← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

للإسلام وهجرا له. وجرأة عليه وعلى أهله. مع أنّه شرفهم ولولاه لم يشرفوا. وبدونه لا يبقى لهم شئ إلا الاحتقار والازدراء من قبل الشعوب، والعذاب والحساب في الآخرة، والتسليط عليهم في الدنيا، ومع كثرة الباحثين عن المجد للعرب بغير الإسلام، والمدّعين بأنّهم راغبون في إعادة مجدهم بطرق غير إسلامية. فإن العرب يزدادون ذلة. وصدق عمر بن الخطاب: «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغير ما أعزنا به الله أذلنا الله». ٢ - [كلام صاحب الظلال حول آية فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ .. ] بمناسبة قوله تعالى: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ .. قال صاحب الظلال: (واستخفاف الطغاة للجماهير أمر لا غرابة فيه؛ فهم يعزلون الجماهير أولا عن كل سبل المعرفة، ويحجبون عنهم الحقائق حتى ينسوها، ولا يعودوا يبحثون عنها، ويلقون في روعهم ما يشاءون من المؤثرات حتى تنطبع نفوسهم بهذه المؤثرات المصطنعة. ومن ثم يسهل استخفافهم بعد ذلك، ويلين قيادهم، فيذهبون بهم ذات اليمين وذات الشمال مطمئنين. ولا يملك الطاغية أن يفعل بالجماهير هذه الفعلة إلا وهم فاسقون لا يستقيمون على طريق، ولا يمسكون بحبل الله، ولا يزنون بميزان الإيمان، فأما المؤمنون فيصعب خداعهم واستخفافهم واللعب بهم كالريشة في مهب الريح. ومن هنا يعلل القرآن استجابة الجماهير لفرعون فيقول: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ .. ). ٣ - [كلام ابن كثير حول آية فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ .. ] بمناسبة قوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ قال ابن كثير: (قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: آسفونا: أسخطونا، وقال الضحاك عنه: أغضبونا، وهكذا قال ابن عباس أيضا ومجاهد وعكرمة وسعيد بن حبير ومحمد بن كعب القرظي وقتادة والسدي وغيرهم من المفسرين وروى ابن أبي حاتم عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيت الله ﵎ يعطي العبد ما يشاء وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك استدراج منه له» ثم تلا ﷺ قوله سبحانه: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ وعن أبي طارق بن شهاب قال: كنت عند عبد الله رضي عنه فذكر عنده موت الفجأة فقال: تخفيف على المؤمن، وحسرة على الكافر ثم قرأ ﵁ فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ وقال عمر بن عبد العزيز ﵁ وجدت النقمة مع الغفلة يعني: قوله

стр. 4902

تبارك وتعالى فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ.). ٤ - [كلام ابن كثير حول آية وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا .. ] وبمناسبة قوله تعالى: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ قال ابن كثير: (وكأن السبب في ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق في السيرة حيث قال: وجلس رسول الله ﷺ فيما بلغني يوما مع الوليد بن المغيرة في المسجد فجاء النضر ابن الحارث حتى جلس معهم، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله ﷺ فعرض له النضر بن الحارث، فكلّمه رسول الله ﷺ حتى أفحمه ثم تلا عليه وعليهم: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (الآيات من سورة الأنبياء): ثم قام رسول الله ﷺ وأقبل عبد الله بن الزبعرى التميمي حتى جلس فقال الوليد بن المغيرة له: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب وما قعد، وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال عبد الله بن الزبعرى: أما والله لو وجدته لخصمته، سلوا محمدا أكل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده، فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرا، والنصارى تعبد المسيح ابن مريم. فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعرى، ورأوا أنه قد احتج وخاصم فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، فإنهم إنما يعبدون الشيطان ومن أمرهم بعبادته» فأنزل الله إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (الأنبياء: ١٠١) أي: عيسى وعزير ومن عبد معهما من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله فاتخذهم من بعدهم من أهل الضلالة أربابا من دون الله، ونزل فيما يذكر من أنهم يعبدون الملائكة وأنهم بنات الله وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ الآيات (الأنبياء: ٢٦) ونزل فيما يذكر من أمر عيسى ﵊، وأنه يعبد من دون الله، وعجب الوليد ومن حضره من حجته وخصومته وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ أي: يصدون عن أمرك بذلك من قوله). المقطع الثالث ويمتد من الآية (٦١) إلى نهاية الآية (٨٩) أي: إلى نهاية السورة وهذا هو: ٤٣/ ٦١

стр. 4903

٤٣/ ٦٢ - ٨١

стр. 4904

٤٣/ ٨٢ - ٨٩ التفسير: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ الضمير في وَإِنَّهُ مختلف فيه. فالحسن البصري وسعيد ابن جبير أعاداه على القرآن، وابن إسحاق يرى أنه يعود على عيسى، ولكن من حيث إنه قد وجد فأحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص، وغير ذلك من الأسقام. وقد استبعد ابن كثير هذين الاتجاهين ورجّح أن الضمير في عيسى ﵇، وأن المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة. قال ابن كثير: ويؤيد هذا المعنى القراءة الأخرى وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ أي: أمارة ودليل على وقوع الساعة. قال مجاهد وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ أي: آية للساعة خروج عيسى بن مريم ﵇ قبل يوم القيامة، وهكذا روي عن أبي هريرة وابن عباس وأبي العالية وأبي مالك وعكرمة والحسن وقتادة والضّحاك وغيرهم، وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه أخبر بنزول عيسى ﵇ قبل يوم القيامة إماما عادلا وحكما مقسطا فَلا تَمْتَرُنَّ بِها أي: فلا تشكّن بها، أو لا تشكّوا فيها، إنها واقعة وكائنة لا محالة وَاتَّبِعُونِ قال النسفي: أي: واتبعوا هداي وشرعي، أو رسولي، أو هو أمر لرسول الله ﷺ أن يقوله، وعلى هذا فالقائل إما الله ، وإما رسول الله ﷺ بأمر الله. هذا صِراطٌ

стр. 4905

مُسْتَقِيمٌ أي: هذا الذي أدعوكم إليه صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ لا عوج فيه: لا في العقائد، ولا في العبادات، ولا في الشرائع، ولا في الشعائر، ولا في غير ذلك وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ أي: عن الإيمان بالساعة، أو اتباع الحق إِنَّهُ أي: الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ أي: ظاهر العداوة وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ أي: بالمعجزات البيّنات الواضحات قالَ عيسى قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ أي: بالإنجيل أو بالنبوة وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ قال ابن جرير: يعني من الأمور الدينية لا الدنيوية. قال ابن كثير: وهذا الذي قاله حسن جيد. فَاتَّقُوا اللَّهَ أي: فيما أمركم به وَأَطِيعُونِ فيما جئتكم به إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ هذا تمام كلام عيسى ﵇ أي: أنا وأنتم عبيد له، فقراء إليه، مشتركون في عبادته وحده لا شريك له. فاعبدوه وحده، هذا صراط مستقيم. أي: عبادة الله وحده هي الصراط المستقيم فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ أي: من بين النّصارى. قال ابن كثير: (أي: اختلفت الفرق وصاروا شيعا فيه، منهم من يقرّ بأنه عبد الله ورسوله وهو الحق، ومنهم من يدّعي أنّه ولد الله، ومنهم من يقول إنه الله، تعالى عن قولهم علوا كبيرا) ولهذا قال تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ وهو يوم القيامة. كلمة في السياق: ١ - [ترجيح أن الضمير في آية وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ يعود على القرآن] رأينا أن أكثر المفسرين على أن الضمير في قوله تعالى وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ في المسيح ﵇، ورأينا أن هناك اثنين من كبار العلماء قالا: إن الضمير يعود على القرآن، ولا شك أنّ القرآن فيه علم الساعة، فقد تحدّث عن الساعة حديثا عجيبا، وعلى القراءة الثانية فإن نزوله كذلك علم على الساعة أي: أمارة من أماراتها. كيف والرسول ﷺ من علامات الساعة كما سنرى في سورة محمد ﷺ فعلى كلا القراءتين يمكن حمل الآية على القرآن، بل على القراءة الأولى وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ الأولى أن نحمله على القرآن؛ لأن القرآن فيه علم الساعة حقا، ثم إن الخطاب توجّه بعد ذلك لهذه الأمة. فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ* وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ فالأليق إذن أن يكون الحديث عن القرآن. أما أن السياق في المسيح ﵇ فهذه قضية فيها نظر؛ لأن الآية السابقة مباشرة على هذه الآية كانت حديثا عن

стр. 4906

الملائكة وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ والحديث قبل ذلك عن المسيح كان في معرض الردّ على شبهة للكافرين نشأت بسبب فهم خاطئ لآية قرآنية، ومن ثم فإننا نرجّح رأي الحسن البصري وسعيد بن جبير في أن الضمير يعود للقرآن فيكون سياق السورة على الشكل التالى: بدأت السورة بمقدمة، ثم بحديث عن القرآن: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ .. ثمّ انتهى مقطع وجاء مقطع مبتدئا بالحديث عن القرآن: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ... ثم انتهى مقطع وجاء مقطع مبتدئا بالحديث عن القرآن: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ... فالمقطع الأول بدأ بذكر خاصيتين للقرآن: العلو، والحكمة. والمقطع الثاني بدأ بذكر خاصية للقرآن وهي التذكير. والمقطع الثالث بدأ بذكر خاصية للقرآن وهي كونه علما للساعة، ومن تأمل القرآن ورأى فيه الكلام الكثير عن الساعة، ودقائق ما يكون فيها وقبلها وبعدها. والتدليل عليها أيقن أن هذا القرآن من عند الله بلا شك ولا ريب. والآن فلنر سياق المقطع الثالث بعد أن رجحنا أن بدايته ما ذكرناه. [٢، ٣ - توضيح الصلة بين المقطع الثالث والمقطع الثاني] ٢ - بدأ المقطع بذكر أن القرآن علم للساعة أي بذكر خاصية من خواص القرآن، ثم نهى عن الشك في الساعة، وأمر باتباع القرآن، ونهى أن يصدهم الشيطان عن هذا الاتّباع، وجعل اتّباع القرآن هو الصراط المستقيم. ثم بين أن الأمر بالاتباع والطاعة والعبادة هو دعوة عيسى ﵇، وهو الصراط المستقيم. فالكلام عن عيسى ﵇ بيان لكون دعوة القرآن هي دعوة الرسل جميعا؛ فكما أن المقطع الثاني ذكر خاصية من خواص القرآن فكذلك المقطع الثالث. وكما أن المقطع الثاني ذكر نموذجا على كون دعوة الرسل واحدة بالكلام عن موسى ﵇. فإن المقطع الثالث ثنّى بذكر نموذج على كون دعوة الرسل واحدة في الكلام عن عيسى ﵇، وكما ذكر المقطع الثاني أن فرعون وقومه لم يقبلوا دعوة الله فعوقبوا بيّن المقطع الثالث أن قوم عيسى اختلفوا فاستحقوا العقاب.

стр. 4907

٣ - نلاحظ أن الانتقال من المقطع الثاني إلى الثالث كان في غاية الربط إلى درجة أن أكثر المفسرين اعتبروا أن بداية المقطع الثالث كانت استمرارا لنهاية المقطع الثاني. ٤ - [إبراز التشابه بين سورتي يوسف والزخرف] نلاحظ أن المقطع الأول بدأ بقوله تعالى: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ثمّ جاءت تتمة المقطع الأول فكانت نموذجا على علو القرآن وحكمته. ونلاحظ أن المقطع الثاني بدأ بقوله تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وكان في المقطع تذكير. فهو نموذج على كون القرآن ذكرا، ونلاحظ أن المقطع الثالث بدأ بقوله تعالى: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ونلاحظ أن الحديث عن الساعة يستغرق أكثره، ومن ثم يأتي بعد الآيات السابقة مباشرة قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ولو تذكرنا سورة يوسف فإننا نجد أن في خاتمتها هذه الآية أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ مما يشير إلى التشابه بين السورتين ويؤكد على وحدة محوريهما بالتالي، فلنمض في التفسير .. هَلْ يَنْظُرُونَ أي: هؤلاء المشركون المكذبون للرسل إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً أي: فجأة أي: هل ينظرون إلا إتيان الساعة فجأة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أي: وهم غافلون لاشتغالهم بأمور دنياهم قال ابن كثير: أي: فإنها كائنة لا محالة وواقعة، وهؤلاء غافلون عنها غير مستعدين، فإذا جاءت إنما تجئ وهم لا يشعرون بها، فحينئذ يندمون كل الندم حيث لا ينفعهم ولا يدفع عنهم الْأَخِلَّاءُ أي: الأصحاب والأصدقاء والرفقاء والمتعاشرون يَوْمَئِذٍ أي: يوم القيامة بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ أي: المؤمنين. قال النسفي: أي: تتقطّع في ذلك اليوم كل خلة بين المتخالّين في غير ذات الله، وتنقلب عداوة ومقتا إلا خلة المتصادقين في الله، فإنها الخلة الباقية يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ هذه الآية حكاية لما ينادى به المتقون المتحابون في الله يومئذ الَّذِينَ آمَنُوا أي: صدّقوا بِآياتِنا أي: القرآن وَكانُوا مُسْلِمِينَ لله أي: منقادين له. كلمة في السياق: في هذه الآيات وما بعدها يعطينا الله صورة عن الساعة، وعما يكون فيها، وصلة

стр. 4908

ذلك بسياق المقطع واضحة. فلنر الآن صلة ما مرّ كله وما يمرّ بمحور السورة: إنّ الربط بين السورة ومحورها- والله أعلم- على الشكل التالي: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا من هذا القرآن الذي لا شكّ فيه لأنه مبين وعليّ وحكيم وذكر وعلم للساعة. فإن كنتم في ريب منه بعد هذا كله فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ* وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ .. وهذا السياق يحدّثنا أن المتقين وحدهم هم الذين لا يعادي بعضهم بعضا يوم القيامة. وهم الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وهم الذين آمنوا بالقرآن فلم يرتابوا وكانوا مسلمين أي: منقادين لآياته مستسلمين لله فيها، وها هي ذي سورة الزخرف تبشّرهم، ثمّ تعود للحديث عن عذاب الكافرين. ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أي: يقال لهم ادخلوا الجنة أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ المؤمنات في الدنيا تُحْبَرُونَ أي: تسرون سرورا يظهر حباره، أي: أثره على وجوهكم، هذا تفسير النسفي. وفسّر ابن كثير الأزواج بالنظراء والله أعلم يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ جمع صحفة. وهي نوع من أنواع أواني الطعام. مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ من ذهب أيضا والكوب نوع من أنواع آنية الشراب. قال النسفي: والكوب الكوز لا عروة له. وقال ابن كثير: وهي آنية الشراب أي: من ذهب لا خراطيم لها ولا عرى وَفِيها أي: وفي الجنة ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ قال ابن كثير: أي: طيب الطعم والريح وحسن المنظر، وقال النسفي: وهذا حصر لأنواع النعم؛ لأنها إما مشتهيات في القلوب أو مستلذة في العيون. وَأَنْتُمْ فِيها أي: في الجنة خالِدُونَ أي: لا تخرجون منها ولا تبغون عنها حولا، تم قيل لهم على وجه التفضل والامتنان وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قال ابن كثير: أي: أعمالكم الصالحة كانت سببا لشمول رحمة الله إياكم، فإنه لا يدخل أحدا عمله الجنة ولكن برحمة الله وفضله، وإنّما الدرجات ينال تفاوتها بحسب الأعمال الصالحات لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ أي: من جميع الأنواع. مِنْها تَأْكُلُونَ أي: مهما اخترتم وأردتم و (من) في الآية للتبعيض. قال النسفي: (أي: لا تأكلون إلا بعضها وأعقابها باقية في شجرها. فهي مزيّنة بالثمار أبدا .. ) وقال ابن كثير: (ولما ذكر الطعام

стр. 4909

والشراب ذكر بعده الفاكهة لتتم النّعمة والغبطة). كلمة في السياق: قصّ الله علينا في الآيات السابقة ما أعدّه للمتقين المؤمنين المسلمين في الجنة يوم القيامة. بعد أن تقوم الساعة، والآن يحدثنا عن حال أهل النار. إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ أبدا لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ أي: لا يخفف عنهم ساعة واحدة ولا ينقص وَهُمْ فِيهِ أي: في العذاب مُبْلِسُونَ أي: آيسون من الفرج متحيّرون قال ابن كثير: أي آيسون من كل خير وَما ظَلَمْناهُمْ بالعذاب وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ قال ابن كثير: أي بأعمالهم السيئة بعد قيام الحجة عليهم، وإرسال الرسل إليهم فكذّبوا وعصوا فجوزوا بذلك جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد وَنادَوْا بعد أن أيسوا من فتور العذاب يا مالِكُ هو خازن النار لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ أي: ليمتنا أو ليقبض أرواحنا فيريحنا مما نحن فيه والمعنى: سل ربك أن يقضي علينا قالَ مالك إِنَّكُمْ ماكِثُونَ قال ابن عباس: مكث ألف سنة ثم قال: إنكم ماكثون رواه ابن أبي حاتم أي لا خروج لكم منها، ولا محيد لكم عنها ثم ذكر سبب شقوتهم، وهو مخالفتهم للحق ومعاندتهم له فقال لَقَدْ جِئْناكُمْ أي: نحن الملائكة إذ هم رسل الله ومالك منهم بِالْحَقِّ أي: بيّناه لكم ووضّحناه وفسّرناه وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ قال النسفي: أي لا تقبلونه وتنفرون منه، لأن مع الباطل الدعة، ومع الحق التعب. قال ابن كثير: أي ولكن كانت سجاياكم لا تقبله ولا تقبل عليه، وإنما تنقاد للباطل وتعظّمه، وتصدّ عن الحقّ وتأباه، وتبغض أهله فعودوا على أنفسكم بالملامة، واندموا حيث لا تنفعكم الندامة .. ) كلمة في السياق: بدأ المقطع بالكلام عن القرآن بقوله: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ* وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ثم حدثنا الله عن عيسى بما يؤكد أن دعوته هي دعوة محمد ﷺ ، ثم خاطب الله المشركين

стр. 4910

بقوله هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ .... ثم تحدّث عما يكون بعد الساعة للكافرين والمتقين: ثم يعود الكلام لمواجهة المشركين: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ... ذكّرهم بما يكون في الساعة، ثمّ أنذرهم أن كيدهم باطل، وأن أعمالهم مكتوبة فلنر الآيات اللاحقة: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً أي: أم أحكم المشركون أمرا من كيدهم ومكرهم بمحمد ﷺ فَإِنَّا مُبْرِمُونَ كيدنا كما أبرموا كيدهم، قال مجاهد: أرادوا كيد شرّ فكدناهم. دلّ ذلك على أن المشركين كانوا يتحيّلون في رد الحق بالباطل بحيل ومكر يسلكونه، فكادهم الله تعالى وردّ وبال كيدهم عليهم أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ أي: حديث أنفسهم وَنَجْواهُمْ أي: ما يتحدثونه فيما بينهم ويخفونه عن غيرهم؛ إذ يكيدون لمحمد ﷺ ويأثمون بَلى أي: نسمعها ونطّلع عليها وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ أي: الحفظة عندهم يَكْتُبُونَ ذلك قال ابن كثير: أي نحن نعلم ما هم عليه والملائكة أيضا يكتبون أعمالهم صغيرها وكبيرها. كلمة في السياق: أنذر الله- في هذا المقطع- الكافرين بالساعة، وحذّرهم أنّ عاقبة مكرهم ضدّ الإسلام عائدة عليهم، وأنهم سيحاسبون على أعمالهم، كما بشر المتقين. ونلاحظ بعد ذلك أن أمرا مباشرا لرسول الله ﷺ يتوجّه. وعند ما ندرس الأمر وندرس ما بعده نجد أنّ له صلة بكل ما مرّ من السّورة. فكأن ما بقي من السورة هو خاتمتها التي تضئ على ما قبلها والتي هي محصلة لها، فقد رأينا أن السورة حدّثتنا عن كون المشركين يعتبرون أن الملائكة بنات الله، كما ورد في المقطع الأول، ورأينا أن المقطع الثاني حدثنا عن عبودية المسيح لله، ورأينا أن المقطع الثالث حدثنا عن اختلاف النصارى في شأن المسيح، وقد بيّن الله الحق في هذه الشئون كلها. والآن يأمر الله رسوله ﷺ أن يعلن: قُلْ يا محمد إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ قال ابن كثير: أي لو فرض هذا لعبدته على ذلك لأني عبد من عبيد الله، مطيع لجميع ما يأمرني به، ليس

стр. 4911

عندي استكبار ولا إباء عن عبادته، فلو فرض هذا لكان هذا، ولكن هذا ممتنع في حقه تعالى. والشرط لا يلزم منه الوقوع ولا الجواز أيضا ... وقال السدي: أي ولو كان له ولد كنت أول من عبده بأن له ولدا، ولكن لا ولد له وهو اختيار ابن جرير، وقال النسفي: إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ وصح ذلك ببرهان فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ فأنا أول من يعظم ذلك الولد، وأسبقكم إلى طاعته، والانقياد إليه، كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه، وهذا كلام وارد على سبيل الفرض، والمراد نفي الولد وذلك أنه علّق العبادة بكينونة الولد وهي محال في نفسها، فكان المعلق بها محالا مثلها). ثمّ نزّه الله ذاته عن اتخاذ الولد فقال سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ قال ابن كثير: أي تعالى وتقدس وتنزّه خالق الأشياء عن أن يكون له ولد، فإنه فرد أحد صمد، لا نظير له ولا كفء له ولا ولد له .. وقال النسفي: (أي هو رب السموات والأرض والعرش فلا يكون جسما، إذ لو كان جسما لم يقدر على خلقها، وإذا لم يكن جسما لا يكون له ولد؛ لأن التولد من صفة الأجسام) وبعد أن أمره الله أن يعلن هذا الإعلان وينزه الله هذا التنزيه بعد أن أقام عليهم الحجة في السورة أمر الله رسوله ﷺ الأمر الثاني فَذَرْهُمْ فدعهم يَخُوضُوا في باطلهم وجهلهم وضلالهم. وَيَلْعَبُوا في دنياهم حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ أي: يوم القيامة أي: فسوف يعلمون كيف يكون مصيرهم ومآلهم وحالهم في ذلك اليوم. قال النسفي: (وهذا دليل على أن ما يقولونه من باب الجهل والخوض واللعب .. ). كلمة في السياق: بدأت السورة بمقدمة ثم بالمقطع الأول. وبدأ المقطع الأول بمقدمة حول القرآن، ثم بين موقف الكافرين بشكل ضمني من هذا القرآن، ثم جاء قوله تعالى وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ. وقلنا هناك إن السياق اتجه إلى معالجة أصل المشكلة، وهي قضية العقيدة التي الأصل فيها معرفة الله، ونفي الشرك، وتأكيد التوحيد، وتوضيح قضية اليوم الآخر، وقد عالجها السياق كلها كما رأينا- وبعد المعالجة الطويلة يعود السياق الآن للتعريف بالله ، وينتهي هذا- مرّة أخرى- بقوله تعالى وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ وكأن ما ورد بين وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ في

стр. 4912

أول السورة وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ في آخر السورة- كل ذلك يعالج أصل القضية، قضية العقيدة الفاسدة التي تنبع عنها المواقف السيئة .. وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ قال ابن كثير: أي هو إله من في السماء، وإله من في الأرض، يعبده أهلها وكلهم خاضعون له أذلاء بين يديه وَهُوَ الْحَكِيمُ في أقواله وأفعاله الْعَلِيمُ بما كان ويكون وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما قال ابن كثير: أي هو خالقهما ومالكهما والمتصرف فيهما بلا مدافعة ولا ممانعة، فسبحانه وتعالى عن الولد (وتبارك) أي: استقر له السلامة من العيوب والنقائص، لأنه الرب العلي العظيم المالك للأشياء الذي بيده أزمّة الأمور نقضا وإبراما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ أي: علم وقتها أي: لا يجليها لوقتها إلا هو وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فيجازي كلّا بعمله، إن خيرا فخير وإن شرا فشر وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ أي: يدعونهم مِنْ دُونِهِ أي: من دون الله، أي: لا يملك شركاؤهم وآلهتهم الشَّفاعَةَ كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله، أي: لا يقدرون على الشفاعة لهم إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ أي: بكلمة التوحيد وَهُمْ يَعْلَمُونَ أن الله ربهم حقا ويعتقدون ذلك فهؤلاء هم الذين يعطون الشفاعة. قال ابن كثير: (أي لكن من شهد بالحق على بصيرة وعلم فإنه تنفع شفاعته عنده بإذنه) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ أي: المشركين مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ لا الأصنام ولا الملائكة. قال ابن كثير: أي هم يعترفون أنه الخالق للأشياء جميعها وحده لا شريك له في ذلك، ومع هذا يعبدون معه غيره ممن لا يملك شيئا ولا يقدر على شئ، فهم في ذلك في غاية الجهل والسفاهة وسخافة العقل، ولهذا قال تعالى فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ أي: فكيف، أو من أين يصرفون عن التوحيد مع هذا الإقرار. كلمة في السياق: بعد أن عالجت السورة موضوع العقيدة- كما رأينا- وأقامت الحجة بعد الحجة على أن هذا القرآن من عند الله، وأن محمدا رسول الله ﷺ ، تختتم السورة الآن بآيتين فيهما شكوى تعبّر عن حال رسول الله ﷺ كأثر عن عدم إيمان قومه، وفيها توجيه من الله مما يشير إلى أن هؤلاء المشركين دأبهم دأب السابقين من أشباههم الذين كذّبوا الرسل والذين ذكرتهم السورة في بداياتها.

стр. 4913

وَقِيلِهِ أي: وقال الرسول ﷺ لله شاكيا يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ قال قتادة: هو قول نبيّكم ﷺ يشكو قومه إلى ربه قال تعالى فَاصْفَحْ عَنْهُمْ أي: عن المشركين أي فأعرض عن دعوتهم يائسا من إيمانهم وودّعهم وتاركهم وَقُلْ لهم سَلامٌ قال ابن كثير أي لا تجبهم بمثل ما يخاطبونك به من الكلام السيئ، ولكن تألّفهم واصفح عنهم قولا وفعلا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ قال ابن كثير: (هذا تهديد من الله تعالى لهم، ولهذا أحلّ بهم بأسه الذي لا يردّ، وأعلى دينه وكلمته، وشرع بعد ذلك الجهاد والجلاد، حتى دخل الناس في دين الله أفواجا، وانتشر الإسلام في المشارق والمغارب) أقول: وفي الآية تهديد بما سيرونه كذلك في اليوم الآخر. وبهذا انتهت السورة مرتبطا أوّلها بآخرها، محققا سياقها مجموعة أمور بآن واحد كما سنرى في الكلمة الأخيرة عن السورة مفصّلة في محورها تفصيلا زائدا على ما فصله غيرها كما فلننقل الآن بعض الفوائد المتعلّقة بالمقطع الثالث. فوائد [حول آيات المقطع الثالث وهي (٦١ - ٨٩)]: ١ - [كلام صاحب الظلال حول آية وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ] رأينا أن أرجح الأقوال عند المفسرين في قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها أن المراد بالضمير عيسى ﵇، وأن نزوله في آخر الزمان علامة على الساعة، وعلم عنها. ونحن وإن رجّحنا أن يكون الضمير عائدا على القرآن إلا أن ذلك لا ينفي أن يكون نزول عيسى في آخر الزمان علامة على قيام الساعة، بل ذلك ثابت بأحاديث متواترة كما قال ابن كثير. وقد حقّق شيخنا الشيخ عبد الفتاح أبو غدة كتاب (التصريح بما تواتر في نزول المسيح) وهو مع تحقيقه لا يبقي شبهة في تواتر نزول المسيح ﵇ قبيل قيام الساعة. وبمناسبة هذه الآية يقول صاحب الظلال: (وقد وردت أحاديث شتى عن نزول عيسى- ﵇ إلى الأرض قبيل الساعة وهو ما تشير إليه الآية: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ بمعنى أنه يعلم بقرب مجيئها، والقراءة الثانية وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ بمعنى أمارة وعلامة. وكلاهما قريب من قريب. عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من

стр. 4914

الدنيا وما فيها» أخرجه مالك والشيخان وأبو داود. وعن جابر- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة. فينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم: تعال صل لنا. فيقول: لا. إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله تعالى لهذه الأمة». أخرجه مسلم. وهو غيب من الغيب الذي حدّثنا عنه الصادق الأمين وأشار إليه القرآن الكريم، ومنكره بعد تواتره كافر بعد البيان أو قبله، لمن كان يعيش في دار الإسلام على خلاف بين العلماء هل يكفر بعد البيان أو قبل البيان بحكم أنه يعيش على أرض الإسلام فلا يعذر بالجهل. ٢ - [كلام الألوسي وصاحب الظلال حول آية قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ .. ] بمناسبة قوله تعالى على لسان المسيح ﵇: قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ قال الألوسي في قوله تعالى: بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ وهو أمر الديانات وما يتعلق بالتكليف دون الأمور التي لم يتعبدوا بمعرفتها، ككيفية نضد الأفلاك وأسباب اختلاف تشكلات القمر مثلا، فإن الأنبياء ﵈ لم يبعثوا لبيان ما يختلف فيه من ذلك، ومثلها ما يتعلق بأمر الدنيا ككيفية الزراعة وما يصلح الزرع وما يفسده مثلا. فإن الأنبياء ﵈ لم يبعثوا لبيانها أيضا كما يشير إليه قوله ﷺ في قصة تأبير النخل «أنتم أعلم بأمور دنياكم»). وقال صاحب الظلال: (ولقد جاء المسيح فوجدهم شيعا ونحلا كثيرة، أهمها أربع فرق أو طوائف: طائفة الصدوقيين نسبة إلى «صدوق» وإليه وإلى أسرته ولاية الكهانة من عهد داود وسليمان ﵉. وحسب الشريعة لا بد أن يرجع نسبه إلى هارون أخي موسى. فقد كانت ذريته هي القائمة على الهيكل. وكانوا بحكم وظيفتهم واحترافهم متشددين في شكليات العبادة وطقوسها، ينكرون «البدع» في الوقت الذي يترخصون في حياتهم الشخصية ويستمتعون بملاذّ الحياة؛ ولا يعترفون بأن هناك قيامة!. وطائفة الفريسيين، وكانوا على شقاق مع الصدوقيين. ينكرون عليهم تشددهم في الطقوس والشكليات، وجحدهم للبعث والحساب. والسمة الغالبة على الفريسيين هي الزهد والتصوف وإن كان في بعضهم اعتزاز وتعال بالعلم والمعرفة. وكان المسيح- ﵇ ينكر عليهم هذه الخيلاء وشقشقة اللسان!.

стр. 4915

وطائفة السامريين، وكانوا خليطا من اليهود والأشوريين، وتدين بالكتب الخمسة في العهد القديم المعروفة بالكتب الموسوية، وتنفي ما عداها مما أضيف إلى هذه الكتب في العهود المتأخرة، مما يعتقد غيرهم بقداسته. وطائفة الآسين أو الأسينيين. وكانوا متأثرين ببعض المذاهب الفلسفية، وكانوا يعيشون في عزلة عن بقية طوائف اليهود، ويأخذون أنفسهم بالشدة والتقشف، كما يأخذون جماعتهم بالشدة في التنظيم. وهناك غير هذه الطوائف نحل شتى فردية، وبلبلة في الاعتقاد والتقاليد بين بني إسرائيل، الراضخين لضغط الإمبراطورية الرومانية المستذلين المكبوتين، الذين ينتظرون الخلاص على يد المخلص المنتظر من الجميع. فلما أن جاء المسيح- ﵇ بالتوحيد الذي أعلنه: إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ. وجاء معه بشريعة التسامح والتهذيب الروحي والعناية بالقلب البشري قبل الشكليات والطقوس، حاربه المحترفون الذين يقومون على مجرد الأشكال والطقوس. ومما يؤثر عنه- ﵇ في هذا قوله عن هؤلاء: «إنهم يحزمون الأوقار، ويسومون الناس أن يحملوها على عواتقهم، ولا يمدون إليها إصبعا يزحزحونها، وإنما يعملون عملهم كله لينظر الناس إليهم! يعرضون عصائبهم، ويطيلون أهداب ثيابهم، ويستأثرون بالمتكإ الأول في الولائم، والمجالس الأولى في المجامع، ويبتغون التحيات في الأسواق، وأن يقال لهم: سيدي. سيدي. حيث يذهبون!». أو يخاطب هؤلاء فيقول: «أيها القادة العميان الذين يحاسبون على البعوضة ويبتلعون الجمل. إنكم تتقون ظاهر الكأس والصحفة، وهما في الباطن مترعان بالرجس والدعارة .. ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراءون. إنكم كالقبور المبيضة. خارجها طلاء جميل وداخلها عظام نخرة»). «عن كتاب عبقرية المسيح للعقاد». ٣ - [الأسس التي ينبني عليها اختيار الأصدقاء] بمناسبة قوله تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ قال ابن كثير: (أي: كل صداقة وصحابة لغير الله فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة إلا ما كان لله ، فإنه دائم بدوامه، وهذا كما قال إبراهيم ﵊ لقومه: إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ

стр. 4916

بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (العنكبوت: ٢٥). وروى عبد الرزاق عن علي ﵁ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ قال: خليلان مؤمنان، وخليلان كافران فتوفي أحد المؤمنين وبشر بالجنة فذكر خليله فقال: اللهم إن فلانا خليلي كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر، وينبئني أني ملاقيك، اللهم فلا تضله بعدي حتى تريه مثل ما أريتني. وترضى عنه كما رضيت عني، فيقال له: اذهب، فلو تعلم ما له عندي لضحكت كثيرا وبكيت قليلا. قال: ثم يموت الآخر فتجتمع أرواحهما فيقال: ليثن أحدكما على صاحبه، فيقول كل واحد منهما لصاحبه: نعم الأخ، ونعم الصاحب، ونعم الخليل. وإذا مات أحد الكافرين وبشر بالنار ذكر خليله فيقول: اللهم إن خليلي فلانا كان يأمرني بمعصيتك ومعصية رسولك. ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير ويخبرني أني غير ملاقيك؛ اللهم فلا تهده بعدي حتى تريه مثل ما أريتني وتسخط عليه كما سخطت عليّ، قال: فيموت الكافر الآخر فيجمع بين أرواحهما. فيقال: ليثن كل واحد منكما على صاحبه فيقول كل واحد منهما لصاحبه: بئس الأخ، وبئس الصاحب، وبئس الخليل. رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن عباس ﵄ ومجاهد وقتادة: صارت كل خلة عداوة يوم القيامة إلا المتقين. وروى الحافظ ابن عساكر عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لو أن رجلين تحابا في الله أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب لجمع الله تعالى بينهما يوم القيامة يقول هذا الذي أحببته فيّ»). أقول: فليحاسب كل منا نفسه أن تكون له مودة وصداقة وصحبة لغير المتقين فضلا عن أن يكون عنده لغيرهم ولاء وطاعة. ولنحرص على الإخاء في الله فإنّه من أعظم القربات إلى الله. ولنحذر أن نضيع إخاء كسبناه؛ فذلك العجز الكبير، إن عقد الإخاء في الإسلام أبدي فلا تفرط فيه، يقول الإمام علي ﵁: (أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان، وأعجز منه من ضيّع من كسب منهم). ٤ - [كلام ابن كثير حول آية يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ .. ] بمناسبة قوله تعالى: يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ قال ابن كثير: (روى عبد الرزاق ... عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة وأسفلهم درجة

стр. 4917

لرجل لا يدخل الجنة بعده أحد، يفسح له في بصره مسيرة مائة عام في قصور من ذهب، وخيام من لؤلؤ ليس فيها موضع شبر إلا معمور يغدى عليه ويراح بسبعين ألف صحفة من ذهب ليس فيها صحفة إلا فيها لون ليس في الأخرى مثله، شهوته في آخرها كشهوته في أولها، لو نزل به جميع أهل الأرض لوسع عليهم مما أعطي لا ينقص ذلك مما أوتي شيئا»). ٥ - [كلام ابن كثير حول آية وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها .. ] بمناسبة قوله تعالى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل أهل النار يرى منزله من الجنة حسرة فيقول: لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ وكل أهل الجنة يرى منزله من النار فيقول: وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ فيكون له شكرا» قال: وقال رسول الله ﷺ : «ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار فالكافر يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنة وذلك قوله تعالى وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). ٦ - [كلام صاحب الظلال حول الآيات (٧٨ - ٨٠)] بمناسبة قوله تعالى: لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ* أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ* أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ؟ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ قال صاحب الظلال: (وكراهة الحق هي التي كانت تحول بينهم وبين اتباعه، لا عدم إدراك أنه الحق، ولا الشك في صدق الرسول الكريم؛ فما عهدوا عليه كذبا قط على الناس، فكيف يكذب على الله ويدعي عليه ما يدعيه؟. والذين يحاربون الحق لا يجهلون في الغالب أنه الحق، ولكنهم يكرهونه، لأنه يصادم أهواءهم، ويقف في طريق شهواتهم، وهم أضعف من أن يغالبوا أهواءهم وشهواتهم؛ ولكنهم أجرأ على الحق وعلى دعاته! فمن ضعفهم تجاه الأهواء والشهوات يستمدون القوة على الحق والاجتراء على الدعاة!. لهذا يهددهم صاحب القوة والجبروت، العليم بما يسرون وما يمكرون: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً؟ فَإِنَّا مُبْرِمُونَ* أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ؟ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ .. فإصرارهم على الباطل في وجه الحق يقابله أمر الله الجازم وإرادته بتمكين هذا الحق وتثبيته. وتدبيرهم ومكرهم في الظلام يقابله علم الله بالسر والنجوى. والعاقبة معروفة

стр. 4918

حين يقف الخلق الضعاف القاصرون، أمام الخالق العزيز العليم). ٧ - [عرض القراءات الواردة في قوله تعالى وَقِيلِهِ ... ] في قوله تعالى: وَقِيلِهِ ثلاث قراءات: الرفع والنصب والجر، وقراءة الرفع شاذة وقراءة حفص الجر، وعلى قراءة الجر فهناك من أعربها على أنها معطوفة على كلمة الساعة من قوله تعالى وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ فيكون التقدير: وعنده علم قيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، وهناك اتجاه على أن الواو في. وَقِيلِهِ واو القسم فهي حرف جر، وقد ضعّفه الألوسي واعتمده صاحب الظلال قال صاحب الظلال في الآيتين الأخيرتين من السورة: (وفي ختام السورة يعظم من أمر اتجاه الرسول ﷺ لربه. يشكو إليه كفرهم وعدم إيمانهم. فيبرزه ويقسم به: وَقِيلِهِ. يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ. وهو تعبير خاص ذو دلالة وإيحاء بمدى عمق هذا القول، ومدى الاستماع له. والعناية به والرعاية من الله سبحانه والاحتفال. ويجيب عليه- في رعاية- بتوجيه الرسول ﷺ إلى الصفح والإعراض. وعدم الاحتفال والمبالاة. والشعور بالطمأنينة. ومواجهة الأمر بالسلام في القلب والسماحة والرضاء. وذلك مع التحذير الملفوف للمعرضين المعاندين، مما ينتظرهم يوم ينكشف المستور: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ، وَقُلْ سَلامٌ. فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ .. ). كلمة أخيرة في سورة الزخرف: عرضنا سورة الزخرف على أنها مقدمة ومقاطع ثلاث، المقدّمة هي: حم* وَالْكِتابِ الْمُبِينِ* إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. والمقاطع الثلاثة كل منها مبدوء بقوله تعالى وَإِنَّهُ*: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ... ، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ، وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ. وقد لاحظنا أن كلا من المقاطع الثلاثة بدأ بمقدمة، ثم جاء المقطع بعد ذلك متصلا بهذه المقدمة. بدأ المقطع الأول بقوله تعالى: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ* أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ* وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ* وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ* فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ

стр. 4919

الْأَوَّلِينَ. ثم بدأ المقطع الأول يناقش عقائدهم ويقيم الحجة عليها لأنها علة المواقف، وناقش فيه أسباب موقفهم من القرآن. وبين أن علة هذه العقائد هي استمراريتهم على تقليد الآباء. وناقش مبدأ التقليد الفاسد، وضرب مثلا بإبراهيم ﵇ في رفضه التقليد السيّئ. ثم ناقش اعتراضهم على إنزال القرآن على محمد ﷺ وردّه، وذكر عقوبة العمى عن كتاب الله ، ثم وجّه توجيهات لرسول ﵊، وكان من هذه التوجيهات أمره الاستمساك بوحي الله، مبينا له أنه على صراط مستقيم. ثم جاء المقطع الثاني مبتدئا بقوله تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ* وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ. ثم عرض علينا قصة موسى وفرعون لنرى وحدة الرسالات وإجماعها على التوحيد، وناقش تكأة اتكأ عليها المشركون في تشبّثهم بشركهم بحجة بنوها على فهم خاطئ للقرآن. ثم جاء المقطع الثالث مبتدئا بقوله تعالى: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ* وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. ثم جاءت قصة عيسى تبين أن مضمون الدعوتين واحد: ثم جاء حديث عن الساعة وما لأهل الجنة وأهل النار. ثم جاء حديث عن كيد الكافرين للدعوة. ثم أمر الله رسوله ﷺ أن يفنّد أن يكون لله ولد كما ادعى النصارى أو ادعى بعض مشركي العرب إذ زعموا أن الملائكة بنات الله. ثم تحدث المقطع عن الله. وأقام الحجة عليهم بألسنتهم على أنه هو خالقهم. ثم ذكر المقطع شكوى الرسول ﷺ من عدم إيمانهم، ثم جاء توجيه لرسول الله ﷺ بما ينبغي أن يفعله أمام عدم إيمانهم. وقد جاءت نهاية المقطع تصل بدايته بنهايته؛ إذ بداية المقطع تحدثت عن اتباع الرسول ﷺ ، كما تحدثت على لسان المسيح ﵇ عن كون العبادة لله هي الصراط المستقيم، وجاءت نهاية المقطع لتعمّق العبودية الخالصة لله من خلال الأسوة، ومن خلال التذكير بصفات الله . ولنلاحظ الصلة بين بداية السورة ونهايتها: وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ* وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ* فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ

стр. 4920

الْأَوَّلِينَ في البداية، وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ* فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ في النهاية، وقد رأينا أثناء عرض كل مقطع صلة ذلك المقطع بمحور السورة. وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ. هذا ويمكن أن نوجّه السياق في السورة وجهة أخرى، فالملاحظ أنه قد جاء بعد عدة آيات في السورة قوله تعالى وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ .. وقبل آيتين من آخرها جاء قوله تعالى وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ. وقد اعتدنا في كثير من مقاطع السور أن نرى مقطعا مبدوءا ببداية ومنتهيا بنفس هذه البداية والمعنى هو الذي يحدد المسار، وهاهنا يمكن أن تتصور السورة على الشكل التالي. تبدأ السورة بمقدمة هي: حم* وَالْكِتابِ الْمُبِينِ* إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ* أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ* وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ* وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ* فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ. وبعد المقدّمة يأتي قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ. وسارت السورة مصححة للعقائد التي هي سبب المواقف الخاطئة من الوحي والرسل، وتحدثت عن علة هذا كله أي: التقليد، وتحدثت عن أمّة رفضت فعوقبت، وتحدثت عن أمم اختلفت على أنبيائها فاستحقت عذاب الله في الآخرة، ثم وعظت وذكّرت، وأقامت الحجج حجة بعد حجة، وانتهى الحديث بمثل ما بدأ به. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ .. فكانت السورة بهذا مقطعا واحدا. ثم جاءت الخاتمة تبين أنه بعد هذا البيان كله لا يزال المشركون غير مؤمنين. وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ* فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.

стр. 4921

ولو أننا تحدثنا عن سياق السورة على أنها مقدمة ومقطع واحد وخاتمة فإنّه يترتب على ذلك أن يوجه السياق توجيها جديدا. وهذا مظهر آخر من مظاهر الإعجاز في القرآن. أنك تجد للسورة الواحدة أكثر من توجيه للسياق، وكل توجيه يعطيك معاني جديدة لا تتعارض، ولكنها تتساند فتتزايد بذلك مدلولات السورة. إن هذه السورة تكاد تكون مظهرا كاملا. لكون القرآن مبينا وعليّا وحكيما ومذكّرا وواعظا، ولا شك أن القرآن فيه قدر مشترك من كل هذه الخصائص في كل سورة منه. ولكن تبقى سورة أو مقطع نموذجا أعلى على وجود خاصية ما. وسترى في الكلمة الأخيرة عن مجموعة (الشورى والزخرف والدخان) التكامل بين هذه السور التي تشكل مجموعة واحدة. ومن ثم فلن نتعرض لهذا الموضوع هنا. ***

стр. 4922

سورة الدّخان وهي السّورة الرابعة والأربعون بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة الثالثة من المجموعة الرابعة من قسم المثاني وآياتها تسع وخمسون آية وهي مكيّة وهي السّورة الخامسة من آل (حم)

стр. 4923

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم

стр. 4924

بين يدي سورة الدخان: [تقديم ابن كثير والألوسي وصاحب الظلال لسورة الدخان] ١ - قدم ابن كثير لسورة الدخان بما يلي: (روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك» ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وعمرو بن أبي خثعم- وهو من رجال سنده- يضعف، قال عنه البخاري: منكر الحديث، ثم روى الترمذي عن هشام أبي المقدام عن الحسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ حم الدخان في ليلة الجمعة غفر له» ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وهشام أبو المقدام يضعف والحسن لم يسمع من أبي هريرة ﵁ كذا قال أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد رحمة الله عليهم أجمعين). ٢ - وقال الألوسي عن سورة الدخان: (ووجه مناسبتها لما قبلها أنه ختم ما قبلها بالوعيد والتهديد وافتتح هذه بشيء من الإنذار الشديد وذكر سبحانه هناك قول الرسول صلّى الله تعالى عليه وسلم يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ وهنا نظيره فيما حكي عن أخيه موسى ﵊ بقوله تعالى فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ وأيضا ذكر فيما تقدم فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ وحكى سبحانه عن موسى ﵇ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ وهو قريب من قريب إلى غير ذلك، وهي إحدى النظائر التي كان يصلي بهن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم كما أخرج الطبراني عن ابن مسعود: الذاريات والطور. والنجم واقتربت. والرحمن، والواقعة، ونون، والحاقة. والمزمل، ولا أقسم بيوم القيامة. وهل أتى على الإنسان، والمرسلات. وعم يتساءلون، والنازعات. وعبس، وويل للمطففين. وإذا الشمس كورت، والدخان، وورد بفضلها أخبار). ٣ - وقال صاحب الظلال في تقديمه للسورة: (يشبه إيقاع هذه السورة المكية، بفواصلها القصيرة، وقافيتها المتقاربة، وصورها العنيفة، وظلالها الموحية .. يشبه أن يكون إيقاعها مطارق على أوتار القلب البشري المشدودة. ويكاد سياق السورة أن يكون كله وحدة متماسكة، ذات محور واحد، تشد إليه خيوطها جميعا. سواء في ذلك القصة، ومشهد القيامة، ومصارع الغابرين، والمشهد الكوني، والحديث المباشر عن قضية التوحيد والبعث والرسالة. فكلها وسائل

стр. 4925

ومؤثرات لإيقاظ القلب البشري واستجاشته لاستقبال حقيقة الإيمان حية نابضة، كما يبثها هذا القرآن في القلوب. *** إنها سورة تهجم على القلب البشري من مطلعها إلى ختامها، في إيقاع سريع متواصل. تهجم عليه بإيقاعها كما تهجم عليه بصورها وظلالها المتنوعة المتحدة في سمة العنف والتتابع. وتطوف به في عوالم شتى بين السماء والأرض، والدنيا والآخرة، والجحيم والجنة، والماضي والحاضر، والغيب والشهادة، والموت والحياة، وسنن الخلق ونواميس الوجود .. فهي- على قصرها نسبيا- رحلة ضخمة في عالم الغيب وعالم الشهود ... ). كلمة في سورة الدخان ومحورها: رأينا من قبل أن الطاسينات كلها قد فصّلت محورا واحدا وهو قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ كل سورة منها فصّلت فيها نوع تفصيل، وذكرنا من قبل أن سورتي الزخرف والدخان تفصّلان في محور واحد. هو قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ وقد دلنا على ذلك التشابه بين مطلع سورة يوسف ومطلع السورتين، مما يدل على وحدة المحور، كما دلنا على ذلك المضمون نفسه فلنلاحظ المعاني التالية: ١ - [وضوح التشابه بين سورة يوسف وسورتي الزخرف والدخان] بدأت سورة يوسف بقوله تعالى: الر* تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ* إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وبدأت سورة الزخرف بقوله تعالى. حم* وَالْكِتابِ الْمُبِينِ* إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ... وجاءت سورة الدخان مبتدأة بقوله تعالى. حم* وَالْكِتابِ الْمُبِينِ* إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ... فالتشابه بين بداية السور الثلاث واضح، مما نستأنس به أن المحور واحد ... ٢ - [أحد أوجه التشابه بين سورتي الدخان والبقرة] نلاحظ أنه بعد الآيات الأولى لسورة الدخان يأتي قوله تعالى: بَلْ هُمْ فِي

стр. 4926

شَكٍّ يَلْعَبُونَ وصلة ذلك بقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا .. لا تخفى. ٣ - [الإشارة إلى أن سورة الدخان امتداد لسورة الزخرف] نلاحظ أن سورة الزخرف استقرت على قوله تعالى: وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ* فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ .. وفي سورة الدخان نلاحظ مجئ قوله تعالى. فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ* يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ* رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ .. لاحظ قوله تعالى في سورة الزخرف لا يُؤْمِنُونَ. وفي سورة الدخان: إِنَّا مُؤْمِنُونَ بعد رؤية العذاب مما يشير إلى أن سورة الدخان استمرار لسورة الزخرف التي محورها ما رأيناه. ٤ - [وجه آخر للتشابه بين سورتي الدخان والبقرة] نلاحظ أن السورة تبدأ بالكلام عن القرآن حم* وَالْكِتابِ الْمُبِينِ وتنتهي بالكلام عن القرآن .. فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ* فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ .. كما أن ذكر الشك والافتراء يتكرر فيها: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ. وهذا كله واضح الصلة بقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا ... بعد هذه الملاحظات العامة التي لها علاقة بمحور السورة نقول إن السورة تتألف من مقدمة ومقطع واحد. المقدمة هي: حم* وَالْكِتابِ الْمُبِينِ* إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ* فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ* أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ* رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ* لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ* بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ والمقطع يمتد حتى نهاية السورة ويلاحظ أنه يبدأ بقوله تعالى: فَارْتَقِبْ ... وتنتهي السورة بقوله تعالى: فَارْتَقِبْ ومن ثمّ فبداية المقطع شبيهة بنهايته، والنهاية تدل على البداية. فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ ... فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ ... والصلة بين المقطع والمقدمة، وصلة المقدمة والمقطع بالمحور، كل ذلك سنراه أثناء عرض السورة.

стр. 4927

مقدمة السورة وتمتد من الآية (١) إلى نهاية الآية (٩) وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤٤/ ١ - ٩ التفسير: حم* وَالْكِتابِ الْمُبِينِ أي: والقرآن الواضح الموضّح إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ هذا جواب القسم. قال ابن كثير: يقول تعالى مخبرا عن القرآن العظيم أنه أنزله في ليلة مباركة وهي ليلة القدر .. وقال: ومن قال: إنها ليلة النصف من شعبان فقد أبعد النجعة، وسننقل كلامه كاملا في الفوائد إن شاء الله. قال النسفي: (والمباركة كثيرة الخير؛ لما ينزل فيها من الخير والبركة ويستجاب من الدعاء، ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن وحده لكفى به بركة) إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ أي: أنزلناه؛ لأن من شأننا الإنذار والتحذير من العقاب. قال ابن كثير: أي: معلّمين الناس ما ينفعهم ويضرهم شرعا؛ لتقوم حجة الله على عباده فِيها أي: في ليلة القدر يُفْرَقُ أي: يفصل ويكتب كُلُّ أَمْرٍ من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم من هذه الليلة إلى ليلة القدر التي تجئ في السنة المقبلة حَكِيمٍ أي: ذي حكمة أي: مفعول على ما تقتضيه الحكمة. وقال ابن كثير: أي: محكم لا يغيّر

стр. 4928

ولا يبدّل، وقال: أي: في ليلة القدر يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة وما يكون فيها من الآجال والأرزاق، وما يكون فيها إلى آخرها. وقال النسفي: في الآيتين الأخيرتين: (هما جملتان مستأنفتان فسّر بهما جواب القسم كأنه قيل: أنزلناه؛ لأن من شأننا الإنذار والتحذير من العقاب، وكان إنزالنا إياه في هذه الليلة خصوصا؛ لأن إنزال القرآن من الأمور الحكيمة، وهذه الليلة مفرق كل أمر حكيم أَمْراً مِنْ عِنْدِنا أي: جميع ما يكون ويقدّره الله تعالى وما يوحيه فبأمره وإذنه وعلمه. أي: الأمر الذي يفرق في ليلة القدر أمرا من عند الله، وصف أمره في الآية السابقة بالحكمة، ثم زاده في هذه الآية جزالة وفخامة، بأن قال: أعني بهذا الأمر أمرا حاصلا من عندنا كما اقتضاه علمنا وتدبيرنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ أي: إنا أنزلنا القرآن؛ لأن من شأننا وسنتنا إرسال الرسل بالكتب إلى عبادنا لأجل الرحمة عليهم. ومن ثم قال رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وقد وصف الرحمة بالإرسال إيذانا بأن الربوبية تقتضي الرحمة على المربوبين إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لأقوال العباد الْعَلِيمُ بأحوالهم رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ قال ابن كثير: أي: الذي أنزل القرآن هو رب السموات والأرض وخالقهما ومالكهما وما فيهما .. إن كنتم متحققين باليقين. قال النسفي في معنى إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ: إنهم كانوا يقرون بأن للسماوات والأرض ربا وخالقا فقيل لهم: إن إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة من الرب، ثم قيل: إن هذا الرب هو السميع العليم، الذي أنتم مقرون به ومعترفون بأنه رب السموات والأرض وما بينهما، إن كان إقراركم عن علم وإيقان. فآمنوا أنه أرسل رسلا وأنزل كتبا. أقول: وهذا يفيد أن معرفة الله حق المعرفة تقتضي الجزم بأنه أرسل رسلا وأنزل كتبا لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ومن كان هذا شأنه فلا يترك عباده بلا هداية ولا توجيه ولا إنذار ولا رسل .. نقل: [عن صاحب الظلال حول آية رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ] بمناسبة قوله تعالى: رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ قال صاحب الظلال: (وما تتجلى رحمة الله بالبشر كما تتجلى في تنزيل هذا القرآن بهذا اليسر، الذي يجعله سريع اللصوق بالقلب، ويجعل الاستجابة له تتم كما تتم دورة الدم في العروق. وتحول الكائن البشري إلى إنسان كريم، والمجتمع البشري إلى حلم جميل، لولا أنه واقع تراه العيون!.

стр. 4929

إن هذه العقيدة التي جاء بها القرآن- في تكاملها وتناسقها- جميلة في ذاتها جمالا يحب ويعشق؛ وتتعلق به القلوب! فليس الأمر فيها أمر الكمال والدقة وأمر الخير والصلاح. فإن هذه السمات فيها تظل ترتفع وترتفع حتى يبلغ الكمال فيها مرتبة الجمال الحبيب الطليق. الجمال الذي يتناول الجزئيات كلها بأدق تفصيلاتها، ثم يجمعها، وينسقها، ويربطها كلها بالأصل الكبير). كلمة في السياق: نلاحظ مما مر أن الآيات بيّنت من خلال التعريف على الله وعلى أفعاله أنّ هذا القرآن كتابه. وأنه هو الذي أنزله، وأن هذه قضية حتمية تقتضيها حكمة الله وتدبيره لشئون هذا الكون، وتقتضيها رحمته وألوهيته وربوبيته. إن هذا كله يقتضي إرسالا وإنذارا، وهذا كله يؤكد أن هذا القرآن هو الذي أنزله على رسوله ﷺ ، وهذا يقتضي أن تكون هذه المسألة من المسلّمات والبديهيات. ولكن الواقع أن الكافرين في شك، ومن ثم قال تعالى: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ. قال ابن كثير: يقول تعالى: بل هؤلاء المشركون في شك يلعبون. أي قد جاءهم الحق واليقين. وهم يشكّون فيه ويمترون ولا يصدقون به. أقول: وهذا يشير إلى أن أصل معرفتهم بالله غير صحيح. وأن هذه المعرفة عندهم لا تخرج عن كونها كلمة على اللسان، وأن إقرارهم بوجود الله وصفاته غير صادر عن علم وتيقّن، بل قول مخلوط بغفلة وبهزؤ ولعب ينتج عن ذلك شك بالقرآن وغيره من أمور الإيمان .. كلمة في السياق: [حول إبراز الصلة بين المقدمة والمقطع الوحيد والمحور] نلاحظ مما مر معنا في المقدمة. أنّ المقدمة أفهمتنا أن المعرفة الحقيقية لله تقتضي إيقانا بالقرآن وبالرسول؛ إلا أن الكافرين مع هذا كله يشكّون. والملاحظ أنّه لم يحدّد مضمون الشك مما يشير إلى أنه شك في كل القضايا الإيمانية: في الله وصفاته وأفعاله وفي القرآن والرسول، وأمام هذا الشك بعد هذا البيان لم يبق من فائدة ترجى من هؤلاء

стр. 4930

الشاكّين. ومن ثمّ يأتي المقطع القادم مبدوءا بقوله تعالى: فَارْتَقِبْ .. ومختوما بقوله تعالى: فَارْتَقِبْ .. مما يشير إلى أنّ المستقبل وحده وفعل الله فيه هو وحده الذي يمكن أن يغيّر مواقفهم. مما يشير إلى أنّ من واجبات الداعية الارتقاب فإذا اتضح هذا فما هي صلة الآيات المارّة بالمحور؟. لو أنك دمجت بين معاني المقدمة وما ورد في المحور فإنك ستجد الصلة وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا في ليلة القدر من هذا القرآن الذي إنزاله أثر حكمتنا ورحمتنا وأثر ألوهيتنا وربوبيّتنا، وأثر سنتنا في الإرسال والإنذار فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ولكنّهم مع هذا كله مرتابون شاكون في هذا القرآن وفي الرسول المنزل عليه، فيا أيها الرسول ارتقب ماذا سنفعل بهم. فالصلة بين المقدمة والمقطع الوحيد في السورة واضحة. والصلة بين المقدمة والمحور كذلك واضحة فلنر المقطع .. المقطع الوحيد في السورة ويمتد من الآية (١٠) إلى نهاية السورة أي: إلى نهاية الآية (٥٩) وهذا هو: ٤٤/ ١٠ - ١٩

стр. 4931

٤٤/ ٢٠ - ٤٨

стр. 4932

٤٤/ ٤٩ - ٥٩ التفسير: فَارْتَقِبْ أي: فانتظر يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ أي: ظاهر حاله لا يشك أحد في أنّه دخان يَغْشَى النَّاسَ أي: يشملهم ويلبسهم فيقولون: هذا عَذابٌ أَلِيمٌ أي: مؤلم، ثم يدعون الله رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ أي: سنؤمن إن كشفت عنا العذاب أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى أي: كيف يتذكّرون ويتعظون ويفون بما وعدوا به من الإيمان عند كشف العذاب؟. وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ* ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ أي: أنّى لهم الادّكار وقد جاءهم ما هو أعظم وأدخل في وجوب الادّكار، من كشف الدخان، وهو ما ظهر على رسول الله ﷺ من الآيات والبيّنات من الكتاب المعجز وغيره، فلم يذكروا وتولوا عنه وبهتوه بأنه قد علّمه غيره من البشر ونسبوه إلى الجنون. قال ابن كثير: يقول: كيف لهم بالذكر وقد أرسلنا إليهم رسولا بيّن الرسالة والنذارة ومع هذا تولوا عنه وما وافقوه. بل كذبوه وقالوا معلم مجنون. إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا أي: زمانا قليلا إِنَّكُمْ عائِدُونَ أي: إلى الكفر الذي كنتم فيه، أو إلى العذاب يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى أي: العظمى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ منهم على أفعالهم. وهل الدخان والبطشة مضتا على عهد رسول الله ﷺ ؟ فالبطشة ما أصاب المشركين يوم بدر، والدخان ما أصابهم في سني القحط والجوع، حتى إن أحدهم كان ينظر إلى السماء

стр. 4933

فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد؟ أو أنهما سيأتيان؟ فيكون الدخان علامة من علامات الساعة، والبطشة الكبرى يوم القيامة؟ قولان للمفسرين على رأس القائلين بالأول ابن مسعود، وعلى رأس القائلين بالثاني ابن عباس، وقد رجّح ابن كثير قول ابن عباس وسننقل تحقيقه في الفوائد. كلمة في السياق: [حول إثبات جحود الكافرين المستمر حتى بعد ظهور أشراط الساعة] أمام الشك الذي عليه الكافرون واللعب الذي هو حالهم وشأنهم ودأبهم أمر الله رسوله ﷺ بالارتقاب، وهو أمر لكل مسلم، أن يرتقب أشراط الساعة والساعة. ومن السياق نفهم أنه حتى أشراط الساعة إذا ظهرت فإن هؤلاء لا يؤمنون بل يعدون بالإيمان. ثم إذا زالت الشدّة ينكصون، مما يشير إلى أن هؤلاء لم يعد منهم ولا فيهم فائدة ولا أمل، فالغفلة عندهم بلغت الغاية، ومن ثم فليس أمام المسلم إلا أن ينتظر عذابهم في الدنيا وفي الآخرة. وبعد أن وضّح الله هذا فإنه يذكر من نبأ موسى وفرعون وقومهما ممّا يشير إلى وحدة موقف الكافرين في كل عصر، ويبشّر بالعاقبة رسوله ﷺ والمؤمنين فقال: وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ أي: قبل هؤلاء الكافرين. قال النسفي: أي فعلنا بهم فعل المختبر ليظهر منهم ما كان باطنا. قَوْمَ فِرْعَوْنَ قال ابن كثير: يقول تعالى: ولقد اختبرنا قبل هؤلاء المشركين قوم فرعون وهم قبط مصر. وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ على الله وعلى عباده المؤمنين، أو كريم في نفسه، حسيب، نسيب؛ لأن الله تعالى لم يبعث نبيا إلا من سراة قومه وكرامهم، والمراد به موسى ﵇ أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ أي: قال موسى لفرعون وقومه: سلّموا إليّ عباد الله وهم بنوا إسرائيل، يقول: أدوهم إليّ وأرسلوهم معي إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ في رسالتي غير متّهم. قال ابن كثير: أي: مأمون على ما أبلغكموه. وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ أي: لا تستكبروا على الله بالاستهانة برسوله ووحيه، أو لا تستكبروا على نبي الله. قال ابن كثير: أي: لا تستكبروا عن اتّباع آياته والانقياد لحججه والإيمان ببراهينه إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أي: بحجة واضحة تدل على أني نبي، وهي ما أرسله الله تعالى به من الآيات البيّنات والأدلة القاطعات وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ أي أن تقتلوني رجما بالحجارة ومعناه: أنّه عائذ بربه، متّكل على أنّه يعصمه منهم ومن كيدهم

стр. 4934

فهو غير مبال بما كانوا يتوعدونه من الرجم والقتل، وفسّر بعضهم الرجم بالشتم، وفسّر ابن كثير الآية بقوله. (أي أعوذ بالله الذي خلقني وخلقكم من أن تصلوا إليّ بسوء من قول أو فعل) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ قال ابن كثير: أي: لا تتعرضوا لي ودعوا الأمر بيني وبينكم مسالمة إلى أن يقضي الله بيننا. وقال النسفي: (أي: إن لم تؤمنوا لي فلا موالاة بيني وبين من لا يؤمن، فتنحوا عني، أو فخلوني كفافا لا لي ولا علي، ولا تتعرضوا لي بشركم وأذاكم، فليس جزاء من دعاكم إلى ما فيه فلا حكم ذلك). قال ابن كثير: فلما طال مقامه ﷺ بين أظهرهم، وأقام حجج الله تعالى عليهم وما زادهم ذلك إلا كفرا وعنادا، دعا ربه عليهم دعوة نفذت فيهم فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ أي: فدعا ربه شاكيا قومه. بأن هؤلاء قوم مجرمون فعند ذلك أمره الله تعالى. أن يخرج ببني إسرائيل من بين أظهرهم من غير أمر فرعون ومشاورته واستئذانه ولهذا قال ﷻ . فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا أي: سر بعبادي بني إسرائيل في الليل إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ دبّر الله أن تتقدّموا ويتّبعكم فرعون وجنوده فينجيكم ويغرقهم وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً أي: ساكنا قارا على حاله وهيئته، من انتصاب الماء، وكون الطريق يبسا لا يضربه بعصاه ولا يغيّر منه شيئا؛ ليدخله القبط، فإذا حصلوا فيه أطبقه الله عليهم. وقيل الرهو: الفجوة الواسعة: أي: اتركه مفتوحا على حاله منفرجا. إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ بعد خروجكم من البحر وقد كان ذلك كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ أي: بساتين وَعُيُونٍ أي: آبار وأنهار وَزُرُوعٍ من كل الأنواع وَمَقامٍ كَرِيمٍ وهي المساكن الأنيقة والأماكن الحسنة، وفسّر مجاهد وسعيد بن جبير المقام الكريم بالمنابر التي كانوا يخطبون عليها في الناس، أي كثيرا جدا من هذه الأشياء تركوه وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ أي: متنعمين. قال ابن كثير: أي: عيشة كانوا يتفكهون فيها فيأكلون ما شاءوا ويلبسون ما أحبوا مع الأموال والجاهات، والحكم في البلاد، فسلبوا ذلك جميعه في صبيحة واحدة، وفارقوا الدنيا وصاروا إلى جهنم وبئس المصير .. كَذلِكَ أي: الأمر كذلك وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ غيرهم. فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ .. أي: لم ينظروا إلى وقت آخر، ولم يمهلوا. قال ابن كثير: أي: لم تكن لهم أعمال صالحة تصعد في أبواب السماء فتبكي على فقدهم، ولا لهم في الأرض بقاع عبدوا الله تعالى فيها فقدتهم، فلهذا استحقوا أن لا ينظروا، ولا يؤخروا لكفرهم وإجرامهم وعتوهم وعنادهم، ولنا عودة في الفوائد على هذا المقام وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ

стр. 4935

الْعَذابِ الْمُهِينِ أي: الاستخدام والاستعباد وقتل الأولاد. مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً أي: مستكبرا جبارا عنيدا مِنَ الْمُسْرِفِينَ قال ابن كثير: أي: مسرف في أمره، سخيف الرأي على نفسه وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ أي: بني إسرائيل عَلى عِلْمٍ أي: عالمين بمكان الخيرة، وبأنهم أحقاء بأن يختاروا عَلَى الْعالَمِينَ قال النسفي: على عالمي زمانهم، وقال ابن كثير: على من هم بين ظهريه. وقال قتادة: اختيروا على أهل زمانهم ذلك وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ أي: الحجج والبراهين وخوارق العادات، كفلق البحر وتظليل الغمام، وإنزال المنّ والسلوى، وغير ذلك ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ أي: نعمة ظاهرة، أو اختبار ظاهر لننظر كيف يعملون. كلمة في السياق: جاءت هذه الآيات كنموذج لفعل الله بالمكذبين، وفعل الله برسله والمؤمنين، وكمثل على أن دأب الكافرين في كل عصر: التكذيب والرفض والشك، مهما كثرت الآيات، وقامت الحجج وفي ذلك تسلية لرسول الله ﷺ وللمؤمنين، وبشارة لهم وتعليم لهم بواقع الحال، وبعد هذه الجولة عن السابقين يعود الكلام عن المشركين الذين يواجهون هذه الدعوة وتواجههم. إِنَّ هؤُلاءِ أي: المشركين الكافرين بدعوة محمد ﷺ وبالقرآن لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ أي: ما هي إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى وليس الأمر كما يقول محمد ﷺ أن هناك موتة تعقبها حياة، فما ثم إلا الموتة الأولى والحياة الأولى. وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ أي بمبعوثين فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ احتجوا بآبائهم الماضين الذين ذهبوا فلم يرجعوا قال ابن كثير: (وهذه حجة باطلة، وشبهة فاسدة، فإن المعاد إنما هو يوم القيامة، لا في الدار الدنيا، بل بعد انقضائها وذهابها وفراغها، يعيد الله العالمين خلقا جديدا، ويجعل الظالمين لنار جهنم وقودا، ثم قال تعالى متهددا لهم ومتوعدا لهم بأسه الذي لا يردّ، كما حلّ بأشباههم ونظرائهم من المشركين المنكرين للبعث كقوم تبّع (وهم سبأ) حيث أهلكهم الله ، وخرّب بلادهم، وشرّدهم في البلاد، ومزّقهم شذر مذر كما تقدّم ذلك في سورة سبأ .. ). قال تعالى: أَهُمْ خَيْرٌ في القوة والمنعة أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ الحميري. وسنذكر تحقيق ابن كثير عنه في الفوائد ..

стр. 4936

وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ أي: كافرين منكرين للبعث. دلّ هذا على أن إنكار المشركين للبعث يستحقون به الهلاك، وفي ذلك إنذار لهم وتحذير. وبعد هذا الإنذار والتحذير يقيم الله عليهم الحجة في هذا الشأن بقوله. وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ فعلى مقتضى قولهم أنه لا بعث ولا حساب فإن السموات والأرض وما بينهما خلقت عبثا قال النسفي: (ولو لم يكن بعث ولا حساب ولا ثواب كان خلق الخلق للفناء خاصة فيكون لعبا) وتعالى الله عن اللعب والعبث والباطل. قال تعالى: ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ أي: بالجدّ ضدّ اللعب وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أنه خلق لذلك، ومن ثم لا يؤمن بالبعث، ولو أنه علم تنزيه الله عن العبث، وعلم أن الله خالق السموات والأرض بالحقّ، لأيقن بالبعث والحساب ولكنّه لا يعلم، وبعد أن قامت الحجة على أن يوم القيامة آت لأن ذلك مقتضى خلق السموات والأرض بالحق، يحدثنا الله عن هذا اليوم. إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ بين المحق والمبطل أي: يوم القيامة. مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ أي وقت موعدهم كلهم، يوم يفصل الله تعالى فيه بين الخلائق. فيعذّب الكافرين، ويثيب المؤمنين يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى أي: ولي عَنْ مَوْلًى أي: عن ولي شَيْئاً أي: مهما كان قليلا. قال ابن كثير: أي: لا ينفع قريب قريبا. وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ أي: لا ينصر القريب قريبه ولا يأتيه نصر من الخارج إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ أي: لا يمنع من العذاب إلا من ﵀. قال ابن كثير: أي: لا ينفع يومئذ إلا رحمة الله بخلقه إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ أي: الغالب على أعدائه الرَّحِيمُ لأوليائه. ثم أخبر تعالى عمّا يعذّب به الكافرين الجاحدين للقائه فقال: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ أي: الآثم في قوله وفعله واعتقاده، وهو الكافر، أي: ليس له طعام غيرها كَالْمُهْلِ أي: كعكر الزيت يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ أي: الماء الحار الذي انتهى غليانه أي: من حرارتها ورداءتها. خُذُوهُ أي: خذوا هذا الأثيم، والخطاب للملائكة قال ابن كثير: وقد ورد أنه تعالى: إذا قال للزبانية: خذوه ابتدره سبعون ألفا منهم فَاعْتِلُوهُ أي: فقودوه بعنف وغلظة قال ابن كثير: أي: سوقوه سحبا ودفعا في ظهره إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ أي: وسطها ومعظمها ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ قال ابن كثير: وقد تقدّم أنّ الملك يضربه بمقمعة من حديد فتفتح دماغه، ثم يصب الحميم على رأسه، فينزل في بدنه، فيسلت ما في بطنه من أمعائه حتى تمرق من كعبيه. أعاذنا الله تعالى من ذلك. ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ أي: قولوا له

стр. 4937

ذلك على وجه التهكم والتوبيخ. أي: لست بعزيز ولا كريم إِنَّ هذا العذاب أو هذا الأمر هو ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ أي: تشكّون. وهكذا استقر السياق على هذا المعنى. كلمة في السياق: [حول الصلة بين ما مر من السورة والمحور] رأينا أن مقدمة السورة انتهت بقوله تعالى: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ ثم جاء المقطع وسار حتى وصل إلى قوله تعالى: إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ فتبيّن لنا أن المقطع نقلنا من معنى إلى معنى، حتى أرانا عاقبة الشاكين في نار جهنم. فلنر كيف كان تسلسل المعاني: بدأ المقطع بأمر الله لرسوله ﷺ بالارتقاب لأشراط الساعة، والساعة ليري كيف سيكون حال الكافرين الشاكّين. ثم عرض علينا قصة موسى وفرعون، وفيها مجموعة قضايا، منها استحقاق المكذبين للرسل العذاب الدنيوي، ثم قصّ الله علينا موقف هؤلاء الشاكين من اليوم الآخر، فأنذرهم وحذرهم باستحقاقهم الهلاك لذلك. ثم أقام عليهم الحجة، ثم حدّثنا عما يكون لهؤلاء الشاكين من عذاب يوم القيامة. وبهذا عرفنا أن علة الشك إنكار اليوم الآخر، وعرفنا أن الشاكين سينزل بهم العذاب قبيل يوم القيامة، وسيعذبون يوم القيامة، وأنهم في شكهم ليس لهم حجة ولا شبهة. هكذا سار السياق فما الصلة بين المحور وسياق المقطع؟ يمكن أن نقدّر الصلة بين المحور وبين ما مرّ معنا من المقطع على الشكل التالي: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ واعلموا أن عاقبة المرتابين كذا وكذا مما مرّ معنا، وأنت أيها الرسول انتظر ماذا سيحل بهم نتيجة شكّهم. وبعد أن حدثنا الله عن عاقبة الكافرين، يحدّثنا الله عن المتقين المؤمنين الذين لا يشكّون. وإذا تذكرنا محور السورة وقول الله فيها: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ... وتذكّرنا أن ذلك يأتي بعده مباشرة قول الله تعالى وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ. فإننا نستطيع الربط بين الآيات القادمة والمحور وامتداداته.

стр. 4938

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ أي في الآخرة وهو الجنة، وقد أمنوا فيها من الموت والخروج، ومن كل همّ وحزن، وجزع وتعب ونصب، ومن الشيطان وكيده، وسائر الآفات والمصائب، وسمّي المكان الذي فيه أمن بالأمين. لأنّه لا يخون صاحبه لأن المكان المخيف كأنما يخون صاحبه بما يلقي فيه من المكاره فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وهذا في مقابلة ما أولئك فيه من شجرة الزقوم، وشرب الحميم. يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وهو رفيع الحرير كالقمصان ونحوها وَإِسْتَبْرَقٍ وهو ما فيه بريق، ولمعان من الحرير مُتَقابِلِينَ أي: في مجالسهم. وهو أتم للأنس. قال ابن كثير: أي: على السرر لا يجلس أحد منهم وظهره إلى غيره كَذلِكَ أي: الأمر كذلك وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ الحوراء: الشديدة سواد العين، والشديدة بياضها والعيناء: هي الواسعة العين. قال ابن كثير: أي: هذا العطاء مع ما قد منحناهم من الزوجات الحسان الحور العين يَدْعُونَ فِيها أي: يطلبون في الجنة بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ من الزوال والانقطاع وتولد الضرر من الإكثار. قال ابن كثير: أي مهما طلبوا من أنواع الثمار أحضر لهم وهم آمنون من انقطاعه وامتناعه، بل يحضر إليهم كلما أرادوا لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى أي: لا يذوقون في الجنة الموت البتة إلا الموتة الأولى، أي: سوى الموتة الأولى التي ذاقوها في الدنيا. قال ابن كثير: ومعناه أنهم لا يذوقون فيها الموت أبدا وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ أي: مع هذا النعيم العظيم المقيم قد وقاهم وسلّمهم ونجّاهم وزحزحهم عن العذاب الأليم في دركات الجحيم فحصل لهم المطلوب، ونجّاهم من المرهوب؛ ولهذا قال : فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ أي: إنما كان هذا بفضله عليهم، وإحسانه إليهم. قال النسفي: تفضل منه لهم؛ لأنّ العبد لا يستحق على الله شيئا. كلمة في السياق: [حول الصلة بين ما مر من السورة وخاتمة السورة] لم يبق عندنا إلا آيتان في السورة هما فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ والملاحظ أن الانتقال تمّ مباشرة من الكلام عن عاقبة المتقين، إلى الكلام عن القرآن الذي بدأت بالكلام عنه مقدمة السورة، واستقرت على وجود الشك في قلوب الكافرين في شأنه، ثمّ سار السياق على التسلسل الذي رأيناه

стр. 4939

حتى وصلنا إلى هاتين الآيتين: آية تتحدث عن حكمة إنزال القرآن، وآية تكرر الأمر بالارتقاب، ومجئ الآية التي تتحدث عن القرآن بعد تلك الجولة يشير إلى أن الموضوع الرئيسي في السورة هو الكلام عن القرآن، وهذا يؤكد أن محور السورة هو ما ذكرناه إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا .. فلنر تفسير الآيتين الأخيرتين. فَإِنَّما يَسَّرْناهُ أي: القرآن قال النسفي: وقد جرى ذكره في أول السورة بِلِسانِكَ قال ابن كثير: أي: إنّما يسّرنا هذا القرآن الذي أنزلناه سهلا واضحا بينا جليا بلسانك الذي هو أفصح اللغات وأجلاها وأحلاها وأعلاها لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أي: يتعظون. قال ابن كثير: أي: يتفهمون ويعملون، ولما كان مع هذا الوضوح والبيان قد وجد في الناس من كفر وخالف وعاند قال الله تعالى لرسوله ﷺ مسلّيا له وواعدا له بالنصر ومتوعدا لمن كذّبه بالعطب والهلاك فَارْتَقِبْ أي: انتظر إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ أي: منتظرون ما يحل بك من الدوائر. قال ابن كثير: أي: فسيعملون لمن تكون النصرة والظفر وعلو الكلمة في الدنيا والآخرة، فإنها لك يا محمد ولإخوانك من النبيين والمرسلين ومن اتّبعكم من المؤمنين. قال صاحب الظلال: (وهو ختام يلخص جو السورة وظلها. ويتناسق مع بدئها وخط سيرها. فقد بدأت بذكر الكتاب وتنزيله للإنذار والتذكير، وورد في سياقها ما ينتظر المكذبين يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ .. فجاء هذا الختام يذكرهم بنعمة الله في تيسير هذا القرآن على لسان الرسول العربي الذي يفهمونه ويدركون معانيه. ويخوفهم العاقبة والمصير، في تعبير ملفوف. ولكنه مخيف: فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ). كلمة في السياق: [حول الأفكار التي عرضت في السورة] بدأ المقطع بالأمر بالارتقاب، وانتهى بالأمر بالارتقاب كموقف مقابل للشك الذي عليه الكافرون، والذين يستأهلون عليه العذاب في الدنيا والآخرة، بينما أهل الإيمان يستحقون النصرة في الدنيا والآخرة، وقد بيّنت السورة معاني تعمّق الإيمان بالقرآن، وتنفي الشك عنه، وتبيّن عاقبة الشك، وتبيّن الموقف الإيماني المقابل للشك. وفي الكلمة الأخيرة عن السورة زيادة بيان عن سياق السورة فلنذكر بعض الفوائد التي لها علاقة بالسورة.

стр. 4940

فوائد [حول آيات السورة]: ١ - [كلام ابن كثير والألوسي حول آية إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ] بمناسبة قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ قال ابن كثير: (يقول تعالى مخبرا عن القرآن العظيم أنه أنزله في ليلة مباركة وهي ليلة القدر كما قال إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (القدر: ١) وكان ذلك في شهر رمضان كما قال ﵎ شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ (البقرة: ١٨٥) وقد ذكرنا الأحاديث الواردة في ذلك في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته، ومن قال: إنها ليلة النصف من شعبان كما روي عن عكرمة فقد أبعد النجعة؛ فإن نصّ القرآن أنها في رمضان، والحديث الذي رواه عبد الله ابن صالح عن عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس قال: إن رسول الله ﷺ قال: «تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى إن الرجل لينكح ويولد له وقد أخرج اسمه في الموتى» فهو حديث مرسل ومثله لا يعارض به النصوص). قال الألوسي: (ووصف الليلة بالبركة لما أن إنزال القرآن مستتبع للمنافع الدينية والدنيوية بأجمعها، أو لما فيها من تنزل الملائكة والرحمة، وإجابة الدعوة، وفضيلة العبادة أو لما فيها من ذلك، وتقدير الأرزاق، وفصل الأقضية كالآجال وغيرها. (والمراد بإنزاله في تلك الليلة إنزاله فيها جملة إلى السماء الدنيا من اللوح فالإنزال المنجم في ثلاث وعشرين سنة أو أقل كان من السماء الدنيا وروي هذا عن ابن جرير وغيره، وذكر أن المحل الذي أنزل فيه من تلك السماء البيت المعمور وهو مسامت للكعبة بحيث لو نزل لنزل عليها). أقول: بدأ الإنزال المنجم في رمضان كذلك. ٢ - [تحقيق ابن كثير لتفسير آيتي الدخان والبطشة الكبرى] ذكرنا أن هناك اتجاهين للمفسرين في أمر الدخان والبطشة الكبرى المذكورين في سورة الدخان. ورأينا أن ابن مسعود يرى أن الدخان قد مر. وأن البطشة الكبرى هي ما كان يوم بدر، وأن ابن عباس يرى أن الدخان لم يأت، وهو من علامات الساعة. وأن البطشة الكبرى هي يوم القيامة. ورأي ابن عباس هو الذي رجحه ابن كثير: فلنر تحقيق ابن كثير. قال عند قوله تعالى فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ. (قال سليمان بن مهران الأعمش عن أبي الضحى مسلم بن صبيح عن مسروق قال: دخلنا المسجد- يعني مسجد الكوفة- عند أبواب كندة فإذا رجل يقصّ على
следующие страницы →