Полный текст (6 440 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.
стр. 5006
حجرتها فجعل يكلمها حتى انصرف. وقد رواه البخاري بإسناد آخر ولفظ آخر فقال: عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية بن أبي سفيان ﵄، فخطب وجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ شيئا، فقال: خذوه فدخل بيت عائشة ﵂ فلم يقدروا عليه فقال مروان إن هذا الذي أنزل فيه وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي فقالت عائشة ﵂ من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا أن الله تعالى أنزل عذري. (طريق أخرى) روى النسائي عن محمد بن زياد قال: لما بايع معاوية ﵁ لابنه قال مروان: سنة أبي بكر وعمر ﵄ فقال عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄: سنة هرقل وقيصر، فقال مروان: هذا الذي أنزل الله تعالى فيه وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما الآية فبلغ ذلك عائشة ﵄ فقالت: كذب مروان، والله ما هو به ولو شئت أن أسمي الذي أنزلت فيه لسميته ولكن رسول الله ﷺ لعن أبا مروان ومروان في صلبه، فمروان فضض من لعنة الله).
٩ - [كلام ابن كثير حول آية وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ .. ]
بمناسبة قوله تعالى وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها .. قال ابن كثير: (تورع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عن كثير من طيبات المآكل والمشارب وتنزه عنهم. ويقول: إني أخاف أن أكون كالذين قال الله لهم- وبّخهم وقرعهم- أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها وقال أبو مجلز: ليفقدنّ أقوام حسنات كانت لهم في الدنيا فيقال لهم أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا.
*** المقطع الثانى ويستمر من الآية (٢١) إلى نهاية الآية (٣٥) وهذا هو:
٤٦/ ٢١
стр. 5007
٤٦/ ٢٢ - ٣٢
стр. 5008
٤٦/ ٣٣ - ٣٥
التفسير:
وَاذْكُرْ أَخا عادٍ أي: هودا إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ في جنوبي الجزيرة العربية وسنرى تحقيقه في الفوائد وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ جمع نذير بمعنى المنذر أو الإنذار مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أي: من قبل هود ومن خلف هود قال ابن كثير: يعنى وقد أرسل الله تعالى إلى من حول بلادهم في القرى مرسلين ومنذرين أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قال النسفي: والمعنى:
واذكر إنذار هود قومه عاقبة الشرك والعذاب العظيم، وقد أنذر من تقدمه من الرسل ومن تأخر عنه مثل ذلك
قالُوا أي: قوم هود أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا أي: لتصرفنا عَنْ آلِهَتِنا أي: عن عبادتها فَأْتِنا بِما تَعِدُنا من معاجلة العذاب على الشرك إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في وعيدك. قال ابن كثير: استعجلوا عذاب الله وعقوبته استبعادا منهم وقوعه ..
قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ بوقت مجئ العذاب عِنْدَ اللَّهِ ولا علم لي بالوقت الذي يكون فيه تعذيبكم. وقال ابن كثير: أي الله أعلم بكم إن كنتم مستحقين لتعجيل العذاب فسيفعل ذلك بكم، وأما أنا فمن شأني أني أبلغكم ما أرسلت به وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ أي: الذى هو شأني أن أبلّغكم ما أرسلت به من الإنذار والتخويف وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ أي: لا تعقلون ولا تفهمون. قال النسفي: أي ولكنكم جاهلون لا تعلمون أن الرسل بعثوا منذرين، لا مقترحين ولا سائلين غير ما أذن لهم فيه
فَلَمَّا رَأَوْهُ أي: العذاب عارِضاً
стр. 5009
العارض هو السحاب الذي يعرض في أفق السماء مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا قال ابن كثير: أي لما رأوا العذاب مستقبلهم اعتقدوا أنه عارض ممطر ففرحوا واستبشروا به، وقد كانوا ممحلين محتاجين إلى المطر. قالَ هود على رأي النسفي. بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ من العذاب أي هو العذاب الذي قلتم فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين، ثم فسر العذاب بقوله رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ*
تُدَمِّرُ أي: تخرّب كُلَّ شَيْءٍ من بلادهم مما من شأنه الخراب بِأَمْرِ رَبِّها أي:
بإذن ربها أي رب الريح فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ أي: قد بادوا كلهم عن آخرهم ولم تبق لهم باقية. كَذلِكَ أي: مثل ذلك الجزاء نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ أي: من أجرم مثل جرمهم. قال ابن كثير: (أي هذا حكمنا فيمن كذّب رسلنا وخالف أمرنا وهو تحذير لكل مجرم.
كلمة في السياق: [حول علاقة قصة هود بسياق السورة]
جاءت هذه القصة في سياق السورة التي تدعو إلى عبادة الله وحده، فبينت أن رسول الله- هود ﵇ دعا إلى عبادة الله وحده، فليس محمد ﷺ ببدع من الرسل، ولا دعوته ببدع من دعوات الله، كما جاءت في سياق الكلام عن الفسوق والاستكبار. فأنذرت عاقبة ذلك العذاب العاجل في الدنيا، وبينت على لسان هود ﵇ أن الجهل هو الذي يجرئ الإنسان على ردّ دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، ولما كان قوم محمد ﵊ يعبدون غير الله، ويردّون دعوته مع قيام الحجة عليهم، فقد اتجه الخطاب إليهم ليحذّرهم الله أن يصيبهم ما أصاب المجرمين السابقين.
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ أي: ما مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ قال ابن كثير: يقول تعالى: (ولقد مكنا الأمم السابقة في الدنيا من الأموال والأولاد، وأعطيناهم منها ما لم نعطكم مثله ولا قريبا منه) وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً أي: آلات الإدراك والفهم فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ أي: أيّ شئ من الإغناء مهما كان قليلا إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي: ينكرونها وهذا تعليل لإهلاكهم وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ قال ابن كثير: (أي:
وأحاط بهم العذاب والنكال الذي كانوا يكذّبون به، ويستعبدون وقوعه. أي فاحذروا أيها المخاطبون أن تكونوا مثلهم فيصيبكم مثل ما أصابهم من العذاب في الدنيا والآخرة)
стр. 5010
وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ يا أهل مكة مِنَ الْقُرى نحو حجر ثمود، وقرى قوم لوط. وَصَرَّفْنَا الْآياتِ أي: كرّرنا عليهم الحجج وأنواع العبر لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عن الطغيان إلى الإيمان فلم يرجعوا. قال ابن كثير: (وقد أهلك الله الأمم المكذّبة بالرسل ممّا حولها «أي: مكة» كعاد وكانوا بالأحقاف بحضرموت عند اليمن. وثمود وكانت منازلهم بينهم وبين الشام وكذلك سبأ وهم أهل اليمن، ومدين وكانت في طريقهم وممرّهم إلى غزة، وكذلك بحيرة قوم لوط كانوا يمرون بها أيضا)
فَلَوْلا أي: فهلّا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً القربان: ما تقرّب به إلى الله. والمعنى: فهلّا نصرهم الذين اتخذوهم شفعاء متقربا بهم إلى الله حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. قال ابن كثير: (أي: فهل نصروهم عند احتياجهم إليهم). بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ أي: بل غابوا عن نصرتهم. قال ابن كثير: أي بل ذهبوا عنهم أحوج ما كانوا إليهم. وَذلِكَ إِفْكُهُمْ أي: كذبهم وَما كانُوا يَفْتَرُونَ قال ابن كثير: أي وافتراؤهم في اتخاذهم إياهم آلهة وقد خابوا وخسروا في عبادتهم لها واعتمادهم عليها.
كلمة في السياق: [حول علاقة موقف الجن من القرآن بسياق السورة]
جاءت هذه الآيات تعليقا على قصّة قوم هود، وبناء عليها فكانت هي والقصة بمثابة إنذار للكافرين الذين يرفضون دعوة الله وعبادته، ويستكبرون عنها ويفسقون عن أمر الله، وبعد هذه الصفحة من الإنذار يعرض الله علينا قصة نفر من الجن أسلموا بمجرد سماعهم للقرآن، وخرجوا دعاة، وفي ذلك درس في التلقّي الصحيح والسليم عن الله ورسوله ﷺ ، وفي ذلك تأنيب ضمني لقريش، فإنه إذا كان الجن يقفون مثل هذا الموقف من القرآن فما بالهم هم؟ كما إن في ذلك إيناسا
لرسول الله ﷺ ، إذ يريه الله ثمرات إنذاره أنها لا تضيع، فإذا لم يستجب له قومه فإنه لا يعدم مستجيبا.
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً أي: أملناهم إليك وأقبلنا بهم نحوك، والنفر: دون العشرة مِنَ الْجِنِّ قال النسفي: (جن نصيبين) وسنرى تحقيق ابن كثير حول هذا الموضوع يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ منه ﵊ فَلَمَّا حَضَرُوهُ أي: الرسول ﷺ أو القرآن. أي فلما كانوا منه بحيث يسمعون قالُوا أي: قال
стр. 5011
بعضهم لبعض أَنْصِتُوا أي: اسكتوا مستمعين قال ابن كثير: وهذا أدب منهم فَلَمَّا قُضِيَ أي: فلما فرغ النبي ﷺ من القراءة وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ إياهم، أي: رجعوا إلى قومهم فأنذروهم ما سمعوه من رسول الله ﷺ
قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى قال ابن كثير: (ولم يذكروا عيسى؛ لأن عيسى ﵇ أنزل عليه الإنجيل فيه مواعظ وترقيقات وقليل من التحليل والتحريم، وهو في الحقيقة كالمتمم لشريعة التوراة، فالعمدة هو التوراة، فلهذا قالوا أنزل من بعد موسى، وهكذا قال ورقة بن نوفل حين أخبره النبي ﷺ بقصة نزول جبريل عليه، ﵊ أول مرة فقال: بخ بخ هذا الناموس الذي كان يأتي موسى يا ليتنى أكون فيها جذعا). مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أي: من الكتب المنزلة على الأنبياء قبله يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أي: إلى الله تعالى أو إلى الحق الذي هو ضدّ الباطل في الاعتقاد والإخبار وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ في الأعمال
يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ أي: محمدا ﷺ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ أي: يغفر لكم ذنوبكم وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ أي: ويقيكم من العذاب الشديد الألم
وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ لأن الله لا ينجي منه مهرب، بل قدرته شاملة ومحيطة وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أي لا يجيركم منه أحد أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ قال ابن كثير: هذا مقام تهديد وترهيب، فدعوا قومهم بالترغيب والترهيب، ولهذا نجع في كثير منهم وجاءوا إلى رسول الله ﷺ وفودا وفودا ...
كلمة في السياق:
في قصة عاد وما جاء بعدها، وفي قصة وفد الجن ووعظهم. انصبّ الإنذار على عذاب الدنيا، والآن يأتي وعظ وإنذار بعذاب الآخرة، وبين يدي ذلك يقيم الله الحجة على مجئ اليوم الآخر.
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ أي: ولم يكرثه خلقهن، بل قال لها: كوني فكانت بلا ممانعة ولا مخالفة بل طائعة مجيبة بِقادِرٍ
стр. 5012
عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى الجواب بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فهو قادر على البعث وعلى غيره
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ أي: يقال لهم ذلك قالُوا بَلى وَرَبِّنا فهناك لا يسعهم إلا الاعتراف قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي: بسبب كفركم في الدنيا.
كلمة في السياق: [حول الربط بين نهايتي المقطعين الأول والثاني وبين مقدمة السورة وأواسطها وأواخرها]
١ - ختم المقطع الأول بقوله تعالى: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ وقبل نهاية السورة بآية ورد قوله تعالى:
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ فبعد جولة من الأمثلة والمذكرات والمواعظ يعود السياق ليستقر على الموقف الذي يناسب المواقف الظالمة.
٢ - جاء في المقطع الأول تبشير وإنذار، وكان الإنذار هو المتأخر، فجاء المقطع الثاني استمرارا للإنذار الوارد في نهاية المقطع الأول.
٣ - نلاحظ أن السورة بدأت بمقدمة هي: حم* تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ* ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ .. ثم بدأت السورة تأمر رسول الله ﷺ الأوامر الداعية الموجهة: قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ... قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً ... قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ ... قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ .. وَاذْكُرْ أَخا عادٍ ... وبعد هذه الأوامر كلها في إقامة الحجة والإنذار، يصدر الأمر الأخير لرسول الله ﷺ بالصبر كموقف أخير.
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ أي: أولو الجدّ والثبات والصبر مِنَ الرُّسُلِ وهم المذكورون في سورتي الأحزاب والشورى: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى
стр. 5013
ابن مريم. وقد يحتمل أن يكون المراد بأولي العزم جميع الرسل فتكون (من) في قوله (مِنَ الرُّسُلِ) لبيان الجنس وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ أي: لا تستعجل لهم حلول العقوبة بهم كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ أي: إنهم يستقصرون حينئذ مدّة لبثهم في الدنيا حتى ليحسبوها ساعة من نهار بَلاغٌ أي:
هذا بلاغ. أي: هذا الذي وعظتم به فيه كفاية في الموعظة، أو هذا تبليغ من الرسول: فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ أي: لا يهلك على الله إلا هالك، وهذا من عدله أنه لا يعذب إلا من يستحق العذاب. قال النسفي: (أو المعنى:
فلن يهلك بعذاب الله إلا القوم الفاسقون، أي المشركون الخارجون عن الاتعاظ به والعمل بموجبه).
[نقل: عن صاحب الظلال حول آية فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ .. ]
قال صاحب الظلال في عرضه لهذه الآية: (ألا إنه لطريق شاق. طريق هذه الدعوة. وطريق مرير. حتى لتحتاج نفس كنفس محمد- ﷺ في تجردها وانقطاعها للدعوة، وفي ثباتها وصلابتها، وفي صفائها وشفافيتها، تحتاج إلى التوجيه الرباني بالصبر وعدم الاستعجال على خصوم الدعوة المتعنتين.
نعم. وإن مشقة هذا الطريق لتحتاج إلى مواساة، وإن صعوبته لتحتاج إلى صبر.
وإن مرارته لتحتاج إلى جرعة حلوة من رحيق العطف الإلهي المختوم. فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ .. تشجيع وتصبير وتأسية وتسلية .. ثم تطمين: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ .. إنه أمد قصير. ساعة من نهار. وإنها حياة خاطفة تلك التي يمكثونها قبيل الآخرة. وإنها لتافهة لا تترك وراءها من الوقع والأثر في النفوس إلا مثلما تتركه ساعة من نهار .. ثم يلاقون المصير المحتوم. ثم يلبثون في الأبد الذي يدوم. وما كانت تلك الساعة إلا بلاغا قبل أن يحق الهلاك والعذاب الأليم: بَلاغٌ. فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ .. لا.
وما الله يريد ظلما للعباد. لا. وليصبر الداعية على ما يلقاه. فما هي إلا ساعة من نهار ثم يكون ما يكون .. )
وبهذه الآية انتهت السورة.
***
стр. 5014
كلمة في السياق: [حول موضوعات السورة الهامة]
١ - نلاحظ أن السورة أمرت رسول الله ﷺ أن يقول وأن يذكّر وأن يصبر.
فالقول فيه الحجة العقلية، والتذكير فيه الإثارة العاطفية، والصبر لا بد منه لقطف ثمرات الأجر.
٢ - نلاحظ أن كلمة الفسوق هي التي انتهى بها المقطع الأول والثاني. بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ. فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ مما يشير إلى أن من المواضيع الرئيسية للسورة موضوع الفسوق عن أمر الله. ولهذا صلته بقوله تعالى وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ من محور السورة في سورة البقرة.
فوائد:
١ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ .. ]
بمناسبة قوله تعالى وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ قال ابن كثير: (وهو هود ﵊ بعثه الله إلى عاد الأولى، وكانوا يسكنون الأحقاف (جمع حقف) وهو الجبل من الرمل قاله ابن زيد، وقال عكرمة:
الأحقاف الجبل والغار، وقال علي بن أبي طالب ﵁: الأحقاف واد بحضرموت يدعى برهوت تلقى فيه أرواح الكفار، وقال قتادة: ذكر لنا أن عادا كانوا حيّا باليمن أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشحر. روى ابن ماجه (باب إذا دعا فليبدأ بنفسه). عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :
«يرحمنا الله وأخا عاد».
٢ - [رواية عن قصة عاد يرويها ابن كثير]
بمناسبة الكلام عن عاد في سورة الأحقاف قال ابن كثير: (وقد ورد حديث في قصتهم وهو غريب جدا من غرائب الحديث. وأفراده:
روى الإمام أحمد: عن الحارث البكري قال خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله ﷺ فمررت بالربذة فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها فقالت لي: يا عبد الله إن لي إلى رسول الله حاجة فهل أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها فأتيت بها المدينة فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وإذا بلال ﵁ متقلدا السيف بين يدي رسول الله ﷺ فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو
стр. 5015
ابن العاص وجها قال: فجلست، فدخل منزله- أو قال: رحله- فاستأذنت عليه فأذن لي فدخلت فسلمت فقال ﷺ : «هل كان بينكم وبين تميم شئ؟» قلت: نعم وكانت لنا الدائرة عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها فسألتني أن أحملها إليك، فها هي بالباب، فأذن لها فدخلت فقلت: يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزا فاجعل الدهناء، فحميت العجوز واستوفزت، وقالت: يا رسول الله فإلى أين يضطر مضطرك؟ قال: قلت: إن مثلي ما قال الأول: معزى حملت حتفها، حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصما أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد قال لي «وما وافد عاد؟» وهو أعلم بالحديث منه، ولكن يستطعمه قلت: إن عادا قحطوا فبعثوا وفدا لهم يقال له قيل، فمرّ بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه، فمرت به سحابات سود فنودي منها اختر فأومأ إلى سحابة منها سوداء، فنودي منها خذها رمددا رمادا، لا تبقي من عاد أحدا. قال فما بلغني أنه أرسل عليهم من الريح إلا قدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا، قال أبو وائل: وصدق، وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدا لهم قالوا: لا تكن كوافد عاد. ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وروى الإمام أحمد عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعا ضاحكا حتى أرى منه لهواته إنما كان يبتسم وقالت: كان رسول الله ﷺ إذا رأى غيما أو
ريحا عرف ذلك في وجهه قالت: يا رسول الله إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية، فقال رسول الله ﷺ : «يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب. قد عذب قوم بالريح وقد رأى قوم العذاب وقالوا: هذا عارض ممطرنا» وأخرجاه من حديث ابن وهب. (طريق أخرى) روى الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلم كان إذا رأى ناشئا في أفق من آفاق السماء ترك عمله وإن كان في صلاته ثم يقول «اللهم إني أعوذ بك من شر عاقبته» فإن كشفه الله تعالى حمد الله وإن أمطرنا قال: «اللهم صيبا نافعا». (طريق أخرى) روى مسلم في صحيحه عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة ﵂ قالت كان رسول الله ﷺ إذا عصفت الريح قال «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرّها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به» قالت وإذا تخيلت السماء تغير
стр. 5016
لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر، فإذا أمطرت سري عنه فعرفت ذلك عائشة ﵂ فسألته فقال رسول الله ﷺ : «لعله يا عائشة كما قال قوم عاد: فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا» وروى الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما فتح علي عاد من الريح إلا مثل موضع الخاتم ثم أرسلت عليهم من البدو إلى الحضر فلما رآها أهل الحضر قالوا: هذا عارض ممطرنا مستقبل أوديتنا وكان أهل البوادي فيها فألقي أهل البادية على أهل الحاضرة حتى هلكوا، قال: عتت على خزانها حتى خرجت من خلال الأبواب والله أعلم».
٣ - [تحقيق ابن كثير لحادثة مجئ الجن إلى الرسول ﷺ ]
بمناسبة قوله تعالى وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ذكر ابن كثير تحقيقا حول مجئ الجنّ إلى رسول الله ﷺ هذا هو: روى الإمام أحمد عن الزبير وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ قال بنخلة ورسول الله ﷺ يصلي العشاء الآخرة كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً قال سفيان: ألبد بعضهم على بعض كاللبد بعضه على بعض تفرد به أحمد وسيأتى من رواية ابن جرير عن عكرمة عن ابن عباس أنهم سبعة من جن نصيبين وروى الإمام أحمد والإمام الشهير الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه (دلائل النبوة): عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم، انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم، فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شئ حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، وانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ وهو بنخلة عامدا إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم قالوا يا قومنا:
إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً* يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (الجن: ١، ٢) وأنزل الله على نبيه ﷺ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ (الجن: ١) وإنما أوحي إليه قول الجن رواه البخاري عن مسدد بنحوه، وأخرجه مسلم ورواه الترمذي والنسائي في التفسير وروى الإمام أحمد أيضا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما
стр. 5017
قال: كان الجن يستمعون الوحي فيسمعون الكلمة فيزيدون فيها عشرا، فيكون ما سمعوا حقا وما زادوا باطلا، وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك، فلما بعث رسول الله ﷺ كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رمي بشهاب يحرق ما أصاب، فشكوا ذلك إلى إبليس فقال: ما هذا إلا من أمر قد حدث، فبثّ جنوده فإذا بالنبي ﷺ بين جبلي نخلة، فأتوه، فأخبروه فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض، ورواه الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننيهما، وقال الترمذي حسن صحيح، وهكذا رواه أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس ﵄ أيضا بمثل هذا السياق بطوله وهكذا قال الحسن البصرى: إنه ﷺ ما شعر بأمرهم حتى أنزل الله تعالى عليه بخبرهم وذكر محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظى قصة خروج النبي ﷺ إلى الطائف ودعائه إياهم إلى الله ، وإبائهم عليه، فذكر القصة بطولها وأورد ذلك الدعاء الحسن: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت أرحم الراحمين وأنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني؟ إلى عدو بعيد يتجهمني، أم إلى صديق قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي غضبك، أو يحل بي سخطك، ولك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» قال فلما انصرف عنهم بات بنخلة فقرأ تلك الليلة من القرآن فاستمعه الجن من أهل نصيبين، وهذا صحيح ولكن قوله إن الجن كان استماعهم تلك الليلة فيه نظر فإن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء كما دل عليه حديث ابن عباس ﵄ المذكور، وخروجه ﷺ إلى الطائف كان بعد موت عمه، وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين كما قرره ابن إسحاق وغيره والله أعلم. قال أبو بكر بن أبي شيبة: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: هبطوا على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا قال: صه وكانوا تسعة أحدهم زوبعة فأنزل الله وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ إلى ضَلالٍ مُبِينٍ فهذا مع الأول من رواية ابن عباس ﵄ يقتضي أن رسول الله ﷺ لم يشعر بحضورهم في هذه المرة، وإنما استمعوا قراءته، ثم رجعوا إلى قومهم، ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالا، قوما بعد قوم، وفوجا بعد فوج، كما ستأتي بذلك الأخبار في موضعها والآثار، مما سنوردها هاهنا إن شاء الله تعالى وبه الثقة فأما ما رواه البخاري ومسلم
جميعا عن معن بن عبد الرحمن قال: سمعت أبي يقول: سألت
стр. 5018
مسروقا من آذن النبي ﷺ ليلة استمعوا القرآن؟ فقال حدثني أبوك- يعنى ابن مسعود ﵁ أنه آذنته بهم شجرة، فيحتمل أن يكون هذا في المرة الأولى، ويكون إثباتا مقدما على نفي ابن عباس ﵄، ويحتمل أن يكون في الأولى ولكن لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذنته بهم الشجرة، أي: أعلمته باجتماعهم والله أعلم، ويحتمل أن يكون هذا في بعض المرات المتأخرات والله أعلم، روى الحافظ البيهقي: وهذا الذي حكاه ابن عباس ﵄ إنما هو أول ما سمعت الجن قراءة رسول الله ﷺ وعلمت حاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم، ثم بعد ذلك أتاه داعي الجن فقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى الله كما رواه عبد الله بن مسعود ﵁.
(ذكر الرواية عنه بذلك)
روى الإمام أحمد عن علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود ﵁: هل صحب رسول الله ﷺ ليلة الجن منكم أحد؟ فقال: ما صحبه منا أحد ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة فقلنا اغتيل؟ استطير؟ ما فعل؟ قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما كان في وجه الصبح- أو قال في السحر- إذا نحن به يجيء من قبل حراء، فقلنا يا رسول الله فذكروا له الذي كانوا فيه فقال «إنه أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم» قال:
فانطلق فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم قال: قال الشعبي سألوه الزاد، قال عامر سألوه بمكة وكانوا من جن الجزيرة فقال: «كل عظم ذكر اسم الله في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم- قال- فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن» وهكذا رواه مسلم في صحيحه. وروى مسلم أيضا: عن عامر قال سألت علقمة هل كان ابن مسعود ﵁ شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟! قال: فقال علقمة أنا سألت ابن مسعود ﵁ فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب فقيل: استطير؟ اغتيل؟ قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فلما أصبحنا إذا هو جاء قبل حراء، قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك، فطلبناك، فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فقال: «أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن» قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: «كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم» قال رسول الله ﷺ : «فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم». (طريق
стр. 5019
أخرى) عن ابن مسعود ﵁ عن الزهري عن عبيد الله قال: إن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بت الليلة أقرأ على الجن واقفا بالحجون». (طريق أخرى) فيها: إنه كان معه ليلة الجن، روى ابن جرير ﵀ عن أبي عثمان ابن شبة الخزاعي- وكان من أهل الشام- قال: إن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه وهو بمكة: «من أحب منكم أن يحضر أمر الجن الليلة فليفعل» فلم يحضر منهم أحد غيري قال: فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة خطّ لي برجله خطّا ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن فغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين حتى بقي منهم رهط، ففرغ رسول الله ﷺ مع الفجر، فانطلق فتبرز ثم أتاني فقال: «ما فعل الرهط؟» قلت: هم أولئك يا رسول الله، فأعطاهم عظما وروثا زادا، ثم نهى أن يستطيب أحد بروث أو عظم. ورواه البيهقي في الدلائل، وإسحاق بن راهويه، والحافظ أبو نعيم. (طريق أخرى) روى أبو نعيم حدثنا عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: استتبعني رسول الله ﷺ فانطلقنا حتى أتينا مكان كذا وكذا فخطّ لي خطا فقال «كن بين ظهر هذه لا تخرج منها فإنك إن خرجت منها هلكت» فذكر الحديث بطوله وفيه غرابة شديدة (طريق أخرى) روى ابن جرير عن عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي أنه قال لابن مسعود ﵁: حدثت أنك كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن قال: أجل، قال: فكيف كان؟ فذكر الحديث وذكر أن النبي ﷺ خطّ عليه خطا وقال «لا تبرح منها» فذكر مثل العجاجة السوداء فغشيت رسول الله ﷺ فذعر ثلاث مرات، حتى إذا كان قريبا من الصبح أتاني النبي ﷺ فقال: «أنمت!» فقلت: لا والله ولقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تهرعهم بعصاك تقول: «اجلسوا» فقال النبي ﷺ : «لو خرجت لم آمن أن يتخطفك بعضهم» ثم قال ﷺ : «هل رأيت شيئا؟» قلت: نعم رأيت رجالا سوادا مستثفرين ثيابا بياضا قال ﷺ : «أولئك جن نصيبين سألوني المتاع- والمتاع: الزاد- فمتعتهم بكل عظم حائل أو بعرة أو روثة فقلت: يا رسول الله وما يغني ذلك عنهم؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل. ولا روثا إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت، فلا يستنقين أحد منكم إذا خرج من الخلاء بعظم ولا بعرة ولا روثة». (طريق أخرى) روى الحافظ أبو بكر البيهقي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: استتبعني رسول الله ﷺ فقال:
стр. 5020
«إن نفرا من الجن خمسة عشر بني إخوة وبني عم يأتون الليلة أقرأ عليهم القرآن» فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد فخطّ لي خطا وأجلسني فيه وقال لي: «لا تخرج من هذا» فبت فيه حتى أتاني رسول الله ﷺ مع السحر في يده عظم حائل وروثة وحمّة فقال: «إذا ذهبت إلى الخلاء فلا تستنج بشيء من هؤلاء» قال: فلما أصبحت قلت لأعلمنّ حيث كان رسول الله ﷺ قال: فذهبت فرأيت موضع مبرك ستين بعيرا.
(طريق أخرى) روى البيهقي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: انطلقت مع رسول الله ﷺ ليلة الجن حتى أتى الحجون فخطّ لي خطا ثم تقدم إليهم فازدحموا عليه فقال سيد لهم يقال له وردان: أنا أرحلهم عنك فقال: إني لن يجيرني من الله أحد.
(طريق أخرى) روى الإمام أحمد: عن ابن مسعود ﵁ قال: لما كان ليلة الجن قال لي النبي ﷺ «أمعك ماء؟» قلت: ليس معي ماء ولكن معي إداوة
فيها نبيذ فقال النبي ﷺ «تمرة طيبة وماء طهور» ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث ابن زيد به (طريق أخرى) روى الإمام أحمد عن ابن عباس عن عبد الله بن مسعود ﵃ قال: إنه كان مع رسول الله ﷺ ليلة الجن فقال رسول الله ﷺ : «يا عبد الله أمعك ماء؟» قال معي نبيذ في إداوة قال ﷺ : «اصبب علي» فتوضأ فقال النبي ﷺ : «يا عبد الله شراب وطهور» تفرد به أحمد من هذا الوجه وقد أورده الدارقطني من طريق آخر عن ابن مسعود ﵁ به. (طريق أخرى) روى الإمام أحمد عن عبد الله ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن فلما انصرف تنفّس فقلت ما شأنك؟ قال: «نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود» هكذا رأيته في المسند مختصرا، وقد رواه الحافظ أبو نعيم في كتابه (دلائل النبوة) فقال:
عن ابن مسعود قال: كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن فتنفس، فقلت: ما لك يا رسول الله؟ قال: نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود» قلت: استخلف قال: «من؟» قلت: أبا بكر، قال: فسكت ثم مضى ساعة فتنفّس، فقلت: ما شأنك بأبي وأمي يا رسول الله؟ قال: «نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود» قلت: استخلف قال:
«من؟» قلت: عمر فسكت، ثم مضى ساعة ثم تنفّس، فقلت: ما شأنك؟ قال:
«نعيت إلي نفسي» قلت: فاستخلف، قال ﷺ : «من؟ قلت: علي بن أبي طالب ﵁، قال ﷺ : «أما والذي نفسي بيده لئن أطاعوه ليدخلن الجنة أجمعين أكتعين» وهو حديث غريب جدا، وأحرى به أن لا يكون محفوظا، وبتقدير صحته، فالظاهر أن هذا بعد وفودهم إليه بالمدينة على ما سنورده إن شاء الله تعالى، فإن في ذلك
стр. 5021
الوقت كان في آخر الأمر لما فتحت مكة ودخل الناس والجان أيضا في دين الله أفواجا نزلت سورة النصر إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً وهي السورة التي نعيت نفسه الكريمة فيها إليه، كما نص على ذلك ابن عباس ﵄، ووافقه عمر بن الخطاب- ﵁ عليه، وقد ورد في ذلك حديث سنورده إن شاء الله تعالى عند تفسيرها والله أعلم، وقد رواه أبو نعيم أيضا عن الطبراني عن ابن مسعود ﵁ فذكره وذكر فيه قصة الاستخلاف وهذا إسناد غريب وسياق عجيب (طريق أخرى) روى الإمام أحمد: عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ خطّ حوله فكان أحدهم مثل سواد النحل وقال: «لا تبرح مكانك فأقرأهم كتاب الله» فلما رأى المرعى قال: كأنهم هؤلاء، وقال النبي ﷺ : «أمعك ماء؟» قلت: لا، قال: «أمعك نبيذ؟» قلت: نعم، فتوضأ به (طريق أخرى مرسلة) روى ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله تعالى وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ قال: هم اثنا عشر ألفا جاءوا من جزيرة الموصل فقال ﷺ لابن مسعود ﵁: «أنظرني حتى آتيك» وخطّ عليه خطّا وقال «لا تبرح حتى آتيك» فلما خشيهم ابن مسعود ﵁ كاد أن يذهب فذكر قول رسول الله ﷺ فلم يبرح، فقال له النبي ﷺ : «لو ذهبت ما التقينا إلى يوم القيامة». (طريق أخرى مرسلة أيضا) قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله تعالى وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ قال: ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من نينوى وأن نبي الله ﷺ قال: «إني أمرت أن أقرأ على الجن فأيكم يتبعني؟» فأطرقوا ثم استتبعهم فأطرقوا، ثم استتبعهم الثالثة فقال رجل: يا رسول الله إن ذلك لذو ندبة فأتبعه ابن مسعود ﵁ أخو هذيل، قال: فدخل النبي ﷺ شعبا يقال له شعب الحجون وخطّ عليه وخطّ على ابن مسعود ﵁ خطّا ليثبته بذلك، قال: فجعلت أهال وأرى أمثال النسور تمشي في دفوفها وسمعت لغطا شديدا حتى خفت على نبي الله ﷺ ، ثم تلا القرآن فلما رجع رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله ما اللغط الذي سمعت؟ قال ﷺ : «اختصموا في قتيل فقضي بينهم بالحق» رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، فهذه الطرق كلها تدل على أنه ﷺ ذهب إلى الجن قصدا فتلا عليهم القرآن، ودعاهم إلى الله ، وشرع الله تعالى لهم على لسانه ما هم محتاجون إليه في ذلك الوقت. وقد يحتمل أن أول مرة سمعوه يقرأ القرآن لم يشعر بهم كما قاله ابن عباس ﵄. ثم بعد ذلك وفدوا إليه كما رواه ابن مسعود رضي الله
стр. 5022
عنه، وأما ابن مسعود ﵁ فإنه لم يكن مع رسول الله ﷺ حال مخاطبته للجن ودعائه إياهم، وإنما كان بعيدا منه ولم يخرج مع النبي ﷺ أحد سواه، ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة، هذه طريقة البيهقي. وقد يحتمل أن يكون أول مرة خرج إليهم لم يكن معه ﷺ ابن مسعود ﵁ ولا غيره، كما هو ظاهر سياق الرواية الأولى من طريق الإمام أحمد وهي عند مسلم، ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى- والله أعلم- كما روى ابن أبي حاتم في تفسير قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ من حديث ابن جريج قال: عبد العزيز بن عمر: أما الجن الذين لقوه بنخلة فجنّ نينوى، وأما الجن الذين لقوه بمكة فجنّ نصيبين، وتأوله البيهقي على أنه يقول: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم على غير ابن مسعود ﵁ ممن لم يعلم بخروجه ﷺ إلى الجن، وهو محتمل على بعد والله أعلم. وقد روى الحافظ أبو بكر البيهقي عن سعيد بن عمرو قال كان أبو هريرة ﵁ يتبع رسول الله ﷺ بإداوة لوضوئه وحاجته فأدركه يوما فقال: «من هذا؟» قال: أنا أبو هريرة قال ﷺ : «ائتني بأحجار أستنج بها ولا تأتني بعظم ولا روثة» فأتيته بأحجار في ثوبي فوضعتها إلى جنبه حتى إذا فرغ وقام اتبعته فقلت: يا رسول الله ما بال العظم والروثة؟ قال ﷺ : «أتاني وفد جن نصيبين فسألوني الزاد فدعوت الله تعالى لهم أن لا يمروا بروثة ولا عظم إلا وجدوه طعاما» أخرجه البخاري في صحيحه، فهذا يدل- مع ما تقدم- على أنهم وفدوا عليه بعد ذلك. وسنذكر إن شاء الله تعالى ما يدل على تكرار ذلك. وقد روي عن ابن عباس غير ما روي عنه أولا من وجه جيد فروى ابن جرير عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ الآية قال: كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين فجعلهم رسول الله ﷺ رسلا إلى قومهم. فهذا يدل على أنه قد روى القصتين. وروى ابن أبي حاتم عن ابن جريج عن مجاهد
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِ
الآية قال: كانوا سبعة نفر:
ثلاثة من أهل حران، وأربعة من أهل نصيبين، وكانت أسماؤهم حسى وحسى ومنسى وساصر وناصر والأرد وبيان والأحتم، وذكر أبو حمزة الثمالي أن هذا الحي من الجن كان يقال لهم: بنو الشيصبان وكانوا أكثر الجن عددا وأشرفهم نسبا، وهم كانوا عامة جنود إبليس وروى سفيان الثورى عن ابن مسعود ﵁: كانوا تسعة، أحدهم زوبعة أتوه في أصل نخلة، وتقدم عنهم أنهم كانوا خمسة عشر، وفي رواية أنهم كانوا على ستين راحلة، وتقدم عنه أن اسم سيدهم وردان وقيل: كانوا ثلاثمائة وتقدم عن عكرمة أنهم كانوا اثني عشر ألفا. فلعل هذا الاختلاف دليل على تكرر وفادتهم عليه ﷺ ، ومما يدل
стр. 5023
على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر ﵄ قال:
ما سمعت عمر ﵁ يقول لشئ قط إني لأظنه هكذا إلا كان كما يظن، بينما عمر بن الخطاب ﵁ جالس إذ مرّ به رجل جميل فقال: لقد أخطأ ظني أو أن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم، عليّ بالرجل، فدعي له فقال له ذلك فقال ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم، قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني قال:
كنت كاهنهم في الجاهلية، قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك؟ قال: بينما أنا يوما في السوق جاءتنى أعرف فيها الفزع فقالت:
ألم تر الجن وإبلاسها ... ويأسها من بعد إنكاسها
ولحوقها بالقلاص وأحلاسها
قال عمر ﵁: صدق، بينما أنا نائم عند آلهتهم إذ جاء رجل بعجل فذبحه فصرخ به صارخ، لم أسمع صارخا قط أشد صوتا منه يقول: يا جليح أمر نجيح رجل فصيح يقول: لا إله إلا الله، قال: فوثب القوم فقلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا ثم نادى: يا جليح أمر نجيح رجل فصيح يقول لا إله إلا الله، فقمت فما نشبنا أن قيل هذا نبي. هذا سياق البخاري، وقد رواه البيهقي، ثم قال: وظاهر هذه الرواية يوهم أن عمر ﵁ بنفسه سمع الصارخ يصرخ من العجل الذي ذبح، وكذلك هو صريح في رواية ضعيفة عن عمر ﵁، وسائر الروايات تدل على أن هذا الكاهن هو الذي أخبر بذلك عن رؤيته وسماعه والله أعلم، وهذا الذي قاله البيهقي هو المتجه، وهذا الرجل هو سواد بن قارب، وقد ذكرت هذا مستقصى في سيرة عمر ﵁، فمن أراده فليأخذه من ثم، ولله الحمد والمنة. وقال البيهقي: حديث سواد بن قارب ويشبه أن يكون هذا هو الكاهن الذي لم يذكر اسمه في الحديث الصحيح، عن البراء ﵁ قال: بينما عمر بن الخطاب ﵁ يخطب الناس على منبر رسول الله ﷺ إذ قال: أيها الناس أفيكم سواد بن قارب؟ قال: فلم يجبه أحد تلك السنة، فلما كانت السنة المقبلة قال: أيها الناس أفيكم سواد بن قارب؟ قال فقلت: يا أمير المؤمنين وما سواد بن قارب؟ قال: فقال له عمر ﵁: إن سواد بن قارب كان بدء إسلامه شيئا عجيبا، فبينما نحن كذلك إذ طلع سواد بن قارب. قال: فقال له عمر ﵁ يا سواد حدثنا ببدء إسلامك كيف كان؟ قال سواد ﵁: فإني كنت نازلا بالهند وكان لي رئي من الجن، قال: فبينا أنا ذات ليلة نائم إذ جاءنى في منامي ذلك قال: قم، فافهم، واعقل، إن كنت تعقل قد بعث رسول من لؤي بن غالب ثم أنشأ
стр. 5024
يقول.
عجبت للجن وتحساسها ... وشدها العيس بأحلامها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما خيّر الجن كأنحاسها
فانهض إلى الصفوة من هاشم ... واسم بعينيك إلى راسها
قال: ثم أنبهني فأفزعني وقال: يا سواد بن قارب إن الله بعث نبيا فانهض إليه تهتد وترشد، فلما كان من الليلة الثانية أتاني فأنبهني ثم أنشأ يقول:
عجبت للجن وتطلابها ... وشدها العيس بأقتابها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ليس قداماها كأذنابها
فانهض إلى الصفوة من هاشم ... واسم بعينيك إلى قابها
فلما كان في الليلة الثالثة أتاني فأنبهني ثم قال:
عجبت للجن وتخبارها ... وشدها العيس بأكوارها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ليس ذوو الشر كأخيارها
فانهض إلى الصفوة من هاشم ... ما مؤمنو الجن ككفارها
قال: فلما سمعته تكرر ليلة بعد ليلة وقع في قلبي حب الإسلام من أمر رسول الله ﷺ ما شاء الله، قال: فانطلقت إلى رحلي فشددته على راحلتي فما حللت نسعة ولا عقدت أخرى حتى أتيت رسول الله ﷺ ، فإذا هو بالمدينة- يعني مكة- والناس عليه كعرف الفرس، فلما رآني النبي ﷺ قال: «مرحبا بك يا سواد بن قارب قد علمنا ما جاء بك» قال: قلت يا رسول الله قد قلت شعرا فاسمعه مني، قال ﷺ «قل يا سواد» فقلت:
أتاني رئي بعد ليل وهجعة ... ولم يك فيما قد بلوت بكاذب
ثلاث ليال قوله كل ليلة ... أتاك رسول من لؤي بن غالب
فشمّرت عن ساقي الإزار ووسطت ... بي الدعلب الوجناء بين السباسب
فأشهد أن الله لا رب غيره ... وأنك مأمون على كل غائب
وأنك أدنى المرسلين وسيلة ... إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب
فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل ... وإن كان فيما جاء شيب الذوائب
وكن لى شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... سواك بمغن عن سواد بن قارب
стр. 5025
قال: فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه وقال لي: «أفلحت يا سواد»، فقال له عمر ﵁: هل يأتيك رئيك الآن؟ فقال: منذ قرأت القرآن لم يأتني، ونعم العوض كتاب الله من الجن. ثم أسنده البيهقي من وجهين آخرين. ومما يدل على وفادتهم إليه ﷺ بعد ما هاجر إلى المدينة الحديث الذي رواه الحافظ أبو نعيم في كتاب (دلائل النبوة) عن عمرو بن غيلان الثقفي قال: أتيت عبد الله بن مسعود ﵁ فقلت له: حدّثت أنك كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن. قال: أجل، قلت: حدثني كيف كان شأنه! فقال: إن أهل الصفة أخذ كل رجل منهم رجل يعشيه وتركت فلم يأخذني أحد منهم، فمرّ بي رسول الله ﷺ فقال: «من هذا؟» فقلت:
أنا ابن مسعود، فقال ﷺ : «ما أخذك أحد يعشيك؟» فقلت: لا، قال ﷺ :
«فانطلق لعلي أجد لك شيئا» قال: فانطلقنا حتى أتى رسول الله ﷺ حجرة أم سلمة ﵂ فتركني قائما ودخل إلى أهله، ثم خرجت الجارية فقالت: يا ابن مسعود إن رسول الله ﷺ لم يجد لك عشاء فارجع إلى مضجعك. فرجعت إلى المسجد فجمعت حصباء المسجد فتوسدته والتففت بثوبي، فلم ألبث إلا قليلا حتى جاءت الجارية فقالت: أجب رسول الله فأتبعتها وأنا أرجو العشاء، حتى إذا بلغت مقامي خرج رسول الله ﷺ وفي يده عسيب من نخل فعرض به على صدري فقال ﷺ : «أتنطلق أنت معي حيث انطلقت؟» قلت: ما شاء الله، فأعادها علي ثلاث مرات كل ذلك أقول: ما شاء الله، فانطلق وانطلقت معه حتى أتينا بقيع الغرقد، فخطّ ﷺ بعصاه خطّا ثم قال: «اجلس فيها ولا تبرح حتى آتيك» ثم انطلق يمشي وأنا انظر إليه خلال النخل، حتى إذا كان من حيث لا أراه ثارت قبله العجاجة السوداء، ففرقت فقلت ألحق برسول الله ﷺ ، فإني أظنّ أنّ هوازن مكروا برسول الله ﷺ ليقتلوه، فأسعى إلى البيوت فأستغيث الناس، فذكرت أنّ رسول الله ﷺ أوصاني أن لا أبرح مكاني الذي أنا فيه، فسمعت رسول الله ﷺ يقرعهم بعصاه ويقول «اجلسوا» فجلسوا حتى كاد ينشق عمود الصبح، ثم ثاروا وذهبوا فأتاني، رسول الله ﷺ فقال: «أنمت بعدي؟» فقلت: لا ولقد فزعت الفزعة الأولى حتى رأيت أن آتي البيوت فأستغيث الناس، حتى سمعتك تقرعهم بعصاك وكنت أظنها هوازن مكروا برسول الله ﷺ ليقتلوه، فقال:
«لو أنك خرجت من هذه الحلقة ما أمنت عليك أن يختطفك بعضهم، فهل رأيت من شئ منهم؟» فقلت: رأيت رجالا سودا مستثفرين بثياب بيض؛ فقال رسول الله ﷺ : «أولئك وفد جنّ نصيبين أتوني فسألوني الزاد والمتاع فمتعتهم بكل عظم حائل،
стр. 5026
أو روثة أو بعرة» قلت: فما يغني عنهم ذلك؟ قال ﷺ : «إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم أكل، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها الذي كان فيها يوم أكلت، فلا يستنقي أحد منكم بعظم ولا بعرة» وهذا إسناد غريب جدا، ولكن فيه رجل مبهم لم يسم، والله تعالى أعلم. وقد روى الحافظ أبو نعيم عن الزبير بن العوام ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح في مسجد المدينة فلما انصرف قال «أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة؟ فأسكت القوم ثلاثا فمرّ بي فأخذ بيدي فجعلت أمشي معه حتى حبست عنا جبال المدنية كلها وأفضينا إلى أرض برازا فإذا رجال طوال كأنهم الرماح، مستثفرين بثيابهم من بين أرجلهم، فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة، ثم ذكر نحو حديث ابن مسعود المتقدم وهذا حديث غريب والله أعلم.
ومما يتعلق بوفود الجنّ ما رواه أبو نعيم عن حصين بن عمر: أخبرني عبيد المكتب عن إبراهيم قال: خرج نفر من أصحاب عبد الله يريدون الحج، حتى إذا كانوا في بعض الطريق إذا هم بحية تنثني على الطريق أبيض ينفح منه ريح المسك، فقلت لأصحابي:
امضوا فلست ببارح حتى انظر إلى ما يصير إليه أمر هذه الحية قال: فما لبثت أن ماتت فعمدت إلى خرقة بيضاء، فلففتها فيها، ثم نحيتها عن الطريق، فدفنتها وأدركت أصحابي في المتعشى. قال: فو الله إنا لقعود إذ أقبل أربع نسوة من قبل المغرب، فقالت: واحدة منهنّ: أيكم دفن عمرا؟ قلنا: ومن عمرو؟ قالت: أيكم دفن الحية؟ قال: فقلت:
أنا، قالت: أما والله لقد دفنت صواما قواما يأمر بما أنزل الله تعالى، ولقد آمن بنبيكم وسمع صفته من السماء قبل أن يبعث بأربعمائة عام، قال الرجل: فحمدنا الله تعالى ثم قضينا حجتنا ثم مررت بعمر بن الخطاب ﵁ بالمدينة فأنبأته بأمر الحية فقال:
صدقت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لقد آمن بي قبل أن أبعث بأربعمائة سنة» وهذا حديث غريب جدا، والله أعلم، قال أبو نعيم: وقد روى الثوري عن أبي إسحاق عن الشعبي عن رجل من ثقيف بنحوه، وروى عبد الله بن أحمد الظهراني عن صفوان ابن المعطل- هو الذي نزل ودفن تلك الحية من بين الصحابة- وأنهم قالوا إنه آخر التسعة موتا الذين أتوا رسول الله ﷺ يستمعون القرآن، وروى أبو نعيم عن معاذ بن معمر قال: كنت جالسا عند عثمان بن عفان ﵁ فجاء رجل فقال: يا أمير المؤمنين إني كنت بفلاة من الأرض فذكر أنه رأى ثعبانين اقتتلا، ثم قتل أحدهما الآخر، قال: فذهبت إلى المعترك فوجدت حيات كثيرة مقتولة، وإذ ينفح من بعضها ريح المسك، فجعلت أشمها واحدة واحدة، حتى وجدت ذلك من حية صفراء رقيقة،
стр. 5027
فلففتها في عمامتي ودفنتها، فبينا أنا أمشي إذ ناداني مناد: يا عبد الله لقد هديت، هذان حيان من الجن بنو شعيبان وبنو قيس التقوا فكان من القتلى ما رأيت، واستشهد
الذي دفنته، وكان من الذين سمعوا الوحي من رسول الله ﷺ قال: فقال عثمان لذلك الرجل: إن كنت صادقا فقد رأيت عجبا، وإن كنت كاذبا فعليك كذبك).
فهم بعضهم من النصوص التي ذكرت بمناسبة الكلام عن جنّ نصيبين أن كل عظم هو غذاء للجن إلى قيام الساعة، وكل روث هو علف لدوابهم، والذي فهمته من النصوص أنّ ذلك كان معجزة لرسول الله ﷺ وكرامة لجنّ نصيبين فقط.
[نقل: عن صاحب الظلال حول موضوع الجن]
وقد تحدّث صاحب الظلال حديثا مسهبا عن الجن بمناسبة ذكرهم في السورة فقال:
(إن ذكر القرآن لحادث صرف نفر من الجن ليستمعوا القرآن من النبي- ﷺ وحكاية ما قالوا وما فعلوا .. هذا وحده كاف بذاته لتقرير وجود الجن، ولتقرير وقوع الحادث. ولتقرير أن الجن هؤلاء يستطيعون أن يسمعوا للقرآن بلفظه العربي المنطوق، كما يلفظه رسول الله- ﷺ ولتقرير أن الجن خلق قابلون للإيمان وللكفران، مستعدون للهدى وللضلال .. وليس هنالك من حاجة إلى زيادة تثبيت أو توكيد لهذه الحقيقة؛ فما يملك إنسان أن يزيد الحقيقة التي يقررها الله- سبحانه- ثبوتا. ولكنا نحاول إيضاح هذه الحقيقة في التصور الإنساني. إن هذا الكون من حولنا حافل بالأسرار، حافل بالقوى والخلائق المجهولة لنا كنها وصفة وأثرا. ونحن نعيش في أحضان هذه القوى والأسرار نعرف منها القليل ونجهل منها الكثير. وفي كل يوم نكشف بعض هذه الأسرار وندرك بعض هذه القوى، ونتعرف إلى بعض هذه الخلائق. تارة بذواتها. وتارة بصفاتها. وتارة بمجرد آثارها في الوجود من حولنا. ونحن ما نزال في أول الطريق. طريق المعرفة لهذا الكون، الذي نعيش نحن وآباؤنا وأجدادنا، ويعيش أبناؤنا وأحفادنا، على ذرة من ذراته الصغيرة الصغيرة. هذا الكوكب الأرضي الذي لا يبلغ أن يكون شيئا يذكر في حجم الكون أو وزنه! وما عرفناه اليوم- ونحن في أول الطريق- يعد بالقياس إلى معارف البشرية قبل خمسة قرون فقط عجائب أضخم من عجيبة الجن. ولو قال قائل للناس قبل خمسة قرون عن شئ من أسرار الذرة التي نتحدث عنها اليوم لظنوه مجنونا، أو لظنوه يتحدث عما هو أشد غرابة من الجن قطعا!
стр. 5028
ونحن نعرف ونكشف في حدود طاقتنا البشرية، المعدّة للخلافة في هذه الأرض، ووفق مقتضيات هذه الخلافة، وفي دائرة ما سخّره الله لنا ليكشف لنا عن أسراره، ولتكون لنا ذلولا، كيما نقوم بواجب الخلافة في الأرض .. ولا نتعدى معرفتنا وكشوفنا في طبيعتها وفي مداها .. مهما امتد بنا الأجل- ومهما سحر لنا من قوى الكون وكشف لنا من أسراره- لا تتعدى تلك الدائرة. دائرة ما نحتاجه للخلافة في هذه الأرض. وفق حكمة الله وتقديره. وسنكشف كثيرا، وسنعرف كثيرا، وستتفتح لنا عجائب من أسرار هذا الكون وطاقاته، مما قد تعتبر أسرار الذرة بالقياس إليه لعبة أطفال! ولكننا سنظل في حدود الدائرة المرسومة للبشر في المعرفة. وفي حدود قول الله- سبحانه- وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (الإسراء: ٨٥). قليلا بالقياس إلى ما في هذا الوجود من أسرار وغيوب لا يعلمها إلا خالقه وقيومه. وفي حدود تمثيله لعلمه غير المحدود؛ ووسائل المعرفة البشرية المحدودة بقوله: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ (لقمان: ٢٧). فليس لنا- والحالة هذه- أن نجزم بوجود شئ أو نفيه. وبتصوره أو عدم تصوره. من عالم الغيب المجهول، ومن أسرار هذا الوجود وقواه، لمجرد أنه خارج عن مألوفنا العقلي أو تجاربنا المشهودة. ونحن لم ندرك بعد كل أسرار أجسامنا وأجهزتها وطاقاتها، فضلا عن إدراك أسرار عقولنا وأرواحنا! وقد تكون هنالك أسرار ليست داخلة في برنامج ما يكشف لنا عنه أصلا. وأسرار ليست داخلة في برنامج ما يكشف لنا عن كنهه، فلا يكشف لنا إلا عن صفته أو أثره أو مجرد وجوده، لأن هذا لا يفيدنا في وظيفة الخلافة في الأرض. فإذا كشف الله لنا عن القدر المقسوم لنا من هذه الأسرار والقوى. عن طريق كلامه- لا عن طريق تجاربنا ومعارفنا الصادرة من طاقتنا الموهوبة لنا من لدنه أيضا- فسبيلنا في هذه الحالة أن نتلقّى هذه الهبة بالقبول والشكر والتسليم. نتلقاها كما هي فلا نزيد عليها ولا ننقص منها. لأن المصدر الوحيد الذي نتلقى عنه مثل هذه المعرفة لم يمنحنا إلا هذا القدر بلا زيادة. وليس هنالك مصدر آخر نتلقى عنه مثل هذه الأسرار! ومن هذا النص القرآني. ومن نصوص سورة الجن. والأرجح أنها تعبير عن الحادث نفسه.
ومن النصوص الأخرى المتناثرة في القرآن عن الجن. ومن الآثار النبوية الصحيحة عن هذا الحادث. نستطيع أن ندرك بعض الحقائق عن الجن .. ولا زيادة .. هذه الحقائق تتلخص في أن هنالك خلقا اسمه الجن. مخلوق من النار. لقول إبليس في الحديث عن آدم: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (ص: ٧٦) .. وإبليس من
стр. 5029
الجن لقول الله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ (الكهف:
٥٠) .. فأصله من أصل الجن. وأن هذا الخلق له خصائص غير خصائص البشر. منها خلقته من نار، ومنها أنه يرى الناس ولا يراه الناس، لقوله تعالى عن إبليس- وهو من الجن-: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ (الأعراف: ٢٧) .. وأن له تجمعات معينة تشبه تجمعات البشر في قبائل وأجناس. للقول السابق: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ .. وأن له قدرة على الحياة في هذا الكوكب الأرضي- لا ندري أين- لقوله تعالى: لآدم وإبليس معا: اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (البقرة: ٣٦) .. والجن الذين سخروا لسليمان ﵇ كانوا يقومون له بأعمال في الأرض تقتضي أن يكونوا مزودين بالقدرة على الحياة فيها. وأن له قدرة كذلك على الحياة خارج هذا الكوكب لقول الله تعالى حكاية عن الجن: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً* وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ، فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (الجن: ٨ - ٩) .. وأنه يملك التأثير في إدراك البشر وهو مأذون في توجيه الضالين منهم- غير عباد الله- للنصوص السابقة، ولقوله تعالى في حكاية حوار
إبليس اللعين: قالَ: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (ص: ٨٣ - ٨٤) .. وغير هذا من النصوص المماثلة. ولكنا لا نعرف كيف يوسوس ويوجه وبأي أداة. وأنه يستطيع أن يسمع صوت الإنسان ويفهم لغته، بدلالة استماع نفر من الجن للقرآن وفهمه والتأثر به. وأنه قابل للهدى وللضلال بدلالة قول هذا النفر في سورة الجن: وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ. فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً* وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (الآية: ١٤ - ١٥) .. وبدليل ذهابهم إلى قومهم منذرين يدعونهم إلى الإيمان، بعد ما وجدوه في نفوسهم، وعلموا أن قومهم لم يجدوه بعد.
٤ - [كلام ابن كثير حول قوله تعالى فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ]
بمناسبة قوله تعالى عن الجن: فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قال ابن كثير: (وقد استدل بهذه الآية على أنه في الجن نذر وليس فيهم رسل ولا شك أن الجن لم يبعث الله تعالى منهم رسولا لقوله تعالى وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى (يوسف: ١٠٩) وقال وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ (الفرقان: ٢٠) وقال عن إبراهيم الخليل ﵊ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ (الحديد:
٢٦) فكل نبي بعثه الله تعالى بعد إبراهيم فمن ذريته وسلالته فأما قوله ﵎ في
стр. 5030
سورة الأنعام يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ (الأنعام: ١١٥) فالمراد من مجموع الجنسين، فيصدق على أحدهما وهو الإنس كقوله يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (الرحمن: ٢٢) أي: أحدهما).
٥ - [كلام ابن كثير حول آية يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ]
بمناسبة قوله تعالى على لسان الجن عن القرآن. يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ قال ابن كثير: (فإن القرآن مشتمل على شيئين خبر وطلب، فخبره صدق وطلبه عدل عدلا كما قال تعالى وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا (الأنعام: ١١٥) وقال هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ (الصف: ٩) فالهدى هو العلم النافع ودين الحق هو العمل الصالح، وهكذا قالت الجن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ في الاعتقادات وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ أي: في العمليات).
٦ - [كلام ابن كثير حول آية أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ .. ]
بمناسبة قوله تعالى على لسان الجن في قولهم لأقوامهم أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ قال ابن كثير: (فيه دلالة على أنه تعالى أرسل محمدا ﷺ إلى الثقلين الجن والإنس، حيث دعاهم إلى الله تعالى وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب الفريقين وتكليفهم، ووعدهم ووعيدهم وهي سورة الرحمن ولهذا قال: أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ.
٧ - [كلام ابن كثير حول آية فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ .. ]
بمناسبة قوله تعالى فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ قال ابن كثير:
(وقد اختلفوا في تعداد أولي العزم على أقوال وأشهرها: أنهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وخاتم الأنبياء كلهم محمد ﷺ قد نص الله تعالى على أسمائهم من بين الأنبياء في آيتين من سورتي الأحزاب والشورى، وقد يحتمل أن يكون المراد بأولي العزم جميع الرسل فتكون (من) في قوله من الرسل لبيان الجنس والله أعلم، وقد روى ابن أبي حاتم عن مسروق قال: قالت لي عائشة ﵂: ظل رسول الله ﷺ صائما ثم طواه، ثم ظل صائما ثم طواه، ثم ظل صائما ثم قال: «يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد، يا عائشة إن الله تعالى لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروهها والصبر عن محبوبها، ثم لم يرض مني إلا أن يكلفني ما كلفهم فقال فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وإني والله لأصبرن كما صبروا جهدي ولا قوة إلا بالله».
***
стр. 5031
كلمة أخيرة في سورة الأحقاف وزمرة آل حم:
سورة الأحقاف هي آخر سورة من زمرة آل حم، وقد اشتركت آل حم كلها في كونها تحدثت عن القرآن الكريم، وعن مظاهر من إعجازه، وناقشت الكافرين فيه، ودار تفصيلها بين مقدمة سورة البقرة، والمقطع الأول منها، ومن ثم فقد كانت كلها تبني إما في الأساس، وإما في الطريق، ومن ثم فإن دراستها تشكل جزءا كبيرا من فقه الأساس، وفقه الطريق، وكانت سورة الأحقاف هي السورة السابعة فيها والأخيرة، وقد فصّلت كما رأينا في الطريقين: طريق الإيمان، وطريق الفسوق، فعمّقت قضية الاهتداء بالقرآن، وعمّقت قضية العبادة لله وحده، وحذّرت وأنذرت، وبشّرت ووعدت وأوعدت، وناقشت وأقامت الحجة، وخاطبت النفس والعقل، وكان لها سياقها الخاص، وأدت دورها في خدمة السياق القرآني العام، وبيّنت في الطريق إلى التقوى والطريق إلى الفسوق ومن ثم فقد انتهت بقوله تعالى: فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ، ولننتقل إلى سورة القتال وهي السورة الثالثة من المجموعة الخامسة في قسم الثاني.
***
стр. 5032
سورة محمّد
وهي السّورة السّابعة والأربعون بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة الثالثة من المجموعة الخامسة من قسم المثاني وآياتها ثمان وثلاثون آية وهي مدنيّة
стр. 5033
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا إنّك أنت السّميع العليم
стр. 5034
بين يدي سورة محمد ﷺ : [تقديم الألوسي وصاحب الظلال للسورة]
قال الألوسى في تقديمه لهذه السورة:
(وتسمى سورة القتال، وهي مدنية عند الأكثرين ولم يذكروا استثناء، وعن ابن عباس وقتادة أنها مدنية إلا قوله تعالى:
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ إلى آخره، فإنه صلى الله تعالى عليه وسلم لما خرج من مكة إلى الغار التفت إليه وقال: «أنت أحب بلاد الله تعالى إلى الله، وأنت أحب بلاد الله تعالى إليّ ولولا أن أهلك أخرجوني منك لم أخرج منك» فأنزل الله تعالى ذلك فيكون مكيا بناء على أن ما نزل في طريق المدينة قبل أن يبلغها النبي ﷺ أعني ما نزل في سفر الهجرة- من المكي اصطلاحا، كما يؤخذ من أثر أخرجه عثمان بن سعيد الدارمي بسنده إلى يحيى بن سلام، وعدة آيها أربعون في البصري، وثمان وثلاثون في الكوفي، وتسع بالتاء الفوقية وثلاثون فيما عداهما، والخلاف في قوله تعالى: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها وقوله تعالى: لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ولا يخفى قوة ارتباط أولها بآخر السورة قبلها، واتصاله وتلاحمه بحيث لو سقطت من البين البسملة لكان متصلا واحدا لا تنافر فيه كالآية الواحدة، آخذا بعضه بعنق بعض، وكان صلى الله تعالى عليه وسلم على ما أخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يقرؤها في صلاة المغرب).
وقال صاحب الظلال:
(هذه السورة مدنية، ولها اسم آخر. (وهو) سورة القتال. وهو اسم حقيقي لها. فالقتال هو موضوعها. والقتال هو العنصر البارز فيها.
والقتال في صورها وظلالها. والقتال في جرسها وإيقاعها.
القتال موضوعها. فهي تبدأ ببيان حقيقة الذين كفروا وحقيقة الذين آمنوا في صيغة هجوم أدبي على الذين كفروا، وتمجيد للذين آمنوا، مع إيحاء بأن الله عدو للأولين ووليّ للآخرين، وأن هذه حقيقة ثابتة في تقدير الله سبحانه. فهو إذن إعلان حرب منه تعالى على أعدائه وأعداء دينه منذ اللفظ الأول في السورة: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ* وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ* ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ.
وعقب إعلان هذه الحرب من الله على الذين كفروا، أمر صريح للذين آمنوا بخوض
стр. 5035
الحرب ضدهم. في صيغة رنانة قوية، مع بيان لحكم الأسرى بعد الإثخان في المعركة والتقتيل العنيف: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها.
ومع هذا الأمر بيان لحكمة القتال، وتشجيع عليه، وتكريم للاستشهاد فيه، ووعد من الله بإكرام الشهداء، وبالنصر لمن يخوض المعركة انتصارا لله، وبهلاك الكافرين وإحباط أعمالهم: ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ* سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ* وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ* ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ.
ومعه كذلك تهديد عنيف للكافرين، وإعلان لولاية الله ونصرته للمؤمنين، وضياع الكافرين وخذلانهم وضعفهم وتركهم بلا ناصر ولا معين: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؟ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها* ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ. كذلك تهديد آخر للقرية التي أخرجت الرسول ﷺ : وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ.
ثم تمضي السورة بعد هذا الهجوم العنيف السافر في ألوان من الحديث حول الكفر والإيمان، وحال المؤمنين وحال الكافرين في الدنيا والآخرة. فتفرق بين متاع المؤمن بالطيبات، وتمتع الكافرين بلذائذ الأرض كالحيوان: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ. كما تصف متاع المؤمنين في الجنة بشتى الأشربة الشهية من ماء غير آسن، ولبن لم يتغير طعمه، وخمر لذة للشاربين، وعسل مصفى، في وفر وفيض .. في صورة أنهار جارية .. ذلك مع شتى الثمرات، ومع المغفرة والرضوان. ثم سؤال: أهؤلاء كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ؟.
فإذا انقضت هذه الجولة الأولى في المعركة السافرة المباشرة بين المؤمنين والكافرين.
أعقبها في السورة جولة مع المنافقين، الذين كانوا هم واليهود بالمدينة يؤلفون خطرا على الجماعة الإسلامية الناشئة لا يقل عن خطر المشركين الذين يحاربونها من مكة وما حولها
стр. 5036
من القبائل في تلك الفترة، التي يبدو من الوقائع التي تشير إليها السورة أنها كانت بعد غزوة بدر، وقبل غزوة الأحزاب وما تلاها من خضد شوكة اليهود، وضعف مركز المنافقين (كما ذكرنا في تفسير سورة الأحزاب).
والحديث عن المنافقين في هذه السورة يحمل ظلالها. ظلال الهجوم والقتال. منذ أول إشارة. فهو يصور تلهيهم عن حديث رسول الله، وغيبة وعيهم واهتمامهم في مجلسه، ويعقب عليه بما يدمغهم بالضلال والهوى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ: ماذا قالَ آنِفاً؟ أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ.
ويهددهم بالساعة يوم لا يستطيعون الصحو ولا يملكون التذكر: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً؟ فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها. فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ؟.
ثم يصور هلعهم وجبنهم وتهافتهم إذا ووجهوا بالقرآن يكلفهم القتال- وهم يتظاهرون بالإيمان- والفارق بينهم يومئذ وبين المؤمنين الصادقين: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا: لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ! فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ!.
ويحثهم على الطاعة والصدق والثبات. ويرذل اتجاهاتهم، ويعلن عليهم الحرب والطرد واللعن: فَأَوْلى لَهُمْ* طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ. فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ* فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ؟ * أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ.
ويفضحهم في توليهم للشيطان، وفي تآمرهم مع اليهود، ويهددهم بالعذاب عدا الموت بالفضيحة التي تكشف أشخاصهم فردا فردا في المجتمع الإسلامي، الذي يدمجون أنفسهم فيه، وهم ليسوا منه، وهم يكيدون له: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى، الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ* ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ: سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ. وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ* فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ* ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ* أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ* وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ، وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ. وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ* وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ.
стр. 5037
وفي الجولة الثالثة والأخيرة في السورة عودة إلى الذين كفروا من قريش ومن اليهود وهجوم عليهم: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ- مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى - لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ.
وتحذير للذين آمنوا أن يصيبهم مثل ما أصاب أعداءهم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ، وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ* إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ، فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ..
وتحضيض لهم على الثبات عند القتال: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ.
وتهوين من شأن الحياة الدنيا وأعراضها. وحضّ على البذل الذي يسره الله، ولم يجعله استئصالا للمال كله، رأفة بهم، وهو يعرف شح نفوسهم البشرية، وتبرمها وضيقها لو أحفاهم في السؤال:
إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ* إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ.
وتختم السورة بما يشبه التهديد للمسلمين إن هم بخلوا بإنفاق المال، وبالبذل في القتال: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ ..
*** إنها معركة مستمرة من بدء السورة إلى ختامها؛ يظللها جو القتال، وتتسم بطابعه في كل فقراتها.
وجرس الفاصلة وإيقاعها منذ البدء كأنه القذائف الثقيلة: أَعْمالَهُمْ.* بالَهُمْ.* أَمْثالَهُمْ.* أَهْواءَهُمْ.* أَمْعاءَهُمْ ... وحتى حين تخف فإنها تشبه تلويح السيوف في الهواء: أَوْزارَها. أَمْثالُها. أَقْفالُها ...
وهناك شدة في الصور كالشدة في جرس الألفاظ المعبرة عنها .. فالقتال أو القتل
стр. 5038
يقول عنه: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ .. والتقتيل والأسر يصوره بشدة: حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ .. والدعاء على الكافرين يجئ في لفظ قاس: فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ .. وهلاك الغابرين يرسم في صورة مدوية ظلا ولفظا: دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها .. وصورة العذاب في النار تجئ في هذا المشهد: وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ .. وحالة الجبن والفزع عند المنافقين تجئ في مشهد كذلك عنيف: يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ! .. حتى تحذير المؤمنين من التولي يجئ في تهديد نهائي حاسم: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ ...
وهكذا يتناسق الموضوع والصور والظلال والإيقاع في سورة القتال .. ).
كلمة في سورة القتال ومحورها:
فصّلت سورة الأحقاف في الآيات الست التي تأتي بعد مقدمة سورة البقرة، والتي تنتهي بقوله تعالى وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ وقد لاحظنا أنّ كلا من مقطعيها ينتهي بكلمة الفسوق بِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ ..
بعد الآيات الست التي تأتي بعد مقدمة سورة البقرة يأتي قوله تعالى الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وبعد سورة الأحقاف تأتي سورة القتال وهي مبدوءة بكلمة (الذين). الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ فكما كانت الآية (٢٧) في سورة البقرة شرحا للفسوق فإن سورة القتال تشرح الفسوق، وتشرح ما يقابله، وتبيّن لأهل الإيمان ماذا عليهم أن يفعلوا تجاه الفسوق وأهله.
وشرح الفسوق في سورة البقرة جاء امتدادا للآية السادسة من السورة نفسها، ولذلك فإن الآيات الأولى من سورة القتال لها صلات كبيرة في كل من الآيتين السادسة والعشرين، والسابعة والعشرين من سورة البقرة:
قال تعالى في سورة البقرة: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا
стр. 5039
أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ.
وقد بدأت سورة القتال بقوله تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ* وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ* ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ.
لاحظ الاشتراك في المعاني بين آيتي سورة البقرة وهذه الآيات الثلاث من بداية سورة القتال، لاحظ وجود كلمة (الضلال) في الجهتين، ولاحظ ذكر الأمثال في الجهتين، ولاحظ ورود كلمة (الحق) في الجهتين، ولاحظ الصلة بين الصد عن سبيل الله في ابتداء سورة القتال، وبين الإفساد في الأرض في سورة البقرة.
ثمّ لاحظ ما يلي:
يرد في سورة القتال قوله تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ. لاحظ صلة ذلك بقوله تعالى الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ.
يرد في سورة القتال قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ لاحظ صلة ذلك بقوله تعالى الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ فهذه الصلات الظاهرة بين ما ذكرناه وبين آية سورة البقرة ترجّح أنّ هذه الآية هي محور السورة.
إذا صحّ أن هذه الآية هي محور سورة القتال، فإن سورة القتال إذن تفصّل في محور سورة المائدة، ومن ثم نجد تشابها بين آيات في سورة المائدة وآيات في سورة القتال:
ففي سورة المائدة يرد قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ....
وفي سورة القتال يرد قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ
стр. 5040
لَهُمُ الْهُدَى .. ويرد قوله تعالى وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ.
وكنا ذكرنا من قبل أن سورة المائدة تحرّر من المعاني التي إذا وجدت لا يكون اهتداء بكتاب الله ولا إيمان، فهي تكمّل عمل سورة النساء؛ إذ تدل على الطريق: فواحدة تدل على الطريق، وأخرى تحذّر من منعرجات الطريق، وكما أن في سورتي النساء والمائدة من التكامل ما رأيناه، فإن بين سورتي الأحقاف والقتال من التكامل ما يشبه ذلك.
وأثناء الكلام عن سورة البقرة قلنا: إن قوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ .. دخل فيه الكافرون والمنافقون الذين تحدّثت عنهم مقدمة سورة البقرة، وفي سورة القتال نجد كلاما عن الكافرين الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ... *. ونجد كلاما عن المنافقين: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ.
ذكرنا من قبل أن السورة التي تفصّل محورا من سورة البقرة تفصّل عادة في هذا المحور، وفي امتدادات معانيه في سورة البقرة، أو في بعض امتدادات معانيه:
وإن من امتدادات معاني آية الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ .. في سورة البقرة آيات القتال والإنفاق الأولى في سورة البقرة وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ .. وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ.
ولذلك نجد في سورة القتال: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ ..
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ .. فالذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض، لا بدّ أن يقاتلوا، ومن امتدادات المحور آيات القتال الثانية كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ..
وسنرى كذلك صلة سورة القتال بذلك.
стр. 5041
فالسورة إذن تفصّل في محورها وارتباطاته وامتدادات معانيه، وتأخذ محلّها في مجموعتها، وفي قسمها كما سنرى، وتتكامل مع السورة التي تأتي قبلها، ومع
السورة التي تأتي بعدها. ومن مظاهر التكامل بين سورة القتال وما قبلها أن سورة الأحقاف عالجت الفسوق نظريا أي من حيث مقارعته الحجة وأمثال ذلك، وأما سورة القتال فترسم الطريق العملي لمقارعته ومجادلته بالقتال والجهاد، ومن ثم تجد اشتراكها مع سورة المائدة في النداء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا .. * الذي لم يرد معنا أبدا منذ سورة الأحزاب التي فصّلت في محوري سورتي النساء والمائدة كما رأينا .. وسنرى شيئا عن تكامل السورة وما بعدها فيما بعد.
تتألف سورة القتال من مقدمة ومقطعين، وكل من المقطعين مبدوء بقوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... *.
***
стр. 5042
مقدمة السورة وتمتدّ من الآية (١) إلى نهاية الآية (٦) وهذه هي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤٧/ ١ - ٦
التفسير:
الَّذِينَ كَفَرُوا بالله وآياته وَصَدُّوا غيرهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: عن الإسلام أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ أي: أبطلها وأذهبها ولم يجعل لها ثوابا ولا جزاء قال النسفي: (أي أبطلها وأحبطها، وحقيقته: جعلها حثالة ضائعة ليس لها من يتقبّلها ويثيب عليها كالضالّة من الإبل، وأعمالهم: ما عملوه في كفرهم من صلة الأرحام وإطعام الطعام، أو ما عملوه من الكيد لرسول الله ﷺ والمؤمنين والصدّ عن سبيل الله
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ آمنت قلوبهم وسرائرهم، وانقادات لشرع الله
стр. 5043
جوارحهم وبواطنهم وظواهرهم وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ قال ابن كثير: عطف خاص على عام، وهو دليل على أنه شرط في صحة الإيمان بعد بعثته ﷺ قال النسفي:
وهو القرآن، وتخصيص الإيمان بالمنزل على رسوله ﷺ من بين ما يجب الإيمان به لتعظيم شأنه وَهُوَ أي: القرآن الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أي: ستر بإيمانهم وعملهم الصالح ما كان منهم من الكفر والمعاصي لرجوعهم عنها وتوبتهم وَأَصْلَحَ بالَهُمْ أي: وأصلح حالهم وشأنهم بالتوفيق في أمور الدين، وبالتسليط على الدنيا بما أعطاهم من النصرة والتأييد
ذلِكَ أي: إضلال أعمال أحد الفريقين؛ وتكفير سيئات الثاني بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ قال ابن كثير: أي إنما أبطلنا أعمال الكفار وتجاوزنا عن سيئات الأبرار وأصلحنا شئونهم؛ لأن الذين كفروا اتّبعوا الباطل، أي اختاروا الباطل على الحق وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ وهو القرآن والمعنى: أنّ إضلال أعمال أحد الفريقين، وتكفير سيئات الثاني، وإصلاح باله كائن بسبب اتباع أولئك الباطل الذي لا حقيقة له، واتباع هؤلاء الحق الذي هو القرآن كَذلِكَ أي: مثل ذلك الضرب يَضْرِبُ اللَّهُ أي: يبيّن الله لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ قال ابن كثير: أي يبين لهم مآل أعمالهم وما يصيرون إليه في معادهم، أو إنما يضرب الله مثل الفريقين لأجل الناس ليعتبروا به. قال النسفي: وقد جعل اتّباع الباطل مثلا لعمل الكافرين، واتباع الحق مثلا لعمل المؤمنين، أو جعل الإضلال مثلا لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلا لفوز الأبرار.
كلمة في السياق:
في الآية التي سبقت محور السورة من سورة البقرة بيّن الله أنّ هناك فريقين فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا فهناك مؤمنون بأنّ القرآن حق، وهناك كافرون، ثم قال تعالى:
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً فهناك ضالون ومهتدون، ثم بيّن من هم هؤلاء الضالّون: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ومرجع صفات الفاسقين إلى الكفر والصدّ عن سبيل الله، ومن ثم فإن الآيات الثلاث التي مرت معنا في سورة القتال ذكرت أن هناك فريقين: فريقا كافرا صادا عن سبيل
стр. 5044
الله، وفريقا مؤمنا عاملا بالإسلام، مؤمنا بالقرآن الذي أنزله الله على محمد ﷺ ، وأن الكافرين يتّبعون الباطل، وأن المؤمنين يتّبعون الحق من الله أي القرآن، وأن سنّة الله أن يضل أعمال الكافرين، وأن يكفّر سيئات المؤمنين، ويصلح لهم ضمائرهم، وأن في هذا وهذا مثلين للناس ليختاروا.
ومن ثم فإن الآيات الثلاث الأولى من سورة القتال هي عرض جديد لما تضمّنه محور السورة من سورة البقرة، مع زيادة تفصيل في مكافأة كل من الفريقين، فإذا استقر هذا فإن الآيات اللاحقة من المقدمة تأمر أهل الإيمان بقتال أهل الكفر والطغيان بعد أن بيّنت حالهم وحال المؤمنين، وضربت لذلك الأمثال، وكأن تبيان حال الفريقين جاء لتبيان حكمة الأمر بالقتال، فما عليه المؤمنون من خير وحق، وما عليه الكافرون من شر وباطل، هو الموجب لفريضة قتال المؤمنين للكافرين، ومن ثم فإننا نلاحظ أن الآيات اللاحقة تبدأ بقوله تعالى فَإِذا لَقِيتُمُ .. فالابتداء بالفاء هنا إشارة إلى أن ما مر هو سبب الأمر بالقتال.
ملاحظة:
في الآية التي سبقت آية المحور من سورة البقرة ورد قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما .. وورد قوله تعالى وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا.
وهاهنا ورد قوله تعالى: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ لاحظ الاشتراك في كلمة (المثل) في مقدمة السورة هنا، وفي الآية السابقة على آية المحور هناك.
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ أي: بسبب ما مرّ، فإذا لقيتم الذين كفروا في الحرب فاضربوا الرقاب ضربا، والمراد بضرب الرقاب القتل قال ابن كثير:
أي: إذا واجهتموهم فاحصدوهم بالسيوف حصدا (وهو إرشاد للمؤمنين إلى ما يعتمدونه في حروبهم مع المشركين) حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ أي: أكثرتم فيهم القتل فَشُدُّوا الْوَثاقَ أي: فالجئوا إلى الأسر والاعتقال فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ أي:
بعد أن تأسروهم وَإِمَّا فِداءً أي: وإما أن تقبلوا الفداء قال ابن كثير: ثم أنتم بعد
стр. 5045
انقضاء الحرب وانفصال المعركة مخيّرون في أمرهم، إن شئتم مننتم عليهم فأطلقتم أساراهم مجانا، وإن شئتم فاديتموهم بمال تأخذونه منهم وتشارطونهم عليه. أقول: وفي الآية اختلافات فقهية سنذكرها في الفوائد. حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها أي:
أثقالها أي حتى تنتهي الحرب بينكم وبينهم بصورة من صور انتهاء الحرب الإسلامية، كما سنذكر ذلك في الفوائد. ذلِكَ أي: الأمر ذلك وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ أي: لانتقم منهم بغير قتال ببعض أسباب الهلاك كالخسف أو الرجفة، أو غير ذلك وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ أي: ولكن أمركم بالقتال ليبلو بعضكم ببعض، أي: المؤمنين بالكافرين تمحيصا للمؤمنين، وتمحيقا للكافرين. قال ابن كثير: (أي:
ولكن شرع لكم الجهاد وقتال الأعداء ليختبركم ويبلو أخباركم .. ). وهذا يفيد أنّه لا بدّ من بذل الجهد لنصرة الإسلام، وفي الآية ردّ على القاعدين عن نصرة دين الله بحجة أنّ الله ينصر دينه، ثم لما كان من شأن القتال أن يقتل كثير من المؤمنين قال تعالى وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ قال ابن كثير: أي لن يذهبها بل يكثّرها وينمّيها ويضاعفها، ومنهم من يجري عليه عمله طول برزخه.
سَيَهْدِيهِمْ أي: إلى الجنة وَيُصْلِحُ بالَهُمْ قال ابن كثير: أي أمرهم وحالهم وقال النسفي: أي يرضي خصماءهم، ويقبل أعمالهم
وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ أي: عرّفهم مساكنهم فيها حتى لا يحتاجون أن يسألوا، أو طيّبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة.
كلمة في السياق: [المقدمة حول موضوعاتها وعلاقة السورة بأوامر القتال في سورة البقرة]
١ - وهكذا قد عرّفتنا المقدمة على الأسباب التي من أجلها شرع الله الجهاد، وبيّنت لنا الطريق العمليّ لذلك، وهو الإثخان في القتل، وعدم اللجوء إلى الأسر والاعتقال إلا بعد هذا الإثخان، وأنه بعد الأسر والاعتقال يجوز للمسلمين المنّ أو الفداء، على خلافات بين الفقهاء سنراها في الفوائد. كما بيّن لنا تعالى حكمة عدم انتصاره المباشر من الكافرين أحيانا، وذلك من أجل أن يختبر إيمان المؤمنين هل يجاهدون في سبيله أم لا؟، وبيّن لنا بماذا يكافئ من يقتل في سبيله من هداية إلى الجنة، وإصلاح بال، فلا يقلقون على شئ في البرزخ، أو يوم القيامة، كما يدخلهم الجنة وقد طيبها لهم.
следующие страницы →