← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ أي: كافرين منكرين للبعث. دلّ هذا على أن إنكار المشركين للبعث يستحقون به الهلاك، وفي ذلك إنذار لهم وتحذير. وبعد هذا الإنذار والتحذير يقيم الله عليهم الحجة في هذا الشأن بقوله. وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ فعلى مقتضى قولهم أنه لا بعث ولا حساب فإن السموات والأرض وما بينهما خلقت عبثا قال النسفي: (ولو لم يكن بعث ولا حساب ولا ثواب كان خلق الخلق للفناء خاصة فيكون لعبا) وتعالى الله عن اللعب والعبث والباطل. قال تعالى: ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ أي: بالجدّ ضدّ اللعب وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أنه خلق لذلك، ومن ثم لا يؤمن بالبعث، ولو أنه علم تنزيه الله عن العبث، وعلم أن الله خالق السموات والأرض بالحقّ، لأيقن بالبعث والحساب ولكنّه لا يعلم، وبعد أن قامت الحجة على أن يوم القيامة آت لأن ذلك مقتضى خلق السموات والأرض بالحق، يحدثنا الله عن هذا اليوم. إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ بين المحق والمبطل أي: يوم القيامة. مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ أي وقت موعدهم كلهم، يوم يفصل الله تعالى فيه بين الخلائق. فيعذّب الكافرين، ويثيب المؤمنين يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى أي: ولي عَنْ مَوْلًى أي: عن ولي شَيْئاً أي: مهما كان قليلا. قال ابن كثير: أي: لا ينفع قريب قريبا. وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ أي: لا ينصر القريب قريبه ولا يأتيه نصر من الخارج إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ أي: لا يمنع من العذاب إلا من ﵀. قال ابن كثير: أي: لا ينفع يومئذ إلا رحمة الله بخلقه إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ أي: الغالب على أعدائه الرَّحِيمُ لأوليائه. ثم أخبر تعالى عمّا يعذّب به الكافرين الجاحدين للقائه فقال: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ أي: الآثم في قوله وفعله واعتقاده، وهو الكافر، أي: ليس له طعام غيرها كَالْمُهْلِ أي: كعكر الزيت يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ أي: الماء الحار الذي انتهى غليانه أي: من حرارتها ورداءتها. خُذُوهُ أي: خذوا هذا الأثيم، والخطاب للملائكة قال ابن كثير: وقد ورد أنه تعالى: إذا قال للزبانية: خذوه ابتدره سبعون ألفا منهم فَاعْتِلُوهُ أي: فقودوه بعنف وغلظة قال ابن كثير: أي: سوقوه سحبا ودفعا في ظهره إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ أي: وسطها ومعظمها ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ قال ابن كثير: وقد تقدّم أنّ الملك يضربه بمقمعة من حديد فتفتح دماغه، ثم يصب الحميم على رأسه، فينزل في بدنه، فيسلت ما في بطنه من أمعائه حتى تمرق من كعبيه. أعاذنا الله تعالى من ذلك. ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ أي: قولوا له

стр. 4937

ذلك على وجه التهكم والتوبيخ. أي: لست بعزيز ولا كريم إِنَّ هذا العذاب أو هذا الأمر هو ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ أي: تشكّون. وهكذا استقر السياق على هذا المعنى. كلمة في السياق: [حول الصلة بين ما مر من السورة والمحور] رأينا أن مقدمة السورة انتهت بقوله تعالى: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ ثم جاء المقطع وسار حتى وصل إلى قوله تعالى: إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ فتبيّن لنا أن المقطع نقلنا من معنى إلى معنى، حتى أرانا عاقبة الشاكين في نار جهنم. فلنر كيف كان تسلسل المعاني: بدأ المقطع بأمر الله لرسوله ﷺ بالارتقاب لأشراط الساعة، والساعة ليري كيف سيكون حال الكافرين الشاكّين. ثم عرض علينا قصة موسى وفرعون، وفيها مجموعة قضايا، منها استحقاق المكذبين للرسل العذاب الدنيوي، ثم قصّ الله علينا موقف هؤلاء الشاكين من اليوم الآخر، فأنذرهم وحذرهم باستحقاقهم الهلاك لذلك. ثم أقام عليهم الحجة، ثم حدّثنا عما يكون لهؤلاء الشاكين من عذاب يوم القيامة. وبهذا عرفنا أن علة الشك إنكار اليوم الآخر، وعرفنا أن الشاكين سينزل بهم العذاب قبيل يوم القيامة، وسيعذبون يوم القيامة، وأنهم في شكهم ليس لهم حجة ولا شبهة. هكذا سار السياق فما الصلة بين المحور وسياق المقطع؟ يمكن أن نقدّر الصلة بين المحور وبين ما مرّ معنا من المقطع على الشكل التالي: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ واعلموا أن عاقبة المرتابين كذا وكذا مما مرّ معنا، وأنت أيها الرسول انتظر ماذا سيحل بهم نتيجة شكّهم. وبعد أن حدثنا الله عن عاقبة الكافرين، يحدّثنا الله عن المتقين المؤمنين الذين لا يشكّون. وإذا تذكرنا محور السورة وقول الله فيها: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ... وتذكّرنا أن ذلك يأتي بعده مباشرة قول الله تعالى وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ. فإننا نستطيع الربط بين الآيات القادمة والمحور وامتداداته.

стр. 4938

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ أي في الآخرة وهو الجنة، وقد أمنوا فيها من الموت والخروج، ومن كل همّ وحزن، وجزع وتعب ونصب، ومن الشيطان وكيده، وسائر الآفات والمصائب، وسمّي المكان الذي فيه أمن بالأمين. لأنّه لا يخون صاحبه لأن المكان المخيف كأنما يخون صاحبه بما يلقي فيه من المكاره فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وهذا في مقابلة ما أولئك فيه من شجرة الزقوم، وشرب الحميم. يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وهو رفيع الحرير كالقمصان ونحوها وَإِسْتَبْرَقٍ وهو ما فيه بريق، ولمعان من الحرير مُتَقابِلِينَ أي: في مجالسهم. وهو أتم للأنس. قال ابن كثير: أي: على السرر لا يجلس أحد منهم وظهره إلى غيره كَذلِكَ أي: الأمر كذلك وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ الحوراء: الشديدة سواد العين، والشديدة بياضها والعيناء: هي الواسعة العين. قال ابن كثير: أي: هذا العطاء مع ما قد منحناهم من الزوجات الحسان الحور العين يَدْعُونَ فِيها أي: يطلبون في الجنة بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ من الزوال والانقطاع وتولد الضرر من الإكثار. قال ابن كثير: أي مهما طلبوا من أنواع الثمار أحضر لهم وهم آمنون من انقطاعه وامتناعه، بل يحضر إليهم كلما أرادوا لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى أي: لا يذوقون في الجنة الموت البتة إلا الموتة الأولى، أي: سوى الموتة الأولى التي ذاقوها في الدنيا. قال ابن كثير: ومعناه أنهم لا يذوقون فيها الموت أبدا وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ أي: مع هذا النعيم العظيم المقيم قد وقاهم وسلّمهم ونجّاهم وزحزحهم عن العذاب الأليم في دركات الجحيم فحصل لهم المطلوب، ونجّاهم من المرهوب؛ ولهذا قال : فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ أي: إنما كان هذا بفضله عليهم، وإحسانه إليهم. قال النسفي: تفضل منه لهم؛ لأنّ العبد لا يستحق على الله شيئا. كلمة في السياق: [حول الصلة بين ما مر من السورة وخاتمة السورة] لم يبق عندنا إلا آيتان في السورة هما فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ والملاحظ أن الانتقال تمّ مباشرة من الكلام عن عاقبة المتقين، إلى الكلام عن القرآن الذي بدأت بالكلام عنه مقدمة السورة، واستقرت على وجود الشك في قلوب الكافرين في شأنه، ثمّ سار السياق على التسلسل الذي رأيناه

стр. 4939

حتى وصلنا إلى هاتين الآيتين: آية تتحدث عن حكمة إنزال القرآن، وآية تكرر الأمر بالارتقاب، ومجئ الآية التي تتحدث عن القرآن بعد تلك الجولة يشير إلى أن الموضوع الرئيسي في السورة هو الكلام عن القرآن، وهذا يؤكد أن محور السورة هو ما ذكرناه إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا .. فلنر تفسير الآيتين الأخيرتين. فَإِنَّما يَسَّرْناهُ أي: القرآن قال النسفي: وقد جرى ذكره في أول السورة بِلِسانِكَ قال ابن كثير: أي: إنّما يسّرنا هذا القرآن الذي أنزلناه سهلا واضحا بينا جليا بلسانك الذي هو أفصح اللغات وأجلاها وأحلاها وأعلاها لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أي: يتعظون. قال ابن كثير: أي: يتفهمون ويعملون، ولما كان مع هذا الوضوح والبيان قد وجد في الناس من كفر وخالف وعاند قال الله تعالى لرسوله ﷺ مسلّيا له وواعدا له بالنصر ومتوعدا لمن كذّبه بالعطب والهلاك فَارْتَقِبْ أي: انتظر إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ أي: منتظرون ما يحل بك من الدوائر. قال ابن كثير: أي: فسيعملون لمن تكون النصرة والظفر وعلو الكلمة في الدنيا والآخرة، فإنها لك يا محمد ولإخوانك من النبيين والمرسلين ومن اتّبعكم من المؤمنين. قال صاحب الظلال: (وهو ختام يلخص جو السورة وظلها. ويتناسق مع بدئها وخط سيرها. فقد بدأت بذكر الكتاب وتنزيله للإنذار والتذكير، وورد في سياقها ما ينتظر المكذبين يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ .. فجاء هذا الختام يذكرهم بنعمة الله في تيسير هذا القرآن على لسان الرسول العربي الذي يفهمونه ويدركون معانيه. ويخوفهم العاقبة والمصير، في تعبير ملفوف. ولكنه مخيف: فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ). كلمة في السياق: [حول الأفكار التي عرضت في السورة] بدأ المقطع بالأمر بالارتقاب، وانتهى بالأمر بالارتقاب كموقف مقابل للشك الذي عليه الكافرون، والذين يستأهلون عليه العذاب في الدنيا والآخرة، بينما أهل الإيمان يستحقون النصرة في الدنيا والآخرة، وقد بيّنت السورة معاني تعمّق الإيمان بالقرآن، وتنفي الشك عنه، وتبيّن عاقبة الشك، وتبيّن الموقف الإيماني المقابل للشك. وفي الكلمة الأخيرة عن السورة زيادة بيان عن سياق السورة فلنذكر بعض الفوائد التي لها علاقة بالسورة.

стр. 4940

فوائد [حول آيات السورة]: ١ - [كلام ابن كثير والألوسي حول آية إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ] بمناسبة قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ قال ابن كثير: (يقول تعالى مخبرا عن القرآن العظيم أنه أنزله في ليلة مباركة وهي ليلة القدر كما قال إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (القدر: ١) وكان ذلك في شهر رمضان كما قال ﵎ شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ (البقرة: ١٨٥) وقد ذكرنا الأحاديث الواردة في ذلك في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته، ومن قال: إنها ليلة النصف من شعبان كما روي عن عكرمة فقد أبعد النجعة؛ فإن نصّ القرآن أنها في رمضان، والحديث الذي رواه عبد الله ابن صالح عن عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس قال: إن رسول الله ﷺ قال: «تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى إن الرجل لينكح ويولد له وقد أخرج اسمه في الموتى» فهو حديث مرسل ومثله لا يعارض به النصوص). قال الألوسي: (ووصف الليلة بالبركة لما أن إنزال القرآن مستتبع للمنافع الدينية والدنيوية بأجمعها، أو لما فيها من تنزل الملائكة والرحمة، وإجابة الدعوة، وفضيلة العبادة أو لما فيها من ذلك، وتقدير الأرزاق، وفصل الأقضية كالآجال وغيرها. (والمراد بإنزاله في تلك الليلة إنزاله فيها جملة إلى السماء الدنيا من اللوح فالإنزال المنجم في ثلاث وعشرين سنة أو أقل كان من السماء الدنيا وروي هذا عن ابن جرير وغيره، وذكر أن المحل الذي أنزل فيه من تلك السماء البيت المعمور وهو مسامت للكعبة بحيث لو نزل لنزل عليها). أقول: بدأ الإنزال المنجم في رمضان كذلك. ٢ - [تحقيق ابن كثير لتفسير آيتي الدخان والبطشة الكبرى] ذكرنا أن هناك اتجاهين للمفسرين في أمر الدخان والبطشة الكبرى المذكورين في سورة الدخان. ورأينا أن ابن مسعود يرى أن الدخان قد مر. وأن البطشة الكبرى هي ما كان يوم بدر، وأن ابن عباس يرى أن الدخان لم يأت، وهو من علامات الساعة. وأن البطشة الكبرى هي يوم القيامة. ورأي ابن عباس هو الذي رجحه ابن كثير: فلنر تحقيق ابن كثير. قال عند قوله تعالى فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ. (قال سليمان بن مهران الأعمش عن أبي الضحى مسلم بن صبيح عن مسروق قال: دخلنا المسجد- يعني مسجد الكوفة- عند أبواب كندة فإذا رجل يقصّ على

стр. 4941

أصحابه يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ تدرون ماذا الدخان؟ ذلك دخان يأتي يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين منه شبه الزكام، قال: فأتينا ابن مسعود ﵁ فذكرنا ذلك له وكان مضطجعا. ففزع فقعد وقال: إن الله قال لنبيكم ﷺ قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ إن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم، سأحدثكم عن ذلك: إن قريشا لما أبطأت عن الإسلام، واستعصت على رسول الله ﷺ ، دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم من الجهد والجوع حتى أكلوا العظام والميتة، وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان. وفي رواية فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد قال الله تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ* يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقيل له: يا رسول الله استسق الله لمضر فإنها قد هلكت، فاستسقى ﷺ لهم فسقوا، فنزلت إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ قال ابن مسعود ﵁: فيكشف عنهم العذاب يوم القيامة؟ فلما أصابهم الرفاهية عادوا إلى حالهم فأنزل الله يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ قال: يعني يوم بدر، قال ابن مسعود ﵁: فقد مضى خمسة: الدخان والروم والقمر والبطشة واللزام، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين ورواه الإمام أحمد في مسنده، وهو عند الترمذي والنسائي في تفسيرهما، وعند ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق متعددة عن الأعمش به، وقد وافق ابن مسعود ﵁ على تفسير الآية بهذا- وأن الدخان مضى- جماعة من السلف كمجاهد وأبي العالية وإبراهيم النخعي والضحاك وعطية العوفي وهو اختيار ابن جرير. وروى ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن الأعرج في قوله يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ قال: كان يوم فتح مكة، وهذا القول غريب جدا بل منكر. وقال آخرون: لم يمض الدخان بعد، بل هو من أمارات الساعة كما تقدم من حديث أبي سريحة حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال: أشرف علينا رسول الله ﷺ من عرفة، ونحن نتذاكر الساعة فقال ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم، والدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس- أو تحشر الناس- تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا» تفرد بإخراجه مسلم في صحيحه وفي الصحيحين أن

стр. 4942

رسول الله ﷺ قال لابن صياد: «إني خبأت لك خبأ» قال: هو الدخ؟ فقال ﷺ له: «اخسأ فلن تعدو قدرك» قال: وخبأ له رسول الله ﷺ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ وهذا فيه إشعار بأنه من المنتظر المرتقب، وابن صياد كاشف على طريقة الكهّان بلسان الجان، وهم يقرظون العبارة، ولهذا قال: هو الدخ يعني الدخان، فعندها عرف رسول الله ﷺ مادته، وأنها شيطانية، فقال ﷺ «اخسأ فلن تعدو قدرك» ثم روى ابن جرير: عن حذيفة بن اليمان ﵁ يقول قال رسول الله ﷺ «إن أول الآيات الدجال، ونزول عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر، تقيل معهم إذا قالوا، والدخان» قال حذيفة ﵁: يا رسول الله وما الدخان؟ فتلا رسول الله ﷺ هذه الآية: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ* يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ «يملأ ما بين المشرق والمغرب، يمكث أربعين يوما وليلة، أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكمة، وأما الكافر فيكون بمنزلة السكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره» وقال ابن جرير لو صح هذا الحدث لكان فاصلا، وإنما لم أشهد له بالصحة، لأن محمد بن خلف العسقلاني حدثني أنه سأل روّادا- أحد رواة الحديث- عن هذا الحديث هل سمعه من سفيان؟ فقال له: لا، قال: فقلت: أقرأته عليه؟ قال: لا. قال: فقلت له، أقرئ عليه وأنت حاضر؟ فقال: لا، فقلت: من أين جئت به؟ فقال: جاءني به قوم فعرضوه علي وقالوا لي اسمعه منا فقرءوه عليّ ثم ذهبوا فحدثوا به عني أو كما قال، وقد أجاد ابن جرير في هذا الحديث هاهنا فإنه موضوع بهذا السند وروى ابن جرير عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن ربكم أنذركم ثلاثا: الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة، ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه، والثانية الدابة، والثالثة الدجال» رواه الطبراني بإسناد جيد وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يهيج الناس بالدخان، فأما المؤمن فيأخذه كالزكمة، وأما الكافر فينفخه حتى يخرج من كل مسمع منه». وروى بن أبي حاتم عن علي ﵁ قال: لم تمض آية الدخان بعد يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، وتنفخ الكافر حتى ينفذ» وروى ابن جرير من حديث ابن عمر ﵄ قال: يخرج الدخان فيأخذ المؤمن كهيئة الزكام، ويدخل في مسامع الكافر والمنافق حتى يكون كالرأس الحنيذ أي: المشوي على الرضف، وروى ابن جرير عن عبد الله ابن أبي مليكة قال: غدوت على ابن عباس ﵄ ذات يوم فقال:

стр. 4943

ما نمت الليلة حتى أصبحت، قلت: لم؟ قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب فخشيت أن يكون الدخان قد طرق فما نمت حتى أصبحت. وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه، وإسناده صحيح إلى ابن عباس ﵄ حبر الأمة وترجمان القرآن، وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرهما، التي أوردوها بما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة مع أنه ظاهر القرآن، قال الله ﵎ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ أي: بيّن واضح يراه كل أحد، وعلى ما فسره به ابن مسعود ﵁ إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد وهكذا قوله تعالى يَغْشَى النَّاسَ أي: يتغشاهم ويعميهم، ولو كان أمرا خياليا يخص أهل مكة المشركين لما قيل فيه يَغْشَى النَّاسَ وقوله تعالى هذا عَذابٌ أَلِيمٌ أي: يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا كقوله يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا* هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (الطور: ١٣، ١٤) أو يقول بعضهم لبعض ذلك، وقوله : رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ أي: يقول الكافرون إذا عاينوا عذاب الله وعقابه سائلين رفعه وكشفه عنهم كقوله جلت عظمته: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (الأنعام: ٢٧) وكذا قوله جل وعلا: وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ (إبراهيم: ٤٤) وهكذا قال جل وعلا هاهنا: أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ* ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ يقول: كيف لهم بالتذكر وقد أرسلنا إليهم رسولا بيّن الرسالة والنذارة ومع هذا تولّوا عنه وما وافقوه بل كذبوه، وقالوا معلّم مجنون، وهذا كقوله جلت عظمته يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (الفجر: ٢٣) الآية كقوله وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ* وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (سبأ: ٥١، ٥٢) إلى آخر السورة). وقال ابن كثير في قوله تعالى: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ: (فسر ذلك ابن مسعود ﵁ بيوم بدر، وهذا قول جماعة ممن وافق ابن مسعود ﵁ على تفسيره الدخان بما تقدم، وروى أيضا عن ابن عباس ﵄ من رواية العوفي عنه وعن أبي بن كعب ﵁ وهو محتمل، والظاهر أن ذلك

стр. 4944

يوم القيامة وإن كان يوم بدر يوم بطشة أيضا، روى ابن جرير عن عكرمة قال: قال ابن عباس ﵄: قال ابن مسعود ﵁: البطشة الكبرى يوم بدر، وأنا أقول هي يوم القيامة، وهذا إسناد صحيح عنه، وبه يقول الحسن البصري وعكرمة في أصح الروايتين عنه، والله أعلم). ٣ - [كلام ابن كثير حول آية فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ ... ] بمناسبة قوله تعالى: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ قال ابن كثير: (روى الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما من عبد إلا وله في السماء بابان: باب يخرج منه رزقه، وباب يدخل منه عمله وكلامه، فإذا مات فقداه وبكيا عليه» وتلا هذه الآية فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وذكر أنهم لم يكونوا عملوا على الأرض عملا صالحا يبكي عليهم، ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم ولا من عملهم كلام طيب ولا عمل صالح فتفقدهم فتبكي عليهم، ورواه ابن أبي حاتم، وروى ابن جرير عن شريح ابن عبيد الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ. ألا لا غربة على مؤمن. ما مات مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض» ثم قرأ رسول الله ﷺ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ ثم قال «إنهما لا يبكيان على الكافر» وروى ابن أبي حاتم عن عباد بن عبد الله قال: سأل رجل عليا ﵁ هل تبكي السماء والأرض على أحد؟ فقال له: لقد سألتني عن شئ ما سألني عنه أحد قبلك، إنه ليس من عبد إلا له مصلى في الأرض، ومصعد عمله في السماء، وإن آل فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض، ولا عمل يصعد في السماء ثم قرأ علي ﵁ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ وروى ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: أتى ابن عباس ﵄ رجل فقال: يا أبا العباس أرأيت قول الله تعالى: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ فهل تبكي السماء والأرض على أحد؟ قال ﵁: نعم إنه ليس أحد من الخلائق إلا وله باب في السماء منه ينزل رزقه، وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه عمله، وينزل منه رزقه ففقده بكي عليه، وإذا فقده مصلاه من الأرض التي كان يصلي فيها، ويذكر الله فيها بكت عليه، وإن قوم فرعون لم تكن لهم في الأرض آثار صالحة، ولم يكن يصعد إلى الله منهم خير، فلم تبك عليهم السماء والأرض» وروى العوفي عن ابن عباس ﵄ نحو هذا. وقال سفيان الثوري عن أبي يحيى القتات عن مجاهد

стр. 4945

عن ابن عباس ﵄ قال: كان يقال: تبكي الأرض على المؤمن أربعين صباحا، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وغير واحد، وقال مجاهد أيضا: ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحا قال: فقلت له: أتبكي الأرض؟ فقال: أتعجب! وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود؟ وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتكبيره وتسبيحه فيها دوي كدوي النحل. وقال قتادة كانوا [أي: قوم فرعون] أهون على الله من أن تبكي عليهم السماء والأرض). ٤ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ] بمناسبة قوله تعالى: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ قال ابن كثير: (قال تعالى متهددا لهم ومتوعدا ومنذرا لهم بأسه الذي لا يرد كما حل بأشباههم ونظرائهم من المشركين المنكرين للبعث كقوم تبّع وهم سبأ، حيث أهلكهم الله ، وخرّب بلادهم وشرّدهم في البلاد، وفرقهم شذر مذر، كما تقدم ذلك في سورة سبأ، وهي مصدرة بإنكار المشركين للمعاد، وكذلك هاهنا شبههم بأولئك، وقد كانوا عربا من قحطان، كما أن هؤلاء عرب من عدنان، وقد كانت حمير- وهم سبأ- كلما ملك فيهم رجل سموه تبعا، كما يقال: كسرى لمن ملك الفرس، وقيصر لمن ملك الروم، وفرعون لمن ملك مصر كافرا، والنجاشي لمن ملك الحبشة، وغير ذلك من أعلام الأجناس. ولكن اتفق أن بعض تبابعتهم خرج من اليمن وسار في البلاد حتى وصل إلى سمرقند، واشتد ملكه، وعظم سلطانه وجيشه، واتسعت مملكته وبلاده وكثرت رعاياه، وهو الذي مصّر الحيرة، فاتفق أنه مرّ بالمدينة النبوية- وذلك في أيام الجاهلية- فأراد قتال أهلها فمانعوه وقاتلوه بالنهار، وجعلوا يقرونه بالليل، فاستحيا منهم وكفّ عنهم، واستصحب معه حبرين من أحبار يهود كانا قد نصحاه وأخبراه أنه لا سبيل له على هذه البلدة؛ فإنها مهاجر نبي يكون في آخر الزمان، فرجع عنها وأخذهما معه إلى بلاد اليمن، فلما اجتاز بمكة أراد هدم الكعبة، فنهياه عن ذلك أيضا وأخبراه بعظمة هذا البيت، وأنه من بناء إبراهيم الخليل ﵊، وأنه سيكون له شأن عظيم على يدي ذلك النبي المبعوث في آخر الزمان، فعظمها وطاف بها وكساها الملإ والوصائل والحبر، ثم كر راجعا إلى اليمن، ودعا أهلها إلى التهوّد معه، وكان إذ ذاك دين موسى ﵊، فيه من يكون على الهداية قبل بعثة المسيح ﵊، فتهود معه عامة أهل اليمن، وقد ذكر القصة بطولها الإمام محمد بن إسحاق في كتابه السيرة، وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه ترجمة حافلة، أورد فيها أشياء

стр. 4946

كثيرة مما ذكرنا ومما لم نذكر، وذكر أنه ملك دمشق وأنه كان إذا استعرض الخيل صفت له من دمشق إلى اليمن، ثم ساق من طريق عبد الرزاق ... عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «ما أدري الحدود طهارة لأهلها أم لا؟ ولا أدري، أتبّع كان لعينا أم لا؟ ولا أدري ذو القرنين نبيا كان أم ملكا؟» وقال غيره: «عزير أكان نبيا أم لا» وكذا رواه ابن أبي حاتم والدارقطني. تفرد به عبد الرزاق. ثم روى ابن عساكر عن ابن عباس ﵄ مرفوعا: «عزير لا أدري أنبيا كان أم لا؟ ولا أدري ألعين تبعا أم لا؟» ثم أورد ما جاء في النهي عن سبه ولعنته كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وكأنه- والله أعلم- كان كافرا ثم أسلم، وتابع دين الكليم على يدي من كان من أحبار اليهود في ذلك الزمان على الحق قبل بعثة المسيح ﵇، وحج البيت في زمن الجرهميين، وكساه الملإ والوصائل من الحرير والحبر، ونحر عنده ستة آلاف بدنة، وعظمه وأكرمه ثم عاد إلى اليمن. وقد ساق قصته بطولها الحافظ ابن عساكر من طرق متعددة مطولة مبسوطة عن أبي بن كعب وعبد الله بن سلام وعبد الله بن عباس ﵃ وكعب الأحبار، وإليه المرجع في ذلك كله وإلى عبد الله بن سلام أيضا، وهو أثبت وأكبر وأعلم، وكذا روى قصته وهب بن منبه ومحمد بن إسحاق في السيرة كما هو مشهور فيها. وقد اختلط على الحافظ ابن عساكر في بعض السياقات ترجمة تبّع هذا بترجمة آخر متأخر عنه بدهر طويل، فإن تبّعا هذا المشار إليه في القرآن أسلم قومه على يديه، ثم لما توفي عادوا بعده إلى عبادة النيران والأصنام فعاقبهم الله تعالى، كما ذكره في سورة سبأ. وقال سعيد بن جبير: كسا تبّع الكعبة، وكان سعيد ينهى عن سبه، وتبع هذا هو الأوسط واسمه أسعد أبو كريب بن ملكيكورب اليماني، ذكروا أنه ملك على قومه ثلاثمائة سنة وستة وعشرين سنة، ولم يكن في حمير أطول مدة منه، وتوفي قبل مبعث رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بنحو سبعمائة سنة. وذكروا أنه لما ذكر له الحبران من يهود المدينة أن هذه البلدة مهاجر نبي آخر الزمان اسمه أحمد، قال في ذلك شعرا واستودعه عند أهل المدينة فكانوا يتوارثونه ويروونه خلفا عن سلف، وكان ممن يحفظه أبو أيوب خالد بن زيد الذي نزل رسول الله ﷺ في داره وهو: شهدت على أحمد أنه ... رسول من الله باري النسم فلو مدّ عمري إلى عمره ... لكنت وزيرا له وابن عم وجاهدت بالسيف أعداءه ... وفرجت عن صدره كل غم

стр. 4947

وذكر ابن أبي الدنيا أنه حفر قبر بصنعاء في الإسلام فوجدوا فيه امرأتين صحيحتين وعند رأسيهما لوح من فضة مكتوب فيه بالذهب: هذا قبر حيي وليس، وروي حي وتماضر، ابنتي تبّع ماتتا وهما تشهدان أن لا إله إلا الله ولا تشركان به شيئا، وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما. وقد ذكرنا في سورة سبأ شعر سبأ في ذلك أيضا. قال قتادة: ذكر لنا أن كعبا كان يقول في تبّع: نعت الرجل الصالح ذم الله تعالى قومه ولم يذمه، قال: وكانت عائشة ﵂ تقول: لا تسبوا تبعا فإنه كان رجلا صالحا. وروى ابن أبي حاتم عن أبي زرعة يعني عمر بن جابر الحضرمي قال: سمعت سهل بن سعد الساعدي ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «لا تسبوا تبّعا فإنه قد كان أسلم» ورواه الإمام أحمد في مسنده. وروى الطبراني عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﵌ قال: «لا تسبوا تبّعا فإنه قد أسلم». وروى عبد الرزاق عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أدري تبع نبيا كان أم غير نبي؟» وتقدم بهذا السند من رواية ابن أبي حاتم كما أورده ابن عساكر: «لا أدري تبّع كان لعينا أم لا؟» فالله أعلم. ورواه ابن عساكر من طريق .. عن عكرمة عن ابن عباس موقوفا. وروى عبد الرزاق: عن عطاء بن أبي رباح: لا تسبوا تبعا فإن رسول الله ﷺ نهى عن سبه، والله تعالى أعلم). ٥ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ] بمناسبة قوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ قال ابن كثير: (وقد قال الأموي في مغازيه عن عكرمة قال: لقى رسول الله ﷺ أبا جهل- لعنه الله- فقال: «إن الله تعالى أمرني أن أقول لك: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى * ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى قال: فنزع ثوبه من يده وقال: ما تستطيع لي أنت ولا صاحبك من شيء، ولقد علمت أني أمنع أهل البطحاء وأنا العزيز الكريم، قال فقتله الله تعالى يوم بدر وأذله وعيّره بكلمته وأنزل ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ. ٦ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ .. ] بمناسبة قوله تعالى: لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى قال ابن كثير: (كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «يؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار ثم يذبح ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت» وقد تقدم الحديث في سورة مريم عليها الصلاة والسلام. وروى عبد الرزاق عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : «يقال لأهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تعيشوا فلا

стр. 4948

تموتوا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا». رواه مسلم وروى أبو بكر ابن أبي داود السجستاني ... عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من اتقى الله دخل الجنة ينعم فيها ولا يبأس، ويحيا فيها فلا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه» وروى أبو القاسم الطبراني. عن جابر ﵁ قال: سئل نبي الله ﷺ : أينام أهل الجنة؟ فقال ﷺ : «النوم أخو الموت وأهل الجنة لا ينامون» وهكذا رواه أبو بكر بن مردويه في تفسيره عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «النوم أخو الموت وأهل الجنة لا ينامون»، وروى أبو بكر البزار في مسنده عن سفيان عن محمد بن المنكدر عن جابر ﵁ قال: قيل يا رسول الله هل ينام أهل الجنة؟ قال ﷺ : «لا، النوم أخو الموت» ثم قال: لا نعلم أحدا أسنده عن ابن المنكدر عن جابر ﵁ إلا الثوري ولا عن الثوري إلا الفريابي، هكذا قال، وقد تقدم خلاف ذلك والله أعلم). ٧ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ] بمناسبة قوله تعالى: فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ قال ابن كثير: (أي: إنما كان هذا بفضله عليهم وإحسانه إليهم كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «اعملوا وسددوا وقاربوا واعلموا أن أحدا لن يدخله عمله الجنة» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال ﷺ : «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل». ٨ - [كلام النسفي بمناسبة آية إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ] عند قوله تعالى: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ* طَعامُ الْأَثِيمِ قال النسفي: (لأن في كلام العرب خصوصا في القرآن الذي هو معجز بفصاحته وغرابة نظمه وأساليبه من لطائف المعاني والدقائق ما لا يستقل بأدائه لسان من فارسية وغيرها .. ) وإنما نقلنا كلمة النسفي هنا لأن كلمته ذات دلالة في أن الترجمة للقرآن مستحيلة، وإنما تترجم معاني القرآن من خلال فهم المترجم، فكل ترجمة للقرآن إنما هي ترجمة لفهم المترجم لتفسير معاني القرآن. وشتان بين أي ترجمة مهما كانت وبين الأصل. كلمة أخيرة في سورة الدخان ومجموعتها: فصّلت سورة الدخان في المحور الذي فصّلت فيه سورة الزخرف، إلا أن كلا منهما فصّلت على طريقة خاصة بها:

стр. 4949

فسورة الدخان دلّلت على أن هذا القرآن لا ريب فيه من خلال التعريف على الله وصفاته وأفعاله، إذ المعرفة الكاملة لهذا تدل حتما على أن القرآن لا ريب فيه، وإذ كانت المسألة كذلك فإن المرتابين في هذا القرآن ناس مرضى مرضا لا أمل في شفائه. ومع أن المسألة كذلك فقد نوقش هؤلاء المرتابون، أما سورة الزخرف فقد دلّلت على أن هذا القرآن لا ريب فيه، من خلال ذكر خصائص هذا القرآن، وذكر مضمونه، وأمّا سورة الشورى فقد فصّلت في الآيات الأولى من سورة البقرة، والتي منها قوله تعالى الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. وقد أكدت أن القرآن لا ريب فيه من خلال المضمون المشترك لرسالات الله، ومن خلال ظهور آثار أسماء الله فيه، وهذا مظهر من مظاهر التكامل بين سور المجموعة الرابعة من قسم المثاني. ذكرت سورة الشورى أن مضمون رسالات الله هو إقامة دين الله، وعدم التفرق فيه، وذكرت خصائص الجماعة التي تستطيع إقامة دين الله والاجتماع عليه، وفي الزخرف رأينا خصائص هذا القرآن الذي يعرض دين الله ومضمونه الأعلى الحكيم، وكونه يشرّف حامليه، وأن فيه علم الساعة التي هي أعظم حدث يمرّ على هذا العالم. وفي ذلك تربية لحملة الإسلام أن يقيموه ولا يتفرقوا فيه، مع الاعتزاز به، وعدم الالتفات عنه، وعدم الاغترار بحال الكافرين، وما هم عليه. وتأتي سورة الدخان لتبين للمسلم الموقف السليم أمام شك الشاكين: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ، فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ. فهذا مظهر ثان من مظاهر التكامل بين سور المجموعة الرابعة. ومن مظاهر التكامل في السور الثلاث أن كلا من السور الثلاث ذكرت بعض خصائص القرآن، فسورة الشورى تذكر من خصائص القرآن: أنه منذر، وأنه الصيغة الوحيدة للحق والعدل، وأنه روح يحيا به الإنسان. وسورة الزخرف تذكر من خصائص القرآن: أنه عليّ، وأنه حكيم، وأنه ذكر، وأنه علم للساعة. وسورة الدخان تذكر من خصائص القرآن أنه مظهر من مظاهر رحمة الله ، وهكذا نجد المجموعة تتكامل مع بعضها فتؤدي بمجموعها خدمة متكاملة في نواح متعددة. وما ذكرناه نموذج على التكامل بين المجموعة وإلا فالأمر أوسع مما ذكرناه. ***

стр. 4950

المجموعة الخامسة من القسم الثالث من أقسام القرآن المسمّى بقسم المثاني وتشمل سور: الجاثية، والأحقاف، ومحمد، والفتح، والحجرات، وق

стр. 4951

كلمة في المجموعة الخامسة من قسم المثاني تتألف هذه المجموعة من ست سور، وبها ينتهي قسم المثاني، وهي تفصّل- كالعادة- في محاور من سورة البقرة، ابتداء من الآيات الأولى منها، إلى آيات تأتي بعد ذلك، ونستطيع أن نقول إن المجموعتين الثالثة والرابعة هما بمثابة أساس ومقدمات لهذه المجموعة، وهذا يعطي هذه المجموعة أهمية خاصة، لأن فيها كلاما كثيرا عن الحركة الداخلية والخارجية للأمة الإسلامية. فلنبدأ عرض سور المجموعة لنتحدث عند كل سورة منها عن محورها وصلاتها بما قبلها وبما بعدها، وعن محلّها في مجموعتها. ***

стр. 4952

سورة الجاثية وهي السّورة الخامسة والأربعون بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة الأولى من المجموعة الخامسة من قسم المثاني وآياتها سبع وثلاثون آية وهي مكيّة وهي السّورة السادسة من آل (حم)

стр. 4953

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم

стр. 4954

بين يدي السورة: [تقديم صاحب الظلال والألوسي للسورة] قال صاحب الظلال: (هذه السورة المكية تصور جانبا من استقبال المشركين للدعوة الإسلامية. وطريقتهم في مواجهة حججها وآياتها، وتعنتهم في مواجهة حقائقها وقضاياها، واتباعهم للهوى اتباعا كاملا في غير ما تحرج من حق واضح أو برهان ذي سلطان. كذلك تصور كيف كان القرآن يعالج قلوبهم الجامحة، الشاردة مع الهوى، المغلقة دون الهدى؛ وهو يواجهها بآيات الله القاطعة العميقة التأثير والدلالة، ويذكرهم عذابه، ويصور لهم ثوابه، ويقرر لهم سننه، ويعرفهم بنواميسه الماضية في هذا الوجود. ومن خلال آيات السورة وتصويرها للقوم الذين واجهوا الدعوة في مكة، نرى فريقا من الناس مصرّا على الضلالة، مكابرا في الحق، شديد العناد، سيئ الأدب في حق الله وحق كلامه، ترسمه هذه الآيات؛ وتواجهه بما تستحقه من الترذيل والتحذير والتهديد بعذاب الله المهين الأليم العظيم). وقال الألوسي في تقديمه لسورة الجاثية: (وتسمى سورة الشريعة، وسورة الدهر، كما حكاه الكرماني في العجائب لذكرهما فيها. وهي مكية. قال ابن عطية: بلا خلاف، وذكر الماوردي: إلا قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا الآية فمدنية، وحكى هذا الاستثناء في جمال القراء عن قتادة، وسيأتي الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى. وهي سبع وثلاثون آية في الكوفي، وست وثلاثون في الباقية لاختلافهم في حم هل هي آية مستقلة أو لا؟ ومناسبة أولها لآخر ما قبلها في غاية الوضوح). كلمة في سورة الجاثية ومحورها: نلاحظ من خلال التأمّل في سورة الجاثية أن محورها هو قوله تعالى من سورة البقرة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. تبدأ سورة الجاثية بمقدمة هي: حم* تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.

стр. 4955

ثم تأتي مجموعة تستمر حتى نهاية الآية (١١) إذ تستقر على قوله تعالى: هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ. ثم تأتي مجموعة ثانية تستمر حتى نهاية الآية (٢٠) إذ تستقر على قوله تعالى: هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ. ويمكن أن تعتبر هاتان المجموعتان هما المقطع الأول في السورة، ثم تسير السورة في المناقشة والعرض، وبيان مواقف الكافرين وآرائهم وأحوالهم وتفنيدها، والتذكير باليوم الآخر وما يكون فيه، ويستغرق ذلك مجموعتين: مجموعة تبدأ بقوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ وتستمر حتى نهاية الآية (٢٧). إذ تستقر على قوله تعالى: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ. ومجموعة تبدأ بقوله تعالى: وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وتستمر حتى تستقر على قوله تعالى. فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ* وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الآية (٣٧). وهاتان المجموعتان تشكلان المقطع الثاني في السورة. ونلاحظ التشابه بين الآيتين اللتين استقرت عليهما المجموعتان اللتان تشكلان المقطع الأول، كما نلاحظ التشابه بين الآيتين اللتين استقرت عليهما المجموعتان اللتان تشكلان المقطع الثاني. ومن رؤيتنا للآيتين اللتين استقرت عليهما مجموعتا المقطع الأول. هذا أي: القرآن هُدىً، هذا أي: القرآن بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ندرك صلة السورة بالآية الأولى من مقدمة سورة البقرة .. الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ... ومن رؤيتنا لقوله تعالى في المقطع الثاني. أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ .. الآية (٢٣) ندرك صلة السورة بقوله تعالى من مقدمة سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ .. وندرك سببا جديدا من أسباب الطبع

стр. 4956

على القلوب كما سنرى. ومن ثم قلنا إن سورة الجاثية محورها الآيات السبع الأولى من سورة البقرة. وهاهنا نستطيع أن نسجّل ملاحظة هي: إن مقدمة سورة البقرة قد فصّلت فيها حتى الآن سور كثيرة: آل عمران .. ويونس .. والحجر .. وطه .. والأنبياء .. والعنكبوت. والروم. ولقمان .. والسجدة .. والصافات .. وص .. والزمر .. وغافر .. والشورى .. والجاثية .. ولكنّ كلا من هذه السور فصّل بشكل يكمّل تفصيل الأخرى وإن كان الجميع يفصّلون في المقدمة، وقد يكون تركيز سورة من هذه السور على آية من المقدمة، فتكون هي محورها، وقد تفصّل سورتان في آية واحدة ولكنّ كلا منهما تفصل في حيثية معينة من المحور، وهكذا يتنوّع التفصيل: تجد السورة التي تفصّل في الآية الأولى من مقدمة سورة البقرة كسورة يونس ﵇، وتجد السورة التي تفصّل في الآيات الخمسة الأولى من المقدمة كسورة آل عمران. ونجد السورة التي تفصّل في الآيتين التاليتين كالأنبياء من حيثية معينة، وتجد السورة التي تفصل في نفس الآيتين ولكن من حيثية أخرى كسورة ص وسورة غافر، وتجد السورة التي تفصل في الآيات السبع كالجاثية. وهكذا تجد الأنواع المتعددة للتفصيل لمقدمة سورة البقرة أو لبعضها بشكل عجيب. فإذا انتقلت إلى الآيات التي تأتي بعد المقدمة مباشرة تجد الشئ نفسه. فتجد سورة النساء تفصل في كلمة التقوى، وتجد سورة هود تفصل في كلمة العبادة، وتجد سورة الحج تفصّل في التقوى والعبادة والتوحيد، وتجد السور الثلاث تفصّل في آيتين فقط مما يأتي بعد المقدمة، ثم تجد سورة الأحزاب تفصّل في الآيات السبع التي تأتي بعد المقدمة من سورة البقرة. وهكذا تجد إبداعا في التفصيل والعرض لا يخطر على بال بشر. فكما أن مرجع الأشياء كلها في هذا الكون- وما أكثرها- إلى حوالي مائة عنصر منها تتركب مجموعة الأشياء التي يبدو أن كلا منها له ذاتيته المستقلة. وكما أن مجموع العناصر مرجعه إلى شيئين اثنين: إلكترونات وبروتونات، تتكاثر في الذرة الواحدة فيحدث عنصر جديد. فإنك تجد في القرآن الشئ نفسه، إذ تجد أن مجموعة سور القرآن تفصّل في معان موجودة في سورة واحدة، ولكنه تفصيل مدهش عجيب يتركب من هذا كله (١١٤) سورة، نستطيع أن نستخرج من هذه المائة والأربع عشرة

стр. 4957

سورة ملايين المواضيع الكاملة المتكاملة المبينة لأي قضية من قضايا الوجود وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ حتى إنك لتجد الجواب عن ملايين المسائل في التشريع والسلوك والاعتقاد، كلها في هذا القرآن وهذا بعض ما فيه. فسورة البقرة تشبه الالكترونات والبروتونات. وسور القرآن تشبه العناصر التي تتألف منها المادة. والمواضيع التي تنبثق عنها تشبه مركبات هذا الكون التي لا تتناهى. وهذا مظهر من مظاهر الوحدة التي تدل على الواحد. فكما سجلنا في كتابنا (الله ﷻ في ظاهرة الوحدة كيف أن في هذا الكون ما يدل على أن صانعه واحد، فإننا نسجل هنا كيف أن القرآن تظهر فيه هذه الوحدة، لكن الكون مخلوق، وهذا القرآن كلام الله .. فما يصدر عن الله تظهر فيه آثار صفاته وأسمائه، ومن ذلك وحدانيته، ومن خلال التأمل في القرآن الذي هو كلام الله الأزلي القديم، ومن خلال التأمّل في هذا الكون الذي هو خلق الله ندرك ظهور الله لخلقه، وندرك بعض عظمة ربنا، وندرك بعض عظمة هذا القرآن، إنّ هذا القرآن أعظم من هذا الكون، لأن الكون خلقه والقرآن كلماته. نقول هذا بمناسبة الكلام عن سورة الجاثية؛ لأن المجموعتين الأوليين في سورة الجاثية تحدثاننا عن الكون لتستقر كل منهما على ذكر خاصية من خواص هذا القرآن، مما يشير إلى أن الله أراد أن يلفت نظرنا إلى الصلة بين آياته في الكون، وآياته في القرآن. فلنر السورة. ***

стр. 4958

المقدمة وتشمل الآيتين الأوليين من السورة وهاتان هما: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤٥/ ١ - ٢ التفسير: حم* تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ في انتقامه الْحَكِيمِ في تدبيره وأقواله وأفعاله. كلمة في السياق: [حول صلة المقدمة بسورة البقرة وبزمرة آل (حم)] هذه مقدمة السورة ونلاحظ أنها هي نفس مقدمة سورة الزمر مع زيادة حم، وهي تشعرنا بموضوع السورة، كما تشعرنا بأنها مظهر اسمي الله العزيز والحكيم من خلال عرض معانيها، فالله له العزة وله الحكمة، وهذا القرآن مجلى أسمائه كلها. ومن ذلك: اسماه العزيز الحكيم، وهذه السورة مجلى لظهور هذين الاسمين بشكل كامل، ومن مظاهر عزّته أنه كلّف، وأنّه يحاسب، ومن مظاهر حكمته أنه خلق الكون على هذا الكمال، وأنزل القرآن على مثل هذا الكمال، فهو ﷻ متصف بكمال العزة، ومتصف بكمال الحكمة، وسنرى في السورة هذا المعنى واضحا، وإذا كانت السورة تفصل في الآيات السبع الأولى لسورة البقرة التي بدايتها الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ فإن بداية السورة يظهر فيها منذ البداية صلتها بهذا التفصيل، ولننتقل إلى المجموعة الأولى من المقطع الأول ..

стр. 4959

[المقطع الأول من السورة وهو الآيات (٣ - ٢٠)] المجموعة الأولى من المقطع الأول وتمتد من الآية (٣) إلى نهاية الآية (١١) وهذه هي: ٤٥/ ٣ - ١١ التفسير: إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ أي: لدلالات على وجود الله وصفاته وأسمائه وأفعاله لِلْمُؤْمِنِينَ أما غير المؤمنين فإنهم في عمى عن رؤية الآيات. حددت هذه الآية أن المؤمنين وحدهم هم الذين يرون آيات الله في السموات والأرض، أو في خلق السموات والأرض، ثم قال تعالى. وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُ

стр. 4960

أي: ينشر ويخلق مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ في كتابنا (الله ﷻ ذكرنا كيف أن أول الظواهر التي تدل على وجود الله ظاهرة حدوث الكون. وذكرنا هناك من الأدلة العقلية والعلمية على ذلك ما يقطع دابر الشك. وذكرنا في الكتاب جملة من الظواهر، منها ظاهرة الحياة، ودلّلنا هناك على أن هذه الظاهرة المتمثلة في الإنسان وبقية الأحياء تدل على الله دلالة جازمة قاطعة، فليراجع الكتاب، وقد لفتت السورة النظر إلى ظاهرة الحدوث، ثم ثنّت بذكر ظاهرة الحياة، وبيّنت أن ظاهرة الحدوث تدرك بمجرد الإيمان، إلا أن ظاهرة الحياة تحتاج إلى يقين ثم قال تعالى: وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ أي: من السحاب مِنْ رِزْقٍ أي: من مطر وسمّي المطر بالرزق لأنه سببه فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها أي: بعد ما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شئ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ قال ابن كثير: (أي: جنوبا وشمالا ودبورا وصبا، برية وبحرية، ليلية ونهارية، ومنها ما هو للمطر، ومنها ما هو للقاح، ومنها ما هو غذاء للأرواح، ومنها ما هو عقيم) آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ دلّ ذلك على أن من كان له عقل عرف في اختلاف الليل والنهار، وإنزال المطر وتصريف الرياح آيات تدل على الله ووجوده وأسمائه وصفاته. وقد أشارت الآية إلى معان من الحكمة يستدل بها ذو العقل على الله وأسمائه وصفاته ووجوده. وقد لاحظنا أن الآية الأخيرة ذكرت العقل، والتي قبلها ذكرت اليقين، والأولى ذكرت الإيمان، ونأخذ من ذلك أن هناك آيات في الكون تدرك بمجرد العقل يعبر بها الإنسان إلى الله، وآيات لا بد لإحساس القلب فيها من يقين، وآيات لا بد لإحساس القلب فيها من إيمان، ثم قال تعالى تِلْكَ قال النسفي: إشارة إلى الآيات المتقدمة، وقال ابن كثير: يعني: القرآن بما فيه من الحجج والبينات. أقول: الإشارة ترجع إلى نوعي الآيات الكونية والقرآنية بآن واحد. فههنا تتحد الآية القرآنية بالآية الكونية آياتُ اللَّهِ أي: دلالاته وحججه في الكون والقرآن. نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ قال ابن كثير: أي: متضمنة الحق من الحق فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ أي: فإذا كانوا لا يؤمنون بالله ولا بآياته، ولا ينقادون لها، فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون، وإذ تبين أنّ هؤلاء الذين لا يؤمنون لا يمنعهم من الإيمان شبهة ولا حجة- بل الحجج كلها قائمة عليهم- فإن الله يقول مهددا لهم وواصفا إياهم: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أي: كذاب أَثِيمٍ أي: مبالغ في اقتراف الآثام. يَسْمَعُ هذا الكذاب الأثيم آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ أي: تقرأ ثُمَّ يُصِرُّ على

стр. 4961

كفره وجحوده استكبارا وعنادا، ومن ثم قال تعالى: مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها أي: كأنه ما سمعها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ أي: فأخبره أن له عند الله تعالى يوم القيامة عذابا أليما موجعا جزاء على استكباره عن الإيمان بالآيات، والإذعان لما تنطق به عن الحق، مزدريا لها، معجبا بما عنده وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً أي: وإذا بلغه شئ من آياتنا سخر منه، قال ابن كثير: أي: إذا حفظ شيئا من القرآن كفر به واتخذه سخريا وهزوا أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ أي: مذل في مقابلة ما استهانوا بالقرآن واستهزءوا به. دلّ ذلك على أن المتصفين بالإثم والكذب، والمعرضين عن آيات الله، والمستهزئين بها هم الذين لا يؤمنون، فليس كفرهم أثرا عن موقف عقلي أو علمي، بل كفرهم أثر عن اتصافهم بأمراض متراكمة تحول بينهم وبين الإيمان، ويستحقون بذلك العذاب، وقد فسّر الله العذاب الحاصل لهؤلاء يوم المعاد فقال: مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ أي: من قدامهم جهنم قال ابن كثير: أي: كل من اتصف بذلك سيصيرون إلى جهنم يوم القيامة وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا من الأموال والأولاد شَيْئاً أي: من عذاب الله وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ من الأوثان والأنداد أَوْلِياءَ أي: آلهة ونصراء وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ في جهنم. ثم قال تعالى: هذا هُدىً قال ابن كثير: يعني: القرآن وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ أي: بالقرآن لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ هو أشدّ العذاب أَلِيمٌ أي: مؤلم. قال صاحب الظلال في الآية الأخيرة: (إن حقيقة هذا القرآن أنه هدى. هدى خالص مصفى. هدى ممحّض لا يشوبه ضلال. فالذي يكفر بعد ذلك بالآيات- وهذه حقيقتها- يستحق ألم العذاب الذي يمثله توكيد معنى الشدة والإيلام. فالرجز هو العذاب الشديد. والعذاب الذي يهددون به هو عذاب من رجز أليم .. تكرار بعد تكرار وتوكيد بعد توكيد. يليق بمن يكفر بالهدى الخالص الممحض الصريح). وبهذا انتهت المجموعة الأولى من المقطع الأول. كلمة في السياق: [حول دور القرآن في الهداية وتوضيح الصلة بين السورة والمحور] ١ - في الآيات الأولى من المجموعة أرانا الله مظاهر حكمته. وفي الآيات الأخيرة التي فيها وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ أرانا الله مظاهر عزته، وفي ذلك تأكيد لما ذكرناه من أن القرآن مجلى أسماء الله كلها. وهذه السورة المصدّرة بذكر اسمين من أسمائه عزّ

стр. 4962

وجل فيها مجلى لظهور هذين الاسمين بشكل كامل. ٢ - بعد أن أرانا الله مظاهر من آياته الكونية وآياته القرآنية، وبيّن أنّ سبب الكفر هو الأمراض القلبية والسلوكية، ذكر صفة من صفات كتابه- وهو كونه هُدىً- وبين عاقبة الكافرين به. ٣ - وصف الله كتابه بأنه هدى بعد أن دلّل على ذاته وصفاته وأسمائه في المجموعة، مما يشير إلى أن أظهر ما في القرآن من هداية هو دلالته على الله وصفاته وأسمائه. ٤ - رأينا أن الكذب والإثم والكبر هي الأمراض الصارفة للإنسان عن الهداية، ومن ثم فإنّ تحرر الإنسان منها هو البداية الصحيحة للاهتداء بكتاب الله. ٥ - لاحظ الصلة بين قوله تعالى: هذا هُدىً وبين قوله تعالى في المحور: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. وبين قوله تعالى في السورة: لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ، آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وبين قوله تعالى في المحور: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ... وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ... وبين قوله تعالى في السورة: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ .. ، ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ وبين قوله تعالى في المحور: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. فالصلة بين المجموعة وبين محور السورة واضحة، وتفصيل السورة للمحور واضح. فالسورة فصلت في الأمراض التي تسبب ختم القلب، وفصّلت في التدليل على أن هذا القرآن هدى، وفصّلت في الطريق إلى الاهتداء وشروطه من عقل ويقين وإيمان. ولننتقل الآن إلى المجموعة الثانية من المقطع الأول، وهي تشبه المجموعة الأولى من حيث إنها تبدأ بجولة في هذا الكون، ثم تستقر على الكلام عن القرآن هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ ...

стр. 4963

المجموعة الثانية من المقطع الأول وتمتد من الآية (١٢) إلى نهاية الآية (٢٠) وهذه هي: ٤٥/ ١٢ - ٢٠ التفسير: اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ أي: السفن فِيهِ بِأَمْرِهِ أي: بإذنه وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ أي: في المتاجر والمكاسب، وبالغوص عن اللؤلؤ

стр. 4964

والمرجان، واستخراج اللحم الطري وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي: على حصول المنافع المجلوبة إليكم من الأقاليم النائية والآفاق القاصية وغير ذلك. وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي: من الكواكب والشموس والأقمار، والجبال والبحار والأنهار وجميع ما تنتفعون به جَمِيعاً مِنْهُ قال ابن كثير: أي: الجميع من فضله وإحسانه وامتنانه. أي: من عنده وحده لا شريك له في ذلك. قال النسفي: أي سخّر هذه الأشياء كائنة منه أي: حاصلة من عنده إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أي: لدلالات على الله وصفاته وأسمائه لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ دلّ هذا على أن هذا النوع من الآيات يعرفه الإنسان بمجرد الفكر وفي كتابنا (الله ﷻ تحدثنا عن ظاهرة العناية في هذا الكون، إذ إن كل ما فيه وجد بشكل ما لصالح الإنسان، فمن تفكر في هذا المعنى آمن وشكر. وقد ذكرت هاتان الآيتان ظاهرة العناية، وإذا كان استيعاب هذا المعنى يقتضي شكرا وإيمانا بالله واليوم الآخر بآن واحد، فإن هذا لم يخلق عبثا، فإن الآيتين الآتيتين تتحدثان عما ينبغي أن يقابل به المؤمنون الكافرين وعن سنة الله في الحساب. قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ أي: لا يتوقعون وقائع الله بأعدائه، أو للذين لا يؤمّلون الأوقات التي وقّتها الله تعالى لثواب المؤمنين، ووعدهم الفوز فيها، قل للمؤمنين أن يعفوا عن هؤلاء ويصفحوا. قال ابن كثير: (وكان هذا في ابتداء الإسلام، أمروا أن يصبروا على أذى المشركين، وأهل الكتاب، ليكون ذلك كالتأليف لهم، ثمّ لمّا أصروا على العناد شرع الله للمؤمنين الجلاد والجهاد) ثم بيّن الله الحكمة في هذا الأمر فقال: لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ قال ابن كثير: (أي إذا صفحوا عنهم في الدنيا فإن الله يجازيهم بأعمالهم السيئة في الآخرة) وقال النسفي: هذا تعليل الأمر بالمغفرة، أي: إنما أمروا بأن يغفروا ليوفيهم جزاء مغفرتهم يوم القيامة، وتنكير قَوْماً على المدح لهم، وكأنه قيل: ليجزي أيّما قوم قوما مخصوصين بصبرهم على أذى أعدائهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أي: من الإحسان. هكذا فسّرها النسفي. وقال ابن كثير: أي: إذا صفحوا عنهم في الدنيا فإن الله يجازيهم بأعمالهم السيئة في الآخرة ولهذا قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها أي: لها الثواب وعليها العقاب ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ فيجازيكم. قال ابن كثير: أي: تعودون إليه يوم القيامة فتعرضون بأعمالكم عليه،

стр. 4965

فيجزيكم بأعمالكم خيرها وشرها، وإذ قرر الله اقتضاء النعمة للشكر، واقتضاء الشكر والكفر للحساب والعقاب، وبعد أن أمر المؤمنين بالصفح عن الكافرين، وهذا في سياق إنزال الكتاب، فمن ثمّ يحدثنا الله عن أن هذا الإنزال على محمد ﷺ ليس بدعا، وما تقابل به هذه الشريعة ليس جديدا، وما يحدث من اختلاف عليها ليس غريبا قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ أي: أي: التوراة وَالْحُكْمَ أي: الحكمة والفقه، أو فصل الخصومات بين الناس. وَالنُّبُوَّةَ فكان الأنبياء فيهم كثيرين وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أي: مما أحل الله لهم وأطاب من الأرزاق وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ أي: على عالمي زمانهم وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ أي: آيات ومعجزات مِنَ الْأَمْرِ أي: من أمر الدين فَمَا اخْتَلَفُوا أي: فما وقع الخلاف بينهم في الدين إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ أي: إلا من بعد ما جاءهم ما هو موجب لزوال الخلاف وهو العلم، وإنّما اختلفوا لبغي حدث بينهم، أي: لعداوة هي أثر عن ظلم وحسد بينهم إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ قال ابن كثير: أي: سيفصل الله بينهم بحكمه العدل، وهذا فيه تحذير لهذه الأمّة أن تسلك مسلكهم، وأن تقصد منهجهم، ولهذا قال جل وعلا: ثُمَّ جَعَلْناكَ بعد اختلاف أهل الكتاب عَلى شَرِيعَةٍ أي: على طريقة ومنهاج مِنَ الْأَمْرِ أي: من أمر الدين فَاتَّبِعْها أي: فاتبع شريعتك الثابتة بالحجج والدلائل وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ أي: ولا تتبع ما لا حجة عليه من أهواء الجهال ودينهم المبني على هوى وبدعة إِنَّهُمْ أي: إن أهل الهوى والجهل لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي: من العذاب وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ للمشاركة فيما بينهم وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ وهم موالوه. قال النسفي: (وما أبين الفضل بين الولايتين) أي: ولاية الظالمين بعضهم لبعض، وولاية الله للمتقين، فكن أيها المسلم تقيا لتكون لله وليا، قال تعالى هذا أي: القرآن بَصائِرُ لِلنَّاسِ أي: عيونا لقلوبهم ترى فيها الأشياء على حقيقتها. قال النسفي: (جعل ما فيه من معالم الدين والشرائع بمنزلة البصائر في القلوب كما جعل روحا وحياة) ثم قال تعالى مكملا الحديث عن كتابه: وَهُدىً أي: من الضلال وَرَحْمَةٌ من العذاب لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أي: لمن آمن وأيقن. قال صاحب الظلال في الآية الأخيرة: (ووصف القرآن بأنه بصائر للناس يعمق معنى الهداية فيه والإنارة. فهو بذاته بصائر كاشفة كما أن البصائر تكشف لأصحابها عن

стр. 4966

الأمور. وهو بذاته هدى. وهو بذاته رحمة .. ولكن هذا كله يتوقف على اليقين. يتوقف على الثقة التي لا يخامرها شك، ولا يخالطها قلق. ولا تتسرب إليها ريبة. وحين يستيقن القلب ويستوثق يعرف طريقه، فلا يتلجلج ولا يتلعثم ولا يحيد. وعندئذ يبدو له الطريق واضحا، والأفق منيرا. والغاية محددة، والنهج مستقيما. وعندئذ يصبح هذا القرآن له نورا وهدى ورحمة بهذا اليقين .. ) وبهذا انتهت المجموعة الثانية والأخيرة من المقطع الأول. كلمة في المجموعة الثانية ومقطعها: [حول أهمية القرآن للإنسان بعامة ولهذه الأمة بخاصة] ١ - جاء قوله تعالى: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها بعد الكلام عن موقف بني إسرائيل من شريعتهم. ثم جاء وصف القرآن بأنه بصائر وهدى ورحمة بعد ذلك، مما يشير إلى أن اتباع القرآن هو الواجب، وأن في هذا الاتباع الرؤية الصحيحة للأشياء، وأن فيه الرحمة والهداية. ٢ - جاء قوله تعالى: هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ .. بعد ذكر اختلافات بني إسرائيل، مما يشير إلى أن هذه الأمة إذا اختلفت فمعتصمها كتاب الله؛ فإنه الدليل وفيه الرحمة. ٣ - بدأت المجموعة بذكر ظاهرة العناية وبنت عليها، ثم ذكرت ما أنزل الله على بني إسرائيل، وكيف كان موقفهم منه، ثم ذكرت ما أنزله الله على هذه الأمة، وألزمت به، ثم جاء وصف القرآن بما رأيناه، مما يشير إلى أن القرآن هو الذي يعطينا الرؤية الواضحة في محل الإنسان في الكون، وفي كل ما يختلف فيه الناس، وفي كل ما ينبغي فعله، وأن فيه الهدى في ذلك كله، وأن فيه الرحمة لمن اتصف بصفة اليقين. ٤ - في محور السورة من سورة البقرة نجد قوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ .... وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ وهاهنا نجد قوله تعالى: هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ فالصلة بين الآية التي استقر عليها سياق المجموعة الثانية من السورة وبين المحور واضحة، فالقرآن بصيرة وهدى ورحمة لمن اتصف باليقين في أمر الآخرة، وغيرها من أركان الإيمان. ٥ - عرضت علينا المجموعة مظاهر من الحكمة، ومظاهر من العزة، فمن مظاهر

стр. 4967

الحكمة: تسخير الله الكون والبحر للإنسان. ومن مظاهر العزة: مجازاة الإنسان، والفصل بين المختلفين في الشريعة، والمطالبة باتباع الشريعة، وتولي الله لأهل التقوى، وهذا يذكرنا بما قلناه من قبل أنّ السورة مظهر لا سمي الله العزيز الحكيم، اللذين بدأت بهما السورة. ٦ - وهكذا نجد المقطع في مجموعتيه عمّق موضوع كون القرآن هدى، وذكر صفات من يهتدي به، وشروط هذه الهداية، وبيّن طبيعة الذين لا يهتدون. إنها طبيعة آثمة كاذبة مستكبرة باغية جاهلة متّبعة للهوى، أما الطبيعة المهتدية فمن خصائصها الإيمان، والعقل، والفكر، واليقين، والاتباع، والصدق، والطاعة، والإنصاف، والعلم. ومن ثم يأتي المقطع الثاني مبتدئا بموازنة بين أهل الإيمان والعمل الصالح، وبين أهل الإثم. وكنا ذكرنا أن المقطع الثاني يتألف من مجموعتين. إلا أنه لتداخل معاني المجموعتين تعرض المقطع كله عرضا واحدا فلنره: المقطع الثاني من سورة الجاثية ويمتد من الآية (٢١) إلى نهاية الآية (٣٧) أي: إلى نهاية السورة، وهذا هو: ٤٥/ ٢١ - ٢٣

стр. 4968

٤٥/ ٢٤ - ٣٧

стр. 4969

التفسير: أَمْ حَسِبَ أي: بل أحسب الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أي: اكتسبوا المعاصي والكفر أَنْ نَجْعَلَهُمْ أي: أن نصيّرهم كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ أي: نساويهم بهم في الدنيا والآخرة ساءَ ما يَحْكُمُونَ قال ابن كثير. أي: ساء ما ظنوا بنا، وبعد لنا أن نساوي بين الأبرار والفجار، في الدار الآخرة، وفي هذه الدار، وقال النسفي: (أي: بئس ما يقضون إذا حسبوا أنهم كالمؤمنين، فليس من أقعد على بساط الموافقة، كمن أقعد على مقام المخالفة، بل نفرّق بينهم، فنعلي المؤمنين ونخزي الكافرين) ففي الآية إنكار أن يستوي المسيئون والمحسنون محيا وأن يستووا مماتا، لافتراق أحوالهم أحياء، حيث عاش هؤلاء على القيام بالطاعات، وأولئك على اقتراف السيئات، ومماتا حيث مات هؤلاء على البشرى بالرحمة والكرامة، وأولئك على اليأس من الرحمة والندامة، وحيث عاش هؤلاء على برد اليقين، وعاش هؤلاء على قلق المعذبين الشاكّين الحائرين، وحيث عاش هؤلاء على الرعاية والرضا، وعاش هؤلاء بالإمهال والاغترار والأخذ واليأس وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أي: بالعدل، هذا تعليل لعدم استواء الفجّار والأبرار وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ومن ثم لا يستوي الأبرار والفجار. وبعد أن بيّن الله عدم استواء الطرفين، أهل الهدى وأهل الضلال يحدثنا عن الذين يتبعون أهواءهم والذين نهى الله عن اتباعهم في آخر المقطع السابق بقوله: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ فههنا يبيّن لنا أن من كان شأنه اتباع الهوى لا يهتدي: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ قال ابن كثير: أي: إنما يأتمر بهواه، فمهما رآه حسنا فعله، ومهما رآه قبيحا تركه، وقال النسفي: أي: هو مطاوع لهوى النفس، يتّبع ما تدعوه إليه، فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلهه وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ أي: أضله الله لعلمه أنه يستحق ذلك، أو أضله الله بعد بلوغ العلم إليه، وقيام الحجة عليه وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ. فلا يقبل وعظا وَقَلْبِهِ فلا يعتقد حقا وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فلا يبصر عبرة، فهو لا يسمع ما ينفعه في أمر دينه ودنياه وآخرته، ولا يعي شيئا يهتدي به، ولا يرى حجة يستضئ

стр. 4970

بها، ولهذا قال تعالى: فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أي: من بعد إضلال الله إياه أَفَلا تَذَكَّرُونَ فتتعظون، فأصل الشر متابعة الهوى، والخير كله في مخالفته. كلمة في السياق: [حول تفصيل السورة لأسباب عقوبة الله للكافرين] رأينا قبل أن محور السورة هو الآيات السبع الأولى من سورة البقرة والتي فيها: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وقد رأينا في الآية التي مرّت معنا أن سبب هذا الختم هو اتباع الهوى، وقد رأينا كذلك في السورة من قبل سبب الضلال، من إفك، وإثم، واستكبار، فالسورة إذن تفصّل في أسباب عقوبة الله للكافرين، إذ يختم على قلوبهم، وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم، وتحدّد للمؤمنين موقفهم منهم وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ .. وتبين عدم استواء هؤلاء وهؤلاء في الدنيا والآخرة، وتبيّن ما لهؤلاء وهؤلاء في الدنيا والآخرة. وبعد أن بيّن الله سبب ضلال الكفار- وهو اتباع الهوى- يعرض علينا شبهة من شبههم التي يتكئون عليها في كفرهم باليوم الآخر، وذلك هو علّة أمراضهم. وَقالُوا ما هِيَ أي: ما الحياة إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا التي نحن فيها نَمُوتُ وَنَحْيا أي: نموت نحن ونحيا ببقاء أولادنا، أو يموت بعض ويحيا بعض، أو نكون مواتا نطفا في الأصلاب، ونحيا بعد ذلك، أو يصيبنا الأمران: الموت والحياة، يريدون أنّه لا حياة إلا الحياة الدنيا وأن الموت بعدها، وليس وراء ذلك حياة. ويشبه هذا القول قول القائلين بالتناسخ، إذ يقولون: إن الإنسان يموت، ثم تجعل روحه في موات فيحيا به وهكذا دواليك وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ كانوا يزعمون أن مرور الأيام والليالي هو المؤثر في هلاك الأنفس، وينكرون ملك الموت وقبضه الأرواح بإذن الله، وكانوا يضيفون كلّ حادثة تحدث إلى الدهر والزمان، لذلك ترى أشعارهم ناطقة بشكوى الزمان ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ أي: ما يقولون ذلك عن علم ويقين، ولكن عن ظنّ وتخمين إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ أي: يتوهمون ويتخيلون وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ أي: إذا استدل عليهم وبيّن لهم الحق، وأن الله تعالى قادر على إعادة الأبدان

стр. 4971

بعد فنائها وتفرقها ببيان القرآن الذي ما بعده بيان .. ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي: أحيوهم إن كان ما تقولونه حقا، وهذه لغة الكافرين في كل زمان، يرفضون الإيمان باليوم الآخر؛ لأنه لم يجئ ميت فيخبرنا، ونسوا أن كلام الرسول المعصوم، والقرآن المعجز أقوى وأثبت من كلام أي إنسان، حتى ولو عاد إلى الحياة من الموت، لأنه من يدرينا- حتى لو عاد إلى الحياة- أنه صادق، ولكنّ الرسول ﷺ قامت كل الأدلة على صدقه، والقرآن قامت كل الأدلة على أنه من عند الله الذي لا أصدق منه، وقد أخبرانا عن الآخرة، ولكنه العمى، وقد ردّ الله عليهم بقوله: قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ .. ومن كان قادرا على ذلك كله كان قادرا على الإتيان بآبائكم ضرورة، فالذي قدر على البداءة قادر على الإعادة بطريق الأولى والأحرى، ولكن سنّته أن يجمعكم إلى يوم القيامة، وليست سنته أن يعيدكم في الدنيا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أي لا يعرفون قدرة الله على البعث، لإعراضهم عن التفكير في الدلائل، فلهذا ينكرون المعاد، ويستبعدون قيام الأجساد. وبعد أن دلّل الله على اليوم الآخر بقدرته على البداءة، يذكر دليلا ثانيا على ذلك، وهو مالكيته للأشياء كلها، ومن كان كذلك فهو قادر على أن يفعل ما شاء وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: ومن كان كذلك فهو القادر على كل شئ، والحاكم في كل شئ، ومن ثم فلا بد من يوم آخر، ثم عقّب على هذا المعنى واعظا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أي: القيامة يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ وهم الكافرون بالله، الجاحدون بما أنزله على رسله من الآيات البينات، والدلائل الواضحات وبعد أن أقام الله الحجة أنذر: وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً أي: جالسة على الركب من الهول والشدة والعظمة. قال ابن كثير: (ويقال: إن هذا إذا جئ بجهنم فإنها تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جثا لركبتيه كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا أي: إلى صحائف أعمالها فيقال لهم: الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. في الدنيا: قال ابن كثير: أي: تجازون بأعمالكم خيرها وشرها هذا كِتابُنا أي: الذي كتبته الملائكة عليكم يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ أي: من غير زيادة ولا نقصان. أي: يشهد عليكم بما عملتم كاملا قال ابن كثير: أي: يستحضر جميع أعمالكم من غير زيادة ولا نقص. إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي: نستكتب الملائكة أعمالكم .. قال النسفي: وليس ذلك بنقل من كتاب بل معناه نثبت

стр. 4972

فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ أي: في جنته، وإنما يستحق ذلك من آمن قلبه وعملت جوارحه الأعمال الصالحة، وهي الخالصة الموافقة للشرع ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ أي: البيّن الواضح وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فيقال لهم: أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ في الدنيا فَاسْتَكْبَرْتُمْ عن الإيمان بها وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ أي: كافرين وَإِذا قِيلَ لكم في الدنيا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بالجزاء حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها أي: لا شك فيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ أي: ما ندري أي شئ هى الساعة أي: لا نعرفها إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا أي: إن نتوهم وقوعها إلا توهما مرجوحا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ أي: بمتحققين وَبَدا لَهُمْ أي: وظهر لهؤلاء الكفار سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا أي: قبائح أعمالهم، أو عقوبات أعمالهم السيئات وَحاقَ بِهِمْ أي: ونزل بهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي: من العذاب والنكال، أي: وأحاط بهم ما استهزءوا به من النكال والعذاب، أو ونزل بهم جزاء استهزائهم وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا أي: نعاملكم معاملة الناسي لكم في نار جهنم، كما نسيتم لقاء يوم القيامة، فلم تعملوا له؛ لأنكم لم تصدقوا به. قال النسفي: أي: نترككم في العذاب كما تركتم عدّة لقاء يومكم، وهي الطاعة وَمَأْواكُمُ النَّارُ أي: ومنزلكم النار وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ ينصرونكم من بأس الله ذلِكُمْ أي: العذاب بِأَنَّكُمُ أي: بسبب أنكم اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً أي: إنما جازيناكم هذا الجزاء لأنكم اتخذتم حجج الله عليكم سخريا، تسخرون وتستهزءون بها وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا أي: خدعتكم فاطمأننتم إليها فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها أي: من النار وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ أي: ولا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم، أي: يرضوه. قال ابن كثير: أي: لا يطلب منهم العتبى، بل يعذبون بغير حساب ولا عتاب، كما تدخل طائفة من المؤمنين الجنة بغير عذاب ولا حساب. كلمة في السياق: [حول الفارق بين الكافرين والمؤمنين في الآخرة] بدأ المقطع كما رأينا بقوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ وسار المقطع حتى استقر على بيان الفارق بين الكافرين والمؤمنين في الآخرة فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 4973

وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ* وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا .. وقد رأينا فيما بين ذلك الأسباب الكبرى لاستحقاق الكافرين العذاب، وهي الاستهزاء بآيات الله، والاغترار بالدنيا، ولم يبق عندنا في المقطع والسورة إلا آيتان فلنرهما ثم نذكر محلهما في السياق: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ قال النسفي: أي: فاحمدوا الله الذي هو ربكم ورب كل شئ من السموات والأرض والعالمين، فإن مثل هذه الربوبية العامة توجب الحمد والثناء على كل مربوب وَلَهُ الْكِبْرِياءُ أي: العظمة والمجد والسلطان فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ أي: في انتقامه الذي لا يغالب ولا يمانع الْحَكِيمُ في أحكامه وأقواله وأفعاله وشرعه وقدره. قال النسفي في الآية: أي: وكبّروه فقد ظهرت آثار كبريائه وعظمته في السموات والأرض. كلمة في المقطع والسياق: [حول الربط بين المقطعين الأول والثاني وصلة ذلك بالمحور] ١ - نلاحظ أن السورة بدأت بذكر اسمي الله العزيز الحكيم، وختمت بذكر اسمي الله العزيز الحكيم، وكما رأينا ظهور آثار هذين الاسمين في معاني المقطع الأول. فإن المقطع الثاني كذلك، تظهر فيه معاني الحكمة والعزة، إن في عدم المساواة بين المؤمنين والكافرين، أو في إقامة الحجج على الكافرين أو في ما أعده للمؤمنين والكافرين. ٢ - نلاحظ أن السورة ختمت بذكر استحقاق الله للحمد، واتصافه بالكبرياء، وحكمة ذلك أن السورة ذكرت ما خلق الله ممّا هو لصالح الإنسان، وذكرت عدل الله، وذكرت إنزاله هذا القرآن وبعض خصائصه، وذكرت ما أعدّ لأهل الجنة، ولأهل النار، وكل ذلك يقتضي من عباده حمدا، ويدلّ على كبريائه وعظمته ومجده. ٣ - نلاحظ أن المقطع الثاني بنى على المقطع الأول، فالمقطع الأول ذكر خصائص للقرآن، وأقام الدليل عليها. وجاء المقطع الثاني ليبين نتائج الإيمان، ونتائج الكفر، وأسباب مواقف الكفر، وبعضا من هذه المواقف. ورد عليها، وصلة ذلك بالمحور وصلة واضحة. وفي الكلمة الأخيرة عن السورة زيادة بيان فلننقل الآن بعض الفوائد.

стр. 4974

فوائد [حول آيات السورة]: ١ - [كلام صاحب الظلال حول آية وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ .. ] عند قوله تعالى: وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قال صاحب الظلال: (والرزق قد يكون المقصود به هو الماء النازل من السماء. كما فهم منه القدماء. ولكن رزق السماء أوسع. فهذه الأشعة التي تنزل من السماء ليست أقل أثرا في إحياء الأرض من الماء، بل إنها لهي التي ينشأ عنها الماء بإذن الله. فحرارة الشمس هي التي تبخر الماء من البحار، فتتكاثف وتنزل أمطارا، وتجري عيونا وأنهارا؛ وتحيا بها الأرض بعد موتها. تحيا بالماء وتحيا بالحرارة والضياء سواء؟) ٢ - [كلام الألوسي حول آية قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ] وعند قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ قال الألوسي: (أي يعفوا ويصفحوا عن الذين لا يتوقعون وقائعه تعالى بأعدائه ونقمته فيهم، فالرجاء مجاز عن التوقع، وكذا الأيام مجاز عن الوقائع، من قولهم: أيام العرب لوقائعها، وهو مجاز مشهور، وروي ذلك عن مجاهد. أو لا يأملون الأوقات التي وقّتها الله تعالى لثواب المؤمنين، ووعدهم الفوز فيها، والآية قيل: نزلت قبل آية القتال ثم نسخت بها وقال بعضهم: لا نسخ؛ لأن المراد هنا ترك النزاع في المحقرات والتجاوز عن بعض ما يؤذي ويوحش. وحكى النحاس، والمهدوي عن ابن عباس أنها نزلت في عمر رضي الله تعالى عنه شتمه مشترك بمكة قبل الهجرة فهمّ أن يبطش به، فنزلت. وروي ذلك عن مقاتل، وهذا ظاهر في كونها مكية كأخواتها. نعم قيل: إن النبي ﷺ وأصحابه نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر يقال له المريسيع، فأرسل ابن أبيّ غلامه ليستقي فأبطأ عليه، فلما أتاه قال له: ما حبسك؟ قال: غلام عمر، قعد على طرف البئر، فما ترك أحدا يستقي حتى ملأ قرب النبي ﷺ وقرب أبي بكر رضى الله تعالى عنه، فقال ابن أبي: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل سمّن كلبك يأكلك، فبلغ ذلك عمر رضي الله تعالى عنه فاشتمل سيفه يريد التوجه إليه فأنزل الله تعالى الآية؛ وحكاه الإمام عن ابن عباس وهو يدل على أنها مدنية، وكذا ما روي عن ميمون بن مهران قال: إن فنحاصا اليهودي قال لما أنزل الله تعالى مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً*: احتاج رب محمد، فسمع بذلك عمر ﵁ فاشتمل سيفه، وخرج، فبعث النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في طلبه حتى رده ونزلت الآية.

стр. 4975

٣ - [كلام صاحب الظلال حول آية ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها .. ] وعند قوله تعالى: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ قال صاحب الظلال: (وهكذا يتمحض الأمر. فإما شريعة الله. وإما أهواء الذين لا يعلمون .. وليس هنالك من فرض ثالث، ولا طريق وسط بين الشريعة المستقيمة والأهواء المتقلبة؛ وما يترك أحد شريعة الله إلا ليحكّم الأهواء، فكل ما عداها هوى يهفو إليه الذين لا يعلمون! والله- سبحانه- يحذر رسوله ﷺ أن يتّبع أهواء الذين لا يعلمون، فهم لا يغنون عنه من الله شيئا. وهم يتولون بعضهم بعضا. وهم لا يملكون أن يضروه شيئا حين يتولى بعضهم بعضا، لأن الله هو مولاه إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ وإن هذه الآية مع التي قبلها لتعيّن سبيل صاحب الدعوة وتحدده، وتغني في هذا عن كل قول وعن كل تعليق أو تفصيل: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ* إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً، وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ .. إنها شريعة واحدة هي التي تستحق هذا الوصف، وما عداها أهواء منبعها الجهل. وعلى صاحب الدعوة أن يتّبع الشريعة وحدها، ويدع الأهواء كلها. وعليه ألا ينحرف عن شئ من الشريعة إلى شئ من الأهواء. فأصحاب هذه الأهواء أعجز من أن يغنوا عنه من الله صاحب الشريعة. وهم إلب عليه فبعضهم ولي لبعض. وهم يتساندون فيما بينهم ضد صاحب الشريعة فلا يجوز أن يأمل في بعضهم نصرة له، أو جنوحا عن الهوى الذي يربط بينهم برباطه. ولكنهم أضعف من أن يؤذوه. والله ولي المتقين. وأين ولاية من ولاية؟ وأين ضعاف جهال مهازيل يتولى بعضهم بعضا؛ من صاحب شريعة يتولاه الله. ولي المتقين؟) ٤ - [كلام الألوسي حول آية أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ .. ] وعند قوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ قال الألوسي: يستنبط منها تباين حالي المؤمن العاصي والمؤمن الطائع؛ ولهذا كان كثير من العباد يبكون عند تلاوتها حتى إنها تسمى مبكاة العابدين لذلك، فقد أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد. والطبراني، وجماعة عن أبي الضحى قال: قرأ تميم الداري سورة الجاثية فلما أتى على قوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ الآية، لم يزل يكررها ويبكي حتى
следующие страницы →