← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

ثمّ ندب الله تعالى إلى خفض الصوت وحث على ذلك وأرشد إليه، ورغّب فيه، فقال إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ أي: يخفضون أصواتهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أي: في مجلسه تعظيما له ﵊ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى قال ابن كثير: أي: أخلصها لها وجعلها أهلا ومحلا وقال النسفي: والمعنى: أخلصها للتقوى من قولهم: امتحن الذهب وفتنه إذا أذابه فخلّص إبريزه من خبثه ونقّاه، وحقيقته عاملها معاملة المختبر فوجدها مخلصة لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ مكافأة لهم على أدبهم والصيغة تدلّ- كما قال النسفي- على غاية الاعتداد والارتضاء بفعل الخافضين أصواتهم، وفيها تعريض لعظيم ما ارتكب الرافعون أصواتهم إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ يا محمد مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ وهي بيوت نسائه ﵊ فعل أجلاف الناس أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ إذ لو كان فيهم عقل ما تصرّفوا هذا التصرف، وسنرى في الفوائد أسباب نزول الآيات قال النسفي: (وورود الآية على النمط الذي وردت عليه فيه ما لا يخفى من إجلال محل رسول الله ﷺ ، منها التسجيل على الصائحين به بالسفه والجهل، ومنها إيقاع لفظ الحجرات كناية عن موضع خلوته ومقيله مع بعض نسائه، ومنها التعريف باللام دون الإضافة، ولو تأمل متأمل من أول السورة إلى آخر هذه الآية لوجدها كذلك، فتأمل كيف ابتدأ بإيجاب أن تكون الأمور التي تنتمي إلى الله ورسوله متقدمة على الأمور كلها من غير تقييد، ثم أردف ذلك النهي عما هو من جنس التقديم من رفع الصوت والجهر، كأن الأول بساط للثاني، ثم أثنى على الغاضين أصواتهم ليدل على عظيم موقعه عند الله، ثم عقبه بما هو أطم وهجنته أتم من الصياح برسول الله ﷺ في حال خلوته من وراء الجدر، كما يصاح بأهون الناس قدرا لينبه على فظاعة ما جسروا عليه، لأن من رفع الله قدره عن أن يجهر له بالقول كان صنيع هؤلاء من المنكر الذي بلغ في التفاحش مبلغا) ثم أرشد تعالى إلى الأدب في ذلك فقال وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا قال النسفي: الصبر حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ قال النسفي: (أفاد أنه لو خرج ولم يكن خروجه إليهم ولأجلهم للزمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أن خروجه إليهم) لَكانَ خَيْراً لَهُمْ أي: لكان الصبر خيرا لهم في دينهم قال ابن كثير: أي: (لكان لهم في ذلك الخيرة والمصلحة في الدنيا والآخرة) ثم قال جل ثناؤه داعيا لهم إلى التوبة والإنابة وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي: بليغ الغفران والرحمة واسعهما فلن يضيق غفرانه ورحمته عن هؤلاء إن تابوا وأنابوا.

стр. 5147

كلمة في السياق: [حول علاقتها بالفقرة الأولى وبسورة الفتح وبمحور السورة] ١ - ذكرت الفقرة الأولى في السورة أدبا من آداب المعاملة مع الله ورسوله ﷺ ، وذكرت الفقرة الثانية أدبا آخر من آداب المعاملة مع رسول الله ﷺ ، فالصلة واضحة بين الفقرة الأولى والثانية. ٢ - جاء في سورة الفتح قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ... وهذه الفقرة حدّثتنا عن كيفية توقير رسول الله ﷺ وتعظيمه. ٣ - الآية الثانية في محور السورة من سورة البقرة هي قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ ... وقد جاء في تلك الآية قوله تعالى: وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لاحظ ورود كلمة حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ في المحور، وورود قوله تعالى في الفقرة أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ. إن الصراع مع أعداء الله قد يوصل بعض الناس إلى إساءة الأدب مع رسول الله ﷺ ، كأن يقول القائل ولماذا نحمّل أنفسنا كل هذه المشاقّ من أجل دين رسول الله ﷺ ؟ فجاءت هذه الفقرة تعرّفنا على خطورة إساءة الأدب معه ﵊ حيا وميتا. ٤ - إن محور السورة آت في سياق الأمر بالدخول في الإسلام، والنهي عن اتباع خطوات الشيطان، ومن مبادئ الإسلام الأدب مع رسول الله ﷺ ، ومن خطوات الشيطان إساءة الأدب معه ﵊. ٥ - قلنا إن السورة مرتبطة بمحور له صلة بموضوع القتال، والقتال يصبغ أصحابه بنوع من القسوة التي تصل إلى الجلافة والفظاظة؛ ولذلك أدّب الله المسلمين، وأدّب المجاهدين في أن يتعاملوا مع قائدهم رسول الله ﷺ بكامل الأدب، وهذا يرشح أن على المسلمين عامّة، وعلى المجاهدين خاصة أن يتعاملوا مع قياداتهم الرّاشدة بمثل هذا. ***

стр. 5148

الفقرة الثالثة وتمتد من الآية (٦) إلى الآية (١٠) وهذه هي: ٤٩/ ٦ - ١٠ التفسير يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ أي: بخبر فَتَبَيَّنُوا أي: فتوثقوا فيه وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة، ولا تعتمدوا قول الفاسق، لأن من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه، قال النسفي: (وفي الآية دلالة على قبول خبر الواحد العدل؛ لأنا لو توقفنا في خبره لسوينا بينه وبين الفاسق، ولخلا التخصيص به عن الفائدة) وقال ابن كثير: (يأمر الله تعالى بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له لئلا يحكم بقوله فيكون في نفس الأمر كاذبا أو مخطئا، فيكون الحاكم

стр. 5149

بقوله قد اقتفى وراءه وقد نهى الله عن اتباع سبيل المفسدين، ومن هاهنا امتنع طوائف من العلماء من قبول رواية مجهول الحال، لاحتمال فسقه في نفس الأمر، وقبلها آخرون؛ لأنا إنما أمرنا بالتثبت عند خبر الفاسق وهذا ليس بمحقق الفسق لأنه مجهول الحال) قال الألوسي: (والظاهر أن المراد به هنا المسلم المخل بشيء من أحكام الشرع أو المروءة بناء على مقابلته بالعدل، وقد اعتبر في العدالة عدم الإخلال بالمروءة، والمشهور الاقتصار في تعريفه على الإخلال بشيء من أحكام الشرع فلا تغفل) ثم بين تعالى الحكمة في الأمر بالتثبت في خبر الفاسق فقال: أَنْ تُصِيبُوا أي: لئلا تصيبوا قَوْماً بِجَهالَةٍ يعني: جاهلين بحقيقة الأمر وكنه القصة فَتُصْبِحُوا أي: فتصيروا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ قال النسفي: الندم: ضرب من الغم، وهو أن تغتم على ما وقع منك تتمنى أنه لم يقع، وهو غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ قال ابن كثير: (أي اعلموا أنّ بين أظهركم رسول الله ﷺ فعظّموه ووقّروه وتأدّبوا معه وانقادوا لأمره؛ فإنه أعلم بمصالحكم، وأشفق عليكم منكم، ورأيه فيكم أتم من رأيكم لأنفسكم) ثم بين تعالى أن رأيهم في كثير من الأمور ليس لصالحهم فقال لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ أي: لو أطاعكم في جميع ما تختارونه لأدى ذلك إلى عنتكم وحرجكم وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ أي: حبّبه إلى نفوسكم وحسّنه في قلوبكم وَكَرَّهَ أي: وبغّض إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وهو الجحود وَالْفُسُوقَ وهو الخروج عن أمر الله تعالى، قال النسفي: وهو الخروج عن محبة الإيمان بركوب الكبائر وَالْعِصْيانَ وهي جميع المعاصي، قال النسفي: وهو ترك الانقياد لما أمر به الشارع، وقال الألوسي: الامتناع عن الانقياد أُولئِكَ أي: المتصفون بما مرّ هُمُ الرَّاشِدُونَ أي: الذين قد آتاهم الله رشدهم، قال النسفي: (يعني أصابوا طريق الحق ولم يميلوا عن الاستقامة، والرشد: الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه من الرّشادة وهي الصخرة) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً قال ابن كثير: أي هذا العطاء الذي منحكموه هو فضل منه عليكم ونعمة من لدنه وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أي: عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية، حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما أمر تعالى بالإصلاح بين الفئتين المقتتلتين من المؤمنين، وسمّاهم مؤمنين مع الاقتتال فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى قال النسفي: بالاستكالة والظلم وإباء الصلح فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ أي:

стр. 5150

حتى ترجع إلى أمر الله ورسوله ﷺ وتسمع للحق وتطيعه، وأمر الله هو المذكور في كتابه من الصلح، وزوال الشحناء، قال النسفي: وحكم الفئة الباغية وجوب قتالها ما قاتلت، فإذا كفّت وقبضت عن الحرب أيديها تركت فَإِنْ فاءَتْ أي: رجعت عن البغي إلى أمر الله فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ أي: بالإنصاف وَأَقْسِطُوا قال ابن كثير: أي واعدلوا بينهما فيما كان أصاب بعضهم بالقسط أي بالعدل، وقال النسفي: وهو أمر باستعمال القسط على طريق العموم بعد ما أمر به في إصلاح ذات البين إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ أي: العادلين إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ قال النسفي: (هذا تقرير لما ألزمه الله من تولّي الإصلاح بين من وقعت بينهم المشاقة من المؤمنين، وبيان أن الإيمان قد عقد بين أهله من السبب القريب والنسب اللاصق ما إن لم يفضل الإخوة لم ينقص عنها، ثم قد جرت العادة على أنه إذا نشب مثل ذلك بين الأخوين ولادا لزم السائر أن يتناهضوا في رفعه وإزاحته بالصلح بينهما فالإخوة في الدين أحق بذلك) فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ يعني: الفئتين المقتتلتين وَاتَّقُوا اللَّهَ أي: في جميع أموركم فالتقوى تحمل على التواصل والائتلاف لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ دلّ ذلك على أن رحمة الله ينالها الأتقياء، قال ابن كثير: وهذا تحقيق منه تعالى للرحمة لمن اتّقاه. نقول: [١، ٢ - عن الألوسي لتفسير كلمة «الفاسق» وحول آية .. فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما .. ] ١ - قال الألوسي: (ثم اعلم أن الفاسق قسمان: فاسق غير متأوّل وهو ظاهر ولا خلاف في أنه لا يقبل خبره، وفاسق متأول كالجبري والقدري، ويقال له المبتدع بدعة واضحة، فمن الأصوليين من رد شهادته وروايته للآية، ومنهم الشافعي، والقاضي، ومنهم من قبلهما، أما الشهادة فلأن ردها لتهمة الكذب والفسق من حيث الاعتقاد لا يدل عليه، بل هو أمارة الصدق؛ لأن موقعه فيه تعمقه في الدين، والكذب حرام في كل الأديان لا سيما عند من يقول بكفر الكاذب أو خروجه من الإيمان وذلك يصدّه عنه، إلا من يدين بتصديق المدعي المتحلي بحليته كالخطابية وكذا من اعتقد بحجية الإلهام، وقد قال ﵊: «نحن نحكم بالظاهر» وأما الرواية فلأن من احترز عن الكذب على غير الرسول ﷺ فاحترازه من الكذب عليه ﷺ أولى، إلا من يعتقد حل وضع الأحاديث ترغيبا أو ترهيبا كالكرامية، أو ترويجا لمذهبه كابن الراوندي، وأصحابنا الحنفية قبلوا شهادتهم لما مر دون روايتهم إذا دعوا الناس إلى هواهم، وعلى هذا جمهور أئمة الفقه والحديث؛ لأن الدعوة إلى ذلك داعية إلى التّقول، فلا يؤتمنون على الرواية ولا كذلك الشهادة. ورجح ما ذهب إليه الشافعي والقاضي بأن الآية

стр. 5151

تقتضيه، والعمل بها أولى من العمل بالحديث لتواترها وخصوصها، والعام يحتمل التخصيص، ولأنها لم تخصص إذ كل فاسق مردود، والحديث خص منه خبر الكافر. وأجيب بأن مفهومها أن الفسق هو المقتضي للتثبت فيراد به ما هو أمارة الكذب لا ما هو أمارة الصدق فافهم، وليس من الفسق نحو اللعب بالشطرنج من مجتهد يحله أو مقلد له صوبنا أو خطأنا، لوجوب العمل بموجب الظن ولا تفسيق بالواجب، وحد الشافعي- عليه الرحمة- شارب النبيذ، ليس لأنه فاسق، بل لزجره لظهور التحريم عنده، ولذا قال: أحدّه وأقبل شهادته، وكذا الحد في شهادة الزنا لعدم تمام النصاب لا يدل على الفسق بخلافه في مقام القذف فليحفظ). ٢ - قال الألوسي: (والخطاب في قوله تعالى: فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما على ما في البحر لمن له الأمر وروي ذلك عن ابن عباس وهو للوجوب، فيجب الإصلاح، ويجب قتال الباغية ما قاتلت، وإذا كفّت وقبضت عن الحرب تركت، وجاء في حديث رواه الحاكم وغيره حكمها إذا تولت، قال ﵊: «يا ابن أم عبد، هل تدري كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة؟ قال: الله تعالى ورسوله أعلم، قال: لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يقسّم فيؤها» وذكروا أن الفئتين من المسلمين إذا اقتتلا على سبيل البغي منهما جميعا فالواجب أن يمشى بينهما بما يصلح ذات البين، ويثمر المكافة والموادعة، فإن لم يتحاجزا ولم يصطلحا وأقاما على البغي صير إلى مقاتلتهما، وأنهما إذا التحم بينهما القتال لشبهة دخلت عليهما- وكلتاهما عند أنفسهما محقة- فالواجب إزالة الشبهة بالحجج النيرة، والبراهين القاطعة، واطلاعهما على مراشد الحق، فإن ركبتا متن اللجاج، ولم تعملا على شاكلة ما هديتا إليه ونصحتا به من اتباع الحق بعد وضوحه، فقد لحقتا باللتين اقتتلا على سبيل البغي منهما جميعا، والتصدي لإزالة الشبهة في الفئة الباغية- إن كانت لازم قبل المقاتلة، وقيل: الخطاب لمن يتأتى منه الإصلاح ومقاتلة الباغي، فمتى تحقق البغي من طائفة كان حكم إعانة المبغي عليه حكم الجهاد، فقد أخرج الحاكم وصححه، والبيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ما وجدت في نفسي من شئ ما وجدت في نفسي من هذه الآية يعني: وَإِنْ طائِفَتانِ إلخ إني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله تعالى- يعني بها معاوية ومن معه الباغين- على علي كرم الله تعالى وجهه، وصرح بعض الحنابلة بأن قتال الباغين أفضل من الجهاد؛ احتجاجا بأن عليا كرم الله تعالى وجهه اشتغل في زمان خلافته بقتالهم دون الجهاد، والحق أن ذلك ليس على إطلاقه؛ بل

стр. 5152

إذا خشي من ترك قتالهم مفسدة عظيمة دفعها أعظم من مصلحة الجهاد، وظاهر الآية أن الباغي مؤمن لجعل الطائفتين الباغية والمبغي عليها من المؤمنين). ٣ - [عن صاحب الظلال حول آية إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] وقال صاحب الظلال عند قوله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ: (ومما يترتب على هذه الأخوة أن يكون الحب والسلام والتعاون والوحدة هي الأصل في الجماعة المسلمة. وأن يكون الخلاف أو القتال هو الاستثناء الذي يجب أن يرد إلى الأصل فور وقوعه؛ وأن يستباح في سبيل تقريره قتال المؤمنين الآخرين للبغاة من إخوانهم ليردوهم إلى الصف، وليزيلوا هذا الخروج على الأصل والقاعدة. وهو إجراء صارم وحازم كذلك. ومن مقتضيات هذه القاعدة كذلك ألا يجهز على جريح في معارك التحكيم هذه، وألا يقتل أسير، وألا يتعقب مدبر ترك المعركة وألقى السلاح، ولا تؤخذ أموال البغاة غنيمة؛ لأن الغرض من قتالهم ليس هو القضاء عليهم، وإنما هو ردهم إلى الصف، وضمهم إلى لواء الأخوة الإسلامية. والأصل في نظام الأمة المسلمة أن يكون للمسلمين في أنحاء الأرض إمامة واحدة، وأنه إذا بويع لإمام، وجب قتل الثاني واعتباره ومن معه فئة باغية يقاتلها المؤمنون مع الإمام. وعلى هذه الأصل قام الإمام علي- ﵁ بقتال البغاة في وقعة الجمل وفي وقعة صفين؛ وقام معه بقتالهم أجلاء الصحابة رضوان الله عليهم، وقد تخلّف بعضهم عن المعركة منهم سعد ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد وابن عمر- ﵃ إما لأنهم لم يتبينوا وجه الحق في الموقف في حينه فاعتبروها فتنة. وإما لأنهم كما يقول الإمام الجصاص: (ربما رأوا الإمام مكتفيا بمن معه مستغنيا عنهم بأصحابه فاستجازوا القعود عنه لذلك). والاحتمال الأول أرجح، تدل عليه بعض أقوالهم المروية. كما يدل عليه ما روي عن ابن عمر- ﵄ في ندمه فيما بعد على أنه لم يقاتل مع الإمام. ومع قيام هذا الأصل فإن النص القرآني يمكن إعماله في جميع الحالات- بما في ذلك الحالات الاستثنائية التي يقوم فيها إمامان أو أكثر في أقطار متفرقة متباعدة من بلاد المسلمين، وهي حالة ضرورة واستثناء من القاعدة- فواجب المسلمين أن يحاربوا البغاة مع الإمام الواحد إذا خرج هؤلاء البغاة عليه، أو إذا بغت طائفة في إمامته دون خروج عليه. وواجب المسلمين كذلك أن يقاتلوا البغاة إذا تمثلوا في إحدى الإمامات المتعددة في حالات التعدد الاستثنائية. بتجمعهم ضد الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله. وهكذا يعمل النص القرآني في جميع الظروف والأحوال. وواضح أن هذا النظام- نظام التحكيم وقتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله- نظام له السبق من

стр. 5153

حيث الزمن على كل محاولات البشرية في هذا الطريق. وله الكمال والبراءة من العيب والنقص الواضحين في كل محاولات البشرية البائسة القاصرة التي حاولتها في كل تجاربها الكسيحة! وله بعد هذا وذاك صفة النظافة والأمانة والعدل المطلق، لأن الاحتكام فيه إلى أمر الله الذي لا يشوبه غرض ولا هوى، ولا يتعلق به نقص أو قصور .. ولكن البشرية البائسة تظلع وتعرج، وتكبو وتتعثر. وأمامها الطريق الواضح الممهّد المستقيم!). كلمة في السياق: [حول صلة خاتمة الفقرة الثالثة بالآية الثالثة من المحور، وبعض موضوعات الفقرة] ١ - الآية الثالثة من آيات المحور هي قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ في هذه الآية ذكر الله صفات من يرجون رحمته، وقد ختمت الفقرة التي مرّت معنا بقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ هناك ذكر من يرجو رحمته وهاهنا ذكر من يستحقّ رحمته. ٢ - جاءت آيات المحور في سياق الأمر بالدخول في الإسلام كله، والنهي عن اتباع خطوات الشيطان، وجاءت هذه الفقرة لتذكر بعض أحكام الإسلام لتلتزم، وبعض خطوات الشيطان لتجتنب. ٣ - آيات المحور تتحدّث عن القتال، وبعض أحكامه، وفي هذه الفقرة ذكرت الأسباب التي يمكن أن تؤدي إلى اقتتال المؤمنين، وماذا علينا أن نفعل إذا وجد اقتتال بين المؤمنين. ٤ - تحدّثت سورة الفتح عن صفة الرسول ﷺ وأصحابه: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ .. (الآية: ٢٩) وجاءت هذه الفقرة والفقرتان بعدها لتتحدّث عما به تدوم الألفة وتستحق الرحمة وعما ينافي أخلاقية أهل الإيمان في علاقاتهم ببعضهم. ٥ - تعتمد الحرب- إلى حد كبير- على دقّة المعلومات، وسلامة القرار، والأناة في التعامل، وكلّ هذه المعاني تضمّنتها الفقرة، وهذا مظهر من مظاهر ارتباط السورة بمحورها.

стр. 5154

٦ - لا جيش بلا انضباط وطاعة، ولا نجاح في معركة إلا في انضباط وطاعة، والجيش الإسلامي يحتاج إلى إيمان وتقوى وطاعة، وقد جمع هذا كله قوله تعالى حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ والآن لنعرض بالتفصيل للصلات بين معاني الفقرة: [توضيح الصلات بين معاني الفقرة الثالثة] ١ - ما الصلة بين قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ وبين قوله تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ؟ الصلات متعدّدة: أ- إنّ رسول الله ﷺ لا يبني على خبر الفاسق، بينما يوجد ناس يبنون عليه، فلو أن رسول الله ﷺ أطاعهم في مثل ذلك لترتب على ذلك وجود أنواع من الحرج والعنت، وفي ذلك توجيه للمسلمين في عدم البناء على خبر الفاسق. ب- وقوله تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ أعطى معنى زائدا على مجرد البناء على خبر الفاسق، وهو أنه ليس كل اقتراح يتقدم به فرد فيه مصلحة للأمة، بل كثير من الأمور لو أطاع فيها رسول الله ﷺ الأفراد لترتب على ذلك حرج، وفي ذلك توجيه للأفراد أن يعرفوا حدود اقتراحاتهم، وهذا شئ تعاني منه الجماعات الإسلامية في كل عصر، إذ نرى إنسانا متحمسا أو غير متحمس يقترح الاقتراح، ويقف عنده، ولو أخذت الجماعة المسلمة به لترتّب على ذلك عنت كبير، ومن ثم أدّب الله المسلمين على الخضوع لرأي رسول الله ﷺ إذا رفض اقتراحا، ومن ثم جاء بعد قوله تعالى لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فالقسم الأخير من الآية يشير إلى أن الراشدين من أبناء الأمة المسلمة يخضعون لأمر رسول الله ﷺ ولقراره، ولو خالف ذلك اقتراحاتهم، ورغباتهم؛ لأن الخضوع هو الذي يتفق مع الإيمان، ولأن غيره كفر وفسوق وعصيان، ومع تقرير هذا المعنى فقد قرر هذا الجزء من الآية حقيقة هي: أن الله فضلا منه ونعمة- يحبب الإيمان ويزينه في قلوب المؤمنين، ويكرّه الكفر والفسوق والعصيان، وبهذا نعرف الصلات بين المعاني التي وجدت في الآيات الثلاث الأولى من الفقرة. ٢ - وما الصلة بين ما ورد في الآيات الثلاث الأولى وبين قوله تعالى بعد ذلك

стр. 5155

وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ... ؟ الظاهر أن خبر الفاسق له علاقة بهذا الموضوع، ففي كثير من الأحيان يكون لخبر الفاسق دور في اقتتال المؤمنين، ولذلك فقد سبق الكلام عنه ليحذر، ثم من الملاحظ أن الآيتين الأخيرتين جاءتا بعد قوله تعالى وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ فكان بمثابة التمهيد للإصلاح ولقبوله. ٣ - نلاحظ أن الله عند ما ذكر الحكمة في عدم الأخذ بقول الفاسق قال أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ وفي الآية الأخيرة قال إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وهذا يؤكد أنّ لذكر خبر الفاسق صلة بذكر الخصومة والاقتتال بين المؤمنين. وما الصلة بين الفقرة الثالثة والفقرتين الأولى والثانية؟ إن الصلات بين هذه الفقرات متعدّدة، ومن أظهر الصلات أن الفقرات الثلاث تتحدّث عن الأدب مع رسول الله ﷺ وتوقيره وتعظيمه. ولذلك صلته بما ورد في سورة الفتح وَتُوَقِّرُوهُ. ٤ - نلاحظ أن الفقرة الثالثة انتهت بقوله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ونلاحظ أنه بعد هذه الآية تأتي فقرتان تربيان على كل ما يعمّق الأخوة الإيمانية وتبعدان عن كل ما يجرحها أو يعكرها. *** الفقرتان الرابعة والخامسة وتشملان الآيتين (١١) و (١٢) وهاتان هما:

стр. 5156

٤٩/ ١١ - ١٢ التفسير: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ أي: لا يستهزئ رجال من رجال بدليل ما يأتي، والمراد بذلك النهي عن احتقارهم واستصغارهم، وهذا حرام قال ابن كثير: (فإنه قد يكون المحتقر أعظم قدرا عند الله تعالى، وأحب إليه من الساخر منه المحتقر له) عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ هذه علة النهي. قال النسفي: (والمعنى: وجوب أن يعتقد كل واحد أن المسخور منه ربما كان عند الله خيرا من الساخر، إذ لا اطلاع للناس إلا على الظواهر، ولا علم لهم بالسرائر، والذي يوزن عند الله خلوص الضمائر، فينبغي ألا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن تقتحمه عينه إذا رآه رثّ الحال، أو ذا عاهة في بدنه أو غير لبيق في محادثته، فلعله أخلص ضميرا، أو أنقى قلبا ممن هو على ضد صفته، فيظلم نفسه بتحقير من وقّره الله) وكما يحرم هذا في حق الرجال يحرم في حق النساء، كما يحرم في حق النساء مع الرجال والرجال مع النساء وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ هذا هو الأدب الأول في الفقرة الرابعة وهو ألا يسخر مؤمن من مؤمن، ثم ذكر الله الأدب الثاني: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ أي: لا يطعن بعضكم على بعض. قال النسفي: (أي لا تطعنوا أهل دينكم، واللمز: الطعن والضرب باللسان ... ، والمؤمنون كنفس واحدة، فإذا عاب المؤمن مؤمنا فكأنما عاب نفسه، وقيل معناه: لا تفعلوا ما تلمّزون به؛ لأن من فعل ما استحق به اللمز فقد لمز نفسه حقيقة) ثم ذكر الله الأدب الثالث في هذه الفقرة فقال: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ التنابز بالألقاب التداعي بها. قال النسفي: (والتلقيب المنهي عنه هو ما يتداخل المدعو به كراهة لكونه تقصيرا به وذما له، فأما ما يحبه فلا بأس به) بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ أي: بئس الصفة والاسم الفسوق بعد ما دخلتم في الإسلام وعقلتموه، أي بئس أن تستبدلوا اسم الإيمان بأن كان

стр. 5157

اسم أحدكم مؤمنا باسم الفسوق، بأن يصبح الواحد منكم اسمه فاسق بفعله ما يسمى به فاسقا، دل ذلك على أن هذه الأشياء الثلاثة التي ذكرتها الآية تجعل صاحبها فاسقا، وهي الاستهزاء والطعن والتنابز بالألقاب جدا أو هزلا، ثم قال تعالى وَمَنْ لَمْ يَتُبْ عما نهي عنه فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ دلّ ذلك على أن الثلاثة المذكورة فسوق عن أمر الله، وظلم للخلق يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ قال ابن كثير: (يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن كثير من الظن وهو التهمة والتخوّن للأهل والأقارب والناس في غير محله، لأن بعض ذلك يكون إثما محضا، فليتجنب كثير منه احتياطا) قال النسفي: (والمأمور باجتنابه بعض الظن وذلك البعض موصوف بالكثرة) قال الزجاج: (هو ظنك بأهل الخير سوءا فأما أهل الفسق، فلنا أن نظن فيهم مثل الذي ظهر منهم) وقد يكون المعنى: احترزوا من الكثير من الظن ليقع المتحرز عن البعض الذي فيه إثم، والإثم الذنب الذي يستحق صاحبه العقاب وَلا تَجَسَّسُوا أي: لا تتبعوا عورات المسلمين ومعايبهم، يقال: تجسّس الأمر إذا تطلبه وبحث عنه قال ابن كثير: وَلا تَجَسَّسُوا أي: على بعضكم بعضا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فيه نهي عن الغيبة وقد فسرها رسول الله ﷺ بقوله: «ذكرك أخاك بما يكره» قال النسفي: الغيبة الذكر بالعيب في ظهر الغيب .. أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً قال النسفي: وهذا تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفحش وجه ... قال ابن كثير: (أي كما تكرهون هذا طبعا فاكرهوا ذاك شرا فإن عقوبته أشد من هذا) وهذا من التنفير عنها والتحذير منها، ولم يقتصر النص على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الأخ حتى جعل ميتا، وعن قتادة: كما تكره إن وجدت جيفة مدودة أن تأكل منها كذلك فاكره لحم أخيك وهو حي) ولما قررهم بأن أحدا منهم لا يحب أكل جيفة أخيه عقّب ذلك بقوله فَكَرِهْتُمُوهُ قال النسفي: (أي فتحققت كراهتكم له باستقامة العقل، فيتحقق أن تكرهوا ما هو نظيره من الغيبة باستقامة الدين) أقول: ما أندر في الناس من لا يغتاب نسأل الله العافية. قال الألوسي: (وما أحسن ما جاء الترتيب في هذه الآية أعني قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ الخ كما قال أبو حيان وفصّله بقوله: جاء الأمر أولا باجتناب الطريق التي لا تؤدي إلى العلم وهو الظن، ثم نهى ثانيا عن طلب تحقيق ذلك الظن ليصير علما بقوله سبحانه وَلا تَجَسَّسُوا ثم نهى ثالثا عن ذكر ذلك إذا علم، فهذه أمور ثلاثة مترتبة: ظن، فعلم بالتجسس، فاغتياب) وَاتَّقُوا اللَّهَ أي:

стр. 5158

فيما أمركم به ونهاكم عنه فراقبوه في ذلك إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ أي البليغ في قبول التوبة على من تاب إليه رَحِيمٌ لمن رجع إليه واعتمد عليه. قال النسفي: (أي) واتقوا الله بترك ما أمرتم باجتنابه والندم على ما وجد منكم منه، فإنكم إن اتقيتم تقبل الله توبتكم، وأنعم عليكم بثواب المتقين التائبين. قال الألوسي: (وقال ابن حجر عليه الرحمة: إنه تعالى ختم كلا من الآيتين بذكر التوبة رحمة بعباده وتعطفا عليهم، لكن لما بدئت الأولى بالنهي ختمت بالنفي في وَمَنْ لَمْ يَتُبْ لتقاربهما؛ ولما بدئت الثانية بالأمر في اجْتَنِبُوا ختمت به في وَاتَّقُوا اللَّهَ الخ وكان حكمة ذكر التهديد الشديد في الأولى فقط بقوله تعالى وَمَنْ لَمْ يَتُبْ الخ أن ما فيها أفحش؛ لأنه إيذاء في الحضرة بالسخرية أو اللمز أو النبز بخلافه في الآية الثانية فإنه أمر خفي؛ إذ كل من الظن والتجسس والغيبة يقتضي الإخفاء وعدم العلم به غالبا. انتهى، فلا تغفل). ملاحظة: [حول موضوع الغيبة] قوله تعالى وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فيه نهي عن أن يغتاب المؤمنون بعضهم بعضا، وبهذه المناسبة تبحث- عادة- غيبة الكافر؛ ولذلك قال الألوسي عند شرحه لهذه الآية: وسئل الغزالي عن غيبة الكافر فقال: هي في حق المسلم محذورة لثلاث علل: الإيذاء؛ وتنقيص خلق الله تعالى، وتضييع الوقت بما لا يعني. والأولى تقتضي التحريم، والثانية الكراهة، والثالثة خلاف الأولى. وأما الذمي فكالمسلم فيما يرجع إلى المنع عن الإيذاء، لأن الشرع عصم عرضه ودمه وماله. وقد روى ابن حبان في صحيحه أن النبي ﷺ قال: «من سمّع يهوديا أو نصرانيا فله النار» ومعني سمّعه أسمعه ما يؤذيه، ولا كلام بعد هذا في الحرمة. وأما الحربي فغيبته ليست بحرام على الأولى، وتكره على الثانية، وخلاف الأولى على الثالثة، وأما المبتدع فإن كفر فكالحربي، وإلا فكالمسلم؛ وأما ذكره ببدعته فليس مكروها) كلمة في السياق: ١ - جاءت هاتان الآيتان بعد قوله إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ... لتحرما على المسلمين كل ما يؤدي إلى خدش، أو إضعاف، أو إزالة هذه الأخوة، ومما يؤكد

стр. 5159

ارتباط هاتين الآيتين بما قبلهما مباشرة مجئ قوله تعالى فيهما أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فمجيء كلمة الأخ هنا، ومجيء كلمة الإخاء قبل ذلك يؤكد أن تعميق معنى الإخاء الإسلامي بتحريم ما يخدشه هو سرّ السياق. ٢ - جاءت هاتان الآيتان في سورة الحجرات التي تفصّل في محور آيات القتال الثانية في سورة البقرة، فذكرتها ستة من خوارم الأخوة: الاستهزاء، الطعن، التنابز بالألقاب، سوء الظن، التجسس، الغيبة، وكلّها أمور تنتشر عادة في أي تجمّع بشري، وخاصة بين العسكريين، ولذلك فقد طهّر الله الصف الإسلامي منها، وطهّر الصف الجهادي من أرجاسها. ٣ - وإذ كان محور سورة الحجرات آتيا في سياق الدخول في الإسلام كله، وترك اتباع خطوات الشيطان، فقد جاءت الآيتان تبيّنان أحكاما إسلامية، وتذكران بعض خطوات الشيطان لتجتنب. ٤ - ختمت سورة الفتح بآية جاء فيها: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ... وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ وإن مما يتنافى مع التراحم وجود هذه الأخلاق التي ذكرتها الآيتان، وإن مما يضعف نمو الأمة الإسلامية وجود هذه الأخلاق. ٥ - وبعد أن حذّرنا الله من أخلاق تتنافى مع مبدأ الإخاء الإسلامي فإنّه يذكّرنا بمبدإ الإخاء الإنساني في آية تقرّر وحدة أصل البشرية، وفي ذلك ترسيخ لترك الأخلاق التي نهت عنها الآيتان. الفقرة السادسة وتتألف من آية واحدة هي الآية (١٣) وهذه هي: ٤٩/ ١٣

стр. 5160

التفسير: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى أي: من آدم وحواء. قال النسفي: فلا معنى للتفاخر والتفاضل في النسب وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ الشعب: أعم من القبيلة، والقبيلة: أعم من الفصيلة والعشيرة كما سنرى لِتَعارَفُوا قال النسفي: أي إنما رتّبكم على شعوب وقبائل ليعرف بعضكم نسب بعض، فلا يعتزى إلى غير آبائه، لا أن تتفاخروا بالآباء والأجداد، وتدّعوا التفاضل في الأنساب، قال الألوسي: أي جعلناكم كذلك ليعرف بعضكم بعضا، فتصلوا الأرحام، وتبينوا الأنساب والتوارث، لا لتفاخروا بالآباء والقبائل ... وقال ابن جني (أي لتعرفوا ما أنتم محتاجون إليه) ثم بين الله تعالى الخصلة التي يفضل بها الإنسان غيره، ويكتسب الشرف والكرم عند الله فقال إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ قال ابن كثير: أي إنما تتفاضلون عند الله تعالى بالتقوى لا بالأحساب وقال: يقول تعالى مخبرا للناس أنّه خلقهم من نفس واحدة وجعل منها زوجها وهما آدم وحواء، وجعلهم شعوبا وهي أعم من القبائل، وبعد القبائل مراتب أخر كالفصائل والعشائر والعمائر والأفخاذ وغير ذلك، وقيل: المراد بالشعوب بطون العجم، وبالقبائل بطون العرب، كما أن الأسباط بطون بني إسرائيل ... فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء ﵈ سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية، وهي طاعة الله، ومتابعة رسوله ﷺ ؛ ولهذا قال تعالى بعد النهي عن الغيبة واحتقار بعض الناس بعضا منبها على تساويهم في البشرية: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ أي: بكرم القلوب وتقواها خَبِيرٌ بهمّ النفوس في هواها قال ابن كثير: أي عليم بكم خبير بأموركم فيهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويرحم من يشاء، ويعذب من يشاء، ويفضّل من يشاء على من يشاء وهو الحكيم العليم الخبير في ذلك كله. [نقل عن صاحب الظلال حول الآية:] قال صاحب الظلال في عرضه لهذه الآية: (يا أيها الناس. يا أيها المختلفون أجناسا وألوانا، المتفرقون شعوبا وقبائل. إنكم من أصل واحد. فلا تختلفوا ولا تفرقوا ولا

стр. 5161

تتخاصموا ولا تذهبوا بددا. يا أيها الناس. والذي يناديكم هذا النداء هو الذي خلقكم .. من ذكر وأنثى. وهو يطلعكم على الغاية من جعلكم شعوبا وقبائل. إنها ليست التناحر والخصام. إنما هي التعارف والوئام. فأما اختلاف الألسنة والألوان، واختلاف الطباع والأخلاق، واختلاف المواهب والاستعدادات، فتنوع لا يقتضي النزاع والشقاق، بل يقتضي التعاون للنهوض بجميع التكاليف والوفاء بجميع الحاجات. وليس للون والجنس واللغة والوطن وسائر هذه المعاني من حساب في ميزان الله، إنما هنالك ميزان وحد تتحدد به القيم، ويعرف به فضل الناس: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ .. والكريم حقا هو الكريم عند الله. وهو يزنكم عن علم وعن خبرة بالقيم والموازين: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ وهكذا تسقط جميع الفوارق، وتسقط جميع القيم، ويرتفع ميزان واحد بقيمة واحدة. وإلى هذا الميزان يتحاكم البشر، وإلى هذه القيمة يرجع اختلاف البشر في الميزان. وهكذا تتوارى جميع أسباب النزاع والخصومات في الأرض، وترخص جميع القيم التي يتكالب عليها الناس. ويظهر سبب ضخم واضح للألفة والتعاون: ألوهية الله للجميع، وخلقهم من أصل واحد. كما يرتفع لواء واحد يتسابق الجميع ليقفوا تحته: لواء التقوى في ظل الله. وهذا هو اللواء الذي رفعه الإسلام لينقذ البشرية من عقابيل العصبية للجنس، والعصبية للأرض، والعصبية للقبيلة، والعصبية للبيت، وكلها من الجاهلية وإليها، تتزيا بشتى الأزياء، وتسمى بشتى الأسماء. وكلها جاهلية عارية من الإسلام! وقد حارب الإسلام هذه العصبية الجاهلية في كل صورها وأشكالها؛ ليقيم نظامه الإنساني العالمي في ظل راية واحدة: راية الله .. لا راية الوطنية. ولا راية القومية. ولا راية البيت. ولا راية الجنس. فكلها رايات زائفة لا يعرفها الإسلام.) كلمة في السياق: [الآية (١٣) حول الصلة بينها وبين ما قبلها وعلامتها بسياق السورة وبمحورها] ١ - جاءت هذه الآية بعد الآيتين اللتين نهتا عن السخرية والاستهزاء والطعن واللمز وسوء الظن والغيبة؛ لتقرر أن الله جعل الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا، لا ليتفاخروا، ولا لينظر بعضهم إلى بعض باحتقار وازدراء، ولا ليطعن بعضهم ببعض، فالصلة بينها وبين ما قبلها واضحة.

стр. 5162

٢ - ومجئ هذه الآية في سياق السورة التي تفصل في موضوع أخلاقيات المجاهدين معجزة مستقلة، يعرف ذلك كل ذي بصر بما جرى في القرون الأخيرة، حيث نمت فكرة القوميات، فبالغت فيها أقوام حتى قطعت أواصر الدين، وبالغت فيها أمم فأصبحت تنظر إلى غيرها من الشعوب باحتقار، وبالغت فيها أمم حتى قاتلت من سواها لتكون لها العزة والقتال في الإسلام ليس لمثل هذا، فإن تكون الإنسانية شعوبا فهذا لا ينبغي أن يؤدي إلى قتال، وإنما للقتال أسبابه الأخرى. ٣ - جاء محور سورة الحجرات مسبوقا بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ومسبوقا بقوله تعالى: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وقد ظهرت آثار ذلك في سورة الحجرات، لأنّه كما قلنا: السورة تفصّل في محورها، وفي ارتباطاته، وامتدادات معانيه، ولذلك فقد قرّرت آية سورة الحجرات قاعدة إسلامية لا يكون المسلم مسلما إذا لم يسلّم بها، كما أكّدت وحدة الإنسانية في الأصل، وأعطتنا الميزان الوحيد الذي على أساسه يكون التفاضل عند الله إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ ولننتقل إلى الفقرة السابعة. الفقرة السابعة وتمتد من الآية (١٤) إلى نهاية الآية (١٨) أي: إلى نهاية السورة وهذه هي: ٤٩/ ١٤ - ١٦

стр. 5163

٤٩/ ١٧ - ١٨ كلمة في السياق: ١ - عماد التقوى الإيمان، ولقد قال تعالى في سورة الفتح وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها (الآية: ٢٦) ولقد كان الخطاب في سورة الحجرات منصبا في الغالب لأهل الإيمان، وجاء في سورة الحجرات قوله تعالى حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وبين تعالى في آية يا أَيُّهَا النَّاسُ أن الأكرم عند الله هو الأتقى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ وإذا كان للإيمان هذا الوزن عند الله فسيوجد من يدّعون- وخاصة في البيئات التي يغلب عليها الجهل- وسيوجد من يمنّون على أهل الإسلام بالاستجابة، فجاءت الفقرة الأخيرة في سورة الحجرات لتنقض الدعاوى، وتردّ التطاول والمنّ، ولتعطي الميزان الحقيقي للإيمان. ٢ - الآية الثالثة من آيات محور سورة الحجرات هي قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ولقد جاءت هذه الفقرة من سورة الحجرات لتؤكد أن الإيمان الحقيقي هو ما اجتمع لصاحبه يقين وجهاد بالمال والنفس، فالفقرة تفصّل في مضمون الإيمان الحقيقي، وتردّ الدعاوى فيه. ٣ - جاءت آيات المحور في سياق الأمر بالدخول في الإسلام كله، وقد يعلن الإنسان الدخول في الإسلام، ولا زال بين قلبه وبين حقيقة الإسلام بعد، فجاءت هذه الآيات لتقول للداخلين في الإسلام: لا تمنّوا على رسول الله ﷺ بدخولكم في الإسلام، ولتبين أن عليهم أن يرتقوا إلى مقام الإيمان، ولتبين لهم حقيقة الإيمان. ٤ - والحديث عن الأعراب في سورة الحجرات مكمّل للحديث عن الأعراب في سورة الفتح، وهذا مظهر من مظاهر التكامل بين سور المجموعة في هذا القسم، كما أن الحديث عن الأعراب هنا مكمّل للحديث عن الأعراب في سورة براءة التي فصّلت في المحور نفسه الذي فصّلت فيه سورة الحجرات.

стр. 5164

التفسير: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قال ابن كثير: يقول تعالى منكرا على الأعراب الذين أول ما دخلوا في الإسلام ادّعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يتمكن الإيمان في قلوبهم بعد قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا أي: لم تصلوا إلى مقام الإيمان الحقيقى وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا أي: دخلنا في الإسلام، وخرجنا من أن نكون حربا للمؤمنين بإظهار الشهادتين وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ قال ابن كثير: (أي لم تصلوا إلى حقيقة الإيمان بعد، فدلّ هذا على أن هؤلاء الأعراب المذكورين في هذه الآية ليسوا بمنافقين، وإنما هم مسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم، فادعوا لأنفسهم مقاما أعلى مما وصلوا إليه، فأدّبوا في ذلك .. ) وقال: إنهم ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان ولم يحصل لهم بعد، فأدّبوا وأعلموا أن ذلك لم يصلوا إليه بعد .. ثم قال تعالى: وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً أي: لا ينقصكم من أجوركم شيئا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ يستر الذنوب رَحِيمٌ بهدايتهم للتوبة عن العيوب، وبعد أن ردّ الله على هؤلاء دعواهم الإيمان عرّف الإيمان الحقيقي من خلال وصفه للمؤمنين الصادقين فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ قال ابن كثير: أي إنما المؤمنون الكمّل الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا أي: لم يشكّوا ولا تزلزلوا؛ بل يثبتون على حالة واحدة وهي التصديق المخلص. قال النسفي: (والمعنى: أنهم آمنوا ثم لم يقع في نفوسهم شك فيما آمنوا فيه، ولا اتّهام لما صدقوه ... ) واستعمال حرف العطف (ثم) في هذا المقام يشعر أن الإيمان في قلوبهم مستقر في الأزمنة المتراخية المتطاولة مع كونه غضا جديدا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال ابن كثير: أي وبذلوا مهجهم ونفائس أموالهم في طاعة الله ورضوانه أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ أي: الذين إيمانهم إيمان صدق وحق. قال صاحب الظلال في هذه الآية: (فالإيمان تصديق القلب بالله وبرسوله. التصديق الذي لا يرد عليه شك ولا ارتياب. التصديق المطمئن الثابت المستيقن الذي لا يتزعزع ولا يضطرب، ولا تهجس فيه الهواجس، ولا يتلجلج فيه القلب والشعور. والذي ينبثق منه الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله. فالقلب متى تذوّق حلاوة هذا الإيمان، واطمأن إليه وثبت عليه، لا بد مندفع لتحقيق في خارج القلب. وفي واقع الحياة. في دنيا الناس. يريد أن يوحد بين ما يستشعره في باطنه من حقيقة الإيمان، وما يحيط به في ظاهره من مجريات الأمور وواقع الحياة. ولا يطيق الصبر على

стр. 5165

المفارقة بين الصورة الإيمانية التي في حسه، والصورة الواقعية من حوله؛ لأن هذه المفارقة تؤذيه وتصدمه في كل لحظة. ومن هنا كان هذا الانطلاق إلى الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس. فهو انطلاق ذاتي من نفس المؤمن. يريد به أن يحقق الصورة الوضيئة التي في قلبه؛ ليراها ممثلة في واقع الحياة والناس. والخصومة بين المؤمن وبين الحياة الجاهلية من حوله خصومة ذاتية ناشئة من عدم استطاعته حياة مزدوجة بين تصوره الإيماني، وواقعه العملي. وعدم استطاعته كذلك التنازل عن تصوره الإيماني الكامل الجميل المستقيم في سبيل واقعه العملي الناقص الشائن المنحرف. فلا بد من حرب بينه وبين الجاهلية من حوله، حتى تنثني هذه الجاهلية إلى التصور الإيماني والحياة الإيمانية. أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. الصادقون في عقيدتهم. الصادقون حين يقولون: إنهم مؤمنون. فإذا لم تتحقق تلك المشاعر في القلب، ولم تتحقق آثارها في واقع الحياة، فالإيمان لا يتحقق. والصدق في العقيدة وفي ادعائها لا يكون). وبتطبيقنا هذا الميزان الذي ورد في الآية على كل من يقول إنه مسلم نجد أن كثيرين ممن يدّعون الإيمان تشبه دعواهم دعوة الأعراب، ويبدو أن كثيرين من الناس حتى بعد ذكر ميزان الإيمان سيجادلون وسيدّعون، وسيبررون تركهم للجهاد بالمال والنفس، مع رغبتهم بالاحتفاظ باسم الصلاح والصدق والإيمان، ومن ثم جاء بعد ذلك قوله تعالى قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ» قال النسفي: أي أتخبرونه بتصديق قلوبكم، وقال ابن كثير: أي أتخبرونه بما في ضمائركم وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي: لا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ومن ذلك علمه بالإيمان والإخلاص وغير ذلك، ثم بيّن تعالى أن من جملة ما يفعله هؤلاء الذين يدّعون مقاما لم يصلوا إليه أنهم يمنّون على رسول الله ﷺ بدخولهم في الإسلام، مما يشير إلى أنّ المنّ بالدخول في الإسلام يرافق عدم تمكن الإيمان يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أي: يمنّ هؤلاء الأعراب عليك أَنْ أَسْلَمُوا أي: بأن أسلموا، أي: بإسلامهم. قال النسفي: والمنّ: ذكر الأيادي تعريضا للشكر، يقول الله تعالى ردا عليهم قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ فإنّ نفع ذلك إنما يعود عليكم، ولله المنة عليكم فيه بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ أي: بل لله المنّة عليكم بأن- أو لأن- هداكم للإيمان إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي في ادّعائكم الإيمان بالله فلله المنة عليكم، ثم كرر تعالى بهذه المناسبة الإخبار بعلمه بجميع الكائنات وبصره بأعمال المخلوقات، ومن ذلك صدق الصادقين فقال إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ

стр. 5166

وَالْأَرْضِ ومن ذلك نياتكم وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ فليس غائبا عليه عملكم. قال النسفي: (يعني أنه تعالى يعلم كل مستتر في العالم، ويبصر كل عمل تعملونه في سركم وعلانيتكم، لا يخفى عليه منه شئ، فكيف يخفى عليه ما في ضمائركم، وهو علّام الغيوب؟). كلمة في السياق: ١ - رأينا أنه بعد أن قرر الله أن التفاضل عند الله في التقوى جاءت الفقرة الأخيرة، مما يشير إلى أنه بعد أن تقررت هذه القاعدة في المجتمع الإسلامي سيوجد ناس يدّعون الفضل في مقاماتها، وقد قطع الله الطريق على هؤلاء بأن بيّن ميزان الإيمان، وأعطانا علامة على فساد دعوى الإيمان، وهي وجود المنّ بدخول الإسلام من قبل هؤلاء المدّعين. فهذا مظهر صلة الفقرة الأخيرة بما قبلها مباشرة. ٢ - من الربط بين الفقرة ومحور السورة وارتباطاته وامتداداته نعلم أن الجهاد الإسلامي يحتاج إلى إيمان قلبي يقيني، وأنّه لا يصح أن يرافقه المنّ على الله ورسوله والمؤمنين، كما أنّه لا ينبغي أن ترافقه دعاوى التحقق بمقامات الإسلام دون التحقق بها. الفوائد [حول آيات السورة]: ١ - [كلام ابن كثير عن الأدب مع رسول الله ﷺ بمناسبة الآية (٢)] بمناسبة قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ قال ابن كثير: (وقد روي أنها نزلت في الشيخين أبي بكر وعمر ﵄ وروى البخاري عن ابن عمر عن ابن أبي مليكة قال: كاد الخيّران أن يهلكا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما رفعا أصواتهما عند النبي ﷺ حين قدم ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس ﵁ أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر قال نافع: لا أحفظ اسمه، فقال أبو بكر لعمر رضي الله: عنهما ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ

стр. 5167

كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ قال ابن الزبير ﵄: مما كان عمر ﵁ يسمع رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه- يعني أبا بكر ﵁ انفرد به دون مسلم. ثم روى البخاري عن ابن جريج حدثني ابن أبي مليكة أن عبد الله ابن الزبير ﵄ أخبره أنه قدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ فقال أبو بكر ﵁ أمّر القعقاع بن معبد، وقال عمر ﵁ بل أمّر الأقرع بن حابس فقال أبو بكر ﵁: ما أردت إلا خلافي، فقال عمر ﵁: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت في ذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ حتى انقضت الآية وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ الآية وهكذا رواه هاهنا منفردا به أيضا. وروى الحافظ أبو بكر البزار في مسنده عن أبي بكر الصديق ﵁ قال لما نزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ قلت: يا رسول الله والله لا أكلمك إلا كأخي السرار. وروى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ افتقد ثابت بن قيس ﵁ فقال رجل: يا رسول الله أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده في بيته منكسا رأسه، فقال له: ما شأنك؟ فقال: شر؛ كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ ، فقد حبط عمله فهو من أهل النار، فأتى الرجل النبي ﷺ فأخبره أنه قال كذا وكذا، قال موسى: فرجع إليه المرة الآخرة ببشارة عظيمة فقال: «اذهب إليه فقل له إنك لست من أهل النار ولكنك من أهل الجنة» تفرد به البخاري من هذا الوجه .. ) وقال ابن كثير: (وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع صوت رجلين في مسجد النبي ﷺ قد ارتفعت أصواتهما فجاء فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: من أين أنتما؟ قالا من أهل الطائف، فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربا) وقال ابن كثير بمناسبة قوله تعالى أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (كما جاء في الصحيح «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى لا يلقي لها بالا يكتب له بها الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض»). ٢ - [كلام الألوسي عن خفض الصوت عند قبر النبي ﷺ بمناسبة الآية (٣)] بمناسبة قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى قال الألوسي: (واستدل العلماء بالآية على المنع من رفع الصوت عند قبره الشريف ﷺ ، وعند قراءة حديثه ﵊؛ لأن حرمته

стр. 5168

ميتا كحرمته حيا. وذكر أبو حيان كراهة الرفع أيضا بحضرة العالم، وغير بعيد حرمته بقصد الإيذاء والاستهانة لمن يحرم إيذاؤه والاستهانة به مطلقا؛ لكن للحرمة مراتب متفاوتة كما لا يخفى). ٣ - [كلام ابن كثير عن أنواع القلوب بمناسبة آية أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ .. ] بمناسبة قوله تعالى أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى قال ابن كثير: (وقد روى الإمام أحمد في كتاب (الزهد) عن مجاهد قال: كتب إلى عمر: يا أمير المؤمنين رجل لا يشتهي المعصية ولا يعمل بها أفضل، أم رجل يشتهي المعصية ولا يعمل بها؟ فكتب عمر ﵁: إن الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) .. أقول وقد دلت الآية على أن القلوب تفتن، فمنها ما يسقط، ومنها ما ينجح، ويشهد لذلك الحديث الصحيح: «تعرض الفتن على القلوب عودا عودا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مرباد كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه» رواه مسلم، وقد دلّت الآية على أن من علامات نجاح القلب أدب الإنسان مع رسول الله ﷺ وتعظيمه. ٤ - [كلام ابن كثير عن الذين نادوا النبي ﷺ من وراء الحجرات بمناسبة الآية (٤)] في سبب نزول قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ قال ابن كثير: (وقد ذكر أنها نزلت في الأقرع بن حابس التميمي ﵁ فيما أورده غير واحد، روى الإمام أحمد عن الأقرع بن حابس ﵁ أنه نادى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، يا محمد، وفي رواية يا رسول الله، فلم يجبه، فقال: يا رسول الله إن حمدي لزين وإن ذمي لشين، فقال: «ذاك الله » وروى ابن جرير عن البراء في قوله ﵎ إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ قال: جاء رجل إلى رسول الله، ﷺ فقال: يا محمد إن حمدي زين وذمي شين، فقال ﷺ : «ذاك الله » وهكذا ذكره الحسن البصري وقتادة مرسلا. وقال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة قال: كان بشر بن غالب ولبيد بن عطارد أو بشر بن عطارد ولبيد بن غالب وهما عند الحجاج جالسان فقال بشر بن غالب للبيد بن عطارد نزلت في قومك بني تميم إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ قال: فذكرت ذلك لسعيد ابن جبير فقال: أما إنه لو علم بآخر الآية أجابه يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قالوا أسلمنا ولم يقاتلك بنو أسد، وروى ابن أبي

стр. 5169

حاتم عن زيد بن أرقم ﵁ قال: اجتمع أناس من العرب فقالوا: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل فإن يك نبيا فنحن أسعد الناس به، وإن يك ملكا نعش بجناحه، قال فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما قالوا، فجاءوا إلى حجرة النبي ﷺ فجعلوا ينادونه وهو في حجرته: يا محمد، يا محمد، فأنزل الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ قال: فأخذ رسول الله ﷺ بأذني فمدها فجعل يقول «لقد صدق الله تعالى قولك يا زيد لقد صدق الله قولك يا زيد» ورواه ابن جرير). ٥ - [كلام ابن كثير عن نزول آية .. إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا .. ] في سبب نزول قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا قال ابن كثير: وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين بعثه رسول الله ﷺ على صدقات بني المصطلق وقد روي ذلك من طرق، ومن أحسنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده من رواية ملك بني المصطلق وهو الحارث بن أبي ضرار والد جويرية بنت الحارث أم المؤمنين ﵂. روى الإمام أحمد عن الحارث بن أبي ضرار الخزاعي ﵁ قال: قدمت على رسول الله ﷺ فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه وأقررت به. ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها وقلت: يا رسول الله أرجع إليهم فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة، فمن استجاب لي جمعت زكاته، وترسل إلي يا رسول الله رسولا إبّان كذا وكذا ليأتيك بما جمعت من الزكاة، فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له وبلغ الإبان الذي أراد رسول الله ﷺ أن يبعث إليه، احتبس عليه الرسول ولم يأته، وظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله تعالى ورسوله، فدعا بسروات قومه فقال لهم: إن رسول الله ﷺ كان وقّت لي وقتا يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله الخلف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطه، فانطلقوا بنا نأتي رسول الله ﷺ ، وبعث رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق (أي: خاف) فرجع حتى أتي رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن الحارث قد منعني الزكاة وأراد قتلي، فغضب رسول الله ﷺ وبعث البعث إلى الحارث ﵁، وأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث فقالوا: هذا الحارث، فلما غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا إليك. قال ولم؟ قالوا: إن رسول الله ﷺ بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة، وأردت قتله. قال ﵁: لا والذي بعث محمدا ﷺ بالحق، ما رأيته بتة، ولا أتاني، فلما دخل الحارث على رسول الله ﷺ قال:

стр. 5170

«منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟» قال: لا والذي بعثك بالحق ما رأيته، ولا أتاني وما أقبلت إلا حين احتبس عليّ رسول رسول الله ﷺ خشيت أن يكون كانت سخطة من الله تعالى ورسوله، قال فنزلت الحجرات يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ إلى قوله حَكِيمٌ. ٦ - [حكم سوء الأدب مع رسول الله ﷺ بقصد أو بغير قصد] في سورة البقرة ورد قوله تعالى وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ ... (البقرة: ٢١٧) وقال تعالى في سورة الحجرات: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ومن ذكر حبوط العمل في الآيتين ندرك أن سوء الأدب مع رسول الله ﷺ يقارب الردة إن لم يكن بقصد، وأما إن كان بقصد فهو الردة عينها. ٧ - [كلام ابن كثير عن تزيين الإيمان في القلوب بمناسبة آية وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ .. ] بمناسبة قوله تعالى وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن أنس ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يقول «الإسلام علانية والإيمان في القلب» قال: ثم يشير بيده إلى صدره ثلاث مرات ثم يقول: «التقوى هاهنا التقوى هاهنا»). (وروى الإمام أحمد عن أبي رفاعة الزرقي عن أبيه قال: لما كان يوم أحد، وانكفأ المشركون، قال رسول الله ﵌: «استووا حتى أثني على ربي » فصاروا خلفه صفوفا فقال ﷺ : «اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا ومن شر ما منعتنا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق» ورواه النسائي في اليوم والليلة عن عبيد بن رفاعة عن أبيه به .. وفي الحديث المرفوع. «من سرّته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن».

стр. 5171

٨ - [كلام ابن كثير عن سبب نزول آية وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا .. ] بمناسبة قوله تعالى وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما قال ابن كثير: (وبهذا استدل البخاري وغيره على أنه لا يخرج عن الإيمان بالمعصية وإن عظمت، لا كما يقوله الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة ونحوهم، وهكذا ثبت في صحيح البخاري من حديث الحسن عن أبي بكر ﵁ قال: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم خطب يوما ومعه على المنبر الحسن بن علي ﵄، فجعل ينظر إليه مرة وإلى الناس أخرى ويقول: إن ابني هذا سيد، ولعل الله تعالى أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين. فكان كما قال ﷺ أصلح الله- تعالى- به بين أهل الشام وأهل العراق بعد الحروب الطويلة والواقعات المهولة). وقال ابن كثير: (كما ثبت في الصحيح عن أنس ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» قلت: يا رسول الله هذا نصرته مظلوما، فكيف أنصره ظالما؟ قال ﷺ : «تمنعه من الظلم فذاك نصرك إياه». وروى الإمام أحمد عن معتمر قال: سمعت أبي يحدث أن أنسا ﵁ قال: قيل للنبي ﷺ : لو أتيت عبد الله بن أبي، فانطلق إليه النبي ﷺ وركب حمارا، وانطلق المسلمون يمشون- وهي أرض سبخة- فلما انطلق النبي ﷺ إليه قال: «إليك عني فو الله لقد آذاني ريح حمارك» فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحا منك، قال فغضب لعبد الله رجال من قومه، فغضب لكل واحد منهما أصحابه، قال: فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنه أنزلت فيهم وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما ورواه البخاري في الصلح عن مسدد ومسلم في المغازي وذكر سعيد بن جبير أن الأوس والخزرج كان بينهما قتال بالسعف والنعال، فأنزل الله تعالى هذه الآية فأمر بالصلح بينهما. وقال السدي: كان رجل من الأنصار يقال له عمران كانت له امرأة تدعى أم زبد، وأن المرأة أرادت أن تزور أهلها فحبسها زوجها وجعلها في علية له لا يدخل عليه أحد من أهلها، وأن المرأة بعثت إلى أهلها، فجاء قومها وأنزلوها لينطلقوا بها، وأن الرجل كان قد خرج فاستعان أهل الرجل فجاء بنو عمه ليحولوا بين المرأة وبين أهلها فتدافعوا واجتلدوا بالنعال، فنزلت فيهم هذه الآية فبعث إليهم رسول الله ﷺ وأصلح بينهم وفاءوا إلى أمر الله تعالى). ٩ - [كلام ابن كثير عن المقسطين بمناسبة آية فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ .. ] بمناسبة قوله تعالى فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ روى ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن المقسطين في الدنيا على منابر من لؤلؤ بين يدي

стр. 5172

الرحمن بما أقسطوا في الدنيا» ورواه النسائي بإسناد جيد قوي، رجاله على شرط الصحيح. عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: «المقسطون عند الله تعالى يوم القيامة على منابر من نور عن يمين العرش الذين يعدلون في حكمهم وأهاليهم وما ولوا» ورواه مسلم والنسائي من حديث سفيان بن عيينة به). ١٠ - [كلام ابن كثير عن الأخوة في الله بمناسبة آية إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ .. ] بمناسبة قوله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ قال ابن كثير: (أي الجميع إخوة في الدين، كما قال رسول الله ﷺ : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه» وفي الصحيح «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» وفي الصحيح أيضا «إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب قال الملك: آمين ولك بمثله» والأحاديث في هذا كثيرة. وفي الصحيح «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» وفي الصحيح أيضا «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» وشبك بين أصابعه ﷺ . وروى أحمد عن أبي حازم قال: سمعت سهيل بن سعد الساعدي ﵁ يحدث عن رسول الله ﷺ قال: «إن المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس» تفرد به أحمد ولا بأس بإسناده). أقول: واستعمال لفظة (إنما) التي تفيد الحصر يفهم منه أنه لا أخوة حقيقية إلا بين أهل الإيمان، وأنه لا إخوة بين غيرهم. ١١ - [كلام ابن كثير عن الكبر بمناسبة آية لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ .. ] بمناسبة قوله تعالى لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ ... قال ابن كثير: كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال «الكبر بطر الحق وغمص الناس- ويروى- وغمط الناس». ١٢ - [كلام ابن كثير عن التنابز بالألقاب] في سبب نزول قوله تعالى وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن أبي جبيرة بن الضحاك قال: فينا نزلت في بني سلمة وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا أحدا منهم باسم من تلك الأسماء قالوا: يا رسول الله إنه يغضب من هذا فنزلت وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ ورواه أبو داود. ١٣ - [كلام ابن كثير وصاحب الظلال عن حقوق المسلم على أخيه المسلم] بمناسبة قوله تعالى اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا قال ابن كثير: (وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرا وأنت تجد لها في الخير محملا.

стр. 5173

وروى أبو عبد الله بن ماجه عن عبد الله بن عمر ﵄ قال رأيت النبي ﷺ يطوف بالكعبة، ويقول: «ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله تعالى حرمة منك، ماله ودمه وأن يظن به إلا خيرا» تفرد به ابن ماجه من هذا الوجه، وروى مالك عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدبروا وكونوا عباد الله إخوانا» رواه البخاري. وروى سفيان بن عيينة عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام» رواه مسلم والترمذي وصححه من حديث سفيان بن عيينة به. وروى الطبراني عن حارثة بن النعمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث لازمات لأمتي: الطيرة والحسد وسوء الظن» فقال رجل: وما يذهبهن يا رسول الله ممن هن فيه؟ قال ﷺ : «إذا حسدت فاستغفر الله، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامض» وروى أبو داود عن زيد ﵁ قال: أتي ابن مسعود ﵁ برجل فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرا، فقال عبد الله ﵁: إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شئ نأخذ به. سماه ابن أبي حاتم في روايته الوليد بن عقبة بن أبي معيط. وروى الإمام أحمد عن دجين كاتب عقبة قال: قلت: إن لنا جيرانا يشربون الخمر وأنا داع لهم الشرط فيأخذونهم قال: لا تفعل ولكن عظهم وتهددهم، قال: ففعل فلم ينتهوا. قال: فجاءه دجين فقال: إني قد نهيتهم فلم ينتهوا، وإني داع لهم الشرط فتأخذهم، فقال له عقبة: ويحك لا تفعل، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول «من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيا موءودة من قبرها» ورواه أبو داود والنسائي من حديث الليث بن سعد به نحوه، وروى سفيان الثوري عن معاوية ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: «إنك إن اتبعت عورات الناس. أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم» فقال أبو الدرداء ﵁: كلمة سمعها معاوية ﵁ من رسول الله ﷺ نفعه الله تعالى بها، ورواه أبو داود منفردا به من حديث الثوري به. وروى أبو داود أيضا عن جبير بن نفير وكثيّر بن مرة وعمرو بن الأسود والمقدام بن معد يكرب وأبي أمامة ﵃ عن النبي ﷺ قال «إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم» وَلا تَجَسَّسُوا أي: على بعضكم بعضا والتجسس غالبا يطلق في الشر، ومنه الجاسوس. وأما التحسس فيكون غالبا في الخير كما

стр. 5174

قال إخبارا عن يعقوب أنه قال يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ وقد يستعمل كل منهما في الشر كما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال «لا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا» وقال الأوزاعي: التجسس البحث عن الشئ. والتحسس الاستماع إلى حديث القوم وهم له كارهون أو يتسمّع على أبوابهم. والتدابر: الصرم رواه ابن أبي حاتم عنه). قال صاحب الظلال عند قوله تعالى وَلا تَجَسَّسُوا .. (والتجسس قد يكون هو الحركة التالية للظن؛ وقد يكون حركة ابتدائية لكشف العورات، والاطلاع على السوءات. والقرآن يقاوم هذا العمل الدنئ من الناحية الأخلاقية، لتطهير القلب من مثل هذا الاتجاه اللئيم لتتبع عورات الآخرين وكشف سوءاتهم. وتمشيا مع أهدافه في نظافة الأخلاق والقلوب. ولكن الأمر أبعد من هذا أثرا. فهو مبدأ من مبادئ الإسلام الرئيسية في نظامه الاجتماعي، وفي إجراءاته التشريعية والتنفيذية. إن للناس حرياتهم وحرماتهم وكراماتهم التي لا يجوز أن تنتهك في صورة من الصور، ولا أن تمس بحال من الأحوال. ففي المجتمع الإسلامي الرفيع الكريم يعيش الناس آمنين على أنفسهم، آمنين على بيوتهم، آمنين على أسرارهم، آمنين على عوراتهم. ولا يوجد مبرر- مهما يكن- لانتهاك حرمات الأنفس والبيوت والأسرار والعورات. حتى ذريعة تتبع الجريمة وتحقيقها لا تصلح في النظام الإسلامي ذريعة للتجسس على الناس. فالناس على ظواهرهم، وليس لأحد أن يتعقب بواطنهم. وليس لأحد أن يأخذهم إلا بما يظهر منهم من مخالفات وجرائم. وليس لأحد أن يظن أو يتوقع- أو حتى يعرف- أنهم يزاولون في الخفاء مخالفة ما، فيتجسس عليهم ليضبطهم! وكل ما له عليهم أن يأخذهم بالجريمة عند وقوعها وانكشافها، مع الضمانات الأخرى التي ينص عليها بالنسبة لكل جريمة. قال سفيان الثوري عن راشد بن سعد عن معاوية بن أبي سفيان، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم» فقال أبو الدرداء- ﵁: كلمة سمعها معاوية- ﵁ من رسول الله- ﷺ نفعه الله تعالى بها. فهكذا أخذ النص طريقه في النظام العملي للمجتمع الإسلامي! ولم يعد مجرد تهذيب للضمير وتنظيف للقلب، بل صار سياجا حول حرمات الناس وحقوقهم وحرياتهم، فلا تمس من قريب أو بعيد، تحت أي ذريعة أو ستار. فأين هذا المدى البعيد؟ وأين هذا الأفق السامق؟ وأين ما يتعاجب به أشد الأمم

стр. 5175

ديمقراطية وحرية وحفظا لحقوق الإنسان بعد ألف وأربعمائة عام؟). أقول: يرى الكثيرون من المشتغلين بالسياسة أن أجهزة المخابرات شئ لا بد منه للدولة الحديثة، فماذا تفعل الدولة الإسلامية في هذا العصر؟ والجواب: إن رصد العدو لا يدخل في النهي عن التجسس، فقد كان رسول الله ﷺ يبعث الأرصاد والعيون على قريش، وإنما المنهي عنه التجسس على المسلمين، والذي يغني عن أجهزة المخابرات في الدولة الإسلامية وعي المسلم، وتلاحمه مع إمامه وحكومته، وإخباره لها إذا أحس بخيانة أو خطر على الأمن، كما ينوب عن ذلك بعض الإجراءات الاحتراسية، وجهاز أمني مقيد بضوابط الشرع لا حرج في وجوده. ١٤ - [كلام ابن كثير عن الغيبة بمناسبة آية وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً] وبمناسبة قوله تعالى وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً قال ابن كثير: (وقوله تعالى وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فيه نهي عن الغيبة وقد فسرها الشارع كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود عن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله ما الغيبة؟ قال ﷺ «ذكرك أخاك بما يكره» قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال صلّى الله عليه وسلم «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» ورواه الترمذي وقال حسن صحيح، ورواه ابن جرير. وهكذا قال ابن عمر ﵄ ومسروق وقتادة وأبو إسحاق ومعاوية بن قرة. وروى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: قلت للنبي ﷺ حسبك من صفية كذا وكذا. قال غير مسدد: تعني قصيرة، فقال ﷺ : «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته» قالت: وحكيت له إنسانا فقال ﷺ : «ما أحب أني حكيت إنسانا وإن لي كذا وكذا» ورواه الترمذي. والغيبة محرمة بالإجماع، ولا يستثنى من ذلك إلا ما رجحته مصلحة كما في الجرح والتعديل، والنصيحة كقوله ﷺ لما استأذن عليه ذلك الرجل الفاجر: «ائذنوا له بئس أخو العشيرة» وكقوله ﷺ لفاطمة بنت قيس ﵂ وقد خطبها معاوية وأبو الجهم: «أما معاوية فصعلوك، وأما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه» وكذا ما جرى مجرى ذلك، ثم بقيتها على التحريم الشديد، وقد ورد فيها الزجر الأكيد؛ ولهذا شبهها ﵎ بأكل اللحم من الإنسان الميت، كما قال أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ أي: كما تكرهون هذا طبعا، فاكرهوا ذاك شرعا، فإن عقوبته أشد من هذا، وهذا من التنفير عنها والتحذير منه كما قال ﷺ في العائد في هبته «كالكلب يقئ ثم يرجع في قيئه» وقد قال: «ليس لنا مثل السوء» وثبت في

стр. 5176

الصحاح والحسان والمسانيد من غير وجه أنه ﷺ قال في خطبة حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» وروى أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «كل المسلم على المسلم حرام ماله وعرضه ودمه، حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم» ورواه الترمذي وقال: حسن غريب وعن الأعمش عن سعيد بن عبيد الله بن جريج عن أبي بردة البلوي قال: قال رسول الله ﷺ «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم. فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته». ونظر ابن عمر يوما إلى الكعبة فقال ما أعظمك وأعظم حرمتك، وللمؤمن أعظم حرمة عند الله منك. روى أبو داود عن المسور أن النبي ﷺ قال «من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها في جهنم، ومن كسا ثوبا برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله في جهنم، ومن قام برجل مقام سمعة ورياء فإن الله تعالى يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة» تفرد به أبو داود. وحدثنا ابن مصفى عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» تفرد به أبو داود وهكذا رواه الإمام أحمد .. وروى الحافظ أبو يعلى عن عم لأبي هريرة: أن ماعزا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني قد زنيت، فأعرض عنه حتى قالها أربعا، فلما كان في الخامسة قال «زنيت؟» قال: نعم قال «وتدري ما الزنا؟» قال: نعم أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلال، قال: «ما تريد إلى هذا القول؟» قال: أريد أن تطهرني قال: فقال رسول الله ﷺ : «أدخلت ذلك منك في ذلك منها كما يغيب الميل في المكحلة والعصا في البئر؟» قال: نعم يا رسول الله قال فأمر برجمه فرجم فسمع النبي ﷺ رجلين يقول أحدهما لصاحبه: ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب، ثم سار النبي ﷺ حتى مر بجيفة حمار فقال: «أين فلان وفلان؟ انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار. قالا: غفر الله لك يا رسول الله وهل يؤكل هذا؟ قال ﷺ : فما نلتما من أخيكما آنفا أشد أكلا منه، والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها» إسناد صحيح.

стр. 5177

وقال ابن كثير: (قال الجمهور من العلماء طريق المغتاب للناس في توبته أن يقلع عن ذلك ويعزم على أن لا يعود، وهل يشترط الندم على ما فات؟ فيه نزاع، وأن يتحلل من الذي اغتابه وقال آخرون لا يشترط أن يتحلله؛ فإنه إذا أعلمه بذلك ربما تأذى أشد مما إذا لم يعلم بما كان منه، فطريقه إذا أن يثني عليه بما فيه في المجالس التي كان يذمه فيها، وأن يرد عنه الغيبة بحسبه وطاقته لتكون تلك بتلك، كما روى الإمام أحمد عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ قال «من حمى مؤمنا من منافق يغتابه بعث الله تعالى إليه ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مؤمنا بشيء يريد سبه حبسه الله تعالى على جسر جهنم حتى يخرج مما قال» وكذا رواه أبو داود من حديث عبد الله بن المبارك به بنحوه. وروى أبو داود أيضا عن جابر بن عبد الله وأبي طلحة بن سهل الأنصاري ﵄ يقولان: قال رسول الله ﷺ : «ما من امرئ يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله تعالى في مواطن يحب فيها نصرته، وما من امرئ ينصر امرأ مسلما في موضع ينتقص فيه من حرمته إلا نصره الله في مواطن يحب فيها نصرته» تفرد به أبو داود). ١٥ - [كلام ابن كثير والنسفي والمؤلف حول آية .. إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ .. ] بمناسبة قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ قال ابن كثير: وقد وردت الأحاديث بذلك عن رسول الله ﷺ ، روى البخاري عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ أي الناس أكرم؟ قال: «أكرمهم عند الله أتقاهم» قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: «فأكرم الناس يوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن نبي الله ابن خليل الله» قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: «فعن معادن العرب تسألوني؟» قالوا: نعم قال: «فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا» وقد رواه البخاري في غير موضع من طرق عن عبدة بن سليمان، ورواه النسائي في التفسير من حديث عبيد الله وهو ابن عمر العمري به. (حديث آخر)، روى مسلم ﵀ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» ورواه ابن ماجه (حديث آخر) روى الإمام أحمد عن أبي ذر ﵁ قال: إن النبي ﷺ قال له: «انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى الله» تفرد به أحمد ﵀ (حديث آخر) وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني عن حبيب بن خراش العصري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول

стр. 5178

«المسلمون إخوة لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى» (حديث آخر) روى أبو بكر البزار في مسنده عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب، ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله تعالى من الجعلان». ثم قال: لا نعرفه عن حذيفة إلا من هذا الوجه (حديث آخر) روى ابن أبي حاتم عن ابن عمر ﵄ قال: طاف رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على ناقته القصواء يستلم الأركان بمحجن في يده، فما وجد لها مناخا في المسجد حتى نزل ﷺ على أيدي الرجال فخرج بها إلى بطن المسيل فأنيخت، ثم إن رسول الله ﷺ خطبهم على راحلته فحمد الله تعالى وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال: «يا أيها الناس إن الله تعالى قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية، وتعظمها بآبائها، فالناس رجلان: رجل برّ تقي كريم على الله تعالى. ورجل فاجر شقي هين على الله تعالى، إن الله يقول يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ثم قال ﷺ : «أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم» هكذا رواه عبد بن حميد (حديث آخر) روى الإمام أحمد، عن عقبة بن عامر ﵄، قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن أنسابكم هذه ليست بمنسبة على أحد، كلكم بنو آدم طف الصاع لم تمنعوه، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين وتقوى، وكفى بالرجل أن يكون بذيا بخيلا فاحشا» وقد رواه ابن جرير عن ابن لهيعة به ولفظه: «الناس لآدم وحواء طف الصاع لم يملئوه. إن الله لا يسألكم عن أحسابكم ولا عن أنسابكم يوم القيامة، إن أكرمكم عند الله أتقاكم». وليس هو في شئ من الكتب الستة من هذا الوجه (حديث آخر) روى الإمام أحمد عن درة بنت أبي لهب ﵂ قالت: قام رجل إلى النبي ﷺ وهو على المنبر فقال: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال ﷺ «خير الناس أقراهم وأتقاهم لله ، وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم» (حديث آخر) روى الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: ما أعجب رسول الله ﷺ شئ من الدنيا ولا أعجبه أحد قط إلا ذو تقى. تفرد به أحمد). وبمناسبة الآية المذكورة قال النسفي: (الشعب الطبقة الأولى من الطبقات الست التى عليها العرب: وهي الشعب، والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة. فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل. خزيمة الشعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة،

стр. 5179

وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة، وسميت الشعوب؛ لأن القبائل تشعبت منها). وبمناسبة هذه الآية أقول: لقد حددت الآية الحكمة من خلق الله الناس شعوبا وقبائل بأنها التعارف، وهذا يقرر واقعا أن هناك شعوبا وقبائل، ويلغي أن يكون لشعب فضل عند الله بسبب كونه شعب كذا أو قبيلة كذا، وإنما الفضل عند الله ميزانه التقوى، فالناس يتفاوتون عند الله بقدر تفاوتهم في تقواهم، ولا تنفي الآية أن يكون لشعب ميزة أو خصائص، ولكن هذه الميزة والخصائص بسبب من استعداد هذا الشعب للتقوى، والتزامه بها، فالله قال عن بني إسرائيل وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ (الدخان: ٣٢) أي: على عالمي زمانهم؛ وذلك بسبب استعدادهم الأعلى في زمانهم للتقوى، وبسبب من كونهم أكثر الناس التزاما بما أنزل عليهم في زمانهم، والله اختار العرب- وقريش من العرب- لحمل رسالته الأخيرة الخاتمة بسبب استعدادهم الأعلى لذلك، فشرّفهم بالرسالة فقال تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ (الزخرف: ٤٤) وبسبب علمه تعالى أنهم أكثر الناس التزاما بهذه الرسالة، وقدرة على حملها، ومن ثم حذّرهم في حال توليهم أنّه سيستبدل لحمل رسالته غيرهم وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (محمد: ٣٨) وبهذه المناسبة نحب أن نسجل بعض المعاني التي لها علاقة بحكمة اختيار العرب لحمل الرسالة، وحكمة اختصاص قريش بين العرب بالخلافة. إن الشعب العربي يملك طاقة نفسية هائلة، هذه الطاقة النفسية الهائلة إن أحسن تهذيبها وتوجيهها فعلت الكثير، وإلا كانت أداة دمار وتدمير، تحطم بعضها. فهي تشبه ماء السيل إن أحسن حبسه ووضعه وراء السدود أمكن الاستفادة منه، وإلا كان أداة دمار، هذه الطاقة النفسية الضخمة عند العرب التي لم يهذبها إلا الإسلام، وعند ما هذّبها فعلت ما فعلت. قد تكون هذه الطاقة النفسية الهائلة فيها سر اختيار الله للعرب لحمل رسالته، وقد تكون الحكمة في جانب آخر، فكل الشعوب عندها استعداد للتفاعل مع الإسلام، ولكن قد يكون العرب ساعة نزول القرآن عليهم هم أكثر الشعوب استعدادا للتفاعل الكامل الأعلى بكل جانب من جوانب الإسلام، فاختارهم الله لرسالته لعلمه بذلك اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ (الأنعام: ١٢٤) وقريش هي أكثر العرب استعدادا لحمل هذا الدين والتفاعل معه؛ ومن ثم نلاحظ أن أرقى الخلق في الإسلام بعد رسول الله ﷺ كانوا من قريش: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبو عبيدة

стр. 5180

وعبد الرحمن بن عوف وسعيد بن زيد وطلحة والزبير ... وقد يكون لهذا المعنى جعل الله الخلافة في قريش؛ لأن القرشي يمتلك من الخصائص ما يجعله أكثر الخلق استعدادا لحمل هذا الدين وفهمه والتفاعل معه، ولكن هذا شئ، والفخر والاستعلاء على الخلق واحتقارهم وازدراءهم شئ آخر. والخلاصة: أن الكرامة عند الله بالتقوى، وعليها مدار التفاضل بين الأفراد والشعوب، وقد يصطفي الله تعالى فردا أو شعبا لحكمة مرتبطة بالتقوى، وذلك شرف لأصحابه، وعلى الآخرين أن يعترفوا به، دون أن يترتب على ذلك فخر دنيوي أو كبر قلبي، وهذا شئ وأن الشعوب والقبائل وجدت كذلك لتتعارف شئ آخر. ١٦ - [كلام ابن كثير والمؤلف عن تعريف الإيمان والإسلام] بمناسبة قوله تعالى قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ قال ابن كثير: (وقد استفيد من هذه الآية الكريمة أن الإيمان أخص من الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويدل عليه حديث جبريل ﵊ حين سأل عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، فترقى من الأعم إلى الأخص، ثم للأخص منه. وروى الإمام أحمد عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه ﵄ قال أعطى رسول الله ﷺ رجالا ولم يعط رجلا منهم شيئا، فقال سعد ﵁: يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا ولم تعط فلانا شيئا وهو مؤمن فقال ﷺ : «أو مسلم». حتى أعادها سعد ﵁ ثلاثا والنبي ﷺ يقول: «أو مسلم؟» ثم قال النبي ﷺ : «إني لأعطي رجالا وأدع من هو أحب إليّ منهم فلم أعطه شيئا مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم» أخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به. فقد فرق النبي ﷺ بين المؤمن والمسلم، فدل على أن الإيمان أخص من الإسلام. ودل ذلك على أن ذاك الرجل كان مسلما ليس منافقا؛ لأنه تركه من العطاء ووكله إلى ما هو فيه من الإسلام، فدل هذا على أن هؤلاء الأعراب المذكورين في هذه الآية ليسوا بمنافقين، وإنما هم مسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم فادعوا لأنفسهم مقاما أعلى مما وصلوا إليه، فأدبوا في ذلك، وهذا معنى قول ابن عباس ﵄ وإبراهيم النخعي وقتادة واختاره ابن جرير). وبمناسبة هذه الآية نقول: إن الإسلام الكامل هو الإيمان الكامل ولا فرق، لأن الإيمان الكامل يدخل فيه تصديق القلب وتصديق الجوارح بالعمل، والإسلام الكامل يدخل فيه إسلام القلب لله بالإيمان وإسلام الجوارح بالعمل، ومن ثم نلاحظ أن قوله

стр. 5181

تعالى في سورة الذاريات فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (الآية: ٣٠، ٣١) قد جعل الإيمان هو عين الإسلام. أما إذا أريد بالإسلام عمل الجوارح، وبالإيمان تصديق القلب، فعندئذ يكون الإسلام شيئا والإيمان شيئا آخر، كما ورد في حديث جبريل .. قال «أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمّدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ... قال فأخبرني عن الإيمان قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه .. » ففي هذا الحديث الإسلام شئ والإيمان شئ آخر، وإن كان بينهما ارتباط في الواقع والحقيقة، وآية الحجرات أشارت إلى هذا التمايز بين الإسلام والإيمان، وبينت في الوقت نفسه أن الطريق إلى الإيمان القلبي هو عمل الجوارح، إذ قالت وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وهذا أصل كبير في التربية الإسلامية؛ فالقلب البشري يموت أو تسيطر عليه الغفلة، وطريق إحيائه العمل بالإسلام من ذكر وقراءة قرآن، وصلاة وإنفاق وصوم وحج، وغير ذلك من أعمال الإسلام، وبذلك ينتقل القلب من طور إلى طور آخر، حتى يصل إلى الإيمان الكامل، وإذا تأملت هذا الحديث تصل إلى هذه النتيجة: «القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط عليه غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق، عرف ثمّ أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق، فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق كمثل القرحة يمدها القيح والدّم، فأي المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه» أخرجه أحمد وجوّد إسناده ابن كثير. إذا أدركت هذه المعاني كلها تدرك معنى قوله تعالى وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ فالإيمان لم يدخل بعد وهو على وشك الدخول إذا استمر العمل بالإسلام. ١٧ - [كلام ابن كثير عن أنواع المؤمنين في الدنيا] بمناسبة قوله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ قال ابن كثير (وروى الإمام أحمد .. عن أبي سعيد ﵁ قال: إن النبي ﷺ قال: «المؤمنون في الدنيا على ثلاثة أجزاء: الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والذي يأمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والذي إذا أشرف على طمع تركه لله .

стр. 5182

١٨ - [كلام ابن كثير عن النهي عن المن بالدخول في الإسلام] بمناسبة قوله تعالى يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ قال ابن كثير: (روى الحافظ أبو بكر البزار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: جاءت بنو أسد إلى رسول الله ﷺ فقالوا يا رسول الله أسلمنا وقاتلتك العرب ولم نقاتلك، فقال رسول الله ﷺ : «إن فقههم قليل، وإن الشيطان ينطق على ألسنتهم» ونزلت هذه الآية يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ثم قال: لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه، ولا نعلم روى أبو عون محمد بن عبيد الله عن سعيد ابن جبير غير هذا الحديث. كلمة أخيرة حول سورة الحجرات: سورة الحجرات سورة الآداب الإسلامية، فقد وجهت المسلم نحو مجموعة كبيرة من الآداب: ١ - عدم التقدم بين يدي الكتاب والسنة برأي أو قول أو فعل. ٢ - خفض الصوت عند رسول الله ﷺ . ٣ - معاملة الرسول ﷺ بكمال الأدب، وعدم رفع حجاب الكلفة معه. ٤ - عدم نداء رسول الله ﷺ إن كان في بيته وانتظاره حتى يخرج. ٥ - امتحان خبر الفاسق وعدم التسرع في البناء عليه. ٦ - عدم فرض الرأي على رسول الله ﷺ . ٧ - الإصلاح بين المؤمنين. ٨ - رد الباغي عن ظلمه ولو بالقتال إن أصر على الظلم. ٩ - العدل في الإصلاح. ١٠ - إعطاء المؤمنين الإخاء. ١١ - ترك السخرية بأهل الإيمان. ١٢ - ترك طعن أهل الإيمان. ١٣ - ترك التنابز بالألقاب. ١٤ - اجتناب الظن السيئ بأهل الخير بدون مبرر. ١٥ - ترك التجسس وخاصة على أهل الحق لأهل الباطل. ١٦ - ترك الغيبة الكامل. ١٧ - ترك التفاخر في الأحساب والأنساب والقوميات. ١٨ - النهي عن ادعاء الإيمان. ١٩ - الصدق مع الله بتحقيق الإيمان وإقامة الجهاد. ٢٠ - عدم المن بالدخول في الإسلام، ورؤية المن لله ورسوله ﷺ في ذلك. فالسورة التي عرضت هذه الآداب كلها هي سورة الآداب، ومن ثم فإن دراستها ودراسة حيثيات هذه الآداب مهمة جدا. ومن الملاحظات الرئيسية التي نلاحظها في سورة الحجرات أنها علّمتنا أصول التعامل في دوائر ثلاث: دائرة التعامل مع القيادة العليا للمسلمين متمثلة في رسول الله ﷺ ،

стр. 5183

ودائرة التعامل مع أبناء هذه الأمة المسلمة، ودائرة التعامل مع البشرية كلها، كما أنها حددت في الوقت نفسه للقيادة جوانب ينبغي أن تلتزمها، ولا شك أن هذه الدروس دروس ينبغي أن تلتزم وتطبق في كل عصر، فيأخذ ورّاث النبوة حظّهم من التطبيق، ويأخذ المؤمنون حظهم من التطبيق في التأدب مع رسول الله ﷺ : مع شخصه، ومع سنته، وفي الكلام عنه، ومع وراثه ﵊، كما يأخذ المؤمنون حظهم من التطبيق في التعامل مع بعضهم بعضا. إن هذا القرآن الذي دلّ الإنسان على طريق الهدى دلّه من جملة ما دله على الطريق الذي يكون به المسلم هو الإنسان الأعلى في هذا الوجود، تطلعات وأخلاقا وقيما ومبادئ وأهدافا، وكما ربّاه على الكمال في الأخلاق الفردية، ربّاه على الكمال في الأخلاق الجماعية، بحيث يكون عضوا كاملا في أمة كاملة، كما ربّى هذه الأمة على الكمال في كل شئ، وعند ما نجد في عصرنا روح الفردية عند بعض المسلمين عاتية، وعند ما نرى عجز بعض المسلمين عن التعامل مع بعضهم الآخر، وعند ما نرى تطلعات المسلم قاصرة وأهدافه غامضة، وتفاعله مع الإسلام جزئيا، وعند ما لا نرى المسلمين جميعا أمة واحدة تتحرك حركة واحدة، وتتجه اتجاها واحدا، عند ما لا نرى هذا كله ندرك البعد الكبير بين ما كلّفنا به وبين واقعنا. وقد حاولنا خلال عرضنا للسورة أن نذكر وحدتها، وأن نذكر صلتها بما قبلها، وأن نبيّن الروابط التي تربطها مع محورها. وقد يكون من المناسب قبل الانتقال إلى سورة (قاف) أن نعيد إلى الأذهان بعض مظاهر الارتباط، بين سورة الحجرات وسورة الفتح، لنبقى متذكرين الصلات الخاصة التي تربط بين سور هذه المجموعة. إننا لا نبالغ إذا قلنا إن سورة الحجرات قد ذكرت الطريق العملي لتحقيق المعاني الواردة في سورة الفتح، فقد ورد في سورة الفتح مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (الآية: ٢٩) وسورة الحجرات توجه المؤمنين في الطريق لتحقيق ذلك، فتنهاهم عن الغيبة والتجسس، واللمز والتنابز بالألقاب، لأن هذه المعاني كلها تتنافى مع التراحم. وسورة الفتح تعرضت لقصة الحديبية التي حدث فيها نوع من الاعتراض الصامت على رسول الله ﷺ لتوقيعه الصلح، وتأتي سورة

стр. 5184

الحجرات لتقول في بدايتها يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... وسورة الفتح تعرضت لموضوع توقير رسول الله ﷺ ، وتأتي سورة الحجرات لتنهى عن رفع الصوت لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ... وسورة الفتح بشّرت بانتصار عالمي للإسلام، وهذا يقتضي أن تكون قضية الإخاء الإسلامي واضحة، وقضية الصلة بين الشعوب واضحة، ومن ثم نجد في سورة الحجرات إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ... ونجد يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا ... وسورة الفتح بيّنت أن الجهاد والمشاركة فيه ميزان من موازين الإيمان، وتأتي سورة الحجرات لتعرّف الإيمان، وتذكر الجهاد كجزء منه إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وفيما ذكرناه كفاية لتوضيح هذه القضية، ونخرج من ذلك بوضوح كامل لموضوع تكامل سور المجموعة الواحدة، ولموضوع أن كل مجموعة تفصّل في سورة البقرة إنما تضيف معاني جديدة. ***

стр. 5185

سورة ق وهي السّورة الخمسون بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة السّادسة من المجموعة الخامسة من قسم المثاني، وآياتها خمس وأربعون آية وهي مكيّة
следующие страницы →