← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

الأحزاب، ثمّ جاءت سورة سبأ وفاطر ويس فتكاملت بذلك معاني المجموعة الأولى، ثمّ جاءت مجموعة ثانية فيها سورتا: الصافات وص فأكملت معاني في المجموعة الأولى، ثمّ انطلق قسم المثاني انطلاقة جديدة، فجاءت مجموعتان هما مجموعة الزمر والشورى فأقامتا الحجة في شأن هذا القرآن، ثمّ جاءت المجموعة الخامسة فتحدثت عن نصر، وعن قتال، وختمت بسورة (ق) التي تشبه إلى حدّ بعيد سورة (ص). ولو أننا نظرنا إلى المحاور التي فصّلتها سور قسم المثاني فإننا نجد أنّ كثيرا من هذه السور فصّلت محاور واحدة، وهذا سبب من أسباب تسمية هذا القسم بقسم المثاني. وقد رأينا أن المجموعة من مجموعات قسم المثاني يبدأ تفصيلها بأوائل سورة البقرة، ثم تنطلق، ثم تأتي المجموعة الثانية لتبدأ البداءة نفسها، ثمّ تنطلق، وهكذا أعطانا قسم المثاني خمسة تفصيلات جديدة لمعان في سورة البقرة، على ترتيب ورودها في السورة، وإن لم يكن ترتيبا متلاصقا وهذا سبب آخر من أسباب تسمية هذا القسم بالمثاني- والله أعلم-. كلمة في الأقسام الثلاثة التي مرّت معنا: رأينا أن القرآن يتألف من أربعة أقسام: قسم الطول، وقسم المئين، وقسم المثاني، وقسم المفصّل، وقد مرّ معنا تفسير الأقسام الثلاثة، ولم يبق معنا إلا قسم المفصّل. وقد رأينا أن قسم الطول يتألف من سورة البقرة ومجموعة واحدة، وقد رأينا أن قسم المئين يتألف من ثلاث مجموعات، وأن قسم المثاني يتألف من خمس مجموعات، وعلى هذا فإنه قد مرّ معنا- حتى الآن- سورة البقرة وتسع مجموعات، كل مجموعة تفصّل في محاور من سورة البقرة، ابتداء من أولها إلى محور ما فيها، وهكذا تفعل كل مجموعة. وقد رأينا أن السورة عند ما تفصّل في محور فإنها تفصل فيه وفي امتداداته وارتباطاته، ولذلك فإن المجموعات- ولو لم تفصّل في كل آية من سورة البقرة على حدة- فإنها

стр. 5217

فصّلت في مجموع معاني سورة البقرة أكثر من مرة، وفي كل مرّة تعطينا جديدا. وقد رأينا أن الآيات الأولى من سورة البقرة نالها من التفصيل أكثر من غيرها، لأنها تتحدّث عن الأساس والطريق. وسيأتي معنا قسم المفصّل، وسنرى أن مجموعاته كثيرة، وهكذا نجد أن تفصيلا طويلا ووحيدا لسورة البقرة جاء في القسم الأول، وأن تفصيلات متوسطة ومتعددة جاءت في القسم الثاني، وأن تفصيلات أخصر وأكثر عددا جاءت في القسم الثالث، وأن تفصيلات كثيرة وقصيرة ستأتي في القسم الرابع- قسم المفصّل- فلنره. ***

стр. 5218

القسم الرابع من أقسام القرآن قسم المفصل ويتضمن السور من بداية سورة الذاريات إلى نهاية المصحف

стр. 5219

كلمة في قسم المفصل: (عن مروان بن الحكم قال: قال لي زيد بن ثابت: ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقرأ فيها بطولى الطوليين» رواه البخاري وأحمد والنسائي. بمناسبة هذا الحديث قال الشوكاني في تفسير المفصل: قال في الضياء: (هو من سورة محمد إلى آخر القرآن، وذكر في القاموس أقوالا عشرة من الحجرات إلى آخره، أو من الجاثية، أو القتال، أو قاف، أو الصافات، أو الصف، أو تبارك، أو إنا فتحنا لك، أو سبح اسم ربك الأعلى، أو الضحى، ونسب بعض هذه الأقوال إلى من قال بها، قال: وسمي مفصلا لكثرة الفصول بين سورة أو لقلة المنسوخ). وطولى الطوليين الواردة في الأثر: الأعراف، والثانية: الأنعام. قال في الفتح: الطوليين الأعراف والأنعام في قول، وتسميتهما بالطوليين إنما هو لعرف فيهما، لا أنهما أطول من غيرهما ... وبمناسبة الحديث الشريف: «وعن سليمان بن يسار عن أبي هريرة أنه قال: ما رأيت رجلا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان لإمام كان في المدينة، قال سليمان: فصليت خلفه فكان يطيل الأوليين من الظهر ويخفف الآخرتين، ويخفف العصر، ويقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في الأوليين من العشاء من وسط المفصل، ويقرأ في الغداة بطوال المفصل» رواه أحمد والنسائي. بمناسبة هذا الحديث قال الشوكاني: (ويقرأ في الأوليين من العشاء من وسط المفصل) قد تقدم في حديث معاذ أن النبي ﷺ أمره بالقراءة بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، وهذه السور من أوساط المفصل، وزاد مسلم أنه أمره بقراءة اقرأ باسم ربك الذي خلق، وزاد عبد الرزاق الضحى، وفي رواية للحميدي بزيادة والسماء ذات البروج، والسماء والطارق، وقد عرفت أن قصة معاذ كانت في صلاة العشاء، وثبت أنه كان ﷺ يقرأ في صلاة العشاء بالشمس وضحاها ونحوها من السور. أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه من حديث بريدة وأنه قرأ فيها ب (والتين والزيتون) أخرجه البخاري ومسلم والترمذي من حديث البراء، وأنه قرأ ب (إذا السماء انشقت) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة) اه. كلام الشوكاني في تفسير وسط المفصل وقال الشرنبلالي في مراقي الفلاح: (والمفصل هو السبع السابع (أي: من القرآن) قيل أوله- عند الأكثرين- من سورة الحجرات، وقيل من سورة محمد ﷺ ، أو من الفتح، أو من (ق)، فالطوال من مبدئه إلى

стр. 5220

البروج، وأوساطه منها إلى (لم يكن)، وقصاره منها إلى آخره، وقيل طواله من الحجرات إلى عبس، وأوساطه من كورت إلى الضحى، والباقي قصاره). وقال الشرنبلالي: (وسمي المفصل به لكثرة فصوله، وقيل لقلة المنسوخ فيه). وفسر الطحاوي كثرة الفصول بقوله: (أي: لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة) وقال في تفسير قلة المنسوخ فيه بقوله: (فهو من التفصيل بمعنى الإحكام وعدم التغيير). ... مما نقلناه ندرك أن اسم المفصل للسبع السابع من القرآن متعارف عليه بين الصحابة وبين الفقهاء خلال العصور، كما ندرك أن تحديده قضية خلافية، وقد رأينا في بداية تفسيرنا لسورة (ق) أن ابن كثير يرجح أن ابتداءه من سورة (ق). وقلنا هناك: إننا نرجح أن يكون ابتداؤه من سورة الذاريات، وذكرنا لماذا رجحنا ذلك، ولاحظنا مما نقلناه هنا أن هناك اتفاقا بين المؤلفين على أنه سمي مفصلا لأحد سببين: إما لكثرة فصوله، أو لقلة المنسوخ فيه، ورأينا أن الطحاوي ضعف القول الثاني إذ قال قبله: (وقيل لقلة المنسوخ فيه) وإنما تستعمل كلمة (قبل) للتدليل على ضعف القول، فيبقى القول الأول هو القول المرجح عند الطحاوي من أنه سمي مفصلا لكثرة فصوله، وفسر كثرة الفصول بكثرة الفصل بين سوره بالبسملة. أقول: وهو وجه مما تحتمله كلمة كثرة الفصول، إذ ما قبل المفصل يوجد خمسون سورة بما في ذلك سورة الفاتحة، بينما توجد من الذاريات حتى نهاية القرآن أربعة وستون سورة، إلا أنني أحتمل أن يكون الشارح الذي شرح المفصل بكثرة الفصول أراد (الفصل) بالمعنى الاصطلاحي عند العلماء؛ فإنه المتبادر إلى الذهن عند ما يقال الفصول، إذ هي جمع فصل والفصل في اصطلاح العلماء قديما وحديثا هو: ما دون الباب في تقسيمات المؤلفين، فقد اصطلحوا على أن الكتاب أعم من الباب، والباب أعم من الفصل، والذي أرجحه أن الشارح الأول إنما أراد بالفصل ما اصطلحوا عليه، والذي يرجح هذا أن المتأمل للمفصل يحس بشكل واضح بتعدد فصوله من خلال تعدد أنواع البدايات للسور، ومن خلال التشابه بين بداية وبداية، ومن ثم فإنني أفهم بأن المراد بالفصل هو ما أسميته في هذا التفسير باسم المجموعة، وإن لم يكن واضحا عند السابقين هذا التحديد الدقيق لمعنى الفصل في المفصل، فالذي أراه

стр. 5221

في هذا الموضوع أن تسمية المفصل تسمية مأثورة، وقد فسر السابقون الكلمة بكثرة الفصول لمعنى غامض أحسوه في هذا القسم، هذا المعنى الغامض هو الذي تفسره هذه الطريقة التي اعتمدتها في تقسيم القرآن إلى أقسام، وكل قسم يضم مجموعات، كل مجموعة تشكل فصلا من فصول هذا القرآن، وسمي هذا القسم الرابع من القرآن (بالمفصل) لكثرة هذه المجموعات فيه، وكما قلنا من قبل فإن ما مر معنا قبل المفصل كان سورة البقرة وتسع مجموعات، بينما نجد أن المفصل وحده كما سنرى خمس عشرة مجموعة، يضم سور كل مجموعة إلى بعضها أنها تفصل في البقرة من بدايتها إلى نقطة فيها، ثم تأتي المجموعة الثانية والثالثة وهكذا لتفصل كل منها تفصيلا جديدا. ... وعند ما نعرض مجموعات المفصل سنذكر عند كل مجموعة الأسباب التي حملتنا على اعتبارها مجموعة، وقد رأينا فيما مر طريقتنا في التدليل على القسم وعلى المجموعات، ولا شك أن ما مر معنا من قبل يشكل بالنسبة للمرحلة القادمة من التفسير نقاط علام، فقد رأينا مثلا أن السور المبدوءة بقسم تشكل بداية مجموعة، وسنرى بدايات جديدة لمجموعات في هذا القسم، والذي نحب أن نذكر به بهذه المناسبة هو: ... إنك تلاحظ أن سورا كثيرة في هذا القسم مبدوءة بقسم، ثم يأتي بعد القسم أو الأقسام سورة أو سور، ثم يظهر القسم مرة ثانية، وأحيانا تجد بعد القسم سورا تتشابه بداياتها، وأحيانا تجد بداية تتكرر، ولكن فيما بين البداية والبداية سور ليست مبدوءة بهذه البداية، كما ترى ذلك في زمرة المسبحات، إن ذلك كله يلفت النظر للبحث عن قاعدة كلية تنتظم هذه الدورة، وإننا نتصور أن ما اتجهنا إليه في هذا التفسير كان هو التفسير لهذه الظاهرة وأمثالها، والمعاني مع بعض نقاط العلام التي نستأنس بها هي التي تقدم الدليل على صحة السير. ... يتألف هذا القسم من خمس عشرة مجموعة. وكل مجموعة تفصل في معان من سورة البقرة من بدايتها إلى شئ منها، وكل سورة في مجموعة لها محورها من سورة البقرة، فهي تفصل في هذا المحور، وفي امتداده في سورة البقرة، وهو شئ قد رأيناه كثيرا، ورأينا الدليل عليه مرة بعد مرة.

стр. 5222

وسنرى أن عامة محاور سور هذه المجموعات تفصل في مقدمة سورة البقرة والمقطعين الأولين من القسم الأول منها، وهذا يشير إلى أهمية هذه المعاني بالنسبة لمجموع المعاني القرآنية، حتى اقتضت في كل مجموعة من هذا القسم تفصيلا على كثرة المجموعات، كما أنها قد فصلت في كل مجموعة من قسم المثاني، أو قسم المئين، أو قسم الطوال. .. ولنبدأ عرض مجموعات هذا القسم. ***

стр. 5223

المجموعة الأولى من القسم الرابع من أقسام القرآن المسمى بقسم المفصل وتشمل سور: الذاريات، والطور، والنجم، والقمر، والرحمن، والواقعة

стр. 5224

كلمة في المجموعة الأولى من قسم المفصل تتألف المجموعة الأولى من قسم المفصل من سور ست هي: الذاريات، والطور، والنجم، والقمر، والرحمن، والواقعة. وقد دلنا على بدايتها ونهايتها أنها مبدوءة بسور ثلاث تبدأ بالقسم: (الذاريات، والطور، والنجم) وأنها تنتهي بسورة مبدوءة ب (إذا) هي سورة الواقعة إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ وسنرى في هذا القسم أن أكثر من مجموعة تنتهي بسورة بدايتها (إذا). فمثلا سنرى أن سورة إِذا زُلْزِلَتِ نهاية مجموعة؛ بدليل أن ما بعدها سورة مبدوءة بقسم وَالْعادِياتِ ضَبْحاً وتلك علامة على بداية مجموعة، ثم إنه بعد سورة الواقعة تأتي سورة الحديد، وهي بداية لزمرة المسبحات، ومن مجئ كلمة (سبح- يسبح) في هذه الزمرة، ومجئ سورة أو سور بعدها، ثم العودة إليها، ما يشير إلى أن السور التي تبدأ بكلمة (سبح- يسبح) هي بداية مجموعة، وسنرى ذلك من خلال المعاني. فمن خلال السور المبدوءة بالقسم، ومن السورة المبدوءة ب (إذا)، ومن خلال أن ما بعد سورة الواقعة بداية مجموعة، عرفنا بداية هذه المجموعة ونهايتها. ... وقد مرت معنا من قبل سورة الصافات مبدوءة بقسم، ورأينا أنها تفصل في مقدمة سورة البقرة، ورأينا سورة الأنبياء وبدايتها قوله تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وهي تفصل في قوله تعالى من مقدمة سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. وفي هذه المجموعة تأتي سور ثلاث مبدوءة بقسم، ثم تأتي بعدها سورة بدايتها تشبه بداية سورة الأنبياء اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ومضمونها أن النذر لم تنفع الكافرين؛ لذلك كانت لازمتها فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ*. وهذا يشير إلى أن السور الأربع الأولى في هذه المجموعة تفصل في مقدمة سورة البقرة. وبعد مقدمة سورة البقرة تأتي آيات تدعو إلى توحيد الله وعبادته؛ شكرا على آلائه، وتتحدى الكافرين في أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وتذكر ما أعده الله للكافرين من عذاب، وتبشر المؤمنين، وتقيم الحجة على الكافرين، وذلك في المقطع الأول من القسم الأول من سورة البقرة. وتأتي سورة الرحمن والواقعة فتفصلان في هذا كله، لذلك كانت لازمة سورة الرحمن: فَبِأَيِ

стр. 5225

آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ* وصلة ذلك بقوله تعالى: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً ... لا تخفى، وتأتي بعد ذلك سورة الواقعة لتفصل في أصناف الناس يوم القيامة، وتقيم الحجة على الكافرين وصلة ذلك بقوله تعالى ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ لا تخفى. والخلاصة: إن ما مر معنا من قبل يساعدنا كثيرا على تحديد أن هذه السور الست تشكل مجموعة متكاملة، فإن السور الثلاث الأولى منها مبدوءة بقسم وَالذَّارِياتِ وَالطُّورِ وَالنَّجْمِ وذلك علامة على أنها تفصل في الآيات الأولى من مقدمة سورة البقرة، كما فصلت زمرة الم* العنكبوت، والروم، ولقمان، والسجدة في هذه المقدمة. وكما فصلت سورة الأنبياء المبدوءة ب اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ فإن سورة القمر مبدوءة ب اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ تفصل في المحور نفسه، وعلى هذا فالسور الأوائل الأربعة من هذه المجموعة تفصل في مقدمة سورة البقرة. وتأتي سورة الرحمن والواقعة لتفصلا فيما بعد المقدمة من سورة البقرة: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً فسورة الرحمن التي تبدأ بقوله تعالى الرَّحْمنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ ... تفصل في التعريف على صنع الخالق، وسورة الواقعة تكمل التفصيل لذات المقطع. وسنرى تفصيلات ذلك وأدلته بشكل موسع أثناء الكلام عن السور ومحاورها. ... ونلاحظ أن سورا كثيرة قد تفصل في محور واحد، ولكنا نجد أن كل سورة تفصل بشكل جديد، وعلى طريقة عرض جديدة، وفيها- فيما يتعلق بالتفصيل- شئ جديد، ولها جرسها الخاص، وتأثيرها الخاص، وذلك بعض مظاهر الإعجاز. وسنرى في هذه المجموعة بشكل بارز صلة أوائل السورة اللاحقة بأواخر السورة السابقة، وهو شئ ركز عليه الذين تكلموا عن الوحدة القرآنية من قبل، فكتب في ذلك

стр. 5226

السيوطي وغيره، وليس هناك من مجموعة في القرآن تظهر فيها هذه الصلات بوضوح كهذه المجموعة والتي بعدها. ففي هذه المجموعة نجد مثلا أن سورة الطور تنتهي بقوله تعالى: وَإِدْبارَ النُّجُومِ، وأن سورة النجم بعدها تبدأ بقوله تعالى: وَالنَّجْمِ ونجد أن آخر سورة في هذه المجموعة- وهي سورة الواقعة- تنتهي بقوله تعالى: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ وأن سورة الحديد بعدها تبدأ بقوله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ولقد رأينا من قبل كيف أن سورة الفاتحة كانت فقرتها الثالثة: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ... ثم جاء أول سورة البقرة الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ولقد تنبه بعض المفسرين لهذا الضرب من الصلات حتى كتبوا فيه كتبا. ولنبدأ عرض سور المجموعة الأولى من قسم المفصل. ***

стр. 5227

سورة الذاريات وهي السورة الحادية والخمسون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الأولى من المجموعة الأولى من قسم المفصل، وآياتها ستون آية وهي مكية

стр. 5228

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 5229

بين يدي السورة: ١ - قدم الألوسي لسورة الذاريات بقوله: (مكية كما روي عن ابن عباس، وابن الزبير رضي الله تعالى عنهما- ولم يحك في ذلك خلاف- وهي ستون آية بالاتفاق كما في كتاب العدد، ومناسبتها لسورة (ق) أنها لما ختمت بذكر البعث، واشتملت على ذكر الجزاء والجنة والنار وغير ذلك افتتحت هذه بالإقسام على أن ما وعدوا من ذلك لصادق، وأن الجزاء لواقع، وأنه قد ذكر هناك إهلاك كثير من القرون على وجه الإجمال، وذكر هنا إهلاك بعضهم على سبيل التفصيل إلى غير ذلك مما يظهر للمتأمل). ٢ - ومن تقديم صاحب الظلال لسورة الذاريات نقتطف ما يلي: (هذه السورة ذات جو خاص. فهي تبدأ بذكر قوى أربعة ... من أمر الله .. في لفظ مبهم الدلالة، يوقع في الحس لأول وهلة أنه أمام أمور ذات سر. يقسم الله- تعالى- على أمر: وَالذَّارِياتِ ذَرْواً* فَالْحامِلاتِ وِقْراً* فَالْجارِياتِ يُسْراً* فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً* إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ* وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ. والذاريات. والحاملات. والجاريات. والمقسمات .. مدلولاتها ليست متعارفة، وهي غامضة تحتاج إلى السؤال والاستفسار، كما أنها بذاتها تلقي في الحس ذلك الظل. ولعله هو المقصود الأول منها في جو هذه السورة. وما يكاد القسم الأول ينتهي حتى يعقبه قسم آخر بالسماء: وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ. يقسم بها الله تعالى على أمر: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ. لا استقرار له ولا تناسق فيه، قائم على التخرصات والظنون، لا على العلم واليقين. هذه السورة: بافتتاحها على هذا النحو، ثم بسياقها كله، تستهدف أمرا واضحا في سياقها كله .. ربط القلب البشري بالسماء؛ وتعليقه بغيب الله المكنون؛ وتخليصه من أوهاق الأرض، وإطلاقه من كل عائق يحول بينه وبين التجرد لعبادة الله، والانطلاق إليه جملة، والفرار إليه كلية، استجابة لقوله في السورة: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ .. وتحقيقا لإرادته في عباده: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. ولما كان الانشغال بالرزق وما يخبئه القدر عنه هو أكثف تلك العوائق وأشدها فقد عني في هذه السورة بإطلاق الحس من إساره، وتطمين النفس من جهته، وتعليق

стр. 5230

القلب بالسماء في شأنه، لا بالأرض وأسبابها القريبة. وتكررت الإشارة إلى هذا الأمر في السورة في مواضع متفرقة منها. إما مباشرة كقوله: وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ .. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ .. وإما تعريضا- كقوله يصور حال عباده المتقين مع المال-: وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ .. ووصفه لجود إبراهيم وسخائه وهو يقري ضيوفه). كلمة في سورة الذاريات ومحورها: إذا كانت سورة القمر تفصل- بما لا يقبل الجدل على حسب نظريتنا- في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ... فإن السور الثلاث: الذاريات والطور والنجم تفصل في قوله تعالى من سورة البقرة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. ومن ثم نجد بشكل بارز في السور الثلاث كلاما عن التقوى والمتقين، ففي سورة الذاريات- وهي محل الكلام هنا- نجد قوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ* كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ* وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ* وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وصلة ذلك بقوله تعالى من سورة البقرة: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ واضحة. ونجد في سورة الذاريات: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ .... وصلة ذلك بقوله تعالى: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ .... واضحة. ذكرنا هذين المثالين لصلتهما الواضحة بمحور السورة الذي حددناه وذكرناه، وإلا فالسورة كلها تصب في تفصيل المحور كما سنرى. تتألف سورة الذاريات من مقدمة، ومقطع واحد، وخاتمة. المقدمة ست آيات، والخاتمة خمس آيات، والمقطع يتألف من فقرتين، وتتألف الفقرة الثانية من عدة مجموعات. ***

стр. 5231

مقدمة السورة وتمتد من الآية (١) إلى نهاية الآية (٦) وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الذاريات (٥١): الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالذَّارِياتِ ذَرْواً (١) فَالْحامِلاتِ وِقْراً (٢) فَالْجارِياتِ يُسْراً (٣) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً (٤) إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٦) التفسير: وَالذَّارِياتِ ذَرْواً: فالذاريات هي الرياح سميت كذلك لأنها تذرو التراب وغيره فَالْحامِلاتِ وِقْراً: المراد بالحاملات: السحاب، وسميت كذلك لأنها تحمل المطر، والوقر: الثقل فَالْجارِياتِ يُسْراً: قال ابن كثير: فأما الجاريات يسرا فالمشهور عن الجمهور أنها السفن تجري يسرا في الماء، جريا سهلا. فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً: قال النسفي: (الملائكة؛ لأنها تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرهما، أو تفعل التقسيم مأمورة بذلك، أو تتولى تقسيم أمر العباد ... ) وفي الآيات الأربع قسم من الله على وقوع المعاد إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ أي: لخبر صدق، أي: لوعد صادق، والموعود البعث، ويحتمل أن يكون المراد الوعيد فيكون المعنى: إن وعيد الله صادق، قال الألوسي: أي: إن الذي توعدونه أو توعدون به، وَإِنَّ الدِّينَ وهو الحساب والجزاء على الأعمال. لَواقِعٌ أي: لكائن لا محالة. أقسم تعالى بالرياح، فبالسحاب الذي تسوقه، فبالفلك التي تجريها بهبوبها، فبالملائكة التي تقسم الأرزاق بإذن الله من الأمطار وتيارات البحر ومنافعها وغير ذلك على صدق وعده في شأن اليوم الآخر، وعلى كينونة الحساب والجزاء. كلمة في السياق: قلنا إن محور سورة الذاريات هو الآيات الخمس الأولى من سورة البقرة، وقد

стр. 5232

ختمت الآيات الخمس الأولى بقوله تعالى: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ في هذا النص مدح وبشارة لأهل الايمان بالفلاح، وذلك وعد من الله لهم، وقد جاءت مقدمة سورة الذاريات وفيها قسم على أن وعد الله للمؤمنين صادق، وأن الجزاء على الأعمال كائن، وصلة ذلك بمحور السورة لا تخفى، وهذه الآيات تشكل مقدمة السورة؛ فهي مدخل للمعاني التى ستأتي بعدها، والتي تفصل في موعود الله لأهل التقوى، وعقاب الله للذين لا يتحققون بالتقوى. [المقطع] الفقرة الأولى من المقطع وتمتد من الآية (٧) إلى نهاية الآية (٢٣) وهذه هي: [سورة الذاريات (٥١): الآيات ٧ الى ٢٣] وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ (١١) يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)

стр. 5233

التفسير: وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ أي: ذات الجمال والبهاء، والحسن والاستواء، أو ذات الطرائق الحسنة، أو ذات النجوم، أو ذات المجرات مجرة بعد مجرة. قال النسفي: (هذا قسم آخر) وجوابه: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ قال ابن كثير: (أي: إنكم أيها المشركون المكذبون للرسل لفي قول مختلف، أي: مضطرب لا يلتئم ولا يجتمع)، وعلى هذا القول الذي يفيد أن الخطاب للمشركين، فالآية تبين أن الكافرين إذ كفروا لا يمكن أن يجتمعوا على شئ؛ لأن الحق وحده هو الذي يمكن أن يجتمع عليه الخلق. وقال قتادة: إن الخطاب في الآية للناس جميعا، واختلافهم هو في كون بعضهم مؤمنين بالقرآن وبعضهم غير مؤمنين، يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ: قال الحسن البصري: يصرف عن هذا القرآن من كذب به، قال النسفي: (أي: يصرف عنه من صرف الصرف الذي لا صرف أشد منه وأعظم، أو يصرف عنه من صرف في سابق علم الله، أي: علم الله فيما لم يزل أنه مأفوك عن الحق) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ قال ابن عباس: أي: لعن المرتابون، قال ابن كثير: (وهكذا كان معاذ ﵁ يقول في خطبته: هلك المرتابون، وقال قتادة: الخراصون أهل الغرة والظنون)، قال الألوسي في قوله تعالى: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ أي: الكذابون من أصحاب القول المختلف، وأصل الخرص: الظن والتخمين، ثم تجوز به عن الكذب لأنه في الغالب يكون منشأ له، وقال الراغب: حقيقة ذلك أن كل مقول عن ظن وتخمين يقال له: خرص، سواء كان مطابقا للشئ أو مخالفا له من حيث إن صاحبه لم يقله عن علم ولا غلبة ظن ولا سماع، بل اعتمد فيه على الظن والتخمين كفعل خارص الثمرة في خرصه، وكل من قال قولا على هذا النحو قد يسمى كاذبا، وإن كان قوله مطابقا للمقول المخبر به كما في قوله تعالى: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ الآية انتهى. وفيه بحث. وحقيقة القتل معروفة، والمراد- بقتل- الدعاء عليهم مع قطع النظر عن المعنى الحقيقي، وعن ابن عباس في تفسيره باللعن قال ابن الأنباري: وإنما كان القتل بمعنى اللعن هنا لأن من لعنه الله تعالى بمنزلة المقتول الهالك). الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ أي: في جهل يغمرهم ساهُونَ أي: غافلون عما أمروا به، قال ابن كثير: قال ابن عباس ﵁ وغير واحد: أي: في الكفر والشك غافلون لاهون. يَسْئَلُونَ فيقولون: أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ

стр. 5234

أي: متى يوم الجزاء وتقديره: أيان وقوع يوم الدين، قال ابن كثير: (وإنما يقولون هذا تكذيبا وعنادا وشكا واستبعادا) قال الله تعالى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ: أي: يحرقون ويعذبون ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ أي: حريقكم وعذابكم، قال الألوسي: (وأصل الفتن: إذابة الجوهر ليظهر غشه، ثم استعمل في الإحراق والتعذيب ونحو ذلك) قال النسفي: (أي: تقول لهم خزنة النار ذوقوا عذابكم وإحراقكم) هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ في الدنيا أي: يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا وتحقيرا وتصغيرا، هذا حال أحد الشقين المختلفين الشق المصروف المرتاب، المغمور بالجهل والغفلة، المستبعد لليوم الآخر، وأما الجانب الآخر وهم المتقون فهذه حالهم. إِنَّ الْمُتَّقِينَ في معادهم فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ بخلاف ما عليه أولئك الأشقياء من العذاب والنكال والحريق والأغلال آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ أي: قابلين لكل ما أعطاهم من الثواب راضين به. قال ابن كثير: (فالمتقون في حال كونهم في الجنان والعيون آخذين ما آتاهم ربهم من النعيم والسرور والغبطة) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ أي: قبل دخول الجنة في الدنيا مُحْسِنِينَ أي: قد أحسنوا العمل، قال ابن كثير: (ثم إنه تعالى بين إحسانهم في العمل فقال جل وعلا: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ أي: كانوا يهجعون في طائفة قليلة من الليل، والهجوع: النوم، فهؤلاء هجوعهم قليل في ليلهم) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ قال النسفي: وصفهم بأنهم يحيون الليل متهجدين، فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم (فما أكثر غفلة الغافلين) والسحر: السدس الأخير من الليل. وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ أي: لمن يسأل لحاجته وَالْمَحْرُومِ أي: الذي يتعرض ولا يسأل حياء. قال ابن كثير: لما وصفهم بالصلاة ثنى بوصفهم بالزكاة والبر والصلة، وفسر ابن كثير الحق بأنه: جزء مقسوم قد أفرزوه للسائل والمحروم. وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ قال النسفي: (تدل على الصانع وقدرته وحكمته وتدبيره حيث هي مدحوة كالبساط لما فوقها، وفيها المسالك والفجاج للمتقلبين فيها، وهي مجزأة: فمن سهل، ومن جبل، وصلبة، ورخوة، وسبخة، وفيها عيون متفجرة، ومعادن، ودواب منبثة مختلفة الصور والأشكال، متباينة الهيئات والأفعال). لِلْمُوقِنِينَ قال النسفي: أي للموحدين الذين سلكوا الطريق السوي الواضح الموصل إلى المعرفة، فهم نظارون بعيون باصرة وأفهام نافذة، كلما رأوا آية عرفوا وجه تأملها فازدادوا إيقانا على إيقانهم). وَفِي أَنْفُسِكُمْ قال النسفي: (أي في حال ابتدائها وتنقلها

стр. 5235

من حال إلى حال، وفي بواطنها وظواهرها من عجائب الفطر وبدائع الخلق ما تتحير فيه الأذهان، وحسبك بالقلوب وما ركز فيها من العقول، وبالألسن والنطق ومخارج الحروف وما في تركيبها وترتيبها ولطائفها من الآيات الساطعة، والبينات القاطعة على حكمة مدبرها وصانعها. دع الأسماع والأبصار والأطراف وسائر الجوارح، وتأتيها لما خلقت له، وما سوى في الأعظم من المفاصل للانعطاف والتثني، فإنه إذا جسا منها شئ جاء العجز، وإذا استرخى أناخ الذل فتبارك الله أحسن الخالقين، وما قيل إن التقدير أفلا تبصرون في أنفسكم ضعيف؛ لأنه يفضي إلى تقديم ما في حيز الاستفهام على حرف الاستفهام). أَفَلا تُبْصِرُونَ أي: أفلا تنظرون نظر من يعتبر وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ أي: في المطر؛ لأنه سبب الأقوات وَما تُوعَدُونَ قال النسفي: أي: الجنة، فهي على ظهر السماء السابعة تحت العرش، وقال: أو أراد أن ما ترزقونه في الدنيا وما توعدونه في العقبى كله مقدور مكتوب في السماء، والتفسير الأول هو الذي اقتصر عليه ابن كثير. فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ أي: الموعود لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ أي: مثل نطقكم، قال ابن كثير: (يقسم تعالى بنفسه الكريمة أن ما وعدهم به من أمر القيامة والبعث والجزاء كائن لا محالة، وهو حق لا مرية فيه فلا تشكوا فيه، كما أنكم لا تشكون في نطقكم حين تنطقون)، قال الألوسي في قوله تعالى: إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (أي مثل نطقكم، كما أنه لا شك لكم في أنكم تنطقون ينبغي أن لا تشكوا في حقية ذلك، وهذا كقول الناس إن هذا لحق كما أنك ترى وتسمع). كلمة في السياق: ١ - إن فهم قوله تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ* إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ* يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ يتوقف عليه شئ كثير في فهم السياق الخاص والعام للسورة، لقد رأينا أن قتادة ذكر أن الخطاب في هذا النص للكافرين، وأن الضمير في كلمة (عنه) يعود إلى القرآن، وأن القول المختلف هو: في القرآن، وعلى هذا القول فإن السياق يقرر اختلاف الكافرين في القرآن، وانصرافهم عنه، وإذ يتقرر ذلك فإن الله يبين استحقاق الكافرين المرتابين الجاهلين الغافلين للقتل في الدنيا والعذاب في الآخرة. وأما المتقون فإن لهم الجنات والعيون بسبب إحسانهم الموصوف في السورة. وصلة ذلك بمحور السورة واضح، من حيث إن محور السورة هو قوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ

стр. 5236

الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ، إذ المجموعة تتحدث عن اضطراب قول الكافرين في القرآن، وانصرافهم عنه، وعن شكهم وعن غفلتهم وعن جهلهم، كما تحدثت عن تفصيلات في موضوع الصلاة والإنفاق، وما يستحق أصحاب ذلك عند الله، وأما صلة مقدمة السورة بهذه الفقرة فمن حيث إن المقدمة قررت مجئ اليوم الآخر، والفقرة الأولى بينت اختلاف الناس في القرآن الذي يتحدث عن اليوم الآخر، فانقسم الناس- كأثر عن ذلك- إلى قسمين: كافر وتقي، هذا ما جزاؤه؟ وهذا ما جزاؤه؟. وواضح أن الربط بين المقدمة والفقرة الأولى كان على اتجاه قتادة في تفسير قوله تعالى: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ* يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ في أن الضمير في (عنه) يعود إلى القرآن، أما النسفي فإنه يربط بين آيات الفقرة الأولى وآيات المقدمة بما يلي: (أقسم بالذاريات على أن وقوع أمر القيامة حق، ثم أقسم بالسماء على أنهم في قول مختلف في وقوعه، فمنهم شاك، ومنهم جاحد، ثم قال: يُؤْفَكُ عن الإقرار بأمر القيامة من هو مأفوك). وعلى هذا القول فالفقرة من بدايتها تتحدث عن اليوم الآخر، واختلاف الناس فيه، وانصراف بعض الناس عنه، وما يستحقون بسبب ريبهم وشكهم وغفلتهم واستبعادهم وقوعه من عقاب، بينما المتقون المحسنون يستحقون الثواب، وإذ يتقرر ذلك فإن الله يذكر المؤمنين بالآخرة بآياته التي يرونها في الأرض وفي الأنفس، مما يستدلون به على هذا اليوم الآخر، وبهذا تعرف صلة قوله تعالى: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ* وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ... بما قبله من سياق السورة، وعلى هذا: فالفقرة الأولى كالمقدمة في كونها تتحدث عن اليوم الآخر، وما للمؤمنين به العاملين له من أجر، وما على الكافرين به من وزر، وماذا في الكون والأنفس من آيات تدل على اليوم الآخر، وعلى هذا فالصلة بين ما مر من آيات السورة واضحة، والصلة بين السورة وبين محور السورة واضحة؛ فمحور السورة الذي يصف المتقين الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ تفصل فيه هذه الآيات، فقد فصلت الآيات في صفات المتقين، وبينت أن أهل اليقين بالآخرة يرون في الأرض وفي أنفسهم من الآيات الكثير الكثير.

стр. 5237

هذان مذهبان في فهم آيات الفقرة الأولى، قد عرفناهما وعرفنا معهما صلة آياتها بمقدمة السورة وبمحورها، وعندي اتجاه آخر أعرضه فيما يلي: ٢ - إن من حمل قوله تعالى: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ على اختلافهم في القرآن لا دليل له من السياق، لأن القرآن لم يذكر في السياق أصلا، ومن قال: إن القول المختلف هو في شأن اليوم الآخر فله وجهه؛ لأن المقدمة تتحدث عن اليوم الآخر، ولكن إرجاع الضمير في (عنه) إلى اليوم الآخر بعيد؛ لأن الظاهر أن الضمير يعود على القول المختلف، لا على اليوم الآخر المذكور في المقدمة، ولذلك لم يطمئن قلبي لهذين التفسيرين، ومن ثم فإنني أفهم الآيات على الشكل التالي: وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ إِنَّكُمْ أيها الكافرون لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ أي: متناقض مضطرب لأنكم على باطل، والباطل مضطرب متناقض، ولا يجمع الناس إلا الحق، والقرآن هو الحق أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ أي: يؤفك كأثر عن القول المختلف المضطرب من أفك، إن عقوبة التناقض والاضطراب في القول أن يصرف الله بعض الناس، ولكن يصرفهم عن أي شئ؟ هنا يبقى الإطلاق على إطلاقه أي: يصرفهم عن القرآن والإيمان، فصار المعنى: بسبب هذا القول المختلف: يصرف من صرف عن الحق في شأن القرآن واليوم الآخر، فإذا عرف ماذا يترتب على القول المختلف من انصراف عن الحق كله يأتي قوله تعالى: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ* يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ* يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ* ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ. فبين بهذه الآيات ما يستحقه المرتابون الغافلون المستبعدون لليوم الآخر، أي: الذين صفاتهم عكس صفات المتقين، فالمتقون كما وصفتهم أوائل سورة البقرة لا يرتابون في القرآن، ولا يرتابون في الغيب، ولا يرتابون في الوحي، ولا يرتابون في اليوم الآخر، وهؤلاء عكس ذلك تماما، فإذا اتضح ما لهؤلاء من عذاب، ذكر الله المتقين المحسنين بما يعطينا زيادة تفصيل على أوصافهم في سورة البقرة، وبما يفسر فلاحهم فقال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ* كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ* وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ* وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ .... وصلة ذلك بمحور السورة من سورة البقرة وبسياق السورة واضح على ما ذكرناه، فإذا وصل السياق إلى ذلك يكون قد استقر في القلب والعقل أن الحال الصحيح هو حال المؤمنين المتقين المحسنين العاملين للآخرة الموقنين بها، ومن

стр. 5238

ثم يبين الله أن هؤلاء الموقنين بالآخرة، تشهد لهم أنواع الآيات، ولذلك قال تعالى: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ* وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ* وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ* فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ. ٣ - نلاحظ أن مقدمة سورة الذاريات ورد فيها قوله تعالى: إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ، وقد جاء في الفقرة الأولى قوله تعالى: وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ* فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ونلاحظ أن السورة تختم بقوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ، وهكذا نجد موضوع وعد الله باليوم الآخر يتردد في أوائل السورة ووسطها ونهايتها، مما يشير إلى أن موضوع اليوم الآخر هو المعنى الرئيسي في السورة، فمحور السورة الأخص هو: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وإن كانت السورة تتعرض لما هو أوسع من ذلك مما له علاقة بالمحور. ٤ - عرضنا ما مر من السورة على أنه مقدمة وفقرة، والواقع أن الفقرة اللاحقة مرتبطة ارتباطا كاملا بالفقرة الأولى؛ لأن قصة إبراهيم وغيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام الآتية قصصهم كلها آتية في سياق عرض آيات من آيات الله للموقنين كما سنرى، فهي امتداد للفقرة الأولى، ولذلك قلنا إن الفقرتين تشكلان مقطعا واحدا. ٥ - نلاحظ أن الخطاب في المجموعة اللاحقة يتوجه إلى رسول الله ﷺ : هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ كما أن محور السورة يتوجه إلى رسول الله ﷺ : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ... وهي ملاحظة نسجلها لمجرد الإشعار بوجود الصلات الكثيرة بين سورة الذاريات ومحورها من سورة البقرة. الفقرة الثانية وتمتد من الآية (٢٤) إلى نهاية الآية (٥٥) وهذه هي: المجموعة الأولى من الفقرة الثانية [سورة الذاريات (٥١): الآيات ٢٤ الى ٣٧] هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٣٧)

стр. 5239

المجموعة الثانية من الفقرة الثانية [سورة الذاريات (٥١): الآيات ٣٨ الى ٤٠] وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) المجموعة الثالثة من الفقرة الثانية [سورة الذاريات (٥١): الآيات ٤١ الى ٤٢] وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) المجموعة الرابعة من الفقرة الثانية [سورة الذاريات (٥١): الآيات ٤٣ الى ٤٥] وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥)

стр. 5240

المجموعة الخامسة من الفقرة الثانية [سورة الذاريات (٥١): آية ٤٦] وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٤٦) المجموعة السادسة من الفقرة الثانية [سورة الذاريات (٥١): الآيات ٤٧ الى ٥٥] وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١) كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) ملاحظة في السياق: نلاحظ أن قصة إبراهيم ولوط ﵉ وهي القصة الأولى في السياق- منتهية بقوله تعالى: وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ مما يشير إلى أن السياق يتحدث عن آيات أخرى للموقنين غير الآيات التي تحدثت عنها نهاية الفقرة الأولى، وسنرى أن القصص اللاحقة كلها من هذا النوع، وعلى هذا النسق. تفسير المجموعة الأولى من الفقرة الثانية: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ أي: ضيوف إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ قال ابن كثير: (أي الذين أرصد لهم الكرامة، وقد ذهب الإمام أحمد وطائفة من العلماء إلى وجوب

стр. 5241

الضيافة للنزيل) وقد وردت السنة بذلك كما هو ظاهر التنزيل، وقال النسفي: الضيف للواحد والجماعة .. وجعلهم ضيفا؛ لأنهم كانوا في صورة الضيف حيث أضافهم إبراهيم ﵇، أو لأنهم كانوا في حسبانه كذلك. وعند النسفي أن تسميتهم بالمكرمين لأنهم عند الله كذلك، أو لأن إبراهيم ﵇ خدمهم بنفسه، وأخدمهم امرأته، وعجل لهم بالقرى. وابتداء الآية بخطاب رسول الله ﷺ تفخيم للحديث، وتنبيه على أنه ليس من علم رسول الله ﷺ ، وإن عرفه بالوحي، ذكره النسفي. وذكر النسفي صلة قصة إبراهيم ﵇ بما قبلها فقال: (وانتظامها بما قبلها باعتبار أنه قال: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ وقال في آخر هذه القصة: وَتَرَكْنا فِيها آيَةً). اهـ. ثم حدثنا الله عما جرى بين إبراهيم ﵇ وضيوفه فقال: إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ أي: على إبراهيم ﵇ فَقالُوا سَلاماً أي: نسلم عليك سلاما قالَ سَلامٌ أي: عليكم سلام، وفي هذا المقام يذكر المفسرون قضية مرتبطة بالنحو حول أيهما أقوى، سلام الملائكة أو سلام إبراهيم؟ فيقولون: إن رد إبراهيم ﵇ كان بصيغة الرفع، بينما سلامهم كان بصيغة النصب، فرد إبراهيم أبلغ في التحية. قال النسفي: والعدول إلى الرفع للدلالة على إثبات السلام، كأنه قصد أن يحييهم بأحسن مما حيوه به، أخذا بأدب الله، وهذا أيضا من إكرامه لهم، وقال ابن كثير: الرفع أقوى وأثبت من النصب، فرده أفضل من التسليم ... فالخليل اختار الأفضل. قَوْمٌ مُنْكَرُونَ قال النسفي: أي: أنتم قوم منكرون فعرفوني من أنتم فَراغَ إِلى أَهْلِهِ أي: انسل خفية في سرعة، قال النسفي: فذهب إليهم (أي: إلى أهله) في خفية من ضيوفه، ومن أدب المضيف أن يخفي أمره، وأن يبادر بالقرى من غير أن يشعر به الضيف حذرا من أن يكفه ... فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ أي: من خيار ماله فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ ليأكلوا فلم يأكلوا قالَ أَلا تَأْكُلُونَ أنكر عليهم ترك الأكل، أو حثهم عليه، قال ابن كثير: تلطف في العبارة وعرض حسن، وهذه الآية انتظمت آداب الضيافة بل جاء به بسرعة وخفاء، وأتى بأفضل ما وجد من ماله، وهو عجل فتي سمين مشوي فقربه إليهم لم يضعه وقال اقتربوا، بل وضعه بين أيديهم ولم يأمرهم أمرا يشق على مسامعهم بصيغة الجزم بل قال أَلا تَأْكُلُونَ؟ على سبيل العرض والتلطف، كما يقول القائل: اليوم إن رأيت أن تتفضل وتحسن وتتصدق فافعل. فلما رأى أيديهم لا تصل إلى الطعام خاف قال تعالى: فَأَوْجَسَ أي: أضمر مِنْهُمْ خِيفَةً قال

стр. 5242

النسفي: (أي: خوفا؛ لأن من لم يأكل طعامك لم يحفظ ذمامك) قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ بعد أن أعلموه أنهم رسل الله، والمبشر به إسحاق ﵇، والبشارة تضمنت شيئين أن المبشر به سيكبر ويعطى العلم فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ أي: في صيحة فَصَكَّتْ وَجْهَها أي: فلطمت ببسط يديها وجهها، وقيل فضربت بأطراف أصابعها جبهتها فعل المتعجب وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ أي: أنا عجوز عقيم، فكيف ألد؟ قالُوا أي: الملائكة كَذلِكَ أي: مثل ذلك الذي قلنا وأخبرنا به قالَ رَبُّكِ أي: إنما نخبرك عن الله تعالى، والله قادر على ما تستبعدين إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ في فعله الْعَلِيمُ فلا يخفى عليه شئ، قال ابن كثير: أي: عليم بما تستحقون من الكرامة حكيم في أقواله وأفعاله قالَ إبراهيم فَما خَطْبُكُمْ أي: فما شأنكم وما طلبتكم وفيم أرسلتم أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ وإنما سألهم لعلمه أنهم لا ينزلون إلا بأمر الله رسلا في بعض الأمور، فأحب أن يعلم هل أرسلوا بالبشارة خاصة أو لأمر آخر أولهما قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ أي: قوم لوط لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ أي: حجارة السجيل، والسجيل في الأصل: طين طبخ كما يطبخ الآجر حتى صار في صلابة الحجارة مُسَوَّمَةً أي: معلمة عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ قال ابن كثير: أي: مكتبة عنده بأسمائهم كل حجر عليه اسم صاحبه. قال النسفي: سماهم مسرفين كما سماهم عادين لإسرافهم وعدوانهم في عملهم، حيث لم يقتنعوا بما أبيح لهم فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها أي: في القرية مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يعني: لوطا ﵇ ومن آمن به فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أي: غير أهل بيت وهم أهل بيت لوط سوى امرأته، قال النسفي: (وفيه دليل على أن الإيمان والإسلام واحد، لأن الملائكة سموهم مؤمنين ومسلمين هنا) ولنا عودة على هذا الموضوع في الفوائد وَتَرَكْنا فِيها قال النسفي: (أي: في قراهم) آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ أي: علامة يعتبر بها الخائفون دون القاسية قلوبهم قال ابن كثير: (أي: جعلناها عبرة بما أنزلنا بهم من العذاب والنكال، وحجارة السجيل، وجعلنا محلتهم بحيرة منتنة خبيثة، ففي ذلك عبرة للمؤمنين الذين يخافون العذاب الأليم) أقول: يفهم من كلام ابن كثير أن البحر الميت تشكل على أثر ما حل بقرى لوط، قد يكون الأمر كذلك، وقد يكون البحر موجودا من قبل، وعلى أثر الخسف الذي حصل لقرى لوط، امتد رواقه حتى غمرها، والأمر يحتاج إلى تحقيقات متعددة لترجيح أحد هذين

стр. 5243

الاحتمالين، والقرآن لم ينص صراحة على هذا الموضوع. كلمة في السياق: ١ - رأينا أن النسفي قال عن هذه القصة وصلتها بما قبلها ما يلي: (واتصالها بما قبلها باعتبار أنه تعالى قال وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ وقال في آخر هذه القصة وَتَرَكْنا فِيها آيَةً فالسياق إذن يعرض علينا آية جديدة، وفي قوله تعالى: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وفي قوله تعالى وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ ما يشير إلى أن الموقنين هم الذين يخافون العذاب الأليم، وهؤلاء هم المؤمنون حقا باليوم الآخر، كما ذكر محور السورة وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. ٢ - الملاحظ أنه بعد قصة إبراهيم ولوط ﵉ تأتي الآن أربع مجموعات: مجموعة مبدوءة بقوله تعالى: وَفِي مُوسى .... ومجموعة مبدوءة بقوله تعالى: وَفِي عادٍ .... ومجموعة مبدوءة بقوله تعالى: وَفِي ثَمُودَ .... ومجموعة مبدوءة بقوله تعالى: وَقَوْمَ نُوحٍ ... .. والنسفي يرى أن هذه المجموعات معطوفة على قوله تعالى: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وعلى هذا فإن السياق يكون على الشكل التالي: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ* وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ .... وفي ما فعله الله بقوم لوط آية، وفي قصة عاد آية، وفي قصة لوط آية، وفي قصة نوح وقومه آية، وكل هذه الآيات يراها الموقنون الذين يخافون العذاب الأليم، فيدفعهم ذلك إلى القيام بحق الله رجاء موعوده. ٣ - الملاحظ أن قوله تعالى وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ لم يأت قبله ما يشعر بأنه معطوف عليه، فهل في الأقسام السابقة عليه ما له علاقة بهذا الموضوع، كأن يكون في قوله تعالى وَالذَّارِياتِ ذَرْواً* فَالْحامِلاتِ وِقْراً* فَالْجارِياتِ يُسْراً* فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً إشعار بأن هذه آيات للموقنين، وفي قوله تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ إشعار بأن هذه آيات للموقنين، ثم جاء قوله تعالى وَفِي الْأَرْضِ

стр. 5244

آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ معطوف على ما ذكر في هذه الأقسام من مضمون وجود الآية فيها، فيكون السياق على الشكل التالي: في الرياح، والسحاب، والسفن، وتقسيم الأرزاق، ومجرات السماء، آيات للموقنين باليوم الآخر، وفي الأرض كذلك آيات، وفي قصة قوم لوط آية، وفي قصة موسى مع فرعون آية، وفي قصة عاد آية، وفي قصة ثمود آية، وفي قصة قوم نوح آية، وفي بناء السماء وسعتها آية، وفي تمهيد الأرض آية، وكلها تدل على الله، ويأتي بعد ذلك قوله تعالى فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ... ودل السياق على أن من اجتمع له اليقين باليوم الآخر، والخوف من عذاب الله كان تقيا، وعكسه من كان خراصا ساهيا، ومن ثم بدأت السورة بتأكيد مجئ اليوم الآخر، ودلت على المزالق التي تبعد عن هذا الإيمان. ٤ - فالسورة تفصل في صفات الموقنين باليوم الآخر، كما تؤكد وقوع ما وعد الله به في أوائل سورة البقرة أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وكل ذلك من ضمن سياق السورة الخاص الذي سيتضح لنا شيئا فشيئا. ٥ - بعد قوله تعالى: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ* وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ يأتي قوله تعالى: وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ* فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ وصلة ذلك بقوله تعالى في سورة البقرة: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وصلته بما قبل ذلك في السورة وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ واضحة؛ إذ الآيتان توضحان أن رزقكم عند الله فلا تبخلوا؛ وأن جزاءكم عند الله فلا تبخلوا، وجاء هذا بعد ذكر آيات الله في الأرض وفي الأنفس ليزداد اليقين بالله وقدرته. وفيما بين قوله تعالى وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ ... وما بين المعطوف عليها بقوله تعالى وَفِي مُوسى ... جاء قوله تعالى هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ ... لتكون القصة مؤدية أكثر من خدمة، ففيها كلام عن القيام بحق الضيوف، وهو نوع إنفاق، وفيها كلام عن قدرة الله التي تعطي العقيم نسلا، وفيها تحذير من المخالفة، وذلك كله يخدم في أكثر من اتجاه: إن في تفصيل المحور، أو في

стр. 5245

سياق السورة الخاص، إذا اتضح هذا كله فلننتقل إلى تفسير ما تبقى من مجموعات الفقرة. تفسير المجموعة الثانية وَفِي مُوسى قال النسفي: معطوف على وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ أو على قوله تعالى وَتَرَكْنا فِيها آيَةً ... فالتقدير إذن: وفي موسى آية: إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ قال النسفي: أي بحجة ظاهرة وهي اليد والعصا وقال ابن كثير: أي بدليل باهر وحجة قاطعة فَتَوَلَّى أي: فأعرض فرعون بِرُكْنِهِ قال النسفي: (أي بما كان يتقوى به من جنوده وملكه، والركن: ما يركن إليه الإنسان من مال وجند) قال ابن كثير: (أي فأعرض فرعون عما جاء به موسى من الحق المبين استكبارا وعنادا) وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ قال ابن كثير: أي لا يخلو أمرك فيما جئتني به من أن تكون ساحرا أو مجنونا فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ أي: هو من كان يتعزز به، ويتكبر بسببه فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ أي فألقيناهم في البحر وَهُوَ أي: فرعون مُلِيمٌ أي: وهو ملوم كافر جاحد معاند قال النسفي: (أي آت بما يلام عليه من كفره وعناده). تفسير المجموعة الثالثة وَفِي عادٍ آية إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ أي: المفسدة التي لا تنتج شيئا قال النسفي: (هي التي لا خير فيها من إنشاء مطر أو إلقاح شجر) ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ قال ابن كثير: أي مما تفسده الريح إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ أي: كالشئ الهالك البالي، وقد فسر النسفي الرميم بقوله: هو كل ما رم، أي: بلي وتفتت من عظم أو نبات أو غير ذلك، والمعنى: ما تترك من شئ هبت عليه من أنفسهم وأنعامهم وأموالهم إلا أهلكته. تفسير المجموعة الرابعة وَفِي ثَمُودَ قال النسفي: (آية أيضا) إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ قال ابن جرير: يعني إلى وقت فناء آجالكم. وقال النسفي: تفسيره قوله تعالى تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ قال ابن كثير: وذلك أنهم انتظروا العذاب ثلاثة أيام فجاءهم في صبيحة اليوم الرابع بكرة النهار فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ أي: فاستكبروا

стр. 5246

عن امتثال أمر ربهم فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ أي: العذاب، قال النسفي: وكل عذاب مهلك: صاعقة وَهُمْ يَنْظُرُونَ قال النسفي: لأنها كانت نهارا يعاينونها فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ أي: من هرب ولا نهوض وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ أي لا يقدرون على أن ينتصروا مما هم فيه قال النسفي: (أي) ممتنعين من العذاب، أو لم يمكنهم مقابلتنا بالعذاب لأن معنى الانتصار المقابلة. تفسير المجموعة الخامسة وَقَوْمَ نُوحٍ قال النسفي: أي: وفي قوم نوح آية مِنْ قَبْلُ أي من قبل هؤلاء المذكورين إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ أي: كافرين. كلمة في السياق: بعد أن عرض الله علينا هذه النماذج من آياته المعطوفة على آياته في الأرض والأنفس، يعرض علينا ثلاث آيات أخرى ليست معطوفة على ما قبلها في الإعراب، ولكنها من حيث المعنى استمرار لعرض الآيات. تفسير المجموعة السادسة وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ أي: بقوة وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ هذه السماء باطراد، فهي دائما في توسع أو قد جعلناها واسعة، وفي الآية معجزة كونية سنراها في الفوائد وَالْأَرْضَ فَرَشْناها قال ابن كثير: أي: جعلناها فراشا للمخلوقات، وقال النسفي: أي: بسطناها ومهدناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ نحن وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ وهذه معجزة كونية أخرى سنراها في الفوائد لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ قال ابن كثير: أي: لتعلموا أن الخالق واحد لا شريك له، وقال النسفي: أي فعلنا ذلك كله من بناء السماء وفرش الأرض وخلق الأزواج لتتذكروا؛ فتعرفوا الخالق وتعبدوه فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ قال النسفي: (أي: من الشرك إلى الإيمان بالله، أو من طاعة الشيطان إلى طاعة الرحمن، أو مما سواه إليه) وقال ابن كثير: أي: الجئوا إليه واعتمدوا في أموركم عليه إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ أي: واضح النذارة وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ أي: لا تشركوا به شيئا إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ قال النسفي: (التكرير للتوكيد، والإطالة في الوعيد أبلغ).

стр. 5247

ومجئ قوله تعالى فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ* وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ ... بعد ذكر عدد من آيات الله يفيد أن رؤية الآيات تقتضي الفرار إلى الله، وعدم الشرك به، أي: تفيد أنه يترتب على فهمنا لهذه الآيات ووجودها أن نفر إلى الله، ولا نشرك به، ولكن من من الناس يفعل ذلك؟ لا شك أن القليل وحده هو الذي يفعل ذلك، والكثير الكثير يرفض النذارة، ومن ثم تأتي المجموعة السابعة: تفسير المجموعة السابعة كَذلِكَ أي: كتكذيب هؤلاء لك، ورفضهم نذارتك، وتسميتك ساحرا أو مجنونا ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي: من قبل هؤلاء الكافرين من أمتك مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ فلغة الكفر في كل العصور واحدة، قال الله أَتَواصَوْا بِهِ أي: أتواصى الأولون والآخرون بهذا القول، حتى قالوه جميعا، متفقين عليه بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ أي: لم يتواصوا به لأنهم لم يتلاقوا في زمان واحد، بل جمعتهم العلة الواحدة وهي الطغيان، والطغيان هو الحامل عليه فَتَوَلَّ عَنْهُمْ أي: فأعرض عنهم قال النسفي: (أي) فأعرض عن الذين كررت عليهم الدعوة فلم يجيبوا عنادا فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ قال النسفي: فلا لوم عليك في إعراضك عنهم بعد ما بلغت الرسالة، وبذلت مجهودك في البلاغ والدعوة وَذَكِّرْ قال النسفي: وعظ بالقرآن فَإِنَّ الذِّكْرى أي: التذكير تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ قال النسفي: بأن تزيد في عملهم، وقال ابن كثير: أي إنما تنتفع بها القلوب المؤمنة. فبعد أن رتب الله على رؤية الآيات ضرورة الفرار إليه وترك الشرك، تحدث عن إعراض الكافرين، وأمر بناء على ذلك رسوله ﷺ أن يعرض عنهم، وأن يذكر المؤمنين، ثم تأتي بعد ذلك خاتمة السورة . خاتمة السورة وتمتد من الآية (٥٦) إلى نهاية الآية (٦٠) وهذه هي: [سورة الذاريات (٥١): الآيات ٥٦ الى ٦٠] وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)

стр. 5248

التفسير: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ قال ابن كثير: أي إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي، لا لاحتياجي إليهم. وقال ابن جريج: (أي) إلا ليعرفوني. أقول: فمن لم يعرفه ولم يعبده فإنه يكون قد عطل الحكمة التي من أجلها خلق، وقد جاءت هذه الآية بعد ما عرض الله علينا من آياته ما يشير إلى أن آيات الله في الكون وفي التاريخ تقتضي معرفة له، وتقتضي عبادة، ثم قال تعالى: ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ أي: ما خلقتهم ليرزقوني، ولا ليرزقوا أنفسهم، أو يرزقوا واحدا من عبادي وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ، فهو المنزه عن كل افتقار إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ لخلقه ذُو الْقُوَّةِ أي: ذو القدرة الكاملة الْمَتِينُ أي: الشديد القوة ... فإذا كان الأمر كذلك فإن الذي لا يعبده ظالم، ومن ثم فإنه يستحق العذاب في الدنيا والآخرة فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا أي: لم يعبدوا الله ولم يقبلوا نذارة رسوله ذَنُوباً أي: نصيبا من عذاب الله مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ أي: مثل نصيب أصحابهم ونظائرهم من القرون المهلكة فَلا يَسْتَعْجِلُونِ أي: بنزول العذاب، قال ابن كثير: (أي فلا يستعجلون ذلك، فإنه واقع لا محالة) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ قال ابن كثير: (يعني: يوم القيامة) وهل (يوعد) في الآية آتية من الوعد، أو الوعيد؟ قولان في الآية. وقد رجح الألوسي في كلمة (توعدون) الآتية في أوائل السورة أنها من الوعيد، وقد استأنس لذلك بختام سورة (ق) فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ. كلمة في السياق: ١ - نلاحظ أن السورة بدأت بقوله تعالى: وَالذَّارِياتِ ذَرْواً* ... إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ* وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ ونلاحظ أن السورة تنتهي بقوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ونلاحظ أنه ورد في الفقرة الأولى

стр. 5249

قوله تعالى: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ونلاحظ أن فيما قبل الآية الأخيرة من السورة ورد قوله تعالى فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ونلاحظ أنه في نهاية الفقرة الأولى ورد قوله تعالى: وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ وفي أواخر السورة جاء قوله تعالى: ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ* إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ مما يدل على ارتباط أول السورة بآخرها، وأوائل السورة وأواخرها بأواسطها. ٢ - لنعرض ملخصا لسير السورة: بدأت السورة بتقرير أن وعد الله في شأن الآخرة صدق، وأن محاسبة الناس ومجازاتهم واقعة، ثم بين تناقض أقوال الناس التي يترتب عليها صرفهم عن الحق، ثم تحدث عن الشاكين الغافلين المستبعدين لليوم الآخر وما لهم عند الله ، ثم بين ما للمتقين جزاء إحسانهم، وما هو الإحسان، ثم عرضت السورة آيات الله في الآفاق والأنفس والتاريخ، ثم رتبت على ذلك أن دعت الناس إلى الفرار إلى الله وتوحيده، وبينت أن حكمة خلق الخلق هي عبادة الله، وحذرت الرافضين والكافرين من عذاب الله في الدنيا والآخرة، ولأن كثيرين من الناس يحول بينهم وبين عبادة الله طلب الرزق، فقد بين الله أن الرزق مضمون، وحتى لا يتوهم متوهم أن لله مصلحة في الأمر بالعبادة قال: ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ* إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ. ٣ - خدمت السورة محورها من سورة البقرة بأن بينت حال المرتابين وأسباب ريبهم، وفصلت في صفات المتقين، وفصلت في الأساس الذي تنبثق عنه العبادة، والفرار إلى الله وهو يتمثل في آيات الله التي تدل عليه، وفي اليوم الآخر، وفي الخوف من عذاب الله في الدنيا، وهذه المعاني هي أرضية التقوى، والملاحظ أنه قد أصاب كلا من آيات المحور شئ من التفصيل من الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ إلى الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ إلى وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ إلى وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ إلى وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ إلى وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ إلى أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. فقد فصلت السورة في هذه المعاني على تفاوت في التفصيل، وفصلت في الأرضية التي تقوم عليها هذه المعاني، وفي الكلمة الأخيرة عن السورة زيادة بيان فلننقل بعض الفوائد:

стр. 5250

فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: وَالذَّارِياتِ ذَرْواً* فَالْحامِلاتِ وِقْراً* فَالْجارِياتِ يُسْراً* فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً ... قال ابن كثير: (قال شعبة بن الحجاج ... عن أبي الطفيل أنه سمع عليا ﵁، وثبت أيضا من غير وجه عن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ﵁ أنه صعد منبر الكوفة فقال: لا تسألوني عن آية في كتاب الله تعالى ولا عن سنة رسول الله ﷺ إلا أنبأتكم بذلك، فقام إليه ابن الكواء فقال يا أمير المؤمنين ما معنى قوله تعالى وَالذَّارِياتِ ذَرْواً؟ قال علي ﵁: الريح، قال فَالْحامِلاتِ وِقْراً؟ قال ﵁: السحاب، قال فَالْجارِياتِ يُسْراً؟ قال ﵁: السفن، قال فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً؟ قال ﵁: الملائكة). ٢ - عند قوله تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ قال ابن كثير: (روى ابن جرير عن أبي قلابة عن رجل من أصحاب النبي ﷺ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن من ورائكم الكذاب المضل، وإن رأسه من ورائه حبكا حبكا» يعني بالحبك: الجعودة، وعن أبي صالح ذاتِ الْحُبُكِ الشدة، وقال خصيف ذاتِ الْحُبُكِ ذات الصفاقة، وقال الحسن بن أبي الحسن البصري ذاتِ الْحُبُكِ حبكت بالنجوم). أقول: من مثل هذه الأقوال يمكن أن نفهم أن المراد بالحبك في الآية المجرات. ٣ - بمناسبة قوله تعالى: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ قال ابن كثير: (وقال الحسن البصري كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ كابدوا قيام الليل فلا ينامون من الليل إلا أقله، ونشطوا فمدوا إلى السحر، حتى كان الاستغفار بسحر، وقال قتادة: قال الأحنف بن قيس: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ كانوا لا ينامون إلا قليلا، ثم يقول: لست من أهل هذه الآية. وقال الحسن البصري: كان الأحنف بن قيس يقول عرضت عملي على عمل أهل الجنة فإذا قوم قد باينونا بونا بعيدا، إذا قوم لا نبلغ أعمالهم كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، وعرضت عملي على عمل أهل النار فإذا قوم لا خير فيهم، مكذبون بكتاب الله وبرسل الله، مكذبون بالبعث بعد الموت، فقد وجدت من خيرنا منزلة قوما خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال رجل من بني تميم لأبي: يا أبا أسامة: صفة

стр. 5251

لا أجدها فينا، ذكر الله تعالى قوما فقال: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ونحن والله قليلا من الليل ما نقوم، فقال له أبي ﵁ طوبى لمن رقد إذا نعس، واتقى إذا استيقظ. وقال عبد الله بن سلام ﵁: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه، فكنت فيمن انجفل، فلما رأيت وجهه ﷺ عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب، فكان أول ما سمعته ﷺ يقول: «يا أيها الناس أطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وأفشوا السلام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام». وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها» فقال أبو موسى الأشعري ﵁: لمن هي يا رسول الله؟ قال ﷺ : «لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وبات لله قائما والناس نيام» وقال معمر في قوله تعالى كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ: كان الزهري والحسن يقولان: كانوا كثيرا من الليل ما يصلون، وقال ابن عباس ﵄ وإبراهيم النخعي كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ما ينامون). ٤ - بمناسبة قوله تعالى: وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ قال ابن كثير: (وقال مجاهد وغير واحد: يصلون، وقال آخرون: قاموا الليل وأخروا الاستغفار إلى الأسحار، كما قال ﵎ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ فإن كان الاستغفار في صلاة فهو أحسن. وقد ثبت في الصحاح وغيرها عن جماعة من الصحابة ﵃ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: «هل من تائب فأتوب عليه، هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فيعطى سؤله؟ حتى يطلع الفجر». وقال كثير من المفسرين في قوله تعالى إخبارا عن يعقوب أنه قال لبنيه: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي قالوا: أخرهم إلى وقت السحر). ٥ - بمناسبة قوله تعالى: وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ قال ابن كثير: (أي جزء مقسوم قد أفرزوه للسائل والمحروم، أما السائل فمعروف، وهو الذي يبتدئ بالسؤال وله حق، كما روى الإمام أحمد ... عن فاطمة بنت الحسين ابن علي ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «للسائل حق وإن جاء على فرس» ورواه أبو داود من حديث سفيان الثوري به. ثم أسنده من وجه آخر عن علي بن أبي طالب ﵁. وروي من حديث الهرماس بن زياد مرفوعا، وأما المحروم

стр. 5252

فقال ابن عباس ﵄ ومجاهد: هو المحارف الذي ليس له في الإسلام سهم، يعني: لا سهم له في بيت المال، ولا كسب له، ولا حرفة يتقوت منها، وقالت أم المؤمنين عائشة ﵂: هو المحارف الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه، وقال الضحاك: هو الذي لا يكون له مال إلا ذهب، قضى الله تعالى له ذلك، وقال أبو قلابة: جاء سيل باليمامة فذهب بمال رجل، فقال رجل من الصحابة ﵃: هذا المحروم، وقال ابن عباس ﵄ أيضا وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي ونافع مولى ابن عمر ﵄، وعطاء بن أبي رباح: المحروم: المحارف، وقال قتادة والزهري: المحروم: الذي لا يسأل الناس شيئا. قال الزهري: وقد قال رسول الله ﷺ : «ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غني يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه» وهذا الحديث قد أسنده الشيخان في صحيحيهما من وجه آخر، وقال سعيد بن جبير: هو الذي يجئ وقد قسم المغنم فيرضخ له. وقال محمد بن إسحاق حدثني بعض أصحابنا قال: كنا مع عمر بن عبد العزيز ﵁ في طريق مكة، فجاء كلب فانتزع عمر ﵁ كتف شاة فرمى بها إليه، وقال: يقولون: إنه المحروم، وقال الشعبي: أعياني أن أعلم ما المحروم، واختار ابن جرير أن المحروم الذي لا مال له بأي سبب كان، وقد ذهب ماله، سواء كان لا يقدر على الكسب أو قد هلك ماله أو نحوه بآفة أو نحوها. وقال الثوري عن قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ بعث سرية فغنموا، فجاءه قوم لم يشهدوا الغنيمة فنزلت هذه الآية وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وهذا يقتضي أن هذه مدنية، وليس كذلك، بل هي مكية شاملة لما بعدها). ٦ - بمناسبة قوله تعالى: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ قال ابن كثير: (روى مسدد عن الحسن البصري قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله أقواما أقسم لهم ربهم ثم لم يصدقوا» ورواه ابن جرير- بسنده- عن الحسن مرسلا). ٧ - من مظاهر إعجاز القرآن عدم اختلافه، ومن ذلك أنك تجد سورة تبرز معنى، فتأتي سورة أخرى فتتحدث عنه، ومن الربط بين المعنيين تستشعر أن مثل هذه الدقة يستحيل أن تكون في كتاب بشري، فمثلا في قصة إبراهيم- في سورة الذاريات- يوجد قوله تعالى: فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ قال ابن كثير: أي في

стр. 5253

صرخة عظيمة ورنة، وقال الله في سورة هود: قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً ... فالصرة الواردة في سورة الذاريات يفسرها ما ذكر الله على لسانها في سورة هود على رأي ابن عباس ومجاهد وعكرمة وكثيرين من المفسرين. ٨ - نادرا من الناس من يحسن التفريق بين ماهية الإسلام، وماهية الإيمان؛ لأن النصوص الواردة في ذلك متعددة، ولا يحسن كل إنسان توجيهها، قال تعالى في سورة الذاريات: فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ* فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فههنا الإسلام هو الإيمان، بينما رأينا في سورة الحجرات قوله تعالى: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ ... فههنا تفريق بين الإسلام والإيمان، فكيف يجمع بين ما ورد في سورة الحجرات، وما ورد في سورة الذاريات؟ أقول: الإسلام الكامل والإيمان الكامل مترادفان، لأن الإيمان الكامل ما وقر في القلب وصدقه العمل، والإسلام الكامل إسلام القلب والجوارح لله بدينه وشريعته، وقد يوجد- أحيانا- تصديق ولا عمل، وقد يوجد عمل والإيمان الذوقي غير مستقر، وقد يوجد عمل ولا إيمان، ومن ثم يختلف في هذه الصور مفهوم الإيمان عن مفهوم الإسلام، وقد عبر ابن كثير عما ذكرناه تعبيرا لطيفا فقال بمناسبة آيتي سورة الذاريات: (احتج بهذه من ذهب إلى رأي المعتزلة ممن لا يفرق بين مسمى الإيمان والإسلام، لأنه أطلق عليهم المؤمنين والمسلمين، وهذا الاستدلال ضعيف، لأن هؤلاء كانوا قوما مؤمنين، وعندنا أن كل مؤمن مسلم ولا ينعكس، فاتفق الاسمان هاهنا لخصوصية الحال، ولا يلزم ذلك في كل حال). ٩ - بمناسبة الكلام عن عاد وهلاكها بالريح العقيم قال ابن كثير: (وقد ثبت في الصحيح عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور»). ١٠ - بمناسبة قوله تعالى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ نقول: إن من القفزات العلمية الكبيرة في تاريخ العلوم الكونية نظريات أينشتاين اليهودي، الذي طرح- لأول مرة في تاريخ البشرية- نظرية عن سعة الكون لم يسبق إليها، حتى صار بعضهم يطلق كلمة الكون الأينشتايني للتعبير عن الكون الواسع، ومع كلامه عن سعة الكون كان يقول: إن الكون ثابت الأبعاد، ثم كان أن صنعت المجاهر الضخمة

стр. 5254

فأكدت سعة الكون بما لم يكن يخطر على قلب بشر من قبل، ولكن تبين أن الكون في حالة توسع مطرد، فقد لوحظ من خلال الرصد أن مجرات الكون تنطلق بعيدا عن مركز الكون بسرعة هائلة، ولقد قالوا: إن النظرية الوحيدة من نظريات أينشتاين التي نقضها العلماء هي نظريته في ثبات الكون (راجع العدد الذي يتحدث عن أينشتاين من سلسلة اقرأ) والملاحظ أن قوله تعالى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ قد استعمل فيه اسم الفاعل (موسع) واسم الفاعل في اللغة العربية يفيد- في بعض الحالات- الاستمرار، ومن ثم فإن الآية هنا تشير إلى سعة الكون من ناحية، كما تشير إلى موضوع تمدد الكون وتوسعه المطرد، وفي ذلك ما فيه من إعجاز وسع به هذا القرآن الزمان والمكان، فالذين يريدون أن يعطلوا العمل بهذا القرآن بسبب تقدم العلوم عليهم أن يراجعوا أنفسهم قبل فوات الأوان. ١١ - بمناسبة قوله تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ قال ابن كثير: (أي جميع المخلوقات: أزواج، سماء وأرض، وليل ونهار، وشمس وقمر، وبر وبحر، وضياء وظلام، وإيمان وكفر، وموت وحياة، وشقاء وسعادة، وجنة ونار، حتى الحيوانات والنباتات، ولهذا قال تعالى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي: لتعلموا أن الخالق واحد لا شريك له). أقول: في عصرنا اتضح معنى الزوجية بشكل أوسع حتى شمل الحيوان والنبات والجماد والمجرات، فما من ذرة إلا وعنصر الزوجية فيها موجود، والآية قالت: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ فكان فيما اكتشفه الإنسان حتى الآن في هذا الموضوع معجزة من معجزات القرآن. ١٢ - إن على الدعاة إلى الله أن يفطنوا إلى دقائق في التربية والدعوة تعرضها علينا نصوص الكتاب والسنة، لأن التفطن لذلك يختصر لنا الطريق، فمثلا ختمت سورة (ق) بقوله تعالى فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ فالذي لا يخاف وعيد الله له خطاب آخر، أما الذي يخاف وعيد الله، فيكفي أن نذكره بالقرآن، حتى يثوب، ومن ثم فعلى المؤمنين أن يذكر بعضهم بعضا بالقرآن إذا رأوا انحرافا من أنفسهم عنه، وفي قوله تعالى في سورة الذاريات: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ما يدل على أن التذكير لا بد أن ينتفع به المؤمن، ومن ثم فلا يصح أن يقول أحد منا: لا فائدة من الكلام فيسكت، سواء مع إخوانه، أو مع المسلمين، فالمسلمون بفضل الله لا زال

стр. 5255

في قلوبهم إيمان، والذين قبلوا حمل دعوة الله هم مظنة الخير، وعلى الواحد منا أن يذكر حيثما وجد فرصة، فلا بد أن تترك الذكرى أثرها في نفس المؤمن إن لم يكن حالا فمآلا، إن من أخطر أمراض المسلمين أن ينتشر بينهم الشعور بأنه لا فائدة من التذكير أو العمل. إن على كل مسلم أن يرث عن رسول الله ﷺ صفة التذكير لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ورسولنا ﵊ أمرنا بالتبليغ، والناس أمامنا قسمان: مؤمنون وكافرون، والكافرون قسمان: قسم ليس لوعيد الله في قلبه محل، وقسم لا زال لوعيد الله في قلبه محل، فأما المؤمن فلا شك أن الذكرى تنفعه، وأما من كان في قلبه محل لوعيد الله فربما انتفع بالتذكير في القرآن، هذا عمر كان كافرا فأسلم على أثر قراءته لشئ من القرآن، كما تذكر بعض الروايات، وأما من ليس في قلبه محل للخوف من وعيد الله، فهذا نقطة البداية في حقه أن تقيم عليه الحجة بوجود الله ثم تسير. ١٣ - بمناسبة قوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ قال صاحب الظلال: (إن معنى العبادة- التي هي غاية الوجود الإنساني، أو التي هي وظيفة الإنسان الأولى- أوسع وأشمل من مجرد الشعائر؛ وإن وظيفة الخلافة داخلة في مدلول العبادة قطعا. وإن حقيقة العبادة تتمثل إذن في أمرين رئيسيين: الأول: هو استقرار معنى العبودية لله في النفس. أي استقرار الشعور على أن هناك عبدا وربا. عبدا يعبد. وربا يعبد. وأن ليس وراء ذلك شئ؛ وأن ليس هناك إلا هذا الوضع وهذا الاعتبار. ليس في هذا الوجود إلا عابد ومعبود؛ وإلا رب واحد والكل له عبيد. والثاني: هو التوجه إلى الله بكل حركة في الضمير، وكل حركة في الجوارح، وكل حركة في الحياة. التوجه بها إلى الله خالصة، والتجرد من كل شعور آخر؛ ومن كل معنى غير معنى التعبد لله. بهذا وذلك يتحقق معنى العبادة؛ ويصبح العمل كالشعائر، والشعائر كعمارة الأرض، وعمارة الأرض كالجهاد في سبيل الله، والجهاد في سبيل الله كالصبر على الشدائد والرضى بقدر الله .. كلها عبادة؛ وكلها تحقيق للوظيفة الأولى التي خلق الله الجن والإنس لها؛ وكلها خضوع للناموس العام الذي يتمثل في عبودية كل شئ لله
следующие страницы →