Полный текст (6 440 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.
стр. 5181
تعالى في سورة الذاريات فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (الآية: ٣٠، ٣١) قد جعل الإيمان هو عين الإسلام. أما إذا أريد بالإسلام عمل الجوارح، وبالإيمان تصديق القلب، فعندئذ يكون الإسلام شيئا والإيمان شيئا آخر، كما ورد في حديث جبريل .. قال «أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمّدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ... قال فأخبرني عن الإيمان قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه .. » ففي هذا الحديث الإسلام شئ والإيمان شئ آخر، وإن كان بينهما ارتباط في الواقع والحقيقة، وآية الحجرات أشارت إلى هذا التمايز بين الإسلام والإيمان، وبينت في الوقت نفسه أن الطريق إلى الإيمان القلبي هو عمل الجوارح، إذ قالت وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وهذا أصل كبير في التربية الإسلامية؛ فالقلب البشري يموت أو تسيطر عليه الغفلة، وطريق إحيائه العمل بالإسلام من ذكر وقراءة قرآن، وصلاة وإنفاق وصوم وحج، وغير ذلك من أعمال الإسلام، وبذلك ينتقل القلب من طور إلى طور آخر، حتى يصل إلى الإيمان الكامل، وإذا تأملت هذا الحديث تصل إلى هذه النتيجة: «القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط عليه غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق، عرف ثمّ أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق، فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق كمثل القرحة يمدها القيح والدّم، فأي المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه» أخرجه أحمد وجوّد إسناده ابن كثير. إذا أدركت هذه المعاني كلها تدرك معنى قوله تعالى وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ فالإيمان لم يدخل بعد وهو على وشك الدخول إذا استمر العمل بالإسلام.
١٧ - [كلام ابن كثير عن أنواع المؤمنين في الدنيا]
بمناسبة قوله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ قال ابن كثير (وروى الإمام أحمد .. عن أبي سعيد ﵁ قال: إن النبي ﷺ قال:
«المؤمنون في الدنيا على ثلاثة أجزاء: الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والذي يأمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والذي إذا أشرف على طمع تركه لله .
стр. 5182
١٨ - [كلام ابن كثير عن النهي عن المن بالدخول في الإسلام]
بمناسبة قوله تعالى يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ قال ابن كثير: (روى الحافظ أبو بكر البزار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: جاءت بنو أسد إلى رسول الله ﷺ فقالوا يا رسول الله أسلمنا وقاتلتك العرب ولم نقاتلك، فقال رسول الله ﷺ : «إن فقههم قليل، وإن الشيطان ينطق على ألسنتهم» ونزلت هذه الآية يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ثم قال:
لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه، ولا نعلم روى أبو عون محمد بن عبيد الله عن سعيد ابن جبير غير هذا الحديث.
كلمة أخيرة حول سورة الحجرات:
سورة الحجرات سورة الآداب الإسلامية، فقد وجهت المسلم نحو مجموعة كبيرة من الآداب: ١ - عدم التقدم بين يدي الكتاب والسنة برأي أو قول أو فعل. ٢ - خفض الصوت عند رسول الله ﷺ . ٣ - معاملة الرسول ﷺ بكمال الأدب، وعدم رفع حجاب الكلفة معه. ٤ - عدم نداء رسول الله ﷺ إن كان في بيته وانتظاره حتى يخرج. ٥ - امتحان خبر الفاسق وعدم التسرع في البناء عليه. ٦ - عدم فرض الرأي على رسول الله ﷺ . ٧ - الإصلاح بين المؤمنين. ٨ - رد الباغي عن ظلمه ولو بالقتال إن أصر على الظلم. ٩ - العدل في الإصلاح. ١٠ - إعطاء المؤمنين الإخاء. ١١ - ترك السخرية بأهل الإيمان. ١٢ - ترك
طعن أهل الإيمان. ١٣ - ترك التنابز بالألقاب.
١٤ - اجتناب الظن السيئ بأهل الخير بدون مبرر. ١٥ - ترك التجسس وخاصة على أهل الحق لأهل الباطل. ١٦ - ترك الغيبة الكامل. ١٧ - ترك التفاخر في الأحساب والأنساب والقوميات. ١٨ - النهي عن ادعاء الإيمان. ١٩ - الصدق مع الله بتحقيق الإيمان وإقامة الجهاد. ٢٠ - عدم المن بالدخول في الإسلام، ورؤية المن لله ورسوله ﷺ في ذلك.
فالسورة التي عرضت هذه الآداب كلها هي سورة الآداب، ومن ثم فإن دراستها ودراسة حيثيات هذه الآداب مهمة جدا.
ومن الملاحظات الرئيسية التي نلاحظها في سورة الحجرات أنها علّمتنا أصول التعامل في دوائر ثلاث: دائرة التعامل مع القيادة العليا للمسلمين متمثلة في رسول الله ﷺ ،
стр. 5183
ودائرة التعامل مع أبناء هذه الأمة المسلمة، ودائرة التعامل مع البشرية كلها، كما أنها حددت في الوقت نفسه للقيادة جوانب ينبغي أن تلتزمها، ولا شك أن هذه الدروس دروس ينبغي أن تلتزم وتطبق في كل عصر، فيأخذ ورّاث النبوة حظّهم من التطبيق، ويأخذ المؤمنون حظهم من التطبيق في التأدب مع رسول الله ﷺ : مع شخصه، ومع سنته، وفي الكلام عنه، ومع وراثه ﵊، كما يأخذ المؤمنون حظهم من التطبيق في التعامل مع بعضهم بعضا.
إن هذا القرآن الذي دلّ الإنسان على طريق الهدى دلّه من جملة ما دله على الطريق الذي يكون به المسلم هو الإنسان الأعلى في هذا الوجود، تطلعات وأخلاقا وقيما ومبادئ وأهدافا، وكما ربّاه على الكمال في الأخلاق الفردية، ربّاه على الكمال في الأخلاق الجماعية، بحيث يكون عضوا كاملا في أمة كاملة، كما ربّى هذه الأمة على الكمال في كل شئ، وعند ما نجد في عصرنا روح الفردية عند بعض المسلمين عاتية، وعند ما نرى عجز بعض المسلمين عن التعامل مع بعضهم الآخر، وعند ما نرى تطلعات المسلم قاصرة وأهدافه غامضة، وتفاعله مع الإسلام جزئيا، وعند ما لا نرى المسلمين جميعا أمة واحدة تتحرك حركة واحدة، وتتجه اتجاها واحدا، عند ما لا نرى هذا كله ندرك البعد الكبير بين ما كلّفنا به وبين واقعنا.
وقد حاولنا خلال عرضنا للسورة أن نذكر وحدتها، وأن نذكر صلتها بما قبلها، وأن نبيّن الروابط التي تربطها مع محورها. وقد يكون من المناسب قبل الانتقال إلى سورة (قاف) أن نعيد إلى الأذهان بعض مظاهر الارتباط، بين سورة الحجرات وسورة الفتح، لنبقى متذكرين الصلات الخاصة التي تربط بين سور هذه المجموعة.
إننا لا نبالغ إذا قلنا إن سورة الحجرات قد ذكرت الطريق العملي لتحقيق المعاني الواردة في سورة الفتح، فقد ورد في سورة الفتح مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (الآية: ٢٩) وسورة الحجرات توجه المؤمنين في الطريق لتحقيق ذلك، فتنهاهم عن الغيبة والتجسس، واللمز والتنابز بالألقاب، لأن هذه المعاني كلها تتنافى مع التراحم. وسورة الفتح تعرضت لقصة الحديبية التي حدث فيها نوع من الاعتراض الصامت على رسول الله ﷺ لتوقيعه الصلح، وتأتي سورة
стр. 5184
الحجرات لتقول في بدايتها يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... وسورة الفتح تعرضت لموضوع توقير رسول الله ﷺ ، وتأتي سورة الحجرات لتنهى عن رفع الصوت لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ...
وسورة الفتح بشّرت بانتصار عالمي للإسلام، وهذا يقتضي أن تكون قضية الإخاء الإسلامي واضحة، وقضية الصلة بين الشعوب واضحة، ومن ثم نجد في سورة الحجرات إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ... ونجد يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا ... وسورة الفتح بيّنت أن الجهاد والمشاركة فيه ميزان من موازين الإيمان، وتأتي سورة الحجرات لتعرّف الإيمان، وتذكر الجهاد كجزء منه إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وفيما ذكرناه كفاية لتوضيح هذه القضية، ونخرج من ذلك بوضوح كامل لموضوع تكامل سور المجموعة الواحدة، ولموضوع أن كل مجموعة تفصّل في سورة البقرة إنما تضيف معاني جديدة.
***
стр. 5185
سورة ق
وهي السّورة الخمسون بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة السّادسة من المجموعة الخامسة من قسم المثاني، وآياتها خمس وأربعون آية وهي مكيّة
стр. 5186
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم
стр. 5187
كلمة في سورة (ق) ومحورها:
يرجّح ابن كثير أن قسم المفصّل يبدأ بسورة (ق) ويفند كل قول آخر، وهذا كلامه: (هذه السورة هي أول الحزب المفصّل على الصحيح، وقيل من الحجرات.
وأما ما يقوله العوام إنه من (عمّ) فلا أصل له، ولم يقله أحد من العلماء ﵃ المعتبرين فيما نعلم. والدليل على أن هذه السورة هي أول المفصّل ما رواه أبو داود في سننه (باب تحزيب القرآن) ثم قال: قال عبد الله بن سعيد: حدثنيه أوس بن حذيفة ثم اتفقا قال: قدمنا على رسول الله ﷺ في وفد ثقيف قال: فنزلت الأحلاف على المغيرة بن شعبة ﵁ وأنزل رسول الله ﷺ بني مالك في قبة له قال مسدد- وكان في الوفد الذين قدموا على رسول الله ﷺ من ثقيف- قال: كان رسول الله ﷺ كل ليلة يأتينا بعد العشاء يحدثنا قال أبو سعيد: قائما على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول القيام فأكثر ما يحدثنا ﷺ ما لقي من قومه قريش، ثم يقول ﷺ «لا أساء وكنا مستضعفين مستذلين» قال مسدد بمكة «فلما خرجنا إلى المدينة كانت الحرب سجالا بيننا وبينهم، ندال عليهم ويدالون علينا» فلما كانت ليلة أبطأ عنا ﷺ عن الوقت الذي كان يأتينا فيه فقلنا: لقد أبطأت علينا الليلة قال ﷺ : «إنه طرأ على حزبي من القرآن فكرهت أن أجيء حتى أتمه» قال أوس: سألت أصحاب رسول الله ﷺ كيف يحزّبون القرآن فقالوا: ثلاث وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصّل وحده، ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة ورواه الإمام أحمد، إذا علم هذا فإذا عددت ثمانيا وأربعين سورة فالتي بعدها سورة ق. بيانه: (ثلاث) البقرة وآل عمران والنساء (وخمس) المائدة والأنعام والأعراف والأنفال وبراءة (وسبع) يونس وهود ويوسف والرعد وإبراهيم والحجر والنحل (وتسع) سبحان والكهف ومريم وطه والأنبياء والحج والمؤمنون والنور والفرقان (وأحد عشرة) الشعراء والنمل والقصص والعنكبوت والروم ولقمان والم السجدة والأحزاب وسبأ وفاطر ويس (وثلاث عشرة) الصافات وص والزمر وغافر وحم السجدة وحم عسق والزخرف والدخان والجاثية والأحقاف والقتال والفتح والحجرات، ثم بعد ذلك الحزب المفصّل كما قاله الصحابة ﵃، فتعيّن أن أوله سورة ق، وهو الذي قلناه ولله الحمد والمنّة).
أقول: الذي أذهب إليه في هذا الموضوع أن سورة الذاريات هي بداية قسم
стр. 5188
المفصّل، وأن سورة (ق) ينتهي بها قسم المثاني، والذي دعاني إلى هذا القول استقرائي لمعاني القرآن وأسلوبه، فقد رأينا في سورة الصافات أنها كانت بداية لمجموعة، وهي مبدوءة بقسم مباشر وَالصَّافَّاتِ فهي تشبه سورة وَالذَّارِياتِ ومن ثم قلنا:
إن سورة الذاريات بداية مجموعة، وبداية قسم، وسنرى في المفصّل بشكل واضح أنه حيث جاء القسم بشكل مباشر فذلك علامة على بداية مجموعة لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً ... وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً ... وَالسَّماءِ ...
وَالْفَجْرِ ... وَالتِّينِ ... وَالْعَصْرِ ... فهذا أول شئ دعانا إلى اعتبار الذاريات هي بداية قسم المفصّل، ثم لاحظنا من قبل أن سورة الشورى مبدوءة بقوله تعالى حم عسق مما يشير إلى أن سورة (ق) مشدودة إلى هذا القسم الذي فيه سورة الشورى، فهي ألصق بقسم المثاني، وهذا معنى ثان دعانا إلى هذا القول وهو أنّ سورة (ق) هي نهاية قسم المثاني، وليست بداية قسم المفصّل. ومن كلام العرب (قلت لها قفي فقالت قاف) أي وقفت فعبّر بالحرف عن الكلمة، وهذا البيت مشهور عند العرب، والوقوف يتضمن معنى نهاية السير، ولا نستبعد أن يكون ختم قسم المثاني بحرف (قاف) يتضمن إشارة إلى أن سورة (ق) نهاية سير قسم المثاني، وهذا معنى آخر نستأنس به على أن سورة (ق) نهاية قسم، وقد ذكر ابن كثير أن أحد الأقوال الضعيفة في (ق) أنه إشارة إلى كلمة وهو قول مردود، ولذلك فقد استأنست به استئناسا قال ابن كثير: (وقيل المراد قضي الأمر والله، وأن قوله جل ثناؤه ق دلت على المحذوف من بقية الكلمة كقول الشاعر* قلت لها قفي فقالت ق* وفي هذا التفسير نظر لأن الحذف في الكلام إنما يكون إذا دل دليل عليه، ومن أين يفهم هذا من ذكر هذا الحرف؟). وقد استأنست استئناسا بأصل الفكرة أن يكون في الحرف قاف إشارة إلى معنى الوقوف، خاصة والعرب استعملته في ذلك. وأهم من كل ما ذكرته في الاستدلال على أن سورة (ق) هي نهاية قسم المثاني، وليست بداية قسم المفصّل هو معناها ومحلها وصلتها بما قبلها، وتفصيلها لمحور يأتي في أعماق سورة البقرة بينما تفصّل سورة الذاريات في مقدمة سورة البقرة بشكل واضح كما سنرى، مما يؤكد أن سورة الذاريات بداية قسم، وأن سورة (ق) نهاية قسم.
فإذا اتضحت هذه المعاني وعرفنا كما ذكرنا من قبل وكما سنذكر في ابتداء الكلام عن المفصّل أنّ القضية اجتهادية، بدليل كثرة الأقوال فيها، مما يشير إلى أن ما ورد في الموضوع ليس حاسما فإن ما ذهبنا إليه له وجهه، مع ملاحظة أن الدليل الوحيد الذي
стр. 5189
ذكره ابن كثير يمكن أن يوجّه لصالح ما ذهبنا إليه، فمن المعلوم أن عثمان ﵁ لم يذكر هو والصحابة الذين نسخوا المصحف (بسم الله الرحمن الرحيم) بين سورة الأنفال وسورة براءة لمظنة أنهما سورة واحدة، وقد رأينا في أول التفسير ما ذكره ابن كثير في تفسير السبع الطوال عن سعيد بن جبير قال: (هي السبع الطوال البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس) فلم يذكر هنا الأنفال ولا براءة مع أن براءة أطول من سورة يونس، كل ذلك يجعلنا نتصوّر أن الأثر الذي استدل به ابن كثير في الاستشهاد على أن سورة (ق) بداية قسم المفصّل يمكن أن يكون لصالحنا، فإذا اعتبرنا أن سورة الأنفال وبراءة في تقييم بعض الصحابة سورة واحدة فهذا يعني أن سورة (ق) هي نهاية قسم المثاني، وأن سورة الذاريات هي بداية قسم المفصّل. إن ابن كثير جعل الأنفال وبراءة سورتين، وجعل سورة يونس في ورد اليوم الثالث، فاحتمال أن تكون سورة يونس من ورد اليوم الثاني، وبراءة والأنفال سورة واحدة احتمال قائم، وهو لصالح ما اجتهدنا إليه، هذا ونحب أن نلفت نظر القارئ إلى أن ذكر أسماء السور في اليوم الأول والثاني والثالث .... هو من فعل ابن كثير وليس مذكورا في نص الأثر، فالأثر اكتفى بالقول: ثلاث وخمس وسبع، فلمّا فصّلها ابن كثير خرجت معه سورة (ق) على أنها بداية المفصّل، أما إذا نظرنا إلى واقع الأمر في عصر الصحابة من احتمال بعضهم كون الأنفال وبراءة سورة واحدة، ومن عدم عدّ بعضهم الأنفال وبراءة في السبع الطول، فكل ذلك يجعلنا نقول إن الأثر يحتمل أن يكون لصالح قولنا، فإذا أضفنا إلى هذه المعاني
التي استأنسنا بها لقولنا فإن الراجح أن يكون قولنا هو الصحيح، والله أعلم.
وهذا قول أضيفه إلى مجموعة أقوال في قضية خلافية، وفي ظني أن له وجهه الأقوى، وليس هناك نص عن الصحابة أنّ بداية المفصّل هو الحجرات أو قاف، وإنما المنقول عنهم هو ما ذكرناه، وهو محتمل لما ذهبنا إليه، ولما ذهب إليه ابن كثير، وهو ليس نصا في الموضوع، وإلا لقطع الخلاف، والخلاف لم ينقطع من قبل.
إن سورة (ق) وهي خاتمة قسم المثاني تجد فيها من كل مجموعة من مجموعات قسم المثاني روحا ونفسا وأثرا وصلات وروابط وهذه أمثلة:
- جاء في سورة سبأ من المجموعة الأولى من قسم المثاني قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ
стр. 5190
لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (الآية: ٩) وجاء في سورة (يس) من المجموعة الأولى قوله تعالى: إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ (الآية: ١١) وتجد في سورة (قاف) قوله تعالى: هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ* مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ.
- وجاء في سورة (ص) من المجموعة الثانية من قسم المثاني قوله تعالى: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (الآية: ١، ٢). وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ (الآية: ٤). وتجد في سورة قاف قوله تعالى: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ* بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ.
- وجاء في سورة (فصّلت) من المجموعة الثالثة من قسم المثاني قوله تعالى: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ... (الآية: ٩). وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ... (الآية: ١٠). فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ (الآية: ١٢). وتجد هنا قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ.
- وجاء في سورة الشورى من المجموعة الرابعة من قسم المثاني قوله تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (الآية: ١٤). وتجد في سورة (قاف) قوله تعالى: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ* مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ.
- وجاء في سورة الأحقاف من المجموعة الخامسة- التي هي مجموعة قاف نفسها- قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ... (الآية: ٣٣) وتجد هاهنا قوله تعالى: أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ فسورة قاف التي هي خاتمة قسم المثاني ترتبط بقسمها رباطا وثيقا وتختمه بما تتكامل هي معه ويتكامل معها. ولذلك فقد اشتملت على أنواع من التذكير كان بسببها رسول الله ﷺ يخصها بالتلاوة في المجامع الكبار
стр. 5191
كالعيد والجمع. قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عبد الله أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي ما كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيد؟ قال: بقاف واقتربت) ورواه مسلم وأهل السنن الأربعة من حديث مالك به، وفي رواية لمسلم عن أبي واقد قال سألني عمر ﵁ فذكره (حديث آخر) وروى أحمد عن أم هشام بنت حارثة قالت: لقد كان تنّورنا وتنور النبي ﷺ واحدا سنتين أو سنة وبعض سنة، وما أخذت ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ إلا على لسان رسول الله ﷺ كان يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس رواه مسلم من حديث ابن إسحاق به، وروى أبو داود عن ابنة الحارث بن النعمان قالت: ما حفظت (ق) إلا من رسول الله ﷺ يخطب بها كل يوم جمعة وكان تنّورنا وتنور رسول الله ﷺ واحدا، وكذا رواه مسلم والنسائي وابن ماجه من حديث شعبة به. والقصد أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بهذه السورة في المجامع الكبار كالعيد والجمع لاشتمالها على ابتداء الخلق والبعث والنشور والمعاد والقيام والحساب والجنة والنار والثواب والعقاب والترغيب والترهيب والله أعلم).
لقد جاءت سورة (قاف) على هذه الشاكلة من قوة التذكير والوعظ كخاتمة لقسمها- قسم المثاني- لترفع الهمم للأخذ به ولتهيّج على التطبيق الرفيع، خاصّة وقد سبقت بسور الحجرات والفتح والقتال، وفيها جميعا تكليفات قتالية وتكليفات شاقة، إلا على الموفّقين.
عند ما تفتّش عن محور لسورة قاف يأتي بعد محور سورة الحجرات من سورة البقرة فإنك تجده في آخر آية من القسم الثالث من سورة البقرة وهي: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الآية: ٢٨٤) لاحظ صلة هذه الآية بما جاء في سورة (قاف) من خلال هذه المقارنة: جاء في هذه الآية قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ وتجد في سورة (قاف) قوله تعالى:
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
وجاء في الآية التالية لآية المحور قوله تعالى: سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (الآية: ٢٨٥) وتجد في سورة (قاف) قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ
стр. 5192
وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ.
[تقديم الألوسي وصاحب الظلال لسورة ق]
وسنرى أثناء عرضنا للسورة صلاتها بمحورها. ولننقل هاهنا بعض ما قالوه فيها:
قال الألوسي في تقديمه لهذه السورة:
(وهي مكية وأطلق الجمهور ذلك، وفي التحرير عن ابن عباس وقتادة أنها مكية إلا قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الآية فهي مدنية نزلت في اليهود، وآيها خمس وأربعون بالإجماع، ولما أشار سبحانه في آخر السورة السابقة إلى أن إيمان أولئك الأعراب لم يكن إيمانا حقا، ويتضمن ذلك إنكار النبوة وإنكار البعث؛ افتتح هذه السورة بما يتعلق بذلك، وكان ﷺ كثيرا ما يقرؤها في صلاة الفجر كما في حديث مسلم وغيره عن جابر بن سمرة؛ وفي رواية ابن ماجه وغيره عن قطبة بن مالك أنه ﵊ كان يقرؤها في الركعة الأولى من صلاة الفجر. وأخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، والنسائي عن أبي واقد الليثي أنه ﷺ كان يقرأ في العيد بقاف واقتربت، وأخرج أبو داود، والبيهقي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة عن أم هشام ابنة حارثة قالت: «ما أخذت ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ إلا من فيّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، كان يقرأ بها في كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس» وفي حديث ابن مردويه عن أبي العلاء رضي الله تعالى عنه مرفوعا «تعلموا ق والقرآن المجيد» وكل ذلك يدل على أنها من أعظم السور).
وقال صاحب الظلال في تقديمه لسورة (قاف):
(كان رسول الله- ﷺ يخطب بهذه السورة في العيد والجمعة- فيجعلها هي موضوع خطبته ومادتها- وفي الجماعات الحافلة .. وإن لها لشأنا .. إنها سورة .. ، شديدة الوقع بحقائقها، شديدة الإيقاع ببنائها التعبيري، وصورها وظلالها وجرس فواصلها. تأخذ على النفس أقطارها، وتلاحقها في خطراتها وحركاتها، وتتعقبها في سرها وجهرها، وفي باطنها وظاهرها. تتعقبها برقابة الله، التي لا تدعها لحظة واحدة من المولد، إلى الممات، إلى البعث، إلى الحشر، إلى الحساب. وهي رقابة شديدة دقيقة رهيبة. تطبق على هذا المخلوق الإنساني الضعيف إطباقا كاملا شاملا. فهو في القبضة التي لا تغفل عنه أبدا، ولا تغفل من أمره دقيقا ولا جليلا، ولا تفارقه كثيرا ولا قليلا. كل نفس معدود.
وكل هاجسة معلومة. وكل لفظ مكتوب. وكل حركة محسوبة. والرقابة الكاملة
стр. 5193
الرهيبة مضروبة على وساوس القلب، كما هي مضروبة على حركة الجوارح. ولا حجاب ولا ستار دون هذه الرقابة النافذة، المطلعة على السر والنجوى اطلاعها على العمل والحركة. في كل وقت وفي كل حال. وكل هذه حقائق معلومة. ولكنها تعرض في الأسلوب الذي يبديها وكأنها جديدة، تروع الحس روعة المفاجأة، وتهز النفس هزا، وترجها رجا، وتثير فيها رعشة الخوف، وروعة الإعجاب، ورجفة الصحو من الغفلة على الأمر المهول الرهيب! وذلك كله إلى صور الحياة؛ وصور الموت، وصور البلى، وصور البعث، وصور الحشر. وإلى إرهاص الساعة في النفس وتوقعها في الحس. وإلى الحقائق الكونية المتجلية في السماء والأرض، وفي الماء والنبت، وفي الثمر والطلع .. تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ .. وإنه ليصعب في مثل هذه السورة التلخيص والتعريف، وحكاية الحقائق والمعاني والصور والظلال، في غير أسلوبها القرآني الذي وردت فيه؛ وفي غير عبارتها القرآنية التي تشع بذاتها تلك الحقائق والمعاني والصور والظلال، إشعاعا مباشرا للحس والضمير).
وبعد فإن السورة تتألف من مقدمة وثلاث فقرات: المقدمة تعرض علينا موقفا للكافرين، والفقرات الثلاث تردّ على هذا الموقف:
أما المقدمة فهي قوله تعالى: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ* بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ* أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ثم تأتي فقرات ثلاث: الأولى منها مبدوءة بكلمة (قد) والأخريان مبدوءتان بكلمة (ولقد) وكل من الفقرات الثلاث يرد على موقف الكافرين الذي ذكرته المقدمة:
قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ (الآية: ٤) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ (الآية: ١٦) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (الآية: ٣٨).
ولنبدأ عرض السورة.
стр. 5194
مقدمة السورة وتمتدّ من الآية (١) إلى نهاية الآية (٣) وهذه هي مع البسملة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٥٠/ ١ - ٣
التفسير:
ق قال ابن كثير: حرف من أحرف الهجاء المذكورة في أوائل السورة كقوله تعالى ص ون والم* وحم* وطس ونحو ذلك قاله مجاهد وغيره وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ أي: الكريم العظيم، قال النسفي: والمجيد ذو المجد والشرف على غيره من الكتب، ومن أحاط علما بمعانيه وعمل بما فيه مجد عند الله وعند الناس. قال ابن كثير: واختلفوا في جواب القسم ما هو؟ فحكى ابن جرير عن بعض النحاة أنه قوله تعالى: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ وفي هذا نظر، بل الجواب هو مضمون الكلام بعد القسم، وهو إثبات النبوة، وإثبات المعاد، وتقريره وتحقيقه، وهذا كثير في أقسام القرآن كما تقدم في قوله ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ* بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ وهكذا قال هاهنا ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ* بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ.
بَلْ عَجِبُوا أي: بل عجب الكافرون أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ قال ابن كثير: أي تعجّبوا من إرسال رسول إليهم من البشر وقال النسفي: (أي: محمد ﷺ وفي النصّ كما قال النسفي: إنكار لتعجبهم مما ليس بعجب وهو أن ينذرهم بالخوف رجل منهم قد عرفوا عدالته وأمانته، ومن كان كذلك لم يكن إلا ناصحا لقومه، خائفا أن ينالهم مكروه، وإذا علم أن مخوفا أظلهم لزمه أن ينذرهم فكيف بما هو غاية المخاوف؟ ثم بيّن تعالى محل عجبهم بقوله فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ*
أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً هذا إخبار من الله عن تعجبهم من المعاد، واستبعادهم لوقوعه، يقولون: أإذا
стр. 5195
متنا وبلينا وتقطّعت الأوصال منا، وصرنا ترابا، كيف يمكن الرجوع بعد ذلك إلى هذه البنية والتركيب؟! ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ أي: مستبعد مستنكر، أي: بعيد من الوهم والعادة وقال ابن كثير: أي بعيد الوقوع، والمعنى أنهم يعتقدون استحالته وعدم إمكانه.
كلمة في السياق:
١ - جاءت مقدمة السورة لتعرض علينا موقف الكافرين من النذير ومن البعث وستأتي بقية السورة في فقراتها الثلاث لتردّ على ذلك.
٢ - قلنا إن محور السورة هو قوله تعالى: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الآية: ٢٨٤) هذه الآية تذكر الحساب وهو ما أنذر به الله عباده بواسطة رسوله، وقد ذكرت مقدمة سورة (قاف) تعجّب الكافرين من إرسال النذير، ومن نذارته بالبعث، فالصلة بين المحور وبين مقدمة السورة قائمة، وسنرى أن الردود على عجب الكافرين تنصب على إثبات صفة القدرة لله للوصول إلى أن الله لا يعجزه أن يبعث عباده، ولهذا صلته بقوله تعالى في المحور وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
*** الفقرة الأولى في السورة وتتضمّن الردّ الأول وتمتدّ من الآية (٤) إلى نهاية الآية (١٥) وهذه هي:
٥٠/ ٤ - ٦
стр. 5196
٥٠/ ٧ - ١٥
التفسير:
قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ قال ابن كثير: (أي ما تأكل من أجسادهم في البلى نعلم ذلك، ولا يخفى علينا أين تفرّقت الأبدان وأين ذهبت وإلى أين صارت) أقول: وليس المراد بالأرض هنا التربة فقط؛ بل الأرض بمجموعها جوا وسطحا، فإن الميت إذا تحلّل فللتراب منه حظّ، وللهواء منه حظ، وكل ذلك أرض، فعند ما يقال:
الأرض يعني الأرض بجملتها، ويدخل في الأرض بجملتها غلافها الجوي، قال النسفي:
(هذا ردّ لاستبعادهم الرجع؛ لأن من لطف علمه حتى علم ما تنقص الأرض من أجساد الموتى، وتأكله من لحومهم وعظامهم كان قادرا على رجعهم أحياء كما كانوا) وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ قال ابن كثير: (أي حافظ لذلك، فالعلم شامل، والكتاب أيضا فيه كل الأشياء مضبوطة). والمراد بذلك اللوح المحفوظ فإنه حافظ لما أودعه وكتب فيه، ومن كان هذا علمه وهذا كتابه فكيف يتعجّب من قدرته على بعث الإنسان وإن صار ترابا.
بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ دلّت كلمة (بل) هنا كما قال النسفي: (على أنهم جاءوا بما هو أفظع من تعجبهم، وهو التكذيب بالحق الذي هو النبوّة الثابتة بالمعجزات في أول وهلة من غير تفكر ولا تدبر، وقيل الحق القرآن وقيل الإخبار بالبعث) أقول: وعلى أي فإنّ العلة الرئيسية التي تتفرع عنها العلل كلها هي المسارعة في تكذيب الحق قال تعالى فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ أي: مضطرب مختلف
стр. 5197
ملتبس، قال ابن كثير: (أي وهذا حال كل من خرج عن الحق مهما قال بعد ذلك فهو باطل) أقول: وقد دلّت الآية على أن الله يعاقب المكذبين بالحق بجعلهم في اضطراب يشمل المواقف والآراء والفرد والجماعة، فهو عقاب تلقائي آني دنيوي ينزل بالمكذبين بالحق.
أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها قال ابن كثير: يقول تعالى منبها على قدرته العظيمة التي أظهر بها ما هو أعظم مما تعجبوا مستبعدين لوقوعه:
أَفَلَمْ يَنْظُرُوا ... وقال النسفي: (دلّهم على قدرته على البعث فقال أَفَلَمْ يَنْظُرُوا حين كفروا بالبعث إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ إلى آثار قدرة الله تعالى في خلق العالم كَيْفَ بَنَيْناها رفعناها بغير عمد وَزَيَّنَّاها بالنيّرات وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ من فتوق وشقوق أي: إنها سليمة من العيوب لا فتق فيها ولا صدع ولا خلل).
ثم قال تعالى وَالْأَرْضَ مَدَدْناها قال ابن كثير: وسّعناها وفرشناها وقال النسفي: أي دحوناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ قال ابن كثير: (وهي الجبال لئلا تميد وتضطرب) وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ أي: صنف بَهِيجٍ أي: حسن المنظر يبتهج به لحسنه، أي من جميع الزروع والثمار والنبات والأنواع
تَبْصِرَةً وَذِكْرى أي: لتبصروا به وتتذكروا لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ أي: راجع إلى ربه متفكّر في بدائع خلقه، قال ابن كثير: أي ومشاهدة خلق السموات والأرض، وما جعل الله فيهما من الآيات العظيمة تبصرة ودلالة وذكرى لكل عبد منيب، أي: خاضع خائف وجل رجّاع إلى الله .
كلمة في السياق:
رأينا من كلام النسفي ومن كلام ابن كثير أن هذه الفقرة لفتت النظر إلى قدرة الله، لتدلل من خلال ذلك على أن استبعاد البعث من قبل الكافرين في غير محله، فإن الله الذي هذه آثار قدرته لا يعجزه ما استبعد الكافرون وقوعه وهو البعث، وقد بيّنت الآيات أن هذه المظاهر إنما تبصّر وتذكّر من اجتمع له صفتان:
العبودية لله، والإنابة إلى الله، فهؤلاء هم الذين يرون في ذلك ما يستدلون به استدلالا صحيحا على ما بعث به الرسل من حق، وعلى ما أنذروا به من حساب.
стр. 5198
وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ أي: من السحاب ماءً مُبارَكاً قال ابن كثير: أي نافعا، وقال النسفي: أي كثير المنافع فَأَنْبَتْنا بِهِ أي: بهذا المطر جَنَّاتٍ أي:
حدائق من بساتين ونحوها وَحَبَّ الْحَصِيدِ قال ابن كثير: وهو الزروع الذي يراد لحبه وادّخاره، قال النسفي: أي وحبّ الزرع ممّا شأنه أن يحصد كالحنطة والشعير وغيرهما
وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ أي: طوالا شاهقات لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ أي: منضود أي بعضه فوق بعض لكثرة الطلع وتراكمه، أو لكثرة ما فيه من الثمر، والطلع: هو كل ما يطلع من ثمر النخيل
رِزْقاً لِلْعِبادِ أي: للخلق أي أنبتنا هذا كله بالمطر رزقا للعباد وَأَحْيَيْنا بِهِ أي: بذلك الماء بَلْدَةً مَيْتاً أي: قد جف نباتها كَذلِكَ الْخُرُوجُ أي: كما حييت هذه البلدة الميتة كذلك تخرجون أحياء بعد موتكم، لأن إحياء الأموات كإحياء الموات، قال ابن كثير: (هذا مثال البعث بعد الموت والهلاك كذلك يحيي الله الموتى، وهذا شاهد من عظيم قدرته بالحس أعظم مما أنكره الجاحدون للبعث).
أكملت هذه الآيات إقامة الحجة، إذ عرضت نماذج على قدرة الله، ثمّ صبّ ذلك كله في التدليل على البعث، ثمّ عاد السياق عن التكذيب: فلقد ذكرت السورة من قبل: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ وها هي ذي السّورة تحدّثنا عن أن تكذيبهم ليس بدعا
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ أي: قبل الكافرين المكذّبين لرسول الله ﷺ محمد قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ قال النسفي: (هو بئر لم تطو، وهم قوم باليمامة ... ) أي بنجد وفي القصيم من نجد بلدة اسمها الرس فقد تكون هي وَثَمُودُ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وقومه وَإِخْوانُ لُوطٍ وهم أمته الذين بعث إليهم من أهل سدوم ومعاملتها من الغور، وكيف خسف الله تعالى بهم الأرض، وأحال أرضهم بحيرة منتنة خبيثة بكفرهم وطغيانهم، ومخالفتهم الحق
وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ قال ابن كثير: وهم قوم شعيب ﵊ وَقَوْمُ تُبَّعٍ قال النسفي: هو ملك باليمن أسلم ودعا قومه إلى الإسلام فكذبوه، وسمي به لكثرة تبعه قال ابن كثير: وهو اليماني وقد ذكرنا من شأنه في سورة الدخان ما أغنى من إعادته هاهنا ولله الحمد والشكر كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ قال ابن كثير: أي كل من هذه الأمم وهؤلاء القرون كذّبوا رسولهم، ومن كذّب رسولا فكأنما كذّب جميع الرسل فَحَقَّ وَعِيدِ أي: وجب وحلّ وعيدي. وهذا فيه تسلية
стр. 5199
لرسول الله ﷺ وتهديد لهم. قال ابن كثير: أي فحقّ عليهم ما أوعدهم الله تعالى على التكذيب من العذاب والنكال، فليحذر المخاطبون أن يصيبهم ما أصابهم، فإنهم قد كذبوا رسولهم كما كذّب أولئك.
جاءت هذه الآيات تنذر المكذبين الذين كذّبوا بالحق لما جاءهم أن يصيبهم ما أصاب أشباههم ونظراءهم وأمثالهم من المكذبين قبلهم من النقمات والعذاب الأليم في الدنيا، فبعد إقامة الحجة جاء الإنذار والوعظ، وقد بقيت عندنا آية واحدة من الفقرة تصبّ على موضوع البعث بشكل مباشر. وإنما ذكر التكذيب بالحق كله في بداية الفقرة، لأنه الأصل الذي انبثق عنه ذاك الفرع الخبيث، وهو استبعاد اليوم الآخر. فلنر خاتمة الفقرة التي تنهي الردّ الأول على المكذبين بالحق والمكذبين باليوم الآخر:
أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ قال ابن كثير: أي أفأعجزنا ابتداء الخلق حتى هم في شك عن الإعادة، قال النسفي: والهمزة للإنكار، أي إنا لم نعجز عن الخلق الأول فكيف نعجز عن الثاني؟ والاعتراف بذلك اعتراف بالإعادة بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ أي: خلط وشبهة مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ بعد الموت. قال النسفي: قد لبّس عليهم الشيطان وحيّرهم، وذلك تسويله إليهم أن إحياء الموتى أمر خارج عن العادة، فتركوا لذلك الاستدلال الصحيح، وهو أن من قدر على الإنشاء كان على الإعادة أقدر. قال ابن كثير: وقد تقدم في الصحيح: «يقول الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يقول: لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته».
كلمة في السياق: [حول الصلة بين الفقرة الأولى والمقدمة وعلاقة الفقرة الثانية بالمحور]
١ - سجّلت مقدّمة السورة تعجّب الكافرين من مجئ النذير، ومن نذارته بالبعث، ثمّ جاء ردّ سريع على استبعاد البعث بقوله تعالى: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ ثمّ ذكرت الفقرة أن علّة مواقفهم الأولى هي تكذيبهم بالحق، ثمّ لفتت نظرهم إلى ما به تقوم الحجة عليهم بالبعث، ثمّ بينت أن
стр. 5200
تكذيبهم ليس بدعا في تاريخ البشر، ثمّ أقامت عليهم الحجة بالإنشاء الأول. فالصلات بين الفقرة الأولى والمقدمة صلات كبيرة وواضحة.
٢ - ثمّ إن الصلات بين الفقرة الأولى على أشدها: فالآية الثانية في الفقرة هي بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ والآية الأخيرة في الفقرة بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ....
٣ - لاحظ كذلك الصلة بين قوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ وبين قوله تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ....
٤ - قلنا إن محور سورة (ق) هو: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ هذه الآية تذكر أنّ ثمّة حسابا، وأن الله قادر عليه وعلى غيره، وقد جاءت الفقرة الأولى لتدلل على الأصل وهو مجيء اليوم الآخر، وتدلل على قدرة الله عليه وعلى غيره، لتوصلنا إلى الفقرة الثانية التي تحدّثنا عن خلق الإنسان، وعن علم الله بوساوس نفسه، ثمّ لتحدثنا عن رحلة الإنسان حتى يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار. فالفقرة الثانية تصب في تفصيل المحور مع بقائها مشدودة لسياق السورة الخاص في كونها إحدى فقرات ثلاث تردّ على موقف للكافرين، سجلته مقدّمة سورة (ق).
*** الفقرة الثانية وتمتد من الآية (١٦) إلى نهاية الآية (٣٧) وهذه هي:
٥٠/ ١٦ - ٢١
стр. 5201
٥٠/ ٢٢ - ٣٧
التفسير:
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ الوسوسة الصوت الخفي، ووسوسة النفس ما يخطر ببال الإنسان ويهجس في ضميره من حديث النفس. قال ابن كثير: (يخبر تعالى عن قدرته على الإنسان بأنه خالقه، وعلمه محيط بجميع أموره، حتى إنه تعالى يعلم ما توسوس به نفوس بني آدم من الخير والشر). وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ الحبل: العرق، والوريد: عرق في باطن العنق
إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ أي: عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد. قال ابن كثير: أي مترصد، والمتلقيان هما الملكان اللذان يكتبان أعمال الإنسان. قال النسفي: (والمعني: إنه لطيف يتوصل علمه إلى خطرات النفس ولا شئ أخفى منه،
стр. 5202
وهو أقرب من الإنسان من كل قريب حين يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به، إيذانا بأن استحفاظ الملكين أمر هو غني عنه، وكيف لا يستغني عنه وهو مطلع على أخفى الخفيات، وإنما ذلك لحكمة، وهو ما في كتبة الملكين وحفظهما، وعرض صحائف العمل يوم القيامة من زيادة لطف له في الانتهاء عن السيئات والرغبة في الحسنات)
ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ أي: ما يتكلم به وما يرمي به من فمه إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ أي: حافظ عَتِيدٌ حاضر، وهذا وصف لكل من الملكين، وليس كما فهم بعضهم أن اسم الواحد منهم رقيب، والثاني عتيد. قال النسفي: (ثم قيل يكتبان كل شئ حتى أنينه في مرضه، وقيل لا يكتبان إلا ما فيه أجر أو وزر) ورجّح ابن كثير الأول ثم قال النسفي: (وقيل إن الملكين لا يجتنبانه إلا عند الغائط والجماع) أقول: ولكنهما يعلمان حتى في حالة مفارقته ما يقول ويفعل ويكتبانه، ولنا عودة على هذا في الفوائد
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ أي: شدته الذاهبة بالعقل بِالْحَقِّ أي: بحقيقة الأمر أو بالحكمة أو باليقين ذلِكَ أي: الموت ما كُنْتَ مِنْهُ أيها الإنسان تَحِيدُ أي: تنفر وتهزب، والمعنى: وجاءت- أيها الإنسان- سكرة الموت بالحق، أي كشفت لك عن اليقين الذي كنت تمتري فيه، وهذا هو الذي كنت تفرّ منه، قال ابن كثير: (واختلف المفسرون في المخاطب .. فالصحيح أن المخاطب بذلك الإنسان من حيث هو، وقيل الكافر، وقيل غير ذلك) قال النسفي في الآية: لما ذكر إنكارهم البعث واحتج عليهم بقدرته وعلمه، أعلمهم أن ما أنكروه هم لاقوه عن قريب عند موتهم وعند قيام الساعة، ونبّه على اقتراب ذلك بأن عبّر عنه بلفظ الماضي وهو قوله وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ ...
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ قال النسفي: يعني نفخة البعث ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ أي: وقت ذلك النفخ يوم الوعيد الذي أوعده الله خلقه وحذّرهم إياه
وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ قال ابن كثير:
أي ملك يسوقه إلى المحشر، وملك يشهد عليه بأعماله، هذا هو الظاهر من الآية، وهو اختيار ابن جرير
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا النازل بك اليوم، أي: يقال له ذلك فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ أي: فأزلنا غفلتك بما تشاهده فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ أي: قوي. قال ابن كثير: لأن كل أحد يوم القيامة يكون مستبصرا حتى الكفار في الدنيا يكونون يوم القيامة على الاستقامة، لكن لا ينفعهم ذلك، وقال النسفي: (جعلت الغفلة كأنها غطاء غطي به جسده كله، أو غشاوة غطى بها عينيه فهو لا يبصر شيئا، فإذا كان يوم القيامة تيقظ وزالت عنه الغفلة وغطاؤها، فيبصر ما لم
стр. 5203
يبصره من الحق، ورجع بصره الكليل عن الإبصار لغفلته حديدا لتيقظه) واختلف المفسرون بالمراد في الآية على ثلاثة أقوال، رجّح ابن كثير أن المراد بذلك كل أحد من بر وفاجر؛ لأن الآخرة بالنسبة إلى الدنيا كاليقظة، والدنيا كالمنام، وهذا اختيار ابن جرير. قال ابن كثير: الخطاب مع الإنسان من حيث هو
وَقالَ قَرِينُهُ قال النسفي: الجمهور على أنه الملك الكاتب الشهيد عليه، وقال ابن كثير: (يقول تعالى مخبرا عن الملك الموكل بعمل ابن آدم أنه يشهد عليه يوم القيامة بما فعل ويقول: هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ أي: معد محضر بلا زيادة أو نقصان) والمراد بذلك ديوان الأعمال.
قال ابن كثير: فعند ذلك يحكم الله في الخليقة بالعدل فيقول
أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ بالنعم والمنعم عَنِيدٍ أي: معاند مجانب للحق معاد لأهله، معارض له بالباطل
مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أي: كثير المنع للمال عن حقوقه، أو منّاع لجنس الخير أن يصل إلى أهله، أي: لا يؤدي ما عليه من الحقوق ولا برّ فيه ولا صلة ولا صدقة مُعْتَدٍ أي: ظالم متخط للحق مُرِيبٍ أي: شاكّ في الله، وفي دينه
الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ أي: أشرك بالله فعبد معه غيره فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ أي: في نار جهنم، والخطاب في قوله تعالى أَلْقِيا في أول الآيات الثلاث وفَأَلْقِياهُ في آخرها للملكين السائق والشهيد. قال ابن كثير:
والظاهر أنها مخاطبة مع السائق والشهيد فالسائق أحضره إلى عرضة الحساب، فلمّا أدى الشهيد عليه أمرهما الله تعالى بإلقائه في نار جهنم، وبئس المصير
قالَ قَرِينُهُ القرين هنا هو الشيطان الذي وكّل به قولا واحدا رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ أي: ما أوقعته في الطغيان، ولكنه طغى واختار الضلالة على الهدى. قال ابن كثير: أي بل كان هو في نفسه ضالا قابلا للباطل معاندا للحق
قالَ الله لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ قال ابن كثير: يقول الله (هذا) للإنسي وقرينه من الجن، وذلك أنهما يختصمان بين يدي الحق تعالى فيقول الإنسي: يا رب هذا أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني، ويقول الشيطان: ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد عن منهج الحق، فيقول الرب لهما: لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ أي: عندي وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ أي: قد أعذرت إليكم على ألسنة الرسل وأنزلت الكتب، وقامت عليكم الحجج والبينات والبراهين. قال النسفي: أي لا تختصموا في دار الجزاء
وموقف الحساب فلا فائدة في اختصامكم، ولا طائل تحته، وقد أوعداكم بعذابي على الطغيان في كتبي وعلى ألسنة رسلي، فما تركت لكم حجة عليّ
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ
стр. 5204
لَدَيَّ أي: لا تطمعوا أن أبدّل قولي ووعيدي بإدخال الكفار في النار وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ فلا أعذب عبدا بغير ذنب قال ابن كثير: أي لست أعذب أحدا بذنب أحد، ولكن لا أعذّب أحدا إلا بذنبه بعد قيام الحجة عليه
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ قال ابن كثير: (يخبر تعالى أنه يقول لجهنم يوم القيامة هل امتلأت، وذلك لأنه ﵎ وعدها أن سيملؤها من الجنّة والناس أجمعين، فهو يأمر بمن يأمر به إليها، ويلقى وهي تقول: هل من مزيد؟ أي هل بقي شيء تزيدوني؟ هذا الظاهر من سياق الآية وعليه تدل الأحاديث). قال النسفي:
وهذا على تحقيق القول من جهنم، وهو غير مستنكر كإنطاق الجوارح، والسؤال لتوبيخ الكفرة، لعلمه تعالى بأنها امتلأت أم لا
وَأُزْلِفَتِ أي: أدنيت وقرّبت الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ قال النسفي: أي مكانا غير بعيد
هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ أي: رجّاع تائب مفلح حَفِيظٍ أي: حافظ لحدود الله، أو حفيظ لعهده مع الله قال ابن كثير: أي يحفظ العهد فلا ينقصه ولا ينكثه
مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ قال ابن كثير: أي من خاف الله في سرّه حيث لا يراه أحد إلا الله ، كقوله ﷺ «ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه» وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ. قال ابن كثير: أي ولقي الله يوم القيامة بقلب منيب سليم إليه، خاضع لديه. وقال النسفي: أي راجع إلى الله، وقيل بسريرة مرضيّة، وعقيدة صحيحة.
ادْخُلُوها أي: الجنة بِسَلامٍ أي: سالمين من زوال النعم وحلول النقم. قال قتادة: سلموا من عذاب الله ، وسلّم عليهم ملائكة الله ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ أي: يخلدون في الجنة فلا يموتون أبدا، ولا يظمئون أبدا، ولا يبغون حولا
لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها أي: مهما اختاروا وجدوا من أي أصناف الملاذ طلبوا أحضر لهم وَلَدَيْنا مَزِيدٌ على ما يشتهون. قال النسفي: والجمهور على أنه رؤية الله تعالى بلا كيف.
وبعد هذه الجولة في مشاهد اليوم الآخر يعود السياق لينذر بعذاب الله في الدنيا.
وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ أي: قبل المكذبين من هذه الأمة مِنْ قَرْنٍ من القرون الذين كذّبوا الرسل هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً أي: كانوا أكثر منهم وأشدّ قوة فهم أشد من هؤلاء قوة وسطوة فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ أي: فبسبب من قوتهم نقّبوا في
стр. 5205
البلاد، أي ضربوا في الأرض وساروا في البلاد، يبتغون الأرزاق والمتاجر والمكاسب أكثر مما طفتم بها هَلْ مِنْ مَحِيصٍ أي: هل من مهرب من الله، أو الموت. قال ابن كثير: (أي هل من مفر كان لهم من قضاء الله وقدره، وهل نفعهم ما جمعوه، وردّ عنهم عذاب الله إذ جاءهم لمّا كذبوا الرسل، فأنتم أيضا لا مفرّ لكم ولا محيد ولا مناص ولا محيص إذا أراد الله أن يعذبكم).
وبعد أن ذكّر الله الإنسان بما أمامه يوم القيامة، وأنذره بطشه في الدنيا تأتي الآن آية تختتم بها الفقرة، تبيّن أنّ هذه المواعظ والمذكّرات لا يستفيد منها إلا أحد اثنين: صاحب قلب حي، أو إنسان متأمّل يصغي إليها ويتدبّرها.
إِنَّ فِي ذلِكَ أي: المذكور في هذه الفقرة لَذِكْرى أي: لعبرة أي:
تذكرة وموعظة لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أي: واع؛ لأنه من لا يعي قلبه فكأنه لا قلب به، أو قلب حي؛ لأن القلب الميت لا يسمع عن الله أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ أي: أو أصغى وهو حاضر الذهن؛ لأن من لا يحضر ذهنه فكأنه غائب؛ وبهذا انتهت الفقرة الثانية:
كلمة في السياق:
١ - جاءت الفقرة الأولى فذكّرت بعلم الله وقدرته وانتقامه قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ ... كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ ... كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ وجاءت الفقرة الثانية فذكّرت بعلم الله وقدرته وانتقامه:
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً ... وكل ذلك في سياق الردّ على الكافرين في إنكارهم البعث والنذير.
٢ - قلنا إن محور السورة هو قوله تعالى: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وقد جاءت الفقرة الثانية فذكّرتنا بعلم الله بما في الأنفس، وعرضت علينا صورة عن الحشر والنشر والحساب ومن يربح ومن يخسر.
стр. 5206
٣ - سبقت آية المحور بآيات الدين والربا وآيات الإنفاق، وقد تحدّثت الفقرة التي مرّت معنا عن الذين يمنعون الخير مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ.
٤ - وقد جاء بعد آية المحور قوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ وقد بينت الفقرة من يستحق النجاح هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ* مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ولذلك صلاته بالآية الآتية بعد المحور، والسورة بمجموعها تتحدّث عن الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولننتقل إلى عرض الفقرة الثالثة.
*** الفقرة الثالثة وتمتدّ من الآية (٣٨) إلى نهاية الآية (٤٥) وهي خاتمة السورة، وهذه هي:
٥٠/ ٣٨ - ٤٥
التفسير:
وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ
стр. 5207
أي: من إعياء ولا تعب ولا نصب، لا كما قال اليهود عليهم لعنة الله أنه استراح في اليوم السابع، وهو موضوع سنعرض له في الفوائد قال ابن كثير: (فيه تقرير للمعاد، لأن من قدر على خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن قادر على أن يحيي الموتى بطريق الأولى والأخرى)
فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ قال النسفي: أي على ما يقول اليهود ويأتون به من الكفر والتشبيه، أو على ما يقول المشركون في أمر البعث، فإن من قدر على خلق العالم قدر على بعثهم والانتقام منهم وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أي: وسبّح حامدا ربك قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ الفجر وَقَبْلَ الْغُرُوبِ الظهر والعصر
وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ العشاء، أو التهجد وَأَدْبارَ السُّجُودِ التسبيح في آثار الصلوات
وَاسْتَمِعْ أي: لما أخبرك به من حال يوم القيامة يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ أي: إسرافيل مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ
يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ أي: النفخة الثانية بِالْحَقِّ قال ابن كثير: يعني النفخة في الصور التي تأتي بالحق الذي كان أكثرهم فيه يمترون ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ من القبور والأجداث ومن حيث هم.
أقامت هذه الآيات الحجة وأمرت الرسول ﷺ والمؤمنين بالصبر، والصلاة، والتسبيح في أدبار الصلوات، وتذكر اليوم الآخر، ثمّ تأتي بعد ذلك ثلاث آيات تلخص، وتعظ، وتأمر بالبلاغ، وتحدّد من يستفيد من البلاغ.
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ أي: نحيي الخلق ونميتهم في الدنيا وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ أي: مصيرهم
يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ أي: تتصدّع الأرض فتخرج الموتى سِراعاً أي: مسرعين ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ أي: هيّن سهل قال ابن كثير: أي تلك إعادة سهلة علينا يسيرة لدينا
نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ أي: فيك وفينا، تهديد لهم وتسلية لرسول الله ﷺ . قال ابن كثير: أي نحن علمنا محيط بما يقول لك المشركون من التكذيب فلا يهولنّك ذلك وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ أي: وما أنت بمجبرهم على الإيمان، إنما أنت مبلّغ، ولنا عودة على هذا فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ قال ابن كثير: أي بلّغ أنت رسالة ربك، فإنما يتذكر من يخاف الله ووعيده، ويرجو وعده. وقال النسفي: كقوله إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها لأنه لا ينفع (أي: التذكير) إلا فيه.
стр. 5208
كلمة في السياق:
١ - قلنا إن محور السورة هو قوله تعالى: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وقد جاءت هذه الفقرة لتذكّرنا بالله وبمظاهر قدرته وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ.
٢ - تختتم الآية التالية لآية المحور بقوله تعالى: وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ وقد قرّرت هذه الفقرة أن المصير إلى الله وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ وهذا وذلك من مظاهر ارتباط الفقرة بمحور السورة.
٣ - أقامت هذه الفقرة الحجة على منكري البعث، وعلى الكافرين بالحق، ورسمت الطريق لرسول الله ﷺ ولأهل الإيمان أن يصبروا، وأن يعبدوا، وأن يبلّغوا.
فوائد [حول السورة]:
١ - [ردود ابن كثير على من زعم أن المراد ب (ق) جبل اسمه (قاف)]
لابن كثير تحقيقات رفيعة في ردّ الأقوال الباطلة ذات الأصول الغريبة، ومن ذلك رده اللطيف على من زعم أن المراد ب (ق) جبل اسمه قاف محيط بالعالم، وهو كلام باطل عجيب، إذ واضح لكل متأمل أن قاف حرف كبقية الأحرف التي ابتدأت بها سور قرآنية. قال ابن كثير: (وقد روي عن بعض السلف أنهم قالوا (ق) جبل محيط بجميع الأرض يقال له جبل قاف، وكأن هذا- والله أعلم- من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس لما رأى من جواز الرواية عنهم مما لا يصدق ولا يكذب، وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم يلبسون به على الناس أمر دينهم، كما افتريت في هذه الأمة- مع جلالة قدر علمائها وحفاظها وأئمتها- أحاديث عن النبي ﷺ ، وما بالعهد من قدم، فكيف بأمة بني إسرائيل مع طول المدى وقلة الحفاظ النقاد فيهم، وشربهم الخمور، وتحريف علمائهم الكلم عن مواضعه، وتبديل كتب الله وآياته، وإنما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله «وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» فيما قد يجوزه العقل، فأما فيما تحيله العقول، ويحكم فيه بالبطلان، ويغلب على الظنون كذبه، فليس من هذا القبيل والله أعلم. وقد أكثر كثير من السلف من
стр. 5209
المفسرين، وكذا طائفة كثيرة من الخلف من الحكاية عن كتب أهل الكتاب في تفسير القرآن المجيد، وليس بهم احتياج إلى أخبارهم ولله الحمد والمنة).
٢ - [كلام ابن كثير عن الخواطر النفسية بمناسبة آية .. ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ .. ]
بمناسبة قوله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ قال ابن كثير: (وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﵌ أنه قال «إن الله تعالى تجاوز لأمتي ما حدّثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل».
٣ - [كلام ابن كثير عن قرب الملائكة من الإنسان بمناسبة آية وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ .. ]
بمناسبة قوله تعالى وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ قال ابن كثير:
(وقوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ يعني: ملائكته تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه، ومن تأوله على العلم فإنما فر لئلا يلزم حلول أو اتحاد، وهما منفيان بالإجماع تعالى الله وتقدّس، ولكن اللفظ لا يقتضيه، فإنه لم يقل وأنا أقرب إليه من حبل الوريد، وإنما قال وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ كما قال في المحتضر وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ يعني: ملائكته، وكما قال ﵎ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ فالملائكة نزلت بالذكر وهو القرآن بإذن الله ، وكذلك الملائكة أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه باقتدار الله جل وعلا لهم على ذلك، فللملك لمة من الإنسان كما أن للشيطان لمة، وكذلك الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق؛ ولهذا قال تعالى هاهنا إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ يعني: الملكين اللذين يكتبان عمل الإنسان عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ.
٤ - [كلام ابن كثير عن كيفية كتابة أقوال الإنسان بمناسبة آية ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ .]
بمناسبة قوله تعالى ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ قال ابن كثير: (وقد اختلف العلماء هل يكتب الملك كل شئ من الكلام. وهو قول الحسن وقتادة، أو إنما يكتب ما فيه ثواب وعقاب. كما هو قول ابن عباس ﵄.
على قولين، وظاهر الآية: الأول لعموم قوله ﵎ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ وروى الإمام أحمد عن بلال بن الحارث المزني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله تعالى عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه» فكان علقمة يقول: كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث، ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح وله شاهد في الصحيح،
стр. 5210
وقال الأحنف بن قيس: صاحب اليمين يكتب الخير وهو أمين على صاحب الشمال، فإن أصاب العبد خطيئة قال له: أمسك، فإن استغفر الله تعالى نهاه أن يكتبها، وإن أبى كتبها. رواه ابن أبي حاتم. وقال الحسن البصري وتلا هذه الآية عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ: يا ابن آدم بسطت لك صحيفة، ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا ما مت طويت صحيفتك وجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة فعند ذلك يقول تعالى وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً* اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ثم يقول: عدل والله فيك من جعلك حسيب نفسك، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ قال: يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر، حتى إنه ليكتب قوله: أكلت شربت ذهبت جئت رأيت حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر، وألقى سائره، وذلك قوله تعالى يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ وذكر عن الإمام أحمد أنه كان يئن في مرضه فبلغه عن طاوس أنه قال: يكتب الملك كل شئ حتى الأنين، فلم يئن أحمد حتى مات ﵀.
٥ - [كلام ابن كثير عن الموت بمناسبة آية وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ .. ]
بمناسبة قوله تعالى وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ قال ابن كثير: (وقد روى الطبراني في المعجم الكبير عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ «مثل الذي يفر من الموت مثل الثعلب تطلبه الأرض بدين فجاء يسعى حتى إذا أعيا وأسهر دخل جحره، وقالت له الأرض يا ثعلب ديني، فخرج وله حصاص فلم يزل كذلك حتى تقطعت عنقه ومات» ومضمون هذا المثل كما لا انفكاك له ولا محيد عن الأرض كذلك الإنسان لا محيد له عن الموت).
٦ - [كلام ابن كثير عن جهنم بمناسبة آية أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ .. ]
بمناسبة قوله تعالى أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ... قال ابن كثير:
(وقد تقدم في الحديث أن عنقا من النار يبرز للخلائق فينادي بصوت يسمع الخلائق:
إني وكّلت بثلاثة، بكل جبار عنيد، ومن جعل مع الله إلها آخر، وبالمصورين، ثم تنطوي عليهم. وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «يخرج عنق من النار يتكلم يقول: وكلت اليوم بثلاثة: بكل جبار عنيد، ومن
стр. 5211
جعل مع الله إلها آخر، ومن قتل نفسا بغير نفس، فتطوى عليهم فتقذفهم في غمرات جهنم»).
٧ - [كلام ابن كثير عن حجم الجنة والنار بمناسبة آية يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ .. ]
بمناسبة قوله تعالى يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ قال ابن كثير: (روى البخاري عند تفسير هذه الآية: عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي صلّى
الله عليه وسلم قال «يلقى في النار وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع قدمه فيها فتقول قط» وروى الإمام أحمد عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة قدمه فيها فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط وعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا آخر فيسكنهم الله تعالى في فضول الجنة» ثم رواه مسلم من حديث قتادة بنحوه، ورواه أبان العطار وسليمان التيمي عن قتادة بنحوه (حديث آخر) قال البخاري عن أبي هريرة ﵁ رفعه وأكثر ما كان يوقفه أبو سفيان-: يقال لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد؟ فيضع الرب ﵎ قدمه فتقول: قط قط.
(طريق أخرى) روى البخاري عن همام بن منبه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌ «تحاجت الجنة والنار فقالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم قال الله للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فيها فتقول: قط قط فهنالك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض ولا يظلم الله من خلقه أحدا، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا آخر).
٨ - [تفسير ابن كثير لكلمة «الأواب الحفيظ» في الآية (٣٢)]
بمناسبة قوله تعالى هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ قال ابن كثير:
(وقال عبيد بن عمير: الأواب الحفيظ الذي لا يجلس مجلسا فيقوم حتى يستغفر الله .
٩ - [كلام ابن كثير عن نعيم الجنة بمناسبة آية لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها .. ]
بمناسبة قوله تعالى لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ قال ابن كثير:
(وفي الحديث عن ابن مسعود ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال له: «إنك لتشتهي الطير في الجنة فيخر بين يديك مشويا» وروى الإمام أحمد عن أبي بكر الصديق ﵁ عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إذا اشتهى المؤمن الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنه في ساعة واحدة» ورواه الترمذي
стр. 5212
وابن ماجه وقال الترمذي: حسن غريب، وزاد: كما اشتهى. وقوله تعالى: وَلَدَيْنا مَزِيدٌ كقوله لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وقد تقدم في صحيح مسلم عن صهيب بن سنان الرومي أنها النظر إلى وجه الله الكريم. وقد روى البزار وابن أبي حاتم من حديث شريك القاضي عن أنس بن مالك ﵁ في قوله وَلَدَيْنا مَزِيدٌ قال: يظهر لهم الرب في كل جمعة، وقد رواه الإمام أبو عبد الله الشافعي مرفوعا فقال في مسنده عن عبيد الله بن عمير أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: أتى جبرائيل ﵊ بمرآة بيضاء فيها نكتة إلى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ «ما هذه؟» فقال: هذه الجمعة فضّلت بها أنت وأمتك، فالناس لكم فيها تبع: اليهود والنصارى، ولكم فيها خير، ولكم فيها ساعة لا يوافقها مؤمن يدعو الله تعالى فيها بخير إلا استجيب له، وهو عندنا يوم المزيد، قال النبي ﷺ : «يا جبريل وما يوم المزيد؟» قال ﵇: إن ربك ﵎ اتخذ في الفردوس واديا أفيح فيه كثب المسك فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله تعالى ما شاء من ملائكته، وحوله منابر من نور عليها مقاعد النبيين، وحفت تلك المنابر من ذهب، مكللة بالياقوت والزبرجد، عليها الشهداء والصديقون، فجلسوا من ورائهم على تلك الكثب. فيقول الله : أنا ربكم، قد صدقتكم وعدي، فسلوني أعطكم، فيقولون: ربنا نسألك رضوانك، فيقول: قد رضيت عنكم، ولكم علي ما تمنيتم، ولدي مزيد. فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم ﵎ من الخير، وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش، وفيه خلق آدم، وفيه تقوم الساعة. هكذا أورده الإمام الشافعي ﵀ في كتاب الجمعة من الأم، وله طريق عن أنس بن مالك ﵁ وقد أورد ابن جرير هذا الحديث من رواية عثمان بن عمير عن أنس ﵁ بأبسط من هذا).
١٠ - [كلام النسفي عن موضوع البحث عن الآثار]
رأينا تفسير قوله تعالى وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ولكن هناك قراءة أخرى بكسر قاف (فنقبوا) وعندئذ تصبح الكلمة فعل أمر، قال النسفي: والتنقيب التنقير عن الأمر، والبحث والطلب، وإنما أشرنا إلى هذه القراءة؛ لأن فيها أمرا بالبحث عن الآثار، والأمر في هذه الحالة للإباحة.
١١ - [عرض لأكاذيب التوراة المحرفة في المدة التي خلقت فيها السماوات والأرض]
بمناسبة قوله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
стр. 5213
وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ نقول: إن التوراة الحالية المحرفة طافحة بذكر أن الله خلق الخلق في ستة أيام واستراح في اليوم السابع، وهو في زعمهم يوم السبت، ويعللون بأن تحريم يوم السبت عليهم تلك علته، وهو كلام مردود باطل؛ لأن التعب نقص، والله منزّه عن كل نقص، تقول التوراة المحرفة: (فأكملت السموات والأرض وكل جندها وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل، وبارك الله اليوم السابع وقدسه لأنّه فيه استراح) سفر التكوين الإصحاح الثاني. إنك عند ما ترى مثل هذا الضلال، وترى قوله تعالى:
وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ تدرك كم هي نعمة الله عظيمة علينا بهذا القرآن.
١٢ - [كلام ابن كثير عن التسبيح بمناسبة آية وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ .. ]
وبمناسبة قوله تعالى وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ قال ابن كثير: (قال ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ هو التسبيح بعد الصلاة. ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: جاء فقراء المهاجرين فقالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، فقال النبي ﷺ : «وما ذلك؟» قالوا: يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، قال ﷺ : «أفلا أعلمكم شيئا إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من فعل مثل ما فعلتم؟
تسبّحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين» قال فقالوا: يا رسول الله سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال ﷺ : «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» والقول الثاني أن المراد بقوله تعالى وَأَدْبارَ السُّجُودِ هما الركعتان بعد المغرب وروي ذلك عن عمر وعلي وابنه الحسن وابن عباس وأبي هريرة وأبي أمامة ﵃ وبه يقول مجاهد وعكرمة والشعبي والنخعي والحسن وقتادة وغيرهم).
أقول: ويحتمل أن يكون المراد بتسبيح الليل القيام فيه والتهجد، ولقد كان رسول الله ﷺ يداوم على قيام الليل.
١٣ - [كلام ابن كثير عن أهوال يوم القيامة بمناسبة آية يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ .. ]
بمناسبة قوله تعالى يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً قال ابن كثير:
(وذلك أن الله ينزل مطرا من السماء ينبت به أجساد الخلائق كلها في قبورها كما ينبت الحب في الثرى بالماء، فإذا تكاملت الأجساد أمر الله تعالى إسرافيل فينفخ في الصور، وقد أودعت الأرواح في ثقب في الصور، فإذا نفخ إسرافيل فيه خرجت الأرواح تتوهج بين السماء والأرض، فيقول الله : وعزتي وجلالي لترجعن كل
стр. 5214
روح إلى الجسد الذي كانت تعمره، فترجع كل روح إلى جسدها فتدب فيه كما يدب السم في اللديغ، وتنشق الأرض عنهم فيقومون إلى موقف الحساب سراعا مبادرين إلى أمر الله مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (القمر: ٨) وقال الله تعالى يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (الإسراء: ٥٢) وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أنا أول من تنشق عنه الأرض»).
١٤ - [فائدة حول كلمة (جبار) وإبراز معناها في موضعها]
بمناسبة قوله تعالى وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ أقول: إن الجبار هو الذي يبطش في هوى نفسه، أما من يبطش بأمر الشرع فليس جبارا، ومن ثم فلا تنافي بين قوله تعالى وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ وبين فريضة الجهاد، وقتال رسول الله ﷺ للكافرين.
كلمة أخيرة في سورة ق ومجموعتها:
عالجت سورة (ق) كما رأينا موضوع العجب من البعث، وموضوع التكذيب بالحق، وهما الموضوعان اللذان يجابههما المسلم في حركته، ومن ثم ندرك صلة سورة (ق) بمجموعتها، فإذا كانت سورة الفتح قد بينت من جملة ما بينت خصائص الجماعة المسلمة ووعدت بانتصارها، وجاءت سورة الحجرات لتبني هذه الجماعة بما يكافئ مهمتها، فإن سورة (ق) عالجت العقبتين الرئيسيتين اللتين سيصادفهما صاحب الدعوة الأول، والجماعة الإسلامية معه، وهما عقبتا: التكذيب، والعجب من مضمون الرسالة، وهذا معنى من معاني سورة (ق)، ومظهر من مظاهر التكامل ما بين سورة (ق) ومجموعتها.
وبتحديد السورة خصائص أهل النار أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ* مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ* الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ وبتحديد الخاصية الأولى للإنسان الذي هو مظنّة التذكّر بكتاب الله، وهي الخوف من وعيد الله فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ بتحديد السورة هذه المعاني أعطت المسلم بصرا فيمن يخصه بالتذكير، وفيمن ييأس منه، وفي ذلك إعطاء بصيرة لهذه الأمة في حركتها الدائبة نحو إعلاء كلمة الله التي وعد الله بها، هذا مع وجوب إقامة الحجة على الجميع،
стр. 5215
ولكن أن تعرف أين تلقي بذارك، فذلك مهم، وهذا معنى آخر من معاني السورة، ومظهر من مظاهر التكامل بين سورة قاف ومجموعتها.
وفي قوله تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ إعطاء درس بليغ للقائمين بأمر الدعوة، أن يعملوا على إحياء القلوب كنقطة بداية، وأن يكونوا قادرين على اجتذاب الأسماع إليهم، وطريق إحياء القلوب معروف: وهو الذكر، والمذاكرة، والفكر، وطريق اجتذاب الأسماع لله أن تحسن كيف تخاطب الإنسان، هذه مهمتنا، وما علينا إذا رفض الآخرون، وفي ذلك درس جديد، ومظهر من مظاهر التكامل ما بين سور المجموعة الخامسة.
وإذا كانت سورة الفتح حددت خصائص أهل الإيمان، وجاءت سورة الحجرات فأمرت ونهت، فأكملت بيان الخصائص، فإن سورة (ق) عند ما تبيّن خصائص أهل الجنة: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ* هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ* مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ أو عند ما تأمر بالموقف المكافئ للكفر فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ* وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ* وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ ... أو عند ما تقول: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ إن سورة (ق) عند ما يكون فيها هذا كله تكمّل ما ذكرته سورة الفتح، وسورة الحجرات، من بناء لخصائص الجماعة المسلمة وأفرادها، وهكذا نجد في هذه المجموعة من قسم المثاني نموذجا على التكامل بين سور المجموعة الواحدة من مجموعات القسم الواحد.
كلمة في قسم المثاني:
رأينا أن قسم المثاني يتألف من خمس مجموعات، وقد رأينا أن كل مجموعة من مجموعاته تتكامل مع بعضها، وأن مجموعاته كذلك تتكامل مع بعضها. ولو أننا أردنا أن نضرب الأمثلة على التكامل بين سور قسم المثاني، أو بين مجموعاته لطال بنا المقام، فلنكتف ببعض الأمثلة: ورد في المجموعة الأولى من قسم المثاني في سورة العنكبوت حديث عن الامتحان، وعن النصر، وورد في هذه المجموعة كلام عن الزلزال في سورة
стр. 5216
الأحزاب، ثمّ جاءت سورة سبأ وفاطر ويس فتكاملت بذلك معاني المجموعة الأولى، ثمّ جاءت مجموعة ثانية فيها سورتا: الصافات وص فأكملت معاني في المجموعة الأولى، ثمّ انطلق قسم المثاني انطلاقة جديدة، فجاءت مجموعتان هما مجموعة الزمر والشورى فأقامتا الحجة في شأن هذا القرآن، ثمّ جاءت المجموعة الخامسة فتحدثت عن نصر، وعن قتال، وختمت بسورة (ق) التي تشبه إلى حدّ بعيد سورة (ص).
ولو أننا نظرنا إلى المحاور التي فصّلتها سور قسم المثاني فإننا نجد أنّ كثيرا من هذه السور فصّلت محاور واحدة، وهذا سبب من أسباب تسمية هذا القسم بقسم المثاني.
وقد رأينا أن المجموعة من مجموعات قسم المثاني يبدأ تفصيلها بأوائل سورة البقرة، ثم تنطلق، ثم تأتي المجموعة الثانية لتبدأ البداءة نفسها، ثمّ تنطلق، وهكذا أعطانا قسم المثاني خمسة تفصيلات جديدة لمعان في سورة البقرة، على ترتيب ورودها في السورة، وإن لم يكن ترتيبا متلاصقا وهذا سبب آخر من أسباب تسمية هذا القسم بالمثاني- والله أعلم-.
كلمة في الأقسام الثلاثة التي مرّت معنا:
رأينا أن القرآن يتألف من أربعة أقسام: قسم الطول، وقسم المئين، وقسم المثاني، وقسم المفصّل، وقد مرّ معنا تفسير الأقسام الثلاثة، ولم يبق معنا إلا قسم المفصّل.
وقد رأينا أن قسم الطول يتألف من سورة البقرة ومجموعة واحدة، وقد رأينا أن قسم المئين يتألف من ثلاث مجموعات، وأن قسم المثاني يتألف من خمس مجموعات، وعلى هذا فإنه قد مرّ معنا- حتى الآن- سورة البقرة وتسع مجموعات، كل مجموعة تفصّل في محاور من سورة البقرة، ابتداء من أولها إلى محور ما فيها، وهكذا تفعل كل مجموعة.
وقد رأينا أن السورة عند ما تفصّل في محور فإنها تفصل فيه وفي امتداداته وارتباطاته، ولذلك فإن المجموعات- ولو لم تفصّل في كل آية من سورة البقرة على حدة- فإنها
стр. 5217
فصّلت في مجموع معاني سورة البقرة أكثر من مرة، وفي كل مرّة تعطينا جديدا.
وقد رأينا أن الآيات الأولى من سورة البقرة نالها من التفصيل أكثر من غيرها، لأنها تتحدّث عن الأساس والطريق.
وسيأتي معنا قسم المفصّل، وسنرى أن مجموعاته كثيرة، وهكذا نجد أن تفصيلا طويلا ووحيدا لسورة البقرة جاء في القسم الأول، وأن تفصيلات متوسطة ومتعددة جاءت في القسم الثاني، وأن تفصيلات أخصر وأكثر عددا جاءت في القسم الثالث، وأن تفصيلات كثيرة وقصيرة ستأتي في القسم الرابع- قسم المفصّل- فلنره.
***
стр. 5218
القسم الرابع من أقسام القرآن قسم المفصل
ويتضمن السور من بداية سورة الذاريات إلى نهاية المصحف
стр. 5219
كلمة في قسم المفصل:
(عن مروان بن الحكم قال: قال لي زيد بن ثابت: ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقرأ فيها بطولى الطوليين» رواه البخاري وأحمد والنسائي. بمناسبة هذا الحديث قال الشوكاني في تفسير المفصل: قال في الضياء: (هو من سورة محمد إلى آخر القرآن، وذكر في القاموس أقوالا عشرة من الحجرات إلى آخره، أو من الجاثية، أو القتال، أو قاف، أو الصافات، أو الصف، أو تبارك، أو إنا فتحنا لك، أو سبح اسم ربك الأعلى، أو الضحى، ونسب بعض هذه الأقوال إلى من قال بها، قال: وسمي مفصلا لكثرة الفصول بين سورة أو لقلة المنسوخ).
وطولى الطوليين الواردة في الأثر: الأعراف، والثانية: الأنعام. قال في الفتح: الطوليين الأعراف والأنعام في قول، وتسميتهما بالطوليين إنما هو لعرف فيهما، لا أنهما أطول من غيرهما ... وبمناسبة الحديث الشريف: «وعن سليمان بن يسار عن أبي هريرة أنه قال: ما رأيت رجلا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان لإمام كان في المدينة، قال سليمان: فصليت خلفه فكان يطيل الأوليين من الظهر ويخفف الآخرتين، ويخفف العصر، ويقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في الأوليين من العشاء من وسط المفصل، ويقرأ في الغداة بطوال المفصل» رواه أحمد والنسائي.
بمناسبة هذا الحديث قال الشوكاني: (ويقرأ في الأوليين من العشاء من وسط المفصل) قد تقدم في حديث معاذ أن النبي ﷺ أمره بالقراءة بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، وهذه السور من أوساط المفصل، وزاد مسلم أنه أمره بقراءة اقرأ باسم ربك الذي خلق، وزاد عبد الرزاق الضحى، وفي رواية للحميدي بزيادة والسماء ذات البروج، والسماء والطارق، وقد عرفت أن قصة معاذ كانت في صلاة العشاء، وثبت أنه كان ﷺ يقرأ في صلاة العشاء بالشمس وضحاها ونحوها من السور. أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه من حديث بريدة وأنه قرأ فيها ب (والتين والزيتون) أخرجه البخاري ومسلم
والترمذي من حديث البراء، وأنه قرأ ب (إذا السماء انشقت) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة) اه. كلام الشوكاني في تفسير وسط المفصل وقال الشرنبلالي في مراقي الفلاح: (والمفصل هو السبع السابع (أي: من القرآن) قيل أوله- عند الأكثرين- من سورة الحجرات، وقيل من سورة محمد ﷺ ، أو من الفتح، أو من (ق)، فالطوال من مبدئه إلى
стр. 5220
البروج، وأوساطه منها إلى (لم يكن)، وقصاره منها إلى آخره، وقيل طواله من الحجرات إلى عبس، وأوساطه من كورت إلى الضحى، والباقي قصاره).
وقال الشرنبلالي: (وسمي المفصل به لكثرة فصوله، وقيل لقلة المنسوخ فيه).
وفسر الطحاوي كثرة الفصول بقوله: (أي: لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة) وقال في تفسير قلة المنسوخ فيه بقوله: (فهو من التفصيل بمعنى الإحكام وعدم التغيير).
...
مما نقلناه ندرك أن اسم المفصل للسبع السابع من القرآن متعارف عليه بين الصحابة وبين الفقهاء خلال العصور، كما ندرك أن تحديده قضية خلافية، وقد رأينا في بداية تفسيرنا لسورة (ق) أن ابن كثير يرجح أن ابتداءه من سورة (ق). وقلنا هناك: إننا نرجح أن يكون ابتداؤه من سورة الذاريات، وذكرنا لماذا رجحنا ذلك، ولاحظنا مما نقلناه هنا أن هناك اتفاقا بين المؤلفين على أنه سمي مفصلا لأحد سببين:
إما لكثرة فصوله، أو لقلة المنسوخ فيه، ورأينا أن الطحاوي ضعف القول الثاني إذ قال قبله: (وقيل لقلة المنسوخ فيه) وإنما تستعمل كلمة (قبل) للتدليل على ضعف القول، فيبقى القول الأول هو القول المرجح عند الطحاوي من أنه سمي مفصلا لكثرة فصوله، وفسر كثرة الفصول بكثرة الفصل بين سوره بالبسملة.
أقول: وهو وجه مما تحتمله كلمة كثرة الفصول، إذ ما قبل المفصل يوجد خمسون سورة بما في ذلك سورة الفاتحة، بينما توجد من الذاريات حتى نهاية القرآن أربعة وستون سورة، إلا أنني أحتمل أن يكون الشارح الذي شرح المفصل بكثرة الفصول أراد (الفصل) بالمعنى الاصطلاحي عند العلماء؛ فإنه المتبادر إلى الذهن عند ما يقال الفصول، إذ هي جمع فصل والفصل في اصطلاح العلماء قديما وحديثا هو:
ما دون الباب في تقسيمات المؤلفين، فقد اصطلحوا على أن الكتاب أعم من الباب، والباب أعم من الفصل، والذي أرجحه أن الشارح الأول إنما أراد بالفصل ما اصطلحوا عليه، والذي يرجح هذا أن المتأمل للمفصل يحس بشكل واضح بتعدد فصوله من خلال تعدد أنواع البدايات للسور، ومن خلال التشابه بين بداية وبداية، ومن ثم فإنني أفهم بأن المراد بالفصل هو ما أسميته في هذا التفسير باسم المجموعة، وإن لم يكن واضحا عند السابقين هذا التحديد الدقيق لمعنى الفصل في المفصل، فالذي أراه
следующие страницы →