Полный текст (6 440 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.
стр. 5041
فالسورة إذن تفصّل في محورها وارتباطاته وامتدادات معانيه، وتأخذ محلّها في مجموعتها، وفي قسمها كما سنرى، وتتكامل مع السورة التي تأتي قبلها، ومع
السورة التي تأتي بعدها. ومن مظاهر التكامل بين سورة القتال وما قبلها أن سورة الأحقاف عالجت الفسوق نظريا أي من حيث مقارعته الحجة وأمثال ذلك، وأما سورة القتال فترسم الطريق العملي لمقارعته ومجادلته بالقتال والجهاد، ومن ثم تجد اشتراكها مع سورة المائدة في النداء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا .. * الذي لم يرد معنا أبدا منذ سورة الأحزاب التي فصّلت في محوري سورتي النساء والمائدة كما رأينا .. وسنرى شيئا عن تكامل السورة وما بعدها فيما بعد.
تتألف سورة القتال من مقدمة ومقطعين، وكل من المقطعين مبدوء بقوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... *.
***
стр. 5042
مقدمة السورة وتمتدّ من الآية (١) إلى نهاية الآية (٦) وهذه هي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤٧/ ١ - ٦
التفسير:
الَّذِينَ كَفَرُوا بالله وآياته وَصَدُّوا غيرهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: عن الإسلام أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ أي: أبطلها وأذهبها ولم يجعل لها ثوابا ولا جزاء قال النسفي: (أي أبطلها وأحبطها، وحقيقته: جعلها حثالة ضائعة ليس لها من يتقبّلها ويثيب عليها كالضالّة من الإبل، وأعمالهم: ما عملوه في كفرهم من صلة الأرحام وإطعام الطعام، أو ما عملوه من الكيد لرسول الله ﷺ والمؤمنين والصدّ عن سبيل الله
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ آمنت قلوبهم وسرائرهم، وانقادات لشرع الله
стр. 5043
جوارحهم وبواطنهم وظواهرهم وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ قال ابن كثير: عطف خاص على عام، وهو دليل على أنه شرط في صحة الإيمان بعد بعثته ﷺ قال النسفي:
وهو القرآن، وتخصيص الإيمان بالمنزل على رسوله ﷺ من بين ما يجب الإيمان به لتعظيم شأنه وَهُوَ أي: القرآن الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أي: ستر بإيمانهم وعملهم الصالح ما كان منهم من الكفر والمعاصي لرجوعهم عنها وتوبتهم وَأَصْلَحَ بالَهُمْ أي: وأصلح حالهم وشأنهم بالتوفيق في أمور الدين، وبالتسليط على الدنيا بما أعطاهم من النصرة والتأييد
ذلِكَ أي: إضلال أعمال أحد الفريقين؛ وتكفير سيئات الثاني بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ قال ابن كثير: أي إنما أبطلنا أعمال الكفار وتجاوزنا عن سيئات الأبرار وأصلحنا شئونهم؛ لأن الذين كفروا اتّبعوا الباطل، أي اختاروا الباطل على الحق وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ وهو القرآن والمعنى: أنّ إضلال أعمال أحد الفريقين، وتكفير سيئات الثاني، وإصلاح باله كائن بسبب اتباع أولئك الباطل الذي لا حقيقة له، واتباع هؤلاء الحق الذي هو القرآن كَذلِكَ أي: مثل ذلك الضرب يَضْرِبُ اللَّهُ أي: يبيّن الله لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ قال ابن كثير: أي يبين لهم مآل أعمالهم وما يصيرون إليه في معادهم، أو إنما يضرب الله مثل الفريقين لأجل الناس ليعتبروا به. قال النسفي: وقد جعل اتّباع الباطل مثلا لعمل الكافرين، واتباع الحق مثلا لعمل المؤمنين، أو جعل الإضلال مثلا لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلا لفوز الأبرار.
كلمة في السياق:
في الآية التي سبقت محور السورة من سورة البقرة بيّن الله أنّ هناك فريقين فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا فهناك مؤمنون بأنّ القرآن حق، وهناك كافرون، ثم قال تعالى:
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً فهناك ضالون ومهتدون، ثم بيّن من هم هؤلاء الضالّون: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ومرجع صفات الفاسقين إلى الكفر والصدّ عن سبيل الله، ومن ثم فإن الآيات الثلاث التي مرت معنا في سورة القتال ذكرت أن هناك فريقين: فريقا كافرا صادا عن سبيل
стр. 5044
الله، وفريقا مؤمنا عاملا بالإسلام، مؤمنا بالقرآن الذي أنزله الله على محمد ﷺ ، وأن الكافرين يتّبعون الباطل، وأن المؤمنين يتّبعون الحق من الله أي القرآن، وأن سنّة الله أن يضل أعمال الكافرين، وأن يكفّر سيئات المؤمنين، ويصلح لهم ضمائرهم، وأن في هذا وهذا مثلين للناس ليختاروا.
ومن ثم فإن الآيات الثلاث الأولى من سورة القتال هي عرض جديد لما تضمّنه محور السورة من سورة البقرة، مع زيادة تفصيل في مكافأة كل من الفريقين، فإذا استقر هذا فإن الآيات اللاحقة من المقدمة تأمر أهل الإيمان بقتال أهل الكفر والطغيان بعد أن بيّنت حالهم وحال المؤمنين، وضربت لذلك الأمثال، وكأن تبيان حال الفريقين جاء لتبيان حكمة الأمر بالقتال، فما عليه المؤمنون من خير وحق، وما عليه الكافرون من شر وباطل، هو الموجب لفريضة قتال المؤمنين للكافرين، ومن ثم فإننا نلاحظ أن الآيات اللاحقة تبدأ بقوله تعالى فَإِذا لَقِيتُمُ .. فالابتداء بالفاء هنا إشارة إلى أن ما مر هو سبب الأمر بالقتال.
ملاحظة:
في الآية التي سبقت آية المحور من سورة البقرة ورد قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما .. وورد قوله تعالى وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا.
وهاهنا ورد قوله تعالى: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ لاحظ الاشتراك في كلمة (المثل) في مقدمة السورة هنا، وفي الآية السابقة على آية المحور هناك.
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ أي: بسبب ما مرّ، فإذا لقيتم الذين كفروا في الحرب فاضربوا الرقاب ضربا، والمراد بضرب الرقاب القتل قال ابن كثير:
أي: إذا واجهتموهم فاحصدوهم بالسيوف حصدا (وهو إرشاد للمؤمنين إلى ما يعتمدونه في حروبهم مع المشركين) حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ أي: أكثرتم فيهم القتل فَشُدُّوا الْوَثاقَ أي: فالجئوا إلى الأسر والاعتقال فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ أي:
بعد أن تأسروهم وَإِمَّا فِداءً أي: وإما أن تقبلوا الفداء قال ابن كثير: ثم أنتم بعد
стр. 5045
انقضاء الحرب وانفصال المعركة مخيّرون في أمرهم، إن شئتم مننتم عليهم فأطلقتم أساراهم مجانا، وإن شئتم فاديتموهم بمال تأخذونه منهم وتشارطونهم عليه. أقول: وفي الآية اختلافات فقهية سنذكرها في الفوائد. حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها أي:
أثقالها أي حتى تنتهي الحرب بينكم وبينهم بصورة من صور انتهاء الحرب الإسلامية، كما سنذكر ذلك في الفوائد. ذلِكَ أي: الأمر ذلك وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ أي: لانتقم منهم بغير قتال ببعض أسباب الهلاك كالخسف أو الرجفة، أو غير ذلك وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ أي: ولكن أمركم بالقتال ليبلو بعضكم ببعض، أي: المؤمنين بالكافرين تمحيصا للمؤمنين، وتمحيقا للكافرين. قال ابن كثير: (أي:
ولكن شرع لكم الجهاد وقتال الأعداء ليختبركم ويبلو أخباركم .. ). وهذا يفيد أنّه لا بدّ من بذل الجهد لنصرة الإسلام، وفي الآية ردّ على القاعدين عن نصرة دين الله بحجة أنّ الله ينصر دينه، ثم لما كان من شأن القتال أن يقتل كثير من المؤمنين قال تعالى وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ قال ابن كثير: أي لن يذهبها بل يكثّرها وينمّيها ويضاعفها، ومنهم من يجري عليه عمله طول برزخه.
سَيَهْدِيهِمْ أي: إلى الجنة وَيُصْلِحُ بالَهُمْ قال ابن كثير: أي أمرهم وحالهم وقال النسفي: أي يرضي خصماءهم، ويقبل أعمالهم
وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ أي: عرّفهم مساكنهم فيها حتى لا يحتاجون أن يسألوا، أو طيّبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة.
كلمة في السياق: [المقدمة حول موضوعاتها وعلاقة السورة بأوامر القتال في سورة البقرة]
١ - وهكذا قد عرّفتنا المقدمة على الأسباب التي من أجلها شرع الله الجهاد، وبيّنت لنا الطريق العمليّ لذلك، وهو الإثخان في القتل، وعدم اللجوء إلى الأسر والاعتقال إلا بعد هذا الإثخان، وأنه بعد الأسر والاعتقال يجوز للمسلمين المنّ أو الفداء، على خلافات بين الفقهاء سنراها في الفوائد. كما بيّن لنا تعالى حكمة عدم انتصاره المباشر من الكافرين أحيانا، وذلك من أجل أن يختبر إيمان المؤمنين هل يجاهدون في سبيله أم لا؟، وبيّن لنا بماذا يكافئ من يقتل في سبيله من هداية إلى الجنة، وإصلاح بال، فلا يقلقون على شئ في البرزخ، أو يوم القيامة، كما يدخلهم الجنة وقد طيبها لهم.
стр. 5046
فالمقدمة إذن ذكرت خصائص الفريقين، وذكرت فرضية القتال على المؤمنين، وإذ كان هذا القتال ينبغي أن يكون خالصا لوجه الله، وفي سبيله، فليقاتل المسلمون، وليطمئنوا إلى نصر الله، ومن ثم بدأ المقطع الأول بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ.
٢ - قلنا إنّ من امتدادات محور السورة في سورة البقرة قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ* وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ.
لقد فسّرت آيات سورة القتال كثيرا من أوامر القتال في سورة البقرة فبينت أن الفتنة هي الصدّ عن سبيل الله، وبيّنت كيف ينبغي أن نقاتل، فعرّفتنا أن علينا أن نثخن أولا في الأرض. وإذا صح ربطنا بين سورة القتال وآيات القتال الأولى في سورة البقرة، فهذا يرجح التفسير الذي يفسّر قوله تعالى وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا بأنّ كلّ الكافرين مقاتلون وعلينا أن نقاتلهم، وأنّ الاعتداء في الآية لا يراد به البدء في القتال، وإنما يراد به تجاوز ما شرعه الله في القتال.
الفوائد [حول آيات المقدمة]:
١ - [كلام ابن كثير حول الآية (٤) وحديث عن الجهاد والأسارى]
بمناسبة قوله تعالى فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها قال ابن كثير: (والظاهر أن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر؛ فإن الله عاتب المؤمنين على الاستكثار من الأسارى يومئذ ليأخذوا منهم الفداء، والتقليل من القتل يومئذ فقال ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ثم قد ادعى بعض العلماء أن هذه الآية المخيّرة بين مفاداة الأسير والمنّ عليه منسوخة بقوله تعالى فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ الآية، رواه العوفي عن ابن عباس ﵄، وقال قتادة والضحاك والسدي وابن جريج وآخرون وهم الأكثرون: ليست بمنسوخة، ثم قال بعضهم: إنما الإمام مخيّر بين المنّ على الأسير، ومفاداته فقط، ولا يجوز له قتله وقال آخرون منهم:
стр. 5047
بل له أن يقتله إن شاء لحديث: قتل النبي ﷺ النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط من أسارى بدر وقال ثمامة بن أثال لرسول الله ﷺ حين قال له: «ما عندك يا ثمامة؟» فقال: إن تقتل تقتل ذا دم وإن تمنن تمنن على شاكر، وإن كنت تريد المال فاسأل وتعط منه ما شئت. وزاد الشافعي رحمة الله عليه فقال: الإمام مخيّر بين قتله أو المن عليه أو مفاداته أو استرقاقه أيضا، وهذه المسألة محررة في علم الفروع. وقوله حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها قال مجاهد: حتى ينزل عيسى ابن مريم ﵊، وكأنه أخذه من قوله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يقاتل آخرهم الدجال». وروى الإمام أحمد عن جبير بن نفير قال: إن سلمة بن نفيل أخبرهم أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: إني سيبت الخيل، وألقيت السلاح، ووضعت الحرب أوزارها، وقلت لا قتال، فقال له النبي ﷺ «الآن جاء القتال لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس يزيغ الله تعالى قلوب أقوام فيقاتلونهم ويرزقهم الله منهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، ألا إن عقد دار المؤمنين بالشام والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» وهكذا رواه النسائي من طريقين عن جبير بن نفير عن سلمة بن نفيل السكوني به وروى أبو القاسم البغوي عن النواس بن سمعان ﵁ قال: لما فتح على رسول الله ﷺ فتح فقالوا: يا رسول الله سيبت الخيل، ووضعت السلاح، ووضعت الحرب أوزارها قالوا: لا قتال، قال: «كذبوا الآن جاء القتال لا يزال الله تعالى يزيغ قلوب قوم يقاتلونهم فيرزقهم منهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، وعقد دار المسلمين بالشام» وهكذا رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن داود بن رشيد به، والمحفوظ أنه من رواية سلمة بن نفيل كما تقدم، وهذا يقوي القول بعدم النسخ كأنه شرع هذا الحكم في الحرب إلى أن لا يبقى حرب وقال قتادة: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها حتى لا يبقى شرك، وهذا قوله تعالى وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ثم قال بعضهم: حتى تضع الحرب أوزارها أي أوزار المحاربين، وهم المشركون، بأن يتوبوا إلى الله ، وقيل أوزار أهلها بأن يبذلوا الوسع في طاعة الله تعالى).
وبمناسبة قوله تعالى: إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ. قال صاحب الظلال: (والإثخان: شدة التقتيل، حتى تتحطم قوة العدو وتتهاوى، فلا تعود به قدرة على هجوم أو دفاع. وعندئذ- لا قبله- يؤسر من استأسر ويشد وثاقه. فأما والعدو ما يزال قويا فالإثخان والتقتيل يكون الهدف لتحطيم ذلك الخطر.
стр. 5048
وعلى هذا لا يكون هناك اختلاف- كما رأى معظم المفسرين- بين مدلول هذه الآية، وبين مدلول آية الأنفال التي عاتب الله فيها الرسول ﷺ والمسلمين لاستكثارهم من الأسرى في غزوة بدر. والتقتيل كان أولى. وذلك حيث يقول تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ، تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.
فالإثخان أولا لتحطيم قوة العدو وكسر شوكته؛ وبعد ذلك يكون الأسر. والحكمة ظاهرة؛ لأن إزالة القوة المعتدية المعادية للإسلام هي الهدف الأول من القتال. وبخاصة حين كانت القوة العددية للأمة المسلمة قليلة محدودة. وكانت الكثرة للمشركين. وكان قتل محارب يساوي شيئا كبيرا في ميزان القوى حينذاك. والحكم ما يزال ساريا في عمومه في كل زمان بالصورة التي تكفل تحطيم قوة العدو، وتعجيزه عن الهجوم والدفاع).
[٢، ٣ - كلام ابن كثير عن جزاء الشهيد عند الله ومنزلته في الجنة]
٢ - بمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ قال ابن كثير: (أي لن يذهبها؛ بل يكثرها وينميها ويضاعفها، ومنهم من يجري عليه عمله طول برزخه، كما ورد بذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده عن كثير بن مرة عن قيس الجذامي- رجل كانت له صحبة- قال: قال رسول الله ﷺ : «يعطى الشهيد ست خصال. عند أول قطرة من دمه تكفّر عنه كل خطيئة، ويرى مقعده من الجنة، ويزوج من الحور العين، ويأمن من الفزع الأكبر، ومن عذاب القبر، ويحلى حلة الإيمان» تفرد به أحمد ﵀.
(حديث آخر) روى أحمد أيضا عن المقدام بن معد يكرب الكندي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن للشهيد عند الله ست خصال: أن يغفر له في أول دفقة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار مرصّع بالدر والياقوت، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه» وقد أخرجه الترمذي وصححه وابن ماجه. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يغفر للشهيد كل شئ إلا الدين» وروى من حديث جماعة من الصحابة ﵃، وقال أبو الدرداء ﵁: قال رسول الله ﷺ : «يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته» ورواه أبو داود، والأحاديث في فضل
стр. 5049
الشهيد كثيرة جدا).
٣ - وبمناسبة قوله تعالى عن الشهداء: سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ* وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ قال ابن كثير: (أي عرفهم بها وهداهم إليها قال مجاهد: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم، وحيث قسم الله لهم منها لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا لا يستدلون عليها أحدا، وروى مالك عن زيد بن أسلم نحو هذا، وقال محمد بن كعب: يعرفون بيوتهم إذا دخلوا الجنة كما تعرفون بيوتكم إذا انصرفتم من الجمعة. وقال مقاتل بن حيان: بلغنا أن الملك الذي كان وكلّ بحفظه عمله في الدنيا يمشي بين يديه في الجنة، ويتبعه ابن آدم حتى يأتي أقصى منزل هو له فيعرفه كل شئ أعطاه الله تعالى في الجنة، فإذا انتهى إلى أقصى منزلة في الجنة دخل إلى منزله وأزواجه وانصرف الملك عنه، ذكره ابن أبي حاتم ﵀. وقد ورد الحديث الصحيح بذلك أيضا رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله صلّى الله عليه
وسلم قال: «إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار يتقاضون مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، والذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزلة الذي كان في الدنيا»).
*** المقطع الأول ويمتد من الآية (٧) إلى نهاية الآية (٣٢) وهذا هو:
٤٧/ ٧ - ١١
стр. 5050
٤٧/ ١٢ - ٢٠
стр. 5051
٤٧/ ٢١ - ٣٢
التفسير:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ أي: دينه ورسوله ﷺ يَنْصُرْكُمْ أي: على عدوكم ويفتح لكم وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ أي: في مواطن الحرب، أو على محجة الإسلام
وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ التعس: العثور أي فعثورا لهم وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ أي: أحبطها وأضلها
ذلِكَ أي: التعس والضلال للكافرين بِأَنَّهُمْ
стр. 5052
كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ أي: بسبب كراهتهم القرآن قال ابن كثير: أي لا يريدونه ولا يحبونه فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ أي: أبطلها فلم يقبلها
أَفَلَمْ يَسِيرُوا أي: أفلم يسر هؤلاء الكفار فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الكافرين دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي: أهلكهم هلاك استئصال أي عاقبهم بتكذيبهم وكفرهم ونجّى المؤمنين من بين أظهرهم وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها أي: أمثال تلك الهلكة
ذلِكَ أي: نصر المؤمنين وسوء عاقبة الكافرين بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا أي: وليّهم وناصرهم وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ أي لا ناصر لهم قال النسفي: فإن الله تعالى مولى العباد جميعا من جهة الاختراع، ومالك التصرف فيهم، ومولى المؤمنين خاصة من جهة النصرة ..
كلمة في السياق: [حول علاقة ما مر من السورة بالمحور]
بيّن الله للمؤمنين أنّه ينصرهم إن نصروه، وبين ماذا يستحق منه الكافرون وسبب استحقاقهم، ثم لفت نظر الكافرين إلى انتقامه من الأمم السابقة، وذلك نوع من أنواع النصر للمؤمنين، وعلّل لذلك بأن سبب ما ينزل بالكافرين هو ولايته للمؤمنين، وأن الكافرين لا مولى لهم. وبعد أن بيّن الله هذا النوع من أنواع النصرة للمؤمنين يحدّثنا الآن عن نوع آخر.
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ جزاء على إيمانهم وعملهم الصالح وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ أي: يتمتعون بمتاع الحياة الدنيا أياما قلائل وَيَأْكُلُونَ غافلين غير متفكرين في العاقبة كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ في معالفها ومسارحها غافلة عما هي بصدده من النّحر والذّبح وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ أي منزلهم ومقامهم يوم القيامة جزاء على أن لم يكن لهم همة إلا في متاع الدنيا، وطعامها وشرابها، ليس لهم همة إلا في ذلك وأمثاله
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أي:
وكم من قرية، أي وكثير من القرى هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أي:
مكة، وأي وكم من قرية أشد قوة من قومك الذين أخرجوك أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ أي: فلم يكن لهم من ينصرهم ويدفع العذاب عنهم. قال ابن كثير: (وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد لأهل مكة في تكذيبهم لرسول الله ﷺ ، وهو سيد الرسل،
стр. 5053
وخاتم الأنبياء، فإذا كان الله قد أهلك الأمم الذين كذّبوا الرسل قبله بسببهم، وقد كانوا أشدّ قوة من هؤلاء، فما ظن هؤلاء أن يفعل الله بهم في الدنيا والأخرى؟
فإن رفع عن كثير منهم العقوبة في الدنيا لبركة وجود الرسول نبي الرحمة، فإن العذاب يوفّر على الكافرين به في معادهم) وفي ختم الآية يقول تعالى فَلا ناصِرَ لَهُمْ دليل على ما قلناه أن السياق يعرض علينا نماذج من نصر الله لأنبيائه وأوليائه، ثم قال تعالى
أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ قال ابن كثير: أي على بصيرة ويقين في أمر الله ودينه، بما أنزل الله في كتابه من الهدى والعلم، وبما جبله الله عليه من الفطرة المستقيمة كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ من كفر وصدّ عن سبيل الله وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ أي: ليس هؤلاء كهؤلاء، فليس المؤمن العامل كالكافر الفاجر العامل السوء المتّبع الهوى
مَثَلُ الْجَنَّةِ أي: صفتها العجيبة الشأن الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ أي: غير متغيّر اللون والريح والطعم وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ كما تتغيّر ألبان الدنيا إلى الحموضة وغيرها قال ابن كثير: بل في غاية البياض والحلاوة والدسومة وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ أي: لذيذ لِلشَّارِبِينَ قال ابن كثير: أي: ليست كريهة الطعم والرائحة كخمر الدنيا، بل حسنة المنظر والطعم والرائحة والفعل. قال النسفي:
وما هو إلا التلذذ الخالص ليس معه ذهاب عقل، ولا خمار ولا صداع، ولا آفة من آفات الخمر وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى أي: وهو في غاية الصفاء، وحسن اللون والطعم والريح، لم يخرج من بطون النحل فيخالطه الشمع وغيره وَلَهُمْ فِيها أي:
في الجنة مع هذا كله مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ هذا مثل الجنة وأهلها فهل هذا كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ قال ابن كثير: أي أهؤلاء الذين ذكرنا منزلتهم في الجنة كمن هو خالد في النار؟ ليس هؤلاء كهؤلاء، وليس من هو في الدرجات كمن هو في الدركات وَسُقُوا ماءً حَمِيماً أي: حارا شديد الحر لا يستطاع فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ أي: قطع ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء عياذا بالله تعالى من ذلك.
كلمة في السياق:
١ - مرّ معنا أكثر من نموذج على أنواع النصر للمؤمنين في الدنيا والآخرة، وأكثر من نموذج على خسران الكافرين في الدنيا والآخرة، فهناك النصر باستئصال الكافرين،
стр. 5054
والنصر بإدخال الكافرين النار، هذا مع إنجاء المؤمنين، وإدخالهم الجنة، وهذا كله مع نصرة الله إياهم إن قاتلوا أعداءه.
٢ - وصف الكافرون فيما مرّ من السورة بأنهم متبعو الهوى، سيّئوا العمل، لا همّ لهم إلا متاع الدنيا، وأكل الشهوات، وهم مع هذا كارهون للقرآن، متّبعون للباطل، صادّون عن سبيل الله، كافرون، وفي ذلك كله تفصيل لمعنى الفسوق، وتفصيل لقوله تعالى في المحور: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ والسورة في سياقها الرئيسى تفصّل في هذا الشأن، ولكنها خلال ذلك تؤدي خدمات أخرى، إذ تبيّن أن هؤلاء يجب أن يقاتلوا، وأنّ عاقبتهم الخذلان والخسران، وأن النّصر في القتال لأهل الإيمان، كما أن النصر في الدنيا والآخرة لهم.
٣ - في دعوة الله الكافرين للسير في الأرض، والنظر في عاقبة المكذبين السابقين دعوة لأن يعلموا أنهم مغلوبون؛ لأن ذلك جاء في أثر وعد الله المؤمنين بالنصر.
٤ - وبعد ما مرّ يحدثنا الله عن صنف من الكافرين هم المنافقون، ثم يحدّثنا عن نوع آخر من أنواع نصرة المؤمنين، وتثبيتهم في زيادتهم الهدى، وإعطائهم التقوى.
وَمِنْهُمْ أي: ومن الناس، أو من الكافرين مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ممن يحضر مجلسك، ويسمع قولك حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ من الصحابة ماذا قالَ آنِفاً أي: ماذا قال الساعة؟ أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فلا يعقلون، ولا يفهمون وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ فلا فهم صحيح، ولا قصد صحيح، وليس لهم مقصد إلّا اتباع الهوى.
كلمة في السياق:
١ - ما صلة هذه الآية بسياق السورة؟ هل لأن السورة تحدثنا عن الفاسقين، جاء ذكر هؤلاء المنافقين في سياقها، لأنهم نوع من الفاسقين، أم لأن السورة تحدثنا عمن استحقوا أن يقاتلوا، فجاءت الآية تذكّرنا أن هؤلاء ممن يستحقون القتال؟ الظاهر أن ذلك كله مراد.
стр. 5055
٢ - يلاحظ أن السورة تتحدث عن المؤمنين والكافرين بشكل متناوب، وقد حدثتنا الآية عن نوع من الكافرين هم المنافقون، ويعقب ذلك الآن حديث عن المؤمنين.
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا إلى الله بسلوك الطريق المؤدي إلى ذلك زادَهُمْ هُدىً أي: زادهم الله هدى كرما منه، أي زادهم بصيرة وعلما، أو زادهم انشراح صدر وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ أي: أعانهم عليها وحقّقهم بها.
كلمة في السياق: [حول تعميق فهم موضوع الإيمان والفسوق]
بدأ المقطع بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ وقد رأينا نماذج من نصرة الله للمؤمنين، وقد حدّثنا الله في الآية المارّة عن نموذج من النصر، وهو تثبيت الإيمان الذي يعطيه الله لمن اهتدى فالآيتان الأخيرتان تعمّقان فهم موضوع الإيمان والفسوق، وتعمّقان فهم موضوع الصراع بين أهل الإيمان والفسوق، وتبينان عمق الهوة بين الطرفين. ثمّ يذكّر الله الكافرين والمنافقين بالساعة:
فَهَلْ يَنْظُرُونَ: أي فهل ينتظرون إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً أي: فهل ينتظرون إلا إتيان الساعة فجأة وهم غافلون عنها فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها أي:
علاماتها، أي أمارات اقترابها، ومن جملة ذلك مبعث رسول الله ﷺ وفي الفوائد تتمة الكلام عن هذا المقام فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ قال ابن كثير: (أي: فكيف للكافرين بالتذكر إذا جاءتهم القيامة حيث لا ينفعهم ذلك).
كلمة في السياق: [حول تلخيص أفكار الآيات السابقة]
بدأ المقطع بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ، ثم بيّن المقطع نماذج من نصرة الله أولياءه، وتثبيتهم، وذكّر الكافرين
стр. 5056
والمنافقين- أي الفاسقين جميعا- ووعظهم، والآن يتوجّه الخطاب للقائد المكلّف بالقتال.
فَاعْلَمْ أَنَّهُ أي: أن الشأن لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ قال النسفي: والمعنى: فاثبت على ما أنت عليه من العلم بوحدانية الله، وعلى التواضع وهضم النفس، باستغفار ذنبك وذنوب من على دينك وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ في معايشكم ومتاجركم وَمَثْواكُمْ أي: ويعلم حيث تستقرون في منازلكم، أو متقلّبكم في حياتكم ومثواكم في القبور، أو متقلّبكم في أعمالكم ومثواكم في الجنة والنار، ومثله حقيق بأن يتقى ويخشى وأن يستغفر، واختار ابن كثير القول الأول قال: أي: يعلم تصرّفكم في نهاركم ومستقركم في ليلكم.
كلمة في السياق: [في أن التوحيد والاستغفار من شروط النصر]
من السياق نعرف أن التوحيد الخالص والاستغفار للنفس وللمؤمنين هما من شروط النصر، ومن أدب المسلم المجاهد، وبدونهما لا يكون جهاد في سبيل الله، إذ لا جهاد تحت راية التوحيد ولا جهاد إلا إلا بجماعة، ولا جماعة إلا برحمة، ومن مظاهر الرحمة الاستغفار لبعضنا بعضا، ثم إن الأمر بالاستغفار في هذا السياق فيه إشعار بأن الذنب معوّق عن النّصر، فبقدر ما يوجد توحيد واستغفار يكون نصر الله قريبا، ثم يحدثنا الله عن طائفة تتحمّس للقتال حتى إذا افترض جبنت عنه.
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فيها ذكر الجهاد فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ أي: مبيّنة غير متشابهة لا تحتمل وجها إلا وجوب القتال، أي مشتملة على حكم القتال بدليل ما يأتي وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ أي: أمر فيها بالجهاد رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي: نفاق يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ من فزعهم ورعبهم، وجبنهم من لقاء الأعداء، أي تشخص أبصارهم جبنا وجزعا كما ينظر من أصابته الغشية عند الموت قال تعالى مشجّعا لهم ومرشدا فَأَوْلى لَهُمْ* طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ قال ابن كثير: أي وكان الأولى بهم أن يسمعوا ويطيعوا، أي في الحالة الراهنة فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ أي: جدّ الحال وحضر القتال فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ في
стр. 5057
الإيمان والطاعة، وإخلاص النيّة لَكانَ الصدق خَيْراً لَهُمْ عند الله من كراهة الجهاد وتركه.
كلمة في السياق: [حول علامات النفاق وآداب القتال]
دلّنا النص على أن من علامات النفاق خوف الجهاد، والرغبة عنه، والفرار من تكاليفه، كما دلّنا على أن أدب المسلم استقبال الأمر بالجهاد بالطاعة والكلمة المستقيمة، ثم بالمزاولة العملية له إذا جاء حينه، مع الصدق مع الله في ذلك، وهكذا عرفنا من سياق السورة: أن قتال أعداء الله واجب، وعرفنا علّة ذلك وحكمته، وعرفنا أن الله ناصرنا إن نصرناه، وعرفنا أن من آداب القتال: الإثخان، وإخلاص النية لله، والتوحيد الخالص، والاستغفار، وتلقي أمر القتال بالطاعة، والكلمة الطيبة، والصدق مع الله إذا جاء، وكل ذلك عرفناه من خلال عرض خصائص الإيمان، ومواصفات الفسوق، ومن السياق عرفنا أن وجود كفر وإيمان يقتضي قتالا، ومن ثم فرضه الله، ثم تأتي آيتان تبينان ماذا يعني ترك القتال؟ وما عقوبة ذلك؟ ثمّ تأتي آية تحضّ على تدبّر القرآن، ممّا يفهم منه أن تدبّر القرآن هو الطريق لوجود المقاتل:
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ قال ابن كثير: أي: عن الجهاد ونكلتم عنه أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ قال ابن كثير: (أي أن تعودوا إلى ما كنتم فيه من الجاهلية الجهلاء، تسفكون الدماء، وتقطّعون الأرحام).
أُولئِكَ أي:
الذين يفعلون هذا الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ أي: أبعدهم من رحمته فَأَصَمَّهُمْ عن استماع الموعظة وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ عن إبصارهم طريق الهدى
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ فيعقلون أحكامه وحكمها فيفهمون ويعملون أَمْ أي: بل عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها قال النسفي: وهي أقفال الكفر التي استغلقت فلا تتفتح نحو الدين، والختم هو الطبع. قال ابن كثير: أي بل على قلوب أقفالها، فهي مطبقة لا يخلص إليها شئ من معانيه.
стр. 5058
كلمة في السياق: [حول مهمة الجهاد وعلاقة الآيات بمحور السورة]
١ - دلّت هذه الآيات على أن ترك الجهاد يؤدي إلى أن يصبح المسلمون مفسدين في الأرض، مقطّعين لأرحامهم، وأنهم يستحقون بذلك إثم المفسدين القاطعين، من لعنة وعمى قلب، وأن ذلك سببه عدم التدبّر في كتاب الله، والأقفال على القلوب.
٢ - رأينا أن محور السورة هو قوله تعالى وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وقد رأينا في الآيات الأخيرة أن ترك الجهاد يصل بنا إلى أن نكون من هؤلاء، وأن علة ذلك إن كان هو عدم تدبّر كتاب الله، أو وجود الأقفال على القلوب. ثمّ يأتي في السورة كلام عن المرتدين، وعلّة ردّتهم مما يشير إلى أنّ الردّة أثر من آثار ترك الجهاد، كما يشير إلى نوع آخر من أنواع الفسوق، ويعطينا صورة من صور نقض الميثاق الوارد ذكره في محور السورة الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ.
إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ أي: من الإسلام إلى الجاهلية. قال ابن كثير:
أي فارقوا ورجعوا إلى الكفر مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى أي: من بعد ما اتّضح الحق لهم وهو الإسلام الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ أي: زيّن لهم ذلك وحسّنه وَأَمْلى لَهُمْ أي: مدّ لهم في الآمال والأماني فغرّهم وخدعهم
ذلِكَ أي: سبب ردّتهم بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ أي: قالوا للكافرين الصادّين عن سبيل الله سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ فبقولهم هذا حكم الله عليهم بالردة، فكيف بمن قال لأئمة الكفر والضلال في عصرنا سنطيعكم في الأمر؟ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ أي: ما يسرونه وما يخفونه، فالله مطّلع عليه وعالم به
فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ أي: كيف حالهم وماذا يعملون وما حيلتهم إذا جاءتهم الملائكة لقبض أرواحهم، وتعاصت الأرواح في أجسادهم، واستخرجتها الملائكة بالعنف والقهر والضرب
ذلِكَ أي: الإهانة والتعذيب لهم عند قبض أرواحهم بِأَنَّهُمُ أي: بسبب أنهم اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ في طاعة الكافرين وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ في السير في طاعة الله وموالاة المؤمنين فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ أي: أبطلها فلم يقبلها ولم تنفعهم بعد أن ارتدوا.
стр. 5059
كلمة في السياق:
١ - [السورة تفصل في آيات القتال من سورة البقرة]
في آيات القتال الثانية في سورة البقرة والتي تبدأ بقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ يرد قوله تعالى وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وهاهنا يرد ذكر الردة وحبوط العمل إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا ... فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ مما يشير إلى أن من امتدادات معاني المحور آيات القتال الثانية، وأن سورة القتال تفصّل في ذلك كله:
٢ - [الآيات تعطينا نموذجا على مضمون من مضامين الفسوق في المجتمع]
جاءت هذه الآيات بعد آيات الإعراض عن الجهاد الذي بسببه يترتب فساد في الأرض وتقطيع أرحام، فأخذنا بذلك نموذجا على مضمون من مضامين الفسوق في المجتمع الإسلامي وعلله: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ كهؤلاء المرتدين. وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ كهؤلاء الذين والوا الكافرين في الإفساد في الأرض.
٣ - [طاعة الكافرين باب من أبواب الردة]
بدأ المقطع بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ* ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ.
جاءت بداية المقطع هذه في سياق أمر الله المؤمنين بالقتال، مما يشير إلى أن الأصل هو القتال بين أولياء الله وأعدائه، والآيات الأخيرة تعرض لنا نموذجا حكم الله على أصحابه بالردة لأنهم قلبوا الأمر، فبدلا من أن يجاهدوا أعداء الله فقد أعطوهم الطاعة، لاحظ أنه قد ورد في بداية المقطع قوله تعالى تعليلا لتعس الكافرين ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ وفي الآيات الأخيرة ذكر الله سبب الردة فقال ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ أي: للذين ذكرهم الله في بداية المقطع سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وهذا باب من أبواب الردة، ولجه الكثيرون في عصرنا- كما ذكرنا ذلك في مقدمة كتابنا جند الله ثقافة وأخلاقا- فأعطوا الطاعة لأنواع من الكافرين.
٤ - [صلة الآيات بسياق السورة القريب وبسياق المقطع]
بناء على ما مرّ نستطيع أن نحدّد صلة الآيات الأخيرة بسياق السورة القريب وسياق المقطع فنقول: كأثر عن ترك الجهاد تنشأ قطيعة الأرحام، والإفساد في الأرض، وتقوم الردة. إذ ما لم تكن حركة ضد أعداء الله، فسيتحرك أعداء الله ليفتنوا المسلمين: وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا هذه
стр. 5060
صلة الآيات بسياق السورة القريب.
وأما صلتها بسياق المقطع، فإنها تتحدث عن وضع معكوس لا يجوز، فبدلا من أن ينصر المسلم الله بمعاداة من يكره تنزيله، نجد مسلمين يطيعون من يكره تنزيل الله ويوالونهم، كهؤلاء المرتدين.
٥ - [الأمراض الخمسة التي تنشأ في المجتمع الإسلامي وأسبابها]
وبما ذكر في الآيات الأخيرة يكون المقطع قد أشار إلى خمسة أمراض تنشأ في المجتمع الإسلامي وعلّل لوجود كل:
١ - عدم الفقه للحق وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ... ٢ - عدم التجاوب مع الجهاد رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ .... ٣، ٤ - قطيعة الرحم، والإفساد في الأرض كأثر عن ترك الجهاد ٥ - إعطاء الطاعة للكافرين، وكل ذلك أثر عن أمراض القلب. ومن ثمّ تحدثنا الآيتان اللاحقتان عن مرضى القلوب وعن سنّة الله في كشف أضغانهم وطريق ذلك.
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي: نفاق أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ أي: أحقادهم قال النسفي: والمعنى: أظنّ المنافقون أن الله تعالى لا يبرز بغضهم وعداوتهم للمؤمنين؟ وقال ابن كثير: (أي أيعتقد المنافقون أن الله لا يكشف أمرهم لعبادة المؤمنين؟ بل سيوضّح أمرهم ويجلّيه حتى يفهمهم ذوو البصائر، وقد أنزل الله تعالى في ذلك سورة براءة، فبيّن فيها فضائحهم، وما يعتمدون من الأفعال الدالة على نفاقهم، ولهذا كانت تسمّى الفاضحة، والأضغان: جمع ضغن وهو ما في النفوس من الحسد والحقد للإسلام وأهله، والقائمين بنصره،
ثمّ بيّن الله طريق كشف المنافقين، وهو إما سيماهم، وإما لحن قولهم وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ أي: ولو نشاء لعرّفناكهم ودللناك عليهم فلعرفتهم كشفا بعلاماتهم التي تظهر على سيما وجوههم كأثر من انعكاس ظلام قلوبهم وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ أي: في نحوه وأسلوبه من فحوى كلامهم، لأنهم لا يقدرون على كتمان ما في أنفسهم. قال ابن كثير: (أي فيما يبدو من كلامهم الدالّ على مقاصدهم، يفهم المتكلم من أي الحزبين هو بمعاني كلامه وفحواه، وهو المراد من لحن القول). أقول: لعل المراد بلحن القول فلتات اللسان، فالإنسان يحرص أن يكون كلامه فصيحا فيخطئ ويلحن، وهؤلاء يحرصون على أن لا تعبر ألسنتهم في قلوبهم فيخطئون، فيظهر على ألسنتهم خلاف ما يريدون مما يؤدي إلى انكشافهم، وقد علّق الله عزّ وجل
стр. 5061
كشفهم بسيماهم على مشيئته، ولكنه جزم بتعريفهم من خلال فلتات ألسنتهم، ومن ثم فإن الطريق المؤكّد لمعرفة النفاق هو فلتات الألسن.
كلمة في السياق: [عن طريقة كشف أحقاد المنافقين من خلال كلامهم ومواقفهم]
جاء الكلام عن سنة الله في كشف أحقاد المنافقين، وعن طريق ذلك بعد أن ذكر لنا أربعة نماذج من كلامهم ومواقفهم:
ا- قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً سخرية وانصراف قلب أثناء كلام النبي.
ب- وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ.
ج- فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ.
د- ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ.
فالمنافق يدل عليه كلامه إذا حضر جلسة وعظ، ويدل عليه كلامه إذا صدر أمر بجهاد، ويدل عليه تركه للجهاد، وإفساده في الأرض، وقطيعة رحمه، ويدل عليه إعطاؤه الطاعة للكافرين، فمجيء الآيتين الأخيرتين كان بعد أن ذكر الله نماذج من لحن القول الذي به نعرف المنافقين. ثمّ تأتي آية تعرّفنا بنصّها على المؤمن الصادق، وتعرفنا بمفهومها على المنافق، هذه الآية تذكر أن الله يبتلي المسلمين بمواقف ومعان فيظهر كأثر عن ذلك المجاهد الصابر والمنافق الفاجر:
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ قال النسفي: بالقتال إعلاما لا استعلاما، أو نعاملكم معاملة المختبر ليكون أبلغ في إظهار العدل حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ على الجهاد وآثاره ولأوائه وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ قال النسفي: أي: أسراركم قال ابن كثير: وليس في تقدم علم الله تعالى بما هو كائن أنه سيكون شك ولا ريب، فالمراد حتى نعلم وقوعه ولهذا يقول ابن عباس ﵁ في مثل هذا: إلا لنعلم، أي لنرى.
كلمة في السياق: [حول صلتها بالسياق القريب والعام للسورة وبالمقطع]
١ - بينت هذه الآية طريقا يكشف الله به المنافقين، وهو الاختبارات
стр. 5062
والابتلاءات التي يمحص بها الصف الإسلامي فيتميز بها المجاهد الصابر عن غيره، نسأل الله أن يجعلنا من أهل طاعته، ومن هذا المعنى نعرف صلة الآية بسياق السورة القريب.
٢ - وأما صلتها بمقطعها فقد بدأ المقطع بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ فالمقطع بدأ بوعد الله بالنصر لمن نصره، وفي هذه الآية يبين الله تعالى أن من سنته ابتلاء المؤمنين وامتحانهم ليتميّز المؤمن المجاهد الصابر، وفي ذلك تعليل لما يحدث أحيانا من إبطاء النصر أو من تسليط العدو.
٣ - وأما صلة الآية بسياق السورة فإن الله بعد أن ذكر في مقدمة السورة فريضة القتال قال وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وهذه الآية جاءت لتبين حكمة الابتلاء، وهي أن يظهر الله من هو المؤمن المجاهد الصادق في الظاهر والباطن.
٤ - في قوله تعالى وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ معنى أبعد مما ذكرناه ونقلناه عن النّسفي في تفسيره الأخبار بالأسرار، فالأخبار فيها معنى الأحاديث التي هي أثر عن عمل، ففيها إشارة إلى أن من حكم الابتلاء إخراج القدوة، وعلى هذا فحكمة الاختبار إظهار المجاهد المؤمن الصابر القدوة.
٥ - من نظرة شاملة نلقيها على مجموع السور التي فصّلت محور سورة القتال، كالمائدة والرعد والأحزاب نجد أن هذه السور- وإن فصّلت محورا واحدا- فإن كلا منها فصّلته بشكل جديد.
٦ - بدأ المقطع بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ وقد ذكر الله بعد ذلك نماذج على هذا النصر: نصرته المؤمنين بإنجائهم وإهلاك عدوهم، ونصرة الله إيّاهم بإدخالهم الجنة، ونصرة الله إياهم بزيادة هدايتهم، وإعطائهم تقواهم، وفي الآيات الأخيرة رأينا مظهرا آخر من مظاهر النصر، وهو كشف الله لهم المنافقين، وتحقيقهم بصفات ترفعهم عند الله، وبعد هذا كله تأتي آية يختتم بها المقطع.
стр. 5063
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: عن دينه ودعوته وَشَاقُّوا الرَّسُولَ أي: عادوه وعاندوه مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى أي: من بعد ما ظهر لهم أنه الحق وعرفوا الرسول ﷺ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وإنما يضر من يفعل ذلك نفسه ويخسرها يوم معادها وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ أي: سيبطلها قال ابن كثير:
(فلا يثيبه على سالف ما تقدم من عمله الذي عقّبه بردته مثقال بعوضة من خير، بل يحبطه ويمحقه بالكلية، كما أن الحسنات يذهبن السيئات).
كلمة في السياق: [حول نوعي الكافرين ووجوب قتالهم هم والمرتدين]
- ظاهر من كلام ابن كثير أنه يعتبر الآية الأخيرة في المرتدين، وهذا واضح من مجئ الآية في سياق الكلام عن المرتدين، ومن قوله تعالى فيها مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى ومن ثم نفهم أنّ هناك نوعين من الكافرين: نوعا ذكرهم الله في بداية المقطع وهم الكفار الأصليون: وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ، ونوعا ذكرهم الله في نهاية المقطع وهم المرتدون: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ. ويلاحظ أن الأوّلين أضل أعمالهم، وأن الآخرين أحبط أعمالهم.
وفي قوله تعالى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً عن المرتدين وفي مجئ الكلام عنهم في سياق المقطع المبدوء بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ما يشير أن الله ناصر جنده على الكافرين والمرتدين بآن واحد.
- يلاحظ أن الله تحدث عن المرتدين بما تحدث به عن الكافرين الأصليين في أول السورة، فأول آية في السورة قال الله فيها: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ
سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ.
وهاهنا قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ.
ومن ثم نفهم أنه كما تجب محاربة الكافرين الذين ذكروا في أول السورة والإثخان فيهم، كذلك يجب قتال المرتدين؛ بل هم أولى لأنهم الأقرب. وبهذا انتهى المقطع
стр. 5064
الأول في السورة، مرتبطا أوله بآخره، ومرتبطا أوله وآخره بمقدمة السورة وقد رأينا ذلك وقد بقي معنا من السورة مقطع واحد هو بمثابة الخاتمة للسورة.
فوائد [حول آيات المقطع الأول وهي (٧ - ٣٢)]:
١ - [كلام ابن كثير حول آية .. وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ قال ابن كثير: (كقوله وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ فإن الجزاء من جنس العمل؛ ولهذا قال تعالى وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ كما جاء في الحديث «من بلّغ ذا سلطان حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله تعالى قدميه على الصراط يوم القيامة»).
٢ - [كلام ابن كثير عن تعاسة الكافرين بمناسبة آية وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ قال ابن كثير: (عكس تثبيت الأقدام للمؤمنين الناصرين لله تعالى ولرسول الله ﷺ ، وقد ثبت في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش» أي فلا شفاه الله »).
٣ - [كلام ابن كثير عن ولاية الله للمؤمنين بمناسبة آية ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا .. ]
بمناسبة قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ قال ابن كثير: (ولهذا لما قام أبو سفيان صخر بن حرب رئيس المشركين يوم أحد حين سأل عن النبي ﷺ وعن أبي بكر وعمر ﵄ فلم يجب وقال: أما هؤلاء فقد هلكوا، وأجابه عمر بن الخطاب ﵁ فقال: كذبت يا عدو الله، بل أبقى الله تعالى لك ما يسوؤك، وإن الذين عددت لأحياء، فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال، أما إنكم ستجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. ثم ذهب يرتجز ويقول* اعل هبل اعل هبل* فقال رسول الله ﷺ «ألا تجيبوه»، فقالوا:
يا رسول الله وما نقول؟ قال ﷺ قولوا «الله أعلى وأجل»، ثم قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال رسول الله ﷺ «ألا تجيبوه»؟ قالوا: وما نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا «الله مولانا ولا مولى لكم»).
٤ - [كلام ابن كثير عن نزع البركة من متاع الكافرين بمناسبة آية وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ قال ابن كثير: (أي في دنياهم يتمتعون بها ويأكلون منها كأكل الأنعام هضما
стр. 5065
وقضما، وليس لهم همة إلا في ذلك ولهذا ثبت في الصحيح «المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء»).
٥ - [كلام ابن كثير عن حب الرسول ﷺ لمكة بمناسبة آية وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ قال ابن كثير: (وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لما خرج من مكة إلى الغار، وأتاه فالتفت إلى مكة وقال «أنت أحب بلاد الله إلى الله، وأنت أحب بلاد الله إليّ، ولولا أن المشركين أخرجوني لم أخرج منك» فأعدى الأعداء من عدا على الله تعالى في حرمه، أو قتل غير قاتله، أو قتل بدخول الجاهلية فأنزل الله تعالى على نبيه ﷺ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ).
٦ - [كلام ابن كثير عما أعد الله للمؤمنين في الجنة بمناسبة آية مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ .. ]
عند قوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ .. قال ابن كثير: (قال عكرمة مَثَلُ الْجَنَّةِ أي: نعتها فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ قال ابن عباس ﵄ والحسن وقتادة: يعني غير متغير، وقال قتادة والضحاك وعطاء الخراساني غير متفق، والعرب تقول: أسن الماء، إذا تغير ريحه، وفي حديث مرفوع أو رده ابن أبي حاتم: غير آسن يعني الصافي الذي لا كدر فيه، وروى ابن أبي حاتم عن مسروق قال: قال عبد الله ﵁: أنهار الجنة تفجر من جبل من مسك وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ أي: بل في غاية البياض والحلاوة والدسومة وفي حديث مرفوع «لم يخرج من ضروع الماشية» وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ أي:
ليست كريهة الطعم والرائحة كخمر الدنيا، بل حسنة المنظر والطعم والرائحة والفعل لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وفي حديث مرفوع «لم يعصرها الرجال بأقدامهم» وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى أي: وهو في غاية الصفاء وحسن اللون والطعم والريح وفي حديث مرفوع «لم يخرج من بطون النحل» وروى الإمام أحمد عن حكيم بن معاوية عن أبيه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «في الجنة بحر اللبن، وبحر الماء، وبحر العسل، وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار منها بعد» ورواه الترمذي في صفة الجنة، وقال حسن صحيح.
وروى أبو بكر بن مردويه عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «هذه الأنهار تشخب من جنة عدن في جوبة، ثم تصدع بعد أنهارا»، وفي الصحيح: «إذا سألتم تعالى فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، ومنه
стр. 5066
تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن». وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني عن عاصم بن لقيط قال: إن لقيط بن عامر خرج وافدا إلى رسول الله ﷺ قلت يا رسول الله فعلى ما نطلع من الجنة؟ قال ﷺ «على أنهار عسل مصفى، وأنهار من خمر ما بها صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وماء غير آسن، وفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون وخير من مثله، وأزواج مطهرة» قلت يا رسول الله أو لنا فيها أزواج مصلحات؟ قال: «الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذونكم، غير أن لا توالد» وروى أبو بكر عبد الله بن أبي الدنيا عن أنس بن مالك ﵁ قال: لعلكم تظنون أن أنهار الجنة تجري في أخدود في الأرض، والله إنها لتجرى سائحة على وجه الأرض حافاتها قباب اللؤلؤ، وطينها المسك الأذفر. وقد رواه أبو بكر ابن مردويه مرفوعا. وقوله تعالى: وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كقوله يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ وقوله ﵎ فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ وقوله وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ أي: مع ذلك كله).
٧ - [كلام ابن كثير عن أشراط الساعة بمناسبة آية فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها قال ابن كثير: (أي أمارات اقترابها كقوله تبارك : هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى * أَزِفَتِ الْآزِفَةُ وكقوله جلت عظمته: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وكقوله ﵎: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ وقوله جل وعلا اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ فبعثة رسول الله ﷺ من أشراط الساعة، لأنه خاتم الرسل الذي أكمل الله تعالى به الدين، وأقام به الحجة على العالمين. وقد أخبر ﷺ بأمارات الساعة وأشراطها، وأبان عن ذلك وأوضحه بما لم يؤته نبي قبله كما هو مبسوط في موضعه. وقال الحسن البصري: بعثة محمد ﷺ من أشراط الساعة، وهو كما قال، ولهذا جاء في أسمائه ﷺ أنه نبي التوبة، ونبي الملحمة، والحاشر الذي يحشر الناس على قدميه، والعاقب الذي ليس بعده نبي. وروى البخاري عن سهل بن سعد ﵁ قال رأيت رسول الله ﷺ قال بأصبعيه هكذا بالوسطى والتي تليها: «بعثت أنا والساعة كهاتين»).
٨ - [كلام ابن كثير والنسفي عن الاستغفار بمناسبة آية فَاعْلَمْ أَنَّهُ .. وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ قال النسفي: (والمعنى فاثبت على ما أنت عليه من العلم بوحدانية الله، وعلى التواضع وهضم النفس باستغفار ذنبك وذنوب من على دينك، وفي شرح
стр. 5067
التأويلات جاز أن يكون له ذنب فأمره بالاستغفار، ولكننا لا نعلمه، غير أن ذنب الأنبياء ترك الأفضل دون مباشرة القبيح، وذنوبنا مباشرة القبائح من الصغائر والكبائر).
وقال ابن كثير: (وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ كان يقول «اللهم اغفر لي خطيئتي، وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي هزلي، وجدي، وخطئي، وعمدي، وكل ذلك عندي». وفي الصحيح أنه كان يقول في آخر الصلاة «اللهم اغفر لي ما قدّمت وما أخّرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت إلهي لا إله إلا أنت» وفي الصحيح أنه قال:
«يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فإني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» وروى الإمام أحمد عن عاصم الأحول قال: سمعت عبد الله بن سرخس قال: أتيت رسول الله ﷺ فأكلت معه من طعامه فقلت غفر الله لك يا رسول الله، فقال ﷺ «ولك» فقلت: أستغفر لك. فقال رسول الله ﷺ : «نعم ولكم» وقرأ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثم نظرت إلى بعض كتفه الأيمن- أو كتفه الأيسر شعبة الذي شك- فإذا هو كهيئة الجمع عليه الثآليل، ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن عاصم الأحول به، وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو يعلى عن أبي بكر الصديق ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار، فأكثروا منهما فإن إبليس قال: إنما أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء فهم يحسبون أنهم مهتدون» وفي الأثر المروي «قال إبليس: وعزّتك وجلالك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الله : وعزّتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني» والأحاديث في فضل الاستغفار كثيرة جدا»).
٩ - [كلام ابن كثير عن الإفساد في الأرض وقطع الأرحام بمناسبة الآيتين (٢٢، ٢٣)]
بمناسبة قوله تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ* أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ قال ابن كثير: (هذا نهي عن الإفساد في الأرض عموما، وعن قطع الأرحام خصوصا بل قد أمر الله تعالى بالإصلاح في الأرض، وصلة الأرحام هو الإحسان إلى الأقارب في المقال والأفعال وبذل الأموال، وقد وردت الأحاديث الصحاح والحسان بذلك عن رسول الله ﷺ من طرق عديدة ووجوه كثيرة، روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي
стр. 5068
صلّى الله عليه وسلم قال: «خلق الله تعالى الخلق، فلما فرغ منه قامت الرحم فأخذت بحقوي الرحمن فقال: مه فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة فقال تعالى: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك، قالت: بلى قال: فذاك لك» قال أبو هريرة ﵁: اقرءوا إن شئتم فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ ثم رواه البخاري من طريقين آخرين عن معاوية بن أبي مزرد قال: قال رسول الله ﷺ : «اقرءوا إن شئتم فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ. ورواه مسلم من حديث معاوية بن أبي مزرد به. وروى الإمام أحمد عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه
وسلم: «ما من ذنب أحرى أن يعجّل الله تعالى عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة: «من البغي وقطيعة الرحم» ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: هذا حديث صحيح.
وروى الإمام أحمد عن ثوبان ﵁ عن رسول الله ﵌ قال: «من سرّه النسأ في الأجل، والزيادة في الرزق فليصل رحمه» تفرد به أحمد وله شاهد في الصحيح. وروى أحمد أيضا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن لي ذوى أرحام: أصل ويقطعون، وأعفو ويظلمون، وأحسن ويسيئون، أفأكافئهم؟ قال ﷺ : «لا إذن تتركون جميعا، ولكن جد بالفضل، وصلهم فإنه لن يزال معك ظهير من الله ما كنت على ذلك». تفرد به أحمد من هذا الوجه وله شاهد من وجه آخر. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرحم معلقة بالعرش، وليس الواصل بالمكافئ؛ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها «رواه البخاري.
وروى أحمد عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «توضع الرحم يوم القيامة لها حجبة كحجبة المغزل تكلّم بلسان طلق ذلق فتقطع من قطعها، وتصل من وصلها». وروى الإمام أحمد عن عبد الله ابن عمرو ﵄ يبلغ به النبي ﷺ قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء. والرحم شجنة من الرحمن، من وصلها وصلته، ومن قطعها بتته» وقد رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح. وروى الإمام أحمد عن إبراهيم بن عبد الله بن فارض أن أباه حدثه أنه دخل على عبد الرحمن بن عوف ﵁ وهو مريض فقال له عبد الرحمن ﵁: وصلتك رحم، إنّ رسول الله ﷺ قال: «قال الله : أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي، فمن يصلها أصله ومن
стр. 5069
يقطعها فأبته- أو قال- من بتها أبته» تفرد به أحمد من هذا الوجه. ورواه أحمد أيضا من حديث الزهري ورواه أبو داود والترمذي من رواية أبي سلمة عن أبيه، والأحاديث في هذا كثيرة جدا. وروى الظهراني عن أبي عمر البصري عن سليمان قال: قال رسول الله ﷺ : «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» وبه قال رسول الله ﷺ : «إذا ظهر القول، وخزن العمل، وائتلفت الألسنة، وتباغضت القلوب، وقطع كل ذي رحم رحمه، فعند ذلك لعنهم الله وأصمهم وأعمى أبصارهم» والأحاديث في هذا كثيرة والله أعلم»).
١٠ - [كلام ابن كثير عن تدبر القرآن بمناسبة آية أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها قال ابن كثير: (روى ابن جرير عن هشام بن عروة عن أبيه ﵁ قال: تلا رسول الله ﷺ يوما: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها فقال شاب من أهل اليمن: بل عليها أقفالها حتى يكون الله تعالى يفتحها أو يفرجها، فما زال الشاب في نفس عمر ﵁ حتى ولي فاستعان به).
١١ - [كلام ابن كثير عن المنافقين وصفاتهم بمناسبة آية وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ .. ]
وبمناسبة قوله تعالى عن المنافقين: وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ قال ابن كثير: (أي فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم يفهم المتكلم من أي الحزبين هو بمعاني كلامه وفحواه، وهو المراد من لحن القول، كما قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه. وفي الحديث «ما أسر أحد سريرة إلا كساه الله تعالى جلبابها إن خيرا فخير وإن شرا فشر»: وقد ورد في الحديث تعيين جماعة من المنافقين. روى الإمام أحمد: عن أبي مسعود عقبة بن عمرو ﵁ قال:
خطبنا رسول الله ﷺ خطبة فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: «إن منكم منافقين، فمن سميت فليقم- ثم قال- قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان- حتى سمى ستة وثلاثين رجلا ثم قال- إن فيكم أو منكم- منافقين فاتقوا الله» قال: فمرّ عمر ﵁ برجل ممن سمى مقنع قد كان يعرفه فقال: ما لك؟ فحدثه بما قال رسول الله ﷺ فقال: بعدا لك سائر اليوم).
***
стр. 5070
المقطع الثاني ويمتد من الآية (٣٣) إلى نهاية الآية (٣٨) أي إلى نهاية السورة وهذا هو:
٤٧/ ٣٣ - ٣٨
التفسير:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ بطاعة كتابه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ بطاعة شخصه في حياته وطاعة سنته بعد وفاته ﵊ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ قال ابن كثير: أي بالردة، وقال النسفي: (بالنفاق والرياء) والسياق يدل لكلام ابن كثير، وإن كان النفاق والرياء مبطلين للعمل
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: عن دينه وشريعته ودعوته ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ لأنه تعالى لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ..
стр. 5071
كلمة في السياق: [حول عاقبة الموت على الكفر وتلخيص عام لأفكار السورة]
١ - بعد أن أمر الله المؤمنين بطاعة الله والرسول ﷺ وعدم إبطال العمل، بيّن عاقبة الموت على الكفر، والصدّ عن سبيل الله، بأنه لا يرافقه مغفرة أبدا فليحذر المسلم من الردة، وإذا ارتد فليتب، ومن ثم نعلم صلة الآيتين بما قبلهما مباشرة، فبعد أن تحدث الله عن الردة وأهلها، والنفاق وأهله، أمر الله بطاعة الله ورسوله، ونهى عن الردة، وبين عاقبة الموت على الكفر بأنه لا مغفرة معه، وذكر حبوط العمل من قبل.
٢ - بدأت السورة بذكر الكافرين والمؤمنين، ثم أمرت المؤمنين بقتال الكافرين ووعدتهم بالنصر. ثم سارت حتى جاء المقطع الثاني مبتدئا بالأمر بالطاعة لله والرسول، والنهي عن الردة فصار تلخيص السورة:
قاتلوا الكافرين، وانصروا الله، وأطيعوا الله ورسوله، ولا ترتدوا عن الإسلام، وكل ذلك له صلة بموضوع القتال، ومن ثم يأتي الآن بيان حول الحالة الوحيدة التي يجوز فيها الدعوة إلى السلم، وهذه الحالة الوحيدة جاءت في صيغة تبيّن أن الأصل هو القتال بين الصف المسلم والكافر.
فَلا تَهِنُوا أي: فلا تضعفوا ولا تذلوا للعدو قال ابن كثير: أي لا تضعفوا عن الأعداء وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ أي: المسالمة والصلح. قال ابن كثير: أي المهادنة والمسالمة ووضع القتال بينكم وبين الكفار في حال قوتكم، وكثرة عددكم وعددكم ولهذا قال فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ قال ابن كثير: أي في حال علوكم على عدوكم، فأما إذا كان الكفار فيهم قوة وكثرة بالنسبة إلى جميع المسلمين، ورأى الإمام في المهادنة والمعاهدة مصلحة، فله أن يفعل ذلك كما فعل رسول الله ﷺ حين صدّه كفار قريش عن مكة، ودعوه إلى الصلح، ووضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين، فأجابهم ﷺ إلى ذلك. قال الألوسي: (واستدل الكيّا بهذا النهي على منع مهادنة الكفار إلا عند الضرورة وعلى تحريم ترك الجهاد إلا عند العجز) ثم قال تعالى وَاللَّهُ مَعَكُمْ أي: بالنصرة قال ابن كثير: فيه بشارة عظيمة بالنصر والظفر على
стр. 5072
الأعداء وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ أي: ولن ينقصكم أجر أعمالكم قال ابن كثير: أي ولن يحبطها ويبطلها ويسلبكم إياها، بل يوفيكم ثوابها، ولا ينقصكم منها شيئا.
أقول: أي لن يفعل بكم ما يفعله بالمرتدين من إحباط العمل.
ثمّ يأتي كلام متعدد جوانب الاتصال في السورة، فمما يصرف عن القتال: الدنيا والاستغراق فيها؛ ولذلك يأتي حديث عنها، ومما يحتاجه القتال: الإنفاق؛ ولذلك يأتي حديث عنه، ومما له علاقة بالجهاد في سبيل الله: أن يحمل لواءه شعب؛ ومن ثم يأتي حديث عن ذلك.
إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ أي: حاصلها ذلك إلا ما كان منها لله فهي تنقضي في أسرع مدة، وفي ذلك تحقير لأمر الدنيا، وتهوين لشأنها، ومجئ هذا المعنى في هذا السياق يفيد النهي عن أن تكون الدنيا سببا في الكفر، أو في الردة، أو في ترك الجهاد. ثم قال تعالى وَإِنْ تُؤْمِنُوا بأركان الإيمان وَتَتَّقُوا الله بفعل الأمر وترك النهي يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ أي: ثواب إيمانكم وتقواكم وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ أي:
لا يسألكم إياها جميعا، بل غيضا من فيض قال ابن كثير: (أي هو غني عنكم لا يطلب منكم شيئا وإنما فرض عليكم الصدقات من الأموال مواساة لإخوانكم الفقراء؛ ليعود نفع ذلك عليكم، ويرجع ثوابه إليكم) ثمّ بيّن حكمة ذلك فقال
إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ أي: فيستأصلها بالمطالبة بها كلها تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ الله بذلك أو البخل أَضْغانَكُمْ أي: أحقادكم، وفي ذلك درس بليغ للذين يشتغلون في الجهاد ألّا يكلّفوا الناس الكثير من الأموال، فإنّ عاقبة ذلك البخل والعداوة من الناس، وفي ذلك درس آخر وهو أنه مما يمتحن به الإنسان ليعرف ما في قلبه من نفاق مطالبته بالكثير من المال، وفي ذلك درس جديد في معرفة المنافق من لحن قوله، وبعد أن يبيّن الله سنته في قضية الإنفاق، وأنه لا يطالب بما يستأصل الأموال، أعلم أنّ المسلمين مدعوون للإنفاق؛ لأن الجهاد يحتاج إلى مال، فقال
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال النسفي: هي النفقة في الغزو أو الزكاة فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ قال ابن كثير: أي لا يجيب إلى ذلك وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ قال ابن كثير: (أي إنما نقص نفسه من الأجر وإنّما يعود وبال ذلك عليه)
стр. 5073
وقد فهم النسفي أنّ الآية تدليل على المعنى الذي ورد قبلها فقال: كأنه قيل: الدليل على أنه لو أحفاكم لبخلتم وكرهتم العطاء؛ أنكم تدعون إلى ربع العشر فمنكم من يبخل. أقول: والظاهر أن الآية أوسع من أن يكون المراد بها الدعوة إلى الزكوات وحدها، بدليل أنها آتية في سياق الجهاد وَاللَّهُ الْغَنِيُّ أي: عن كل ما سواه، وكلّ شئ فقير إليه دائما وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ إليه. فوصفه بالغنى وصف لازم له، ووصف الخلق بالفقر وصف لازم لهم لا ينفكون عنه، قال النسفي: (أي إنّه لا يأمر بذلك لحاجته إليه؛ لأنه غني عن الحاجات، ولكن لحاجتكم وفقركم إلى الثواب) ثم قال تعالى وَإِنْ تَتَوَلَّوْا قال النسفي: (أي وإن تعرضوا أيها العرب عن طاعته وطاعة رسوله ﷺ والإنفاق في سبيله. أقول: وإن تعرضوا أيها العرب عن الجهاد ولوازمه يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ يحملون هذا الدين ويقومون برفع لوائه ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ بل أطوع لله منكم. وقد رأينا سنة الله هذه تتكرر خلال التاريخ، فلا يتخلى شعب عن حمل هذا الإسلام حتى يحمله شعب آخر.
كلمة في السياق:
تحدثنا أثناء عرض المقطع الثاني عن سياق المقطع، وصلة المقطع بما قبله، وصلته بسياق السورة عامة، ورأينا تحذير الله هذا الشعب العربي أن يتولى عن حمل دينه، وإن صلة ذلك بمحور السورة واضحة، فالله يحذّر هذا الشعب أن يكون من الفاسقين الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ بالردة وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ بقطيعة الرحم وترك موالاة المؤمنين وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بتطبيق شرع غير شرعه، وللأسف فإن هذا الشعب فعل هذا كله فارتد، وقطع الرحم، وأفسد في
الأرض، لقد فعل هذا كله ونحن نرى هذا واضحا، ومن ثم فلا بد من جهد لإعادة الأمر إلى نصابه، ونرجو ألا يكون ذلك بعيدا، ولنا عودة على السورة وسياقها ومحلها في الكلمة الأخيرة عنها فلننقل الآن بعض الفوائد.
فوائد [حول آيات المقطع الثاني]:
١ - [كلام ابن كثير والألوسي عن مبطلات الأعمال بمناسبة آية .. وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ قال ابن كثير: (وقد روى الإمام أحمد بن نصر المروزي في
стр. 5074
كتاب الصلاة عن أبي العالية قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرون أنه لا يضر مع لا إله إلا الله ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل فنزلت أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ فخافوا أن يبطل الذنب العمل، ثم روي من طريق عبد الله بن المبارك عن ابن عمر ﵄ قال: كنا- معشر أصحاب رسول الله ﷺ نرى أنه ليس شئ من الحسنات إلا مقبول حتى نزلت أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات، والفواحش حتى نزل قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ* فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك، فكنا نخاف على من أصاب الكبائر والفواحش ونرجو لمن لم يصبها).
وعند هذه الآية قال الألوسي: (قيل: إن بني أسد أسلموا، وقالوا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: قد آثرناك وجئناك بنفوسنا وأهلنا كأنهم منّوا بذلك، فنزلت فيهم هذه، وقوله تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ومن هنا قيل المعنى: لا تبطلوا أعمالكم بالمنّ بالإسلام، وعن ابن عباس: بالرياء والسمعة، وعنه أيضا: بالشك والنفاق، وقيل: بالعجب، فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، وقيل: المراد بالأعمال الصدقات أي تبطلوها بالمن والأذى، وقيل: لا تبطلوا طاعاتكم بمعاصيكم، أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة أنه قال في الآية: من استطاع منكم أن لا يبطل عملا صالحا بعمل سوء فليفعل ولا قوة إلا بالله تعالى).
أقول: قد استدلّ فقهاء الحنفية بقوله تعالى وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ على أنّه من دخل في شئ من العبادات المشروعة فعليه إتمامها، ولا يصح له إبطالها، فمن تلبّس بصلاة نافلة فقد وجب عليه الإتمام، وإذا أبطلها فعليه قضاؤها، ومن تلبّس بصوم نافلة فعليه الإتمام، وإذا أفطر وجب عليه القضاء، ومن تلبّس بحج نافلة، فعليه الإتمام، وإذا نقضه فعليه القضاء.
٢ - [كلام ابن كثير عن آية وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ .. وحديث عن تولّي الفرس لواء الإسلام]
عند قوله تعالى وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ قال ابن كثير: (وروى ابن أبي حاتم وابن جرير عن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدل بنا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ قال: فضرب بيده على كتف سلمان الفارسي ﵁ ثم قال: «هذا
стр. 5075
وقومه، ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس» تفرد به مسلم بن خالد الزنجي ورواه عنه غير واحد وقد تكلم فيه بعض الأئمة رحمة الله عليهم والله أعلم).
أقول: في الآية معجزة غيبية، فقد أخبرت عن غيب، ووقع كما أخبرت به، فقد تولى العرب عن حمل الإسلام أو ضعفوا، فقيض الله لهذا الإسلام من يحمله، فلا يكاد لواء الإسلام يميل حتى يرفعه شعب حتى عصرنا هذا.
كلمة أخيرة في سورة القتال:
١ - [تبيان الصلة بين سورتي القتال والبقرة]
تحدّثت مقدمة سورة البقرة عن متقين وكافرين ومنافقين، ثمّ جاء المقطع الأول من القسم الأول من أقسام سورة البقرة فسمّى الكافرين والمنافقين بالفاسقين، ودمج الكلام عنهم بقوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ثمّ سار سياق سورة البقرة حتى وصل إلى فقرة تتحدث عن القتال والإنفاق، ثم سار السياق حتى وصل إلى آيات تتحدث عن الإنفاق والقتال، وجاءت سورة القتال لتفصّل في ذلك كله، فعرفنا فيها ضرورة القتال وحكمته.
٢ - [إبراز مظهر من مظاهر التكامل بين مجموعات قسم المثاني]
يتألف قسم المثاني من خمس مجموعات: الأولى والخامسة فيها تفصّل في أعماق سورة البقرة زيادة على تفصيلها في الآيات الأولى، أما الثلاث التي جاءت في الوسط فقد اقتصر تفصيلها على الآيات الأولى من سورة البقرة، مما يشير إلى أهمية الوضوح، وإقامة الحجة في الأساسيات، ولقد تحدّثت سورة الأحزاب وسورة القتال عن القتال وهما تفصلان في محور واحد، وكلاهما أشار إلى قتال المنافقين مع الكافرين، ومن خلال ذلك نجد مظهرا من مظاهر التكامل بين مجموعات قسم المثاني، ومظهرا من مظاهر الوحدة القرآنية.
٣ - [وضوح التكامل بين سور المجموعة الخامسة من قسم المثاني]
سنرى أن التكامل كذلك حاصل بين سور المجموعة الخامسة من قسم المثاني فسور الجاثية، والأحقاف، والقتال هي المقدمات المتلاحقة لسور الفتح، والحجرات، وقاف.
٤ - [ذكر مثال على أن للسورة وحدتها وسياقها]
رأينا كيف أن للسورة وحدتها وسياقها، ويكفي هنا أن نذكر ما يدلّ على هذه الوحدة من خلال مثال واحد:
стр. 5076
بدأت السورة بآيات أوصلت إلى قوله تعالى: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ ... ثمّ سارت حتى قاربت الختام فقالت: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ. ثمّ استقرت على قوله تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ فإن توليتم عن الجهاد، وحمل راية الإسلام، وقتال الكافرين والمنافقين، فسيحمل الراية شعب آخر.
٥ - [معرفة بعض أسرار الوحدة القرآنية من خلال سورة القتال]
قلنا إن سورة القتال فصّلت في محورها، وفي ارتباطاته وامتدادات معانيه، ولو أننا جمعنا الآيات التي أصابها تفصيل من سورة البقرة، وربطناها ببعضها، ووقفنا عند كل آية منها، لرأينا عجبا، ولطال بنا المقام، ونكتفي بضرب أمثلة:
ا- في الآية التي سبقت محور السورة ورد قوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وقد رأينا في سورة البقرة نفسها من يستحق الإضلال، وذكرت سورة القتال من يستحق الهداية فقالت وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ فعرفنا سرا من أسرار الهداية، فالتقوى هبة من الله تكون مكافأة على الاهتداء، والاهتداء يحتاج إلى جهد إيجابي ذكرته سورة العنكبوت، وملخص ذلك أن الهداية تكون أثرا عن المجاهدة في ذات الله وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا والهداية يكافئ الله عليها بالتقوى، من هذا المثال تدرك الصلات بين سور قسم المثاني، وبين القسم وبقية القرآن.
ب- تحدّثت السورة عن الصدّ عن سبيل الله، وعن الكفر والنفاق، وعن الإفساد في الأرض وقطيعة الرحم، وكل ذلك تفصيل مباشر للمحور.
ج- لا يوقف الإفساد في الأرض إلا القتال: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ومن ثم كانت آيات القتال في سورة البقرة امتدادا لآية المحور، وقد فصلت فيها:
فمن آيات القتال في سورة البقرة: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وفي سورة القتال قال تعالى فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ ....
وفي آيات القتال في سورة البقرة ورد قوله تعالى: وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ. وفي سورة القتال قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ
стр. 5077
ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ .. ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ.
هذه أمثلة على تفصيل سورة القتال لمحورها وارتباطاته وامتدادات معانيه، منها نعرف بعض أسرار الوحدة القرآنية.
٦ - [الدروس المستفادة من السورة]
ومن السورة عرفنا أن الأمة الإسلامية لا تقف من الفسوق موقفا سلبيا؛ بل تقف منه موقفا إيجابيا بالقتال وباستكمال أسباب النصر، وأن سنة الله أن شعبا من شعوب العالم سيحمل لواء الجهاد أبدا، وأن الشعب العربي هو الشعب الأصيل في التكليف، فإذا تولى قيّض الله شعبا آخر.
وعرفنا من السورة أن الإثخان في الفاسقين سواء كان فسقهم أصليا أو فسقهم بسبب الردة هو الطريق الرئيسي، وأن كل فساد في المجتمع الإسلامي سببه ترك الجهاد وعدم الإثخان، وفي ذلك تفصيل لطريقة استئصال الفسوق والسيطرة عليه داخليا وخارجيا.
ومن السورة عرفنا أنه يمكن أن تكون هدنة مع الكافرين ولكن لا ننسى أن هذا يوجب علينا أن نسارع إلى الخلاص من القصور، ويجب أن نضع في حسابنا دائما أن إصلاح الداخل مقدمة للعمل الخارجي، لأن حفظ رأس المال مقدم على الرغبة في الربح.
***
стр. 5078
سورة الفتح
وهي السّورة الثامنة والأربعون بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة الرابعة من المجموعة الخامسة من قسم المثاني وآياتها تسع وعشرون آية وهي مدنيّة
стр. 5079
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم
стр. 5080
بين يدي سورة الفتح [وتقديم الألوسي]:
قال الألوسي في تقديمه لسورة الفتح: (نزلت بالمدينة على ما روي عن ابن عباس، وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم، والأخبار تدل على أنها نزلت في السفر لا في المدينة نفسها وهو الصحيح، أخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والبخاري في تاريخه، وأبو داود، والنسائي، وجماعة عن ابن مسعود قال: أقبلنا من الحديبية مع رسول الله ﷺ أي: عام ست بعد الهجرة- وكان قد خرج إليها ﵊ يوم الاثنين هلال ذي القعدة، فأقام بها بضعة عشر يوما، وقيل: عشرين يوما،
ثم قفل ﵊، فبينما نحن نسير إذ أتاه الوحي، وكان إذا أتاه اشتد عليه فسري عنه وبه من السرور ما شاء الله تعالى، فأخبرنا أنه أنزل عليه إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً وفي حديث صحيح أخرجه أحمد، وأبو داود، وغيرهما عن مجمع بن جارية الأنصاري ما يدل على أنها نزلت بعد منصرفه ﷺ من الحديبية أيضا، وأن ذلك عند كراع الغميم فقرأها ﵊ على الناس وهو على راحلته، وفي رواية ابن سعد عنه ما يدل على أنها بضجنان، ونقل ذلك عن البقاعي، وضجنان- بضاد معجمة وجيم ونونين بينهما ألف بزنة سكران كما في القاموس- جبل قرب مكة، وهذا ونحوه قول بنزولها بين مكة والمدينة، ومثل ذلك يعدّ مدنيا على المشهور، وهو أن المدني ما نزل بعد الهجرة سواء نزل بالمدينة أم بمكة أم بسفر من الأسفار، والمكي ما نزل قبل الهجرة، وأما على القول بأن المكي ما نزل ولو بعد الهجرة بمكة ويدخل فيها- كما قال الجلال السيوطي- نواحيها- كمنى وعرفات والحديبية بل بعضها على ما في الهداية، وأكثرها على ما قال المحب الطبري من حرم مكة؛ والمدني ما نزل بالمدينة ويدخل فيها- كما قال أيضا- نواحيها كأحد. وبدر وسلع فلا، بل يعدّ على القول بأنه نزل قرب مكة مكيا، فالقول بأن السورة مدنية بلا خلاف فيه نظر ظاهر، وهي تسع وعشرون آية بالإجماع، ولا يخفى حسن وضعها هنا، لأن الفتح بمعنى النصر مرتب على القتال، وفي كل من ذكر المؤمنين المخلصين والمنافقين والمشركين ما فيه، وقد ذكر أيضا في الأولى الأمر بالاستغفار وذكر هنا وقوع المغفرة، وذكرت الكلمة الطيبة هناك بلفظها الشريف، وكنى عنها بكلمة التقوى بناء على أشهر الأقوال فيها، وستعرفها إن شاء الله تعالى إلى غير ذلك والله أعلم.
следующие страницы →