Полный текст (6 440 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.
стр. 4971
بعد فنائها وتفرقها ببيان القرآن الذي ما بعده بيان .. ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي: أحيوهم إن كان ما تقولونه حقا، وهذه لغة الكافرين في كل زمان، يرفضون الإيمان باليوم الآخر؛ لأنه لم يجئ ميت فيخبرنا، ونسوا أن كلام الرسول المعصوم، والقرآن المعجز أقوى وأثبت من كلام أي إنسان، حتى ولو عاد إلى الحياة من الموت، لأنه من يدرينا- حتى لو عاد إلى الحياة- أنه صادق، ولكنّ الرسول ﷺ قامت كل الأدلة على صدقه، والقرآن قامت كل الأدلة على أنه من عند الله الذي لا أصدق منه، وقد أخبرانا عن الآخرة، ولكنه العمى، وقد ردّ الله عليهم بقوله:
قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ .. ومن كان قادرا على ذلك كله كان قادرا على الإتيان بآبائكم ضرورة، فالذي قدر على البداءة قادر على الإعادة بطريق الأولى والأحرى، ولكن سنّته أن يجمعكم إلى يوم القيامة، وليست سنته أن يعيدكم في الدنيا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أي لا يعرفون قدرة الله على البعث، لإعراضهم عن التفكير في الدلائل، فلهذا ينكرون المعاد، ويستبعدون قيام الأجساد. وبعد أن دلّل الله على اليوم الآخر بقدرته على البداءة، يذكر دليلا ثانيا على ذلك، وهو مالكيته للأشياء كلها، ومن كان كذلك فهو قادر على أن يفعل ما شاء
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: ومن كان كذلك فهو القادر على كل شئ، والحاكم في كل شئ، ومن ثم فلا بد من يوم آخر، ثم عقّب على هذا المعنى واعظا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أي: القيامة يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ وهم الكافرون بالله، الجاحدون بما أنزله على رسله من الآيات البينات، والدلائل الواضحات وبعد أن أقام الله الحجة أنذر:
وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً أي: جالسة على الركب من الهول والشدة والعظمة. قال ابن كثير:
(ويقال: إن هذا إذا جئ بجهنم فإنها تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جثا لركبتيه كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا أي: إلى صحائف أعمالها فيقال لهم: الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. في الدنيا: قال ابن كثير: أي: تجازون بأعمالكم خيرها وشرها
هذا كِتابُنا أي: الذي كتبته الملائكة عليكم يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ أي: من غير زيادة ولا نقصان. أي: يشهد عليكم بما عملتم كاملا قال ابن كثير: أي: يستحضر جميع أعمالكم من غير زيادة ولا نقص. إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي:
نستكتب الملائكة أعمالكم .. قال النسفي: وليس ذلك بنقل من كتاب بل معناه نثبت
стр. 4972
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ أي: في جنته، وإنما يستحق ذلك من آمن قلبه وعملت جوارحه الأعمال الصالحة، وهي الخالصة الموافقة للشرع ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ أي: البيّن الواضح
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فيقال لهم: أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ في الدنيا فَاسْتَكْبَرْتُمْ عن الإيمان بها وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ أي: كافرين
وَإِذا قِيلَ لكم في الدنيا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بالجزاء حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها أي: لا شك فيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ أي: ما ندري أي شئ هى الساعة أي: لا نعرفها إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا أي: إن نتوهم وقوعها إلا توهما مرجوحا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ أي: بمتحققين
وَبَدا لَهُمْ أي:
وظهر لهؤلاء الكفار سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا أي: قبائح أعمالهم، أو عقوبات أعمالهم السيئات وَحاقَ بِهِمْ أي: ونزل بهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي: من العذاب والنكال، أي: وأحاط بهم ما استهزءوا به من النكال والعذاب، أو ونزل بهم جزاء استهزائهم
وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا أي: نعاملكم معاملة الناسي لكم في نار جهنم، كما نسيتم لقاء يوم القيامة، فلم تعملوا له؛ لأنكم لم تصدقوا به. قال النسفي: أي: نترككم في العذاب كما تركتم عدّة لقاء يومكم، وهي الطاعة وَمَأْواكُمُ النَّارُ أي: ومنزلكم النار وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ ينصرونكم من بأس الله
ذلِكُمْ أي: العذاب بِأَنَّكُمُ أي: بسبب أنكم اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً أي: إنما جازيناكم هذا الجزاء لأنكم اتخذتم حجج الله عليكم سخريا، تسخرون وتستهزءون بها وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا أي: خدعتكم فاطمأننتم إليها فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها أي: من النار وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ أي: ولا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم، أي: يرضوه. قال ابن كثير: أي: لا يطلب منهم العتبى، بل يعذبون بغير حساب ولا عتاب، كما تدخل طائفة من المؤمنين الجنة بغير عذاب ولا حساب.
كلمة في السياق: [حول الفارق بين الكافرين والمؤمنين في الآخرة]
بدأ المقطع كما رأينا بقوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ وسار المقطع حتى استقر على بيان الفارق بين الكافرين والمؤمنين في الآخرة فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 4973
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ* وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا .. وقد رأينا فيما بين ذلك الأسباب الكبرى لاستحقاق الكافرين العذاب، وهي الاستهزاء بآيات الله، والاغترار بالدنيا، ولم يبق عندنا في المقطع والسورة إلا آيتان فلنرهما ثم نذكر محلهما في السياق:
فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ قال النسفي: أي:
فاحمدوا الله الذي هو ربكم ورب كل شئ من السموات والأرض والعالمين، فإن مثل هذه الربوبية العامة توجب الحمد والثناء على كل مربوب
وَلَهُ الْكِبْرِياءُ أي:
العظمة والمجد والسلطان فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ أي: في انتقامه الذي لا يغالب ولا يمانع الْحَكِيمُ في أحكامه وأقواله وأفعاله وشرعه وقدره. قال النسفي في الآية: أي: وكبّروه فقد ظهرت آثار كبريائه وعظمته في السموات والأرض.
كلمة في المقطع والسياق: [حول الربط بين المقطعين الأول والثاني وصلة ذلك بالمحور]
١ - نلاحظ أن السورة بدأت بذكر اسمي الله العزيز الحكيم، وختمت بذكر اسمي الله العزيز الحكيم، وكما رأينا ظهور آثار هذين الاسمين في معاني المقطع الأول. فإن المقطع الثاني كذلك، تظهر فيه معاني الحكمة والعزة، إن في عدم المساواة بين المؤمنين والكافرين، أو في إقامة الحجج على الكافرين أو في ما أعده للمؤمنين والكافرين.
٢ - نلاحظ أن السورة ختمت بذكر استحقاق الله للحمد، واتصافه بالكبرياء، وحكمة ذلك أن السورة ذكرت ما خلق الله ممّا هو لصالح الإنسان، وذكرت عدل الله، وذكرت إنزاله هذا القرآن وبعض خصائصه، وذكرت ما أعدّ لأهل الجنة، ولأهل النار، وكل ذلك يقتضي من عباده حمدا، ويدلّ على كبريائه وعظمته ومجده.
٣ - نلاحظ أن المقطع الثاني بنى على المقطع الأول، فالمقطع الأول ذكر خصائص للقرآن، وأقام الدليل عليها. وجاء المقطع الثاني ليبين نتائج الإيمان، ونتائج الكفر، وأسباب مواقف الكفر، وبعضا من هذه المواقف. ورد عليها، وصلة ذلك بالمحور وصلة واضحة. وفي الكلمة الأخيرة عن السورة زيادة بيان فلننقل الآن بعض الفوائد.
стр. 4974
فوائد [حول آيات السورة]:
١ - [كلام صاحب الظلال حول آية وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ .. ]
عند قوله تعالى: وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قال صاحب الظلال: (والرزق قد يكون المقصود به هو الماء النازل من السماء. كما فهم منه القدماء. ولكن رزق السماء أوسع. فهذه الأشعة التي تنزل من السماء ليست أقل أثرا في إحياء الأرض من الماء، بل إنها لهي التي ينشأ عنها الماء بإذن الله. فحرارة الشمس هي التي تبخر الماء من البحار، فتتكاثف وتنزل أمطارا، وتجري عيونا وأنهارا؛ وتحيا بها الأرض بعد موتها. تحيا بالماء وتحيا بالحرارة والضياء سواء؟)
٢ - [كلام الألوسي حول آية قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ]
وعند قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ قال الألوسي: (أي يعفوا ويصفحوا عن الذين لا يتوقعون وقائعه تعالى بأعدائه ونقمته فيهم، فالرجاء مجاز عن التوقع، وكذا الأيام مجاز عن الوقائع، من قولهم: أيام العرب لوقائعها، وهو مجاز مشهور، وروي ذلك عن مجاهد. أو لا يأملون الأوقات التي وقّتها الله تعالى لثواب المؤمنين، ووعدهم الفوز فيها، والآية قيل: نزلت قبل آية القتال ثم نسخت بها
وقال بعضهم: لا نسخ؛ لأن المراد هنا ترك النزاع في المحقرات والتجاوز عن بعض ما يؤذي ويوحش. وحكى النحاس، والمهدوي عن ابن عباس أنها نزلت في عمر رضي الله تعالى عنه شتمه مشترك بمكة قبل الهجرة فهمّ أن يبطش به، فنزلت. وروي ذلك عن مقاتل، وهذا ظاهر في كونها مكية كأخواتها.
نعم قيل: إن النبي ﷺ وأصحابه نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر يقال له المريسيع، فأرسل ابن أبيّ غلامه ليستقي فأبطأ عليه، فلما أتاه قال له: ما حبسك؟
قال: غلام عمر، قعد على طرف البئر، فما ترك أحدا يستقي حتى ملأ قرب النبي ﷺ وقرب أبي بكر رضى الله تعالى عنه، فقال ابن أبي: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل سمّن كلبك يأكلك، فبلغ ذلك عمر رضي الله تعالى عنه فاشتمل سيفه يريد التوجه إليه فأنزل الله تعالى الآية؛ وحكاه الإمام عن ابن عباس وهو يدل على أنها مدنية، وكذا ما روي عن ميمون بن مهران قال: إن فنحاصا اليهودي قال لما أنزل الله تعالى مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً*: احتاج رب محمد، فسمع بذلك عمر ﵁ فاشتمل سيفه، وخرج، فبعث النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في طلبه حتى رده ونزلت الآية.
стр. 4975
٣ - [كلام صاحب الظلال حول آية ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها .. ]
وعند قوله تعالى: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ قال صاحب الظلال: (وهكذا يتمحض الأمر. فإما شريعة الله.
وإما أهواء الذين لا يعلمون .. وليس هنالك من فرض ثالث، ولا طريق وسط بين الشريعة المستقيمة والأهواء المتقلبة؛ وما يترك أحد شريعة الله إلا ليحكّم الأهواء، فكل
ما عداها هوى يهفو إليه الذين لا يعلمون!
والله- سبحانه- يحذر رسوله ﷺ أن يتّبع أهواء الذين لا يعلمون، فهم لا يغنون عنه من الله شيئا. وهم يتولون بعضهم بعضا. وهم لا يملكون أن يضروه شيئا حين يتولى بعضهم بعضا، لأن الله هو مولاه إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ وإن هذه الآية مع التي قبلها لتعيّن سبيل صاحب الدعوة وتحدده، وتغني في هذا عن كل قول وعن كل تعليق أو تفصيل:
ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ* إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً، وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ..
إنها شريعة واحدة هي التي تستحق هذا الوصف، وما عداها أهواء منبعها الجهل.
وعلى صاحب الدعوة أن يتّبع الشريعة وحدها، ويدع الأهواء كلها. وعليه ألا ينحرف عن شئ من الشريعة إلى شئ من الأهواء. فأصحاب هذه الأهواء أعجز من أن يغنوا عنه من الله صاحب الشريعة. وهم إلب عليه فبعضهم ولي لبعض. وهم يتساندون فيما بينهم ضد صاحب الشريعة فلا يجوز أن يأمل في بعضهم نصرة له، أو جنوحا عن الهوى الذي يربط بينهم برباطه. ولكنهم أضعف من أن يؤذوه. والله ولي المتقين. وأين ولاية من ولاية؟ وأين ضعاف جهال مهازيل يتولى بعضهم بعضا؛ من صاحب شريعة يتولاه الله. ولي المتقين؟)
٤ - [كلام الألوسي حول آية أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ .. ]
وعند قوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ قال الألوسي:
يستنبط منها تباين حالي المؤمن العاصي والمؤمن الطائع؛ ولهذا كان كثير من العباد يبكون عند تلاوتها حتى إنها تسمى مبكاة العابدين لذلك، فقد أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد. والطبراني، وجماعة عن أبي الضحى قال: قرأ تميم الداري سورة الجاثية فلما أتى على قوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ الآية، لم يزل يكررها ويبكي حتى
стр. 4976
أصبح وهو عند المقام. وأخرج ابن أبي شيبة عن بشير مولى الربيع بن خيثم أن الربيع كان يصلي فمرّ بهذه الآية أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ إلخ فلم يزل يرددها حتى أصبح، وكان الفضيل ابن عياض يقول لنفسه إذا قرأها: ليت شعري من أي الفريقين أنت.
وقال ابن عطية: إن لفظها يعطي أن اجتراح السيئات هو اجتراح الكفر لمعادلته بالإيمان، ويحتمل أن تكون المعادلة بالاجتراح وعمل الصالحات، ويكون الإيمان في الفريقين، ولهذا بكى الخائفون عند تلاوتها. ورأيت كثيرا من المغرورين المستغرقين ليلهم ونهارهم بالفسق والفجور يقولون بلسان القال والحال: نحن يوم القيامة أفضل حالا من كثير من العابدين، وهذا منهم- والعياذ بالله تعالى- ضلال بعيد، وغرور ما عليه مزيد ساءَ ما يَحْكُمُونَ أي: ساء حكمهم هذا وهو الحكم بالتساوي).
٥ - [كلام ابن كثير حول آية وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ قال ابن كثير: (أي: ما ثم إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون، وما ثم معاد ولا قيامة، وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون المعاد، وتقوله الفلاسفة الإلهيون منهم، وهم ينكرون البداءة والرجعة، وتقوله الفلاسفة الدهرية المنكرون للصانع، المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شئ إلى ما كان عليه، وزعموا أن هذا قد تكرر مرات لا تتناهى، فكابروا العقول، وكذبوا المنقول؛ ولهذا قالوا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ قال الله تعالى: وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ أي يتوهّمون ويتخيلون. فأما الحديث الذي أخرجه صاحبا الصحيح وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول تعالى:
يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلّب ليله ونهاره» وفي رواية:
«لا تسبوا الدهر فإن الله تعالى هو الدهر». وقد أورده ابن جرير بسياق غريب جدا فقال: عن سعد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، وهو الذي يهلكنا يميتنا ويحيينا فقال الله تعالى في كتابه: وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ ويسبون الدهر، فقال الله : يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدى الأمر، أقلب الليل والنهار» وكذا رواه ابن أبي حاتم، ثم روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله تعالى: يسبّ ابن آدم الدهر وأنا الدهر بيدي الليل والنهار» وأخرجه صاحبا الصحيح والنسائي، وروى محمد بن إسحاق عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله تعالى: استقرضت عبدي فلم
стр. 4977
يعطني وسبني عبدي، يقول: وا دهراه وأنا الدهر» قال الشافعي وأبو عبيدة وغيرهما من الأئمة في تفسير قوله ﷺ «لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر»: كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شدة أو بلاء أو نكبة قالوا: يا خيبة الدهر، فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر، ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله تعالى، فكأنهم إنما سبّوا الله ، لأنه فاعل ذلك في الحقيقة، فلهذا نهى عن سبّ الدهر بهذا الاعتبار، لأن الله تعالى هو الدهر الذي يعنونه ويسندون إليه تلك الأفعال، هذا أحسن ما قيل في تفسيره وهو المراد والله أعلم. وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدّهم الدهر من الأسماء الحسنى أخذا من هذا الحديث).
٦ - [كلام ابن كثير حول آية وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً]
في قوله تعالى: وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً قال ابن كثير: (أي: على ركبها من الشدة والعظمة، ويقال: إن هذا إذا جئ بجهنم فإنها تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جثا بركبتيه حتى
إبراهيم الخليل ﵊، ويقول نفسي نفسي نفسي، لا أسألك اليوم إلا نفسي، وحتى إن عيسى ﵊ ليقول: لا أسألك اليوم إلا نفسي، لا أسألك مريم التي ولدتني. قال مجاهد وكعب الأحبار والحسن البصري كل أمة جائية أي: على الركب. وقال عكرمة: جاثية متميزة على ناحيتها، وليس على الركب والأولى أولى. روى ابن أبي حاتم بسنده أن رسول الله ﷺ قال: «كأني أراكم جاثين بالكوم دون جهنم». وروى إسماعيل بن أبي رافع المديني عن محمد بن كعب عن أبي هريرة رضى الله عنه مرفوعا في حديث الصور فيتميز الناس وتجثو الأمم وهي التي يقول الله تعالى: وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا وهذا فيه جمع بين القولين ولا منافاة والله أعلم).
٧ - [كلام ابن كثير حول آية إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ]
بمناسبة قوله تعالى: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قال ابن كثير:
(أي: إنا كنا نأمر الحفظة أن تكتب أعمالكم عليكم. قال ابن عباس ﵄ وغيره: تكتب الملائكة أعمال العباد، ثم تصعد بها إلى السماء، فيقابلون الملائكة الذين في ديوان الأعمال على ما بأيدي الكتبة، مما قد أبرز لهم من اللوح المحفوظ في كل ليلة قدر مما كتبه الله في القدم على العباد قبل أن يخلقهم فلا يزيد حرفا ولا ينقص حرفا ثم قرأ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).
٨ - [كلام ابن كثير حول آية نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا]
بمناسبة قوله تعالى: نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قال ابن كثير:
وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول لبعض العبيد يوم القيامة: «ألم أزوجك؟ ألم
стр. 4978
أكرمك؟ ألم أسخّر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: أفظننت أنك ملاقيّ؟ فيقول: لا فيقول الله تعالى: فاليوم أنساك كما نسيتني»).
٩ - [كلام ابن كثير حول آية وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ .. قال ابن كثير: (وقد ورد في الحديث الصحيح: «يقول الله تعالى: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدا منهما أسكنته ناري» رواه مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد رضى الله عنهما عن رسول الله ﷺ بنحوه).
كلمة أخيرة في سورة الجاثية:
١ - فصّلت السورة في الآيات السبع الأولى من سورة البقرة، أي: في موضوع المتقين والكافرين، فعرفنا كثيرا مما أجمل في أول سورة البقرة، وعرفنا كثيرا عن بعض الأمور التي ذكرت هناك بشكل تقريري.
٢ - عرفنا بشكل دقيق أن ما سوى شريعة الله هو الهوى. جاء ذلك بعد ذكر اختلاف بني إسرائيل من بعد ما جاءهم العلم. مما يشير إلى أن كل خلاف في هذه الأمة سببه البغى، وسببه اتباع الهوى، وأن الحكم العدل هو في شريعة الله ، وفي ذلك درس كبير لمسلمي عصرنا الذين اختلفوا كثيرا وأهملوا كثيرا.
٣ - عرفنا من السورة أن من خصائص هذا القرآن أنه بصائر للناس، أي: أنه عيون لقلوبهم يرون بها الأشياء على حقائقها، وبأحجامها، وفي ذلك درس كبير للمسلم ألّا يرى شيئا في هذا الوجود إلا بعين القرآن، وإن الذي لا يرى الناس والأشياء والأمور وكل شئ بهذه العين أعمى. إن كثيرين من الناس لا يرون الأمور السياسية بهذه العين، وإن كثيرين لا يرون الأمور الاقتصادية بهذه العين، وإن كثيرين لا يرون الأمور الاجتماعية بهذه العين، هؤلاء كلهم عميان على الحقيقة، إن المسلم الحق هو الذي يرى الأشياء كلها بنور القرآن.
٤ - رأينا أن محور السورة هو الآيات السبع من أول سورة البقرة، وقد رأينا أن التفصيل انصب على قضية الاهتداء بالقرآن والكفر به، أكثر مما انصب على أي شئ آخر. ومن ثم فإن السورة بدأت بقوله تعالى: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ
стр. 4979
الْحَكِيمِ ثم ختمت المجموعة الأولى منها بقوله تعالى: هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ ثم ختمت المجموعة الثانية بقوله تعالى: هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ورأينا في المجموعة الأولى: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ* يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ* وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ورأينا في المقطع الثاني: وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ ورأينا كذلك في المقطع الثاني ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ...
٥ - مع أن السورة فصّلت في محورها كما رأينا، إلا أن سياقها الخاص ووحدتها كانا على غاية من التسلسل والوحدة، فبعد أن أوصلتنا المجموعة الأولى إلى حقيقة من خصائص القرآن، ثم أوصلتنا المجموعة الثانية إلى خصائص أخرى، وعرفتنا المجموعتان على المواقف الكافرة من هذا القرآن، انصبّ الكلام في المقطع الثاني على بيان عدم المساواة بين أهل الإيمان وأهل الكفر، وهكذا أدّت السورة دورها في السياق العام للقرآن الكريم، كما أدّت دورها في محلّها من مجموعتها وكلّ ذلك ضمن سياقها الخاص بها.
***
стр. 4980
سورة الأحقاف
وهي السّورة السّادسة والأربعون بحسب الرسم القرآني وهي السّورة الثانية من المجموعة الخامسة من قسم المثاني وآياتها خمس وثلاثون آية وهي مكيّة وهي السّورة السّابعة والأخيرة من آل (حم)
стр. 4981
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم
стр. 4982
كلمة في سورة الأحقاف ومحورها:
يلاحظ أن هناك شبها بين سورة الأحقاف وسورتي فصّلت وهود؛ ففي سورة فصّلت يرد قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ .... (الآية: ٣٠). وفي سورة الأحقاف يرد قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ .... (الآية: ١٣).
وفي سورة فصّلت يرد قوله تعالى: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ* إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ .... (الآيتان: ١٣، ١٤) وفي سورة الأحقاف يرد قوله تعالى: وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ .... (الآية: ٢١).
وفي سورة فصّلت يرد قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ. (الآية: ٥٢) وفي سورة الأحقاف يرد قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ. (الآية: ١٠).
وفي سورة هود يرد قوله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ (الآية: ١١٢) وترد فيها قصص مجموعة رسل منهم هود، كلهم دعوا لعبادة الله وحده، وذلك يشبه ما ورد في سورة الأحقاف.
ويرد في سورة هود قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ. (الآية: ١٣) ونجد في سورة الأحقاف قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً.
وفي سورة هود يرد قوله تعالى: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (الآية: ١٧).
وفي سورة الأحقاف نجد قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ*
стр. 4983
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ* وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ. (الآيات: ١٠ - ١٢).
وهذا كله يستأنس به على أن محور سورة الأحقاف هو نفسه محور سورتي هود وفصّلت، ولقد رأينا أنّ محور سورتي هود وفصّلت هو قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وهاهنا نجد قوله تعالى قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (الآيتان: ٤، ٥).
فمحور السورة من سورة البقرة يدعو إلى عبادة الله وحده، وسورة الأحقاف تناقش من يعبد غيره.
رأينا أن سورة الجاثية فصّلت في مقدمة سورة البقرة، ويأتي بعد مقدّمة سورة البقرة المقطع الأول من القسم الأول منها، وهو مقطع الطريقين الذي يبدأ بقوله تعالى:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ. والملاحظ أن سورة الأحقاف تفصّل في ست آيات في هذا المقطع أي إلى قوله تعالى وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
تتألف سورة الأحقاف من مقدمة ومقطعين:
المقدمة هي قوله تعالى: حم* تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ* ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ثمّ يأتي المقطع الأول وهو مبدوء بكلمة (قل) ومنته بقول تعالي وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ثمّ يأتي المقطع الثاني وهو مبدوء بكلمة (واذكر) ومنته بقوله تعالى فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ
وسنرى وحدة السورة أثناء عرضها وصلتها بمحورها من سورة البقرة، وقد ذكر
стр. 4984
الألوسي وجه مناسبتها لما قبلها فقال: (ووجه اتصالها أنّه تعالى لما ختم السورة التي قبلها بذكر التوحيد، وذمّ أهل الشرك والوعيد افتتح هذه بالتوحيد، ثمّ بالتوبيخ
لأهل الكفر من العبيد) ولنبدأ عرض السورة:
مقدمة السورة وتمتد من الآية (١) إلى نهاية الآية (٣) وهذه هي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤٦/ ١ - ٣
التفسير:
حم* تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ومن ثم فهو مجلى عزة الله وحكمته قال ابن كثير: (يخبر تعالى أنه أنزل الكتاب على عبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين. ووصف نفسه بالعزة التي لا ترام، والحكمة في الأقوال والأفعال.)
ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ لا علي وجه العبث والباطل وَأَجَلٍ مُسَمًّى ينتهي إليه وهو يوم القيامة، أي وإلى مدة معينة مضروبة لا تزيد ولا تنقص، وهذا يقتضي إنزال وحي وإرسال رسل؛ لتحدد للإنسان المسار الذي ينسجم به مع حكمة خلق الخلق، ومع مقتضى العبودية لله العزيز. ومن ثم قال تعالى:
وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا أي: عما أنذروه من هول ذلك اليوم الذي لا بد
стр. 4985
٤٦/ ٦ - ١٥
стр. 4986
لكل مخلوق من انتهائه إليه مُعْرِضُونَ أي: لاهون عما يراد بهم، أي لا يؤمنون به ولا يهتمّون بالاستعداد له. قال ابن كثير: (وقد أنزل الله تعالى إليهم كتابا، وأرسل إليهم رسولا، وهم معرضون عن ذلك كله، أي وسيعلمون غبّ ذلك.)
كلمة في السياق:
قلنا إن سورة الأحقاف تفصّل في المقطع الآتي بعد مقدمة سورة البقرة، ولكنها قبل أن تنطلق لهذا التفصيل فإنّها تقدّم بذكر قضيتين تعرّضت لهما مقدمة سورة البقرة، فهي تذكّر بهما، ثمّ تصل إلى تفصيل ما بعد المقدمة:
لقد ذكرت مقدّمة سورة الأحقاف بقوله تعالى من مقدمة سورة البقرة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.
فعرضت مقدمة سورة الأحقاف إلى أن القرآن من عند الله، وعرضت لإعراض الكافرين عنه، وها هي ذي تنطلق نحو مناقشة الذين يعبدون غير الله، ثم تناقش الذين لا يؤمنون بالقرآن، ثم تبشّر وتنذر، ثم تتحدث عن الفاسقين، ثمّ تذكّر وتعظ، فتفصّل في سيرها وعلى طريقتها- كما قلنا- في ست آيات من المقطع الأول من القسم الأول من سورة البقرة فلنر المقطع الأول من سورة الأحقاف.
المقطع الأول وتمتد من الآية (٤) إلى نهاية الآية (٢٠) وهذا هو:
٤٦/ ٤ - ٥
стр. 4987
٤٦/ ١٦ - ٢٠
التفسير:
قُلْ يا محمد لهؤلاء الكافرين المعرضين أَرَأَيْتُمْ أي: أخبروني ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: أخبروني عن هؤلاء الذين تعبدونهم من دون الله من الأصنام والأنداد والشركاء أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أي: أرشدوني إلى المكان الذي استقلوا بخلقه من الأرض، أي: أي شئ خلقوا فيها إن كانوا آلهة أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أي: أم شاركوا في خلق السماوات فصار لهم شركة مع الله في الألوهية حتى عبدتموهم؟؟ فإذا لم يكن هذا ولا هذا فكيف تعبدون معه غيره وتشركون به؟.
من أرشدكم إلى هذا ومن دعاكم إليه؟ أهو أمركم به؟ أم هو شئ اقترحتموه من عند أنفسكم، ومن ثم قال ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أي: من قبل هذا القرآن أنزله الله يشهد بصحة ما أنتم عليه من عبادة غير الله أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ أي: أو أدنى شئ
стр. 4988
من علم أيا كان نوعه يشهد على أن هناك خالقا مع الله. حتى يصح أن يعبد معه، هاتوا دليلا بينا على هذا المسلك الذي سلكتموه من عقل أو نقل أو تجريب إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعواكم أن مع الله إلها آخر يعبد قال ابن كثير: أي لا دليل لكم- لا نقليا ولا عقليا- على ذلك.
كلمة في السياق: [حول مناقشة من لا يعبد الله وإقامة الحجة عليه]
لم يذكر الله في مقدمة السورة موضوع العبادة بل قال وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ بينما جاء النقاش هنا منصبّا على عبادة غير الله، مما يدل على أن علة الكفر عبادة غير الله، وقد بين الله في معرض نقض هذه العبادة أن العبادة لا تنبغي إلا للخالق، وليس هناك من دليل علمي أو نقلي يثبت أن مع الله خالقا، بل الدليل العلمي والنقلي على أن الله وحده هو الخالق، ومن ثم فإنه وحده يستحق العبادة، فليعبده الإنسان. وإذا تذكرنا أن محور السورة يبدأ بقوله تعالى في سورة
البقرة يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً إذا تذكرنا هذا عرفنا أن السورة بدأت تناقش من لا يعبد الله، وتقيم الحجة عليه، وقد رأينا كيف أن الحجة كانت قاطعة ومعجزة، ففي عصرنا ندرك أبعاد قوله تعالي أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ ففي ذلك تحد كامل لكل كافر أن يستطيع أن يأتي بأدنى دليل علمي على أن غير الله قد خلق، فإذا كانت الكتب السماوية والعلم يشهدان أن الله هو الخالق، وأنه يجب أن يعبد وحده فكيف يفر الفارون من عبادته، وهاهنا نحب أن نسجّل فكرة، وهي أن الملحدين يدّعون أنهم علميون وعقليون، وكذبوا؛ فالإلحاد شرك من نوع جديد. فبدلا من أن يكون المشرك الوثني يعبد جزءا من الكون، فإن الملحدين خلعوا على مجموع الكون صفات الألوهية، من خلق ورزق وحكمة، وبدلا من أن يعبدوا أجزاء في الكون- كما فعل الوثني- عبدوا شهواتهم ونزواتهم وأهواءهم وآراءهم الفاسدة، ولنعد إلى التفسير:
فبعد أن أقام الله الحجة على المشركين بهذا الشكل القاطع المعجز الذي رأيناه يبيّن في الآيتين التاليتين أنه لا أضل من هؤلاء:
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا أي: يعبده مِنْ دُونِ اللَّهِ من الأصنام والأنداد والشركاء مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إن دعاه إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ مع عدم استجابتهم
стр. 4989
عَنْ دُعائِهِمْ أي: عبادتهم غافِلُونَ أي: لا أضل ممن يدعو من دون الله شركاء، ويطلب منها ما لا تستطيعه إلى يوم القيامة، وهي غافلة عما يقول، لا تسمع ولا تبصر ولا تبطش؛ لأنها جماد حجارة صم
وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ يوم القيامة كانُوا لَهُمْ أَعْداءً أي: كانت هذه الأصنام لعبدتها عدوة وَكانُوا أي:
الأصنام بِعِبادَتِهِمْ أي: بعبادة شركائهم كافِرِينَ أي: يقولون ما دعوناهم إلى عبادتنا فسيخذلونهم أحوج ما يكونون إليهم. قال النسفي: ومعنى الاستفهام في (من أضل) إنكار أن يكون في الضّلال كلهم أبلغ ضلالا من عبدة الأوثان، حيث يتركون دعاء السميع المجيب، القادر على كل شيء، ويدعون من دونه جمادا لا يستجيب لهم، ولا قدرة له على استجابة أحد منهم، ما دامت الدنيا، وإلى أن تقوم القيامة، وإذا قامت القيامة وحشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا عليهم ضدا، فليسوا في الدارين إلا على نكد ومضرة لا تتولاهم في الدنيا بالاستجابة، وفي الآخرة تعاديهم وتجحد عبادتهم، ولما أسند إليهم ما يسند إلى أولي العلم من الاستجابة والغفلة قيل (من) و (هم) ووصفهم بترك الاستجابة والغفلة فذلك على طريقة التهكم بها وبعبدتها، ونحوه قوله تعالى إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ (فاطر: ١٤).
قال صاحب الظلال: [حول مناقشة من يدعون من دون الله آلهة أخرى]
(وإذا كان القرآن يندد بضلال من يدعون من دون الله آلهة لا يستجيبون لهم إلى يوم القيامة، وكان هذا يعني المعبودات التاريخية التي عرفتها الجماعات البشرية عند نزول هذا القرآن، فإن النص أوسع مدلولا وأطول أمدا من ذلك الواقع التاريخي. فمن أضل ممن يدعو من دون الله أحدا في أي زمان وفي أي مكان؟ وكل أحد- كائنا من كان- لا يستجيب بشيء لمن يدعوه، ولا يملك أن يستجيب. وليس هناك إلا الله فعّال لما يريد ..
إن الشرك ليس مقصورا على صوره الساذجة التي عرفها المشركون القدامى. فكم من مشركين يشركون مع الله ذوي سلطان، أو ذوي جاه أو ذوي مال؛ ويرجون فيهم، ويتوجهون إليهم بالدعاء. وكلهم أعجز من أن يستجيبوا لدعاتهم استجابة حقيقية.
وكلهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا. ودعاؤهم شرك. والرجاء فيهم شرك.
والخوف منهم شرك. ولكنه شرك خفى يزاوله الكثيرون وهم لا يشعرون.)
стр. 4990
كلمة في السياق: [حول صلة المقطع بالمقدمة وبمحور السورة]
رأينا في مقدمة السورة قوله تعالى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ثم جاء مباشرة بعد ذلك قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ. مما يشير إلى أن علة كفر هؤلاء هو الشرك، وصلة ذلك في أوائل محور السورة واضحة فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. وبعد أن فنّد الله ما هم عليه، وبيّن فظاعته، تأتي الآن آيات تعرض موقفهم من الإنذار، أي من الكتاب الذي أنذروا به، وتردّ على هذا الموقف. والسؤال الآن: ما صلة ذلك بمحور السورة؟.
والجواب: إنه بعد الأمر بالعبادة، والنهي عن الشرك في محور السورة، جاء قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وهاهنا يذكر الله موقفهم من الكتاب ويقيم الحجة عليهم فيه.
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ أي: واضحات مبيّنات قال ابن كثير: أي:
تتلى عليهم حال بيانها ووضوحها وجلائها قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا كبرا وعنادا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ أي للقرآن حين جاءهم. قال النسفي: بادهوه الجحود ساعة أتاهم، وأول ما سمعوه، من غير إجالة فكر ولا إعادة نظر هذا سِحْرٌ مُبِينٌ أي ظاهر أمره في البطلان لا شبهة فيه
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ أي: بل يقولون إن محمدا ﷺ اختلقه وأضافه إلى الله كذبا، والضمير للحق، والمراد به الآيات أي: القرآن، وصفوه بالسحر، ثم وصفوه بأنه مكذوب على الله اختلقه محمد ﷺ من عند نفسه، والصيغة تفيد أنهم استقروا على الرأي الأخير، وأيّا ما كان فإن مرجع الوصف الأول إلى الثاني، ومن ثمّ ينصبّ الجواب عليه، وإذا كانت هذه القضية هي الأصل الذي يرتكز عليه كل كفر، فقد جاء الجواب عليها مفصلا، فأمر الله رسوله ﷺ أن يقول ثلاثة أقوال في الردّ عليها، ومن ثم تتكرر كلمة (قل) ثلاث مرات في معرض الجواب:
الجواب الأول: قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً قال ابن كثير: أي لو كذبت عليه
стр. 4991
وزعمت أنه أرسلني وليس كذلك، لعاقبني أشد العقوبة، ولم يقدر أحد من أهل الأرض- لا أنتم ولا غيركم- أن يجيرني منه. فكيف أفتريه وأتعرض لعقابه وأنا أعلم ذلك.
هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ أي: بما تسهبون فيه من القدح في وحي الله، والطعن في آياته، وتسميته سحرا تارة، وفرية تارة أخرى كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي: يشهد لي بالصدق والبلاغ، ويشهد عليكم بالجحود والإنكار. قال النسفي: ومعنى ذكر العلم والشهادة وعيد بجزاء إفاضتهم. وقال ابن كثير: هذا تهديد لهم ووعيد أكيد وترهيب شديد. أقول: أمره بأن يرد عليهم بأن الله يغار أن يفترى عليه، ويعاقب على ذلك، كما يغار أن يكذّب وحيه ورسوله، ومن ثم ففعل الله بالفريقين يدل على من هو صاحب الحق. وقد حكم الله لرسوله ﷺ فنصره وأيّده، ونشر دينه، وتوفاه وهو على أكمل حال، وفي ذلك دليل صدقه في رسالته، إذ لو ادعى الرسالة عن الله كذبا لغضب الله وعاقبه في الدنيا. ولا يقولن قائل: إن كثيرين تنتشر دعواتهم وهم غير مستقيمين، فالكلام عمن يدّعي أنّه رسول الله، فإن مثل هذا إن كان كاذبا يعاقبه الله في الدنيا. ثم ختم الله الآية بقوله: وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ أي: هو على مغفرته ورحمته يعاقب من كذب عليه. وفي ختم الآية بذلك دعوة لهم إلى التوبة والإنابة، وترغيب لهم بذلك. قال ابن كثير: أي ومع هذا كله إن رجعتم وتبتم تاب الله عليكم، وعفا عنكم، وغفر ورحم. هذا هو الجواب الأول على اتهام رسول الله ﷺ بأنه افترى القرآن على الله من عند نفسه. فلنر الجواب الثاني.
الجواب الثاني:
قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ أي: ما كنت بديعا من الرسل. قال النسفي:
(والمعنى لست بأول رسول فتنكروا نبوتي) وقال ابن كثير: أي لست بأول رسول طرق العالم، بل قد جاءت الرسل من قبلي، فما أنا بالأمر الذي لا نظير له حتى تستنكروني، وتستبعدون بعثتي إليكم، فإنه قد أرسل الله جل وعلا قبلي جميع الأنبياء إلى الأمم). فإذا كان هذا هو الشأن، وكانت تظهر معي علامات النبوة وخصائصها فعلام تستنكرون الوحي الذي أنزله علي وأنا لا أدعي إلا العبودية له سبحانه، ولا أدعي مقاما فوق مقام البشر. ومن ثم أتمّ الله الحجة، آمرا رسوله ﷺ أن يقول وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ أي: وما أعلم ما يفعل الله بي وبكم فيما يستقبل من الزمان، أي في الدنيا قال ابن كثير: (قال الحسن البصري: أما في الآخرة فمعاذ الله،
стр. 4992
أي ألا يعلم رسول الله ﷺ ما الله فاعل به. وقد علم أنه في الجنة، ولكن قال لا أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا. أخرج كما أخرجت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من قبلي؟ أم أقتل كما قتلت الأنبياء من قبلي؟ ولا أدري أيخسف بكم أو ترمون بالحجارة؟
وهذا القول هو الذي عول عليه ابن جرير، وأنه لا يجوز غيره، ولا شك أن هذا هو اللائق به ﷺ فإنه بالنسبة إلى الآخرة جازم أنه يصير إلى الجنة هو ومن اتبعه، وأما في الدنيا فلم يدر ما كان يؤول إليه أمره وأمر مشركي قريش إلى ماذا؟ أيؤمنون أم يكفرون فيعذبون فيستأصلون بكفرهم).
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ أي: إنما أتّبع ما ينزله الله عليّ من الوحي، فما أنا إلا عبد الله، منفذ لأمره، وذلك دليل على أنني صادق في دعوى الرسالة على الله، ومن ثمّ فأنا أكثركم التزاما بما أدعو إليه وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ أي: مبين النذارة، أمري ظاهر لكل ذي لب وعقل. أقام الله عليهم الحجة بأن رسوله صادق في هذه الآية بظهور خصائص الرسالة عليه، ومن جملة ذلك التواضع والالتزام الكامل بما يدعو إليه، والنذارة في أمر الآخرة.
والآن يأتي الجواب الثالث على زعمهم أن محمدا ﷺ افترى هذا القرآن.
الجواب الثالث:
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ هذا القرآن مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ قال ابن كثير:
أي ما ظنكم أن الله صانع بكم إن كان هذا الكتاب الذي جئتكم به قد أنزله عليّ لأبلغكموه وقد كفرتم به وكذبتموه. وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ قال النسفي: أي مثله في المعنى، وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة لمعاني القرآن، من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك. فَآمَنَ قال ابن كثير: أي هذا الذي شهد بصدقه من بني إسرائيل لمعرفته بحقيّته وَاسْتَكْبَرْتُمْ أنتم عن اتباعه. قال ابن كثير:
(وهذا الشاهد اسم جنس يعمّ عبد الله بن سلام ﵁ وغيره. فإن هذه الآية مكية.) وسنرى في الفوائد تحقيق ذلك، ثم ختم الله الآية بقوله إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ دلّت هذه الجملة على جواب الشرط (إن) والتقدير إن كان القرآن من عند الله، وكفرتم به، ألستم ظالمين، وإذا كنتم ظالمين فإن الله لا يهديكم لقيام الحجة عليكم، واستكباركم عن الخضوع لها، فأصبح معنى الآية كما قال النسفي:
(والمعنى .. قل أخبروني إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به، واجتمع
стр. 4993
شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله فآمن به، مع استكباركم عنه، وعن الإيمان به ألستم أضل الناس وأظلمهم؟!).
أقول: دلّل هذا الجواب على أن القرآن ليس مفترى؛ بمطابقة معانيه لمعاني الكتب المنزلة من قبل، يشهد على ذلك علماء بني إسرائيل المنصفون، ولكن هذه الحجة جاءت
في سياق وعظي آمرناه، فاجتمع في الآية الأخيرة الحجّة والأمر والنّهي والإنكار والتبيان والوعظ بآن واحد، لأنها مع كونها حجة جديدة وردا جديدا، فهي خاتمة للآيات التي ردت على اتهام رسول الله ﷺ بافترائه هذا القرآن.
كلمة في السياق:
بعد أن أقام الله الحجة على الكافرين في أن هذا القرآن من عنده، يعرض لنا موقفا آخر من مواقفهم تجاه القرآن، وهو موقف غاية في الكبر، إذ يستدلون على أن هذا القرآن ليس فيه خير بسبق المستضعفين إليه، وإيمانهم به، ثم يستدرجهم الكبر إلى اتهام جديد لهذا القرآن. ومن خلال هذا العرض نرى كيف أن السورة تلاحق كل ما يصرف عن العبادة لله التي توصّل إلى الاهتداء بكتاب الله، فلنر شبهة الكافرين الجديدة:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أي: عن الذين آمنوا فاللام هنا بمعنى عن لَوْ كانَ أي: القرآن خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ أي: ما سبقنا هؤلاء المستضعفون إليه. قال ابن كثير: يعنون بلالا وعمارا وصهيبا وخبابا. ﵃، وأشباههم وأضرابهم من المستضعفين والعبيد والإماء، وما ذاك إلا لأنهم يعتقدون أن لهم عند الله وجاهة، وله بهم عناية، وقد غلطوا في ذلك غلطا فاحشا، وأخطئوا خطأ بيّنا، كما قال ﵎ وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا (الأنعام: ٥٣) أي: يتعجبون كيف اهتدى هؤلاء دوننا، ولهذا قالوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وأمّا أهل السنّة والجماعة فيقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة ﵃: (هو بدعة لأنه لو كان خيرا لسبقونا إليه، لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها) ثم قال تعالى عن هؤلاء المستكبرين وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ أي: بالقرآن فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ أي كذب متقادم أي كذب قديم، أي مأثور عن الناس الأقدمين. فاجتمع لهم بذلك انتقاص القرآن وأهله،
стр. 4994
وهذا دأب رافضي هدى الله في كل زمان ومكان، أنهم ينتقصون أهل الإيمان، وينتقصون مضمون القرآن. مرضا في العقل، وعمى في القلب.
قال صاحب الظلال: (ولقد سارع إلى الإسلام وسبق إليه نفر من الفقراء والموالي في أول الأمر. فكان هذا مغمزا في نظر الكبراء المستكبرين. وراحوا يقولون: لو كان هذا الدين خيرا ما كان هؤلاء أعرف منا به، ولا أسبق منا إليه. فنحن في مكانتنا وسعة إدراكنا وحسن تقديرنا، أعرف بالخير من هؤلاء.
والأمر ليس كذلك. فما كان يمنعهم عنه أنهم يشكون فيه أو يجهلون الحق الذي يقوم عليه. والخير الذي يحتويه. إنما كان هو الكبر عن الإذعان لمحمد ﷺ كما كانوا يقولون- وفقدان المراكز الاجتماعية، والمنافع الاقتصادية، كما كان هو الاعتزاز الأجوف بالآباء والأجداد، وما كان عليه الآباء والأجداد. فأما الذين سارعوا إلى الإسلام وسبقوا إليه فلم تكن في نفوسهم تلك الحواجز التي منعت الكبراء والأشراف.
إنه الهوى يتعاظم أهل الكبر أن يذعنوا للحق، وأن يستمعوا لصوت الفطرة، وأن يسلموا بالحجة. وهو الذي يملي عليهم العناد والإعراض، واختلاق المعاذير، والادعاء بالباطل على الحق وأهله. فهم لا يسلمون أبدا أنهم مخطئون؛ وهم يجعلون من ذواتهم محورا للحياة كلهم يدورون حوله ويريدون أن يديروا حوله الحياة: إِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ: هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ.
وقد ردّ الله عليهم مبينا أن الكتاب القديم الذي أنزله- وهو التوراة- لم يكن كذبا، بل هو إمام ورحمة وهذا القرآن مصدق له، ومن ثم فهو إمام ورحمة، وبشير ونذير، وليس كما زعموه، والملاحظ أنهم هاهنا لم يوجهوا تهمة الكذب إلى رسول الله ﷺ بل وجهوا الاتهام لمضمون القرآن، فانصب الردّ على ذلك، قال تعالى: وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى أي: التوراة إِماماً وَرَحْمَةً أي: قدوة يؤتم به في دين الله وشرائعه، كما يؤتم بالإمام، ورحمة لمن آمن به وعمل بما فيه وَهذا أي: والقرآن كِتابٌ مُصَدِّقٌ أي: لما بين يديه من الكتب لِساناً عَرَبِيًّا أي:
باللسان العربي، وأما مضمونه فموجود في الكتب السابقة. قال ابن كثير: (أي:
فصيحا بيّنا واضحا) لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أي: لينذر هذا القرآن العربي الكافرين وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ أي: وليبشر المؤمنين المطيعين. فكتاب اجتمع له التصديق للكتب السابقة، والإعجاز والتبشير والإنذار، ليس من الإفك القديم، بل من الحق
стр. 4995
القديم، لأن الكتاب الذي يصدقه من قبله حق، بدليل ما فيه من الهدى والرحمة.
كلمة في السياق: [حول الربط بين آيات السورة وسورة البقرة]
بعد آية وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا. من المحور، يأتي قوله تعالى فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ* وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ. وها هي ذي الآية التي مرّت معنا من سورة الأحقاف تقول: لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ وها هي ذي الآية اللاحقة تذكر الذين يستحقون البشارة من هم؟ وماذا أعدّ لهم؟.
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ فاعترفوا لله بالربوبية، وعلى أنفسهم بالعبودية ثُمَّ اسْتَقامُوا على أمره وشريعته فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أي: فيما يستقبلونه أو في القيامة وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما خلّفوا أو عند الموت.
أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ دلّ ذلك على أن أعمالهم التي وفقهم الله إليها هي سبب لنيل الرحمة لهم وسبوغها عليهم.
قال صاحب الظلال عند قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا:
وقوله: رَبُّنَا اللَّهُ. إنما هي منهج كامل للحياة، يشمل كل نشاط فيها وكل اتجاه، وكل حركة وكل خالجة؛ ويقيم ميزانا للتفكير والشعور، وللناس والأشياء، وللأعمال
والأحداث، وللروابط والوشائج في كل هذا الوجود.
رَبُّنَا اللَّهُ فله العبادة، وإليه الاتجاه. ومنه الخشية وعليه الاعتماد.
رَبُّنَا اللَّهُ فلا حساب لأحد ولا لشئ سواه، ولا خوف ولا تطلّع لمن عداه.
رَبُّنَا اللَّهُ فكل نشاط وكل تفكير وكل تقدير متجه إليه، منظور فيه إلى رضاه.
رَبُّنَا اللَّهُ فلا احتكام إلا إليه، ولا سلطان إلا لشريعته، ولا اهتداء إلا بهداه.
رَبُّنَا اللَّهُ فكل من في الوجود وكل ما في الوجود مرتبط بنا ونحن نلتقي به في صلتنا بالله.
стр. 4996
رَبُّنَا اللَّهُ منهج كامل على هذا النحو. لا كلمة تلفظها الشفاة، ولا عقيدة سلبية بعيدة عن واقعيات الحياة.
ثُمَّ اسْتَقامُوا. وهذه أخرى. فالاستقامة والاطراد والثبات على هذا المنهج درجة بعد اتخاذ المنهج. استقامة النفس وطمأنينة القلب. استقامة المشاعر والخوالج، فلا تتأرجح ولا تضطرب ولا تشك ولا ترتاب بفعل الجواذب والدوافع والمؤثرات. وهي عنيفة ومتنوعة وكثيرة. واستقامة العمل والسلوك على المنهج المختار. وفي الطريق مزالق وأشواك ومعوقات، وفيه هواتف بالانحراف من هنا ومن هناك:
رَبُّنَا اللَّهُ. منهج .. والاستقامة عليه درجة بعد معرفته واختياره. والذين يقسم الله لهم المعرفة والاستقامة هم الصفوة المختارة. وهؤلاء فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. وفيم الخوف وفيم الحزن. والمنهج واصل. والاستقامة عليه ضمان الوصول؟).
كلمة في السياق:
مر معنا أن من مواصفات القرآن لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ وقد جاء بعد هذه الآية آيتان. تبشران المؤمنين المستقيمين على أمر الله، فكأنهما يعطياننا نموذجا على ما في هذا القرآن من تبشير، ودلتانا في الوقت نفسه على أن أصل الإحسان هو الاعتراف لله بالربوبية، والاستقامة على أمره، فخدمتا في تبيان الإحسان، والآن تأتي آيتان هما نموذج على تبشير هذا القرآن لأهل الإحسان، وفيهما نموذج على أنواع من الإحسان يأمر الله بها، ويدعو إليها، وبذلك تستكمل ذكر السورة أمهات مسائل العبادة لله، التي توصّل إلى التقوى، من اعتراف لله بالربوبية، واستقامة على أمره، وإحسان إلى الوالدين، ودعاء لله ، وإعلان الإسلام، وغير ذلك من المعاني، ثم تأتي آيات هي نموذج على الإنذار، وعرض لمظاهر من الظلم الكافر وأسبابه.
فالسورة كما تربي على العبادة والتقوى، تطهّر من العصيان والفسوق، وتعمّق خلال ذلك موضوع الإيمان بالقرآن؛ لأنه الأساس.
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً أي: ووصيناه أن يحسن لوالديه إحسانا.
стр. 4997
قال ابن كثير: أي أمرناه بالإحسان إليهما والحنو عليهما حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً أي قاست بسببه في حال حمله مشقة وتعبا، من وحم وغثيان وثقل وكرب، إلى غير ذلك مما تنال الحوامل من التعب والمشقة وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً أي: بمشقة أيضا من الطلق وشدته وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ أي فطامه عن الرضاع ثَلاثُونَ شَهْراً وفي الآية معان فقهية سنراها في الفوائد حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ بأن اكتهل واستوفى السنّ التي تستحكم فيها قوته وعقله. قال النسفي: ذلك إذا أناف على الثلاثين وناطح الأربعين، وعن قتادة ثلاث وثلاثون سنة، ووجهه أن يكون ذلك أول الأشد وغايته الأربعون.
وقال ابن كثير: أي: قوي وشب وارتجل وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً أي: تناهى عقله وكمل فهمه وحلمه قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أي: ألهمني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ قال النسفي: المراد به نعمة التوحيد والإسلام، وجمع بين شكري النعمة عليه وعلى والديه؛ لأن النعمة عليهما نعمة عليه وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ أي: في المستقبل وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي أي: اجعل ذريتي موضعا للصلاح، ومظنة له، وذريته: نسله وعقبه إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ من كل ذنب وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ أي: المستسلمين المنقادين لأمرك. قال ابن كثير: وهذا فيه إرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدّد التوبة والإنابة إلى الله ، ويعزم عليها
أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ قال ابن كثير: أي المتصفون بما ذكرنا، التائبون إلى الله، المنيبون إليه، المستدركون ما فات بالتوبة والاستغفار، هم الذين نتقبّل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم، فنغفر لهم الكثير من الزلل، ونتقبّل منهم اليسير من العمل فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وقال ابن كثير: أي هم في جملة أصحاب الجنة، وهذا حكمهم عند الله، كما وعد الله من تاب إليه وأناب، ولهذا قال تعالى وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ في الدنيا بالكتب، وعلى لسان الرسل عليهم الصلاة والسلام. ثم لما ذكر الله تعالى حال الدّاعين للوالدين، البارّين بهما، أي المحسنين بأنواع الإحسان، وما لهم عند الله من الفوز والنجاة، عطف بحال الأشقياء الظالمين، العاقين للوالدين فقال:
وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما التأفيف: صوت إذا صوّت به الإنسان علم أنّه متضجر، ومعنى قول الفاجر الكافر:
هذا التأفيف لكما خاصّة، ولأجلكما دون غيركما، فالفاجر أجرأ على والديه من كل الخلق، وهو أقسى عليهما من دون الخلق أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ أي: أبعث من الأرض وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ أي: مضت القرون مِنْ قَبْلِي ولم يبعث منهم
стр. 4998
أحد وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ أي: يقولان: الغياث بالله منك ومن قولك، ويقولان له: وَيْلَكَ آمِنْ بالله وبالبعث وهو دعاء عليه في الظاهر، والمراد به الحث والتحريض على
الإيمان إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بالبعث حَقٌّ أي: صدق فَيَقُولُ لهما ما هذا القول إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي: إلا خرافاتهم وأباطيلهم. وقد كثر هذا النوع من الناس في عصرنا كثرة كبيرة، وقال تعالى منذرا ومبينا
أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ أي: قول الله بملء جهنم من أمثالهم فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ أي: فى جملة أمم قد مضت من قبلهم مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ قال ابن كثير: أي دخلوا في زمرة أشباههم وأضرابهم من الكافرين الخاسرين أنفسهم وأهليهم يوم القيامة
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا قال ابن كثير:
أي: لكل عذاب بحسب عمله وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ قال ابن كثير:
أي: لا يظلمهم مثقال ذرة فما دونها، وقد فهم النسفي أن الآية ترجع على كل من المؤمنين والكافرين
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ قال النسفي: عرضهم على النار تعذيبهم بها أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها أي:
بالطيبات، أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا والمعنى: ما كتب لكم حظ من الطيبات إلا ما قد أصبتموه في دنياكم، وقد ذهبتم به وأخذتموه فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شيء منها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ أي: الهوان، أي الذل بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ أي: بسبب كبركم فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ أي:
باستكباركم وفسقكم. قال ابن كثير: فجوزوا من جنس عملهم، فكما متعوا أنفسهم واستكبروا عن اتّباع الحق، وتعاطوا الفسق والمعاصي، جازاهم الله ﵎ بعذاب الهون، وهو الإهانة، والخزي، والآلام الموجعة، والحسرات المتتابعة، والمنازل في الدركات المفظعة، أجارنا الله من ذلك كله وبهذا انتهى المقطع الأول.
كلمة في السياق: [حول أهم موضوعات السورة والصلة بين المقطعين الأول والثاني]
١ - رأينا في الآيات الأخيرة نموذجين: نموذجا للمحسنين الذين يستحقون البشرى، ونموذجا للظالمين الذين أنذرهم القرآن، والكلام عن الإحسان فرع الكلام عن العبادة لله التي ذكرت في بداية محور السورة؛ لأن رسول الله ﷺ فسّر الإحساس بقوله «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» وقد رأينا في الآيات أن الصفتين الجامعتين لأخلاق الكافرين هما: الاستكبار، والفسوق. الاستكبار عن عبادة
стр. 4999
الله، والفسوق عن أمره، فالسورة كما تعمّق معنى العبادة لله تحرر من الاستكبار عن هذه العبادة، والفسوق عن أمر الله فلنتذكر ما يلي:
كنا أسمينا المقطع الذي يأتي بعد مقدّمة سورة البقرة بمقطع الطريقين، لأنه بيّن الطريق إلى التقوى، وبيّن الطريق إلى الكفر والفسوق والنفاق:
إنه بعد آية وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ من المحور يأتي قوله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ لاحظ استقرار الآية السادسة من المقطع على كلمة (الفاسقين) ولاحظ ختم المقطع الأول هنا بكلمة (تفسقون) فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ.
٢ - وإذا استكمل المقطع الأول الحجج، وبشر وأنذر، واستقر على موقف الكافرين من اليوم الآخر، واستغراقهم في الدنيا وشهواتها، وأنّ علة ذلك كله، الكبر والفسوق، فإن المقطع الثاني يأتي مذكّرا بقوم عاد، ومنذرا أن يصيب الكافرين ما أصابهم، كما يتحدّث عن إيمان نفر من الجن بمجرد سماعهم لهذا القرآن، مما يشير إلى أن هؤلاء أولى بهم أن يؤمنوا، ثم يقيم الحجة عليهم في موضوع اليوم الآخر، وينذرهم النار، ويختم المقطع بالأمر لرسول الله ﷺ أن يصبر، وصلة ذلك في المحور، وفي سياق السورة سنراه.
فوائد:
١ - [كلام ابن كثير حول آية وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي .. ]
بمناسبة قوله تعالى حكاية عن رسوله ﷺ : وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ قال ابن كثير: (فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أم العلاء وهي امرأة من نسائهم أخبرته- وكانت بايعت رسول الله ﷺ قالت: طار لهم في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين عثمان بن مظعون ﵁، فاشتكى عثمان ﵁ عندنا فمرضناه حتى إذا توفي أدرجناه في أثوابه، فدخل علينا رسول الله ﷺ فقلت: رحمة الله عليك- أبا السائب- شهادتي عليك لقد أكرمك الله . فقال رسول الله ﷺ : وما يدريك
стр. 5000
أن الله تعالى أكرمه؟ فقلت: بأبي أنت وأمي لا أدري، فقال رسول الله ﷺ : «أما هو فقد جاءه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي» قالت: فقلت: والله لا أزكي أحدا بعده أبدا، وأحزنني ذلك فنمت، فرأيت لعثمان ﵁ عينا تجري فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك، فقال رسول الله ﷺ : «ذاك عمله» فقد انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم، وفي لفظ له «ما أدري وأنا رسول الله ﷺ ما يفعل به» وهذا أشبه أن يكون هو المحفوظ بدليل قولها: فأحزنني ذلك، وفي هذا وأمثاله دلالة على أنه لا يقطع لمعيّن بالجنة إلا الذي نصّ الشارع على تعيينهم، كالعشرة، وابن سلام، والعميصاء، وبلال، وسراقة، وعبد الله بن عمرو ابن حرام- والد جابر- والقراء السبعين الذين قتلوا ببئر معونة، وزيد بن حارثة، وجعفر،
وابن رواحة، وما أشبه هؤلاء ﵃.).
٢ - [كلام ابن كثير حول آية شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ قال ابن كثير: (وهذا الشاهد اسم جنس يعم عبد الله بن سلام ﵁ وغيره، فإن هذه الآية مكية نزلت قبل إسلام عبد الله بن سلام ﵁، وهذه كقوله ﵎: وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (القصص: ٥٣). وقال: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً* وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (الإسراء: ١٠٧ - ١٠٨) قال مسروق والشعبي: ليس بعبد الله بن سلام؛ هذه الآية مكية، وإسلام عبد الله بن سلام ﵁ كان بالمدينة. رواه عنهما ابن جرير وابن أبي حاتم واختاره ابن جرير. وروى مالك عن عامر بن سعد عن أبيه قال: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لأحد يمشي على وجه الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام ﵁، قال: وفيه نزلت وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ رواه البخاري ومسلم والنسائي). وذهب كثيرون إلى هذا، وعلى هذا الاتجاه فالآية مدنية.
٣ - [كلام ابن كثير وصاحب الظلال حول آية وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ .. ]
بمناسبة قوله تعالى وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً قال ابن كثير: (لما ذكر الله تعالى في الآية الأولى التوحيد له وإخلاص العبادة والاستقامة إليه عطف بالوصية بالوالدين كما هو مقرون في غير ما آية من القرآن، كقوله : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً (الإسراء: ٢٣) وقال ﷻ أَنِ
стр. 5001
اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (لقمان: ١٤) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.
وقال هاهنا وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً أمرنا بالإحسان إليهما، والحنو عليهما، وروى أبو داود الطيالسي عن سعد ﵁ قال: قالت أم سعد لسعد: أليس قد أمر الله بطاعة الوالدين؟ فلا آكل طعاما ولا أشرب شرابا حتى تكفر بالله تعالى، فامتنعت من الطعام والشراب حتى جعلوا يفتحون فاها بالعصا ونزلت هذه الآية وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً ورواه مسلم وأهل السنن إلا ابن ماجه من حديث شعبة بإسناد نحوه وأطول منه).
وقال صاحب الظلال عند قوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً ..
(فهي وصية لجنس الإنسان كله، قائمة على أساس إنسانيته، بدون حاجة إلى أية صفة أخرى وراء كونه إنسانا. وهي وصية بالإحسان مطلقة من كل شرط ومن كل قيد، فصفة الوالدية تقتضي هذا الإحسان بدون حاجة إلى أي صفة أخرى كذلك. وهي وصية صادرة من خالق الإنسان، وربما كانت خاصة بهذا الجنس أيضا. فما يعرف في عالم الطير أو الحيوان أو الحشرات وما إليها أن صغارها مكلفة برعاية كبارها. والمشاهد الملحوظ هو فقط تكليف فطرة هذه الخلائق أن ترعى كبارها صغارها في بعض الأجناس. فهي وصية ربما كانت خاصة بجنس الإنسان. وتتكرر في القرآن الكريم وفي حديث الرسول- ﷺ الوصية بالإحسان إلى الوالدين. ولا ترد وصية الوالدين بالأولاد إلا نادرة، ولمناسبة حالات معينة. ذلك أن الفطرة وحدها تتكفل برعاية الوالدين للأولاد، رعاية تلقائية مندفعة بذاتها لا تحتاج إلى مثير. وبالتضحية النبيلة الكاملة العجيبة التي كثيرا ما تصل إلى حد الموت- فضلا على الألم- بدون تردد.
ودون انتظار عوض، ودون منّ ولا رغبة حتى في الشكران! أما الجيل الناشئ فقلما يتلفت إلى الخلف .. قلما يتلفت إلى الجيل المضحي الواهب الفاني. لأنه بدوره مندفع إلى الأمام، يطلب جيلا ناشئا منه يضحي له بدوره ويرعاه! وهكذا تمضي الحياة!.
والإسلام يجعل الأسرة هي اللبنة الأولى في بنائه، والمحضن الذي تدرج فيه الفراخ الخضر وتكبر؛ وتتلقى رصيدها من الحب والتعاون والتكافل والبناء. والطفل الذي يحرم من الأسرة ينشأ شاذا غير طبيعي في كثير من جوانب حياته- مهما توافرت له وسائل الراحة والتربية في غير محيط الأسرة- وأول ما يفقده في أي محضن آخر غير محضن الأسرة، هو شعور الحب. فقد ثبت أن الطفل بفطرته يحب أن يستأثر وحده بأمه فترة العامين الأولين من حياته. ولا يطيق أن يشاركه فيها أحد. وفي المحاضن
стр. 5002
الصناعية لا يمكن أن يتوفر هذا. إذ تقوم الحاضنة بحضانة عدة أطفال، يتحاقدون فيما بينهم، على الأم الصناعية المشتركة، وتبذر في قلوبهم بذرة الحقد ولا تنمو بذرة الحب أبدا. كذلك يحتاج الطفل إلى سلطة واحدة ثابتة تشرف عليه فترة من حياته كي يتحقق له ثبات الشخصية. وهذا ما لا يتيسر إلا في محضن الأسرة الطبيعي. فأما في المحاضن الصناعية فلا تتوفر السلطة الشخصية الثابتة لتغير الحاضنات بالمناوبة على الأطفال. فتنشأ شخصياتهم مخلخلة، ويحرمون ثبات الشخصية .. والتجارب في المحاضن تكشف في كل يوم عن حكمة أصيلة في جعل الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع السليم، الذي يستهدف الإسلام إنشاءه على أساس الفطرة السليم.
ويصور القرآن هنا تلك التضحية النبيلة الكريمة الواهبة التي تتقدم بها الأمومة، والتي لا يجزيها أبدا إحسان من الأولاد مهما أحسنوا القيام بوصية الله في الوالدين:
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً، وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً، وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً .. وتركيب الألفاظ وجرسها يكاد يجسم العناء والجهد والضنى والكلال: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً .. لكأنها آهة مجهد مكروب ينوء بعبء ويتنفس بجهد، ويلهث بالأنفاس! إنها صورة الحمل وبخاصة في أواخر أيامه، وصورة الوضع وطلقه وآلامه! ويتقدم علم الأجنة فإذا به يكشف لنا في عملية الحمل عن جسامة التضحية ونبلها في صورة حسية مؤثرة ..
إن البويضة بمجرد تلقيحها بالخلية المنوية تسعى للالتصاق بجدار الرحم. وهي مزودة بخاصية أكالة. تمزق جدار الرحم الذي تلتصق به وتأكله؛ فيتوارد دم الأم إلى موضعها، حيث تسبح هذه البويضة الملقحة دائما في بركة من دم الأم الغني بكل ما في جسمها من خلاصات؛ وتمتصه لتحيا به وتنمو. وهي دائمة الأكلان لجدار الرحم.
دائمة الامتصاص لمادة الحياة. والأم المسكينة تأكل وتشرب وتهضم وتمتص، لتصب هذا كله دما نقيا غنيا لهذه البويضة الشرهة النهمة الأكول! وفي فترة تكوين عظام الجنين يشتد امتصاصه للجير من دم الأم فتفتقر إلى الجير. ذلك أنها تعطي محلول عظامها في الدم ليقوم به هيكل هذا الصغير! وهذا كله قليل من كثير! ثم الوضع، وهو عملية شاقة، ممزقة، ولكن آلامها الهائلة كلها لا تقف في وجه الفطرة ولا تنسي الأم حلاوة الثمرة. ثمرة التلبية للفطرة، ومنح الحياة نبتة جديدة تعيش، وتمتد .. بينما هي تذوي وتموت!.
стр. 5003
ثم الرضاع والرعاية. حيث تعطي الأم عصارة لحمها وعظمها في اللبن، وعصارة قلبها وأعصابها في الرعاية. وهي مع هذا وذلك فرحة سعيدة رحيمة ودود. لا تمل أبدا ولا تكره تعب هذا الوليد! وأكبر ما تتطلع إليه من جزاء أن تراه يسلم وينمو. فهذا هو جزاؤها الحبيب الوحيد! فأنى يبلغ الإنسان في جزاء هذه التضحية، مهما يفعل وهو لا يفعل إلا القليل الزهيد؟ وصدق رسول الله- ﷺ وقد جاءه رجل كان في الطواف حاملا أمه يطوف بها، فسأله- ﷺ : هل أديت حقها؟ فأجابه: «لا، ولا بزفرة واحدة». رواه أبو بكر البزار بإسناده).
٤ - [كلام ابن كثير حول آية وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ... ]
بمناسبة قوله تعالى وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً قال ابن كثير: وقد استدل علي ﵁ بهذه الآية مع التي في لقمان وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ (الآية:
١٤) وقوله ﵎ وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ (البقرة: ٢٣٣) على أن أفل مدة الحمل ستة أشهر، وهو استنباط قوي صحيح، ووافقه عليه عثمان وجماعة من الصحابة ﵃، قال محمد بن إسحاق بن يسار عن يزيد بن عبد الله ابن قسيط عن معمر بن عبد الله الجهني قال: تزوج رجل منا امرأة من جهينة فولدت له لتمام ستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان ﵁ فذكر ذلك له، فبعث إليها، فلما قامت لتلبس ثيابها بكت أختها فقالت وما يبكيك؟
فو الله ما التبس بي أحد من خلق الله تعالى غيره قط فيقضي الله فيّ ما شاء، فلما أتى بها عثمان ﵁ أمر برجمها فبلغ ذلك عليا ﵁ فأتاه فقال له: ما تصنع؟ قال: ولدت تماما لستة أشهر، وهل يكون ذلك؟ فقال له علي ﵁: أما تقرأ القرآن؟ قال: بلى. قال: أما سمعت الله يقول وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً وقال حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ فلم نجده بقي إلا ستة أشهر قال:
فقال عثمان ﵁: والله ما فطنت بهذا، عليّ بالمرأة فوجدوها قد فرغ منها قال: فقال معمر: فو الله ما الغراب بالغراب، ولا البيضة بالبيضة، بأشبه منه بأبيه، فلما رآه أبوه قال: ابني والله لا أشك فيه، قال: وابتلاه الله تعالى بهذه القرحة بوجهه الآكلة ما زالت تأكله حتى مات رواه ابن أبي حاتم وقد أوردناه من وجه آخر عند قوله فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (الزخرف: ٨١). وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر كفاه من الرضاع أحد وعشرون شهرا، وإذا وضعته لسبعة أشهر كفاه من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرا، وإذا وضعته لستة أشهر فحولين كاملين؛ لأن الله تعالى يقول وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ
стр. 5004
ثَلاثُونَ شَهْراً.
٥ - [كلام ابن كثير حول آية .. وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً .. والحكمة في ذلك]
بمناسبة قوله تعالى: حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قال ابن كثير: أي تناهى عقله، وكمل فهمه وحلمه، ويقال إنه لا يتغير غالبا عما يكون عليه ابن الأربعين، روى أبو بكر بن عياش عن القاسم بن عبد الرحمن قال قلت لمسروق:
متى يؤخذ الرجل بذنوبه؟ قال: إذا بلغت الأربعين فخذ حذرك.
وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي عن عثمان ﵁ عن النبي ﷺ قال «العبد المسلم إذا بلغ أربعين سنة خفف الله تعالى حسابه، وإذا بلغ ستين سنة رزقه الله تعالى الإنابة إليه، وإذا بلغ سبعين سنة أحبه أهل السماء، وإذا بلغ ثمانين سنة ثبت الله تعالى حسناته ومحا سيئاته، وإذا بلغ تسعين سنة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وشفّعه الله تعالى في أهل بيته، وكتب في السماء أسير الله في أرضه» وقد روى هذا من غير هذا الوجه وهو في مسند الإمام أحمد.
٦ - [كلام ابن كثير حول آية أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ .. ودعاء في الشكر]
بمناسبة قوله تعالى حكاية عن المؤمن الذي بلغ الأربعين أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ قال ابن كثير: (وقد روى أبو داود في سننه عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم أن يقولوا في التشهد «اللهم ألّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك قابليها، وأتممها علينا»).
٧ - [كلام ابن كثير حول آية أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ .. ]
بمناسبة قوله تعالى أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ قال ابن كثير:
(روى ابن جرير عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ عن الروح الأمين ﵊ قال «يؤتى بحسنات العبد وسيئاته فيقتص
بعضها ببعض، فإن بقيت حسنة وسع الله تعالى له في الجنة» قال فدخلت على يزداد فحدث بمثل هذا قال:
قلت: فإن ذهبت الحسنة قال أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن المعتمر بن سليمان بإسناده مثله وزاد عن الروح الأمين. قال: قال الرب
стр. 5005
جل جلاله: يؤتى بحسنات العبد وسيئاته فذكره، وهو حديث غريب وإسناده جيد لا بأس به: وروى ابن أبي حاتم عن يوسف بن سعد عن محمد بن حاطب قال ونزل في داري حيث ظهر علي ﵁ على أهل البصرة فقال لي يوما: لقد شهدت أمير المؤمنين عليا ﵁ وعنده عمار وصعصعة والأشتر ومحمد بن أبي بكر ﵃ فذكروا عثمان ﵁ فنالوا منه فكان علي ﵁ على السرير ومعه عود في يده فقال قائل منهم: إن عندكم من يفصل بينكم فسألوه فقال علي ﵁: كان عثمان ﵁ من الذين قال الله تعالى أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ قال: والله، عثمان وأصحاب عثمان ﵃ قالها ثلاثا، قال يوسف: فقلت لمحمد بن حاطب: آلله لسمعت هذا من علي ﵁؟ قال آلله لسمعت هذا من علي ﵁.
٨ - [كلام ابن كثير حول آية وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما .. ]
بمناسبة قوله تعالى وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما قال ابن كثير: (وهذا عام في كل من قال هذا، ومن زعم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ فقوله ضعيف؛ لأن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه وكان من خيار أهل زمانه، وروى العوفي عن ابن عباس ﵄ أنها نزلت في ابن لأبي بكر الصديق ﵄، وفي صحة هذا نظر والله تعالى أعلم.
وقال ابن جريج عن مجاهد نزلت في عبد الله بن أبي بكر ﵄، قاله ابن جريج، وقال: آخرون: عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄، وهذا أيضا قول السدي، وإنما هذا عام في كل من عقّ والديه وكذّب بالحق فقال لوالديه: أفّ لكما عقهما، وروى ابن أبي حاتم عن إسماعيل بن أبي خالد أخبرني عبد الله بن المديني قال:
إني لفي المسجد حين خطب مروان فقال: إن الله تعالى قد أرى أمير المؤمنين في يزيد رأيا حسنا، وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر عمر ﵄ فقال عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄: أهرقلية؟ إن أبا بكر ﵁ والله ما جعلها في أحد من ولده، ولا أحد من أهل بيته، ولا جعلها معاوية في ولده إلا رحمة وكرامة لولده، فقال مروان: ألست الذي قال لوالديه أفّ لكما؟ فقال عبد الرحمن ﵁:
ألست ابن اللعين الذي لعن رسول الله ﷺ أباك قال: وسمعتهما عائشة ﵂ فقالت: يا مروان أنت القائل لعبد الرحمن ﵁ كذا وكذا؟ كذبت ما فيه نزلت، ولكن نزلت في فلان بن فلان، ثم انتحب مروان، ثم نزل عن المنبر حتى أتى باب
стр. 5006
حجرتها فجعل يكلمها حتى انصرف. وقد رواه البخاري بإسناد آخر ولفظ آخر فقال: عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية بن أبي سفيان ﵄، فخطب وجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ شيئا، فقال: خذوه فدخل بيت عائشة ﵂ فلم يقدروا عليه فقال مروان إن هذا الذي أنزل فيه وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي فقالت عائشة ﵂ من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا أن الله تعالى أنزل عذري. (طريق أخرى) روى النسائي عن محمد بن زياد قال: لما بايع معاوية ﵁ لابنه قال مروان: سنة أبي بكر وعمر ﵄ فقال عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄: سنة هرقل وقيصر، فقال مروان: هذا الذي أنزل الله تعالى فيه وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما الآية فبلغ ذلك عائشة ﵄ فقالت: كذب مروان، والله ما هو به ولو شئت أن أسمي الذي أنزلت فيه لسميته ولكن رسول الله ﷺ لعن أبا مروان ومروان في صلبه، فمروان فضض من لعنة الله).
٩ - [كلام ابن كثير حول آية وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ .. ]
بمناسبة قوله تعالى وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها .. قال ابن كثير: (تورع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عن كثير من طيبات المآكل والمشارب وتنزه عنهم. ويقول: إني أخاف أن أكون كالذين قال الله لهم- وبّخهم وقرعهم- أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها وقال أبو مجلز: ليفقدنّ أقوام حسنات كانت لهم في الدنيا فيقال لهم أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا.
*** المقطع الثانى ويستمر من الآية (٢١) إلى نهاية الآية (٣٥) وهذا هو:
٤٦/ ٢١
стр. 5007
٤٦/ ٢٢ - ٣٢
стр. 5008
٤٦/ ٣٣ - ٣٥
التفسير:
وَاذْكُرْ أَخا عادٍ أي: هودا إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ في جنوبي الجزيرة العربية وسنرى تحقيقه في الفوائد وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ جمع نذير بمعنى المنذر أو الإنذار مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أي: من قبل هود ومن خلف هود قال ابن كثير: يعنى وقد أرسل الله تعالى إلى من حول بلادهم في القرى مرسلين ومنذرين أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قال النسفي: والمعنى:
واذكر إنذار هود قومه عاقبة الشرك والعذاب العظيم، وقد أنذر من تقدمه من الرسل ومن تأخر عنه مثل ذلك
قالُوا أي: قوم هود أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا أي: لتصرفنا عَنْ آلِهَتِنا أي: عن عبادتها فَأْتِنا بِما تَعِدُنا من معاجلة العذاب على الشرك إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في وعيدك. قال ابن كثير: استعجلوا عذاب الله وعقوبته استبعادا منهم وقوعه ..
قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ بوقت مجئ العذاب عِنْدَ اللَّهِ ولا علم لي بالوقت الذي يكون فيه تعذيبكم. وقال ابن كثير: أي الله أعلم بكم إن كنتم مستحقين لتعجيل العذاب فسيفعل ذلك بكم، وأما أنا فمن شأني أني أبلغكم ما أرسلت به وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ أي: الذى هو شأني أن أبلّغكم ما أرسلت به من الإنذار والتخويف وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ أي: لا تعقلون ولا تفهمون. قال النسفي: أي ولكنكم جاهلون لا تعلمون أن الرسل بعثوا منذرين، لا مقترحين ولا سائلين غير ما أذن لهم فيه
فَلَمَّا رَأَوْهُ أي: العذاب عارِضاً
стр. 5009
العارض هو السحاب الذي يعرض في أفق السماء مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا قال ابن كثير: أي لما رأوا العذاب مستقبلهم اعتقدوا أنه عارض ممطر ففرحوا واستبشروا به، وقد كانوا ممحلين محتاجين إلى المطر. قالَ هود على رأي النسفي. بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ من العذاب أي هو العذاب الذي قلتم فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين، ثم فسر العذاب بقوله رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ*
تُدَمِّرُ أي: تخرّب كُلَّ شَيْءٍ من بلادهم مما من شأنه الخراب بِأَمْرِ رَبِّها أي:
بإذن ربها أي رب الريح فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ أي: قد بادوا كلهم عن آخرهم ولم تبق لهم باقية. كَذلِكَ أي: مثل ذلك الجزاء نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ أي: من أجرم مثل جرمهم. قال ابن كثير: (أي هذا حكمنا فيمن كذّب رسلنا وخالف أمرنا وهو تحذير لكل مجرم.
كلمة في السياق: [حول علاقة قصة هود بسياق السورة]
جاءت هذه القصة في سياق السورة التي تدعو إلى عبادة الله وحده، فبينت أن رسول الله- هود ﵇ دعا إلى عبادة الله وحده، فليس محمد ﷺ ببدع من الرسل، ولا دعوته ببدع من دعوات الله، كما جاءت في سياق الكلام عن الفسوق والاستكبار. فأنذرت عاقبة ذلك العذاب العاجل في الدنيا، وبينت على لسان هود ﵇ أن الجهل هو الذي يجرئ الإنسان على ردّ دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، ولما كان قوم محمد ﵊ يعبدون غير الله، ويردّون دعوته مع قيام الحجة عليهم، فقد اتجه الخطاب إليهم ليحذّرهم الله أن يصيبهم ما أصاب المجرمين السابقين.
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ أي: ما مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ قال ابن كثير: يقول تعالى: (ولقد مكنا الأمم السابقة في الدنيا من الأموال والأولاد، وأعطيناهم منها ما لم نعطكم مثله ولا قريبا منه) وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً أي: آلات الإدراك والفهم فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ أي: أيّ شئ من الإغناء مهما كان قليلا إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي: ينكرونها وهذا تعليل لإهلاكهم وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ قال ابن كثير: (أي:
وأحاط بهم العذاب والنكال الذي كانوا يكذّبون به، ويستعبدون وقوعه. أي فاحذروا أيها المخاطبون أن تكونوا مثلهم فيصيبكم مثل ما أصابهم من العذاب في الدنيا والآخرة)
стр. 5010
وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ يا أهل مكة مِنَ الْقُرى نحو حجر ثمود، وقرى قوم لوط. وَصَرَّفْنَا الْآياتِ أي: كرّرنا عليهم الحجج وأنواع العبر لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عن الطغيان إلى الإيمان فلم يرجعوا. قال ابن كثير: (وقد أهلك الله الأمم المكذّبة بالرسل ممّا حولها «أي: مكة» كعاد وكانوا بالأحقاف بحضرموت عند اليمن. وثمود وكانت منازلهم بينهم وبين الشام وكذلك سبأ وهم أهل اليمن، ومدين وكانت في طريقهم وممرّهم إلى غزة، وكذلك بحيرة قوم لوط كانوا يمرون بها أيضا)
فَلَوْلا أي: فهلّا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً القربان: ما تقرّب به إلى الله. والمعنى: فهلّا نصرهم الذين اتخذوهم شفعاء متقربا بهم إلى الله حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. قال ابن كثير: (أي: فهل نصروهم عند احتياجهم إليهم). بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ أي: بل غابوا عن نصرتهم. قال ابن كثير: أي بل ذهبوا عنهم أحوج ما كانوا إليهم. وَذلِكَ إِفْكُهُمْ أي: كذبهم وَما كانُوا يَفْتَرُونَ قال ابن كثير: أي وافتراؤهم في اتخاذهم إياهم آلهة وقد خابوا وخسروا في عبادتهم لها واعتمادهم عليها.
كلمة في السياق: [حول علاقة موقف الجن من القرآن بسياق السورة]
جاءت هذه الآيات تعليقا على قصّة قوم هود، وبناء عليها فكانت هي والقصة بمثابة إنذار للكافرين الذين يرفضون دعوة الله وعبادته، ويستكبرون عنها ويفسقون عن أمر الله، وبعد هذه الصفحة من الإنذار يعرض الله علينا قصة نفر من الجن أسلموا بمجرد سماعهم للقرآن، وخرجوا دعاة، وفي ذلك درس في التلقّي الصحيح والسليم عن الله ورسوله ﷺ ، وفي ذلك تأنيب ضمني لقريش، فإنه إذا كان الجن يقفون مثل هذا الموقف من القرآن فما بالهم هم؟ كما إن في ذلك إيناسا
لرسول الله ﷺ ، إذ يريه الله ثمرات إنذاره أنها لا تضيع، فإذا لم يستجب له قومه فإنه لا يعدم مستجيبا.
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً أي: أملناهم إليك وأقبلنا بهم نحوك، والنفر: دون العشرة مِنَ الْجِنِّ قال النسفي: (جن نصيبين) وسنرى تحقيق ابن كثير حول هذا الموضوع يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ منه ﵊ فَلَمَّا حَضَرُوهُ أي: الرسول ﷺ أو القرآن. أي فلما كانوا منه بحيث يسمعون قالُوا أي: قال
следующие страницы →