بدأت السورة بآيات أوصلت إلى قوله تعالى: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ ... ثمّ سارت حتى قاربت الختام فقالت: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ. ثمّ استقرت على قوله تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ فإن توليتم عن الجهاد، وحمل راية الإسلام، وقتال الكافرين والمنافقين، فسيحمل الراية شعب آخر.
٥ - [معرفة بعض أسرار الوحدة القرآنية من خلال سورة القتال]
قلنا إن سورة القتال فصّلت في محورها، وفي ارتباطاته وامتدادات معانيه، ولو أننا جمعنا الآيات التي أصابها تفصيل من سورة البقرة، وربطناها ببعضها، ووقفنا عند كل آية منها، لرأينا عجبا، ولطال بنا المقام، ونكتفي بضرب أمثلة:
ا- في الآية التي سبقت محور السورة ورد قوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وقد رأينا في سورة البقرة نفسها من يستحق الإضلال، وذكرت سورة القتال من يستحق الهداية فقالت وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ فعرفنا سرا من أسرار الهداية، فالتقوى هبة من الله تكون مكافأة على الاهتداء، والاهتداء يحتاج إلى جهد إيجابي ذكرته سورة العنكبوت، وملخص ذلك أن الهداية تكون أثرا عن المجاهدة في ذات الله وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا والهداية يكافئ الله عليها بالتقوى، من هذا المثال تدرك الصلات بين سور قسم المثاني، وبين القسم وبقية القرآن.
ب- تحدّثت السورة عن الصدّ عن سبيل الله، وعن الكفر والنفاق، وعن الإفساد في الأرض وقطيعة الرحم، وكل ذلك تفصيل مباشر للمحور.
ج- لا يوقف الإفساد في الأرض إلا القتال: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ومن ثم كانت آيات القتال في سورة البقرة امتدادا لآية المحور، وقد فصلت فيها:
فمن آيات القتال في سورة البقرة: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وفي سورة القتال قال تعالى فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ ....
وفي آيات القتال في سورة البقرة ورد قوله تعالى: وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ. وفي سورة القتال قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ
стр. 5077
ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ .. ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ.
هذه أمثلة على تفصيل سورة القتال لمحورها وارتباطاته وامتدادات معانيه، منها نعرف بعض أسرار الوحدة القرآنية.
٦ - [الدروس المستفادة من السورة]
ومن السورة عرفنا أن الأمة الإسلامية لا تقف من الفسوق موقفا سلبيا؛ بل تقف منه موقفا إيجابيا بالقتال وباستكمال أسباب النصر، وأن سنة الله أن شعبا من شعوب العالم سيحمل لواء الجهاد أبدا، وأن الشعب العربي هو الشعب الأصيل في التكليف، فإذا تولى قيّض الله شعبا آخر.
وعرفنا من السورة أن الإثخان في الفاسقين سواء كان فسقهم أصليا أو فسقهم بسبب الردة هو الطريق الرئيسي، وأن كل فساد في المجتمع الإسلامي سببه ترك الجهاد وعدم الإثخان، وفي ذلك تفصيل لطريقة استئصال الفسوق والسيطرة عليه داخليا وخارجيا.
ومن السورة عرفنا أنه يمكن أن تكون هدنة مع الكافرين ولكن لا ننسى أن هذا يوجب علينا أن نسارع إلى الخلاص من القصور، ويجب أن نضع في حسابنا دائما أن إصلاح الداخل مقدمة للعمل الخارجي، لأن حفظ رأس المال مقدم على الرغبة في الربح.
***
стр. 5078
سورة الفتح
وهي السّورة الثامنة والأربعون بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة الرابعة من المجموعة الخامسة من قسم المثاني وآياتها تسع وعشرون آية وهي مدنيّة
стр. 5079
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم
стр. 5080
بين يدي سورة الفتح [وتقديم الألوسي]:
قال الألوسي في تقديمه لسورة الفتح: (نزلت بالمدينة على ما روي عن ابن عباس، وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم، والأخبار تدل على أنها نزلت في السفر لا في المدينة نفسها وهو الصحيح، أخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والبخاري في تاريخه، وأبو داود، والنسائي، وجماعة عن ابن مسعود قال: أقبلنا من الحديبية مع رسول الله ﷺ أي: عام ست بعد الهجرة- وكان قد خرج إليها ﵊ يوم الاثنين هلال ذي القعدة، فأقام بها بضعة عشر يوما، وقيل: عشرين يوما،
ثم قفل ﵊، فبينما نحن نسير إذ أتاه الوحي، وكان إذا أتاه اشتد عليه فسري عنه وبه من السرور ما شاء الله تعالى، فأخبرنا أنه أنزل عليه إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً وفي حديث صحيح أخرجه أحمد، وأبو داود، وغيرهما عن مجمع بن جارية الأنصاري ما يدل على أنها نزلت بعد منصرفه ﷺ من الحديبية أيضا، وأن ذلك عند كراع الغميم فقرأها ﵊ على الناس وهو على راحلته، وفي رواية ابن سعد عنه ما يدل على أنها بضجنان، ونقل ذلك عن البقاعي، وضجنان- بضاد معجمة وجيم ونونين بينهما ألف بزنة سكران كما في القاموس- جبل قرب مكة، وهذا ونحوه قول بنزولها بين مكة والمدينة، ومثل ذلك يعدّ مدنيا على المشهور، وهو أن المدني ما نزل بعد الهجرة سواء نزل بالمدينة أم بمكة أم بسفر من الأسفار، والمكي ما نزل قبل الهجرة، وأما على القول بأن المكي ما نزل ولو بعد الهجرة بمكة ويدخل فيها- كما قال الجلال السيوطي- نواحيها- كمنى وعرفات والحديبية بل بعضها على ما في الهداية، وأكثرها على ما قال المحب الطبري من حرم مكة؛ والمدني ما نزل بالمدينة ويدخل فيها- كما قال أيضا- نواحيها كأحد. وبدر وسلع فلا، بل يعدّ على القول بأنه نزل قرب مكة مكيا، فالقول بأن السورة مدنية بلا خلاف فيه نظر ظاهر، وهي تسع وعشرون آية بالإجماع، ولا يخفى حسن وضعها هنا، لأن الفتح بمعنى النصر مرتب على القتال، وفي كل من ذكر المؤمنين المخلصين والمنافقين والمشركين ما فيه، وقد ذكر أيضا في الأولى الأمر بالاستغفار وذكر هنا وقوع المغفرة، وذكرت الكلمة الطيبة هناك بلفظها الشريف، وكنى عنها بكلمة التقوى بناء على أشهر الأقوال فيها، وستعرفها إن شاء الله تعالى إلى غير ذلك والله أعلم.
стр. 5081
كلمة في سورة الفتح ومحورها:
- رأينا أن محور سورة القتال هو قوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وقد فصّلت سورة القتال هذا المحور، وامتدادات معانيه، وخاصة في شئون القتال والإنفاق، وقد رأينا صلة ذلك كله بسورة البقرة.
ولو أنك مضيت في سورة البقرة تبحث عن محور لسورة الفتح فإنك ستجده في أوائل القسم الثالث من أقسام سورة البقرة، وبالتحديد في قوله تعالى: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (البقرة: ٢١٣: ٢١٤) لاحظ ما يلي:
١ - جاء في آيتي المحور قوله تعالى: فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ويرد في سورة الفتح قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً.
٢ - ويأتي في آيتي المحور قوله تعالى: وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ويرد في سورة الفتح قوله تعالى وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً.
٣ - ويأتي في آيتي المحور قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ويرد في سورة الفتح قوله تعالى: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ...
٤ - ويأتي في آيتي المحور قوله تعالى: حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ويرد في سورة الفتح قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ... وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً.
٥ - ويأتي في آيتي المحور قوله تعالى: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ويرد في سورة
стр. 5082
الفتح قوله تعالى فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً ...
٦ - وفيما بعد آيتي المحور تأتي آية عن الإنفاق، ثم آية عن القتال، ثم قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ .. (البقرة: ٢١٧) ويرد في سورة الفتح كلام عن المسجد الحرام لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ .. ، هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ .. فالصلات واضحة بين المحور وارتباطاته وبين سورة الفتح.
لقد جاءت سورة الفتح تبيّن كيف ينزل الله نصره على رسله والمؤمنين، وتبيّن الخصائص التي ينبغي أن يكون عليها المؤمنون حتى ينالهم نصر الله، فهي تكمّل ما جاء في سورة القتال، هناك يأتي قوله تعالى إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وهاهنا يأتي قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً هناك يرد قوله تعالى فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وهاهنا هدنة لها أسبابها. وهكذا يتكامل الكلام في المجموعة الخامسة من قسم المثاني.
تتألف سورة الفتح من مقطعين، كل منهما مبدوء بقوله تعالى: إِنَّا. المقطع الأول ويستمر من أول السورة حتى نهاية الآية (٧)، ويبدأ بقوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً. والمقطع الثاني ويستمر إلى نهاية السورة، ويبدأ بقوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ...
نقول [عن صاحب الظلال] حول أسباب النزول:
قال صاحب الظلال: لقد أري رسول الله- ﷺ في منامه أنه يدخل الكعبة هو والمسلمون محلّقين رءوسهم ومقصّرين. وكان المشركون قد منعوهم منذ الهجرة من دخول مكة، حتى في الأشهر الحرم التي يعظمها العرب كلهم في الجاهلية، ويضعون السلاح فيها، ويستعظمون القتال في أيامها. والصدّ عن المسجد الحرام. حتى
стр. 5083
أصحاب الثارات كانوا يتجمعون في ظلال هذه الحرمة، ويلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه فلا يرفع في وجهه سيفا، ولا يصدّه عن البيت المحرم. ولكنهم خالفوا عن تقاليدهم الراسخة في هذا الشأن؛ وصدوا رسول الله- ﷺ والمسلمين معه طوال السنوات الست التي تلت الهجرة. حتى كان العام السادس الذي أرى فيه رسول الله- ﷺ هذه الرؤيا. وحدّث بها أصحابه- رضوان الله عليهم- فاستبشروا بها وفرحوا.
ورواية ابن هشام لوقائع الحديبية هي أوفى مصدر نستند إليه في تصورها. وهي في جملتها تتفق مع رواية البخاري ورواية الإمام أحمد، ومع تلخيص ابن حزم في جوامع السيرة وغيرهم. قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله- ﷺ بالمدينة شهر رمضان، وشوالا (بعد غزوة بني المصطلق وما جاء في أعقابها من حديث الإفك) وخرج في ذي القعدة معتمرا لا يريد حربا. واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب؛ ليخرجوا معه وهو يخشى من قريش الذي صنعوا أن يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن البيت. فأبطأ عليه كثير من الأعراب. وخرج رسول الله- ﷺ بمن معه من المهاجرين والأنصار، ومن لحق به من العرب؛ وساق معه الهدي، وأحرم بالعمرة، ليأمن الناس من حربه، وليعلم الناس أنه إنما خرج زائرا لهذا البيت ومعظّما له. قال:
وكان جابر بن عبد الله- فيما بلغني- يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة.
قال الزهري: وخرج رسول الله- ﷺ حتى إذا كان بعسفان (١) لقيه بشر بن سفيان الكعبي. فقال: يا رسول الله! هذه قريش قد سمعت بمسيرك، فخرجوا معهم العوذ المطافيل (٢)، قد لبسوا جلود النمور؛ وقد نزلوا بذي طوى، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا. وهذا خالد بن الوليد في خيلهم، قد قدموها إلى كراع الغميم (٣). قال: فقال رسول الله- ﷺ : «يا ويح قريش! لقد أكلتهم الحرب.
ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب؟ فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة. فما تظن قريش؟ فو الله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله، أو تنفرد هذه السالفة (٤). ثم قال: «من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم
стр. 5084
بها؟». قال ابن اسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر، أن رجلا من أسلم قال: أنا يا رسول الله. قال: فسلك بهم طريقا وعرا أجرل (١) بين شعاب. فلما خرجوا منه- وقد شق ذلك على المسلمين- وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، قال رسول الله- ﷺ للناس: «قولوا نستغفر الله ونتوب إليه». فقالوا ذلك. فقال: «والله إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل، فلم يقولوها» (٢). قال ابن شهاب الزهري: فأمر رسول الله- ﷺ الناس فقال: «اسلكوا ذات اليمين» بين ظهري الحمض (٣) في طريق على ثنية المرار، مهبط الحديبية (٤) من أسفل مكة؛ قال: فسلك الجيش ذلك الطريق. فلما رأت خيل قريش قترة (٥) الجيش، قد خالفوا عن طريقهم، رجعوا راكضين إلى قريش. وخرج رسول الله- ﷺ حتى إذا سلك في ثنية المرار بركت ناقته. فقال الناس: خلأت الناقة (٦). فقال: «ما خلأت. وما هو لها بخلق.
ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة. لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها» - (وفي رواية البخاري: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله تعالى إلا أعطيتهم إياها). ثم قال للناس: «انزلوا» قيل له: يا رسول الله، ما بالوادي ماء ينزل عليه. فأخرج سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه. فنزل في قليب (٧) من تلك القلب، فغرزه في جوفه، فجاش بالرواء ..
فلما اطمأن رسول الله- ﷺ أتاه بديل بن ورقاء الخزاعي، في رجال من خزاعة، فكلّموه، وسألوه ما الذي جاء به؟ فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربا، وإنما جاء زائرا للبيت، ومعظما لحرمته. ثم قال لهم نحوا مما قال لبشر بن سفيان؛ فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش، إنكم تعجلون على محمدا. إن محمدا لم يأت لقتال، وإنما جاء زائرا لهذا البيت فاتهموهم وجبهوهم، وقالوا: وإن كان جاء ولا يريد قتالا. فو الله
стр. 5085
لا يدخلها علينا عنوة أبدا ولا تحدّث بذلك عنا العرب. وكانت خزاعة عيبة نصح (١) رسول الله- ﷺ مسلمها ومشركها، لا يخفون عنه شيئا كان بمكة. ثم بعثوا إليه مكرز ابن حفص بن الأخيف أخا بني عامر بن لؤي. فلما رآه رسول الله- ﷺ مقبلا قال: «هذا رجل غادر». فلما انتهى إلى رسول الله- ﷺ وكلمه، قال له رسول الله- ﷺ نحوا مما قال لبديل وأصحابه؛ فرجع إلى قريش، فأخبرهم بما قال له رسول الله- ﷺ ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة أو ابن زبان. وكان يومئذ سيد الأحابيش (٢)، وهو أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة. فلما رآه رسول الله- ﷺ قال: «إن هذا من قوم يتألهون- يعني يتعبدون- فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه». فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده، وقد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، رجع إلى قريش، ولم يصل إلى رسول الله- ﷺ إعظاما لما رأى. فقال لهم ذلك. فقالوا له: اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك! قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن الحليس غضب عند ذلك. وقال: يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم. أيصدّ عن بيت الله من جاء معظما له؟ والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له، أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد. قال: فقالوا له: مه. كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به. قال الزهري: ثم بعثوا إلى رسول الله- ﷺ عروة بن مسعود الثقفي فقال: يا معشر قريش، إني قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذا جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ. وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد (وكان نسبه لأمه في بني عبد شمس) وقد سمعت بالذي نابكم، فجمعت من أطاعني من قومي، ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسي. قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتّهم .. فخرج حتى جاء رسول الله- ﷺ فجلس بين يديه. ثم قال: يا محمد. أجمعت أوشاب الناس، ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم (٣)؟ إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدا. وايم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا. قال: وأبو بكر خلف رسول الله- ﷺ قاعد. فزجره (٤) وقال: أنحن
стр. 5086
ننكشف عنه؟ قال: من هذا يا محمد؟ قال: «هذا ابن أبي قحافة». قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها. ولكن هذه بها. قال: ثم جعل يتناول لحية رسول الله- ﷺ وهو يكلمه. قال: والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله- ﷺ في الحديد. قال: فجعل يقرع يده إذا تناول لحية رسول الله- ﷺ ويقول:
اكفف يدك عن وجه رسول الله ﷺ قبل أن لا تصل إليك قال: فيقول عروة:
ويحك! ما أفظّك وأغلظك! قال: فتبسم رسول الله- ﷺ فقال له عروة: من هذا يا محمد؟ قال: «هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة». قال: أي غدر (١). وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس؟ قال ابن هشام: أراد عروة بقوله هذا أن المغيرة قبل إسلامه قتل ثلاثة عشر رجلا من بني مالك من ثقيف؛ فتهايج الحيان من ثقيف: بنو مالك رهط المقتولين. والأحلاف رهط المغيرة. فودى عروة المقتولين ثلاث عشرة دية. وأصلح ذلك الأمر. قال ابن إسحاق: قال الزهري: فكلمه رسول الله- ﷺ بنحو مما كلم أصحابه، وأخبره أنه لم يأت يريد حربا. فقام من عند رسول الله- ﷺ وقد رأى ما يصنع به أصحابه: لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شئ إلا أخذوه. فرجع إلى قريش فقال:
يا معشر قريش، إني جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه؛ وإني والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه؛ ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشئ أبدا. فروا رأيكم. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم، أن رسول الله- ﷺ دعا خراش بن أمية الخزاعي فبعثه إلى قريش بمكة، وحمله على بعير له يقال له: الثعلب. ليبلّغ أشرافهم عنه ما جاء له. فعقروا به جمل رسول الله- ﷺ وأرادوا قتله، فمنعته الأحابيش، فخلوا سبيله حتى جاء رسول الله ﷺ . قال ابن إسحاق: وحدثني بعض من لا أتهم، عن عكرمة مولى ابن عباس (عن ابن عباس) أن قريشا كانوا بعثوا أربعين رجلا منهم- أو خمسين رجلا- وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله- ﷺ ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا. فأخذوا أخذا، فأتي بهم رسول الله- ﷺ فعفا عنهم، وخلى سبيلهم. وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله- ﷺ بالحجارة والنبل. ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلّغ عنه أشراف قريش ما جاء له. فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي، وليس بمكة من
стр. 5087
بني عدي بن كعب أحد يمنعني. وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها.
ولكني أدلك على رجل أعزّ بها مني. عثمان بن عفان. فدعا رسول الله- ﷺ عثمان بن عفان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه إنما جاء زائرا لهذا البيت ومعظما لحرمته. قال ابن إسحاق: فخرج عثمان إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص، حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها؛ فحمله بين يديه، ثم أجاره حتى بلّغ رسالة رسول الله- ﷺ فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلّغهم عن رسول الله- ﷺ ما أرسله به؛ فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله- ﷺ إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف. فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله- ﷺ واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله- ﷺ والمسلمين أن عثمان بن عفان قد قتل. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر، أن رسول الله- ﷺ قال: حين بلغه أن عثمان قد قتل-: «لا نبرح حتى نناجز القوم». فدعا رسول الله- ﷺ الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة. فكان الناس يقولون بايعهم رسول الله- ﷺ على الموت. وكان جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله- ﷺ لم يبايعنا على الموت، ولكن بايعنا على ألا نفر. فبايع رسول الله- ﷺ الناس، ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة. فكان جابر بن عبد الله يقول: والله لكأني انظر إليه لاصقا بإبط ناقته قد ضبأ إليها (أي: لصق بها)، يستتر بها من الناس. ثم أتى رسول الله- ﷺ أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل. قال ابن هشام: وحدثني من أثق به، عمن حدثه بإسناد له، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عمر، أن رسول الله- ﷺ بايع لعثمان، فضرب بإحدى يديه على الأخرى. قال ابن إسحاق: قال الزهري: ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو أخا بني عامر بن لؤي إلى رسول الله- ﷺ وقالوا له: ايت محمدا فصالحه، ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فو الله لا تحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبدا. فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه رسول الله- ﷺ مقبلا قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل». فلما انتهى سهيل بن عمرو إلى رسول الله- ﷺ تكلم فأطال الكلام.
وتراجعا. ثم جرى بينهما الصلح. فلما التأم الأمر، ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، أليس برسول الله؟ قال: بلى! قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى! قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى! قال: فعلام نعطي
стр. 5088
الدنية في ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر، الزم غرزه (١)، فإني أشهد أنه رسول الله.
قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله. ثم أتى رسول الله- ﷺ فقال: يا رسول الله، ألست برسول الله؟ قال: بلى! قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى! قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى! قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال: «أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره، ولن يضيعني». قال: فكان عمر يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ، مخافة كلامي الذي تكلّمت به، حتى رجوت أن يكون خيرا! قال: ثم دعا رسول الله- ﷺ علي بن أبي طالب- رضوان الله عليه- فقال: «اكتب باسم الله الرحمن الرحيم» قال: فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب باسمك اللهم. فقال رسول الله- ﷺ «اكتب باسمك اللهم» فكتبها. ثم قال: «اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو».
قال: فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك؛ ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. قال: فقال رسول الله- ﷺ : «اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. سهيل بن عمرو. اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيهن الناس، ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليه، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة (٢). وأنه لا إسلال ولا إغلال (٣)، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه- فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم- وأنك ترجع عنك عامك هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنها، فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثا، معك سلاح الراكب: السيوف في القرب، لا تدخلها بغيرها. فبينا رسول الله- ﷺ يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو، إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد، قد انفلت إلى رسول الله- ﷺ ، وقد كان أصحاب رسول الله- ﷺ خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رسول الله- ﷺ فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع، وما تحمل عليه رسول الله- ﷺ دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون. فلما رأى
стр. 5089
سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه، ثم قال: يا محمد، قد لجت (١) القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: «صدقت» فجعل ينتره بتلبيبه ويجره ليرده إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أأرد إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ فزاد الناس إلى ما بهم. فقال رسول الله- ﷺ : «يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله. وإنا لا نغدر بهم». قال: فوثب عمر بن الخطاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه، ويقول: اصبر يا أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب.
قال:
ويدني قائم السيف منه. قال: يقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب أباه.
قال: فضنّ الرجل بأبيه، ونفذت القضية (٢) فلما فرغ من الكتاب أشهد على الصلح رجال من المسلمين ورجال من المشركين: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص، ومحمود بن مسلمة، ومكرز بن حفص (وهو يومئذ مشرك) وعلي بن أبي طالب، وكتب، وكان هو كاتب الصحيفة. قال الزهري: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله- ﷺ لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا» قال: فو الله ما قام منهم رجل، حتى قال- ﷺ ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل- ﷺ على أم سلمة- ﵂ فذكر لها ما لقى من الناس. قالت (أم سلمة) ﵂: يا نبي الله، أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلّم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعوا حالقك فيحلقك. فخرج رسول الله- ﷺ فلم يكلّم أحدا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس. قال: حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون. فقال: رسول الله- ﷺ : «يرحم الله المحلّقين». قالوا:
والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «يرحم الله المحلّقين». قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «يرحم الله المحلّقين». قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال:
стр. 5090
«والمقصرين». فقالوا: يا رسول الله، فلم ظاهرت الترحيم للمحلقين دون المقصرين؟
قال: «لم يشكوا» .. قال الزهري في حديثه: ثم انصرف رسول الله- ﷺ من وجهه ذلك قافلا. حتى إذا كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح.
وروى الإمام أحمد- بإسناده- عن مجمع بن حارثة الأنصاري- ﵁ وكان أحد القراء الذين قرءوا القرآن. قال: شهدنا الحديبية، فلما انصرفنا عنها إذا الناس ينفرون الأباعر، فقال الناس بعضهم لبعض: ما للناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله- ﵌ فخرجنا مع الناس نوجف فإذا رسول الله- ﷺ على راحلته عند كراع الغميم، فاجتمع الناس عليه فقرأ عليهم: «إنا فتحنا لك فتحا مبينا» .. قال: فقال رجل من أصحاب رسول الله- ﷺ : أي رسول الله أو فتح هو؟ قال- ﷺ : «٧ ي والذي نفس محمد بيده إنه لفتح» .. وروى الإمام أحمد- بإسناده- عن عمر بن الخطاب- ﵁ قال: كنا مع رسول الله- ﷺ في سفر. قال: فسألته عن شئ ثلاث مرات فلم يرد عليّ. قال:
فقلت ثكلتك أمك يا ابن الخطاب. ألححت- كررت- على رسول الله- ﷺ ثلاث مرات، فلم يرد عليك! قال: فركبت راحلتي، فحركت بعيري، فتقدمت، مخافة أن يكون نزل فيّ شئ. قال: فإذا أنا بمناد يا عمر. قال: فرجعت وأنا أظن أنه نزل فيّ شئ. قال: فقال النبي- ﷺ : «نزل عليّ البارحة سورة هي أحب إليّ من الدنيا وما فيها: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ» .. ورواه البخاري والترمذي والنسائي من طرق عن مالك ﵀ .. ولنبدأ عرض السورة:
المقطع الأول: ويمتد من الآية (١) إلى نهاية الآية (٧) وهذا هو:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤٨/ ١ - ٣
стр. 5091
٤٨/ ٤ - ٧
التفسير:
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً أي: بيّنا ظاهرا. قال ابن كثير: والمراد به صلح الحديبية فإنه حصل بسببه خير جزيل، وأمن الناس، واجتمع بعضهم ببعض، وتكلم المؤمن مع الكافر، وانتشر العلم النافع والإيمان
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ أي: يسرنا لك هذا الفتح ليكون سببا لغفران الذنب اللاحق والسابق وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ في الدنيا والآخرة بإعلاء دينك وفتح البلاد على يديك وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً قال ابن كثير: أي بما يشرعه الله من الشرع العظيم، والدين القويم. أقول: قد يكون المعنى: ويهديك صراطا مستقيما في المواقف، كما هداك إليه في الأقوال والأفعال
وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً أي: قويا منيعا لا ذلّ بعده.
***
стр. 5092
فائدة [حول الفوائد التي تحققت من صلح الحديبية]
جعل الله صلح الحديبية فتحا ظاهرا، ورتّب عليه غفران الذنب السابق واللاحق لرسول الله ﷺ ، وإتمام النعمة على رسول الله ﷺ ، والهداية إلى الصراط المستقيم والنصر، كل ذلك رتّبه على هذا الصلح فلماذا كان هذا؟ لقد أقدم رسول الله ﷺ على الصلح تعظيما لحرمة بيت الله، فكافأه الله بأن جعل هذا الصلح سببا لمغفرة ذنبه السابق واللاحق، وسببا لإتمام نعمته عليه بإظهار دينه وإعلائه فكان الصلح سببا لانتشار الإسلام إذ حميت الدعوة إليه بلا عوائق، وأرسل الرسول ﷺ الرسل إلى الملوك، وتفرّغ لإنهاء سلطان اليهود في الجزيرة العربية، وقويت قاعدة الإسلام، كما كان سببا لانتصارات مقبلة على اليهود وعلى قريش نفسها، فلم يكن فتح مكة إلا أثرا عن صلح الحديبية كما هو معروف تاريخيا، وهكذا كافأ الله رسوله ﷺ هذه المكافآت كلها ببركة تعظيمه لبيت الله، مع أن بيت الله كان تحت سلطان الكافرين. قال ابن كثير: ولما كان (أي: رسول الله ﷺ أطوع خلق الله تعالى وأشدهم تعظيما لأوامره ونواهيه، قال حين بركت به الناقة: «حبسها حابس الفيل»، ثم قال ﷺ : «والذي نفسي بيده لا يسألوني اليوم شيئا يعظّمون به حرمات الله إلا أجبتهم إليها» فلما أطاع الله في ذلك وأجاب إلى الصلح قال الله تعالى له إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً* وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً قال ابن كثير: أي بسبب خضوعك لأمر الله يرفعك الله وينصرك على أعدائك، كما جاء في الحديث الصحيح: «وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله تعالى» وعن عمر ابن الخطاب ﵁ أنه قال: (ما عاقبت أحدا عصى الله تعالى فيك بمثل أن تطيع الله ﵎ فيه) كان لهذا الصلح هذه الآثار المباركة، مع أن كل الصحابة لم يكونوا متحمّسين له، ولم يكونوا مرتاحين حين عقده، بدليل أن أحدا منهم لم يحلق عند ما أمر رسول الله ﷺ بالتحلل حتى أبو بكر، وفي ذلك درس كبير لهذه الأمة في أن رعاية الله لرسوله ﷺ فوق كل رعاية، وأن العمل الذي يقصد فيه وجه الله وطاعته
стр. 5093
يجعل الله فيه من الآثار المباركة ما لا تخطر على بال، مهما ظن الناس أن في هذا العمل انكسارا أو انحسارا أو تراجعا أو ذلا، كما نظر عمر إلى المعاهدة على أنها إعطاء الدنية في دين الله ، وفي تسمية الله المعاهدة فتحا درس كبير للمسلمين في أن الفتح ليس فقط في العمل العسكري، بل قد يكون في العمل السياسي، حتى الذي ظاهره تراجع أو ذلة. ولنعد إلى التفسير.
*** هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ أي: الطمأنينة فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ قال ابن كثير: (وهم الصحابة ﵃ يوم الحديبية الذين استجابوا لله ولرسوله ﷺ وانقادوا لحكم الله ورسوله، فلما اطمأنت قلوبهم بذلك واستقرت، زادهم إيمانا مع إيمانهم .. ) ومن ثم قال تعالى لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ أي: ليزدادوا يقينا إلى يقينهم وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ منه الجند الحسي ومنه الجند الغيبي، ومنه الجند المعنوي، ومن جنوده السكينة التي ينزلها الله على من يشاء من عباده وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً يسخّر ما يشاء فيما شاء حَكِيماً في أفعاله وأقواله وشرعه، وفي هذه الآية منّة جديدة على رسول الله ﷺ إذ أنزل السكينة على المؤمنين في أكثر من موقف، وفي أشدّ اللحظات حراجة، ومن ذلك عند ما أحسوا بهزة نفسية نتيجة المعاهدة، ومع ذلك أطاعوا ونفّذوا،
ثم بيّن الله حكمته في الفتح، وفي إنزال السكينة وهي كما سجّلتها الآيتان اللاحقتان: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أي: ماكثين فيها أبدا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أي: خطاياهم وذنوبهم فلا يعاقبهم عليها، بل يعفو ويصفح، ويغفر ويستر، ويرحم ويشكر وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً وأي فوز أعظم من الفوز بدخول الجنة والزحزحة من النار
وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ قال ابن كثير: (أي يتهمون الله تعالى في حكمه، ويظنون بالرسول ﷺ وأصحابه ﵃ أن يقتلوا ويذهبوا بالكلية) وقال النسفي (والمراد ظنهم أن الله تعالى لا ينصر الرسول ﷺ والمؤمنين ولا يرجعهم إلى مكة ظافرين فاتحيها عنوة وقهرا) ولهذا قال تعالى عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ أي: ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين فهو حائق بهم
стр. 5094
ودائر عليهم، والسوء: الهلاك والدمار وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ أي: أبعدهم من رحمته وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً أي: وساءت جهنم مصيرا، ثم قال مذكرا بقدرته على الانتقام من الأعداء- أعداء الإسلام- من الكفرة والمنافقين
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فيدفع كيد من عادى نبيه ﷺ والمؤمنين بما شاء منها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً أي: غالبا فلا يرد بأسه حَكِيماً فيما يدبّر. ذكر جنده مرتين: المرة الأولى في معرض تأييده للمؤمنين، ثم ذكرهم هاهنا في معرض قدرته على الكافرين، وبهذا انتهى المقطع الأول الذي هو بمثابة مدخل إلى السورة.
كلمة في السياق:
جاء المقطع الأول بمثابة مدخل ومقدمة للسورة، فقد ذكر الله فيه عنايته برسوله ﷺ ، وبالمؤمنين في أمر دنياهم وأخراهم، وذكر فيه نصره لهم وهدايته إياهم، وتحدّث فيه عن جنود السموات والأرض التي تأتمر بأمره ، وهي ملك له، وذلك بين يدي المقطع الذي يبدأ بتبيان مهمات رسول الله ﷺ وواجبات المؤمنين تجاهه.
*** فوائد [حول آيات المقطع الأول]
١ - [نقل عن الألوسي وصاحب الظلال حول تبيان مظاهر الفتح في صلح الحديبية]
قال الألوسي: (وقد خفي ما كان في الحديبية فتحا على بعض الصحابة حتى بيّنه ﵊. أخرج البيهقي عن عروة قال: أقبل رسول الله ﷺ من الحديبية راجعا فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: والله ما هذا بفتح، ولقد صددنا عن البيت وصدّ هدينا، وعكف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالحديبية، ورد رجلين من المسلمين خرجا، فبلغ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك فقال: «بئس الكلام هذا؛ بل هو أعظم الفتح. لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم، ويسألونكم القضية، ويرغبون إليكم في الأمان، وقد كرهوا منكم ما كرهوا، وقد أظفركم الله عليهم، وردكم سالمين غانمين مأجورين فهذا أعظم الفتح، أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم؟
стр. 5095
أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون» قال المسلمون: صدق الله ورسوله هو أعظم الفتوح، والله يا نبي الله ما فكرنا فيما ذكرت ولأنت أعلم بالله وبالأمور منا).
وقال صاحب الظلال مبينا بعض مظاهر الفتح في صلح الحديبية: (فتكون بيعة الرضوان التي فاض منها الخير على الذين فازوا بها وسعدوا وكان هذا هو الفتح؛ إلى جانب الفتح الآخر الذي تمثل في صلح الحديبية، وما أعقبه من فتوح شتى في صور متعددة كان فتحا في الدعوة. يقول الزهري: فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه. إنما كان القتال حيث التقى الناس. فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وأمن الناس بعضهم بعضا، والتقوا؛ فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، ولم يكلّم أحد في الإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه. ولقد دخل في تينك السنتين (بين صلح الحديبية وفتح مكة) مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر. قال ابن هشام: والدليل على قول الزهري أن رسول الله- ﷺ خرج إلى الحديبية- في ألف وأربع مائة في قول جابر بن عبد الله- ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف. وكان ممن أسلم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص. وكان فتحا في الأرض. فقد أمن المسلمون شر قريش، فاتجه رسول الله- ﷺ إلى تخليص الجزيرة من بقايا الخطر اليهودي- بعد التخلص من بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة- وكان هذا الخطر يتمثل في حصون خيبر القوية التي تهدد طريق الشام. وقد فتحها الله على المسلمين، وغنموا منها غنائم ضخمة، جعلها رسول الله- ﷺ فيمن حضر الحديبية دون سواهم. وكان فتحا في الموقف بين المسلمين في المدينة وقريش في مكة وسائر المشركين حولها. يقول الأستاذ محمد عزة دروزة بحق في كتابه: «سيرة الرسول صور مقتبسة من القرآن الكريم):
ولا ريب في أن هذا الصلح الذي سماه القرآن بالفتح العظيم يستحق هذا الوصف كل الاستحقاق. بل إنه ليصح أن يعد من الأحداث الحاسمة العظمى في السيرة النبوية، وفي تاريخ الإسلام وقوته وتوطده، أو بالأحرى من أعظمها. فقد اعترفت قريش بالنبي والإسلام وقوتهما وكيانهما، واعتبرت النبي والمسلمين أندادا لها، بل دفعتهم عنها بالتي هي أحسن، في حين أنها غزت المدينة في سنتين مرتين، وكانت الغزوة الأخيرة قبل سنة من هذه الزيارة، وبحشد عظيم مؤلف منها ومن أحزابها لتستأصل شأفتهم، وبعثت هذه الغزوة في نفوس المسلمين أشد الاضطراب والهلع؛ لضعفهم وقلتهم إزاء الغزاة. ولهذا شأن عظيم في نفوس العرب، الذين كانوا يرون في قريش الإمام والقدوة، والذين كانوا
стр. 5096
متأثرين بموقفهم الجحودي كل التأثر، وإذا لوحظ أن الأعراب كانوا يقدرون أن النبي والمسلمين لن يعودوا سالمين من هذه الرحلة، وأن المنافقين كانوا يظنون أسوأ الظنون.
بدت لنا ناحية من نواحي خطورة هذا الفتح وبعد مداه. ولقد أثبتت الأحداث صدق إلهام النبي- ﷺ فيما فعل، وأيده فيه القرآن، وأظهرت عظم الفوائد المادية والمعنوية والسياسية والحربية والدينية التي عادت على المسلمين منه. إذ قووا في عيون القبائل، وبادر المتخلفون من الأعراب إلى الاعتذار، وازداد صوت المنافقين في المدينة خفوتا وشأنهم ضآلة، وإذ صار العرب يفدون على النبي- ﷺ من أنحاء قاصية، وإذ تمكّن من خضد شوكة اليهود في خيبر وغيرها من قراهم المتناثرة على طريق الشام، وإذ صار يستطيع أن يبعث بسراياه إلى أنحاء قاصية كنجد واليمن والبلقاء، وإذ استطاع بعد سنتين أن يغزو مكة ويفتحها، وكان في ذلك النهاية الحاسمة، إذ جاء نصر الله والفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجا .. ونحن نعود فنؤكد أنه كان هناك- إلى جانب هذا كله- فتح آخر. فتح في النفوس والقلوب، تصوره بيعة الرضوان، التي رضي عنها الله وعن أصحابها ذلك الرضى الذي وصفه القرآن. ورسم لهم على ضوئه تلك الصورة الوضيئة الكريمة في نهاية السورة: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ .. الخ. فهذا فتح في تاريخ الدعوات، له حسابه، وله دلالته، وله آثاره بعد ذلك في التاريخ.
٢ - [تقديم ابن كثير لسورة الفتح]
قدّم ابن كثير لسورة الفتح بقوله: (نزلت هذه السورة الكريمة لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية في ذي القعدة من سنة ست من الهجرة، حين صدّه المشركون عن الوصول إلى المسجد الحرام فيقضي عمرته فيه، وحالوا بينه وبين ذلك، ثم مالوا إلى المصالحة والمهادنة، وأن يرجع عامه هذا ثم يأتي من قابل، فأجابهم إلى ذلك على تكره من جماعة من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب ﵁ كما سيأتي تفصيله في موضعه من تفسير هذه السورة إن شاء الله تعالى- فلما نحر هديه حيث أحصر ورجع، أنزل الله هذه السورة فيما كان من أمره وأمرهم، وجعل ذلك الصلح فتحا، باعتبار ما فيه من المصلحة، وما آل الأمر إليه، كما روى ابن مسعود ﵁ وغيره أنه قال: إنكم تعدون الفتح فتح مكة، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية، وقال الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ﵁ قال: ما كنا نعد الفتح إلا يوم الحديبية. وروى البخاري عن البراء ﵁ قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية؛ كنا مع
стр. 5097
رسول الله ﷺ أربع عشرة مائة، والحديبية بئر، فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأتاها فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض ودعا ثم صبه فيها، فتركناها غير بعيد ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركائبنا .. )
٣ - [كلام ابن كثير عن تشريف النبي ﷺ بغفران الذنوب]
بمناسبة قوله تعالى لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ قال ابن كثير: (وروى الإمام أحمد عن مجمع بن حارثة الأنصاري ﵁ وكان أحد القراء الذين قرءوا القرآن- قال: شهدنا الحديبية، فلما انصرفنا عنها إذا الناس ينفرون الأباعر، فقال الناس بعضهم لبعض: ما للناس؟ قالوا أوحي إلى رسول الله ﷺ ، فخرجنا مع الناس نوجف، فإذا رسول الله ﷺ على راحلته عند كراع الغميم، فاجتمع الناس عليه فقرأ عليهم إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً قال: فقال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ : أي رسول الله أو فتح هو؟ قال ﷺ «إي والذي نفس محمد بيده إنه لفتح» قسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية، فقسمها رسول الله ﷺ ثمانية عشر سهما، وكان الجيش ألفا وخمسمائة منهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهما، ورواه أبو داود في الجهاد وروى ابن جرير عن عبد الرحمن بن أبي علقمة قال: سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: لما أقبلنا من الحديبية عرسنا فنمنا، فلم نستيقظ إلا والشمس قد طلعت، فاستيقظنا ورسول الله ﷺ نائم قال: فقلنا: أيقظوه فاستيقظ رسول الله ﷺ فقال: «افعلوا ما كنتم تفعلون، وكذلك يفعل من نام أو نسي» قال: وفقدنا ناقة رسول الله ﷺ ، فطلبناها فوجدناها قد تعلق خطامها بشجرة، فأتيته بها فركبها، فبينا نحن نسير إذ أتاه الوحي، قال: وكان إذا أتاه الوحي اشتد عليه، فلما سري عنه أخبرنا أنه أنزل عليه إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً وقد رواه أحمد وأبو داود والنسائي من غير وجه عن جامع بن شداد به وروى الإمام أحمد عن المغيرة بن شعبة قال: كان النبي ﷺ يصلي حتى ترم قدماه، فقيل له أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال ﷺ : «أفلا أكون عبدا شكورا؟» أخرجاه وبقية الجماعة إلا أبا داود من حديث زياد به. وروى الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا صلى قام حتى تتفطر رجلاه، فقالت له عائشة ﵂: يا رسول الله أتصنع هذا وقد غفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ فقال ﷺ : «يا عائشة أفلا أكون عبدا شكورا» أخرجه مسلم في الصحيح من رواية عبد الله بن وهب به. وروى ابن أبي حاتم عن قتادة عن أنس قال: قام رسول الله ﷺ حتى تورّمت قدماه- أو قال
стр. 5098
ساقاه- فقيل له أليس الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال «أفلا أكون عبدا شكورا» غريب من هذا الوجه. فقوله سبحانه: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً أي: بينا ظاهرا، والمراد به صلح الحديبية، فإنه حصل بسببه خير جزيل، وآمن الناس واجتمع بعضهم ببعض، وتكلم المؤمن مع الكافر، وانتشر العلم النافع والإيمان، وقوله تعالى لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ هذا من خصائصه ﷺ التي لا يشاركه فيها غيره، وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال لغيره غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهذا فيه تشريف عظيم لرسول الله ﷺ ، وهو ﷺ في جميع أموره على الطاعة والبر، والاستقامة التي لم ينلها بشر سواه لا من الأولين ولا من الآخرين، وهو ﷺ أكمل البشر على الإطلاق، وسيدهم في الدنيا والآخرة، ولما كان أطوع خلق الله تعالى وأشدهم تعظيما لأوامره ونواهيه قال حين بركت به الناقة:
«حبسها حابس الفيل»، ثم قال ﷺ : «والذي نفسي بيده لا يسألوني اليوم شيئا يعظمون به حرمات الله إلا أجبتهم إليها» فلما أطاع الله في ذلك وأجاب إلى الصلح قال الله تعالى له إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ أي: في الدنيا والآخرة).
٤ - [كلام ابن كثير عن تفاضل الإيمان في القلوب بمناسبة آية لِيَزْدادُوا إِيماناً .. ]
بمناسبة قوله تعالى: لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ قال ابن كثير: (وقد استدل بها البخاري وغيره من الأئمة على تفاضل الإيمان في القلوب) وقال الألوسي عند قوله تعالى: لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ أي: يقينا مع يقينهم برسوخ العقيدة واطمئنان النفوس عليها، على أن الإيمان الثابت في الأزمنة نزل تجدد أزمانه منزلة تجدده وازدياده، فاستعير له ذلك ورشح بكلمة مع، وقيل: ازدياد الإيمان بازدياد ما يؤمن به، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن أول ما أتاهم به النبي ﷺ التوحيد، ثم الصلاة والزكاة، ثم الحج والجهاد، فازدادوا إيمانا مع إيمانهم، ومن قال: الأعمال من الإيمان قال بأنه نفسه- أي الإيمان المركب من ذلك وغيره- يزيد وينقص، ولم يحتج في الآية إلى تأويل، بل جعلها دليلا له، وتفصيل الكلام في هذا المقام أنه ذهب جمهور الأشاعرة والقلانسي والفقهاء والمحدثون والمعتزلة إلى أن الإيمان يزيد وينقص، ونقل ذلك عن الشافعي ومالك، وقال البخاري: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص، واحتجوا على ذلك بالعقل والنقل، أما الأول فلأنه لو لم تتفاوت حقيقة
стр. 5099
الإيمان لكان إيمان آحاد الأمة المنهمكين في الفسق والمعاصي مساويا لإيمان الأنبياء ﵈ مثلا واللازم باطل فكذا الملزوم، وأما الثاني فلكثرة النصوص في هذا المعنى، منها الآية المذكورة، ومنها ما روي عن ابن عمر ﵄ قلنا: يا رسول الله إن الإيمان يزيد وينقص؟ قال: «نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة، وينقص حتى يدخل صاحبه النار»، ومنها ما روي عن عمر، وجابر رضي الله تعالى عنهما مرفوعا «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة لرجح به».
المقطع الثاني ويمتد من الآية (٨) إلى نهاية السورة أي إلى نهاية الآية (٢٩) وهذا هو:
٤٨/ ٨ - ١٠ الفقرة الأولى المجموعة الأولى من الفقرة الأولى ٤٨/ ١١ - ١٢
стр. 5100
٤٨/ ١٣ - ١٤ المجموعة الثانية من الفقرة الأولى ٤٨/ ١٥ المجموعة الثالثة من الفقرة الأولى ٤٨/ ١٦ - ١٧ الفقرة الثانية المجموعة الأولى من الفقرة الثانية
стр. 5101
٤٨/ ١٨ - ٢٣ المجموعة الثانية من الفقرة الثانية ٤٨/ ٢٤ - ٢٦
стр. 5102
الفقرة الثالثة ٤٨/ ٢٧ - ٢٩
التفسير:
إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً قال ابن كثير: أي على الخلق، وقال النسفي: أي تشهد على أمتك يوم القيامة. أقول: وأمته كل الخلق لأنه مرسل إلى الثقلين جميعا الإنس والجن وَمُبَشِّراً أي: للمؤمنين بالجنة وَنَذِيراً أي: للكافرين من النار
لِتُؤْمِنُوا أيها الخلق جميعا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أي: لتصدقوا بالله وبأن محمدا رسول الله ﷺ وَتُعَزِّرُوهُ أي: وتقووه بالنصر، أي: وتنصروه وَتُوَقِّرُوهُ من التوقير أي: وتعظموه وتحترموه وتجلّوه وَتُسَبِّحُوهُ قال ابن كثير: أي تسبحون الله بُكْرَةً وَأَصِيلًا أي: أول النهار وآخره، أي صلاة الفجر والصلوات
стр. 5103
الأربع، والنسفي يرى أن الضمائر كلها ترجع إلى الله وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ فتعزير الله تعزير دينه ورسوله، وتوقير الله تعظيمه، وتسبيحه تنزيهه، قال: (ومن فرّق الضمائر فجعل الأوّلين للنبي ﷺ فقد أبعد) ثم قال تعالى لرسوله ﷺ تشريفا له وتكريما وتعظيما
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ أي: إن عقد الميثاق مع الرسول ﷺ كعقده مع الله من غير تفاوت بينهما، وفي ذلك تشريف عظيم لرسول الله ﷺ إذ أقامه الله هذا المقام يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ قال ابن كثير: (أي هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى هو المبايع بواسطة رسول الله ﷺ فَمَنْ نَكَثَ أي:
نقض العهد ولم يف بالبيعة فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه قال ابن كثير: أي إنما يعود وبال ذلك على الناكث والله غني عنه وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً أي: ثوابا جزيلا، أي: الجنة.
فائدة [حول قراءة كلمة (عليه) بضم الهاء وكسرها]
(قرأ الجمهور (عليه) بكسر الهاء كما هو الشائع، وضمها حفص هنا، قيل: وجه الضم إنها هاء هو وهي مضمومة فاستصحب ذلك كما في له وضربه، ووجه الكسر رعاية الياء، وكذا في إليه وفيه، وكذا فيما إذا كان قبلها كسرة نحو به، ومررت بغلامه لثقل الانتقال من الكسر إلى الضم، وحسن الضم في الآية التوصل به إلى تفخيم لفظ الجلالة الملائم لتفخيم أمر العهد المشعر به الكلام، وأيضا إبقاء ما كان على ما كان ملائم للوفاء بالعهد وإبقائه وعدم نقضه).
كلمة في السياق: [المقطع الثاني]
١ - جاء قوله تعالى إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً بين جملتين من المعاني، كلها تفيد كرامة رسول الله ﷺ على الله، فقد سبق ذلك المقطع الأول بمعانيه، وجاء بعد ذلك أن بيعة رسول الله ﷺ هي بيعة لله، وهذا كله يدفع لتحقيق الواجب نحو الله، ونحو رسوله ﷺ من إيمان وتعزير وتوقير ..
стр. 5104
٢ - في محور السورة ورد قوله تعالى فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وهاهنا ذكر أن محمدا ﷺ شاهد وبشير ونذير، وذكر مع ذلك ماذا يترتب على ذلك من واجبات نحو الله. ونحو رسوله ﷺ كأثر عن ذلك.
٣ - تأتي الآن فقرة تتألف من ثلاث مجموعات. وهي تتحدّث عن المخلفين كنموذج على طائفة لم تقم بحق الله وحق رسوله ﷺ ، ثم تأتي فقرة تتحدّث عمّن قام بحق ذلك، ثمّ تأتي فقرة ثالثة، فالمقطع الثاني يتألف من ثلاث فقرات سنراها.
٤ - في سورة الأحزاب ذكر الله وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً، وهاهنا يذكر الله الفتح، ولذلك صلاته بمحور السورة: وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ وهذا مظهر من مظاهر التكامل في مجموعات قسم المثاني.
٥ - إذا كانت سورة الفتح هي التي تبيّن كيف يتنزل نصر الله على العصبة المؤمنة فإنها في الوقت نفسه تذكر الصفات التي يجب أن تتوافر في العصبة المؤمنة، كما تذكر لنا أنواعا من الناس يسقطون بين يدي النصر، وتبين لنا كيف ينبغي أن يعامل هؤلاء فيما بعد فلنلاحظ ذلك ونحن نقرأ تفسير السورة. ومما مرّ نعرف أن نقطة الانطلاق نحو النصر هي التعبئة الشاملة للمعركة الحاسمة والبيعة على القتال.
*** الفقرة الأولى من المقطع الثاني
تفسير المجموعة الأولى من الفقرة الأولى
سَيَقُولُ لَكَ إذا رجعت من الحديبية الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ هم الذين خلفوا عن الحديبية شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا اعتلّوا بالشغل بأهاليهم وأموالهم، وأنه ليس لهم من يقوم بأشغالهم فَاسْتَغْفِرْ لَنا أي: ليغفر الله لنا تخلّفنا عنك يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ هذا تكذيب من الله لهم في اعتذارهم، فليس الذي خلّفهم ما يقولون، وإنما هو الشك في الله والنفاق، وطلبهم الاستغفار أيضا ليس بصادر عن حقيقة. قال ابن كثير: (يقول تعالى مخبرا رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما يعتذر به المخلفون من الأعراب الذين اختاروا المقام في أهليهم وشغلهم، وتركوا
стр. 5105
المسير مع رسول الله ﷺ فاعتذروا بشغلهم بذلك، وسألوا أن يستغفر لهم رسول الله ﷺ ، وذلك قول منهم لا على سبيل الاعتقاد بل على وجه التقية والمصانعة؛ ولهذا قال تعالى يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً؟) وقال النسفي عن هؤلاء: (هم الذين خلّفوا عن الحديبية وهم أعراب غفار ومزينة وجهينة وأسلم وأشجع والدئل، وذلك أنه ﵊ حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمرا استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي ليخرجوا معه حذرا من قريش أن يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن البيت، وأحرم هو ﷺ وساق معه الهدي ليعلم أنه لا يريد حربا، فتثاقل كثير من الأعراب وقالوا: يذهب إلى قوم غزوه في عقر داره بالمدينة، وقتلوا أصحابه فيقاتلهم، وظنوا أنه يهلك فلا ينقلب إلى المدينة) قال تعالى مخاطبا هؤلاء المنافقين: قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي: فمن يمنعكم من مشيئة الله وقضائه إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أي: ما يضركم من قتل أو هزيمة أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً من غنيمة وظفر أو غير ذلك قال ابن كثير: أي لا يقدر أحد أن يرد ما أراده الله فيكم تعالى وتقدس، وهو العليم بسرائركم وضمائركم، وإن صانعتمونا ونافقتمونا، ولهذا قال تعالى بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً تخلفوا عن رسول الله ﷺ خوفا من الضر، ورغبة في النفع فبيّن الله أن الضر بيده، والنفع بيده في كل حال، فلا ينفعهم بقاء إن أراد إضرارهم، ولا يضرهم ذهاب إن أراد نفعهم.
ثم بيّن الله السبب الحقيقي لتخلفهم، وأنه ليس ما اعتذروا به، فقال بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً قال ابن كثير: أي لم يكن تخلفكم تخلف معذور ولا عاص، بل تخلف نفاق .. اعتقدتم أنهم (أي: الرسول ﷺ وأصحابه) يقتلون وتستأصل شأفتهم وتستباد خضراؤهم، ولا يرجع منهم مخبر وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ أي: وزين الشيطان لكم هذا المعنى وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ أي: اعتقدتم الاعتقاد الشرير السيئ من علو الكفر وظهور الفساد وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً أي: فاسدين في أنفسكم وقلوبكم ونياتكم، لا خير فيكم، أو هلكى عند الله، مستحقين لسخطه وعقابه
وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أي: من لم يجتمع له الإيمان بالله والإيمان برسوله ﷺ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً أي: نارا تسعر، دلّ ذلك على أن هؤلاء كافرون وإن أظهروا خلاف ذلك. قال: ابن كثير في الآية: (أي من لم يخلص العمل في الظاهر والباطن لله تعالى، فإن الله تعالى سيعذبه في السعير وإن أظهر للناس ما يعتقدون خلاف
стр. 5106
ما هو عليه في نفس الأمر) ثم ختم الله هذه المجموعة بقوله
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فالخلق كلهم ملكه، فعليهم أن لا يخرجوا عن أمره، وعليهم أن ينصروا رسوله ﷺ ، ويجلوه ويؤمنوا به، إذ الجميع مفتقرون لله، ناصيتهم بيده، وكل شئ فله ومنه، وإذ كان هو المالك المطلق التصرف يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ أي: يغفر ويعذب بمشيئته وحكمته، ومن مظاهر حكمته المغفرة للمؤمنين والتعذيب للكافرين وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً أي: لمن تاب إليه وأناب وخضع لديه، وفي ذلك دعوة للخلق للعبودية الخالصة له، والتوبة والإنابة إليه.
كلمة في السياق: [المجموعة الأولى حول ذكر نموذج على ظن السوء عند المنافقين، وعن ثمن النصر]
١ - ورد في هذه المجموعة قوله تعالى وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً وقد جاء في المقطع الأول قوله تعالى وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ فما جاء في هذه المجموعة هو نموذج على ظن السوء الذي عليه المنافقون والذي ورد في المقطع الأول.
٢ - إن النصر يحتاج إلى تعبئة، والتعبئة هي المحك الرئيسي لإيمان المؤمنين، ونفاق المنافقين، فمن أراد النصر بدون أن يدفع ثمنه فهو مخطئ.
٣ - في هذه المجموعة أرانا الله تعالى موقف أهل النفاق من التعبئة والنفير، إذا أحسّوا بالخطر، وفي المجموعة التالية سنرى كيف أنهم يندفعون إذا شمّوا رائحة المكاسب والمغانم.
تفسير المجموعة الثانية من الفقرة الأولى
سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في عمرة الحديبية إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ أي: إلى غنائم، والمراد بذلك خروج المسلمين إلى خيبر ليخضعوها لكلمة الله، وكان في ذلك غنائم محققة بوعد الله الذي سنراه في هذه السورة، ومن ثم
стр. 5107
قال تعالى لِتَأْخُذُوها أي: لتأخذوا غنائمها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ أي: دعونا نسير معكم، فهم الآن يسألون أن يخرجوا معهم إلى المغنم لثقتهم أن المغنم حاصل، ولكنهم يتخلفون عند ما يظنون غير ذلك يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ أي: يريدون بذهابهم إلى خيبر أن يغيّروا موعد الله لأهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم لا يشاركهم فيها غيرهم من
الأعراب المتخلفين، فلا يقع غير ذلك شرعا ولا قدرا، ثم قال تعالى لرسوله ﷺ أن لا يأذن لهم في ذلك قال تعالى قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا أي: إلى خيبر كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ أي: إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية دون غيرهم. قال ابن كثير:
أي وعد الله أهل الحديبية قبل سؤالكم الخروج معهم فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا أي: لم يأمركم الله به بل تحسدوننا أن نشارككم في الغنيمة فهم دائما سيّئو الظن بالله ورسوله والمؤمنين. قال تعالى بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا أي ليس الأمر كما زعموا ولكن لا فهم لهم، وقد دلّت الآية على أن الذين يستحقون المغانم هم الذين يتحملون المغارم، وفي هذا درس كبير للمسلمين، فكثيرا ما دفعوا المغارم وأعطوا غيرهم المغانم، يدفعون الدم ويسمحون لغيرهم أن يقطف الثمرة.
كلمة في السياق: [حول عرض الله في الآيات السابقة لوجهين للمنافقين]
عرضت لنا هذه المجموعة الوجه الثاني للمنافقين، وفي كل من المجموعتين الأولى والثانية رأينا أن المنافقين لا يؤمنون بالله ورسوله، ولا ينصرون رسول الله ﷺ ، ولا يوقرونه ولا يعظمونه؛ ومن ثم فهم لا يحققون الحكمة التي من أجلها بعث الله رسوله ﷺ . وبعد أن عرض الله هذين الوجهين للمنافقين وأرانا صورتهم، تأتي الآن مجموعة تفتح لهؤلاء المنافقين طريق التوبة، وتدلهم على ما يصححون به المسار.
تفسير المجموعة الثالثة من الفقرة الأولى
قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ أي: الذين تخلّفوا عن الحديبية سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ قال النسفي: (يعني بني حنيفة قوم مسيلمة وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر ﵁؛ لأن مشركي العرب والمرتدين هم الذين لا يقبل منهم إلا
стр. 5108
الإسلام أو السيف). وقد وصف الله هؤلاء بقوله تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فدلّ ذلك على أن المراد بهؤلاء هم العرب؛ لأن العرب وحدهم لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، ففي الآية إخبار عن غيب وقع بعد ذلك، ثم قال تعالى فَإِنْ تُطِيعُوا أي:
تستجيبوا وتنفروا في الجهاد، وتؤدوا الذي عليكم فيه يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً هو الجنة. قال النسفي: وفي الآية دلالة على صحة خلافة الشيخين حيث وعدهم الثواب على طاعة الداعي عند دعوته بقوله فَإِنْ تُطِيعُوا من دعاكم إلى قتاله يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً فوجب أن يكون الداعي مفترض الطاعة، ثم قال تعالى وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يعني: زمن الحديبية حيث دعيتم فتخلفتم يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً أي:
في الآخرة، ثم ذكر الله تعالى الأعذار التي تبيح ترك الجهاد، فمنها لازم: كالعمى والعرج، وعارض: كالمرض الذي يطرأ أياما ثم يزول، فصاحبه في حال مرضه ملحق بذوي الأعذار اللازمة حتى يبرأ، أما إذا كان مريضا مرضا لا يبرأ فهو من أصحاب الأعذار اللازمة.
وقد ذكر الله الأعذار التي يباح بها ترك الجهاد في هذا السياق للبيان بأن هؤلاء لا يطالبون بالاستجابة لدعوة الجهاد فقال تعالى لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ قال النسفي: نفى الحرج عن ذوي العاهات في التخلف عن الغزو وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في الجهاد وغيره يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ أي: يعرض عن الطاعة فينكل عن الجهاد وغيره، ويقبل على المعاش على حساب الطاعة يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً قال ابن كثير: في الدنيا بالمذلة، وفي الآخرة بالنار، وبهذا انتهت الفقرة الأولى من المقطع الثاني.
كلمة في السياق: [حول الربط بين الفقرة الأولى وفاتحة المقطع والفقرة الثانية]
١ - تحدثت هذه الفقرة في مجموعاتها الثلاث عن المنافقين، وفتحت الطريق العملي لهم من أجل أن يتوبوا، وهو الجهاد الشاق الذي لا طمع فيه، فالتخلف عن التعبئة نفاق، والخلاص من النفاق يحتاج إلى مشاركة في تعبئة، وصلة ذلك بفاتحة المقطع واضحة لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ ...
٢ - جاء في المقطع الأول قوله تعالى لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ ..
стр. 5109
وختمت هذه الفقرة بقوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ .. فدلّ ذلك على أن دخول الجنة منوط بالطاعة في أمر الجهاد وغيره.
٣ - عرضت علينا الفقرة التي مرّت معنا صفات نموذج من الناس لم يؤمن برسول الله ﷺ ولم ينصره ولم ينصر دين الله، والآن تأتي فقرة تحدّثنا عن نموذج آخر، نموذج حقّق قول الله تعالى : لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا.
٤ - ورد في فواتح هذا المقطع قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ .. وها هي هذه الفقرة تبدأ بقوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ...
*** الفقرة الثانية من المقطع الثاني
تفسير المجموعة الأولى من الفقرة الثانية:
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ هي بيعة الرضوان وسميت بذلك لهذه الآية. قال ابن كثير: يخبر الله تعالى عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة، وقد تقدم ذكر عدتهم، وأنهم كانوا ألفا وأربعمائة، وأن الشجرة كانت سمرة بأرض الحديبية فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ قال النسفي: من الإخلاص وصدق الضمائر فيما بايعوا عليه وقال ابن كثير: من الصدق والوفاء والسمع والطاعة فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ قال ابن كثير: وهي الطمأنينة
وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً
أي: فكافأهم على الخير الذي في قلوبهم بالسكينة في قلوبهم، والفتح والنصر القريب في الدنيا، وفسر ابن كثير الفتح القريب بقوله: وهو ما أجرى الله على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم، وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتّصل بفتح خيبر وفتح مكة،
ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم، وما حصل لهم من العز والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها قال النسفي (هي مغانم خيبر، وكانت أرضا ذات عقار وأموال فقسّمها عليهم) ويفهم من كلام ابن كثير السابق أنها أعمّ من ذلك وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً أي:
стр. 5110
منيعا فلا يغلب حَكِيماً فيما يحكم فلا يعارض
وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها قال النسفي: هي ما أصابوه مع النبي ﷺ وبعده إلى يوم القيامة، وقال ابن كثير: يعني: فتح خيبر فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ قال الألوسي: «فكأنه قيل: فعجّل لكم هذه المغانم، وعجّل لكم مغانم أخرى وهي مغانم هوازن في غزوة حنين وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ قال ابن كثير: أي: لم ينلكم سوء مما كان أعداؤكم أضمروه لكم من المحاربة والقتال، وكذلك كفّ أيدي الناس عنكم، الذين خلفتموهم وراء ظهوركم عن عيالكم وحريمكم وَلِتَكُونَ أي: هذه الكفّة آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ في كل زمان ومكان، أي عبرة يعرفون بها أنهم من الله بمكان، وأنه ضامن نصرتهم والفتح عليهم. قال ابن كثير: أي يعتبرون بذلك، فإن الله تعالى حافظهم وناصرهم على سائر الأعداء مع قلة عددهم، وليعلموا بصنيع الله هذا بهم أنه العالم بعواقب الأمور، وأن الخيرة فيما يختاره لعباده المؤمنين وإن كرهوه في الظاهر وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً قال ابن كثير: أي بسبب انقيادكم لأمره، واتباعكم طاعته، وموافقتكم رسوله ﷺ ، وقال النسفي: (ويزيدكم بصيرة ويقينا وثقة بفضل الله)
وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها أي: ووعدكم مغانم أخرى لم تقدروا عليها حتى الآن، أو لم تكونوا لتقدروا عليها لولا توفيق الله ، ومن ثم قال قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها قال النسفي: أي قدر عليها واستولى وأظهركم عليها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً أي: قادرا، وقد اختلف المفسرون في هذه الغنيمة ما المراد بها، فاختار ابن جرير أنها فتح مكة، وقال ابن أبي ليلى والحسن البصري: هي فارس والروم، وقال مجاهد: هي كل فتح وغنيمة إلى يوم القيامة، وقال ابن عباس: هذه الفتوح التي تفتح إلى اليوم، قال ابن كثير في الآية: (أي وغنيمة أخرى وفتحا آخر معينا لم تكونوا تقدرون عليها قد يسرها الله عليكم، وأحاط بها لكم. فإنه تعالى يرزق عباده المتقين له من حيث لا يحتسبون) ثم قال تعالى
وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ أي: لغلبوا وانهزموا ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا يلي أمرهم وَلا نَصِيراً ينصرهم. قال ابن كثير في الآية: يقول مبشرا لعباده المؤمنين بأنه لو ناجزهم المشركون لنصر الله رسوله وعباده المؤمنين عليهم، ولا نهزم جيش الكفر فارّا مدبرا لا يجدون وليا ولا نصيرا، لأنهم محاربون لله ولرسوله ولحزبه المؤمنين
سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ أي: مضت مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا أي: تغييرا قال ابن كثير: أي هذه سنة الله وعادته في خلقه، ما تقابل الكفر والإيمان في موطن فيصل إلا نصر الله الإيمان على الكفر، فرفع الحق،
стр. 5111
ووضع الباطل، كما فعل تعالى يوم بدر بأوليائه المؤمنين، نصرهم على أعدائه من المشركين، مع قلة عدة المسلمين وعددهم، وكثرة المشركين وعددهم.
كلمة في السياق: [حول نموذج للمطيعين ومظاهر ثواب المبايعين الصادقين وصلة الفقرة الثانية بالمقطع الأول]
١ - نلاحظ أن الفقرة الأولى في هذا المقطع ختمت بقوله تعالى وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً ثم جاء بعد ذلك مباشرة قوله تعالى لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ..
فالفقرة الثانية تحدثنا عن نموذج لهؤلاء المطيعين لله ورسوله ﷺ المستحقين للجنات.
٢ - بدأ المقطع الثاني بقوله تعالى إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً* لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا* إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً وقد جاءت الفقرة الأولى فأرتنا النموذج المنافق الذي لم يعط الرسالة حقها وإن ادعى أنه مع المؤمنين، ثم جاءت الفقرة الثانية فحدّثتنا عن النموذج القائم بحق الرسالة من إيمان ونصرة وتعظيم، من خلال الكلام عن الذين بايعوا بيعة الرضوان، فكانوا نموذجا حقا للمبايعين الصادقين، وأرانا الله ماذا أثابهم في الدنيا على هذا:
١ - إنزال السكينة عليهم
٢ - الفتح القريب
٣ - المغانم الكثيرة التي منها المعجّل، وهو ما سيعطيه إياهم في خيبر، ومنها ما بعد ذلك
٤ - كف أيدي الناس عنهم، فلم يؤذوا في أنفسهم ولم يؤذ أهلوهم في المدينة المنورة.
٥ - الهداية إلى الصراط المستقيم، وفي ذلك بشارة لهم أنهم سيوفقون إلى العمل بالإسلام حتى يموتوا عليه.
٦ - الغنائم التي لم تكن تخطر ببالهم أنهم يقدرون عليها مما سيفتحه الله عليهم فيما بعد من فارس والروم وغيرهما.
٧ - البشارة لهم في كل معركة أنهم منصورون، وفي ذلك تزكية لهم بأنهم يستحقون
стр. 5112
النصر الرباني، لتوفر شروط ذلك فيهم، وهذا كله ببركات هذه البيعة الصادقة لرسول الله ﷺ إيمانا به، وقياما بحق نصرته، وتوقيرا له، أي تحقيقا لما يطالب الله به عباده من قيام بحق رسالته.
٣ - نلاحظ أنه قد مرّ معنا في المقطع الأول قوله تعالى هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ .. وأنه قد جاء في هذه الفقرة قوله تعالى لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ لاحظ ورود كلمة (السكينة) في الآيتين، فكأن الفقرة تفصّل في تبيان الوقت الذي أنزلت فيه السكينة التي تحدث عنها المقطع الأول، وهو عقب البيعة لرسول الله ﷺ على عدم الفرار، أو على الموت في سبيل الله، وذلك موقف أحوج ما يكون فيه الإنسان للطمأنينة؛ إذ يقرر أن يموت، وهذا أول مظهر من مظاهر صلة الفقرة هذه بالمقطع الأول. كما نلاحظ أن المقطع الأول ورد فيه قوله تعالى لرسوله ﷺ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً .. كما ورد فيه وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً ..
ونلاحظ أنه قد ورد في هذه الفقرة قوله تعالى وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً، وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً مما يشير إلى أن بعض ما أكرم الله به رسوله ﷺ مما نصت عليه أوائل السورة- قد أشرك الله فيه المؤمنين.
تفسير المجموعة الثانية من الفقرة الثانية:
وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ أي: أيدي أهل مكة عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ أي: عن أهل مكة يعني قضى بينهم وبينكم المكافّة والمحاجزة بعد ما خوّلكم الظفر عليهم والغلبة، وذلك يوم الحديبية بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ أي: أقدركم وسلّطكم وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً قال ابن كثير: (هذا امتنان من الله تعالى على عباده المؤمنين حين كف أيدي المشركين عنهم، فلم يصل إليهم منهم سوء، وكفّ أيدي المؤمنين عن المشركين، فلم يقاتلوهم عند المسجد الحرام، بل صان كلا من الفريقين، وأوجد بينهم صلحا فيه خيرة للمؤمنين، وعاقبته لهم في الدنيا والآخرة).
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي: هم الكفار الذين استغرقهم الكفر وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي: منعوكم عن العمرة لله في المسجد الحرام وَالْهَدْيَ هو ما يهدى إلى الكعبة من الأنعام مَعْكُوفاً أي: محبوسا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ أي:
стр. 5113
مكانه الذي يحل فيه نحره. قال ابن كثير: أي وصدّوا الهدي أن يصل إلى محله وهذا من بغيهم وعنادهم، وكان الهدي سبعين بدنة كما سيأتي بيانه وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ بمكة أي: بين أظهر أهلها ممن يكتم إيمانه ويخفيه منهم، خيفة على أنفسهم من قومهم، ومن ثم قال تعالى لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ أي: إثم وغرامة. قال النسفي: أي إثم وشدة .. وهو الكفارة إذا قتله خطأ.
وسوء قالة المشركين أنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا من غير تمييز، والإثم إذا قصد بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني أن تطئوهم غير عالمين بهم. قال النسفي: والوطء عبارة عن الإيقاع والإبادة والمعنى: أنه كان بمكة قوم من المسلمين مختلطون بالمشركين غير متميزين منهم، فقيل: ولولا كراهة أن تهلكوا ناسا مؤمنين بين ظهراني المشركين وأنتم غير عارفين بهم فيصيبكم بإهلاكهم مكروه ومشقة لما كفّ أيديكم عنهم). وباختصار: أي لولا هؤلاء لسلطناكم عليهم فقتلتموهم، وأبدتم خضراءهم، ولكن بين أفنائهم من المؤمنين والمؤمنات أقوام لا تعرفونهم حالة القتل، فكففنا أيديكم عنهم لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ قال ابن كثير: أي يؤخر عقوبتهم ليخلص من بين أظهرهم المؤمنين، وليرجع كثير منهم إلى الإسلام. وقال النسفي: وقوله لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ تعليل لما دلّت عليه الآية وسيقت له من كف الأيدي عن أهل مكة والمنع عن قتلهم صونا من بين أظهرهم من المؤمنين كأنه قال: كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله في رحمته أي في توفيقه لزيادة الخير والطاعة مؤمنيهم، أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من مشركيهم). لَوْ تَزَيَّلُوا أي: لو تميّز الكافرون من المؤمنين الذين بين أظهرهم. قال النسفي: أي: لو تفرقوا وتميز المسلمون من الكافرين لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ أي: من أهل مكة عَذاباً أَلِيماً قال ابن كثير: أي لسلّطناكم عليهم، فلقتلتموهم قتلا ذريعا
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ أي: الأنفة حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ أي: أنفتها التي هي أثر الجهل، وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه رسول الله ﷺ ، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم. وحالوا بينهم وبين البيت فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ المراد بالسكينة هنا الطمأنينة والوقار والحلم، وهو ما قابلوا به حمية المشركين في المواقف التي رأيناها وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى أي: كلمة التوحيد التي هي عماد التقوى، والتي تجعل صاحبها لا يتحرك إلا أثرا عنها وَكانُوا أي: المؤمنون أَحَقَّ بِها من غيرهم وَأَهْلَها بتأهيل الله إياهم وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً فيجري الأمور على مصالحها، أي هو عليم بمن
стр. 5114
يستحق الخير ممن يستحق الشر.
كلمة في السياق: [حول تأييد الله لأهل الإيمان وأن التوفيق بسبب استقرار كلمة التوحيد في القلوب]
١ - منّ الله على المؤمنين في المجموعة الأولى بأن كفّ أيدي الناس عنهم، وبيّن في هذه المجموعة أن الكفّ كان من الطرفين، وذلك لحكمة هي عصمة دم المؤمنين الذين يكتمون إيمانهم بمكة، فالمسلمون كفّوا أيديهم مع إقدار الله إياهم على استئصال الكافرين من أجل هؤلاء، وكان من أثر ذلك كف أيدي الكافرين عن المسلمين، فكانت المصلحة كاملة فيما حدث، وذلك كله من مظاهر تأييد الله لأهل الإيمان والإسلام، فالمجموعة فصلت في معنى موجود في المجموعة السابقة عليها، كما أوضحت معنى
عاما نراه في السورة كلها، وهو رعاية الله لأهل الإيمان، وفعله من أجلهم.
٢ - رأينا في المجموعة كيف أن الكافرين لا يؤمنون بالله ورسوله ﷺ ولا يوقرون رسول الله ﷺ ، ولا يعظمونه ولا ينصرونه، فالمجموعة إذن ترينا نموذجا آخر من الناس الذين لا يؤدون حق الله في إقامة حقوق رسوله ﷺ وهم الكافرون، وذلك يدلنا على صلة المجموعة في مقدمة المقطع.
٣ - رأينا في المجموعة قوله تعالى فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها فهذا موطن آخر من مواطن إنزال السكينة على المؤمنين التي تحدث عنها المقطع الأول من السورة، وهي مرحلة المفاوضات، وما أعقبها من هزة عنيفة في الأنفس، فمنّ الله على المؤمنين بتجاوز ذلك كله، بفضل استقرار كلمة التوحيد في قلوبهم، وتحققهم بمعناها ومقتضاها، وحملهم إياها حق الحمل، وهذا يشير إلى أن المسلمين قاموا بحق الرسالة حق القيام، وبسبب هذا كان الله يوفقهم في المواقف كلها ويعصمهم.
***
стр. 5115
تفسير الفقرة الثالثة من المقطع الثاني
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا أي: صدقه في رؤياه ولم يكذبه بِالْحَقِّ قال النسفي: أي صدقه فيما رأى وفي كونه وحصوله صدقا ملتبسا بالحق، أي بالحكمة البالغة، وذلك ما فيه من الابتلاء والتمييز بين المؤمن الخالص وبين من في قلبه مرض لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ قال ابن كثير: هذا لتحقيق الخبر وتوكيده، وليس هذا من باب الاستثناء في شئ آمِنِينَ أي: في حال دخولكم مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ أي: منكم من يحلق جميع شعره، ومنكم من يقصره لا تَخافُونَ قال ابن كثير: فأثبت لهم الأمن حال الدخول، ونفى عنهم الخوف حال استقرارهم في البلد لا يخافون من أحد، وهذا كان في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا قال ابن كثير: أي فعلم الله من الخيرة والمصلحة في صرفكم عن مكة ودخولكم إليها عامكم ذلك ما لم تعلموا أنتم فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ أي: قبل دخولكم الذي وعدتم به في رؤيا النبي ﷺ فَتْحاً قَرِيباً قال ابن كثير: وهو الصلح الذي كان بينكم وبين أعدائكم من المشركين، وقال النسفي: وهو فتح خيبر لتستروح إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسر الفتح الموعود، وقد كان ذلك كله، فهذه الآية من معجزات القرآن، وقصة الرؤيا التي ذكرتها الآية كما قال ابن كثير: (كان رسول الله ﵌ قد رأى في المنام أنه دخل مكة، وطاف بالبيت، فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فلما ساروا عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام، فلما وقع من قضية الصلح ورجعوا عامهم ذلك على أن يعودوا من قابل، وقع في نفس بعض الصحابة ﵃ من ذلك شئ، حتى سأل عمر بن الخطاب ﵁ في ذلك فقال له فيما قال: أفلم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: «بلى أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟» قال: لا، قال النبي ﷺ : «فإنك آتيه ومطوف به» وبهذا أجاب الصديق ﵁ أيضا حذو القذة بالقذة
كلمة في السياق: [حول تدليلها على إحاطة علم الله]
جاءت هذه الآية بعد قوله تعالى وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً فكان فيها تدليل على إحاطة علم الله، ومن ثم ورد فيها قوله تعالى فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا وفي هذا