← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

ووضع الباطل، كما فعل تعالى يوم بدر بأوليائه المؤمنين، نصرهم على أعدائه من المشركين، مع قلة عدة المسلمين وعددهم، وكثرة المشركين وعددهم. كلمة في السياق: [حول نموذج للمطيعين ومظاهر ثواب المبايعين الصادقين وصلة الفقرة الثانية بالمقطع الأول] ١ - نلاحظ أن الفقرة الأولى في هذا المقطع ختمت بقوله تعالى وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً ثم جاء بعد ذلك مباشرة قوله تعالى لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ .. فالفقرة الثانية تحدثنا عن نموذج لهؤلاء المطيعين لله ورسوله ﷺ المستحقين للجنات. ٢ - بدأ المقطع الثاني بقوله تعالى إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً* لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا* إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً وقد جاءت الفقرة الأولى فأرتنا النموذج المنافق الذي لم يعط الرسالة حقها وإن ادعى أنه مع المؤمنين، ثم جاءت الفقرة الثانية فحدّثتنا عن النموذج القائم بحق الرسالة من إيمان ونصرة وتعظيم، من خلال الكلام عن الذين بايعوا بيعة الرضوان، فكانوا نموذجا حقا للمبايعين الصادقين، وأرانا الله ماذا أثابهم في الدنيا على هذا: ١ - إنزال السكينة عليهم ٢ - الفتح القريب ٣ - المغانم الكثيرة التي منها المعجّل، وهو ما سيعطيه إياهم في خيبر، ومنها ما بعد ذلك ٤ - كف أيدي الناس عنهم، فلم يؤذوا في أنفسهم ولم يؤذ أهلوهم في المدينة المنورة. ٥ - الهداية إلى الصراط المستقيم، وفي ذلك بشارة لهم أنهم سيوفقون إلى العمل بالإسلام حتى يموتوا عليه. ٦ - الغنائم التي لم تكن تخطر ببالهم أنهم يقدرون عليها مما سيفتحه الله عليهم فيما بعد من فارس والروم وغيرهما. ٧ - البشارة لهم في كل معركة أنهم منصورون، وفي ذلك تزكية لهم بأنهم يستحقون

стр. 5112

النصر الرباني، لتوفر شروط ذلك فيهم، وهذا كله ببركات هذه البيعة الصادقة لرسول الله ﷺ إيمانا به، وقياما بحق نصرته، وتوقيرا له، أي تحقيقا لما يطالب الله به عباده من قيام بحق رسالته. ٣ - نلاحظ أنه قد مرّ معنا في المقطع الأول قوله تعالى هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ .. وأنه قد جاء في هذه الفقرة قوله تعالى لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ لاحظ ورود كلمة (السكينة) في الآيتين، فكأن الفقرة تفصّل في تبيان الوقت الذي أنزلت فيه السكينة التي تحدث عنها المقطع الأول، وهو عقب البيعة لرسول الله ﷺ على عدم الفرار، أو على الموت في سبيل الله، وذلك موقف أحوج ما يكون فيه الإنسان للطمأنينة؛ إذ يقرر أن يموت، وهذا أول مظهر من مظاهر صلة الفقرة هذه بالمقطع الأول. كما نلاحظ أن المقطع الأول ورد فيه قوله تعالى لرسوله ﷺ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً .. كما ورد فيه وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً .. ونلاحظ أنه قد ورد في هذه الفقرة قوله تعالى وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً، وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً مما يشير إلى أن بعض ما أكرم الله به رسوله ﷺ مما نصت عليه أوائل السورة- قد أشرك الله فيه المؤمنين. تفسير المجموعة الثانية من الفقرة الثانية: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ أي: أيدي أهل مكة عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ أي: عن أهل مكة يعني قضى بينهم وبينكم المكافّة والمحاجزة بعد ما خوّلكم الظفر عليهم والغلبة، وذلك يوم الحديبية بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ أي: أقدركم وسلّطكم وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً قال ابن كثير: (هذا امتنان من الله تعالى على عباده المؤمنين حين كف أيدي المشركين عنهم، فلم يصل إليهم منهم سوء، وكفّ أيدي المؤمنين عن المشركين، فلم يقاتلوهم عند المسجد الحرام، بل صان كلا من الفريقين، وأوجد بينهم صلحا فيه خيرة للمؤمنين، وعاقبته لهم في الدنيا والآخرة). هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي: هم الكفار الذين استغرقهم الكفر وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي: منعوكم عن العمرة لله في المسجد الحرام وَالْهَدْيَ هو ما يهدى إلى الكعبة من الأنعام مَعْكُوفاً أي: محبوسا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ أي:

стр. 5113

مكانه الذي يحل فيه نحره. قال ابن كثير: أي وصدّوا الهدي أن يصل إلى محله وهذا من بغيهم وعنادهم، وكان الهدي سبعين بدنة كما سيأتي بيانه وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ بمكة أي: بين أظهر أهلها ممن يكتم إيمانه ويخفيه منهم، خيفة على أنفسهم من قومهم، ومن ثم قال تعالى لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ أي: إثم وغرامة. قال النسفي: أي إثم وشدة .. وهو الكفارة إذا قتله خطأ. وسوء قالة المشركين أنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا من غير تمييز، والإثم إذا قصد بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني أن تطئوهم غير عالمين بهم. قال النسفي: والوطء عبارة عن الإيقاع والإبادة والمعنى: أنه كان بمكة قوم من المسلمين مختلطون بالمشركين غير متميزين منهم، فقيل: ولولا كراهة أن تهلكوا ناسا مؤمنين بين ظهراني المشركين وأنتم غير عارفين بهم فيصيبكم بإهلاكهم مكروه ومشقة لما كفّ أيديكم عنهم). وباختصار: أي لولا هؤلاء لسلطناكم عليهم فقتلتموهم، وأبدتم خضراءهم، ولكن بين أفنائهم من المؤمنين والمؤمنات أقوام لا تعرفونهم حالة القتل، فكففنا أيديكم عنهم لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ قال ابن كثير: أي يؤخر عقوبتهم ليخلص من بين أظهرهم المؤمنين، وليرجع كثير منهم إلى الإسلام. وقال النسفي: وقوله لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ تعليل لما دلّت عليه الآية وسيقت له من كف الأيدي عن أهل مكة والمنع عن قتلهم صونا من بين أظهرهم من المؤمنين كأنه قال: كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله في رحمته أي في توفيقه لزيادة الخير والطاعة مؤمنيهم، أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من مشركيهم). لَوْ تَزَيَّلُوا أي: لو تميّز الكافرون من المؤمنين الذين بين أظهرهم. قال النسفي: أي: لو تفرقوا وتميز المسلمون من الكافرين لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ أي: من أهل مكة عَذاباً أَلِيماً قال ابن كثير: أي لسلّطناكم عليهم، فلقتلتموهم قتلا ذريعا إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ أي: الأنفة حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ أي: أنفتها التي هي أثر الجهل، وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه رسول الله ﷺ ، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم. وحالوا بينهم وبين البيت فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ المراد بالسكينة هنا الطمأنينة والوقار والحلم، وهو ما قابلوا به حمية المشركين في المواقف التي رأيناها وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى أي: كلمة التوحيد التي هي عماد التقوى، والتي تجعل صاحبها لا يتحرك إلا أثرا عنها وَكانُوا أي: المؤمنون أَحَقَّ بِها من غيرهم وَأَهْلَها بتأهيل الله إياهم وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً فيجري الأمور على مصالحها، أي هو عليم بمن

стр. 5114

يستحق الخير ممن يستحق الشر. كلمة في السياق: [حول تأييد الله لأهل الإيمان وأن التوفيق بسبب استقرار كلمة التوحيد في القلوب] ١ - منّ الله على المؤمنين في المجموعة الأولى بأن كفّ أيدي الناس عنهم، وبيّن في هذه المجموعة أن الكفّ كان من الطرفين، وذلك لحكمة هي عصمة دم المؤمنين الذين يكتمون إيمانهم بمكة، فالمسلمون كفّوا أيديهم مع إقدار الله إياهم على استئصال الكافرين من أجل هؤلاء، وكان من أثر ذلك كف أيدي الكافرين عن المسلمين، فكانت المصلحة كاملة فيما حدث، وذلك كله من مظاهر تأييد الله لأهل الإيمان والإسلام، فالمجموعة فصلت في معنى موجود في المجموعة السابقة عليها، كما أوضحت معنى عاما نراه في السورة كلها، وهو رعاية الله لأهل الإيمان، وفعله من أجلهم. ٢ - رأينا في المجموعة كيف أن الكافرين لا يؤمنون بالله ورسوله ﷺ ولا يوقرون رسول الله ﷺ ، ولا يعظمونه ولا ينصرونه، فالمجموعة إذن ترينا نموذجا آخر من الناس الذين لا يؤدون حق الله في إقامة حقوق رسوله ﷺ وهم الكافرون، وذلك يدلنا على صلة المجموعة في مقدمة المقطع. ٣ - رأينا في المجموعة قوله تعالى فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها فهذا موطن آخر من مواطن إنزال السكينة على المؤمنين التي تحدث عنها المقطع الأول من السورة، وهي مرحلة المفاوضات، وما أعقبها من هزة عنيفة في الأنفس، فمنّ الله على المؤمنين بتجاوز ذلك كله، بفضل استقرار كلمة التوحيد في قلوبهم، وتحققهم بمعناها ومقتضاها، وحملهم إياها حق الحمل، وهذا يشير إلى أن المسلمين قاموا بحق الرسالة حق القيام، وبسبب هذا كان الله يوفقهم في المواقف كلها ويعصمهم. ***

стр. 5115

تفسير الفقرة الثالثة من المقطع الثاني لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا أي: صدقه في رؤياه ولم يكذبه بِالْحَقِّ قال النسفي: أي صدقه فيما رأى وفي كونه وحصوله صدقا ملتبسا بالحق، أي بالحكمة البالغة، وذلك ما فيه من الابتلاء والتمييز بين المؤمن الخالص وبين من في قلبه مرض لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ قال ابن كثير: هذا لتحقيق الخبر وتوكيده، وليس هذا من باب الاستثناء في شئ آمِنِينَ أي: في حال دخولكم مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ أي: منكم من يحلق جميع شعره، ومنكم من يقصره لا تَخافُونَ قال ابن كثير: فأثبت لهم الأمن حال الدخول، ونفى عنهم الخوف حال استقرارهم في البلد لا يخافون من أحد، وهذا كان في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا قال ابن كثير: أي فعلم الله من الخيرة والمصلحة في صرفكم عن مكة ودخولكم إليها عامكم ذلك ما لم تعلموا أنتم فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ أي: قبل دخولكم الذي وعدتم به في رؤيا النبي ﷺ فَتْحاً قَرِيباً قال ابن كثير: وهو الصلح الذي كان بينكم وبين أعدائكم من المشركين، وقال النسفي: وهو فتح خيبر لتستروح إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسر الفتح الموعود، وقد كان ذلك كله، فهذه الآية من معجزات القرآن، وقصة الرؤيا التي ذكرتها الآية كما قال ابن كثير: (كان رسول الله ﵌ قد رأى في المنام أنه دخل مكة، وطاف بالبيت، فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فلما ساروا عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام، فلما وقع من قضية الصلح ورجعوا عامهم ذلك على أن يعودوا من قابل، وقع في نفس بعض الصحابة ﵃ من ذلك شئ، حتى سأل عمر بن الخطاب ﵁ في ذلك فقال له فيما قال: أفلم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: «بلى أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟» قال: لا، قال النبي ﷺ : «فإنك آتيه ومطوف به» وبهذا أجاب الصديق ﵁ أيضا حذو القذة بالقذة كلمة في السياق: [حول تدليلها على إحاطة علم الله] جاءت هذه الآية بعد قوله تعالى وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً فكان فيها تدليل على إحاطة علم الله، ومن ثم ورد فيها قوله تعالى فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا وفي هذا

стр. 5116

السياق الذي يرى فيه الإنسان بشكل قطعي من خلال السورة إحاطة علم الله، ورعاية الله لرسوله ﷺ وللمؤمنين، ويرى فيه علم الله المحيط بالزمان والمكان وكل شئ، ويرى فيه صنع الله لرسوله ﷺ : يقول تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى قال النسفي: بالتوحيد وَدِينِ الْحَقِّ قال النسفي: أي الإسلام وقال ابن كثير: أي بالعلم النافع والعمل الصالح. فإن الشريعة تشتمل على شيئين: علم وعمل، فالعلم الشرعي صحيح، والعمل الشرعي مقبول، فإخباراتها حق وإنشاءاتها عدل لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ قال ابن كثير: أي على أهل جميع الأديان في سائر أهل الأرض من عرب وعجم، وصليبيين ومشركين وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً على أن ما وعد به كائن، وقد كان ذلك، وسيكون كما سنرى في الفوائد. كلمة في السياق: ١ - جاءت هذه البشارة بعد مقدمات كثيرة في السورة تناسب هذه البشارة، وذلك درس عظيم من دروس هذه السورة، فإن الأمل بنصر الله وانتصار الإسلام يدفع المسلم إلى أقصى حدود العمل، ويفجّر طاقاته في بذل الجهد، على خلاف ما لو لم يكن هناك أمل. وهذا موضوع غاب عن كثير من العلماء والربانيين، فأصبح كلامهم كله يأسا يعتقدونه، ويربون المسلمين عليه، فأي جهل هذا، وأي هلاك! قال ﵊: «من قال هلك المسلمون فهو أهلكهم». ٢ - رأينا صلة الآية السابقة بما قبلها مباشرة، وأما صلتها بمقدمة مقطعها فواضحة: فقد بدأ المقطع بقوله سبحانه إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً .. وتأتي هذه الآية لتصف مضمون الرسالة، وتبشر بانتصار هذا الدين. ٣ - وأما صلتها بالمقطع الأول فواضحة كذلك، فالسورة بدأت بقوله تعالى إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ومن حادثة الحديبية التي هي نموذج على النصر تنتقل السورة من معنى إلى معنى يؤكّد التوفيق المتلاحق لأهل هذا الدين حتى تستقر السورة على البشارة العظيمة بالانتصار العام الشامل لهذا الدين، وبعد هذا كله تأتي آية هي خاتمة السورة، تتحدث عن خصائص هذه الأمة، وعن خصائص الرسول ﷺ وأصحابه.

стр. 5117

مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ هذا هو وصفه أنه رسول الله وَالَّذِينَ مَعَهُ أي: أصحابه أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ قال ابن كثير: (وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدا عنيفا على الكفار، رحيما برا بالأخيار، غضوبا عبوسا في وجه الكافر، ضحوكا بشوشا في وجه أخيه المؤمن)، وقال النسفي: (وبلغ من تشددهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم، ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمنا إلا صافحه وعانقه). تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً أي: راكعين ساجدين يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً قال ابن كثير: وصفهم بكثرة العمل، وكثرة الصلاة، وهي خير الأعمال، ووصفهم بالإخلاص فيها لله ، والاحتساب عند الله جزيل الثواب وهو الجنة المشتملة على فضل الله ، وهو سعة الرزق عليهم، ورضاه تعالى عنهم، وهو أكبر من الاحتساب سِيماهُمْ أي: علامتهم فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ قال ابن عباس: يعني السمت الحسن، وقال مجاهد وغيره: يعني الخشوع والتواضع، وقال السدي: الصلاة تحسّن وجوههم ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ أي: ذلك المذكور هو صفتهم في التوراة وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ أي: فراخه فَآزَرَهُ أي: فقوّاه وشدّه فَاسْتَغْلَظَ أي: شبّ وطال، فانتقل من الرّقة إلى الغلظ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ أي: فاستقام على قصبه، والسوق جمع ساق يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ أي يتعجبون من قوته قال ابن كثير: (أي فكذلك أصحاب رسول الله ﷺ آزروه وأيدوه ونصروه، فهم معه كالشطء مع الزرع) وقال النسفي: وهذا مثل ضربه الله تعالى لبدء الإسلام، وترقيه في الزيادة إلى أن قوي واستحكم، لأن النبي ﷺ قام وحده ثم قوّاه الله تعالى بمن آمن معه، كما يقوى الطاقة الأولى من الزرع ما يحتفّ بها مما يتولد منها حتى يعجب الزّراع لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ قال ابن كثير: (ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك رحمة الله عليه- في رواية عنه- بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة ﵃، قال: لأنهم يغيظونهم، ومن غاظ الصحابة ﵃ فهو كافر لهذه الآية، ووافقه طائفة من العلماء ﵃ على ذلك، والأحاديث في فضل الصحابة ﵃ والنهي عن التعرض بمساويهم كثيرة، ويكفيهم ثناء الله عليهم ورضاه عنهم) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً لذنوبهم وَأَجْراً عَظِيماً أي: ثوابا جزيلا ورزقا كريما قال ابن كثير: (ووعد الله حق وصدق لا يخلف ولا يبدّل، وكل من اقتفى أثر الصحابة رضي الله

стр. 5118

عنهم فهو في حكمهم، ولهم الفضل والسبق والكمال الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمة). وقال النسفي: (هذه الآية ترد قول الروافض أنهم كفروا بعد وفاة النبي ﷺ إذ الوعد لهم بالمغفرة والأجر العظيم إنما يكون أن لو ثبتوا على ما كانوا عليه في حياته). كلمة في السياق: ١ - ما صلة هذه الآية بما قبلها؟ في الآية التي قبلها كان الحديث عن ظهور الإسلام على الدين كله، وفي هذه الآية كان حديث عن كيفية هذا الظهور كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى .. فالآية تبيّن كيفية نمو هذا الإسلام، كما تبين الآية خصائص الذين سيقومون بهذا الدور، من رحمة بالمؤمنين، وشدة على الكافرين، وركوع وسجود، وإخلاص وإيمان وعمل صالح. ٢ - وأما صلة الآية الأخيرة بمقطعها فإن بداية المقطع هي: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً* لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا والآية الأخيرة تذكر خصائص رسول الله ﷺ والمستجيبين له، كما تذكر البشارة برسول الله ﷺ وأمته في التوراة والإنجيل، فرسالته ﵊ ممهد لها من قبل في رسالات الله. ٣ - وأما صلة الآية بالمقطع الأول فهي أن المقطع الأول تحدّث عن فعل الله برسوله ﷺ وبالمؤمنين، وما أعد الله للمؤمنين من جنات. والآية الأخيرة تحدثنا عن رسول الله ﷺ والمؤمنين، وعن وعد الله لهم بالمغفرة والأجر العظيم. ٤ - وأما صلة الآية بالمحور حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ فمن حيث إنها تصف حال الرسول ﷺ ومن معه، وتصف الحال التي بها ينالون النصر. فوائد [حول السورة:] ١ - [كلام ابن كثير عن البيعة بمناسبة آية إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ .. ] بمناسبة قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ قال ابن كثير: (روى عبد الملك بن هشام النحوي عن الشعبي قال: إن أول من بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي، وروى أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدى عن

стр. 5119

الشعبي قال دعا رسول الله ﷺ إلى البيعة فكان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي فقال: ابسط يدك أبايعك، فقال النبي ﷺ «علام تبايعني؟» فقال أبو سنان ﵁: على ما في نفسك، هذا أبو سنان بن وهب الأسدي ﵁. وروى البخاري عن نافع ﵁ قال: إن الناس يتحدثون أن ابن عمر ﵄ أسلم قبل عمر، وليس كذلك، ولكن عمر ﵁ يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار أن يأتي به ليقاتل عليه، ورسول الله ﷺ يبايع عند الشجرة، وعمر ﵁ لا يدري بذلك، فبايعه عبد الله ﵁ ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى عمر ﵁ وعمر ﵁ يستلئم للقتال، فأخبره أن رسول الله ﷺ يبايع تحت الشجرة، فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وهي التي يتحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر ﵄. وروى البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: إن الناس كانوا مع رسول الله ﷺ قد تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون بالنبي ﷺ فقال- يعني عمر ﵁ يا عبد الله انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله ﷺ ، فوجدهم يبايعون فبايع ثم رجع إلى عمر ﵁ فخرج فبايع. وقد أسنده البيهقي، وقال الليث عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه، وعمر ﵁ آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة، وقال: بايعناه على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت. رواه مسلم عن قتيبة عنه. وروى مسلم عن معقل بن يسار ﵁ قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي ﷺ يبايع الناس، وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة قال: ولم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر. وروى البخاري عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: بايعت رسول الله ﷺ تحت الشجرة قال يزيد: قلت: يا أبا سلمة، على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت، وروى البخاري أيضا عن سلمة ﵁ قال: بايعت رسول الله ﷺ يوم الحديبية ثم تنحيت فقال ﷺ «يا سلمة، ألا تبايع؟» قلت: قد بايعت، قال ﷺ : «أقبل فبايع» فدنوت فبايعته، قلت: علام بايعته يا سلمة؟ قال: على الموت. وأخرجه مسلم من وجه آخر، وكذا روى البخاري عن عباد بن تميم أنهم بايعوه على الموت. وروى البيهقي عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: قدمت الحديبية مع رسول الله ﷺ ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة لا ترويها، فقعد رسول الله ﷺ على جباها- يعني الركى- فإما دعا وإما بصق فيها

стр. 5120

فجاشت فسقينا واستقينا، قال: ثم إن رسول الله ﷺ دعا إلى البيعة في أصل الشجرة، فبايعته أول الناس، ثم بايع وبايع حتى إذا كان في وسط الناس قال ﷺ : «بايعني يا سلمة» قال: قلت يا رسول الله قد بايعتك في أول الناس قال ﷺ «وأيضا» قال ورآني رسول الله ﷺ عزلا فأعطاني جحفة أو درقة، ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس قال ﷺ : «ألا تبايع يا سلمة؟» قال: قلت: يا رسول الله قد بايعتك في أول الناس وأوسطهم، قال ﷺ : «وأيضا» فبايعته الثالثة فقال رسول الله ﷺ : «يا سلمة أين جحفتك أو درقتك التي أعطيتك؟» قال: قلت يا رسول الله لقيني عامر عزلا فأعطيتها إياه، فضحك رسول الله ﷺ ثم قال: «إنك كالذي قال الأول اللهم ابغني حبيبا هو أحب إليّ من نفسي» قال: ثم إن المشركين من أهل مكة راسلونا في الصلح حتى مشى بعضنا في بعض فاصطلحنا، قال: وكنت خادما لطلحة بن عبيد الله ﵁ أسقي فرسه وأجنبه، وآكل من طعامه، وتركت أهلي ومالي مهاجرا إلى الله ورسوله، فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة، واختلط بعضنا في بعض، أتيت شجرة فكشحت شوكها، ثم اضطجعت في أصلها في ظلها، فأتاني أربعة من مشركي أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ فأبغضتهم وتحولت إلى شجرة أخرى، فعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين قتل ابن زنيم، فاخترطت سيفي فشددت على أولئك الأربعة وهم رقود، فأخذت سلاحهم وجعلته ضغثا في يدي، ثم قلت: والذي كرم وجه محمد ﷺ لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه، قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ قال: وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له مكرز من المشركين يقوده، حتى وقفنا بهم على رسول الله ﷺ في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله ﷺ وقال: «دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناؤه» فعفا عنهم رسول الله ﷺ ، وأنزل الله وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ الآية. وهكذا رواه مسلم وثبت في الصحيحين عن سعيد بن المسيب قال: كان أبي ممن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قال فانطلقنا من قابل حاجين فخفي علينا مكانها، فإن كان بينت لكم فأنتم أعلم، وروى أبو بكر الحميدي عن جابر ﵁ قال: لما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة وجدنا رجلا منا يقال له الجد بن قيس مختبئا تحت إبط بعيره رواه مسلم، وروى الحميدي أيضا حدثنا سفيان عن عمرو أنه سمع جابرا ﵁ قال: كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فقال لنا رسول

стр. 5121

الله ﷺ : «أنتم خير أهل الأرض اليوم» قال جابر ﵁: لو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة، قال سفيان: إنهم اختلفوا في موضعها. أخرجاه من حديث سفيان، وروى الإمام أحمد عن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال «لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة» وروى ابن أبي حاتم عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يدخل من بايع تحت الشجرة كلهم الجنة إلا صاحب الجمل الأحمر» قال: فانطلقنا نبتدره فإذا رجل قد أضل بعيره، فقلنا: تعال فبايع قال: لأن أصيب بعيري أحب إلى من أن أبايع. وروى عبد الله بن أحمد عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «من يصعد الثنية ثنية المرار فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل» فكان أول من صعد خيل بني الخزرج، ثم تبادر الناس بعد، فقال النبي ﷺ : «كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر» فقلنا: تعال يستغفر لك رسول الله ﷺ فقال: والله لأن أجد ضالتي أحب إلى من أن يستغفر لي صاحبكم، فإذا هو رجل ينشد ضالة، رواه مسلم. وقال ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا ﵁ يقول: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول عند حفصة ﵂ «لا يدخل النار- إن شاء الله تعالى- من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها أحد» قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت حفصة ﵂ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها فقال النبي ﷺ : قد قال تعالى ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (مريم: ٧٢) رواه مسلم، وفيه أيضا عن جابر ﵁ قال: إن عبدا لحاطب بن أبي بلتعة جاء يشكو حاطبا، فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار فقال رسول الله ﷺ : «كذبت لا يدخلها، فإنه قد شهد بدرا والحديبية» ولهذا قال تعالى في الثناء عليهم إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً كما قال في الآية الأخرى لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً وقال ابن كثير: (وذكر ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير ﵄ قريبا من هذا السياق، وزاد في سياقه أن قريشا بعثوا- وعندهم عثمان ﵁ سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، ومكرز بن حفص إلى رسول الله ﷺ ، فبينما هم عندهم إذ وقع كلام بين بعض المسلمين وبعض المشركين، وتراموا بالنبل والحجارة وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كل من الفريقين من عنده من الرسل، ونادى منادي

стр. 5122

رسول الله ﷺ : ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله ﵌ وأمر بالبيعة فاخرجوا على اسم الله تعالى فبايعوا، فسار المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة، فبايعوه على أن لا يفروا أبدا، فأرعب ذلك المشركين، وأرسلوا من كان عندهم من المسلمين، ودعوا إلى الموادعة والصلح). ٢ - [كلام الألوسي عن البيعة بمناسبة آية لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ .. ] وبمناسبة قوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ قال الألوسي عن هذه البيعة: (استوجبت رضا الله تعالى الذي لا يعادله شئ، ويستتبع ما لا يكاد يخطر على بال، ويكفي فيما ترتب على ذلك ما أخرجه أحمد عن جابر. ومسلم عن أم بشر عنه عن النبي ﷺ قال: «لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة» وقد قال ﵊ ذلك عند حفصة فقالت: بلى يا رسول الله فانتهرها فقالت: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها (مريم: ٧١) فقال ﵊ قد قال الله تعالى: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (مريم: ٧٢) وصح برواية الشيخين وغيرهما في أولئك المؤمنين من حديث جابر أنه ﷺ قال لهم: «أنتم خير أهل الأرض» فينبغي لكل من يدّعي الإسلام حبهم، وتعظيمهم، والرضا عنهم، وإن كان غير ذلك لا يضرهم بعد رضا الله تعالى عنهم، وعثمان منهم؛ بل كانت يد رسول الله ﷺ له رضي الله تعالى عنه- كما قال أنس- خيرا من أيديهم لأنفسهم). ٣ - [كلام ابن كثير عن كفاية الله للمؤمنين شر القتال بمناسبة الآية (٢٤)] بمناسبة قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ قال ابن كثير: (وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما كان يوم الحديبية هبط على رسول الله ﷺ وأصحابه ثمانون رجلا من أهل مكة بالسلاح من قبل جبل التنعيم يريدون غرة رسول الله ﷺ ، فدعا عليهم فأخذوا، قال عفان: فعفا عنهم ونزلت هذه الآية وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ورواه مسلم وأبو داود في سننه، والترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما. وروى أحمد أيضا عن عبد الله بن مغفل ﵄ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن، وكان يقع من أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول الله ﷺ وعلي بن أبي طالب ﵁ وسهيل بن عمرو بن يديه فقال رسول الله ﷺ لعلي ﵁: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم» فأخذ سهيل بيده وقال ما نعرف الرحمن الرحيم، اكتب في قضيتنا ما نعرف فقال: اكتب باسمك اللهم- وكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله أهل مكة. فأمسك سهيل بن عمرو بيده وقال: لقد

стр. 5123

ظلمناك إن كنت رسوله اكتب في قضيتنا ما نعرف فقال: «اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله» فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله ﷺ فأخذ بأسماعهم فقمنا إليهم فأخذناهم فقال رسول الله ﷺ : هل جئتم في عهد أحد؟ أو هل جعل لكم أحد أمانا؟. فقالوا: لا، فخلى سبيلهم فأنزل الله تعالى وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ الآية ورواه النسائي. ٤ - [كلام صاحب الظلال حول آية وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ .. ] وبمناسبة قوله تعالى: وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً* سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا .. قال صاحب الظلال: (وهكذا يربط نصرهم وهزيمة الكفار بسنته الكونية الثابتة التي لا تتبدل. فأية سكينة؟ وأية ثقة؟ وأي تثبيت يجده أولئك المؤمنون في أنفسهم وهم يسمعون من الله أن نصرهم وهزيمة أعدائهم سنة من سننه الجارية في هذا الوجود؟. وهي سنة دائمة لا تتبدل. ولكنها قد تتأخر إلى أجل. ولأسباب قد تتعلق باستواء المؤمنين على طريقهم، واستقامتهم الاستقامة التي يعرفها الله لهم. أو تتعلق بتهيئة الجو الذي يولد فيه النصر للمؤمنين والهزيمة للكافرين، لتكون له قيمته وأثره. أو لغير هذا ولذلك مما يعلمه الله. ولكن السنة لا تتخلف. والله أصدق القائلين: وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا). ٥ - [كلام ابن كثير عن حمية الجاهلية بمناسبة آية إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ .. ] بمناسبة قوله تعالى إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها قال ابن كثير: (وقوله إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ وذلك حين أبوا أن يكتبوابسم الله الرحمن الرحيم، وأبوا أن يكتبوا هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وهي قول لا إله إلا الله كما قال ابن جرير وعبد الله بن الإمام أحمد عن الطفيل- يعني ابن أبيّ بن كعب- عن أبيه ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى قال: «لا إله إلا الله» وكذا رواه الترمذي عن الحسن بن قزعة وقال غريب لا نعرفه إلا من حديثه، وسألت أبا زرعة عنه فلم يعرفه إلا من هذا الوجه، وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة ﵁ أخبره أن رسول الله ﷺ قال «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله » وأنزل

стр. 5124

الله في كتابه وذكر قوما فقال إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (الصافات: ٣٥) وقال جل ثناؤه وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله فاستكبروا عنها، واستكبر عنها المشركون يوم الحديبية فكاتبهم رسول الله ﷺ على قضية المدة، وكذا رواه بهذه الزيادات ابن جرير من حديث الزهري، والظاهر أنها مدرجة من كلام الزهري والله أعلم. وقال مجاهد: كلمة التقوى: الإخلاص، وقال عطاء بن أبي رباح: هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، وعن المسور وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وروى الثوري عن علي ﵁ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى قال: لا إله إلا الله والله أكبر، وكذا قال ابن عمر ﵄، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ قوله تعالى وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى قال: يقول شهادة أن لا إله إلا الله وهي رأس كل تقوى، وقال سعيد بن جبير وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى قال: لا إله إلا الله والجهاد في سبيله. وقال عطاء الخراساني: هي لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقال عبد الله بن المبارك عن معمر عن الزهري وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى قال: بسم الله الرحمن الرحيم، وقال قتادة وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى قال: لا إله إلا الله وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وكان المسلمون أحق بها وكانوا أهلها). [٦، ٧ - كلام ابن كثير عما أعقب صلح الحديبية ورواية أحاديث هذا الصلح] ٦ - مما أعقب صلح الحديبية ما ذكره ابن كثير: (ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ حتى بلغ بِعِصَمِ الْكَوافِرِ فطلّق عمر ﵁ يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية، ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة فجاءه أبو بصير من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى إذا بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا، فاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد لقد جربت منه ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني انظر إليه فأمكنه منه، فضربه حتى برد وفرّ الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو فقال رسول الله ﷺ حين رآه «لقد رأى هذا ذعرا» فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول، فجاء أبو بصير فقال: يا رسول الله قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم نجاني الله تعالى منهم فقال النبي ﷺ : «ويل أمه مسعر

стр. 5125

حرب لو كان معه أحد» فلما سمع بذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر قال: وتفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة، فو الله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم، فمن أتاه منهم فهو آمن فأرسل النبي ﷺ إليهم، وأنزل الله وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ حتى بلغ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه رسول الله، ولم يقروا باسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت وهكذا ساقه البخاري). ٧ - قال ابن كثير راويا عن عمر بن الخطاب ﵁: (يا أيها الناس اتهموا الرأي فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أقدر على أن أرد على رسول الله ﷺ أمره لرددته، وفي رواية فنزلت سورة الفتح فدعا رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ فقرأها عليه) وروى ابن كثير: (وقال الإمام أحمد عن أنس ﵁ قال: إن قريشا صالحوا النبي ﷺ وفيهم سهيل بن عمرو فقال النبي ﷺ لعلي ﵁: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم» فقال سهيل: لا ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم ولكن اكتب باسمك اللهم، فقال ﷺ : «اكتب من محمد رسول الله» قال: لو نعلم أنك رسول الله لاتبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال النبي ﷺ : «اكتب من محمد بن عبد الله» واشترطوا على النبي ﷺ أن من جاء منكم لا نرده عليكم ومن جاءكم منا رددتموه علينا، فقال يا رسول الله أنكتب هذا؟ قال ﷺ : «نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله» رواه مسلم. وروى أحمد أيضا عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: لما خرجت الحرورية اعتزلوا فقلت لهم: إن رسول الله ﷺ يوم الحديبية صالح المشركين فقال لعلي ﵁: «اكتب يا علي هذا ما صالح عليه محمد رسول الله» قالوا: لم نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك فقال رسول الله ﷺ : «امح يا علي اللهم إنك تعلم إني رسولك، امح يا علي واكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله، والله لرسول الله خير من علي وقد محا نفسه ولم يكن محوه ذلك يمحوه من النبوة أخرجت من هذه» قالوا: نعم، ورواه أبو داود، وروى الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: نحر رسول الله ﷺ يوم الحديبية سبعين بدنة فيها جمل لأبي جهل، فلما صدّت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها).

стр. 5126

٨ - [كلام ابن كثير عن تحقق رؤيا النبي ﷺ بمناسبة آية لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ .. ] بمناسبة قوله تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ قال ابن كثير: (وهذا كان في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لما رجع من الحديبية في ذي القعدة رجع إلى المدينة فأقام بها ذي الحجة والمحرم وخرج في صفر إلى خيبر ففتحها الله عليه، بعضها عنوة وبعضها صلحا- وهي إقليم عظيم كثير النخل والزروع- فاستخدم من فيها من اليهود عليها على الشطر وقسمها بين أهل الحديبية وحدهم، ولم يشهدها أحد غيرهم إلا الذين قدموا من الحبشة: جعفر ابن أبي طالب وأصحابه، وأبو موسى الأشعري وأصحابه ﵃، ولم يغب منهم أحد. قال ابن زيد: إلا أبا دجانة سماك بن خرشة- كما هو مقرر في موضعه- ثم رجع إلى المدينة. فلما كان ذي القعدة من سنة سبع خرج ﷺ إلى مكة معتمرا هو وأهل الحديبية فأحرم من ذي الحليفة وساق معه الهدي، قيل: كان ستين بدنة فلبى وسار أصحابه يلبون، فلما كان ﷺ قريبا من مر الظهران بعث محمد بن سلمة بالخيل والسلاح أمامه، فلما رآه المشركون رعبوا رعبا شديدا، وظنوا أن رسول الله ﷺ يغزوهم، وأنه قد نكث العهد الذي بينهم وبينه من وضع القتال عشر سنين، فذهبوا فأخبروا أهل مكة، فلما جاء رسول الله ﷺ فنزل بمر الظهران حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، بعث السلاح من القسي والنبل والرماح إلى بطن يأجج، وسار إلى مكة بالسيوف مغمدة في قربها كما شارطهم عليه، فلما كان في أثناء الطريق بعثت قريش مكرز بن حفص فقال يا محمد ما عرفناك تنقض العهد؟، فقال ﷺ : «وما ذاك؟» قال: دخلت علينا بالسلاح والقسي والرماح. فقال ﵊: «لم يكن ذلك وقد بعثنا به إلى يأجج» فقال: بهذا عرفناك بالبر والوفاء، وخرجت رءوس الكفار من مكة لئلا ينظروا إلى رسول الله ﷺ وإلى أصحابه ﵃ غيظا وحنقا، وأما بقية أهل مكة من الرجال والنساء والولدان فجلسوا في الطريق وعلى البيوت ينظرون إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، فدخلها ﵊ وبين يديه أصحابه يلبون، والهدي قد بعثه إلى ذي طوى، وهو راكب ناقته القصواء التي كان راكبها يوم الحديبية، وعبد الله بن رواحة الأنصارى آخذ زمام ناقة رسول الله ﷺ يقودها وهو يقول: باسم الذي محمد رسوله ... باسم الذي لا دين إلا دينه اليوم نضربكم على تأويله ... كما ضربناكم على تنزيله

стр. 5127

ويذهل الخليل عن خليله ... قد أنزل الرحمن في تنزيله خلوا بني الكفار عن سبيله ... ضربا وتنزيل الهام عن مقيله في صحف تتلى على رسوله ... بأن خير القتل في سبيله يا رب إني مؤمن بقيله فهذا مجموع من روايات متفرقة. (وروى الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ لما نزل مرّ الظهران في عمرته بلغ أصحاب رسول الله ﷺ أن قريشا تقول: ما يتباعثون من العجف، فقال أصحابه: لو انتحرنا من ظهرنا فأكلنا من لحمه، وحسونا من مرقه أصبحنا غدا حين ندخل على القوم وبنا جمامة، قال ﷺ : «لا تفعلوا ولكن اجمعوا لي من أزوادكم» فجمعوا له وبسطوا الأنطاع فأكلوا حتى تركوا، وحشا كل واحد منهم في جرابه، ثم أقبل رسول الله ﷺ حتى دخل المسجد وقعدت قريش نحو الحجر، فاضطبع ﷺ بردائه ثم قال: «لا يرى القوم فيكم غميزة» فاستلم الركن، ثم رمل حتى إذا تغيب بالركن اليماني مشى إلى الركن الأسود، فقالت قريش: ما ترضون بالمشي أما إنكم لتنقزون نقز الظباء، ففعل ذلك ثلاثة أشواط فكانت سنّة، قال أبو الطفيل: فأخبرني ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ فعل ذلك في حجة الوداع. وروى أحمد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة وقد وهنتهم حمى يثرب، ولقوا منها سوءا، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب، ولقوا منها شرا، وجلس المشركون من الناحية التي تلي الحجر، فأطلع الله تعالى نبيه ﷺ على ما قالوا، فأمر رسول الله ﷺ أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة؛ ليرى المشركون جلدهم، قال: فرملوا ثلاثة أشواط، وأمرهم أن يمشوا بين الركنين حيث لا يراهم المشركون، ولم يمنع النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط كلها إلا إبقاء عليهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا. أخرجاه في الصحيحين). وفي لفظ قدم النبي ﷺ وأصحابه ﵃ صبيحة رابعة يعني من ذي القعدة فقال المشركون إنه يقدم عليكم وفد قد وهنتهم حمى يثرب فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا إبقاء عليهم، قال البخاري وزاد ابن سلمة- يعني حماد بن سلمة- عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: لما قدم النبي ﷺ لعامه الذي استأمن قال: «ارملوا ليري المشركين قوتهم والمشركون

стр. 5128

من قبل قعيقعان، وعن ابن عباس ﵄ قال إنما سعى النبي ﷺ بالبيت وبالصفا والمروة ليرى المشركون قوته. ورواه في مواضع أخر ومسلم والنسائي من طرق عن سفيان بن عيينة به. وروى أيضا عن إسماعيل بن أبي خالد أنه سمع ابن أبي أوفى يقول: لما اعتمر رسول الله ﷺ سترناه من غلمان المشركين ومنهم أن يؤذوا رسول الله ﷺ انفرد به البخاري دون مسلم، وروى البخاري أيضا: عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ خرج معتمرا فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحا عليهم إلا سيوفا، ولا يقيم بها إلا ما أحبوا. فاعتمر ﷺ من العام المقبل فدخلها كما كان صالحهم، فلما أن أقام بها ثلاثا أمروه أن يخرج فخرج ﷺ ، وهو في صحيح مسلم أيضا. وروى البخاري عن البراء ﵁ قال: اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيموا بها ثلاثة أيام، فلما كتبوا الكتاب كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، قالوا: لا نقرّ بهذا ولو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئا، ولكن اكتب محمد بن عبد الله قال ﷺ «أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله» ثم قال ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁ «امح رسول الله» قال ﵁: لا والله لا أمحوك أبدا، فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب وليس يحسن يكتب، فكتب «هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله أن لا يدخل مكة بالسلاح إلا بالسيف في القراب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع من أصحابه أحدا إن أراد أن يقيم بها» فلما دخلها ومضى الأجل أتوا عليّا فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل، فخرج النبي ﷺ فتبعته ابنة حمزة ﵁، تنادي: يا عم يا عم، فتناولها علي ﵁ فأخذ بيدها وقال لفاطمة ﵂: دونك ابنة عمك فحملتها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر ﵃، فقال علي ﵁: أنا أخذتها وهي ابنة عمي، وقال جعفر ﵁: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد ﵁: ابنة أخي فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وقال: «الخالة بمنزلة الأم» وقال لعلي ﵁: «أنت مني وأنا منك» وقال لجعفر ﵁ «أشبهت خلقي وخلقي» وقال ﷺ لزيد ﵁: «أنت أخونا ومولانا» قال علي ﵁: ألا تتزوج ابنة حمزة ﵁؟ قال ﷺ «إنها ابنة أخي من الرضاعة» تفرد به من هذا الوجه. ٩ - [كلام صاحب الظلال بمناسبة آية هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ .. ] بمناسبة قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ

стр. 5129

عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً قال صاحب الظلال: (فلقد ظهر دين الحق، لا في الجزيرة وحدها، بل ظهر في المعمور من الأرض كلها قبل مضي نصف قرن من الزمان. ظهر في إمبراطورية كسرى كلها، وفي قسم كبير من إمبراطورية قيصر، وظهر في الهند وفي الصين، ثم في جنوب آسيا في الملايو وغيرها، وفي جزر الهند الشرقية (أندونسيا) .. وكان هذا هو معظم المعمور من الأرض في القرن السادس ومنتصف القرن السابع الميلادي. وما يزال دين الحق ظاهرا على الدين كله- حتى بعد انحساره السياسي عن جزء كبير من الأرض التي فتحها، وبخاصة في أوربا وجزر البحر الأبيض. وانحسار قوة أهله في الأرض كلها بالقياس إلى القوى التي ظهرت في الشرق والغرب في هذا الزمان. أجل ما يزال دين الحق ظاهرا على الدين كله، من حيث هو دين. فهو الدين القوي بذاته، القوي بطبيعته، الزاحف بلا سيف ولا مدفع من أهله! لما في طبيعته من استقامة مع الفطرة ومع نواميس الوجود الأصيلة؛ ولما فيه من تلبية بسيطة عميقة لحاجات العقل والروح، وحاجات العمران والتقدم، وحاجات البيئات المتنوعة، من ساكني الأكواخ إلى سكان ناطحات السحاب! وما من صاحب دين غير الإسلام ينظر في الإسلام نظرة مجردة من التعصب والهوى حتى يقر باستقامة هذا الدين وقوته الكامنة، وقدرته على قيادة البشرية قيادة رشيدة، وتلبية حاجاتها النامية المتطورة في يسر واستقامة .. وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً .. فوعد الله قد تحقق في الصور السياسية الظاهرة قبل مضي قرن من الزمان بعد البعثة المحمدية. ووعد الله ما يزال متحققا في الصورة الموضوعية الثابتة؛ وما يزال هذا الدين ظاهرا على الدين كله في حقيقته. بل إنه هو الدين الوحيد الباقي قادرا على العمل والقيادة، وفي جميع الأحوال. ولعل أهل هذا الدين هم وحدهم الذين لا يدركون هذه الحقيقة اليوم! فغير أهله يدركونها ويخشونها، ويحسبون لها في سياساتهم كل حساب!). أقول: لقد جاءت نصوص كثيرة تدلّ على انتصار سياسي عالمي للإسلام ستصبح فيه أزمة العالم كله بيد المسلمين، ولقد نقلنا بعض هذه النصوص في تفسير سورة براءة، وهذا الانتصار كائن قبل نزول المسيح ﵇ بزمن كثير، كما يبدو- والله أعلم- والتحقيق الواسع لهذا الموضوع سيكون في كتابنا (الأساس في السنة وفقهها) وما يجري الآن في العالم يدل على أننا أصبحنا قريبين من مرحلة تشبه مرحلة المدّ الأول، وفي الحديث الشريف «أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره».

стр. 5130

١٠ - [كلام ابن كثير عن صفات المؤمنين بمناسبة آية مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ .. ] بمناسبة قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ قال ابن كثير: (كما قال فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ (التوبة: ٥٤) وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدا عنيفا على الكفار، رحيما برّا بالأخيار، غضوبا عبوسا في وجه الكافر، ضحوكا بشوشا في وجه أخيه المؤمن كما قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً (التوبة: ١٢٣) وقال النبي ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر الجسد بالحمى والسهر» وقال ﷺ «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» وشبك ﷺ بين أصابعه، كلا الحديثين في الصحيح. أقول: في سورة المائدة ذكرت مواصفات الجماعة التي تقف في وجه الردة وتستأهل الغلبة والنصر، ومجئ آية مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ... في سياق سورة الفتح يشعر بأن ما ذكرته هذه الآية هو مواصفات الجماعة التي تستأهل الرعاية والنصرة والغلبة، فلنتدبر الآية، وليحاول المسلم أن يأخذ حظّه مما ورد فيها، ولتحاول الطائفة القائمة بالحق أن تأخذ بحظها من ذلك الإيمان، والعمل الصالح، والوحدة والتلاحم والتفاني، ووضاءة الوجوه من العبادة، والركوع والسجود، والرحمة بالمؤمنين، والشدّة على الكافرين. ومجئ هذه الآية بعد قوله تعالى هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ... يشعر أن وجود من هذا شأنهم هو الطريق إلى انتصار الإسلام، ولقد تحقق أصحاب رسول الله ﷺ بما ورد في الآية، وعلى أتباعه- ﵊ أن يفعلوا ليكون لهم شرف المعيّة له ﷺ ، فلئن فاتتهم معيّة الجسد فلا تفوتهم معيّة الاقتداء والتحقيق والتخلق، وإن في الآية لردا على من أغفلوا الصراع مع الكفر وتناسوه. ١١ - [تفسير ابن كثير لكلمة «سيماهم» بمناسبة آية سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ .. ] بمناسبة قوله تعالى سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ قال ابن كثير: (قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: سيماهم في وجوههم

стр. 5131

يعني السمت الحسن، وقال مجاهد وغير واحد: يعني الخشوع والتواضع. وروى ابن أبي حاتم عن مجاهد سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ قال: الخشوع، قلت: ما كنت أراه إلا هذا الأثر في الوجه، فقال: ربما كان بين عيني من هو أقسى قلبا من فرعون. وقال السدي: الصلاة تحسّن وجوههم، وقال بعض السلف: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار، وقد أسنده ابن ماجه في سننه عن أبي سفيان عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» والصحيح أنه موقوف. وقال بعضهم: إن للحسنة نورا في القلب وضياء في الوجه وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الناس. وقال أمير المؤمنين عثمان ﵁: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله تعالى على صفحات وجهه وفلتات لسانه» والغرض أن الشئ الكامن في النفس يظهر على صفحات الوجه، فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحة مع الله تعالى أصلح الله ظاهره للناس، كما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: من أصلح سريرته أصلح الله تعالى علانيته. وروى أبو القاسم الطبراني عن جندب بن سفيان البجلي ﵁ قال: قال النبي ﵌: «ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله تعالى رداءها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر» العزرمي- وهو من رجال السند- متروك. وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لو أنّ أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة، لخرج عمله للناس كائنا ما كان». وروى الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إن الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة» ورواه أبو داود. فالصحابة ﵃ خلصت نياتهم، وحسنت أعمالهم، فكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم. وقال مالك ﵁: بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة ﵃ الذين فتحوا الشام يقولون: والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا، وصدقوا في ذلك فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله ﷺ . ١٢ - [حديث في النهي عن سب الصحابة بمناسبة آية وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا .. ] بمناسبة قوله تعالى عن الصحابة وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً روى ابن كثير: (قال مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال. قال رسول الله ﷺ : «لا تسبوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه»).

стр. 5132

١٣ - [أين التوراة الحقيقة ؟] قال الله واصفاً رسوله والمؤمنين مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ فدلّ هذا على أن الرسول ﷺ وأمته موصوفون في التوراة بهذه الصفات، ولكن أين التوراة الحقيقية؟ إن التوراة الحالية محرّفة متناقضة، تدل على نفسها بنفسها أنها ليست التوراة التي أنزلت على موسى ﵇، كما برهنا على ذلك في كتابنا (من أجل خطوة إلى الإمام) ومع أن التوراة الحالية كذلك فلا زال فيها بقايا من البشارات برسولنا ﵊ ذكرناها في كتابنا (الرّسول ﷺ ، ولأن التوراة الحالية تمزج ما هو من سيرة موسى ﵇، بما هو وحي، بما هو حكاية. وبما أن هذه الأسفار كتبت بعد مئات السنين من وفاة موسى ﵇، وبما أنها حصيلة دمج لمجموعة روايات- كما نقلنا ذلك في هذا التفسير- فإننا لا نطمع أن نجد شيئا على أصله فيها. ولقد تتبّعنا عبارات هذه الأسفار فوجدنا في بعضها ما يشير إلى بعض ما ذكره القرآن هنا، ولكن بشكل مفرق من مثل (أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه .. ) تثنية ١٨ (يجلب الربّ عليك أمّة من بعيد من أقصاء الأرض كما يطير النّسر، أمة لا تفهم لسانها، أمة جافية الوجه لا تهاب الشيخ ولا تحن إلى الولد) تثنية ٢٨ (تهلّلوا أيها الأمم شعبه؛ لأنه ينتقم بدم عبيده، ويرد نقمة على أضراره، ويصفح عن أرضه عن شعبه) تثنية ٣٢ وهذا الأخير يشبه أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ. ١٤ - [أين الإنجيل الحقيقي ؟] قال تعالى وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وقد فتّشت في ما يسمى بالأناجيل الحالية والتي هي مجموعة روايات متناقضة، والتي تقيم الحجة بمضمونها على نفسها، أنها ليست ذات ما بشر به المسيح، فرأيت النص التالي يمكن أن يكون أصل ما أشار إليه القرآن: في الإصحاح الثالث عشر من إنجيل متى على لسان المسيح ﵇: (قدّم لهم مثلا آخر قائلا: يشبه ملكوت السموات حبّة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله، وهي أصغر جميع البذور؛ ولكن متى نمت فهي أكبر البقول، وتصير شجرة حتى إن طيور السماء تأتي وتأوي في أغصانها). كلمة أخيرة في سورة الفتح: بدأت السورة بمقدمة سمّت صلح الحديبية فتحا مبينا، وذكرت حكمة الله في هذا

стр. 5133

الفتح، وأنها إرادة الله برسوله: المغفرة وإتمام النعمة والهداية والنصر، ثم ذكرت إنزال السكينة على المؤمنين قبل الصلح وبعده، وأن حكمة ذلك زيادة الإيمان في قلوبهم من أجل أن تكون النتيجة إدخال المؤمنين الجنة، وتعذيب الكافرين في النار. وهكذا قدّمت السورة هذه المعاني الإجمالية ليعرف منذ البداية أن ما حدث يوم الحديبية كان فتحا، وأن عاقبته بالنسبة لرسول الله ﷺ وبالنسبة للمؤمنين هي الخير كله. وبعد هذه المقدمة يعرض الله المسألة من بدايتها: فالبداية أن الله أرسل محمدا ﷺ وجعل مهمته الشهادة على الخلق، والتبشير والإنذار، وأن على الخلق أن يؤمنوا بالله ورسوله، وأن ينصروا رسوله ﷺ ، وأن يعظموه، وأن ينزهوا الله ، وأن بيعة رسول الله ﷺ إنما هي بيعة لله ، فماذا كان موقف الناس من هذه المعاني قبيل صلح الحديبية وأثناءه: أما المنافقون فقد تخلفوا عن رسول الله ﷺ منذ البداية، وأمّا المؤمنون الصادقون فساروا معه، ولما اقتضى الأمر بيعة على الموت أو عدم الفرار بايعوا مطمئنين، فكافأهم الله بإنزال السكينة، وفتح خيبر، وغير ذلك. ومن جملة ذلك تحقيق رؤيا رسول الله ﷺ بالطواف حول البيت في عام لاحق، وأما الكافرون والمنافقون فكانت مواقفهم خلال ذلك في غاية الجهل والتناقض، ثم بشر الله بإظهار دينه على الأديان كلها، ثم ذكر خصائص رسوله ﷺ والمؤمنين الذين يستأهلون هذا النصر، ويستأهلون معه المغفرة والجنة. هذه أمهات من المعاني في السورة عرض الله لنا فيها صلح الحديبية، وما رتّبه عليه وأسماه فتحا، فأعطى بذلك المسلمين درسا خالدا من دروس القرآن، وكلها خوالد. فالقرآن الكريم يسجل لنا كل ما هو خالد تحتاجه الأمة الإسلامية أفرادا، وجماعة في سيرها خلال العصور، ومن ثم تجده سجّل كثيرا من مواقف السيرة التي من هذا النوع في الحرب أو في السلم، فسجّل لنا مواقف متعددة في قضايا الجهاد من خلال عرضه لغزوات رسول الله ﷺ وحروبه الرئيسية، وسجل لنا هاهنا موقفا ترتب عليه معاهدة وصلح، وهو موقف قد تحتاجه الأمة الإسلامية في سيرها الطويل كثيرا، والملاحظ أن سورة القتال السابقة على سورة الفتح ذكرت شيئا عن المسالمة والمصالحة، وأنها جائزة في بعض الحالات، وقد جاءت سورة الفتح لتعرض علينا نموذجا على أن الهدنة والصلح قد يترتب عليهما من المنافع والمصالح للمسلمين أضعافا مضاعفة، بل قد

стр. 5134

لا يكون في لحظة من اللحظات أية مصالح في الحرب. من هذه الصلة بين سورة القتال والفتح نعرف كيف أن السور في القسم الواحد يكمّل بعضها بعضا، سنحاول تفصيل هذا الموضوع في الكلام عن قسم المثاني بعد أن ننتهي من عرضه. ومن خلال عرض ما مر فصلت السورة في قضايا تتعلّق بالإيمان والتقوى وأخلاق الجماعة المؤمنة، وفصّلت في الكفر وأخلاقه ودوافع أهله، وفصّلت في النفاق وأخلاق أهله ودوافعهم، وفصّلت في كيفية تعامل الجماعة المسلمة مع المنافقين، وفصّلت في سنن الله في عملية الصراع بين الكفر والإيمان، وفيما ينبغي أن يلاحظه المسلمون في عملية الصراع، ومن أهم ذلك حماية أرواح المؤمنين المخالطين للكافرين، كما فصّلت في خصائص الجماعة الإسلامية في تعاطفها مع بعضها وفي شدتها على الكافرين، وفي إقبالها على الله بالعبادة، وإخلاصها له في النية، كما فصّلت فيما تقتضيه عملية الإيمان من نصرة لرسول الله ﷺ وتعظيمه. ومما ينبغي أن نتذكره أنه لا يكفي أن يقول قائل آمنت بالله ورسوله، بل لا بد أن يرافق ذلك نصرة لرسول الله ﷺ بنصرة شخصه في حياته، ونصرة شريعته ودينه، وأن يرافق ذلك توقير وتعظيم لشخص رسول الله ﷺ في حياته وبعد مماته، وأن يرافق ذلك تنزيه لله ، وأن يضم المسلمين فيما بينهم صف واحد يمتاز بالرحمة فيما بينه، والشدة على العدو الكافر، ويمتاز بالصلاة والعبادة، والترقّي والإيمان والعمل الصالح، والصراع المتواصل لنشر الإسلام حتى يعمّ الإسلام العالم. وقد رأينا صلة سورة الفتح بمحور السورة من البقرة وكيف أنها تفصله وتضرب الأمثال على تحققه؛ فقد جاء في المحور فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وهاهنا ذكر ما يترتب على ذلك من إيمان ونصرة وتوقير وتعظيم وتسبيح وبيعة. وفي المحور ذكر فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهاهنا ذكر كيفية الهداية، وذكر بعض أسبابها وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً ومن السياق نعلم أن هذه الهداية هي أثر الحركة الجهادية المخلصة، وأثر الطاعة الراشدة، والمحور ذكر أن النصر يكون بعد البأساء والضراء والزلزال، وكان فتح الحديبية بعد ذلك كله.

стр. 5135

والمحور ذكر حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ والسورة فصّلت في صفات الرسول ﷺ والمؤمنين الذين إذا قالوا ذلك كان الجواب: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ. ***

стр. 5136

سورة الحجرات وهي السّورة التاسعة والأربعون بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة الخامسة من المجموعة الخامسة من قسم المثاني، وآياتها ثماني عشرة آية وهي مدنيّة

стр. 5137

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم

стр. 5138

نقول: [تقديم الألوسي وصاحب الظلال لسورة الحجرات] قال الألوسي في تقديمه لسورة الحجرات: (مدنية كما قال الحسن، وقتادة، وعكرمة، وغيرهم، وفي مجمع البيان عن ابن عباس إلا آية وهي قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى ولعل من يعتبر ما أخرجه الحاكم في مستدركه، والبيهقي في الدلائل، والبزار في مسنده من طريق الأعمش عن علقمة عن عبد الله قال: ما كان يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا* أنزل، فبالمدينة، وما كان يا أَيُّهَا النَّاسُ* فبمكة يقول بمكية. ما استثني، والحق أن هذا ليس بمطرد. وذكر الخفاجي أنها في قول شاذ مكية، وهي ثماني عشرة آية بالإجماع، ولا يخفى تواخيها مع ما قبلها لكونهما مدنيتين ومشتملتين على أحكام، وتلك فيها قتال الكفار، وهذه فيها قتال البغاة، وتلك ختمت بالذين آمنوا، وهذه افتتحت بالذين آمنوا، وتلك تضمنت تشريفات له صلى الله تعالى عليه وسلم خصوصا مطلعها وهذه أيضا في مطلعها أنواع من التشريف له ﵊، وفي البحر مناسبتها لآخر ما قبلها ظاهر، لأنه ذكر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه، ثم قال سبحانه وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ الخ فربما صدر من المؤمن عامل الصالحات بعض الشئ مما ينبغي أن ينهى عنه فقال جل وعلا تعليما للمؤمنين وتهذيبا لهم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وقال صاحب الظلال: (هذه السورة، التي لا تتجاوز ثماني عشرة آية، سورة جليلة ضخمة، تتضمن حقائق كبيرة من حقائق العقيدة والشريعة، ومن حقائق الوجود والإنسانية. حقائق تفتح للقلب وللعقل آفاقا عالية وآمادا بعيدة؛ وتثير في النفس والذهن خواطر عميقة ومعاني كبيرة؛ وتشمل من مناهج التكوين والتنظيم، وقواعد التربية والتهذيب، ومبادئ التشريع والتوجيه، ما يتجاوز حجمها وعدد آياتها مئات المرات! وأول ما يبرز للنظر عند مطالعة السورة، هو أنها تكاد تستقل بوضع معالم كاملة. لعالم رفيع كريم نظيف سليم؛ متضمنة القواعد والأصول والمبادئ والمناهج التي يقوم عليها هذا العالم، والتي تكفل قيامه أولا، وصيانته أخيرا .. عالم يصدر عن الله، ويتجه إلى الله، ويليق أن ينتسب إلى الله .. عالم نقي القلب، نظيف المشاعر، عف اللسان، وقبل ذلك عف السريرة .. عالم له أدب مع الله، وأدب مع رسوله، وأدب مع نفسه، وأدب مع غيره. أدب في هواجس ضميره، وفي حركات

стр. 5139

جوارحه. وفي الوقت ذاته له شرائعه المنظمة لأوضاعه، وله نظمه التي تكفل صيانته. وهي شرائع ونظم تقوم على ذلك الأدب، وتنبثق منه، وتتسق معه؛ فيتوافى باطن هذا العالم وظاهره، وتتلاقى شرائعه ومشاعره، وتتوازن دوافعه وزواجره؛ وتتناسق أحاسيسه وخطاه، وهو يتجه ويتحرك إلى الله .. ومن ثم لا يوكل قيام هذا العالم الرفيع الكريم النظيف السليم وصيانته، لمجرد أدب الضمير ونظافة الشعور؛ ولا يوكل كذلك لمجرد التشريع والتنظيم. بل يلتقي هذا بذلك في انسجام وتناسق. كذلك لا يوكل لشعور الفرد وجهده، كما لا يترك لنظم الدولة وإجراءاتها. بل يلتقي فيه الأفراد بالدولة، والدولة بالأفراد؛ وتتلاقى واجباتهما ونشاطهما في تعاون واتساق.). كلمة في سورة الحجرات ومحورها: جاء المقطع الثاني من سورة الفتح ليحدد مهمات الرسول، وواجبات المرسل إليهم، ولذلك فقد بدأ بقوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً* لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (الفتح: ٨) وقد جالت سورة الفتح جولات في واجبات المرسل إليهم، وهذه سورة الحجرات تكمّل، ولذلك فإنها تبدأ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ... وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ فسورة الحجرات تكمّل سورة الفتح في تبيان واجبات المرسل إليهم. تنتهي سورة الفتح بقوله تعالى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ .... (الآية: ٢٩) وتأتي سورة الحجرات لتذكر أدب العلاقة بين المؤمنين ورسولهم، وبين المؤمنين مع بعضهم إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ... إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ ... اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ ... وهذا مظهر آخر من مظاهر تكامل سورة الحجرات مع سورة الفتح. وعلى ذلك فسورة الحجرات تتكامل مع مجموعتها وتكمّلها. فسورة الجاثية عمّقت معنى الاهتداء بكتاب الله، وسورة الأحقاف عمّقت معنى التوحيد، وسورة القتال بيّنت أن الأصل هو القتال بين أهل الفسوق وأهل الإيمان،

стр. 5140

وسورة الفتح بيّنت أن معارك المسلمين منصورة، وسورة الحجرات بيّنت أدب السير، وأدب الجماعة المسلمة في حركتها نحو الهدف، وستأتي سورة (قاف) لتعظ وتذكّر باليوم الآخر، فذلك هو الهدف؛ وذلك هو الذي يضبط المسار. ولأن سورة الحجرات مع سورة الفتح في مجموعة واحدة فإنّ محورها من سورة البقرة يأتي بعد محورها عادة، أو يكون المحور متحدا، وبالتّأمّل لسورة الحجرات وسورة براءة ندرك أن بينهما صلة: لقد ختمت سورة براءة بقوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (الآية: ١٢٨) وهذه سورة الحجرات تقول: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ولقد جاء في سورة براءة قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (الآية: ١١٩) وجاء في سورة الحجرات تفسير للصادقين: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وجاء في سورة براءة قوله تعالى: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً ... (الآية: ٩٧) وورد في سورة الحجرات قوله تعالى: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا .... ومن قبل قلنا إن سورة الأنفال وبراءة لهما حكم السورة الواحدة ذات المحور الواحد، وقد بدأت سورة الأنفال بقوله تعالى يَسْئَلُونَكَ .. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وقد جاء في سورة الحجرات قوله تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ. هذه الصلات بين سورة الحجرات وبين سورتي الأنفال وبراءة ترشح أن يكون محور سورة الحجرات هو محور سورتي الأنفال وبراءة، وعلى هذا فإن محور سورة الحجرات هو الآيات الثلاث: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ

стр. 5141

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (الآيات ٢١٦ - ٢١٨). ومما يجعلنا نستأنس أن هذه الآيات هي محور سورة الحجرات أنها جاءت بعد محور سورة الفتح وفيما بينها وبين سورة الحجرات صلات: فقد جاء في هذه الآيات قوله تعالى: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ولذلك صلاته بقوله تعالى: فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وقد جاء في هذه الآيات قوله تعالى: أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ولذلك صلاته بقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ويكثر ورود اسمي الله الغفور الرحيم في السورة، وهما الاسمان اللذان ختمت بهما الآيات الثلاث: وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. فإذا صح أن محور سورة الحجرات هو هذه الآيات الثلاث فإن هذا يفيد أن سورة الحجرات تحدّد للصف المجاهد آدابه وسلوكه وأخلاقياته، وآفاق قتاله الإنساني، ولأمر ما جاء في هذه السورة قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا. ولقد جاءت آيات المحور في سياق قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ومن ثم فسورة الحجرات تحدّد معاني من الإسلام يجب الدخول فيها، ومجاهل من طريق الشيطان لا يجوز للمسلم أن يقربها، فهي دستور المجاهد، ومن ثم فهي دستور المسلم الحق.

стр. 5142

تتألف السورة من مقطع واحد ذي فقرات واضحة المعالم وسنعرضها فقرة فقرة. *** الفقرة الأولى وتتألف من آية واحدة وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤٩/ ١ التفسير: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قال ابن كثير: (أي لا تسرعوا في الأشياء بين يديه أي قبله، بل كونوا تبعا له في جميع الأمور، حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي حديث معاذ ﵁ حيث قال له النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن «بم تحكم؟» قال: بكتاب الله تعالى، قال ﷺ : «فإن لم تجد؟» قال: بسنة رسول الله ﷺ . قال ﷺ : «فإن لم تجد؟» قال ﵁: أجتهد رأيي، فضرب في صدره وقال: «الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله ﷺ لما يرضي رسول الله ﷺ ». وقد رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، والغرض منه أنه أخّر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة، ولو قدّمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدي الله ورسوله. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله

стр. 5143

عنهما لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة، وقال العوفي عنه: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه، وقال مجاهد لا تفتاتوا على رسول الله ﷺ بشيء حتى يقضي الله تعالى على لسانه، وقال الضحاك: لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله من شرائع دينكم. وقال سفيان الثوري لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بقول ولا فعل، وقال الحسن البصري لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قال لا تدعوا قبل الإمام، وقال قتادة: ذكر لنا أن ناسا كانوا يقولون: لو أنزل في كذا وكذا لو صح كذا وكذا فكره الله تعالى ذلك وتقدم فيه). أقول: وهناك قراءة صحيحة بفتح التاء والمعنى لا تتقدموا بين يدي الله ورسوله أي كونوا دائما وراء الكتاب والسنة، ولا تتقدّموا أمام الكتاب والسنة بقول أو رأي أو فعل، ثم تستتبعوا الكتاب والسنة لذلك، بل استنطقوا الكتاب والسند في كل شئ وسيروا على هدى ذلك، والخلاصة أن الآية تنهى نهيا جازما عن التقدم على الكتاب والسنة بشيء، وعن الإقدام على أمر من الأمور دون معرفة هدي الكتاب والسنة فيه وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما تفعلون وتتركون، وفيما أمر الله ونهى إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لما تقولون عَلِيمٌ بما تعملون وحق مثله أن يتقى، وألا يتقدم عليه وعلى رسوله ﷺ بأمر، فصار معنى الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله في أي شأن من الشئون قولا أو فعلا، واتقوا الله أن تفعلوا شيئا من ذلك إن الله سميع عليم. كلمة في السياق: ١ - قلنا إن محور سورة الحجرات هي الآية التي ذكرت فريضة القتال، والآيتان بعدها، ومن هذا نقول: إن من آداب المعركة الالتزام بالكتاب والسنة والتقوى، وهذا يرشح للالتزام بأوامر القيادة الراشدة. ٢ - جاءت آية القتال في سياق الأمر بالدخول في الإسلام كله، وعدم اتباع خطوات الشيطان، وقد ظهر أثر ذلك في هذه السورة، فمن أول مظاهر الإسلام الاستسلام لله ولرسوله ﷺ ، والسير وراء الكتاب والسنة، ومن أول مظاهر اتباع خطوات الشيطان متابعة الهوى في معصية الله ورسوله. ٣ - قلنا: إن محور السورة يبدأ بقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ

стр. 5144

يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (البقرة: ٢١٦) والصلة واضحة بين آية المحور وآية السورة؛ فهناك أشياء يكرهها الإنسان وفيها الخير؛ ولذلك يأمر بها الله، وهناك أشياء يحبها الإنسان وفيها الشر ولذلك فإن الله ينهى عنها، وعلى الإنسان أن يلتزم بالأمر والنهي، وأن يستسلم، ولقد ختمت آية المحور بقوله تعالى وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وختمت الآية الأولى في السورة بقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. ٤ - جاء قوله تعالى لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بعد سورة الفتح التي سجّلت صلح الحديبية الذي خفيت حكمته على الجميع ما عدا رسوله ﷺ ، فكان التقديم لهذا النهي بتلك الحادثة بمثابة البرهان والدليل والحجة عليها. ٥ - وقد جاء في سورة الفتح قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ .. وجاء هذا النهي هاهنا ليبين لنا أدب الإيمان بالله وبالرسول ﷺ وهو عدم التقدّم عليهما بشيء. *** الفقرة الثانية وتمتد من الآية (٢) إلى نهاية الآية (٥) وهذه هي: ٤٩/ ٢ - ٥

стр. 5145

التفسير: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ قال النسفي: أي إذا نطق ونطقتم فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم وراء الحد الذي يبلغه بصوته، وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه عاليا لكلامكم، وجهره باهرا لجهركم، حتى تكون مزيته عليكم لائحة، وسابقته لديكم واضحة) وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أي: لا تجهروا له جهرا مثل جهر بعضكم لبعض. قال النسفي: (أي إذا كلمتموه وهو صامت فإياكم والعدول عما نهيتم عنه من رفع الصوت، بل عليكم أن لا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم، وأن تتعمدوا في مخاطبته القول اللين المقرب من الهمس الذي يضاد الجهر، أو لا تقولوا له: يا محمد، يا أحمد، وخاطبوه بالنبوة والسكينة والتعظيم) وقال النسفي: (لم ينهوا عن الجهر مطلقا حتى لا يسوغ لهم إلا أن يكلموه بالمخافتة، وإنما نهوا عن جهر مخصوص، أعني: الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منه فيما بينهم وهو الخلو من مراعاة أبهة النبوة وجلالة مقدارها) وقال ابن كثير: (نهى من الجهر له بالقول كما يجهر الرجل لمخاطبه ممن عداه، بل يخاطبه بسكينة ووقار وتعظيم) قال ابن كثير: (يكره رفع الصوت عند قبره ﷺ كما كان يكره في حياته ﵊؛ لأنه محترم حيا وفي قبره ﷺ دائما) ثم قال تعالى معللا للنهي عن رفع الصوت أو الجهر له بالقول كجهر البعض للبعض أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ أي: انتهوا عمّا نهيتم عنه، خشية حبوط أعمالكم وأنتم لا تشعرون بذلك، قال ابن كثير: (أي إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده خشية أن يغضب من ذلك؛ فيغضب الله تعالى لغضبه؛ فيحبط عمل من أغضبه وهو لا يدري) وقال الألوسي (وقال أبو حيان: إن كانت الآية بمن يفعل ذلك استخفافا فذلك كفر يحيط معه العمل حقيقة، وإن كانت للمؤمن الذي يفعله غلبة وجريا على عادته فإنما يحبط عمله البر في توقير النبي ﷺ ، وغض الصوت عنده أن لو فعل ذلك كأنه قيل: مخافة أن تحبط الأعمال التي هي معدة أن تعملوها فتؤجروا عليها، ولا يخفى ما في الشق الثاني من التكلف البارد، ثم إن من الجهر ما لم يتناوله النهي بالاتفاق وهو ما كان منهم في حرب، أو مجادلة معاند، أو إرهاب عدو، أو ما أشبه ذلك مما لا يتخيل منه تأذ أو استهانة، ففي الحديث أنه ﵊ قال للعباس بن عبد المطلب لما ولّى المسلمون يوم حنين: «ناد أصحاب السمرة» فنادى بأعلى صوته أين أصحاب السمرة، وكان رجلا صيتا).

стр. 5146

ثمّ ندب الله تعالى إلى خفض الصوت وحث على ذلك وأرشد إليه، ورغّب فيه، فقال إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ أي: يخفضون أصواتهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أي: في مجلسه تعظيما له ﵊ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى قال ابن كثير: أي: أخلصها لها وجعلها أهلا ومحلا وقال النسفي: والمعنى: أخلصها للتقوى من قولهم: امتحن الذهب وفتنه إذا أذابه فخلّص إبريزه من خبثه ونقّاه، وحقيقته عاملها معاملة المختبر فوجدها مخلصة لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ مكافأة لهم على أدبهم والصيغة تدلّ- كما قال النسفي- على غاية الاعتداد والارتضاء بفعل الخافضين أصواتهم، وفيها تعريض لعظيم ما ارتكب الرافعون أصواتهم إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ يا محمد مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ وهي بيوت نسائه ﵊ فعل أجلاف الناس أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ إذ لو كان فيهم عقل ما تصرّفوا هذا التصرف، وسنرى في الفوائد أسباب نزول الآيات قال النسفي: (وورود الآية على النمط الذي وردت عليه فيه ما لا يخفى من إجلال محل رسول الله ﷺ ، منها التسجيل على الصائحين به بالسفه والجهل، ومنها إيقاع لفظ الحجرات كناية عن موضع خلوته ومقيله مع بعض نسائه، ومنها التعريف باللام دون الإضافة، ولو تأمل متأمل من أول السورة إلى آخر هذه الآية لوجدها كذلك، فتأمل كيف ابتدأ بإيجاب أن تكون الأمور التي تنتمي إلى الله ورسوله متقدمة على الأمور كلها من غير تقييد، ثم أردف ذلك النهي عما هو من جنس التقديم من رفع الصوت والجهر، كأن الأول بساط للثاني، ثم أثنى على الغاضين أصواتهم ليدل على عظيم موقعه عند الله، ثم عقبه بما هو أطم وهجنته أتم من الصياح برسول الله ﷺ في حال خلوته من وراء الجدر، كما يصاح بأهون الناس قدرا لينبه على فظاعة ما جسروا عليه، لأن من رفع الله قدره عن أن يجهر له بالقول كان صنيع هؤلاء من المنكر الذي بلغ في التفاحش مبلغا) ثم أرشد تعالى إلى الأدب في ذلك فقال وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا قال النسفي: الصبر حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ قال النسفي: (أفاد أنه لو خرج ولم يكن خروجه إليهم ولأجلهم للزمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أن خروجه إليهم) لَكانَ خَيْراً لَهُمْ أي: لكان الصبر خيرا لهم في دينهم قال ابن كثير: أي: (لكان لهم في ذلك الخيرة والمصلحة في الدنيا والآخرة) ثم قال جل ثناؤه داعيا لهم إلى التوبة والإنابة وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي: بليغ الغفران والرحمة واسعهما فلن يضيق غفرانه ورحمته عن هؤلاء إن تابوا وأنابوا.

стр. 5147

كلمة في السياق: [حول علاقتها بالفقرة الأولى وبسورة الفتح وبمحور السورة] ١ - ذكرت الفقرة الأولى في السورة أدبا من آداب المعاملة مع الله ورسوله ﷺ ، وذكرت الفقرة الثانية أدبا آخر من آداب المعاملة مع رسول الله ﷺ ، فالصلة واضحة بين الفقرة الأولى والثانية. ٢ - جاء في سورة الفتح قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ... وهذه الفقرة حدّثتنا عن كيفية توقير رسول الله ﷺ وتعظيمه. ٣ - الآية الثانية في محور السورة من سورة البقرة هي قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ ... وقد جاء في تلك الآية قوله تعالى: وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لاحظ ورود كلمة حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ في المحور، وورود قوله تعالى في الفقرة أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ. إن الصراع مع أعداء الله قد يوصل بعض الناس إلى إساءة الأدب مع رسول الله ﷺ ، كأن يقول القائل ولماذا نحمّل أنفسنا كل هذه المشاقّ من أجل دين رسول الله ﷺ ؟ فجاءت هذه الفقرة تعرّفنا على خطورة إساءة الأدب معه ﵊ حيا وميتا. ٤ - إن محور السورة آت في سياق الأمر بالدخول في الإسلام، والنهي عن اتباع خطوات الشيطان، ومن مبادئ الإسلام الأدب مع رسول الله ﷺ ، ومن خطوات الشيطان إساءة الأدب معه ﵊. ٥ - قلنا إن السورة مرتبطة بمحور له صلة بموضوع القتال، والقتال يصبغ أصحابه بنوع من القسوة التي تصل إلى الجلافة والفظاظة؛ ولذلك أدّب الله المسلمين، وأدّب المجاهدين في أن يتعاملوا مع قائدهم رسول الله ﷺ بكامل الأدب، وهذا يرشح أن على المسلمين عامّة، وعلى المجاهدين خاصة أن يتعاملوا مع قياداتهم الرّاشدة بمثل هذا. ***

стр. 5148

الفقرة الثالثة وتمتد من الآية (٦) إلى الآية (١٠) وهذه هي: ٤٩/ ٦ - ١٠ التفسير يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ أي: بخبر فَتَبَيَّنُوا أي: فتوثقوا فيه وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة، ولا تعتمدوا قول الفاسق، لأن من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه، قال النسفي: (وفي الآية دلالة على قبول خبر الواحد العدل؛ لأنا لو توقفنا في خبره لسوينا بينه وبين الفاسق، ولخلا التخصيص به عن الفائدة) وقال ابن كثير: (يأمر الله تعالى بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له لئلا يحكم بقوله فيكون في نفس الأمر كاذبا أو مخطئا، فيكون الحاكم

стр. 5149

بقوله قد اقتفى وراءه وقد نهى الله عن اتباع سبيل المفسدين، ومن هاهنا امتنع طوائف من العلماء من قبول رواية مجهول الحال، لاحتمال فسقه في نفس الأمر، وقبلها آخرون؛ لأنا إنما أمرنا بالتثبت عند خبر الفاسق وهذا ليس بمحقق الفسق لأنه مجهول الحال) قال الألوسي: (والظاهر أن المراد به هنا المسلم المخل بشيء من أحكام الشرع أو المروءة بناء على مقابلته بالعدل، وقد اعتبر في العدالة عدم الإخلال بالمروءة، والمشهور الاقتصار في تعريفه على الإخلال بشيء من أحكام الشرع فلا تغفل) ثم بين تعالى الحكمة في الأمر بالتثبت في خبر الفاسق فقال: أَنْ تُصِيبُوا أي: لئلا تصيبوا قَوْماً بِجَهالَةٍ يعني: جاهلين بحقيقة الأمر وكنه القصة فَتُصْبِحُوا أي: فتصيروا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ قال النسفي: الندم: ضرب من الغم، وهو أن تغتم على ما وقع منك تتمنى أنه لم يقع، وهو غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ قال ابن كثير: (أي اعلموا أنّ بين أظهركم رسول الله ﷺ فعظّموه ووقّروه وتأدّبوا معه وانقادوا لأمره؛ فإنه أعلم بمصالحكم، وأشفق عليكم منكم، ورأيه فيكم أتم من رأيكم لأنفسكم) ثم بين تعالى أن رأيهم في كثير من الأمور ليس لصالحهم فقال لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ أي: لو أطاعكم في جميع ما تختارونه لأدى ذلك إلى عنتكم وحرجكم وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ أي: حبّبه إلى نفوسكم وحسّنه في قلوبكم وَكَرَّهَ أي: وبغّض إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وهو الجحود وَالْفُسُوقَ وهو الخروج عن أمر الله تعالى، قال النسفي: وهو الخروج عن محبة الإيمان بركوب الكبائر وَالْعِصْيانَ وهي جميع المعاصي، قال النسفي: وهو ترك الانقياد لما أمر به الشارع، وقال الألوسي: الامتناع عن الانقياد أُولئِكَ أي: المتصفون بما مرّ هُمُ الرَّاشِدُونَ أي: الذين قد آتاهم الله رشدهم، قال النسفي: (يعني أصابوا طريق الحق ولم يميلوا عن الاستقامة، والرشد: الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه من الرّشادة وهي الصخرة) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً قال ابن كثير: أي هذا العطاء الذي منحكموه هو فضل منه عليكم ونعمة من لدنه وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أي: عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية، حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما أمر تعالى بالإصلاح بين الفئتين المقتتلتين من المؤمنين، وسمّاهم مؤمنين مع الاقتتال فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى قال النسفي: بالاستكالة والظلم وإباء الصلح فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ أي:

стр. 5150

حتى ترجع إلى أمر الله ورسوله ﷺ وتسمع للحق وتطيعه، وأمر الله هو المذكور في كتابه من الصلح، وزوال الشحناء، قال النسفي: وحكم الفئة الباغية وجوب قتالها ما قاتلت، فإذا كفّت وقبضت عن الحرب أيديها تركت فَإِنْ فاءَتْ أي: رجعت عن البغي إلى أمر الله فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ أي: بالإنصاف وَأَقْسِطُوا قال ابن كثير: أي واعدلوا بينهما فيما كان أصاب بعضهم بالقسط أي بالعدل، وقال النسفي: وهو أمر باستعمال القسط على طريق العموم بعد ما أمر به في إصلاح ذات البين إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ أي: العادلين إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ قال النسفي: (هذا تقرير لما ألزمه الله من تولّي الإصلاح بين من وقعت بينهم المشاقة من المؤمنين، وبيان أن الإيمان قد عقد بين أهله من السبب القريب والنسب اللاصق ما إن لم يفضل الإخوة لم ينقص عنها، ثم قد جرت العادة على أنه إذا نشب مثل ذلك بين الأخوين ولادا لزم السائر أن يتناهضوا في رفعه وإزاحته بالصلح بينهما فالإخوة في الدين أحق بذلك) فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ يعني: الفئتين المقتتلتين وَاتَّقُوا اللَّهَ أي: في جميع أموركم فالتقوى تحمل على التواصل والائتلاف لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ دلّ ذلك على أن رحمة الله ينالها الأتقياء، قال ابن كثير: وهذا تحقيق منه تعالى للرحمة لمن اتّقاه. نقول: [١، ٢ - عن الألوسي لتفسير كلمة «الفاسق» وحول آية .. فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما .. ] ١ - قال الألوسي: (ثم اعلم أن الفاسق قسمان: فاسق غير متأوّل وهو ظاهر ولا خلاف في أنه لا يقبل خبره، وفاسق متأول كالجبري والقدري، ويقال له المبتدع بدعة واضحة، فمن الأصوليين من رد شهادته وروايته للآية، ومنهم الشافعي، والقاضي، ومنهم من قبلهما، أما الشهادة فلأن ردها لتهمة الكذب والفسق من حيث الاعتقاد لا يدل عليه، بل هو أمارة الصدق؛ لأن موقعه فيه تعمقه في الدين، والكذب حرام في كل الأديان لا سيما عند من يقول بكفر الكاذب أو خروجه من الإيمان وذلك يصدّه عنه، إلا من يدين بتصديق المدعي المتحلي بحليته كالخطابية وكذا من اعتقد بحجية الإلهام، وقد قال ﵊: «نحن نحكم بالظاهر» وأما الرواية فلأن من احترز عن الكذب على غير الرسول ﷺ فاحترازه من الكذب عليه ﷺ أولى، إلا من يعتقد حل وضع الأحاديث ترغيبا أو ترهيبا كالكرامية، أو ترويجا لمذهبه كابن الراوندي، وأصحابنا الحنفية قبلوا شهادتهم لما مر دون روايتهم إذا دعوا الناس إلى هواهم، وعلى هذا جمهور أئمة الفقه والحديث؛ لأن الدعوة إلى ذلك داعية إلى التّقول، فلا يؤتمنون على الرواية ولا كذلك الشهادة. ورجح ما ذهب إليه الشافعي والقاضي بأن الآية
следующие страницы →