرطين في الجهالة، مجاوزين الحد في الضلالة. والاستفهام في الآية إنكاري. قال النسفي: (إنكارا لأن يكون الأمر على خلاف ما قدّم من إنزاله الكتاب وجعله قرآنا عربيا ليعقلوه وليعملوا بمواجبه) وبعد أن ذكر ابن كثير أقوال المفسرين في الآية قال: وقول قتادة لطيف المعنى جدا، وحاصله أنه يقول في معناه: أنه تعالى من نطفه ورحمته بخلقه لا يترك دعاءهم إلى الخير وإلى الذكر الحكيم، وهو القرآن. وإن كانوا مسرفين معرضين عنه، بل أمر به ليهتدي من قدّر هدايته، وتقوم الحجة على من كتب شقاوته، ثم قال جل وعلا مسليا لنبيّه ﷺ في تكذيب من كذّبه من قومه، وآمرا له بالصبر عليهم: وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ أي: كثيرا من الرسل أرسلنا إلى من تقدّمك وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي: يكذبونه ويسخرون به فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً أي فأهلكنا من هو أشدّ بطشا من هؤلاء المسرفين المكذبين لك. وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ قال النسفي: (أي سلف في القرآن في غير موضع منه ذكر قصتهم وحالهم العجيبة التي حقّها أن تسير مسير المثل، وهذا وعد لرسول الله ووعيد لهم).

стр. 4868

كلمة في السياق: دلّت هذه الآيات الأربع على أنّ كفّار هذه الأمّة قابلوا هذا القرآن بالاستهزاء، وعلى أنّهم كانوا مسرفين في مواقفهم وأعمالهم، وأنهم يستحقون عذاب الاستئصال، إذ يكفرون بهذا القرآن الذي جعل الله فيه من الخصائص ما لا يحيط به البشر، فهو العلي في كل شئ، وهو الحكيم في كل شئ، وهو المبين الفصيح، ومع ذلك أعرضوا. ولما كان سبب هذا الموقف من القرآن ومن الوحي ومن الرسول ﷺ عقائدهم الفاسدة التي هي أصل الفساد، والتي جاء القرآن مصحّحا لها، فإنّ السورة تبدأ مناقشتهم في هذه العقائد، وتقيم الحجة عليهم، وهو درس كبير في التربية والدعوة أن تكتشف العلّة الحقيقية للمواقف الخاطئة وتهدّمها وتحطّمها لتعالج المواقف المتفرعة عنها. ونلاحظ فيما يأتي أن المقطع يناقش مجموعة قضايا، ومن خلال هذه المناقشة نرى كل خصائص القرآن المذكورة في بداية السورة: بيان القرآن، وفصاحته، وعلوّه، وحكمته. وسنعرض ما بقي من المقطع على مجموعات. تفسير المجموعة الأولى من المقطع الأول وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ أي: ولئن سألت- يا محمد- هؤلاء المسرفين المستهزئين المشركين الكافرين بهذا القرآن الشاكين فيه مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ أي: ليعترفنّ بأنّ الخالق لذلك هو الله وحده لا شريك له، وهم مع هذا يعبدون معه غيره من الأصنام والأنداد. وموقف هؤلاء المشركين أقلّ سوءا من ملاحدة عصرنا الذين ينكرون وجود الخالق أصلا، مع أن ذلك يتنافى مع كل الحقائق العقلية والعلمية، كما دلّلنا على ذلك بتوسع في كتابنا (الله ﷻ ، وبعد أن ذكر الله جوابهم اعتمد هذا الجواب ثم ذكرهم بفعله بهم الذي يقتضي منهم شكرا. وهم لا يفعلون إلا كفرا قال تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً أي: فراشا صالحا للحياة عليه، والاطمئنان فيه وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا أي: طرقا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي: لكي تهتدوا في أسفاركم. قال ابن كثير: أي في سيركم من بلد إلى بلد، وقطر إلى قطر وإقليم إلى إقليم وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ قال ابن كثير: أي: بحسب الكفاية لزروعكم وثماركم وشربكم لأنفسكم ولأنعامكم. قال النسفي:

стр. 4869

أي بمقدار يسلم معه العباد وتحتاج إليه البلاد فَأَنْشَرْنا أي: فأحيينا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً أي: أرضا ميتة لا نبات فيها. ثمّ نبّه تعالى بإحياء الأرض على إحياء الأجساد يوم المعاد بعد موتها فقال كَذلِكَ تُخْرَجُونَ وبهذا قامت الحجة عليهم في شأن التوحيد، وفي شأن اليوم الآخر. ثم قال تعالى: وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها قال ابن كثير: أي مما تنبت الأرض من سائر الأصناف من نبات وزروع وثمار وأزاهير وغير ذلك ومن الحيوانات على اختلاف أجناسها. أقول: وكذلك في عالم الذرة وغيره مما يكتشفه الإنسان شيئا فشيئا: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ أي: السفن وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ أي: ما تركبونه، قال ابن كثير عن الأنعام: أي ذللها لكم وسخّرها ويسّرها؛ لأكلكم لحومها، وشربكم ألبانها، وركوبكم ظهورها؛ ولهذا قال لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ قال ابن كثير: لتستووا متمكّنين مرتفعين على ظهوره أي: على ظهور هذا الجنس. قال النسفي: أي على ظهور ما تركبونه وهو الفلك والأنعام ثُمَّ تَذْكُرُوا بقلوبكم نِعْمَةَ رَبِّكُمْ أي: فيما سخّر لكم إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا بألسنتكم سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا أي: ذلّل لنا هذا المركوب وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ أي: مطيقين وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ أي: لراجعون في المعاد قال ابن كثير: (أي لصائرون إليه بعد مماتنا وإليه سيرنا الأكبر، وهذا من باب التنبيه يسير الدنيا على سير الآخرة، كما نبّه بالزاد الدنيوي على الزاد الأخروي .. وباللباس الدنيوي على الأخروي). نقل: قال صاحب الظلال عند قوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً (وحقيقة جعل هذه الأرض مهدا للإنسان يدركها كل عقل في كل جيل بصورة من الصور. والذين تلقوا هذا القرآن أول مرة ربما أدركوها في رؤية هذه الأرض تحت أقدامهم ممهدة للسير، وأمامهم ممهدة للزرع، وفي عمومها ممهدة للحياة فيها والنماء. ونحن اليوم ندرك هذه الحقيقة في مساحة أعرض وفي صورة أعمق، بقدر ما وصل إليه علمنا عن طبيعة هذه الأرض وتاريخها البعيد والقريب- لو صحت نظرياتنا في هذا وتقديراتنا- والذين يأتون بعدنا سيدركون من تلك الحقيقة ما لم ندرك نحن، وسيظل مدلول هذا النص يتسع ويعمق، ويتكشّف عن آفاق وآماد كلما اتسعت المعرفة وتقدم العلم، وانكشفت المجاهيل لهذا الإنسان.

стр. 4870

ونحن اليوم ندرك من حقيقة جعل الأرض مهدا لهذا الجنس- يجد فيها سبله للحياة- أن هذا الكوكب مر في أطوار بعد أطوار، حتى صار مهدا لبني الإنسان. وفي خلال هذه الأطوار تغير سطحه من صخر يابس صلد إلى تربة صالحة للزرع، وتكوّن على سطحه الماء من اتحاد الإيدروجين والأكسوجين، واتأد في دورانه حول نفسه فصار يومه بحيث يسمح باعتدال حرارته وصلاحيتها للحياة، وصارت سرعته بحيث يسمح باستقرار الأشياء والأحياء على سطحه، وعدم تناثرها وتطايرها في الفضاء. ونعرف من هذه الحقيقة كذلك أن الله أودع هذا الكوكب من الخصائص خاصية الجاذبية، فاحتفظ عن طريقها بطبقة من الهواء تسمح بالحياة، ولو أفلت الهواء المحيط بهذا الكوكب من جاذبيته ما أمكن أن تقوم الحياة على سطحه، كما لم تقم على سطح الكواكب الأخرى التي تضاءلت جاذبيتها، فأفلت هواؤها كالقمر مثلا. وهذه الجاذبية ذاتها قد جعلها الخالق متعادلة مع عوامل الدفع الناشئ من حركة الأرض، فأمكن أن تحفظ الأشياء والأحياء من التطاير والتناثر، وفي الوقت ذاته تسمح بحركة الإنسان والأحياء على سطح الأرض، ولو زادت الجاذبية عن القدر المناسب للصقت الأشياء والأحياء بالأرض وتعذرت حركتها، أو تعسرت من ناحية، ولزاد ضغط الهواء عليها من ناحية أخرى فألصقها بالأرض إلصاقا، أو سحقها كما نسحق نحن الذباب والبعوض أحيانا بضربة تركز الضغط عليها دون أن تمسها أيدينا، ولو خف هذا الضغط عما هو عليه لا نفجر الصدر والشرايين انفجارا. ونعرف كذلك من حقيقة جعل الأرض مهدا وتذليل السبل فيها للحياة، أن الخالق العزيز العليم قدّر فيها موافقات شتى تسمح مجتمعة بوجود هذا الإنسان وتيسير الحياة له، ولو اختلت إحدى هذه الموافقات لتعذّرت هذه الحياة أو تعسّرت، فمنها هذه الموافقات التي ذكرنا، ومنها أنّه جعل كتلة الماء الضخمة التي تكونت على سطح الأرض من المحيطات والبحار كافية لامتصاص الغازات السامّة التي تنشأ من التفاعلات الكثيرة التي تتمّ على سطحها، والاحتفاظ بجوها دائما في حالة تسمح للأحياء بالحياة، ومنها أنّه جعل من النبات أداة للموازنة بين الأكسجين الذي يستنشقه الأحياء ليعيشوا به، والأكسجين الذي يزفره النبات في أثناء عمليات التمثيل التي يقوم بها؛ ولولا هذه الموازنة لاختنق الأحياء بعد فترة من الزمان) أهـ.

стр. 4871

تفسير المجموعة الثانية من المقطع الأول بما مرّ أقام الله الحجّة على وجوب شكره. وبعد أن أقام الحجة على ذلك تأتي الآن فقرتان تحدثاننا عما قابلوا به هذا من الكفر وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً قال النسفي: أي قالوا: الملائكة بنات الله فجعلوهم جزءا له وبعضا منه كما يكون الولد جزءا لوالده. أقول: وهذه الآية تردّ كل مذهب يقول بجزئية المخلوقات للخالق. كأن يقول قائل: إن هذا الكون هو جزء اللذات الإلهية، أو إن الذات الإلهية تكثفت فكان هذا الكون؛ لأن هذا كله يفيد الجزئية، وهي كفر بنص هذه الآية. وهو موضوع سنتعرض له في الفوائد. إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ قال النسفي: أي لجحود للنعمة ظاهر جحوده لأن نسبة الولد إليه كفر، والكفر أصل الكفران كله. أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ قال النسفي: أي بل اتخذ، والهمزة للإنكار تجهيلا لهم وتعجيبا من شأنهم، حيث ادعوا أنه اختار لنفسه المنزلة الأدنى ولهم الأعلى. قال ابن كثير: (وهذا إنكار عليهم غاية الإنكار) ثم ذكر تمام الإنكار فقال جلّت عظمته وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا أي شبها قال النسفي: لأنه إذا جعل الملائكة جزءا له وبعضا منه فقد جعله منه جنسه ومماثلا له؛ لأن الولد لا يكون إلا من جنس الوالد ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يعني أنهم نسبوا إليه هذا الجنس، ومن حالهم أنّ أحدهم إذا قيل له: قد ولدت لك بنت اغتم واربدّ وجهه غيظا وتأسفا وهو مملوء من الكرب. قال ابن كثير: أي إذا بشر أحد هؤلاء بما جعلوه لله من البنات يأنف من ذلك غاية الأنفة، وتعلوه كآبة من سوء ما بشّر به، ويتوارى من القوم من خجله من ذلك. يقول ﵎. فكيف تأنفون أنتم من ذلك وتنسبونه إلى الله ؟ ثم قال سبحانه أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ أي: يتربّى في الزينة والنّعمة وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ أي: ليس عنده قوة إقامة الحجة كالرجل. فتحصّل من السياق أنهم قد جمعوا في كفرهم أنواعا من الكفر، وذلك أنّهم نسبوا إلى الله الولد، ونسبوا إليه ما يعتبرونه أقلّ النوعين الذكر والأنثى، فأقاموه في أنفسهم المقام الأدنى، وارتضوا له ما لا يرتضون لأنفسهم، وجعلوهم من الملائكة المكرمين، فاستخفوا بهم إذ جعلوهم إناثا، قال تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً والملائكة مخلوقات نورانية لا يوصفون بذكورة وأنوثة وخنوثة، ثمّ هم عباد لله، وكيف تجتمع العبودية لله، مع الولاد؟ قال تعالى منكرا عليهم ورادا أَشَهِدُوا

стр. 4872

خَلْقَهُمْ قال النسفي: يعني أنّهم يقولون ذلك من غير أن يستند قولهم إلى علم، فإنّ الله لم يضطرهم إلى علم ذلك، ولا تطرقوا إليه باستدلال، ولا أحاطوا به من خبر يوجب العلم، ولم يشاهدوا خلقهم حتى يخبروا عن المشاهدة سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ التي شهدوا بها على أنوثة الملائكة وبنوّتهم وَيُسْئَلُونَ عنها يوم القيامة قال ابن كثير: وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ أي لو شاء الله منا أن نترك عبادة الملائكة لحال بيننا وبين ذلك، قال ابن كثير: أي لو أراد الله لحال بيننا وبين عبادة هذه الأصنام التي هي على صور الملائكة التي هي بنات الله. ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ .. أي: بصحة ما قالوه واحتجوا به إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ أي يكذبون ويتقوّلون. وفي الفوائد كلام حول عبادة الملائكة في عصرنا. ملاحظات حول السياق: [حول صلة المجموعتين الأولى والثانية ببعضهما البعض] ١ - رأينا أن المجموعة الأولى من المقطع بدأت بقوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وأن المجموعة الثانية بدأت بقوله تعالى: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً .. وقد ذكر النسفي الصلة بين المجموعتين فقال: (أي ولئن سألتهم عن خالق السموات والأرض ليعترفنّ، وقد جعلوا له مع ذلك الاعتراف من عباده جزءا). ٢ - نلاحظ أنّه قد مرّ معنا ردّ على دعوى الكافرين أن الملائكة بنات الله في قوله تعالى: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ، ثمّ تأتي بقية الردّ فهذه آية تقول: أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ فهل الحرف (أم) هنا آت كمعادل للهمزة هناك؟ هذا أحد اتجاهين يذكرهما النسفي في الآية، وأيّا ما كان الأمر فالآية تأتي استكمالا للردّ عليهم، وخلاصة الردّ: أنّ ادّعاءهم هذا لا يقوم عليه دليل، لا من المشاهدة الحسية، ولا من الوحي السابق ثم يسير السياق في تبيان سبب ضلالتهم. أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ أي: من قبل القرآن أو من قبل قولهم هذا، أي: من قبل شركهم فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ أي: آخذون عاملون، وإذ لم يكن الأمر كذلك فليس لهم في عبادتهم غير الله برهان ولا دليل ولا حجة بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ أي: على دين، فالأمة هنا من الأم وهو القصد. قال

стр. 4873

النسفي: فالأمّة الطريقة التي تؤم أي تقصد وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ أي: آثار الآباء، أي وراءهم مُهْتَدُونَ وكذبوا فلا هداية لهم. وإنما هي دعوى منهم بلا دليل، والآية تفيد أنّه ليس لهم مستند فيما هم فيه من الشرك سوى تقليد الآباء والأجداد. قال النسفي في الآية: (أي بل لا حجة لهم يتمسكون بها لا من حيث العيان ولا من حيث العقل، ولا من حيث السمع إلا قولهم: إنا وجدنا آباءنا على أمة .. فقلّدناهم) قال تعالى وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ أي: نبيّ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها قال النسفي: أي متنعموها وهم الذين أترفتهم النعمة أي أبطرتهم فلا يحبون إلا الشهوات والملاهي ويعافون مشاقّ الدين وتكاليفه إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ قال النسفي: وهذا تسلية للنبي ﷺ وبيان أن تقليد الآباء داء قديم قالَ أي: وأنت قل أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ أي: أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ وإن جئتنا بما هو أهدى. قال ابن كثير: أي ولو علموا وتيقنوا صحة ما جئتهم به لما انقادوا لذلك؛ لسوء قصدهم ومكابرتهم للحق وأهله. قال تعالى: فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ أي: فعاقبناهم بما استحقوه على إصرارهم بأنواع من العذاب، كما فصّله ﵎ في قصصهم فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ قال ابن كثير: أي كيف بادوا وهلكوا، وكيف نجّى الله المؤمنين. وبعد أن ذكر الله أنّ علّة هؤلاء هو تقليد الآباء بغير حجة ولا دليل ولا برهان يذكر لنا- فيما يأتي- نموذجا لموقف الإنسان الكامل المتحرر من التقليد الباطل للآباء، وذلك في شخصية إبراهيم ﵇ وَإِذْ واذكر إذ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ أي: برئ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فإنني أعبده وحده فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ أي: يثبتني على الهداية وَجَعَلَها أي: وجعل إبراهيم ﵇ كلمة التوحيد كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ أي: في ذريته فلا يزال فيهم من يوحّد الله ويدعو إلى توحيده لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ قال النسفي: أي لعلّ من أشرك منهم يرجع بدعاء من وحّد منهم، والترجّي لإبراهيم.

стр. 4874

قال صاحب الظلال: [حول دور إبراهيم- ﵇ في إقرار كلمة التوحيد في الأرض] ولقد كان لإبراهيم- ﵇ أكبر قسط في إقرار هذه الكلمة في الأرض، وإبلاغها إلى الأجيال من بعده، عن طريق ذريته وعقبه. ولقد قام بها من بنيه رسل، كان منهم ثلاثة من أولي العزم: موسى وعيسى ومحمد خاتم الرسل- عليهم صلوات الله وسلامه- واليوم بعد عشرات القرون يقوم في الأرض أكثر من ألف مليون، من أتباع الديانات الكبرى يدينون بكلمة التوحيد لأبيهم إبراهيم، الذي جعل هذه الكلمة باقية في عقبه، يضل منهم عنها من يضل، ولكنها هي باقية لا تضيع، ثابتة لا تتزعزع، واضحة لا يتلبس بها الباطل لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ يرجعون إلى الذي فطرهم فيعرفوه ويعبدوه، ويرجعون إلى الحق الواحد فيدركوه ويلزموه. ولقد عرفت البشرية كلمة التوحيد قبل إبراهيم، ولكن هذه الكلمة لم تستقر في الأرض إلا من بعد إبراهيم. عرفتها على لسان نوح وهود وصالح وإدريس، وغيره من الرسل الذين لم يتصل لهم عقب يقوم على هذه الكلمة، ويعيش بها ولها. فلما عرفتها على لسان إبراهيم ﵇ ظلت متصلة في أعقابه، وقام عليها من بعده رسل متصلون لا ينقطعون، حتى كان ابنه الأخير من نسل إسماعيل، وأشبه أبنائه به: محمد ﷺ خاتم الرسل، وقائل كلمة التوحيد في صورتها الأخيرة الكاملة الشاملة، التي تجعل الحياة كلها تدور حول هذه الكلمة، وتجعل لها أثرا في كل نشاط للإنسان وكل تصور. فهذه هي قصة التوحيد منذ أبيهم إبراهيم الذي ينتسبون إليه، وهذه هي كلمة التوحيد التي جعلها إبراهيم باقية في عقبه. هذه هي تأتي إلى هذا الجيل على لسان واحد من عقب إبراهيم. فكيف يستقبلها من ينتسبون إلى إبراهيم، وملة إبراهيم. لقد بعد بهم العهد، ومتعهم الله جيلا بعد جيل، حتى طال عليهم العمر، ونسوا ملة إبراهيم ﵇، وأصبحت كلمة التوحيد فيهم غريبة منكرة، واستقبلوا صاحبها أسوأ استقبال وقاسوا الرسالة السماوية بالمقاييس الأرضية، فاختل في أيديهم كل ميزان: بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ* وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا: هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ* وَقالُوا: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (الزخرف: ٢٩ - ٣١).

стр. 4875

وبعد أن ذكر الله النّموذج الكامل للموقف الحقّ من ضلال الآباء يعود السياق ليحدّثنا عن موقف المشركين من دعوة رسول الله ﷺ وعن أسباب اغترارهم. بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ يعني أهل مكة، وهم المخاطبون الأوائل بهذا القرآن، وهم من عقب إبراهيم ﵇. أي: متّعهم الله بالمدّ في العمر والنّعمة، فاغتروا بالمهلة وشغلوا بالتنعّم واتّباع الشهوات وطاعة الشيطان عن كلمة التوحيد حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ أي: القرآن وَرَسُولٌ مُبِينٌ أي: واضح الرسالة بما معه من الآيات وهو محمد ﷺ الذي هو من نسل إبراهيم ﵇، فلا عجب أن يحمل راية التوحيد ويدعو إليها بأمر الله ووحيه، ولكنّهم بدلا من أن يرجعوا إلى الحقّ كان موقفهم وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ أي: القرآن قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ قال ابن كثير: أي كابروه وعاندوه ودفعوه بالصدور والراح كفرا وحسدا وبغيا. كلمة في السياق: وهكذا استقر السياق على موقفهم من القرآن قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ. فلنلق نظرة على ما مر معنا من السورة وعلى صلة ذلك بالمحور. بدأت السورة بقوله تعالى: حم* وَالْكِتابِ الْمُبِينِ* إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ وهكذا بينت هذه الآيات بعض خصائص القرآن، ثمّ جاء بعد ذلك ما يفهم منه ضمنا موقفهم من القرآن: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ* وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ* وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ* فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ فعرفنا ضمنا أنّهم استهزءوا بدعوة رسول الله ﷺ . وسار السياق حتى وصل إلى قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ فعرفنا صراحة أنهم كفروا بهذا القرآن، ثمّ يأتي بعد ذلك أنهم يعترضون على الله في إنزاله القرآن على محمد ﷺ ويرون أن غيره أحق بذلك منه- وهو موضوع سيأتي-. وفي وسط الآيات التي مرّت ناقش الله ما هم عليه من اعتقاد وعبادة، وأقام عليهم الحجة وذكر علّة موقفهم وهي التقليد. ثم ذكر قصة إبراهيم ﵇ في هذا السياق كنموذج على التحرر من التقليد الباطل، فأتمّ بذلك معالجة الاعتقاد الضال

стр. 4876

الذي هو أصل البلاء. وفي ذلك كله نرى كيف أن القرآن في غاية البيان والوضوح، وفي غاية الفصاحة والبلاغة. وفي غاية العلو في إقامة الحجة، وفي غاية الحكمة في معالجة الباطل وتقرير الحق. فالسورة نموذج كامل على اتصاف القرآن بالخصائص التي ذكرتها بداية السورة. ومن ثم يتقرّر أنّ هذا القرآن لا ريب فيه، وأنّه من عند الله، ومن ثم ندرك الصلة بين السورة ومحورها من سورة البقرة وهو: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا .. : فالقرآن منزل من عند الله لا شك في ذلك، والحجة قائمة، ومع ذلك يكفرون، وبدلا من أن يؤمنوا بالله والرسول والقرآن فإنهم يعترضون على الله في إنزاله القرآن، وهو المعنى الأول الذي ورد قوله تعالى: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. فلنر تتمة المقطع. وَقالُوا معترضين على الله الذي أنزل القرآن على محمد ﷺ لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ مكة والطائف عَظِيمٍ أرادوا بالعظيم من كان ذا مال وجاه، ولم يعرفوا أن العظيم من كان عند الله عظيما، قال ابن كثير: أي هل كان إنزال هذا القرآن على رجل عظيم كبير في أعينهم من القريتين؟ يعنون مكة والطائف) وبعد أن ذكر ابن كثير أسماء مرشحيهم لهذا المنصب- في زعمهم كما سنذكرها في الفوائد- قال: والظاهر أن مرادهم رجل كبير من أي البلدتين كان. قال الله تعالى وتبارك ردا عليهم أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ أي: النبوة، والاستفهام للإنكار المتلبس بالتجهيل والتعجيب من تحكمهم في اختيار من يصلح للنبوة. قال ابن كثير: أي ليس الأمر مردودا إليهم بل إلى الله ، والله أعلم حيث يجعل رسالاته. فإنه لا ينزلها إلا على أزكى الخلق قلبا ونفسا، وأشرفهم بيتا وأطهرهم أصلا. ثم قال مبيّنا أنّه قد فاوت بين خلقه فيما أعطاهم من الأموال والأرزاق والعقول والفهوم وغير ذلك من القوى الظاهرة والباطنة، فقال: نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ أي: ما يعيشون به، وهو أرزاقهم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا قال النسفي: أي لم نجعل قسمة الأدون إليهم وهو الرزق فكيف النبوة؟. أو كما فضّلت البعض على البعض في الرزق فكذا أخصّ بالنّبوة من أشاء وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ أي: جعلنا البعض أغنياء وأقوياء وأسيادا والبعض غير ذلك. وجعلنا البعض أذكياء وعقلاء، والبعض غير ذلك، وهكذا. ثمّ بين الله الحكمة في هذا التفاوت فقال

стр. 4877

لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا أي: ليسخّر بعضهم بعضا في الأعمال؛ لاحتياج هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا. وفي كتابنا (الإسلام) عند الكلام عن نظام الملكية في الإسلام تحدثنا عن حكمة ذلك في الحياة فليراجع. إنّ النّاس لو كانوا متساوين في كل شئ لتهدّمت المصالح والمنافع؛ إذ الجميع في هذه الحالة صالحون للرئاسة، والجميع صالحون للسيادة، والجميع صالحون للقيادة، فيصبح الجسم البشري مجموعة رءوس. وكيف تقوم حياة الجسم البشري بلا قلب ولا أطراف ولا خدمات. وفي الحياة الاقتصادية لا بد أن يوجد التفاوت الناشئ عن التفاوت في الخلقة: فهذا نشيط، وهذا كسلان، وهذا بصير في أمر التجارة، وهذا لا يدرك من أمورها شيئا، ولو أنك وزعت الأموال على الناس بالتساوي ثم تركتهم يعملون سنة لوجدت التفاوت قد عاد، ولو أنك أرجعت الأمر إلى المساواة لتعطّل العمل؛ إذ عند ما نأخذ من النشيط لنعطي الكسلان، يزداد الكسلان كسلا ويترك النشيط العمل، ومن ثم كانت سنة الله التفاوت، ولكن شريعته هي التي تعدّل هذا التفاوت فلا يشتط ولا يزداد بحيث تصبح رءوس الأموال بأيد قليلة، فالنظام الاقتصادي في الإسلام لا يبقي أحدا في المجتمع إلا وهو في حالة طيّبة، وبالإسلام لا تقوم في المجتمع علاقات ظالمة. كل هذا وغيره رتّبته الشريعة. ثم قال تعالى: وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ أي: النبوة، أو دين الله، وما يتبعه من الفوز في المآب خير مما يجمع هؤلاء من حطام الدنيا، وفي ذلك توجيه للمسلم ألّا تميل عينه عن الحق بسبب رفاهية الكافرين، ولا يعني هذا أنّ المجتمع الإسلامي لا يكون في حالة رفاهية، بل يعني أنه إذا وجدت الرفاهية في المجتمع الكافر فلا ينبغي أن تميل عين المسلم عن الحق من أجلها. وكذلك إذا وجد بعض المترفين في المجتمع الإسلامي. قال ابن كثير: (أي رحمة الله بخلقه خير لهم مما بأيديهم من الأموال ومتاع الحياة الدنيا) وفي هذا الذي قاله ابن كثير إشارة إلى أنّ الإنسان عليه أن يعتمد على الله ويتّكل عليه، وألّا يكون بما في يده أوثق منه ممّا في يد الله . ولمّا قلّل الله أمر الدنيا وحقّرها أردفه بما يقرّر حقارتها عنده فقال: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً قال النسفي: أي ولولا كراهة أن يجتمعوا على الكفر ويطبقوا عليه. وقال ابن كثير: أي لولا أن يعتقد كثير من الناس الجهلة أن إعطاءنا المال دليل على محبتنا لمن أعطيناه فيجتمعوا على الكفر لأجل المال لَجَعَلْنا لحقارة الدنيا عندنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ أي: سلالم ودرجا من فضة عَلَيْها

стр. 4878

يَظْهَرُونَ أي: عليها يصعدون فيعلون السطوح. وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً أي: أغلاقا على أبوابهم وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ أي: جميع ذلك يكون من فضة وَزُخْرُفاً أي وذهبا وزينة. والمعنى: ولولا أن يصبح الناس كلهم كفارا لجعلنا للكفار سقفا ومصاعد وأبوابا وسررا كلها من فضة، وجعلنا لهم زخرفا أي زينة من كل شئ. دلّ هذا على أنّ ممّا يفتن المسلم عن دينه رؤيته الكافرين في حالة اقتصادية أجود، وهذا هو الذي نراه في عصرنا؛ إذ فتن كثير من المسلمين عن الإسلام بسبب رؤيتهم مجتمعات كافرة في حالة اقتصادية جيدة، بل أصبحوا يدعون إلى هذه الأنظمة الكافرة ويتبعونها من أجل الوصول إلى ما هم عليه، وقد أخطئوا مرّتين: مرة إذ استبدلوا الحقّ بالباطل، ومرة لتصورهم أن تطبيق الإسلام لا يوصل إلى الرّفاه أو إلى التقدّم المدني. كيف والله وعد المتقين بأن يفتح عليهم بركات من السماء والأرض، وفي كتابنا (الإسلام) بيان شاف لكل ما يتعلق بهذا الموضوع، ولنا في الفوائد عودة عليه. ثم قال تعالى بعد أن بيّن حقارة الدنيا عنده حتى ليعطيها الكافرين، لولا أن يفتتن المسلمون وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ أي: وما كلّ ذلك لَمَّا أي: إلا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي: إنّما ذلك من الدنيا الفانية الزائلة الحقيرة عند الله وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ أي: وثواب الآخرة عند الله لمن اتقى الله بفعل ما أمر واجتناب ما نهى. قال ابن كثير: أي وهي لهم خاصة لا يشاركهم فيها أحد. نقول: [عن صاحب الظلال حول آية: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ] ١ - بمناسبة قوله تعالى- حكاية عن قول الكافرين-: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ قال صاحب الظلال: (والله أعلم حيث يجعل رسالته، وقد اختار لها من يعلم أنه لها أهل. ولعله- سبحانه- لم يشأ أن يجعل لهذه الرسالة سندا من خارج طبيعتها، ولا قوة من خارج حقيقتها، فاختار رجلا ميزته الكبرى .. الخلق .. وهو من طبيعة هذه الدعوة .. وسمته البارزة .. التجرد .. وهو من حقيقة هذه الدعوة .. ولم يختره زعيم قبيلة، ولا رئيس عشيرة، ولا صاحب جاه، ولا صاحب ثراء. كيلا تلتبس قيمة واحدة من قيم هذه الأرض بهذه الدعوة النازلة من السماء. ولكي لا تزدان هذه الدعوة بحلية من حلي هذه الأرض ليست من حقيقتها في شئ. ولكي لا يكون هناك مؤثر مصاحب لها خارج عن ذاتها المجردة. ولكي

стр. 4879

لا يدخلها طامع ولا يتنزه عنها متعفف). ٢ - وفي تحليل طويل لردّ الله على هؤلاء يقول صاحب الظلال: ولكن القوم الذين غلب عليهم المتاع، والذين لم يدركوا طبيعة دعوة السماء. راحوا يعترضون ذلك الاعتراض: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. فرد عليهم القرآن مستنكرا هذا الاعتراض على رحمة الله، التي يختار لها من عباده من يشاء، وعلى خلطهم بين قيم الأرض وقيم السماء، مبيّنا لهم حقيقة القيم التي يعتزون بها، ووزنها الصحيح في ميزان الله: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ؟! نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ، لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا، وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ. أهم يقسمون رحمة ربك؟ يا عجبا! وما لهم هم ورحمة ربك؟ وهم لا يملكون لأنفسهم شيئا، ولا يحققون لأنفسهم رزقا، حتى رزق هذه الأرض الزهيد نحن أعطيناهم إياه، وقسمناه بينهم وفق حكمتنا وتقديرنا لعمران هذه الأرض ونمو هذه الحياة. نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا. ورزق المعاش في الحياة الدنيا يتبع مواهب الأفراد، وظروف الحياة، وعلاقات المجتمع. وتختلف نسب التوزيع بين الأفراد والجماعات وفق تلك العوامل كلها. تختلف من بيئة لبيئة، ومن عصر لعصر، ومن مجتمع لمجتمع، وفق نظمه وارتباطاته وظروفه العامة كلها. ولكن السمة البارزة الباقية فيه، والتي لم تتخلف أبدا- حتى في المجتمعات المصطنعة المحكومة بمذاهب موجهة للإنتاج وللتوزيع- أنه متفاوت بين الأفراد. وتختلف أسباب التفاوت ما تختلف بين أنواع المجتمعات وألوان النظم. ولكن سمة التفاوت في مقادير الرزق لا تتخلف أبدا. ولم يقع يوما- حتى في المجتمعات المصطنعة المحكومة بمذاهب موجهة- أن تساوى جميع الأفراد في هذا الرزق أبدا وَرَفَعْنا

стр. 4880

بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ .. والحكمة في هذا التفاوت الملحوظ في جميع العصور، وجميع البيئات، وجميع المجتمعات .. هي: لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا .. ليسخّر بعضكم بعضا .. ودولاب الحياة حين يدور يسخّر بعض الناس لبعض حتما. وليس التسخير هو الاستعلاء .. استعلاء طبقة على طبقة، أو استعلاء فرد على فرد .. كلا! إن هذا معنى قريب ساذج، لا يرتفع إلى مستوى القول الإلهي الخالد. كلا! إن مدلول هذا القول أبقى من كل تغير أو تطور في أوضاع الجماعة البشرية، وأبعد مدى من ظرف يذهب وظرف يجئ .. إن كل البشر مسخر بعضهم لبعض. ودولاب الحياة يدور بالجميع، ويسخر بعضهم لبعض في كل وضع وفي كل ظرف. المقدر عليه في الرزق مسخر للمبسوط له في الرزق. والعكس كذلك صحيح. فهذا مسخّر ليجمع المال، فيأكل منه ويرتزق ذاك. وكلاهما مسخر للآخر سواء بسواء. والتفاوت في الرزق هو الذي سخر هذا لذاك، ويسخر ذاك لهذا في دورة الحياة .. العامل مسخر للمهندس ومسخر لصاحب العمل. والمهندس مسخر للعامل ولصاحب العمل. وصاحب العمل مسخر للمهندس وللعامل على السواء .. وكلهم مسخرون للخلافة في الأرض بهذا التفاوت في المواهب والاستعدادات، والتفاوت في الأعمال والأرزاق .. وأحسب أن كثيرين من دعاة المذاهب الموجهة يتخذون من هذه الآية موضع هجوم على الإسلام ونظمه الاجتماعية والاقتصادية. وأحسب أن بعض المسلمين يقفون يجمجمون أمام هذا النص، كأنما يدفعون عن الإسلام تهمة تقرير الفوارق في الرزق بين الناس، وتهمة تقرير أن الناس يتفاوتون في الرزق ليتخذ بعضهم بعضا سخريا!. وأحسب أنه قد آن لأهل الإسلام أن يقفوا بإسلامهم مواجهة وصراحة موقف الاستعلاء المطلق، لا موقف الدفاع أمام اتهام تافه! إن الإسلام يقرر الحقائق الخالدة المركوزة في فطرة هذا الوجود، الثابتة ثبات السماوات والأرض ونواميسها التي لا تختل ولا تتزعزع. وطبيعة هذه الحياة البشرية قائمة على أساس التفاوت في مواهب الأفراد، والتفاوت فيما يمكن أن يؤديه كل فرد من عمل، والتفاوت في مدى إتقان هذا العمل. وهذا

стр. 4881

التفاوت ضروري لتنوع الأدوار المطلوبة للخلافة في هذه الأرض. ولو كان جميع الناس نسخا مكرورة ما أمكن أن تقوم الحياة في هذه الأرض بهذه الصورة. ولبقيت أعمال كثيرة جدا لا تجد لها مقابلا من الكفايات، ولا تجد من يقوم بها- والذي خلق الحياة وأراد لها البقاء والنمو، خلق الكفايات والاستعدادات متفاوتة تفاوت الأدوار المطلوب أداؤها. وعن هذا التفاوت في الأدوار يتفاوت الرزق .. هذه هي القاعدة .. أما نسبة التفاوت في الرزق فقد تختلف من مجتمع إلى مجتمع، ومن نظام إلى نظام. ولكنها لا تنفي القاعدة الفطرية المتناسقة مع طبيعة الحياة الضرورية لنمو الحياة. ومن ثم لم يستطع أصحاب المذاهب المصطنعة المتكلفة أن يساووا بين أجر العامل وأجر المهندس، ولا بين أجر الجندي وأجر القائد. على شدة ما حاولوا أن يحققوا مذهبهم. وهزموا أمام الناموس الإلهي الذي تقرره هذه الآية من كلام الله. وهي تكشف عن سنة ثابتة من سنن الحياة. ذلك شأن الرزق والمعاش في هذه الحياة الدنيا، ووراء ذلك رحمة الله. وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ .. والله يختار لها من يشاء، ممن يعلم أنهم لها أهل. ولا علاقة بينها وبين عرض الحياة الدنيا، ولا صلة لها بقيم هذه الدنيا. فهذه القيم عند الله زهيدة زهيدة. ومن ثم يشترك فيها الأبرار والفجار، وينالها الصالحون والطالحون. بينما يختص برحمته المختارين. وإن قيم هذه الأرض لمن الزهادة والرخص بحيث لو شاء الله لأغدقها إغداقا على الكافرين به. ذلك إلا أن تكون فتنة للناس، تصدهم عن الإيمان بالله. وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ* وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ* وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ. فهكذا، لولا أن يفتتن الناس- والله أعلم بضعفهم وتأثير عرض الدنيا في قلوبهم- لجعل لمن يكفر بالرحمن- صاحب الرحمة الكبيرة العميقة- بيوتا سقفها من فضة، وسلالمها من ذهب، بيوتا ذات أبواب كثيرة. قصورا فيها سرر للاتكاء، وفيها زخرف للزينة .. رمزا لهوان هذه الفضة والذهب والزخرف والمتاع، بحيث تبذل هكذا رخيصة لمن يكفر بالرحمن!. وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا ..

стр. 4882

متاع زائل، لا يتجاوز حدود هذه الدنيا. ومتاع زهيد يليق بالحياة الدنيا. وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ .. وهؤلاء هم المكرمون عند الله بتقواهم، فهو يدخر لهم ما هو أكرم وأبقى، ويؤثرهم بما هو أقوم وأغلى، ويميزهم على من يكفر بالرحمن، ممن يبذل لهم من ذلك المتاع الرخيص ما يبذله للحيوان!. وإن عرض الحياة الدنيا الذي ضرب الله له بعض الأمثال من المال والزينة والمتاع ليفتن الكثيرين. وأشد الفتنة حين يرونه في أيدي الفجار، ويرون أيادي الأبرار منه خالية، أو يرون هؤلاء في عسر أو مشقة أو ابتلاء، وأولئك في قوة وثروة وسطوة واستعلاء. والله يعلم وقع هذه الفتنة في نفوس الناس. ولكنه يكشف لهم عن زهادة هذه القيم وهوانها عليه، ويكشف لهم كذلك عن نفاسة ما يدخره للأبرار الأتقياء عنده. والقلب المؤمن يطمئن لاختيار الله للأبرار وللفجار. وأولئك الذين كانوا يعترضون على اختيار الله لرجل لم يؤت شيئا من عرض هذه الحياة الدنيا، ويقيسون الرجال بما يملكون من رئاسة، أو بما يملكون من مال. يرون من هذه الآيات هوان هذه الأعراض وزهادتها عند الله. وأنها مبذولة لشر خلق الله وأبغضهم عند الله. فهي لا تدل على قربى منه ولا تنبئ عن رضى، ولا تشي باختيار. وهكذا يضع القرآن الأمور في نصابها، ويكشف عن سنن الله في توزيع الأرزاق في الدنيا والآخرة، ويقرر حقيقة القيم كما هي عند الله ثابتة. وذلك في صدد الرد على المعترضين على رسالة محمد ﷺ واختياره. واطراح العظماء المتسلطين!. وهكذا يرسي القواعد الأساسية والحقائق الكلية التي لا تضطرب ولا تتغير، ولا تؤثر فيها تطورات الحياة، واختلاف النظم، وتعدد المذاهب، وتنوع البيئات. فهناك سنن للحياة ثابتة، تتحرك الحياة في مجالها، ولكنها لا تخرج عن إطارها. والذين تشغلهم الظواهر المتغيرة عن تدبر الحقائق الثابتة، لا يفطنون لهذا القانون الإلهي، الذي يجمع بين الثبات والتغير في صلب الحياة وفي أطوار الحياة، ويحسبون أن التطور والتغير يتناول حقائق الأشياء كما يتناول أشكالها. ويزعمون أن التطور المستمر يمتنع معه أن تكون هناك قواعد ثابتة لأمر من الأمور، وينكرون أن يكون هناك قانون ثابت غير قانون التطور المستمر. فهذا هو القانون الوحيد الذي يؤمنون بثباته! فأما نحن- أصحاب العقيدة الإسلامية- فنرى في واقع الحياة مصداق ما يقرره الله من وجود الثبات والتغير

стр. 4883

متلازمين في كل زاوية من زوايا الكون، وفي كل جانب من جوانب الحياة. وأقرب ما بين أيدينا من هذا التلازم ثبات التفاوت في الرزق بين الناس، وتغير نسب التفاوت وأسبابه في النظم والمجتمعات .. وهذا التلازم مطرد في غير هذا المثال). كلمة في السياق: [حول الصلة بين السورة ومحورها] ١ - رأينا أن اعتراض الكافرين على الله في إنزاله القرآن على محمد ﷺ ، وعدم إنزاله على رجل عظيم ذي جاه ومال، قد جاء بعد إقامة الحجة على الكافرين في عقائدهم التي هي سبب البلاء. فكأنهم بعد إقامة الحجة عليهم اقتنعوا، ولكنهم لعدم تملك محمد ﷺ الجاه والمال لا يرونه أهلا لنزول القرآن عليه، أو لا يرونه أهلا للمتابعة. ومن ثمّ كان هذا البيان الذي رأيناه، فالله أعلم حيث يجعل رسالته. واعتراضهم على الله في اصطفائه محمدا ﷺ محض جهل، فعطاء الدنيا لإنسان لا يعني شيئا، وليس دليلا على أن صاحبها صاحب فضل عند الله. وإذ بيّن الله هذا كله- ففنّد عقائد الكافرين، وفنّد أقوالهم- فإنه فيما سيأتي سيبين عاقبة العمى عن كتابه كما سنرى. ٢ - قلنا: إن محور سورة الزخرف من سورة البقرة هو قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ والآيات المارة تشعر بأنهم عجزوا عن الإتيان بمثله، وشعروا بأن هذا القرآن من عند الله، ولكن كانوا يرون أن غير محمد ﷺ أحق به: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ لاحظ الصلة بين نَزَّلْنا في المحور وقولهم نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ وقد رد الله اعتراضهم، والملاحظ أنه في المحور قال فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ هناك وعظهم بعد إقامة الحجة، وسنرى كذلك هنا أنه سيعظهم بعد إقامة الحجة. وَمَنْ يَعْشُ قال ابن كثير: أي يتعامى ويتغافل ويعرض، وقال النسفي في معناها: ومن يتعام عن ذكره، أو يعرف أنه الحق ويتجاهل عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ أي: عن القرآن. قال ابن كثير: والعشا في العين ضعف بصرها والمراد هاهنا عشا البصيرة نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً أي: نسلطه عليه فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ أي: فهو معه في

стр. 4884

الدنيا والآخرة يحمله في الدنيا على المعاصي، ويدخل معه النار يوم القيامة. قال النسفي: وفيه إشارة إلى أنّ من داوم عليه (أي: على الذكر) لم يقرنه الشيطان وَإِنَّهُمْ أي وإن الشياطين لَيَصُدُّونَهُمْ أي: ليمنعون العاشين عَنِ السَّبِيلِ أي: عن سبيل الهدى وَيَحْسَبُونَ أي: العاشون أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ فهم ضالون ويظنون أنهم على الهدى كحال أكثر الخلق كل منهم يرى أن ما هو عليه عين الهداية وهيهات حَتَّى إِذا جاءَنا أي: هذا العاشي قالَ لقرينه الشيطان يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ أي: المشرق والمغرب، أي: يا ليت بيني وبينك بعد المشرق من المغرب، والمغرب من المشرق فَبِئْسَ الْقَرِينُ الشيطان وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ أي: صحّ ظلمكم وكفركم، وتبيّن ولم يبق لكم ولا لأحد شبهة في أنكم كنتم ظالمين، ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب، أو كونكم مشتركين في العذاب كما كان عموم البلوى يطيّب القلب في الدنيا. قال ابن كثير: أي لا يغني عنكم اجتماعكم في النار واشتراككم في العذاب الأليم. وهكذا بيّن الله عاقبة الغفلة والإعراض عن كتابه في الدنيا والآخرة. كلمة في السياق: [حول الصلة بين المقطعين الأول والثاني من السورة] قال تعالى في محور السورة من سورة البقرة: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ وقد عرضت السورة أنّ الله هو منزل هذا القرآن، وأقامت الحجة من خلال ذكر خصائص القرآن أنه لا شك فيه، ورأينا كيف عالجت السورة مواقف الكافرين من هذا القرآن، واستقر السياق على تبيان عقوبة العشا عنه في الدنيا والآخرة، والآن يتوجه الخطاب لرسول الله ﷺ الذي أنزل عليه القرآن. ويستوعب هذا الخطاب بقية المقطع الأول وبداية المقطع الثاني. أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أي: الذين فقدوا سمع القبول. أي: الذين لا يستمعون للحق استماع قبول ففي آذانهم صمم عن سماع الحق أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ أي: الذين فقدوا البصر، والمراد به بصر البصيرة، ففي قلوبهم عمى لا يرون معه الحق وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ عن الحق فلا يعرفه، ولا يعرف طريقه، ولا يهتدي إليه. قال ابن

стр. 4885

كثير: (أي: ليس ذلك إليك إنما عليك البلاغ، وليس عليك هداهم، ولكنّ الله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهو الحكم العدل» ثم قال تعالى: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ أي: نتوفينّك قبل أن ننصرك عليهم، ونشفي صدور المؤمنين منهم فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ أشدّ الانتقام في الدنيا والآخرة. قال ابن كثير: أي: لا بد أن ننتقم منهم ونعاقبهم ولو ذهبت أنت أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ من العذاب الدنيوي قبل أن نتوفاك فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ أي: قادرون. أي: نحن قادرون على هذا وهذا فَاسْتَمْسِكْ أي: فتمسّك بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ وهو القرآن واعمل به إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي: على الدين الذي لا عوج له. قال ابن كثير: (أي: خذ بالقرآن المنزل على قلبك، فإنّه هو الحق، وما يهدي إليه هو الحق، المفضي إلى صراط الله المستقيم، الموصل إلى جنات النعيم والخير الدائم المقيم). كلمة في السياق: تلاحظ أن السورة بعد أن أقامت الحجة على الكافرين في أن هذا القرآن من عند الله، وأنه لا ريب فيه، وأقامت الحجة على الكافرين في عقائدهم ومواقفهم، توجهت بالخطاب لرسول الله ﷺ ، وممّا تضمّنه الخطاب أن هؤلاء المعرضين عن كتاب الله صمّ وعمي، ويستحقون العذاب، سواء كان ذلك في حياة رسول الله ﷺ أو بعد مماته. ثم أصدر الله أمره لرسوله ﷺ بالاستمساك بهذا القرآن، وكان ذلك هو الجسر الذي يعود السياق به للحديث عن هذا القرآن، وخصائصه التي تقتضي الإيمان به، وعدم الريب، فقد رأينا أنّه بعد مقدّمة السورة جاء قوله تعالى: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ. والآن يأتي قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ. وكان الجسر الذي وصل بين نهاية المقطع السابق وبداية المقطع الجديد هو قوله تعالى: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ مما يدلّ على أن السياق الرئيسي للسورة هو الكلام عن القرآن، مما يؤكد أن محور السورة هو ما ذكرناه وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ .. والآيات الأخيرة بيّنت أن على صاحب الدعوة في كل حال أن يستمسك بالوحي الذي أنزل عليه، فالسورة تعالج الريب، وتعالج الكفر، وتوجّه صاحب الدعوة.

стр. 4886

الفوائد [حول آيات المقدمة والمقطع الأول]: ١ - [ثناء قرآني على اللغة العربية] بدأت السورة بقوله تعالى: حم* وَالْكِتابِ الْمُبِينِ* إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ فهل وصف الكتاب بالعربية تقرير لواقع؟ أو أنّ في ذلك معنى زائدا وهو وصفه بالفصاحة والبيان؟ وفي ذلك ثناء على اللغة العربية بأنها لغة الفصاحة والبيان. قال ابن كثير في معرض شرحه لكون الكتاب مبينا: لأنه نزل بلغة العرب التي هي أفصح اللغات للتخاطب بين الناس. وكلام ابن كثير هذا يشير إلى أن وصف القرآن بالعربية فيه معنى زائد على تقرير الواقع، وبالتالي فيه ثناء على هذه اللغة، ولا يدرك أحد ميزات هذه اللغة على بقية اللغات إلا بدراسة مستفيضة لفقهها وأسرارها مقارنة ببقية اللغات. ٢ - [إثبات علو شأن القرآن وحكم مس المحدث له] عند قوله تعالى: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ قال النسفي: وإن القرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ، دليله قوله بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ* فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ وسمّي (أي: اللوح المحفوظ) أم الكتاب؛ لأنّه الأصل الذي أثبتت فيه الكتب، منه تنقل وتستنسخ .. (ووصف القرآن بالعلو) أي: في أعلى طبقات البلاغة .. وقال ابن كثير: وهذا كله تنبيه على شرفه وفضله كما قال ﵎: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ* فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ* لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ* تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ وقال تعالى: كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ* فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ* فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ* مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ* بِأَيْدِي سَفَرَةٍ* كِرامٍ بَرَرَةٍ ولهذا استنبط العلماء ﵃ من هاتين الآيتين أن المحدث لا يمس المصحف، كما ورد به الحديث- إن صح- لأن الملائكة يعظمون المصاحف المشتملة على القرآن في الملإ الأعلى، فأهل الأرض بذلك أولى وأحرى، لأنه تنزيل عليهم، وخطابه متوجه إليهم، فهم أحق أن يقابلوه بالإكرام والتعظيم، والانقياد له بالقبول والتسليم، لقوله تعالى: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ. ٣ - [قصور المفسر لا يعني قصور القرآن نفسه] قلنا في كتابنا (جند الله ثقافة وأخلاقا): إن كل مفسّر للقرآن قد فسّر القرآن بثقافة عصره؛ بل بثقافته من ثقافة عصره، وبقدر قصور هذه الثقافة يقع الخطأ في التفسير، والعلة في القصور البشري وليس في القرآن علة- حاشاه وهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه- وكنموذج لما ذكرناه ننقل ما ذكره ابن كثير- على جلالة قدره وثقوب بصره- عند قوله تعالى في هذه السورة: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ

стр. 4887

الْأَرْضَ مَهْداً (مع أنها مخلوقة على تيار الماء) وهو قول ظاهر الخطأ لكنها ثقافة عصره، ولو كلّفنا الإنسان أن يحلّق فوق ثقافة عصره وهو بشر نكون قد كلفنا الإنسان فوق ما يطيقه. ومن هنا تظهر لك عظمة النص القرآني إذ تسع العصور، وتسبق اكتشافات الإنسان. ٤ - [ما وصف الله به كتابه هو عين الحق في وصفه] إن الأعلم بخصائص القرآن هو منزل هذا القرآن، ومن ثم إذا أردنا أن نأخذ تصوّرا عن خصائص القرآن فإن أقصر طريق هو أن نتتبّع ما وصف به الله كتابه، وأن نفهمها حق الفهم. من ذلك أنّ القرآن أحسن الحديث، وأنه متشابه، وأنه مثان، وأنه مفصّل، وأنّه محكم، وأنّه مبين، وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن المستقبل يخدمه ولا ينقضه ولا يبطله، وأنه عليّ، وأنه حكيم، وأنه ذكر، وأنه علم للساعة، وأنه اجتمع فيه الإحكام والتفصيل، وأنه هدى، وأنه بصائر للناس، وغير ذلك ممّا قصه الله علينا من خصائص كتابه، وفي كل خاصية من هذه الخواص نجد دليلا على أن هذا القرآن من عند الله. ٥ - [ذكر الأحاديث الواردة عند ركوب الدابة] بمناسبة قوله تعالى: لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ* وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ عقد ابن كثير فصلا تحت عنوان (ذكر الأحاديث الواردة عند ركوب الدابة) ننقل منه ما يلي: وروى الإمام أحمد عن علي بن ربيعة قال: رأيت عليّا ﵁ أتي بدابة فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فلما استوى عليها قال: الحمد لله سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ* وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ ثم حمد الله ثلاثا وكبّر ثلاثا، ثم قال: سبحانك لا إله إلا أنت قد ظلمت نفسي فاغفر لي، ثم ضحك فقلت له: مم ضحكت يا أمير المؤمنين؟ فقال علي ﵁: رأيت رسول الله ﷺ فعل مثل ما فعلت، ثم ضحك فقلت: مم ضحكت يا رسول الله: فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: «يعجب الرب ﵎ من عبده إذا قال: رب اغفر لي ويقول: علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري» وهكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي. وقال الترمذي: حسن صحيح. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كان النبي ﷺ إذا ركب راحلته كبر ثلاثا ثم قال: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ

стр. 4888

وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ ثم يقول: «اللهم إني أسألك في سفرى هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هوّن علينا السفر واطو لنا البعيد، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا» وكان صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا رجع إلى أهله قال «آئبون تائبون إن شاء الله عابدون لربنا حامدون» وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي. وروى الإمام أحمد عن أبي لاس الخزاعي قال: حملنا رسول الله ﷺ على إبل من إبل الصدقة إلى الحج فقلنا: يا رسول الله ما نرى أن تحملنا هذه فقال ﷺ : «ما من بعير إلا في ذروته شيطان، فاذكروا اسم الله عليها إذا ما ركبتموها كما آمركم ثم امتهنوها لأنفسكم فإنما يحمل الله » أبو لاس اسمه محمد بن الأسود بن خلف. (حديث آخر) في معناه روى أحمد عن أسامة بن زيد قال: أخبرني محمد بن حمزة أنه سمع أباه يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: «على ظهر كل بعير شيطان فإذا ركبتموها فسموا الله ثم لا تقصروا عن حاجاتكم»). وذكر الألوسي بمناسبة الآية: (أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن أبي مجلز قال: رأى الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما وكرّم وجههما رجلا ركب دابة فقال: سبحان الذي سخر لنا هذا، فقال: أو بذلك أمرت؟ فقال: فكيف أقول؟ قال: الحمد لله الذي هدانا للإسلام، الحمد لله الذي منّ علينا بمحمد صلّى الله تعالى عليه وسلم، الحمد لله الذي جعلني في خير أمة أخرجت للناس ثمّ تقول: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا إلى مُقْرِنِينَ ... (وظاهر النظم الجليل أن تذكر النعمة والقول المذكور لا يخصّان ركوب الأنعام بل يعمانها والفلك، وذكر بعضهم أنه يقال إذا ركبت السفينة: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها .. إلى .. رَحِيمٌ ويقال عند النزول منها «اللهم أنزلنا منزلا مباركا وأنت خير المنزلين»). ٦ - [كفر من زعم أن الكون هو تكثفات عن الروح الإلهية] هناك اتجاه لبعض غلاة الصوفية، أن هذا الكون هو تكثفات الذات الإلهية. فالذات الإلهية تكثفت فكان هذا الكون، يقولون: إن أول تكثف كان هو الذات المحمدية، ومنه خلق هذا الكون، وإنني أجزم أن هذا القول كفر بصريح القرآن، وهو قوله تعالى: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ إذ إن قولهم ذاك يجعل محمدا ﷺ هو جزء الذات الإلهية، ويجعل الكون كذلك، تعالى الله عن ذلك، ونعوذ بالله من الضلال، وإن من أفظع طرق الضلال أن يقول الإنسان القول لمجرد

стр. 4889

احتمال من احتمالات الفهم دون أن يحقق هذا القول، ويفهمه على ضوء النصوص المحكمة. وإن هذا من الجهل العريض. لقد كان الصوفية الأوائل يقولون: إنه لتقع النكتة من كلام القوم في قلبي فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل من الكتاب والسنة. ثم صار بعض الصوفية يسجلون ما يقع في قلوبهم ويحملون النصوص عليه، ولم يجعل الله لقلب عصمة إلا لقلب رسول أو نبي فليتق الله امرؤ في هذه الأمّة ولا يتكلّمن إلا بعلم وتحقيق وضمن حدود الشريعة. ٧ - [كلام النسفي حول آية وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ .. ] بمناسبة قوله تعالى: وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ قال النسفي: (أي يكذبون ومعنى الآية عندنا أنهم أرادوا بالمشيئة الرضا، وقالوا لو لم يرض بذلك لعجّل عقوبتنا أو لمنعنا عن عبادتها منع قهر واضطرار، وإذ لم يفعل ذلك فقد رضي بذلك، فردّ الله تعالى عليهم بقوله: ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ الآية، أو قالوا هذا القول استهزاء لا جدّا واعتقادا، فأكذبهم الله تعالى فيه، وجهّلهم حيث لم يقولوا عن اعتقاد كما قال مخبرا عنهم: أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ (يس: ٤٧) وهذا حق في الأصل، ولكن لما قالوا ذلك استهزاء كذّبهم الله بقوله: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (يس: ٤٧) وكذلك قال الله تعالى: قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ (المنافقون: ١) ثم قال: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (المنافقون: ١) لأنهم لم يقولوه عن اعتقاد وجعلوا المشيئة حجّة لهم فيما فعلوا باختيارهم وظنوا أن الله لا يعاقبهم على شئ فعلوه بمشيئته، وجعلوا أنفسهم معذورين في ذلك فرد الله عليهم. ٨ - [كلام ابن كثير حول آية وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ] بمناسبة قوله تعالى: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ قال ابن كثير: (أي: هلا كان إنزال القرآن على رجل عظيم كبير في أعينهم من القريتين؟ يعنون مكة والطائف. قاله ابن عباس ﵄ وعكرمة ومحمد بن كعب القرظي وقتادة والسدي وابن زيد، وقد ذكر غير واحد- منهم قتادة- أنهم أرادوا بذلك الوليد بن المغيرة، وعروة بن مسعود الثقفي، وقال مالك عن زيد بن أسلم والضحاك والسدي: يعنون الوليد بن المغيرة ومسعود بن عروة الثقفي، وعن مجاهد: يعنون عمير بن عمرو بن مسعود الثقفي، وعنه أيضا: أنهم يعنون عتبة بن ربيعة، وعن ابن عباس ﵄: جبارا من جبابرة قريش. وعنه رضي الله تعالى عنهما: أنهم يعنون الوليد بن المغيرة، وحبيب بن عمرو بن عمير الثقفي، وعن مجاهد: يعنون عتبة ابن ربيعة بمكة وابن عبديا ليل بالطائف، وقال السدي عنوا بذلك الوليد بن المغيرة،

стр. 4890

وكنانة بن عبد عمرو بن عمير الثقفي، والظاهر أن مرادهم رجل كبير من أي البلدتين كان). ٩ - [كلام ابن كثير حول آية وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا .. ] بمناسبة قوله تعالى: وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا قال ابن كثير: (أي: إنما ذلك من الدنيا الفانية الزائلة الحقيرة عند الله تعالى، أي: يعجل لهم بحسناتهم التي يعملونها في الدنيا مآكل ومشارب ليوافوا الآخرة، وليس لهم عند الله ﵎ حسنة يجزيهم بها، كما ورد به الحديث الصحيح. وورد في حديث آخر: «لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء» أسنده البغوي عن سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﵌ فذكروه، ورواه الطبراني عن سهل بن سعد عن النبي ﷺ : «لو عدلت الدنيا عند الله جناح بعوضة ما أعطى كافرا منها شيئا). ١٠ - [كلام ابن كثير حول آية وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ] بمناسبة قوله تعالى: وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ قال ابن كثير: (أي: هي لهم خاصة لا يشاركهم فيها أحد غيرهم، ولهذا لما قال عمر بن الخطاب ﵁ لرسول الله ﷺ حين صعد إليه في تلك المشربة لما آلى ﷺ من نسائه، فرآه على رمال حصير قد أثر بجنبه، فابتدرت عيناه بالبكاء وقال: يا رسول الله هذا كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت صفوة الله من خلقه، وكان رسول الله ﷺ متكئا فجلس وقال: «أو في شك أنت يا ابن الخطاب؟» ثم قال ﷺ : «أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا» وفي رواية: «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟». وفي الصحيحين أيضا وغيرهما أن رسول الله ﷺ قال: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة» وإنما خوّلهم الله تعالى في الدنيا لحقارتها، كما روى الترمذي وابن ماجه من طريق أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : «لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء أبدا» قال الترمذي: حسن صحيح). ١١ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ .. ] بمناسبة قوله تعالى: حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ قال ابن كثير: (روى عبد الرزاق عن سعيد الجريري قال: بلغنا أن الكافر إذا بعث من قبره يوم القيامة شفع بيده شيطان فلم يفارقه حتى يصيرهما الله ﵎ إلى النار فذلك حين يقول: يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ). وننبه على أن هذا أثر.

стр. 4891

قال ابن كثير: (والمراد بالمشرقين هاهنا هو ما بين المشرق والمغرب، وإنما استعمل هاهنا تغليبا كما يقال: القمران والعمران والأبوان قاله ابن جرير وغيره) أقول: إن المغرب في حقنا مشرق في حق آخرين، فالمشرق والمغرب في حقنا هو مغرب ومشرق في حق آخرين، وهذا يعني أن بعد ما بين المشرق والمغرب في حقي هو بعد ما بين المشرق في حقي والمشرق في حق الآخر الذي تطلع عليه الشمس إذا غربت من عندي، ومن ثم فالتعبير بلفظ المشرقين فيه إشارة خفية إلى ما ذكرناه، وما قاله المفسرون فهم صحيح للنص ومطابق لاصطلاح العرب في الخطاب. ١٢ - [كلام ابن كثير حول آية فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ .. ] بمناسبة قوله تعالى: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ* أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ قال ابن كثير: (أي: نحن قادرون على هذا وعلى هذا، ولم يقبض الله تعالى رسوله ﷺ حتى أقر عينه من أعدائه، وحكّمه في نواصيهم، وملكه ما تضمنته صياصيهم، هذا معنى قول السدي، واختاره ابن جرير وروى ابن جرير عن معمر قال: تلا قتادة: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ فقال: ذهب النبي ﷺ وبقيت النقمة ولم ير الله ﵎ نبيه ﷺ في أمته شيئا يكرهه حتى مضى، ولم يكن نبي قط إلا وقد رأى العقوبة في أمته إلا نبيكم ﷺ ، قال: وذكر لنا أن رسول الله ﷺ أري ما يصيب أمته من بعده فما رؤي ضاحكا منبسطا حتى قبضه الله وذكر من رواية سعيد بن أبي عروة عن قتادة نحوه، ثم روى ابن جرير عن الحسن نحو ذلك أيضا وفي الحديث: «النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون»). ولننتقل إلى المقطع الثاني. *** المقطع الثاني ويمتدّ من الآية (٤٤) إلى نهاية الآية (٦٠) وهذا هو: ٤٣/ ٤٤

стр. 4892

٤٣/ ٤٥ - ٦٠ التفسير: وَإِنَّهُ أي: القرآن لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ أي: لشرف لك ولقومك، قاله ابن

стр. 4893

عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد، واختاره ابن جرير ولم يحك سواه .. قال ابن كثير: (ومعناه أنه شرف لهم من حيث إنه أنزل بلغتهم فهم أفهم الناس له، فينبغي أن يكونوا أقوم الناس به وأعلمهم بمقتضاه. وهكذا كان خيارهم وصفوتهم من الخلّص من المهاجرين السابقين الأولين ومن شابههم وتابعهم) وقيل معناه: أي: لتذكير لك ولقومك، وتخصيصهم بالذكر لا ينفي من سواهم وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ قال ابن كثير: أي: عن هذا القرآن. وكيف كنتم في العمل به والاستجابة له، وقال النسفي: أي: وسوف تسألون عنه يوم القيامة، وعن قيامكم بحقه وعن تعظيمكم له، وعن شكركم هذه النعمة. ولنا في الفوائد عودة على هذه الآية وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ قال ابن كثير: أي: جميع الرسل دعوا إلى ما دعوت الناس إليه من عبادة الله وحده لا شريك له، ونهوا عن عبادة الأصنام والأنداد .. وقال النسفي: (ليس المراد بسؤال الرسل حقيقة السؤال ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم والفحص عن مللهم، هل جاءت عبادة الأوثان قط في ملة من ملل الأنبياء، وكفاه نظرا وفحصا نظره في كتاب الله المعجز المصدق لما بين يديه، وإخبار الله فيه بأنهم يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا، وهذه الآية في نفسها كافية لا حاجة إلى غيرها، وقيل إنه ﵊ جمع له الأنبياء ليلة الإسراء فأمّهم وقيل له: سلهم. فلم يشكّ ولم يسأل، وقيل: معناه: سل أمم من أرسلنا وهم أهل الكتابين أي: التوراة والإنجيل، وإنما يخبرونه عن كتب الرسل فإذا سألهم فكأنه سأل الأنبياء، ومعنى هذا السؤال التقريع لعبدة الأوثان أنهم على الباطل). كلمة في السياق: ١ - بدأ المقطع الثاني بهاتين الآيتين اللتين تلفتان النظر إلى بعض خصائص هذا القرآن في كونه شرفا للأمة التي نزل عليها. وفي دعوته إذ دعا إلى ما دعا إليه كل رسول، وهذا يقتضي ألا ترتاب فيه الأمة التي نزل عليها، بل تحمله حق الحمل، فكيف ترتاب فيه وقد تضمّن دعوة الرسل جميعا؟! كيف وهي ستسأل عنه يوم القيامة؟! ٢ - للمفسرين قولان في تفسير كلمة (الذكر): أنّه بمعنى الشرف، وأنه بمعنى التذكير، وفي كل من القولين ذكر خاصية من خواصه تقتضي الإيمان به وعدم الريب.

стр. 4894

فمن المحال أن يكون كتاب فيه مثل هذا التذكير بالله ورسله واليوم الآخر والحق على مثل هذا الكمال ويكون بشري المصدر. ٣ - في تفسير القوم في الآية ثلاثة أقوال. فقول أنهم «قريش» بدليل إيراد الترمذي: في هذا المقام الحديث الذي رواه البخاري عن معاوية عن رسول الله ﷺ : «إن هذا الأمر في قريش لا ينازعهم فيه أحد إلا أكبه الله على وجهه ما أقاموا الدين». وقول أنهم العرب؛ لأنهم قومه ﵊، ولسانه لسانهم. وقول أنهم الأمة أي: أمة الاستجابة. كما فسّر ذلك النسفي فقال: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ (أي: ولأمتك) أي: كل من استجاب لهذا القرآن فقد ناله الشرف العظيم عند الله، وأيّا ما كان الأمر فإن الصلة ما بين الآيتين والمحور واضحة، وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا من هذا القرآن الذي هو شرف لكم يا معشر قريش أو يا معشر العرب أو يا أيها الناس. إذ يخاطبكم الله أو الذي هو تذكير لكم بالحق كله. والذي سوف تسألون عنه والذي مضمونه الحق الذي هو دعوة الرسل جميعا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ... فالصلة واضحة بين الآيتين ومحور السورة. ٤ - يلاحظ أن الله يقص علينا بعد مقدمة المقطع الثاني من نبأ موسى وفرعون، وصلة ذلك بقوله تعالى: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا .. واضحة، فالله يقصّ علينا من نبأ هؤلاء المرسلين ليرينا أن دعوة الرسل السابقين جميعا هي دعوة هذا القرآن في التوحيد. وفي ذلك دليل من خلال المضمون على أن هذا القرآن من عند الله. وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا الكثيرة إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ من الأمراء والوزراء والقادة والأتباع والعامة فَقالَ موسى إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ أي: رسول الله إليكم، ومن السياق نفهم أنهم طالبوه بإحضار البيّنة على دعواه، وإبراز الآية؛ بدليل قوله تعالى فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ أي: يسخرون منها ويهزءون بها ويسمّونها سحرا وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها أي: أعظم من صاحبتها، أي: أعظم من التي كانت قبلها في نقض العادة، والمراد بهذا الكلام: أنهن جميعا موصوفات بالكبر وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ كالطوفان

стр. 4895

والجراد والقمل والضفادع والدم ونقص الزروع والأنفس والثمرات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عن الكفر إلى الإيمان، ومع ذلك لم يرجعوا. وَقالُوا في كل مرة سلط عليهم فيها عذاب يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ أي: بعهده عندك من أن دعوتك مستجابة، أو بعهده عندك وهو النبوة، أو بما عهد عندك من كشف العذاب عمّن اهتدى إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ أي: مؤمنون به، وفسّر ابن جرير الساحر بالعالم. قال ابن كثير: (وكان علماء زمانهم هم السحرة، ولم يكن السحر في زمانهم مذموما عندهم، فليس هذا منهم على سبيل الانتقاص منهم؛ لأن الحال حال ضرورة منهم إليه لا تناسب ذلك، وإنما هو تعظيم في زعمهم، ففي كل مرة يعدون موسى ﵇ إن كشف عنهم هذا أن يؤمنوا به ويرسلوا معه بني إسرائيل، وفي كل مرة ينكثون ما عاهدوا عليه، هذا كقوله ﵎: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ* وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ* فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (الأعراف: ١٣٣: ١٣٥). فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ أي: ينقضون العهد بالإيمان ولا يوفون به وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ أي: نادى بنفسه عظماء القبط. أو أمر مناديا فنادى، ويحتمل أنه عمّم تعميما، أو وزّع منشورا؛ إذ إن بعض أوراق البردي المكتشفة تذكر أن رعمسيس الثاني وزع منشورا- عثر على بعض نسخه- يدعو فيه إلى ألوهيته، ولكن هناك خلاف في أن رعمسيس الثاني هو فرعون موسى. قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ المتفرعة من النيل تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أي: من تحت قصري أو بين يدي، أو من تحت سيطرتي، أي: في ملكي أَفَلا تُبْصِرُونَ أفلا ترون ما أنا فيه من العظمة والملك يعني: وموسى وأتباعه فقراء ضعفاء. وقال النسفي: أي: أفلا تبصرون قوتي وضعف موسى، وغناي وفقره. وهكذا استدل الخاسر على أن الحق معه بوجود الجاه والغنى والرفاه، وهي حجة الكافرين وشبهة الضالّين وفتنة القاصرين، وقد ناقشها المقطع الأول كما رأينا مناقشة واسعة أَمْ أي: بل أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ أي ضعيف حقير وَلا يَكادُ يُبِينُ يعني: لا يكاد يفصح عن الكلام فهو عييّ فقير. ويحتمل أن

стр. 4896

يكون أم بمعنى بل وهمزة الاستفهام فيكون المعنى: بل ثبت عندكم واستقر أني أنا خير من موسى الضعيف العييّ. قال ابن كثير: وعلى كل تقدير فإنما يعني فرعون- لعنه الله- بذلك أنه خير من موسى ﵊، وقد كذب في قوله كذبا بيّنا واضحا، وسننقل في الفوائد ما قاله ابن كثير في إبطال كلام فرعون في حق موسى فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ الأسورة: هي ما يجعل في الأيدي من الحلي أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ يكتنفونه خدمة له ويشهدون بتصديقه قال ابن كثير: (نظر إلى الشكل الظاهر ولم يفهم السر المعنوي الذي هو أظهر مما نظر إليه لو كان يفهم) وقال النسفي: (أراد بإلقاء الأسورة عليه إلقاء مقاليد الملك إليه لأنهم كانوا إذا أرادوا تسويد الرجل سوّروه بسوار وطوّقوه بطوق ذهب). أقول: هذا الذي قاله النسفي يحتمل، ويحتمل أنه أراد إنزال الأسورة عليه من باب المعجزات، وإعطاء الله له الغنى والجاه العريض؛ بدليل اقتراحه إنزال الملائكة يمشون معه مقترنا بعضهم ببعض ليكونوا أعضاده وحاشيته وأنصاره وأعوانه فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ قال ابن كثير: أي: استخف عقولهم فدعاهم إلى الضلالة فاستجابوا له وقال النسفي: أي: استفزهم بالقول واستنزلهم وعمل فيهم كلامه فأطاعوه إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ أي: خارجين عن دين الله فَلَمَّا آسَفُونا أي: أغضبونا وأسخطونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ قال النسفي: ومعناه أنهم أفرطوا في المعاصي فاستوجبوا أن نعجّل لهم عذابنا وانتقامنا وألّا نحلم عنهم فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً أي: سالفين لمثل من عمل بعملهم وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ أي: عبرة لمن بعدهم. قال النسفي: (أي: وحديثا عجيب الشأن سائرا مسير المثل يضرب بهم الأمثال، ويقال مثلكم مثل قوم فرعون لِلْآخِرِينَ لمن يجئ بعدهم، ومعناه: فجعلناهم قدوة للآخرين من الكفار يقتدون بهم في استحقاق مثل عقابهم ونزوله بهم لإتيانهم بمثل أفعالهم ومثلا يحدثون به). كلمة في السياق: [حول تبيان المراد الرئيسي من الآيات وصلة بداية المقطع ببداية السورة والمحور] ١ - دلت الآيات أن مضمون دعوة رسل الله السابقين هو التوحيد، وأرتنا الآيات أنه مع كل الآيات كفر فرعون وقومه. وأنهم بذلك استحقوا العذاب، وبهذا أدّت الآيات أكثر من خدمة للسياق والمحور، فكانت نموذجا على مضمون رسالات الله،

стр. 4897

وهذا هو المراد الرئيسي في سياقها بدليل سبقها بقوله تعالى: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ. وكانت نموذجا على ما ورد في أول السورة: وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ* وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ* فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ لاحظ الصلة بين هذه الآيات وما ورد هاهنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ، فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ ثم لاحظ صلة بداية المقطع الثاني ببداية المقطع الأول: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ .. ، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ. وهكذا تجد كيف تتجسّد في السورة الخصائص التي ذكرت عن القرآن في كونه مبينا، وكونه عليا، وكونه حكيما، وكونه مذكرا. وأما صلة القصة بمحور السورة فمن أكثر من جهة: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا مع أن مضمونه هو مضمون رسالات الله، ومع ملاحظة ما أصاب المكذبين بهذه الرسالات فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ... ٢ - وبعد قصة موسى ﵇ وفرعون يأتي قوله تعالى: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ. لاحظ صلة ذلك ببداية المقطع وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ. ولاحظ صلة ذلك ببداية السورة أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ وصلة ذلك في المحور وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا .. فلنر الآيات: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا من قبل الكافرين في كونه عبد من دون الله، وذلك دليل في زعم الكافرين أنه في النار بناء على ما ورد في سورة الأنبياء أنهم وما يعبدون من دون الله حصب جهنم، فهذا عيسى يعبد من دون الله. فاستدلوا بذلك على أن القرآن ليس مستقيم العبارة وأنه .. وأنه .. وأنه .. وبنوا عليه: ما دام عيسى على رأي القرآن في النار- وليس ذلك معقولا- فآلهتهم ليست في النار، وبالتالي فالقرآن ليس صحيح المضمون. وسنرى في الفوائد عند ذكر سبب نزول هذه الآية، من الذي ضرب هذا المثل من الكافرين، وما قصة ذلك. والذي نذكره هنا هو أن المشركين بنوا على هذا

стр. 4898

الموضوع الكثير، ورتبوا عليه ضرورة الثبات على كفرهم وصدودهم عن الحق، ومن ثم قال تعالى: إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ أي: من هذا المثل يَصِدُّونَ أي: يرتفع لهم جلبة وضجيج فرحا وضحكا. أو يصدون عن الحق ويعرضون عنه. وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ قال النسفي: يعنون أن آلهتنا عندك ليست بخير من عيسى؛ فإذا كان عيسى من حصب النار كان أمر آلهتنا هينا، وأعاد ابن كثير الضمير (هو) على محمد ﷺ بمعنى أآلهتنا خير أم محمد تثبيتا لأنفسهم على الشرك، وإثارة لبعضهم بعضا على البقاء وعلى ما هم عليه ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا أي: ما ضربوا لك هذا المثل إلا لأجل الجدل والغلبة في القول، لا لطلب الميز بين الحق والباطل، قال ابن كثير: أي: مراء وهم يعلمون أنه ليس بوارد على الآية؛ لأنها لما لا يعقل، وهي قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ثم هي خطاب لقريش، وهم إنما كانوا يعبدون الأصنام والأنداد ولم يكونوا يعبدون المسيح حتى يوردوه، فتعيّن أن مقالتهم إنما كانت جدلا منهم ليسوا يعتقدون صحتها بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ أي: لداد شداد الخصومة دأبهم اللجاج إِنْ هُوَ أي: ما عيسى إِلَّا عَبْدٌ كسائر العبيد أَنْعَمْنا عَلَيْهِ بالنبوة وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ أي: وصيّرناه عيرة عجيبة كالمثل السائر لبني إسرائيل قال ابن كثير: أي دلالة وحجة وبرهانا على قدرتنا على ما نشاء. ثم قال تعالى: وَلَوْ نَشاءُ لقدرتنا على عجائب الأمور لَجَعَلْنا مِنْكُمْ أي: لبدّلنا منكم يا رجال مَلائِكَةً يخلفونكم ومن ثم قال: فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ أي: كما يخلفكم أولادكم قال النسفي: أي: كما ولّدنا عيسى من أنثى من غير فحل لتعرفوا تميّزنا بالمقدرة الباهرة فلتعلموا أن الملائكة أجسام لا تتولد إلا من أجسام، والقديم متعال عن ذلك. وهذا الذي ذكرناه في تفسير الآية. هو أحد اتجاهين ذكرهما النسفي، وعلى هذا القول فالآية تدلّل على قدرة الله، وعلى انفراده بالوحدانية، وأن الملائكة وعيسى ليسوا إلا عبيدا لله. وعلى هذا فالآية تخدم السياق الخاص للمقطع الثاني، وتخدم ما ورد في المقطع الأول من كون الملائكة عبيدا لله. وأما القول الثاني في تفسير الآية فهو: ولو نشاء لجعلنا بدلكم ملائكة في الأرض يخلف بعضهم بعضا، وفي هذا تهديد لأهل الأرض بإهلاكهم وفيه تحذير لقريش من تماديها في مثل هذا الكفر، وجرأتهم عليه. وبهذا ينتهي المقطع.

стр. 4899

كلمة في السياق العام والمقطع: ١ - لاحظنا أنّ المقطع الثاني بدأ بقوله تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ* وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ وجاءت بعد ذلك قصة موسى وفرعون كنموذج على أنّ رسالات الله كلها دعت إلى التوحيد، ثم جاءت الآيات الأخيرة تناقش فكرة خاطئة تمسّك بها المشركون للبقاء على شركهم، وتردّ عليها، وتفنّدها، وبهذا قامت الحجة في المقطع على أنّ هذا القرآن من عند الله، إن من خلال خصائصه، أو من خلال مضمونه. ٢ - نلاحظ أن المقطع الأول سار على الترتيب التالي: ا- ذكر بعض خصائص القرآن. ب- ثم ذكر سنة الله في الإرسال وموقف الخلق من الرسل. ج- ثم ناقش عقائد الكافرين. د- ثم توجّه إلى خطاب رسول الله ﷺ . ونلاحظ أن المقطع الثاني سار على نفس الترتيب تقريبا ما عدا القسم الأخير: ا- ذكر بعض خصائص القرآن. ب- ثم ذكر مضمون رسالة من رسالات الله بما يخدم سياق المقطع، وبما يكون نموذجا لما ورد في الفقرة الثانية من المقطع الأول. ج- ثم ناقش شبهة من شبه المشركين وردّها، وختمت المناقشة بما يخدم قضية عبودية الملائكة التي تحدّث عنها المقطع الأول. إذا اتضح هذا نستطيع الآن أن نقول عن صلة السورة في المحور: إنّ محور السورة هو قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ .. وقد جاء هذا المحور في حيّز قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. ومن ثم نلاحظ أن السورة تحدثت عن معرفة الله، وعمّا خلق الله للإنسان، وعن التوحيد، وعن نفي الشرك. وكل ذلك في سياق السورة الذي يخدم المحور مباشرة. وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا من هذا القرآن الذي من خصائصه

стр. 4900

البيان والعلو والحكمة والتذكير، والذي مضمونه التوحيد، وتصحيح العقائد، والذي يصدق كل رسل الله فيما بعثوا به فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ. والآن يأتي مقطع جديد تشبه بدايته بداية المقطعين السابقين على أحد أوجه تفسير الآية الأولى منه؛ ومن ثم اعتبرناه مقطعا جديدا، أما على الوجهين الآخرين اللذين سنذكرهما، فإن ما أسميناه المقطع الثالث يكون استمرارا للمقطع الثاني، وتكون السورة على هذا مؤلفة من مقدمة ومقطعين، وسنرى تفصيل هذا كله إن شاء الله تعالى. فوائد [حول آيات المقطع]: ١ - [كلام صاحب الظلال حول آية وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ] بمناسبة قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ. يقول صاحب الظلال: (ونص هذه الآية هنا يحتمل أحد مدلولين: أن هذا القرآن تذكير لك ولقومك تسألون عنه يوم القيامة، فلا حجة بعد التذكير. أو أن هذا القرآن يرفع ذكرك وذكر قومك. وهذا ما حدث فعلا. فأما الرسول ﷺ فإن مئات الملايين من الشفاه تصلي وتسلم عليه، وتذكره ذكر المحب المشتاق آناء الليل وأطراف النهار منذ قرابة ألف وأربعمائة عام. ومئات الملايين من القلوب تخفق بذكره وحبه منذ ذلك التاريخ البعيد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وأما قومه فقد جاءهم هذا القرآن والدنيا لا تحس بهم، وإن أحسّت اعتبرتهم على هامش الحياة. وهو الذي جعل لهم دورهم الأكبر في تاريخ هذه البشرية. وهو الذي واجهوا به الدنيا فعرفتهم ودانت لهم طوال الفترة التي استمسكوا فيها به. فلما أن تخلّوا عنه أنكرتهم الأرض، واستصغرتهم الدنيا؛ وقذفت بهم في ذيل القافلة هناك، بعد أن كانوا قادة الموكب المرموقين!. وإنها لتبعة ضخمة تسأل عنها الأمة التي اختارها الله لدينه، واختارها لقيادة القافلة البشرية الشاردة، إذا هي تخلّت عن الأمانة: وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ .. ). أقول: في هذه الآية تذكير للعرب الذين هم الآن أكثر شعوب المسلمين تركا

стр. 4901

للإسلام وهجرا له. وجرأة عليه وعلى أهله. مع أنّه شرفهم ولولاه لم يشرفوا. وبدونه لا يبقى لهم شئ إلا الاحتقار والازدراء من قبل الشعوب، والعذاب والحساب في الآخرة، والتسليط عليهم في الدنيا، ومع كثرة الباحثين عن المجد للعرب بغير الإسلام، والمدّعين بأنّهم راغبون في إعادة مجدهم بطرق غير إسلامية. فإن العرب يزدادون ذلة. وصدق عمر بن الخطاب: «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغير ما أعزنا به الله أذلنا الله». ٢ - [كلام صاحب الظلال حول آية فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ .. ] بمناسبة قوله تعالى: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ .. قال صاحب الظلال: (واستخفاف الطغاة للجماهير أمر لا غرابة فيه؛ فهم يعزلون الجماهير أولا عن كل سبل المعرفة، ويحجبون عنهم الحقائق حتى ينسوها، ولا يعودوا يبحثون عنها، ويلقون في روعهم ما يشاءون من المؤثرات حتى تنطبع نفوسهم بهذه المؤثرات المصطنعة. ومن ثم يسهل استخفافهم بعد ذلك، ويلين قيادهم، فيذهبون بهم ذات اليمين وذات الشمال مطمئنين. ولا يملك الطاغية أن يفعل بالجماهير هذه الفعلة إلا وهم فاسقون لا يستقيمون على طريق، ولا يمسكون بحبل الله، ولا يزنون بميزان الإيمان، فأما المؤمنون فيصعب خداعهم واستخفافهم واللعب بهم كالريشة في مهب الريح. ومن هنا يعلل القرآن استجابة الجماهير لفرعون فيقول: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ .. ). ٣ - [كلام ابن كثير حول آية فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ .. ] بمناسبة قوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ قال ابن كثير: (قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: آسفونا: أسخطونا، وقال الضحاك عنه: أغضبونا، وهكذا قال ابن عباس أيضا ومجاهد وعكرمة وسعيد بن حبير ومحمد بن كعب القرظي وقتادة والسدي وغيرهم من المفسرين وروى ابن أبي حاتم عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيت الله ﵎ يعطي العبد ما يشاء وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك استدراج منه له» ثم تلا ﷺ قوله سبحانه: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ وعن أبي طارق بن شهاب قال: كنت عند عبد الله رضي عنه فذكر عنده موت الفجأة فقال: تخفيف على المؤمن، وحسرة على الكافر ثم قرأ ﵁ فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ وقال عمر بن عبد العزيز ﵁ وجدت النقمة مع الغفلة يعني: قوله

стр. 4902

تبارك وتعالى فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ.). ٤ - [كلام ابن كثير حول آية وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا .. ] وبمناسبة قوله تعالى: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ قال ابن كثير: (وكأن السبب في ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق في السيرة حيث قال: وجلس رسول الله ﷺ فيما بلغني يوما مع الوليد بن المغيرة في المسجد فجاء النضر ابن الحارث حتى جلس معهم، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله ﷺ فعرض له النضر بن الحارث، فكلّمه رسول الله ﷺ حتى أفحمه ثم تلا عليه وعليهم: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (الآيات من سورة الأنبياء): ثم قام رسول الله ﷺ وأقبل عبد الله بن الزبعرى التميمي حتى جلس فقال الوليد بن المغيرة له: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب وما قعد، وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال عبد الله بن الزبعرى: أما والله لو وجدته لخصمته، سلوا محمدا أكل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده، فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرا، والنصارى تعبد المسيح ابن مريم. فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعرى، ورأوا أنه قد احتج وخاصم فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، فإنهم إنما يعبدون الشيطان ومن أمرهم بعبادته» فأنزل الله إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (الأنبياء: ١٠١) أي: عيسى وعزير ومن عبد معهما من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله فاتخذهم من بعدهم من أهل الضلالة أربابا من دون الله، ونزل فيما يذكر من أنهم يعبدون الملائكة وأنهم بنات الله وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ الآيات (الأنبياء: ٢٦) ونزل فيما يذكر من أمر عيسى ﵊، وأنه يعبد من دون الله، وعجب الوليد ومن حضره من حجته وخصومته وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ أي: يصدون عن أمرك بذلك من قوله). المقطع الثالث ويمتد من الآية (٦١) إلى نهاية الآية (٨٩) أي: إلى نهاية السورة وهذا هو: ٤٣/ ٦١

стр. 4903

٤٣/ ٦٢ - ٨١

стр. 4904

٤٣/ ٨٢ - ٨٩ التفسير: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ الضمير في وَإِنَّهُ مختلف فيه. فالحسن البصري وسعيد ابن جبير أعاداه على القرآن، وابن إسحاق يرى أنه يعود على عيسى، ولكن من حيث إنه قد وجد فأحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص، وغير ذلك من الأسقام. وقد استبعد ابن كثير هذين الاتجاهين ورجّح أن الضمير في عيسى ﵇، وأن المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة. قال ابن كثير: ويؤيد هذا المعنى القراءة الأخرى وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ أي: أمارة ودليل على وقوع الساعة. قال مجاهد وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ أي: آية للساعة خروج عيسى بن مريم ﵇ قبل يوم القيامة، وهكذا روي عن أبي هريرة وابن عباس وأبي العالية وأبي مالك وعكرمة والحسن وقتادة والضّحاك وغيرهم، وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه أخبر بنزول عيسى ﵇ قبل يوم القيامة إماما عادلا وحكما مقسطا فَلا تَمْتَرُنَّ بِها أي: فلا تشكّن بها، أو لا تشكّوا فيها، إنها واقعة وكائنة لا محالة وَاتَّبِعُونِ قال النسفي: أي: واتبعوا هداي وشرعي، أو رسولي، أو هو أمر لرسول الله ﷺ أن يقوله، وعلى هذا فالقائل إما الله ، وإما رسول الله ﷺ بأمر الله. هذا صِراطٌ

стр. 4905

مُسْتَقِيمٌ أي: هذا الذي أدعوكم إليه صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ لا عوج فيه: لا في العقائد، ولا في العبادات، ولا في الشرائع، ولا في الشعائر، ولا في غير ذلك وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ أي: عن الإيمان بالساعة، أو اتباع الحق إِنَّهُ أي: الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ أي: ظاهر العداوة وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ أي: بالمعجزات البيّنات الواضحات قالَ عيسى قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ أي: بالإنجيل أو بالنبوة وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ قال ابن جرير: يعني من الأمور الدينية لا الدنيوية. قال ابن كثير: وهذا الذي قاله حسن جيد. فَاتَّقُوا اللَّهَ أي: فيما أمركم به وَأَطِيعُونِ فيما جئتكم به إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ هذا تمام كلام عيسى ﵇ أي: أنا وأنتم عبيد له، فقراء إليه، مشتركون في عبادته وحده لا شريك له. فاعبدوه وحده، هذا صراط مستقيم. أي: عبادة الله وحده هي الصراط المستقيم فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ أي: من بين النّصارى. قال ابن كثير: (أي: اختلفت الفرق وصاروا شيعا فيه، منهم من يقرّ بأنه عبد الله ورسوله وهو الحق، ومنهم من يدّعي أنّه ولد الله، ومنهم من يقول إنه الله، تعالى عن قولهم علوا كبيرا) ولهذا قال تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ وهو يوم القيامة. كلمة في السياق: ١ - [ترجيح أن الضمير في آية وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ يعود على القرآن] رأينا أن أكثر المفسرين على أن الضمير في قوله تعالى وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ في المسيح ﵇، ورأينا أن هناك اثنين من كبار العلماء قالا: إن الضمير يعود على القرآن، ولا شك أنّ القرآن فيه علم الساعة، فقد تحدّث عن الساعة حديثا عجيبا، وعلى القراءة الثانية فإن نزوله كذلك علم على الساعة أي: أمارة من أماراتها. كيف والرسول ﷺ من علامات الساعة كما سنرى في سورة محمد ﷺ فعلى كلا القراءتين يمكن حمل الآية على القرآن، بل على القراءة الأولى وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ الأولى أن نحمله على القرآن؛ لأن القرآن فيه علم الساعة حقا، ثم إن الخطاب توجّه بعد ذلك لهذه الأمة. فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ* وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ فالأليق إذن أن يكون الحديث عن القرآن. أما أن السياق في المسيح ﵇ فهذه قضية فيها نظر؛ لأن الآية السابقة مباشرة على هذه الآية كانت حديثا عن
следующие страницы →