← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

أي: إما أن تراجعوهن من غير رغبة ضرار بالمراجعة، أو تخلوهن حتى تنقضي عدتهن. فيبن من غير ضرار. وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا: أي ولا تمسكوهن مضارين بأن تراجعوهن لا عن حاجة، ولكن لتطولوا العدة عليهن لتظلموهن، أو لتلجئوهن إلى الافتداء. وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ: أي ومن يمسكهن ضرارا فقد ظلم نفسه بتعريضها لعقاب الله. وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً: أي جدوا بالأخذ بها، والعمل بما فيها، وارعوها حق رعايتها. وإلا فقد اتخذتموها هزوا. يقال لمن لم يجد في الأمر، إنما أنت لاعب، وهازئ. وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ: بالإسلام، وبنبوة محمد ﷺ . وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ أي: اذكروا ما أنزل الله عليكم من القرآن والسنة يذكركم به، ويخوفكم. وتذكر ذلك إنما يكون بالشكر، وبالقيام بالحق. وَاتَّقُوا اللَّهَ: فيما امتحنكم به. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ: من ذكركم، وتقواكم، واتعاظكم، وغير ذلك. وهو أبلغ وعد، ووعيد. فائدة: قال مسروق في قوله تعالى: وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً: (هو الذي يطلق في غير كنهه. ويضار امرأته بطلاقها، وارتجاعها لتطول عليها العدة). وقد فهم مسروق هذا من السياق. وقال الحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني، والربيع، ومقاتل في تفسيرها: (هو الرجل يطلق ويقول كنت لاعبا، أو يعتق، أو ينكح ويقول: كنت لاعبا. فأنزل الله: وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً فألزم الله بذلك). وروى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد. النكاح، والطلاق، والرجعة». قال الترمذي: حسن غريب. وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ: أي وإذا طلقتم النساء فانقضت عدتهن وإذا سأل سائل: لماذا فسرنا قوله تعالى: فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ في الآية السابقة بمقاربة انتهاء العدة. وهاهنا بانقضاء العدة؟. نقول: دل السياق على افتراق البلوغين. فههنا أعقب النص النكاح. وهذا يكون بعد العدة. وهناك أعقب النص الرجعة. وهذا يكون في العدة. فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ: العضل: هو المنع، والتضييق. والخطاب للأولياء الذين لا يتركون مولياتهم يتزوجن من أزواجهن الأول. وسموا أزواجا باعتبار ما كان. فصار المعنى: فلا تمنعوهن أن يتزوجن أزواجهن الأول اللائي يرغبن فيهم، ويصلحون لهن إذا تراضى

стр. 527

الخطاب والنساء، ضمن حدود المعروف، والمعروف هنا هو ما يحسن في الدين. والمروءة من شرائط ذلك. ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ: لأن الموعظة تنجح فيهم فقط ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ أي: ترك العضل والضرار أفضل، وأطيب، وأزكى لأنفسكم، وأطهر لها من أدناس الآثام. وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. ومن ثم فهو الذي يحكم، ويأمر، وينهى، ويشرع. وليس لكم شئ من ذلك فما أجهل من نازع الله حق التشريع، وحق الأمر والنهي، وحق الحكم. فوائد: ١ - استشهد كل من الشافعية والحنفية بهذه الآية على مذهبيهما المتعارضين في موضوع جواز تزويج البالغة نفسها بدون ولي، كما هو مذهب الحنفية. أو عدم جواز ذلك إلا بولي كما هو مذهب الشافعية. استشهد الحنفية بقوله تعالى: أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ. فقالوا: أسند النكاح إليها. فدل على انعقاد النكاح بعبارة النساء. وقال الشافعية: نزلت هذه الآية في الرجل، يطلق امرأته طلقة، أو طلقتين. فتنقضي عدتها، ثم يبدو له أن يتزوجها، وأن يراجعها. وتريد المرأة ذلك. فيمنعها أولياؤها من ذلك. فنهى الله أن يمنعوها. فدل ذلك عندهم على أن المرأة لا تملك أن تزوج نفسها. وأنه لا بد في النكاح من ولي. وفي الحديث: «لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها. فإن الزانية هي التي تزوج نفسها» وفي الأثر الآخر: «لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل». وبسط هذا الموضوع في الجزء الثاني من هذا الكتاب (الأساس في السنة وفقهها). ٢ - نزلت هذه الآية في معقل بن يسار المزني وأخته. وذلك أنه زوج أخته رجلا من المسلمين على عهد رسول الله ﷺ فكانت عنده ما كانت. ثم طلقها تطليقة، لم يراجعها حتى انقضت عدتها. فهويها، وهويته. ثم خطبها مع الخطاب. فقال له: يا لكع ابن لكع. أكرمتك بها، وزوجتكها فطلقتها. والله لا ترجع إليك أبدا آخر ما عليك. قال: فعلم الله حاجته إليها، وحاجتها إلى بعلها، فأنزل الله: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ إلى قوله وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. فلما سمعها معقل قال: سمعا لربي وطاعة. ثم دعاه فقال: «أزوجك، وأكرمك». رواه الترمذي، وصححه. وزاد ابن مردويه: وكفرت عن يميني.

стр. 528

٣ - فسر فقهاء الحنفية المعروف في قوله تعالى: إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ: أنه مهر المثل، والكفء. لأنه عند عدم كفاءة الرجل فللأولياء أن يعترضوا. وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما. وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. المعنى العام: في هذه الآية إرشاد من الله تعالى للوالدات أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة وهي سنتان. ثم بين على والد الطفل نفقة الوالدات، وكسوتهن بالمعروف. أي بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن من غير إسراف ولا إقتار، بحسب قدرته في يساره، أو توسطه، أو إقتاره. لأن القاعدة العامة في الشريعة الإسلامية التكليف بقدر الوسع. ثم بين الله أنه لا يجوز للمرأة أن تدفع الولد عنها، لتضر أباه بتربيته. كما لا يحل له انتزاعه منها لمجرد الضرار بها. وكما أن عدم الضرار واجب على الوالد، فكذلك الوارث، يجب عليه عدم الضرار بزوجة المتوفى. ثم يبين الله أنه إذا اتفق والدا الطفل على فطامه، قبل الحولين، ورأيا في ذلك مصلحة له، وتشاورا في ذلك، وأجمعا عليه، فلا جناح عليهما في ذلك. ثم بين الله أنه إذا اتفقت الوالدة والوالد على أن يستلم منها الولد إما لعذر منها، أو لعذر له، فلا جناح عليها في بذله، ولا عليه في قبوله منها إذا سلمها أجرتها الماضية بالتي هي أحسن. واسترضع لولده غيرها ثم أمرنا الله أن نتقيه في جميع أحوالنا، وأن نعلم أنه لا يخفى عليه شئ من أحوالنا وأقوالنا. المعنى الحرفي: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ: هذا خبر في معنى الأمر. أي وليرضع الوالدات أولادهن حولين كاملين. وهذا الأمر على وجه الندب، أو على وجه الوجوب إذا لم يقبل الصبي إلا ثدي أمه. أو لم توجد له ظئر، أو كان الأب عاجزا عن

стр. 529

الاستئجار. ومعنى كاملين: تامين. ويمكن أن يراد بالوالدات هنا، الوالدات المطلقات. وإيجاب النفقة، والكسوة، لأجل الرضاع. لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ: هذا بيان لمن توجه إليه الحكم. أي هذا الحكم لمن أراد إتمام الرضاعة. قال النسفي: والحاصل أن الأب يجب عليه إرضاع ولده دون الأم. وعليه أن يتخذ له ظئرا، إلا إذا تطوعت الأم بإرضاعه. وهي مندوبة إلى ذلك. ولا تجبر عليه. ولا يجوز استئجار الأم ما دامت زوجة، أو معتدة. وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ: أي وعلى الذي يولد له وهو الوالد، رزقهن وكسوتهن بلا إسراف ولا تقتير. وتفسيره ما يعقبه. وهو لا يكلف واحد منهما ما ليس في وسعه. ولا يتضاران. وإنما قيل على المولود له، دون الوالد، ليعلم أن الوالدات إنما ولدن لهم إذ الأولاد للآباء والنسب إليهم لا إليهن. فكان عليهم أن يرزقوهن، ويكسوهن إذا أرضعن ولدهم كالأظآر. لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها التكليف: إلزام ما يؤثر فيه الكلفة. والوسع هو، الوجد، أو قدر الإمكان. أي لا يلزم الله نفسا إلا بقدر وجدها وإمكانها. لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها لا: هنا، ناهية. أي لا تضار والدة زوجها بسبب ولدها. وهو أن تعنف به، وتطلب منه ما ليس بعدل من الرزق والكسوة، وأن تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد، وأن تقول بعد ما ألفها الصبي: اطلب له ظئرا. وما أشبه ذلك. وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ: أي: ولا يضار مولود له، امرأته بسبب ولده. بأن يمنعها شيئا مما وجب عليه من رزقها وكسوتها، أو يأخذه منها، وهي تريد إرضاعه. ويمكن أن يفهم النص لا تُضَارَّ .. فهما آخر، إذا فهمنا لا تضار، بمعنى تضر. فيكون المعنى على هذا: لا تضر والدة ولدها. فلا تسئ غذاءه، وتعهده. ولا تدفعه إلى الأب بعد ما ألفها. ولا يضر الوالد به، بأن ينتزعه من يدها، أو يقصر في حقها، فتقصر هي في حق الولد. وإنما قيل: بولدها، وبولده: لأنه لما نهيت المرأة عن المضارة، أضيف إليها الولد استعطافا لها عليه، وكذلك الوالد. وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ أي: وعلى وارث الصبي عند عدم وجود الأب، مثل الذي كان على أبيه في حياته، من الرزق والكسوة. ووارث الصبي في الأصل هو كل من يرثه لو مات. ولذلك كان مذهب ابن أبي ليلى أن نفقة الصبي على كل من يرثه. وعند الحنفية الرحم المحرم أولى به، فعليه النفقة. وعند الشافعية: النفقة على من بينه وبين الصبي ولاد إذ لا نفقة إلا بهذا عنده. فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما: أي: فإن أراد الأبوان فطاما صادرا عن تراض بينهما

стр. 530

وتشاور بينهما فلا إثم عليهما في ذلك، زادا على الحولين، أو نقصا. وهذه توسعة بعد التحديد، والتشاور استخراج الرأي. وذكر التشاور في الآية، ليكون التراضي عن تفكر. فلا يضر الرضيع. واعتبر اتفاقهما. لأن للأب التبعة والولاية. وللأم الشفقة، والعناية. ويؤخذ منه أن انفراد أحدهما بذلك دون الآخر لا يكفي. ولا يجوز لواحد منهما أن يستبد بذلك من غير مشاورة الآخر. وهذا فيه احتياط للطفل، وإلزام للنظر في أمره. وهو من رحمة الله بعباده. وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ، فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ: أي وإن أردتم حين عجز الأم، أو إبائها أن تسترضعوا المراضع أولادكم، فلا إثم عليكم إذا سلمتم هذه المراضع ما أردتم إيتاءه لهن من الأجرة بالمعروف الذي هو هنا طيب النفس، والسرور، وتسليم الأجرة للمرضع ابتداء مندوب، وليس شرط جواز. أو إذا سلمتم الأمهات أجورهن على ما مضى بالمعروف. وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ: فلا تخفى عليه أعمالكم، وهو مجازيكم بها. وهاهنا أمران. أمر بالتقوى وأمر بمعرفة الله. وهما متلازمان. فوائد: ١ - جاءت هذه الآية في سياق آيات الطلاق. فإذا فهمناها من خلال السياق. فإن الآية تكون حديثا عن موضوع لا بد من حله، وهو موضوع الولد من حيث رضاعه، وتربيته: إن الأم المطلقة من شأنها أن ترضع ولدها حولين كاملين. وفي مقابل ذلك لها النفقة. وهذه النفقة تجب لها إذا كانت زوجة، أو معتدة بحكم الزوجية. أما بعد انفصام الزوجية، فبحكم قيامها على تربية الطفل، وانحباسها من أجل مصلحته. والشورى، والرغبة الصالحة في الإحسان هما الأصل في العلاقة من أجل الطفل. وإذا مات الأب، تنتقل النفقة على من تجب نفقة الطفل عليه. وإذا حدث ما يمنع الأم من الاستمرار في الرضاع، يسلم الطفل إلى مرضع أخرى. وفي مقابل ذلك، فعلى الأب أجرة الإرضاع للمرضع الجديد. ٢ - رأينا أن التشاور بين الأب والأم في شأن الطفل واجب لتحصيل ما هو مصلحة للطفل. ونفهم من ذلك، أدبا عاما، هو أن كل ما فيه مصلحة لأكثر من إنسان، ينبغي أن تقام فيه الشورى. وتجتمع فيه الآراء. فكيف إذا كان ذلك مصلحة الإسلام، والمسلمين ومن ثم فإننا نعتبر هذه الآية أصلا في موضوع كثير من الأمور في

стр. 531

سير الحركة الإسلامية. ٣ - رأينا أن الرضاعة الكاملة سنتان. وقد رأى علقمة امرأة ترضع بعد الحولين. فقال: لا ترضعيه. وكأنه يرى أن ما زاد على السنتين ربما أضر بالولد، إما بنفسه، أو بعقله، أو بجسمه هذا مع كون الرضاع بعد السنتين مباحا. والاتجاه الغالب عند الفقهاء أن الرضاعة بعد السنتين لا يترتب عليها حكم من ناحية الحل والحرمة في شأن الزواج. ٤ - قال فقهاء الحنفية في شأن الحضانة والنفقة: «ونفقة الأولاد الصغار على الأب إذا كانوا فقراء، وليس على الأم إرضاع الصبي إلا إذا تعينت، فيجب عليها. ويستأجر الأب من ترضعه عندها فإن استأجر زوجته أو معتدته لترضع ولدها لم يجز، أما بعد انقضاء العدة فهي أولى من الأجنبية، إلا أن تطلب زيادة أجر». «وإذا اختصم الزوجان في الولد قبل الفرقة أو بعدها فالأم أحق بحضانته ثم أمها ... ومن لها الحضانة إذا تزوجت بأجنبي سقط حقها فإن فارقته عاد حقها .. ويكون الغلام عندهن حتى يستغني عن الخدمة وتكون الجارية عند الأم والجدة حتى تحيض .. ». وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ* وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ. عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً. وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ. المعنى العام: في الآية أمر الله النساء اللائي يتوفى عنهن أزواجهن أن يعتددن أربعة أشهر، وعشرة أيام. وهذا الحكم يشمل الزوجات المدخول بهن، وغير المدخول بهن بالإجماع. ومستند الإجماع هذه الآية، وحديث ابن مسعود الذي سنذكره بعد. ولم يخرج عن هذا الحكم إلا المتوفى عنها زوجها وهي حامل. فقد اختلف في عدتها. هل عدتها وضع حملها، لآية سورة الطلاق؟. أو أبعد الأجلين من الوضع، أو أربعة أشهر وعشرا؟.

стр. 532

وسنرى ذلك إن شاء الله. ويستفاد من الآية وجوب الإحداد على الزوجة المتوفى عنها زوجها مدة عدتها كما سنرى. فإذا انتهت عدتها، فلا عليها أن تتزين، وتتصنع، وتتعرض للزواج الحلال الطيب. وفي الآية الثانية يبيح الله لنا التعريض بخطبة النساء في عدتهن من وفاة أزواجهن من غير تصريح. كما يبيح لنا إضمار الخطبة لهن في أنفسنا دون الاتفاق السري، ومن باب أولى الجهري على التزوج بعد العدة. وإباحة الله لنا هذا لعلمه ﷻ بأنفسنا، وتطلعاتها. كما حرم الله في الآية عقد النكاح علنا حتى تنقضي العدة. وختم الله الآية بأن توعدنا على ما يقع في ضمائرنا من أمور النساء. وأرشدنا إلى الخير دون الشر. مع عدم اليأس من رحمته، والتقنيط من عائدته ﷻ . المعنى الحرفي: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ أي تستوفى أرواحهم. وَيَذَرُونَ أَزْواجاً أي: ويتركون زوجات. يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً أي: وزوجات الذين يتوفون منكم يعتددن بعدهم بأنفسهن أربعة أشهر وعشرة أيام بلياليهن. فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أي: فإذا انقضت عدتهن فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ: أيتها الأمة أو أيتها الجماعة المتمثلة بأئمتها، وقضاتها. يفهم من ذلك أن الأمة بمجموعها مكلفة بإقامة أحكام الله، ومن مثل هذا النص عرف موضوع فرض الكفاية وفرض العين فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ أي: من التعرض للخطاب بالوجه الذي لا ينكره الشرع. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ: يعلم بواطن الأمور كما يعلم ظاهرها. وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ: الخطبة طلب النكاح. والتعريض: أن تقول: إنك لجميلة، أو صالحة، من غرضي أن أتزوج ونحو ذلك من الكلام الموهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه، ولا يصرح بالنكاح. فلا يقول: إني أريد أن أتزوجك. والفرق بين الكناية والتعريض: أن الكناية أن تذكر الشئ بغير لفظه الموضوع له. والتعريض: أن تذكر شيئا تدل به على شئ لم تذكره. فكأنه إمالة الكلام إلى عرض يدل على الغرض أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ أي: لا إثم عليكم فيما سترتم، وأضمرتم في قلوبكم. عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا أي: علم الله أنكم ستذكرونهن لا محالة. ولا تنفكون عن النطق برغبتكم فيهن فاذكروهن. ولكن لا تواعدوهن سرا. أي: لا تأخذ ميثاقها أن لا تتزوج غيرك. لا تقل لها إني عاشق،

стр. 533

فعاهديني أن لا تتزوجي غيري. لا تحدثها عن الجماع، وقدرتك عليه لتثير شهوتها. فتأخذ منها وعدا. إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً أي: لا تواعدوهن مواعدة قط، إلا معروفة غير منكرة، كأن يقول لوليها: لا تسبقني بها. يعني: لا تزوجها حتى تعلمني. وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ: العزم هو القطع. وذكر العزم هنا مبالغة في النهي عن عقد النكاح. لأن العزم على الفعل يتقدمه. فإذا نهى عنه كان عن الفعل أنهى. والمراد بالكتاب هنا: العدة. وسميت العدة كتابا، لأنها فرضت بالكتاب. فصار المعنى: ولا تعزموا عقدة النكاح حتى تنقضي عدتها، بأن يبلغ التربص المكتوب عليها أجله. أي: غايته وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ من: العزم على ما لا يجوز فَاحْذَرُوهُ: أن تعزموا على ما حرم عليكم. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ: لا يعاجل في العقوبة، يمهل، ولا يهمل، ويتوب على من تاب، ويعفو عن كثير. فوائد: ١ - التعريض بالخطبة في العدة للمتوفى عنها زوجها، وللمطلقة البائنة أما المطلقة طلاقا رجعيا، فلا خلاف في أنه لا يجوز لغير زوجها التصريح بخطبتها ولا التعريض لها أثناء العدة. والدليل على جواز التعريض للمطلقة ما قاله النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس حين طلقها زوجها أبو عمر بن حفص آخر ثلاث تطليقات، فأمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم. وقال لها: «فإذا حللت، فآذنيني». فلما حلت، خطب عليها أسامة ابن زيد مولاه. فزوجها إياه. ٢ - من تزوج امرأة في عدتها، فدخل بها، فإنه يفرق بينهما. وهل تحرم عليه أبدا؟. قولان: الجمهور على أنها تحرم عليه على التأبيد. وما هي عقوبتهما في هذه الحالة؟. لكون العقد يورث شبهة. فإنه لا يقام عليها حد الرجم. ولكن تعزر، والتعزير مفوض لرأي القاضي، وكذلك الرجل يعزر ولا يحد ولكن قد يصل التعزير على رأي بعض العلماء إلى القتل. ٣ - قلنا: إن الإجماع منعقد على وجوب العدة على من توفي عنها زوجها، سواء كانت مدخولا بها، أو لا. والدليل على أن غير المدخول بها هذا حكمها ما رواه أهل السنن، والإمام أحمد وصححه، والترمذي: (أن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج

стр. 534

امرأة فمات عنها ولم يدخل بها، ولم يفرض لها؟. فترددوا إليه مرارا في ذلك. فقال: أقول فيها برأيي. فإن يك صوابا فمن الله، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه. لها الصداق كاملا- وفي لفظ- لها صداق مثلها، لا وكس، ولا شطط. وعليها العدة، ولها الميراث. فقام معقل بن يسار الأشجعي فقال: سمعت رسول الله ﷺ قضى به في بروع بنت واشق. ففرح عبد الله بذلك فرحا شديدا). ٤ - ذكر سعيد بن المسيب وأبو العالية، وغيرهما: أن الحكمة في جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا، هي احتمال اشتمال الرحم على حمل. فإذا انتظر به هذه المدة ظهر إن كان موجودا كما جاء في حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين وغيرهما: «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك، فينفخ فيه الروح». فهذه ثلاث أربعينات بأربعة أشهر، والاحتياط بعشر بعدها لما قد ينقص بعض الشهور ثم لظهور الحركة بعد نفخ الروح فيه. وقال قتادة: سألت سعيد بن المسيب: ما بال العشرة؟. قال: فيه ينفخ الروح! .. ٥ - كان ابن عباس يرى أن الحامل إذا توفي عنها زوجها أن عليها أن تتربص بأبعد الأجلين من الوضع، أو أربعة أشهر وعشرا، للجمع بين الآية التي مرت معنا، وقوله تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ. ولكن روى أبو عمرو بن عبد البر: أن ابن عباس رجع إلى حديث سبيعة كما هو قول أهل العلم قاطبة. وحديث سبيعة مخرج في الصحيحين من غير وجه وهو: «أنها توفي عنها زوجها سعد بن خولة، وهي حامل. فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته. وفي رواية: فوضعت حملها بعده بليال. فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب. فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك. فقال لها: ما لي أراك متجملة، لعلك ترجين النكاح؟ والله ما أنت بناكح حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك، جمعت علي ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك؟. فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي. وأمرني بالتزويج إن بدا لي». ٦ - الزوجة إذا كانت أمة، وتوفي عنها زوجها، فالجمهور على أن عدتها شهران وخمسة أيام. ٧ - أما عدة أم الولد: إذا توفي عنها سيدها فمذهب أحمد في رواية عنه أن عدتها

стр. 535

أربعة أشهر وعشر. وفي رواية أخرى لأحمد وهو مذهب كثير أن عدتها نصف عدة الحرة. وقال أبو حنيفة وغيره: تعتد بثلاث حيض. وقال مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه: عدتها حيضة. وقال الليث: ولو مات، وهي حائض، أجزأتها. وقال مالك: فلو كانت ممن لا تحيض، فثلاثة أشهر. وقال الشافعي والجمهور: شهر، وثلاثة أحب. ٨ - قالت زينب بنت أم سلمة في وصف إحداد المرأة الجاهلية: (كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا، ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى تمر بها سنة، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها. ثم تؤتى بدابة حمار، أو شاة، أو طير، فتفتض به. فقلما تفتض بشيء إلا مات). أي من نتنها. والافتضاض مسح الفرج به. والظاهر أن الحيوانات التي تموت من الافتضاض هي ما كانت من نوع الطيور والحيوانات الصغيرة. ٩ - الإحداد: هو ترك الزينة من الطيب، ومن لبس ما يدعوها إلى الأزواج من ثياب، وحلي، وغير ذلك. وهو واجب في عدة الوفاة قولا واحدا. ولا يجب في عدة الرجعية قولا واحدا. بل يستحب لها أن تتزين. وهل يجب الإحداد في عدة البائن؟ فيه قولان. في الصحيحين من غير وجه عن أم حبيبة، وزينب بنت جحش أم المؤمنين: (أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج، أربعة أشهر وعشرا». وفي الصحيحين عن أم سلمة أن امرأة قالت: يا رسول الله: إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟. فقال: «لا»، كل ذلك يقول: لا مرتين أو ثلاثا، ثم قال: «إنما هي أربعة أشهر وعشرا. وقد كانت إحداكن في الجاهلية تمكث سنة». وهذا منع من التكحل الذي هو مظنة الزينة، لا من التداوي. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا إحداد على كافرة، ولا على صغيرة، لعدم التكليف، ولا على أمة مسلمة لنقصها. ١٠ - رأينا أن الخطاب في قوله تعالى: فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ: إنما هو لمجموع الأمة، وقد رأينا أن الضمير في قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ: يرجع إلى الأمة المسلمة ممثلة بقضاتها وحكامها وأهل الرأي فيها، وسنرى مثل ذلك في القرآن كثيرا وهذا يدل على أن الأمة بمجموعها مكلفة بإقامة

стр. 536

كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومكلفة بإقامة أحكام الله . فإذا حدث تفلت في هذا فعلى جماعة المسلمين العمل من أجل إرجاع الأمور إلى نصابها، فمن أوائل الشروط لإعطاء تجمع ما صفة جماعة المسلمين أن يعمل من أجل ذلك بطريقه. وإذ كان حسن البنا ﵀ قد بدأ هذا الطريق وسار فيه وأقام جماعة تتوافر فيها جميع شروط الجماعة فإنه في حدود علمنا تكون جماعته- إن أحسنت- هي أقرب الجماعات الموجودة حاليا لأن تكون جماعة المسلمين. ولنعد إلى السياق: لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ، أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ، وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ* وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ، وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى. وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ. إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. المعنى العام: أباح الله ﵎ طلاق المرأة بعد العقد عليها، وقبل الدخول بها. وقبل الفرض لها إن كانت مفوضة. وإذ كان في هذا انكسار لقلبها فقد أمر تعالى بإمتاعها: وهو تعويضها عما فاتها بشيء تعطاه من زوجها بحسب حاله، على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره. وفي الآية الثانية أوجب الله نصف المهر المفروض إذا طلق الزوج قبل الدخول إلا أن تعفو المرأة فلا تأخذ شيئا، أو يعفو الزوج فيدفع المهر كاملا. ثم ندب الله الجميع، رجالا ونساء للعفو. ونهاهم عن نسيان الإحسان، وذكرهم أن الله لا يخفى عليه شئ من أمورهم، وأحوالهم. وسيجزي كل عامل بعمله. المعنى الحرفي: لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً: المس: هو الجماع. وفرض الفريضة: تسمية المهر. هذه الآية فيمن طلق امرأته، ولم يكن سمى لها مهرا، ولا جامعها. فإنه لا إثم عليه. ولكن أمره الله: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ، وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ الموسع: هو الغني الذي له سعة. والمقتر:

стр. 537

هو الضيق الحال. والمتعة عند الحنفية: درع وملحفة وخمار. أي جلباب وثوب وخمار، وهي عند الحنفية وجمهور العلماء واجبة. قال النسفي: (ولا تجب المتعة عندنا إلا لهذه. وتستحب لسائر المطلقات). ومعنى قَدَرُهُ في الآية: مقداره الذي يطيقه. مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ: أي تمتيعا بالوجه الذي يحسن في الشرع والمروءة. حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ أي: واجبا على المسلمين، إذ هم المحسنون. وليس ذكر الإحسان هنا علامة على التبرع. إذ دل على وجوب المتعة أكثر من شئ في الآية. ثم بين حكم التي سمي لها مهر في الطلاق قبل المس، قال: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ أي: من قبل أن تجامعوهن. وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً أي: والحال أنكم قد سميتم لهن مهرا فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ أي: فعليكم أن تدفعوا لهن نصف المهر. إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أي: إلا إذا عفون لكم عن حقوقهن. أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ: الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج. فيدفع في هذا الحال المهر كاملا. فصار المعنى: أن الواجب شرعا: هو النصف؛ إلا أن تسقط هي الكل، أو يعطي هو الكل تفضلا. وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى: هذا خطاب للجميع. أي: عفو الزوج بإعطاء المهر خير له، وعفو المرأة بإسقاطه كله خير لها، فالعفو أقرب للتقوى تحصيلا، وتحقيقا، وحالا. وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ أي: ولا تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض. إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيجازي كل عامل بعمله. فوائد: ١ - قال ابن عباس: (متعة الطلاق، أعلاه: الخادم. ودون ذلك: الورق، ودون ذلك الكسوة. وقال: إن كان موسرا، أمتعها بخادم، أو نحو ذلك. وإن كان معسرا: أمتعها بثلاثة أثواب). وقال الشعبي: (أوسط ذلك: درع، وحمار، وملحفة، وجلباب). وكان شريح يمتع بخمسمائة. ومتع الحسن بن علي بعشرة آلاف. وقال الشافعي في الجديد: (لا يجبر الزوج على قدر معلوم، إلا على أقل ما يقع عليه اسم المتعة. وأحب ذلك أن يكون أقل ما يجزئ في الصلاة). وقال في القديم: (لا أعرف في المتعة قدرا إلا أنني أستحسن ثلاثين درهما كما روي عن ابن عمر). ٢ - المتعة إنما تجب للمطلقة إذا لم يدخل بها، ولم يفرض لها. فإن كان قد دخل

стр. 538

بها، وجب لها مهر مثلها إذا كانت مفوضة. وإن كان قد فرض لها، وطلقها قبل الدخول: وجب لها عليه شطره، فإن دخل بها استقر الجميع. ٣ - رأينا أن المطلقة إذا سمي لها صداق ثم فارقها قبل دخوله بها، فإنه يجب لها نصف ما سمي من الصداق. وهذا أمر مجمع عليه. وعند الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، ومالك، وأحمد أن الخلوة بها حكمها حكم الجماع، ولو لم يحدث جماع. فيجب عندهم جميع الصداق إذا خلا بها الزوج، وإن لم يدخل بها. وهو مذهب الشافعي في القديم، وبه حكم الخلفاء الراشدون. ولكن الشافعي ذهب في الجديد إلى مذهب ابن عباس الذي يقول: في الرجل يتزوج المرأة فيخلو بها، ولا يمسها، ثم يطلقها، ليس لها إلا نصف الصداق. قال الشافعي بهذا أقول: وهو ظاهر الكتاب. ٤ - أخرج ابن أبي حاتم عن النبي ﷺ قال: «ولي عقدة النكاح الزوج» وأخرج عن عيسى بن عاصم قال: سمعت شريحا يقول: سألني علي بن أبي طالب عن الذي بيده عقدة النكاح؟ فقلت له: هو ولي المرأة. فقال علي: بل هو الزوج. ومن حجج الحنفية على من قال: إن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي كمالك: أن الولي لا يملك التبرع بحق الصغيرة. فكيف يجوز حمل الآية عليه، وهو لا يملك العفو. ٥ - بمناسبة قوله تعالى: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ذكر ابن كثير كلاما أخرجه ابن مردويه عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: «ليأتين على الناس زمان عضوض، يعض المؤمن على ما في يديه، وينسى الفضل. وقد قال تعالى: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ. شرار يبايعون كل مضطر». وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطر، وعن بيع الغرر. فإن كان عندك خير، فعد على أخيك، ولا تزده هلاكا إلى هلاكه. فإن المسلم أخو المسلم لا يحزنه، ولا يحرمه». وذكر ابن كثير كلاما لعون ابن عبد الله. آخره له علاقة بقوله تعالى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ. هو: عن أبي هارون قال: (رأيت عون بن عبد الله في مجلس القرظي. فكان عون يحدثنا، ولحيته ترش من البكاء ويقول: صحبت الأغنياء. فكنت من أكثرهم هما حين رأيتهم أحسن ثيابا، وأطيب ريحا، وأحسن مركبا. وجالست الفقراء، فاسترحت بهم. وقال: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إذا أتاه السائل، وليس عنده شئ فليدع له).

стр. 539

حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ. فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً. فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ: هاتان الآيتان في شأن الصلاة. وردتا بعد آيات في الطلاق فما الحكمة في ذلك؟. أولا: جاءت هذه الآيات في حيز الأمر بالدخول في الإسلام كله. وإذا سار السياق في أحكام حياتية كثيرة فقد ناسب التذكير بالصلاة في هذا المقام، ليعلم أن الصلاة هي الابتداء، وهي الوسط، وهي الانتهاء. وأنها ضرورية. ومحلها في الإسلام لا يصح أن ينسى. ثانيا: إنه بلا معرفة بالله لا يدخل الإنسان في الإسلام كله. وبلا صلاة لا تكون معرفة بالله، ولا دخول في الإسلام كله. قال تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي. (سورة طه) وقال: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ (سورة العنكبوت) فلا دخول في الإسلام كله إلا بصلاة ومن ثم ذكرت الصلاة في هذا السياق. ثالثا: إن مجئ الأمر بالصلاة بين أحكام الطلاق وغيرها من شئون النساء، يشعر أن هذه الأحكام تحتاج إلى صلاة في كل حال، في السلم والحرب، حتى تقوم. وأن المسلم الذي لا يقيم الصلاة في كل حال، لا يقيم أحكام الله الأخرى. رابعا: مجئ هاتين الآيتين هنا توطئة لما بعد آيات الطلاق. وربط لما بعد آيات الطلاق، بما قبل آيات الطلاق والنكاح. فبعض الأسئلة التي ذكرت في الآيات السابقة على آيات النكاح ذكرت فريضة القتال. وما بعد آيات الطلاق كلام عن القتال. وفي هاتين الآيتين أمر بالصلاة وإقامتها حتى في القتال. وهكذا الإسلام؛ كل متكامل. يتغذى كل جزء منه من الآخر، ويخدم كل جزء منه الآخر. وقيامه جميعا مرتبط بعدم نسيان جزء منه. ولا إسلام إلا بصلاة، هذا ما اتضح لي من الحكمة في مجئ هاتين الآيتين في هذا المقام، والله أعلم. المعنى العام: - في الآية الأولى، أمر الله تعالى بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها، وحفظ حدودها، وأدائها في أوقاتها. وأمر بالقيام لله فيها خاشعين، ذليلين، مستكينين بين يديه. ولما أمر تعالى عباده بالمحافظة على الصلوات والقيام بحدودها، وشدد الأمر

стр. 540

بتأكيدها. وذكر في الآية الثانية: الحال التي يشتغل الشخص فيها عن أدائها على الوجه الأكمل: وهي حال القتال، والتحام الحرب. فأمر في هذا الحال أن نصلي بقدر الوسع، على أي حال قدرنا عليها، راجلين، أو راكبين. مستقبلين القبلة، أو غير مستقبليها. إيماء إن لم نستطع غير ذلك. فإذا انتهت تلك الحال، فعلينا أن نقيم الصلاة كما أمرنا، بركوعها، وسجودها، وقيامها، وقعودها، وخشوعها، وهجودها. وذلك هو الشكر الذي يقابل نعمة الله علينا، أن علمنا وهدانا، بعد إذ كنا ضلالا جاهلين. المعنى الحرفي: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ أي: داوموا عليها بمواقيتها، وأركانها، وشرائطها وَالصَّلاةِ الْوُسْطى أي: صلاة العصر. وهي وسطى لأنها بين صلاتي الليل، وصلاتي النهار. وخصصت بالذكر لما في وقتها من اشتغال الناس بتجاراتهم. أو استرواحهم في وقتها للراحة بعد تعب. وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ أي: قوموا في صلاتكم لله خاشعين ذاكرين. فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً أي: فإن كان بكم خوف من عدو، أو غيره، فصلوا راجلين، أو راكبين، مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها. فَإِذا أَمِنْتُمْ أي: إذا زال خوفكم. فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ أي: فصلوا صلاة مثل ما علمكم ما لم تكونوا تعلمونه من صلاة الأمن ويحتمل المعنى الذي ذكرناه في المعنى العام. فوائد: ١ - اختلف المفسرون كثيرا في تفسير الصلاة الوسطى في الآية. فقيل: المغرب، وقيل: العشاء، وقيل: مجموع الصلوات الخمس، وقيل: الفجر، وقيل: بل صلاة الجماعة. وقيل: صلاة الجمعة، وقيل: صلاة الخوف، وقيل: صلاة عيد الفطر، وقيل: صلاة عيد الأضحى، وقيل: الوتر، وقيل: الضحى، وقيل: بل هي مبهمة، كما أبهمت ليلة القدر في الحول، أو الشهر، أو العشر ليحفظوا الكل. قال سعيد بن المسيب: (كان أصحاب رسول الله ﷺ مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا- وشبك بين أصابعه-). قال ابن كثير: (وكل هذه الأقوال فيها ضعف ... وإنما المدار، ومعترك النزاع، في الصبح، والعصر. وقد ثبتت السنة بأنها العصر. فتعين

стр. 541

المصير إليها). ومن الأدلة على أنها صلاة العصر، ما رواه الإمام أحمد عن علي قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر. ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارا». ثم صلاها بين العشاءين: المغرب والعشاء. وروى مثله البخاري ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي .. وروى مسلم عن البراء بن عازب قال: نزلت: (حافظوا على الصلوات وصلاة العصر) فقرأناها على رسول الله ﷺ ما شاء الله. ثم نسخها الله ، فأنزل: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى. فقال له زاهر- رجل كان مع شقيق-: أفهي العصر؟. قال: قد حدثتك كيف نزلت، وكيف نسخها الله . وفي ذكر الوسطى هنا معنى بليغ جدا. إذ هو أكبر رد على بعض طوائف الباطنية، التي تزعم أنه لم يفرض علينا إلا صلاتين. فإذا اعتبرنا أن الواو تقتضي المغايرة. فقد ثبتت الصلوات الخمس بهذا النص. إذ أقل عدد فرد، يكون له وسط. والطرفان جمع هو الخمس. وقد وردت آثار تؤكد الأمر بالمحافظة على العصر. ففي الحديث الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: «من فاتته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله» وفي الصحيح عن رسول الله ﷺ قال: بكروا بالصلاة في يوم الغيم. فإنه من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله». وفي الحديث الصحيح: «إن هذه الصلاة عرضت على الذين من قبلكم فضيعوها. ألا من صلاها، ضعف له أجره مرتين. ألا ولا صلاة بعدها حتى تروا الشاهد». ٢ - روى الإمام أحمد، وغيره- والحديث صحيح- عن زيد بن أرقم قال: كان الرجل يكلم صاحبه في عهد النبي ﷺ في الحاجة في الصلاة، حتى نزلت هذه الآية: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ: فأمرنا بالسكوت. وفي الصحيح عن ابن مسعود قال: كنا نسلم على النبي ﷺ قبل أن نهاجر إلى الحبشة وهو في الصلاة، فيرد علينا. فلما قدمنا، سلمت عليه، فلم يرد علي. فأخذني ما قرب، وما بعد. فلما سلم قال: «إني لم أرد عليك إلا أني كنت في الصلاة، وإن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن ما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة». وفي صحيح مسلم أنه ﷺ قال لمعاوية بن الحكم السلمي حين تكلم في الصلاة: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس. إنما هي التسبيح، والتكبير، وذكر الله». فهذه الأحاديث كلها تفسر قوله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ. ٣ - فصل الله صلاة الخوف في سورة النساء. ولكن تلك الصلاة إذا لم يكن

стр. 542

التحام، أما في حالة الالتحام، فأمام المسلمين سعة أن يصلوا- كما نصت الآية هنا- كيف قدروا. أو يؤخروا الصلاة كما فعل رسول الله ﷺ يوم الخندق. وكما فعل المسلمون يوم فتح (تستر) في عهد عمر. وهذه نقول حول هذا وهذا: (قال مالك عن نافع أن ابن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها- (أي كما وردت في سورة النساء) - ثم قال: (فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا على أقدامهم، أو ركبانا مستقبلى القبلة، أو غير مستقبليها). قال نافع: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي ﷺ . ورواه البخاري. وهذا لفظ مسلم. ولمسلم أيضا عن ابن عمر قال: (فإن كان خوف أشد من ذلك، فصل راكبا، أو قائما، تومئ إيماء). وقال جابر بن عبد الله: (إذا كانت المسايفة، فليومئ برأسه إيماء حيث كان وجهه. فذلك قوله تعالى: فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً). قال مالك بن أنس: (حضرت مناهضة حصن «تستر» عند إضاءة الفجر، واشتد اشتعال القتال. فلم يقدروا على الصلاة. فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار. فصليناها ونحن مع أبي موسى، ففتح لنا. قال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها). هذا لفظ البخاري، وقد أخر رسول الله ﷺ صلاة العصر يوم الخندق إلى ما بعد غيبوبة الشمس. ٤ - هل للزحف، والهجوم حكم المسايفة؟. يمكن أن يستدل على أن له نفس الحكم إذا اقتضى الزحف أو الهجوم الاستعجال بقوله ﷺ لأصحابه لما وجههم إلى بني قريظة: «لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة». فمنهم من أدركته الصلاة في الطريق، فصلوا، وقالوا لم يرد منا رسول الله ﷺ إلا تعجيل السير. ومنهم من أدركته فلم يصل إلا في بني قريظة فلم يعنف واحدا من الفريقين. ٥ - قال الأوزاعي: (إن كان تهيأ الفتح، ولم يقدروا على الصلاة، صلوا إيماء كل امرئ لنفسه. فإن لم يقدروا على الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال ويأمنوا. فيصلوا ركعتين- أي إن كانت صلاة الفجر، أو كانوا مسافرين ... - فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين. فإن لم يقدروا لا يجزيهم التكبير ويؤخرونها حتى يأمنوا). وكلام الأوزاعي أنهم يصلون ركعة واحدة في سجدتين اتجاه لكثير من السلف، أن صلاة الخوف في بعض حالات الشدة ركعة واحدة. ومن ذلك ما رواه مسلم عن ابن عباس قال: (فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة). قال ابن كثير: (وبه قال الحسن البصري، وقتادة، والضحاك، وغيرهم).

стр. 543

٦ - روى أحمد وأبو داود بإسناد جيد، عن عبد الله بن أنيس الجهني لما بعثه النبي ﷺ إلى خالد بن سفيان الهذلي ليقتله، وكان نحو عرفة، أو عرفات. فلما واجهه، حانت صلاة العصر. قال: فخشيت أن تفوتني، فجعلت أصلي وأنا أومئ إيماء. ٧ - في بعض البلدان يشتد الأمر على المسلمين، لدرجة أنه لا يستطيع أحد أن يجهر بصلاته. حتى لو جهر قتل، كما حدث في أسبانيا، وفي بعض البلدان لو جهر حيل بينه وبين العمل، أو سرح من عمله إن كان له عمل وإن لم يسرح مباشرة سرح فيما بعد إما تحقيقا، أو بغلبة الظن فما الحكم في هذه الأحوال؟. وهل يصح لمسلم ينوي خدمة الإسلام في مثل هذه الظروف أن يجمع الصلوات كلها؟ وإذا خاف على نفسه أن يكشف أمره فهل يصح أن يومئ إيماء وهو سائر أو ماش أو متكئ؟ جواب هذه القضايا يحتاج إلى تفصيلات فمحلها في القسم الثاني من هذه السلسلة (الأساس في السنة وفقهها). وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ* كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. هذه الآيات خاتمة الكلام في الأحكام حول موضوع الطلاق، وموضوع الوفاة بالنسبة للزوجة. وهذا كله يأتي في سياق الأمر بالدخول في الإسلام كله. المعنى العام: في الآية الأولى اتجاهان للمفسرين: الأول يقول بأنها منسوخة. والذين قالوا بالنسخ منهم من قال إنها منسوخة بالآية المارة: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ومنهم من قال: نسختها آية الميراث. والاتجاه الثاني أنها غير منسوخة، وإنما فيها معنى جديد: وهو أنه يستحب للمتوفى أن يوصي لزوجته بالسكنى في بيته إلى نهاية السنة. فيكون إبقاء المرأة في بيتها أربعة أشهر وعشرا، فرضا. ويكون السماح لها في البقاء إلى نهاية السنة مندوبا. وروى البخاري عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً

стр. 544

يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً: قال: (كانت هذه للمعتدة، تعتد عند أهل زوجها واجب. فأنزل الله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ .. قال: جعل الله تمام السنة سبعة أشهر؛ وعشرين، وصية إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت. وهو قول الله: غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ. فالعدة أربعة أشهر وعشر واجب عليها، وهذه الآية لم تدل على وجوب الاعتداد سنة كما قال الجمهور، حتى يكون ذلك منسوخا بالأربعة أشهر وعشر. وإنما دلت على أن ذلك من باب الوصاية بالزوجات أن يمكن من السكن في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولا كاملا إن اخترن ذلك. ولهذا قال: وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ: ولا يمنعن من ذلك لقوله: فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ. قال ابن كثير: (وهذا القول له اتجاه، وفي اللفظ مساعدة له. وقد اختاره جماعة منهم أبو العباس بن تيمية. ورده آخرون منهم الشيخ أبو عمرو بن عبد البر. والجميع متفقون على أن العدة الواجبة أربعة أشهر وعشر، أو وضع الحمل. والجميع متفقون على أنه لا يجب عليها أن تعتد سنة. يبقى الخلاف هل يندب لزوجها أن يوصي لها بالبقاء في بيت الزوجية تتمة السنة؟ فعلى القول بأنها منسوخة، لا يندب له. ولكنه لو أوصى، وأجازت الورثة فلها حق البقاء تتمة السنة. وعلى القول بأنها غير منسوخة يندب له ولها حق البقاء تتمة السنة. والذي نذهب إليه هو مذهب الجمهور في أن الآية منسوخة. لأنه إذا لم نقل بالنسخ، نعطي وارثا من الورثة؛ وصية زائدة على حقه الشرعي. والرسول ﷺ يقول: «لا وصية لوارث». ولكنا في الوقت نفسه نقول: لو لاحظت الورثة ذلك فإنه يكون حسنا. - وفي الآية الثانية توكيد لوجوب المتعة الذي مر معنا من قبل. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما نزل قوله تعالى: مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ. قال رجل: إن شئت أحسنت ففعلت. وإن شئت لم أفعل. فأنزل الله هذه الآية: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ. وفي الآية الثالثة من الله علينا بتبيان آياته في إحلاله، وتحريمه. وفروضه، وحدوده فيما أمرنا به، ونهانا عنه. فبينه، ووضحه، وفسره، ولم يتركه مجملا في وقت احتياجنا إليه. وبين أن ذلك كله من أجل أن نعقل، فلا عقل، ولا فهم، ولا تدبر إلا إذا فهم الإنسان آيات الله. المعنى الحرفي:

стр. 545

وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ أي: والذين تقبض أرواحهم منكم، ويتركون أزواجا. فليوصوا لأزواجهم وصية، أن يمتعن تمتيعا بالبقاء في بيوتهن، والنفقة عليهن سنة كاملة. غَيْرَ إِخْراجٍ أي: لا يخرجن خلالها. والمعنى أن حق الذين يتوفون عن أزواجهم أن يوصوا قبل أن يحتضروا، بأن تمتع أزواجهم بعدهم حولا كاملا. أي ينفق عليهن من تركته، ولا يخرجن من مساكنهن. وكان ذلك مشروعا في أول الإسلام، ثم نسخ بقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً. والناسخ متقدم عليه تلاوة، ومتأخر نزولا. فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ: من التزين والتعرض للخطاب والزواج، فالمعروف: هو كل ما ليس بمنكر شرعا. وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: يحكم بما شاء وحكمه كله حكم. وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ: إن أريد بها المطلقات الرجعيات؛ يكون المعنى واجبا على أهل التقوى نفقتهن في عدتهن. وإن أريد بالمطلقات ممن لم يسم لهن مهر، ولم يدخل بهن، يكون المعنى: هذه المتعة واجبة على أهل التقوى. وإن أريد بهن متعة المطلقات مما سوى ذلك، فيكون المعنى حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ بإيجابهم ذلك على أنفسهم. كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي: كمثل هذا البيان، يوضح الله لكم آياته من أجل أن تعقلوا، فتفهموا، وتعملوا. فوائد: ١ - قال ابن كثير عن الآية الأولى: (قال الأكثرون: هذه الآية منسوخة بالتي قبلها وهي قوله تعالى: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً. قال البخاري: (قال ابن الزبير: قلت لعثمان بن عفان: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وقد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها أو تدعها؟. قال: يا ابن أخي: لا أغير شيئا من مكانه). ومعنى هذا الإشكال الذي قاله ابن الزبير لعثمان: إذا كان حكمها قد نسخ بالأربعة أشهر، فما الحكمة في إبقاء رسمها مع زوال حكمها. وبقاء رسمها بعد التي نسختها، يوهم بقاء حكمها؟. فأجابه أمير المؤمنين بأن هذا أمر توقيفي. وأنا وجدتها مثبتة في المصحف كذلك بعدها فأثبتها كما وجدتها. ٢ - على القول بأن الآية الأولى في هذا النص منسوخة بآية الميراث، يثور سؤال: ما دامت المرأة من أصحاب الفروض. فهل يحق لها أن تقضي عدتها في بيت

стр. 546

زوجها؟. أو يكون ذلك زائدا على ما فرض الله لها؟. هذه القضية محل خلاف بين العلماء، وللشافعي قولان في هذا الموضوع- موضوع وجوب السكنى في منزل الزوج للمتوفى عنها زوجها- والذين يذهبون إلى وجوب السكنى في منزل الزوج للمتوفى عنها زوجها، يعتبرون ذلك من جملة الحقوق. وقد استدلوا على وجوب السكنى في منزل الزوج بما رواه مالك في موطئه أن الفريعة بنت مالك بن سنان- وهي أخت أبي سعيد الخدري- ﵄ أخبرتها- أي لزينب بنت كعب- أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة. فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم، فقتلوه. قالت: فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي في بني خدرة، فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه، ولا نفقة. قالت: فقال رسول الله ﷺ : «نعم». قالت: فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة ناداني رسول الله ﷺ أو أمر بي فنوديت له. فقال: «كيف قلت»؟. فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي. فقال: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله». قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا. قالت: فلما كان عثمان بن عفان أرسل إلي فسألني عن ذلك. فأخبرته، فاتبعه، وقضى به). قال الترمذي عن هذا الحديث: حسن صحيح. كلمة أخيرة في الفقرة: بدأت الفقرة في الكلام عن الإيلاء الذي قد يصل في بعض حالاته إلى الطلاق. ومنه وصلت الفقرة للكلام عن الطلاق الرجعي. ثم تحدثت عن الطلاق البائن بينونة كبرى، وعن الخلع، وعن شرط العودة إلى الزوج الأول بعد البينونة الكبرى. ثم يعود إلى الحديث عن الطلاق الرجعي، والأدب فيه. وإلى الطلاق البائن بينونة صغرى، والعودة إلى الزوج بعقد جديد إذا رغب الزوج والزوجة البائنان عن بعضهما بالعودة إلى الزوجية. ثم تعرض السياق لحالة وجود الولد إذا تم طلاق، وكيف ينبغي أن يفعل الزوجان البائنان في شأنه.

стр. 547

وبهذا انتهت المجموعة الأولى في الفقرة لتأتي مجموعة ثانية، تتحدث عن تصفية الحياة الزوجية إذا حدثت وفاة بعد أن تحدثت المجموعة الأولى عن طريق تصفية الحياة الزوجية بالطلاق. وقد تحدثت المجموعة الثانية عن عدة المرأة المتوفى عنها زوجها، وعما يجوز، وما لا يجوز أثناء العدة، وعن حقها في الزواج بعد انتهاء العدة. ثم يعود السياق للحديث عن الطلاق. فيذكر مسألتين. مسألة ما إذا تم الطلاق قبل المس وقبل فرض المهر. ومسألة ما إذا تم الطلاق قبل المس وبعد فرض المهر. ويذكر حكم هاتين المسألتين ثم تأتي آيتان في المحافظة على الصلوات، والصلاة حال الخوف. ثم يعود السياق لذكر حكم منسوخ. وليؤكد حكما قائما. وليمن علينا بنعمة البيان. وفي ذكر الحكم المنسوخ في نهاية السياق، تسجيل للعناية في شأن المرأة في ابتداء الإسلام حتى أوصلها إلى الأحكام النهائية التي هي الأرفق بها. وفي توكيد حق المطلقة في خاتمة السياق تسجيل للعناية في المرأة في كل حال. وفي ذكر الصلاة في هذا السياق تسجيل بأن الأحكام لا تقوم بلا صلاة. وفي ذكر صلاة القتال في هذا السياق تذكير بوحدة المقطع خاصة وأن فقرة جديدة لها صلة بالقتال ستأتي. فكأن الآية تشعرنا بأن الكلام الذي بدأ عن القتال في الفقرة الأولى لا زال مستمرا. وإذا كان المقطع لا يزال مستمرا فلننتقل إلى فقرة جديدة. الفقرة الرابعة والأخيرة من المقطع الأول من القسم الثالث: تمتد هذه الفقرة من الآية (٢٤٢) إلى نهاية الآية (٢٥٣). [سورة البقرة (٢): الآيات ٢٤٣ الى ٢٥٣] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥) أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨) فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢) تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (٢٥٣)

стр. 548

كلمة في هذه الفقرة: تبدأ الفقرة بمجموعة لها صلة بالإنفاق والقتال. وهكذا نجد أن كل الأحكام التي مرت معنا في هذا المقطع آتية بين كلامين عن الإنفاق والقتال. فبدون ذلك لا تقوم أحكام الإسلام، ولا يكون دخول في الإسلام كله. ثم تأتي مجموعة أخرى، تعرض علينا صفحة من صفحات العبرة في تاريخ بني إسرائيل، وهي كذلك في موضوع القتال، وشروط إقامته. إنه حتى يقاتل شعب فإن نقطة البداية في ذلك هو وجود القيادة المتوافرة فيها الشروط المناسبة. إن المجموعة الثانية في هذه الفقرة فيها حديث عن ذلك، وعن غيره. وتأتي الآية الأخيرة وفيها كلام عن القتال. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ. وبهذا ينتهي المقطع، وتنتهي هذه الفقرة. فقد بدأ المقطع بعد المقدمة، والتمهيد بالقتال. وانتهى بالقتال. وإن دروس هذه الفقرة لأمتنا في هذه المرحلة لكثيرة. إذ ضعفت عند هذه الأمة إرادة القتال في سبيل الله. وفقدت القيادة الرشيدة التي تقودها في طريق القتال. وإن دروس هذه الفقرة في كل زمان ومكان لكثيرة. فلنأخذ ما استطعنا من دروس ذلك كله. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ* وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ* مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. المعنى العام: في الآية الأولى يقص الله علينا قصة تجري مجرى المثل في التعجب. وفي القصة عبرة ودليل على أنه لن يغني حذر من قدر. وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه. فإن هؤلاء خرجوا فرارا من الموت، وطلبا لطول الحياة. فعوملوا بنقيض قصدهم. وجاءهم الموت سريعا في آن واحد. ثم أحياهم بعد موتهم. وكان في إحيائهم عبرة، ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة ودليل على أن الموت والحياة بيد الله. وعقب الله على القصة بتذكير الناس بفضله عليهم فيما يريهم من الآيات الباهرات، والحجج القاطعة، والدلالات الدامغات. ثم بين أنه مع هذا كله، فإن أكثر الناس لا يقومون بشكر ما

стр. 549

أنعم الله به عليهم، في دينهم، ودنياهم. وفي الآية الثانية أمر بالقتال، وأمر بمعرفة الله. وبين معرفة الله والجهاد في سبيله تلازم. وبين الآية الأولى والثانية اتصال. فكما أن الحذر لا يغني عن القدر، كذلك الفرار من الجهاد، وتجنبه لا يقرب أجلا، ولا يبعده. بل الأجل المحتوم، والرزق المقسوم مقدر، مقنن، لا يزاد فيه، ولا ينقص. وفي الآية الثالثة، حث على الإنفاق في سبيل الله. وبين الجهاد بالنفس والمال تلازم، وفي الآية بيان لما أعد الله- من مكافئات مضاعفة على الإنفاق. وبيان أن علينا أن ننفق، ولا نبالي. فالله هو الرزاق، يضيق على من يشاء من عباده في الرزق، ويوسعه على آخرين. له الحكمة في ذلك، وإليه المرجع يوم القيامة فيجازي كلا بعمله .. المعنى الحرفي: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ: هذا استفهام تقريري لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب أو سمع بأخبار الأولين، التي فيها هذا الخبر، وهو في الوقت نفسه تعجيب من شأنهم، وخوطب به من لم ير ولم يسمع، لأن هذا الكلام جرى مجرى المثل. فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا: أي فأماتهم الله. وإنما جئ به على هذه العبارة، للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد، بأمر الله، ومشيئته. وتلك ميتة خارجة عن العادة. ثُمَّ أَحْياهُمْ: ليعتبروا، ويعلموا أنه لا مفر من حكم الله وقضائه. وفيه تشجيع للمسلمين على الجهاد، وأن الموت إذا لم يكن منه بد، ولم ينفع منه مفر، فأولى أن يكون في سبيل الله. والدليل على أنه ساق هذه القصة بعثا على الجهاد، ما أتبعه من الأمر بالقتال في سبيل الله. فحرض على الجهاد بعد الإعلام بأن الفرار من الموت لا يغني. إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ: حيث أحيا أولئك ليعتبروا، وليعتبر من سمع بقصتهم. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ أي: لا يقوم أكثر الناس بشكر ما أنعم الله عليهم. وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ: هذا الأمر لنا معشر هذه الأمة. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أي: واعلموا أن الله يسمع ما يقوله المتخلفون والسابقون، عليم بما يضمره الجميع. مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً أي: من ذا الذي ينفق في سبيل الله نفقة طيبة، بنفس طيبة. سمى ما ينفق في سبيل الله قرضا، لأن القرض ما يقبض ببدل مثله من بعد، سمي به لأن المقرض يقطعه

стр. 550

من ماله، فيدفعه إليه ليأخذه منه بعد، ففي استعمال القرض تنبيه على أن ذلك لا يضيع عنده، وأنه يجزيهم عليه لا محالة. ويدخل في هذا القرض، النفقة في الجهاد. لأنه لما أمر بالقتال في سبيل الله- ويحتاج فيه إلى المال- حث على الصدقة لتتهيأ أسباب الجهاد فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً: لا يعلم كنهها إلا الله. وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ أي: يقتر الرزق على عباده، ويوسعه عليهم. فكأنه يقول: فلا تبخلوا عليه، بما وسع عليكم، لا يبدلكم الضيق بالسعة. وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ: فيجازيكم على ما قدمتم. فوائد: ١ - بمناسبة هذه الآيات يذكر ابن كثير قول خالد بن الوليد ﵁ وهو في سياق الموت: (لقد شهدت كذا موقفا. وما من عضو من أعضائي إلا وفيه رمية، أو طعنة، أو ضربة. وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت البعير. فلا نامت أعين الجبناء). ٢ - في هرب هؤلاء من الموت، اتجاهان للمفسرين. الاتجاه الأول: أنهم فروا من الجهاد. والاتجاه الثاني: أنهم فروا من الطاعون، فعوقبوا بما منه فروا. ثم من الله عليهم بالحياة، لتكون عبرة. وبمناسبة القول أنهم فروا من الطاعون يذكر ابن كثير الحديث الصحيح الذي فيه أدب المسلم في حالة انتشار وباء الطاعون وهذه هي رواية الإمام أحمد: «عن عبد الله بن عباس أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتى إذا كان (بسرغ) لقيه أمراء الأجناد: أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه. فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام- فذكر الحديث- فجاءه عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيبا لبعض حاجته فقال: إن عندي من هذا علما. سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه. وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه». فحمد الله عمر ثم انصرف. وفي رواية: «إن هذا السقم عذب به الأمم قبلكم، فإذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا» ولعل في هذا النص أول تأسيس لفكرة الحجر الصحي في تاريخ العالم. ٣ - أخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله: وإن الله ليريد منا القرض؟. قال: «نعم يا أبا الدحداح». قال: أرني يدك يا رسول الله. قال: فناوله يده. قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي. قال: وحائط له فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه، وعيالها. قال: فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أم

стр. 551

الدحداح. قالت: لبيك. قال: اخرجي فقد أقرضته ربي . ٤ - أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: لما نزلت مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ ... إلى آخرها. فقال رسول الله ﷺ : «رب زد أمتي». فنزلت: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً .... قال: «رب زد أمتي». فنزلت: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ. (سورة الزمر) وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: (والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة». وأخرج مثله الإمام أحمد عن أبي هريرة. ٥ - إن مجئ هذه الآيات، والتي بعدها في موضوعها في سياق الأمر بالدخول في الإسلام كله، دليل على أن الإسلام لا يقوم بلا قتال وبذل مال. وكل من يتصور غير ذلك يكون واهما ومخطئا. ٦ - ذكر ابن كثير مجموعة أقوال المفسرين في الألوف الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت فأماتهم الله ثم أحياهم، وليس في واحد منها نص يمكن أن يركن إليه بحيث يعتبر تفسيرا قطعيا للآية، ومن جملة ما ذكره أن هذه القصة حدثت في زمن نبي من بني إسرائيل، اسمه حزقيال وبالرجوع إلى الترجمة العربية الحديثة لسفر حزقيال من أسفار العهد القديم نجد في الإصحاح السابع والثلاثين على لسان حزقيال ما يلي: «وأنزلني في وسط البقعة وهي ملآنة عظاما، وأمرني عليها من حولها، وإذا هي كثيرة جدا على وجه البقعة، وإذ هي يابسة جدا، فقال لي: يا ابن آدم أتحيا هذه العظام؟ فقلت يا سيد الرب أنت تعلم، فقال لي: تنبأ على هذه العظام وقل لها: أيتها العظام اليابسة اسمعي كلمة الرب، هكذا قال الرب لهذه العظام ها أنا ذا أدخل فيكم روحا فتحيون، وأضع عليكم عصبا، وأكسيكم لحما، وأبسط عليكم جلدا، وأجعل فيكم روحا فتحيون، وتعلمون أني أنا الرب. فتنبأت كما أمرت، وبينما أنا أتنبأ كان صوت، وإذا رعش، فتقاربت العظام كل عظم إلى عظمه، ونظرت وإذا بالعصب واللحم كساها، وبسط الجلد عليها من فوق وليس فيها روح، فقال لي: تنبأ للروح تنبأ يا ابن آدم وقل للروح هكذا، قال السيد الرب: هلم يا روح من الرياح الأربعة، وهب على هؤلاء القتلى ليحيوا فتنبأت كما أمرني فدخل فيهم الروح فحيوا وقاموا على أقدامهم، جيش عظيم جدا جدا» يقول صاحب الظلال: «لا أحب أن نذهب في تيه التأويلات عن هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت من هم؟ وفي

стр. 552

أي أرض كانوا وفي أي زمان خرجوا؟ فلو كان الله يريد بيانا عنهم لبين كما يجئ القصص المحدد في القرآن، إنما هذه عبرة وعظة يراد مغزاها ... إنما يراد هنا تصحيح التصور عن الموت والحياة، وأسبابهما الظاهرة، وحقيقتهما المضمرة ... يراد أن يقال: إن الحذر من الموت لا يجدي، وإن الفزع والهلع لا يزيدان حياة، ولا يمدان أجلا ولا يردان قضاء ... ». قضاء ... ». [سورة البقرة (٢): الآيات ٢٤٦ الى ٢٥١] أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨) فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٢٥١)

стр. 553

المعنى العام: بعد المجموعة السابقة التي بين الله ﷻ فيها أن الحذر لا يغني من القدر، وأن الموت والحياة بيد الله، وبعد الأمر بالقتال والإنفاق في سبيل الله، تأتي هذه المجموعة التي تبين أن الفئة القليلة المؤمنة تتغلب على الفئة الكثيرة الكافرة. وأنه لا بد من جهاد، وإلا لعم الفساد. في الآية الأولى بيان لحال وصل إليها بنو إسرائيل، من ذهاب بلادهم، وسبي أولادهم. فطلبوا نتيجة لذلك من نبي لهم أن ينصب عليهم ملكا يقاتلون تحت إمرته. وبفراسة النبي سألهم عما يتوقعه منهم، أنهم لو فرض عليهم القتال فسينكصون. ولكنهم أصروا. وكان واقع الحال ما توقعه منهم، أن الأكثرية منهم نكصوا عن القتال. - وفي الآية الثانية تم التعيين نزولا عند رغبتهم في أن يكون لهم ملك. وكان التعيين بناء على الخصائص المناسبة للحال. فهم يحتاجون إلى ملك يجتمع له العلم بالشريعة، وفن القتال، والقوة الجسدية كي يقوم بأعباء القيادة. وكان طالوت ذلك الرجل. ولكنهم اعترضوا تعنتا، وكان الأولى بهم التسليم والطاعة لو كانوا مؤمنين حقا. وسبب اعتراضهم أنهم يتصورون أن الملك لا يستحقه أحد إلا بنسب أو مال. فبين لهم أن هذا اصطفاء الله واختياره، وتلك مشيئته، وهو واسع الفضل. يختص برحمته من يشاء. عليم بمن يستحق الملك، ممن لا يستحقه. - وفي الآية الثالثة يبين الله أنه قد أعطاهم معجزة. هي مجئ التابوت، تحمله الملائكة، كآية تزيد طمأنينتهم، ليزدادوا إيمانا بنبيهم، وليطمئنوا إلى

стр. 554

إمرة طالوت. وفي التابوت ما يتباركون به. وهو آثار من موسى وهارون. ومجئ المعجزة في هذه الحال لا تبقي شكا لمؤمن أن الله هو الذي اصطفى طالوت وأن نبيهم صادق، وأن طالوت يستأهل ما أقامه الله فيه. فالمفروض بعد هذا أن يكونوا على منتهى الطاعة والاندفاع في القتال. - وفي الآية الرابعة يبين الله الظرف الذي وضع فيه طالوت قومه. عند ما خرج بهم للقتال، فالقتال يحتاج إلى انضباط. وفي فن الحرب يستحيل أن يكسب جيش لا انضباط فيه معركة. فكانت أول عملية قام بها طالوت- بأمر الله- هو اختبار انضباط هذا الجيش، بقضية تخالف الأهواء. وهي أنه كلفهم حين مرورهم على نهر الشريعة- الذي يسمى الآن نهر الأردن- ألا يشربوا منه إلا في حدود الغرفة الواحدة، فلم يلتزم بهذا الأمر إلا القليل. هذا القليل هو وحده الذي سمح له طالوت بتجاوز النهر. إذ هم المؤمنون حقا. والمطيعون حقا، والراغبون في الجهاد حقا. فلما جاوزوا النهر، رأوا قلتهم، فلما رأوا قلتهم ظهرت فيهم الظاهرتان الموجودتان دائما في هذه الأحوال، حتى عند أهل الإيمان. ظاهرة الذين يعطون الأسباب أكثر من حجمها، فهؤلاء قالوا بأنهم لا يستطيعون أن يربحوا المعركة ضد جالوت وجنده، والظاهرة الثانية ظاهرة المؤمنين المتوكلين، الذين لا يغفلون الأسباب. ولكن يعطونها حجمها، مع الثقة الكاملة بالله، فهؤلاء قالوا بأن الفئة القليلة تغلب الفئة الكثيرة إذا وجدت مشيئة الله. وقد وعد الله الصابرين بأن يكون معهم. فإذا صبرنا فنحن الغالبون. - وفي الآية الخامسة، يصف الله التقاء الجمعين. وحال أهل الإيمان بالافتقار إلى الله في تلك الساعة الحاسمة، ودعائهم الله أن يصبرهم ويثبت أقدامهم وينصرهم. وهذا منتهى الافتقار لله. حيث طلبوا منه الصبر، والتثبيت، والنصر. فلم يقولوا لله: علينا كذا، وعليك كذا. بل طلبوا منه أن يعينهم على ما كلفهم، وأن يعطيهم ثمرة ذلك. - وفي الآية السادسة بيان النتيجة. وهي النصر، وقتل جالوت على يد داود الذي جمع الله له النسب والعلم، والقوة الجسدية، وآتاه الملك، والحكمة بعد طالوت، ثم ختمت الآية بالقاعدة التي تبين حكمة مشروعية القتال في الإسلام، وهي أنه لولا أن الله تعالى يدفع بعض الناس ببعض، ويكف بذلك فسادا، لغلب المفسدون وفسدت

стр. 555

الأرض، وهلك الحرث والنسل. فلولا أن أهل الإيمان يقاتلون أهل الكفر، ولولا أن أهل الإيمان يوقفون أهل الفساد عند حدهم، لفسدت البلاد والعباد. المعنى الحرفي أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى الملأ: هم الأشراف لأنهم يملئون القلوب جلالة، والعيون مهابة. ومِنْ بَعْدِ مُوسى أي من بعد موته إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي: حين قالوا لنبي لهم أنهض للقتال معنا أميرا نصدر في تدبير الحرب عن رأيه، وننتهي إلى أمره قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا أي: هل قاربتم إن فرض عليكم القتال ألا تقاتلوا. أي: هل الأمر كما أتوقعه، أنكم لا تقاتلون وتجبنون، فأدخل (هل) الاستفهامية التي تفيد التقرير، والتثبيت للإشعار بما هو متوقع عنده قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا أي: ردوا على نبيهم بقولهم: وأي داع لنا إلى ترك القتال وأي غرض لنا فيه، والحال أنه أخذت منا البلاد، وسبيت الأولاد. يعنون إذا بلغ الأمر منا هذا المبلغ فلا بد من الجهاد فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ أي: فلما أجيبوا إلى ملتمسهم بفرض القتال عليهم، أعرضوا عنه إلا القليل. أي لم يفوا بما وعدوا. بل نكل عن الجهاد أكثرهم. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ: هذا وعيد لهم على ظلمهم بترك الجهاد وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً أي: لما طلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكا منهم، عين لهم طالوت، وأفهمهم أن هذا الأمر ليس باجتهاد من عنده، بل باصطفاء من الله. فهو أمرني به لما طلبتم مني ذلك. قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ. وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ أي قالوا معترضين على هذا التعيين: كيف ومن أين يمتلك علينا. والحال إنه لا يستحق التملك لوجود من هو أحق بالملك، وأنه فقير، ولا بد للملك من مال يعتضد به، وإنما قالوا ذلك لأن الملك كان في سبط يهوذا، كما قال المفسرون. وهذا اعتراض منهم على نبيهم، وتعنت. وكان الأولى بهم طاعة وقول معروف. فأجابهم نبيهم قائلا: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ: أي إن الله اختاره عليكم. وهو أعلم بالصالح منكم. ولا اعتراض على

стр. 556

حكمه. ثم ذكر مصلحتين، هما أنفع مما ذكروا من النسب، والمال. وهما العلم المبسوط. قالوا: كان أعلم بني إسرائيل بالحرب، والديانات في وقته. وأطول من كل إنسان برأسه ومنكبه. والبسطة: السعة والامتداد. قال النسفي: والملك لا بد أن يكون من أهل العلم. فإن الجاهل ذليل مزدرى، غير منتفع به. وأن يكون جسيما، لأنه أعظم في النفوس، وأهيب في القلوب». وقال ابن كثير: «أي: وهو مع هذا أعلم منكم، وأنبل، وأشكل منكم، وأشد قوة، وجدا في الحرب، ومعرفة بها. أي أتم علما، وقامة منكم. ومن هاهنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم، وشكل حسن، وقوة شديدة في بدنه ونفسه» وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ أي: واسع الفضل والعطاء. يوسع على من ليس له سعة من المال، ويغنيه بعد الفقر. وهو عليم بمن يستحق الملك ممن لا يستحقه، فيصطفي من شاء. وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ أي: قال لهم نبيهم: إن علامة بركة ملك طالوت عليكم، أن يرد عليكم التابوت الذي كان أخذ منكم. فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ أي: في التابوت سكون، وطمأنينة لكم من ربكم، وفيه بقية مما تركه موسى، وهارون. وذكر الآل للتفخيم. وفسر النسفي هذه البقية بأنها رضاض الألواح، وعصا موسى، وثيابه، وشئ من التوراة، ونعلا موسى، وعمامة هارون ﵉، ونقول ابن كثير عن المفسرين تجمع ما قاله النسفي. دل ذلك على التبرك بآثار الأنبياء. إذ ذلك من تعظيم حرمات الله، وإتيان التابوت كان بواسطة الملائكة. قال ابن عباس: (جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض، حتى وضعته بين يدي طالوت والناس ينظرون) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي: في رجوع التابوت إليكم علامة أن الله قد ملك طالوت عليكم إن كنتم مصدقين بالله، واليوم الآخر، والرسل. قال النسفي عن التابوت: وكان موسى ﵇ إذا قاتل قدمه. فكانت تسكن نفوس بني إسرائيل، ولا يفرون.

стр. 557

فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ أي: حين خرج من بلده إلى جهاد العدو بجنده. قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ أي: مختبركم. أي: يعاملكم معاملة المختبر بتميز المحق في الجهاد، من المدعي. قال ابن عباس: وهو نهر بين الأردن وفلسطين. يعني نهر الشريعة المشهور. ثم جاء بيان الاختبار: فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي أي: فمن شرب كرعا، فليس من أتباعي، وأشياعي. فلا يصحبني اليوم في هذا الوجه. وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ أي: ومن لم يذقه فإنه مني. ثم رخص لهم في اغتراف الغرفة باليد دون الكرع. والغرفة، هي المغروف. فصارت الرخصة، أنه من اغترف بيده فشرب فلا بأس عليه. فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ أي: فشربوا كرعا إلا القليل. فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ أي: فلما جاوز طالوت النهر هو ومن آمن معه ممن نجحوا في الاختبار. روى البخاري، وابن جرير عن البراء بن عازب قال: (كنا نتحدث أن أصحاب محمد ﷺ الذين كانوا يوم بدر ثلاثمائة، وبضعة عشر، على عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر. وما جازه معه إلا مؤمن). قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ أي: لا قوة لنا على جالوت وجنوده. استقلوا أنفسهم عن لقاء عدوهم، لكثرته، وقوته. وقلتهم، وضعفهم. قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ أي: قال الذين يوقنون بالشهادة- وهم العالمون حقا- تشجيعا، وتثبيتا كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ أي: إن النصر من عند الله، ليس عن كثرة عدد، ولا عدد فكثيرة هي الحالات التي انتصرت بها فئة قليلة على فئة كثيرة بنصر الله. وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ: ينصرهم، ويعينهم، ويوفقهم. شجعوهم، وطالبوهم بالصبر. وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ أي: لما واجه حزب الإيمان، وهم قليل من أصحاب طالوت، لعدوهم أصحاب جالوت، وهم عدد كثير. قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً أي: أنزل، واصبب علينا صبرا على القتال من عندك. وَثَبِّتْ أَقْدامَنا أي: في لقاء العدو. جنبنا الفرار، والعجز، بتقوية قلوبنا، وإلقاء الرعب في صدور عدونا. وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ أي: أعنا عليهم، واهزمهم. دل ذلك على أن أدب المؤمنين في المعركة، الافتقار إلى الله، ودعاؤه بما يقتضيه الحال من التثبيت، والنصر. فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ: أي فهزم طالوت والمؤمنون معه،

стр. 558

جالوت وجنده بقضاء الله ونصره. فغلبوهم وقهروهم. وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ أي: آتى الله داود الملك في مشارق الأرض المقدسة، ومغاربها حتى إنه لم تجتمع بنو إسرائيل على ملك كما اجتمعت على داود. وآتاه مع الملك، الحكمة. أي: النبوة. وعلمه زيادة على ذلك ما شاء الله أن يخصه به من العلوم، من مثل صنعة الدروع، وغير ذلك. وفي ذكر ما أكرم الله به داود بعد ذكر قتله لجالوت، إشارة إلى أن البلاء في الجهاد يستحق به صاحبه الخير الكثير عند الله. وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ أي: ولولا أن الله تعالى يدفع بعض الناس ببعض، فيدفع الكافرين بالمؤمنين، وينصر المؤمنين على الكافرين، فكيف بذلك فسادهم، لغلب المفسدون، وفسدت الأرض بغلبة الكفار، وقتل الأبرار، وتخريب البلاد، وتعذيب العباد. وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ أي: ذو من عليهم، ورحمة بهم. يدفع عنهم ببعضهم بعضا فساد العالم. وله الحكم والحكمة والحجة على خلقه، في جميع أفعاله وأقواله. وإن فضله كما هو كائن على البشر بذلك. فإن فضله عام على عوالمه كلها، وخلقه جميعا. فوائد: ١ - دلت الآيات على أنه لا يحمي حمى الإسلام والمسلمين إلا جهاد وقتال. وأن الجهاد والقتال يحتاجان إلى إمرة، وطاعة، وانضباط، وإيمان، وافتقار إلى الله. كما دلت الآيات على أن الهجوم هو الطريق للنصر. ٢ - مجئ هذه المجموعة في سياق الأمر بالدخول في الإسلام كله، وانتهاء المجموعة بقاعدة وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ يدل على أن الإسلام كله لا يقوم إلا بقتال، وإن طريق الإسلام والمسلمين دائما هو هذا الذي قصه الله علينا في قصة طالوت: إمرة، وجهاد. والإمرة التى لا تجاهد، لا تحقق ما ينبغي منها. وإن الإمرة تختار على أساس الخصائص المناسبة للوضع القائم لا على أساس آخر. ٣ - لا تنطبق هذه الآيات على واقعة، كما تنطبق على مسلمي فلسطين. فقد أخرجوا من ديارهم، وأموالهم. وإن طريقهم لهذا: إمرة، وجهاد. أمير مؤمن، وصف مؤمن. وغير ذلك ليس طريقا. فصل في بعض الروايات الكتابية لقصة طالوت وجالوت:

стр. 559

ذكرنا في كتابنا (من أجل خطوة إلى الأمام) مجموعة ملاحظات حول نصوص أسفار العهد القديم، والجديد تنفي الثقة بثبوت ما في هذه الأسفار، سواء في ذلك الملاحظات العلمية، أو الملاحظات في الدلالة على أن هذه النصوص كتبت بعد آجال طويلة بلا سند معروف متصل إلى غير ذلك، وهذا وأمثاله يبين لنا أنه قد حدث التحريف والتبديل بسبب الغفلة والنسيان، فضلا عن التحريف والتبديل المتعمدين في هذه الأسفار، ولذلك فالنقل عنهما ليس لإثبات حجة بل إما لنقض الخطأ أو للاستئناس. ومن الأخطاء التي وقع فيها نساخ هذه الأسفار أن حادثة امتحان طالوت لجنده أثناء عبور النهر تنسب في هذه الأسفار إلى جدعون ولا يروونها عن طالوت فإما أن الحادثة تكررت وإما أن هناك خطا في النسبة: في سفر القضاء «وقال الرب لجدعون كل من يلغ بلسانه من الماء كما يلغ الكلب فأوقفه وحده، وكذا كل من جثا على ركبتيه للشرب. وكان عدد الذين ولغوا بيدهم إلى فمهم ثلاثمائة رجل، وأما باقي الشعب جميعا فجثوا على ركبهم لشرب الماء، فقال الرب لجدعون: بالثلاث مائة الرجل الذين ولغوا أخلصكم .... وأمسك الثلاث مائة رجل» إن هذه الحادثة إما أنها تكررت في حياة بني إسرائيل مرة في زمن جدعون ومرة في زمن طالوت، أو أن النساخ غلطوا لتقادم العهد بين الحوادث والنسخ. إن قصة طالوت وجالوت مذكورة في سفري صموئيل الأول والثاني من أسفار العهد القديم، ولا نطمع أن نجد في السفرين كثيرا من الصواب، ولكن فيهما من الصواب ما دلنا عليه القرآن، وفيهما من الخطأ ما دلنا عليه القرآن، وفيهما ما سوى ذلك مما يسعنا السكوت عنه. ومما في هذين السفرين: «وكان تابوت الله في بلاد الفلسطينيين سبعة أشهر». «وكان من يوم جلوس التابوت في قرية يعاريم أن المدة طالت وكانت عشرين سنة». «فاجتمع كل شيوخ إسرائيل وجاءوا إلى صموئيل إلى الرامة وقالوا له: ..... اجعل لنا ملكا يقضي لنا كسائر الشعوب». «وكان رجل من بنيامين اسمه قيس بن .... وكان له ابن اسمه شاؤل شاب حسن ولم يكن رجل في بني إسرائيل أحسن منه، كتفه فما فوق كان أطول من كل الشعب». «فوقف بين الشعب فكان أطول من كل الشعب من كتفه فما فوق، فقال صموئيل

стр. 560

لجميع الشعب: أرأيتم الذي اختاره الرب إنه ليس مثله في جميع الشعب». «وأما بنو بليعال فقالوا كيف يخلصنا هذا فاحتقروه ولم يقدموا له هدية». «وتجمع الفلسطينيون لمحاربة إسرائيل. ثلاثون ألف مركبة وستة آلاف فارس وشعب كالرمل الذي على شاطئ البحر في الكثرة». «فقال شاؤل لأخيا قدم تابوت الله كان في ذلك اليوم مع بني إسرائيل». وجمع الفلسطينيون جيوشهم للحرب ... واجتمع شاؤل ورجال إسرائيل ونزلوا في وادي البطم واصطفوا للحرب للقاء الفلسطينيين». «فخرج رجل مبارز من جيوش الفلسطينيين اسمه جليات من جت، طوله ستة أذرع وشبر، وعلى رأسه خوذة من نحاس، وكان لابسا درعا حرشفيا، ووزن الدرع خمسة آلاف مثاقل نحاس، وجرموقا نحاس على رجليه، ومزارق نحاس بين كتفيه، وقناة رمحه كنول النساجين وسنان رمحه ستمائة مثاقل ... فوقف ونادى ... اختاروا لأنفسكم رجلا ولينزل إلي ... وكان الفلسطيني يتقدم ويقف صباحا ومساء أربعين يوما». «فقال داود لشاؤل لا يسقط قلب أحد بسببه عبدك يذهب ويحارب هذا الفلسطيني، فقال شاؤل لداود لا تستطيع أن تذهب إلى هذا الفلسطيني لتحاربه لأنك غلام ... ». ومد داود يده إلى الكف وأخذ منه حجرا ورماه بالمقلاع وضرب الفلسطيني في جبهته فارتز الحجر في جبهته وسقط على وجهه إلى الأرض، فتمكن داود من الفلسطيني بالمقلاع والحجر وضرب الفلسطيني وقتله ولم يكن سيف بيد داود، فركض داود ووقف على الفلسطيني وأخذ سيفه واخترطه من غمده، وقتله وقطع به رأسه فلما رأى الفلسطينيون أن جبارهم قد مات هربوا». أقول: يرى القارئ في سفري صموئيل من المبالغات، والأخطاء، وما يتنافى مع العقل أو العلم. إن اليهود أمة لم تحفظ إرث أنبيائها، ولعل من أهم العبر التي نأخذها من قصة طالوت وداود هنا: أن القيادة في الأزمات ينبغي أن تكون بحسب الخصائص التي تناسب المرحلة ولنعد إلى سياق المقطع:

стр. 561

فبعد المجموعتين الأوليين من الفقرة الرابعة يأتي في هذا السياق، سياق الأمر بالدخول في شرائع الإسلام كلها: آيتان تشكلان خاتمة الفقرة الرابعة وخاتمة المقطع الأول من القسم الثالث في سورة البقرة: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ* تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ. المعنى العام: في الآية الأولى إشارة إلى الآيات التي مرت معنا، من إماتته الألوف، وإحيائهم. ومجئ التابوت تحمله الملائكة، وانتصار القلة المؤمنة المستضعفة، على الكثرة الكافرة. وأن هذه الآيات يقصها الله على رسوله بالحق. أي: بالواقع الذي كان عليه الأمر المطابق لما حدث، وفي ذلك إشعار أن ما بأيدي أهل الكتاب مخلوط، وفي الآية كذلك خطاب لرسول الله ﷺ فى تأكيد رسالته، وتقريرها. كيف ومثل هذه الآيات تشهد على رسالته، حيث يخبر بها من غير أن يقرأ كتابا، أو يسمع من أهل الكتاب. وفي الآية الثانية: إشارة إلى جماعة الرسل التي ذكرت قصصها في هذه السورة، من آدم إلى داود، والتي ثبت علمها عند رسول الله ﷺ ، وأن الله فضل بعض الرسل على بعض، وخص بعضهم بخصائص. فمنهم من كلمه، كموسى، ومحمد ﷺ ، ومنهم من رفعه درجات على غيره. كأولي العزم من الرسل مثلا. ومن هذه الخصوصيات، ومن هذا الرفع، ما آتاه عيسى من الحجج، والدلائل القاطعات على صحة ما جاء به بني إسرائيل، تأييده بجبريل ﵉. ثم يبين الله أن الاقتتال الكائن بين البشر بمشيئته. وكذلك اختلافهم بمشيئته. وهذا لا ينفي الاختيار. فالحجة قائمة على من ظلم، وكفر، ولكن مشيئة الله، وإرادته محيطتان بكل شئ لا يخرج شئ عن مشيئته وإرادته، لأنه لا خالق سواه. وإذا كان الاختلاف قد وصل إلى درجة الكفر، فلا بد من قتال. هكذا شاء الله. وهو يفعل ما يريد. والحكمة في ذلك ما مر، أنه لولا القتال لفسدت الأرض، وإذن فيا أهل الإيمان قاتلوا من كفر. وهاهنا لا بد من توضيح قضيتين: الأولى أن الذين جاءتهم البينات من أمم الأنبياء

стр. 562

انقسموا قسمين بعد أنبيائهم، فمنهم من كفر، ومنهم من آمن. فكان لا بد من قتال. وإن الأمة الإسلامية بعد رسولها، قد وقع لها ما وقع لغيرها. فلا بد من قتال. إنه يوجد الآن على الأرض الإسلامية مؤمنون، وكافرون. والكافرون من أبناء المسلمين أنفسهم. فلا بد إذن من قتال لهؤلاء. والقضية الثانية: أن هذه الآية هي التي ختم بها المقطع الأول في سياق الأمر بالدخول في الإسلام كله. فكأنها تشير إلى أن المسلمين الذين أمروا بالدخول في الإسلام كله سينقسمون قسمين. قسما يبقى على إيمانه وإسلامه. وقسما سيكفر. وسيكون قتال من أجل ألا يعم الفساد. تلك مشيئة الله. وقد أمر أهل الإيمان أن يفعلوا وقتال المرتدين مقدم على أي قتال آخر. وحفظ رأس المال مقدم على التفكير في الربح. كلمة في السياق: إن الآية قبل الأخيرة جاءت تعليقا على المجموعتين الأوليين في الفقرة. فكلا المجموعتين السابقتين، كان فيها خطاب لرسول الله ﷺ أَلَمْ تَرَ. لتأتي هذه الآية مخاطبة رسول الله ﷺ ، مؤكدة أن ما أنزل عليه حق، ومؤكدة رسالته بمناسبة ذكر هاتين القصتين المجهولتين، إلا عند أهل الكتاب. وإذا كانت المجموعتان السابقتان مرتبطين بالسياق العام كما رأينا فهذه الآية كذلك لها علاقة بالسياق العام من حيث إنه ما دام ما ينزله الله حقا، وما دام محمد رسول الله ﷺ فلا بد من الدخول في دينه كله، الإسلام جميعا. وإذ ذكرت الآية الأولى أن محمدا ﷺ من المرسلين، تأتي الآية الثانية لتبين مقامات الرسل، وخصوصيات بعضهم. وأن الجميع جاءوا بالبينات. وأن الأتباع منهم من آمن، ومنهم من كفر، ومن ثم كان القتال. ومن ثم كان هذا القتال بمشيئة الله، ومن ثم نعلم حكمة فرضية القتال علينا. فإذ أرسل محمد ﷺ وجاء بالبينات، فعلى الخلق جميعا متابعته، ومن لم يتابع فقد استحق أن يقاتل، فإما أن يسلم، وإما أن يخضع بدفع الجزية. ومن أسلم وارتد فجزاؤه القتل، وإذا سيطر المرتدون. فعلى من يستطيع قتالهم أن يقاتلهم. المعنى الحرفي: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ: الإشارة في (تلك) إلى ما سبق هذه

стр. 563

الآية في المجموعتين السابقتين. بدليل أن كلا من المجموعتين بدئ بتوجيه الخطاب إلى رسول الله ﷺ بقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ وهذه الآية يتوجه الخطاب فيها إلى رسول الله ﷺ . ولأن في كل من المجموعتين ذكرت خارقة للعادة. ومعنى نتلوها: نقصها. والحق: هو الأمر المطابق للواقع. وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ: بدليل ما تخبر به من الحق الذي ما كنت لتعرفه، لولا أنك رسول من عند الله، وأن الله يوحي إليك تِلْكَ الرُّسُلُ إشارة إلى المرسلين الذين منهم رسول الله محمد ﷺ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ: بالخصائص، وراء الرسالة. فهم يستوون في الرسالة، ويتفاوتون بالفضل كالمؤمنين. يستوون في صفة الإيمان، ويتفاوتون في الطاعات بعد الإيمان. مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ أي: منهم من فضله الله بأن كلمه من غير سفير، كموسى، ومحمد ﷺ ، وكذلك آدم، ورد في تكليم الله إياه حديث في صحيح ابن حبان عن أبي ذر. وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ أي: ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء. فكان بعد تفاوتهم في الفضل، أفضل منهم بدرجات كثيرة. وهو محمد ﷺ إذ إنه مفضل على كافة الرسل، بإرساله إلى الخلق عامة. وبأنه خاتم النبيين، وبأنه أوتي ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة، المتزايدة على الدهر. وفي إبهامه، وعدم ذكره صراحة، تفخيم، وبيان أنه العلم الذي لا يشتبه على أحد. والمتميز الذي لا يلتبس ﷺ . وقد يكون المراد تفاوت منازلهم عند الله. وقد يكون المراد اختلاف منازلهم الآن، كما ورد في حديث الإسراء. حيث إن بعضهم في السماء الدنيا، وبعضهم في الثانية، وهكذا. والله أعلم. وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ أي: الحجج، والدلائل القاطعات. كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، وغير ذلك. وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أي: قويناه بجبريل. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ أي: ولو شاء الله ما اختلف الذين من بعد الرسل، فاقتتلوا. والقتال سببه الاختلاف. فذكر في الآية المسبب. فدخل السبب ضمنا. ولذلك فسرنا اقتتلوا باختلفوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ أي: من بعد ما جاءتهم المعجزات، والآيات الواضحات كان المفروض ألا يختلفوا. وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ كان المفروض ألا يختلفوا لوضوح الحق، ولكنهم اختلفوا. ثم بين الاختلاف بأن آمن بعضهم، وكفر الآخر. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ أي: لو شئت ألا يقتتلوا لم يقتتلوا. إذ لا يجري في ملكي إلا ما يوافق مشيئتي. ثم أثبت- سبحانه- الإرادة لنفسه. وأثبت أن إرادته- تعالى- مطلقة.

стр. 564

فوائد: ١ - أثبت الله في الآية الأخيرة تفاضل الأنبياء. فما الجمع بين هذه الآية والحديث الثابت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: «استب رجل من المسلمين، ورجل من اليهود، فقال اليهودي في قسم يقسمه: لا والذي اصطفى موسى على العالمين. فرفع المسلم يده، فلطم بها وجه اليهودي فقال: أي خبيث. وعلى محمد ﷺ . فجاء اليهودي إلى النبي ﷺ ، فاشتكى على المسلم. فقال رسول الله ﷺ : لا تفضلوني على الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشا بقائمة العرش. فلا أدري أفاق قبلي، أم جوزي بصعقة الطور؟. فلا تفضلوني على الأنبياء». وفي رواية: «لا تفاضلوا بين الأنبياء». قال ابن كثير: (فالجواب من وجوه. أحدها: أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل. وفي هذا نظر .. الثاني: أن هذا ما قاله من باب الهضم والتواضع. الثالث: أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر. الرابع: لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية. الخامس: ليس مقام التفضيل إليكم. وإنما هو إلى الله . وعليكم الانقياد، والتسليم له، والإيمان به). ٢ - إن أوسع المخلوقات مشيئة هو الإنسان. ومع ذلك فإن مشيئته مقيدة بعالم الأسباب، فهو لا يستطيع ألا يتنفس؛ وهو مقيد بقوانين هذا العالم؛ ومشيئته لا تنفذ إلا ضمن استطاعته التي أعطاه الله إياها، ومشيئته يمكن أن تعاكسها مشيئات الآخرين. والذات الإلهية منزهة عن هذا كله، مشيئته تعالى غير مقيدة، ومشيئته نافذة. ومشيئته لا يمكن أن تعاكسها مشيئات الآخرين، وإن من يتصور غير هذا يكون قد شبه مشيئة الله بمشيئة خلقه. هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، أنه لا شئ إلا بمشيئة الله. وهذه الآية تشهد بما لا يقبل جدلا على صحة هذا المذهب، ولكن كيف نجمع بين كون كل شئ بمشيئة الله وبين اختيار الإنسان. بين كون أفعال الإنسان بمشيئة الله، ومع ذلك فالله يحاسبه عليها؟. والجواب أن عموم المشيئة لا يتعارض مع الاختيار فالقاعدة أن مشيئة الله على وفق علمه، مع اعتقادنا أزلية العلم والمشيئة. والعلم كاشف، لا مجبر. فالله علم، وأراد، والعلم كاشف لا مجبر فكون الله علم ما سيفعله فلان بمحض اختياره، وأراده، وأبرزه بقدرته، فذلك شأنه، ولا يسأل عما يفعل. ولا يعني هذا أنه أجبر. فالإنسان مختار، يشهد على ذلك إرادته،

стр. 565

وعقله. وإرسال الله له الرسل، وهو يحاسب على هذا الاختيار. وهذا الكلام في مثل هذا المقام يكفي. ومن أوسع أبواب الضلال، قياس شأن الخالق، على حال المخلوق والحمد لله رب العالمين. كلمة في الفقرة والمقطع: كنا ذكرنا من قبل أن القسم الثالث في سورة البقرة يتألف من مقطعين. وقد انتهى معنا عرض المقطع الأول، وقد رأينا أن المقطع الأول يتألف من أربع فقرات، ورأينا أن التكليف التفصيلي الأول فيه كان في شأن القتال، وكان في آخر آية في المقطع ذكر لسبب من أسباب القتال. فاجتمع في المقطع في بدايته، ووسطه، ونهايته كلام عن القتال، وأسبابه، وبعض أحكامه. وقد حدثنا المقطع بعد مقدمته الواعظة عن أحكام كثيرة، ونبهنا إلى أشياء كثيرة. وكلها جاءت في سياق الأمر بالدخول في الإسلام كله، والنهي عن اتباع خطوات الشيطان. فعرفنا أحكاما في شأن الخمر، والميسر، واليتامى، والإنفاق، والزواج، والحياة الزوجية، والإيمان، والإيلاء، والطلاق، والخلع، وواجبات الزوجة المتوفى عنها زوجها، ووجوب المحافظة على الصلوات الخمس، والصلاة حال القتال. وعرفنا أن الطريق للخروج من الضياع، والقهر، والغلبة هو الإمرة المؤمنة ذات الخصائص المناسبة، والقتال. وكما أن للقتال محله في إقامة الإسلام، فإن للإنفاق محله في هذا الشأن. ولذلك رأينا ذكرا للإنفاق في مقدمة السورة، وذكرا له في المقطع الأول من القسم الثاني. وكذلك في المقطع الثالث. ورأينا ذكرا له في المقطع الأول من القسم الثالث ورأينا تلازم الحديث عن القتال مع الحديث عن الإنفاق في كثير من المواطن، فاتضح لنا محل الإنفاق في التقوى، ومحله في إقامة الإسلام كله. وهذا يقتضي تفصيلا في شأنه. ومن ثم فإن الفقرة الأولى في المقطع الثاني من هذا القسم كانت حديثا عن الإنفاق في سبيل الله وحديثا عن مرتكزاته من إيمان بالله، واليوم الآخر. إن المقطع القادم، وهو المقطع الثاني من القسم الثالث يتحدث عن قضايا مالية في فقرات ثلاث. والفقرة الأولى منه في الإنفاق بعد أن قدمت السورة لذلك بأن عرفتنا على محل الإنفاق في دين الله. إن في قضية التقوى، أو في قضية إقامة الإسلام كله وترك اتباع خطوات الشيطان. فإلى المقطع الثاني من القسم الثالث.
следующие страницы →