← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

لا أجدها فينا، ذكر الله تعالى قوما فقال: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ونحن والله قليلا من الليل ما نقوم، فقال له أبي ﵁ طوبى لمن رقد إذا نعس، واتقى إذا استيقظ. وقال عبد الله بن سلام ﵁: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه، فكنت فيمن انجفل، فلما رأيت وجهه ﷺ عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب، فكان أول ما سمعته ﷺ يقول: «يا أيها الناس أطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وأفشوا السلام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام». وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها» فقال أبو موسى الأشعري ﵁: لمن هي يا رسول الله؟ قال ﷺ : «لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وبات لله قائما والناس نيام» وقال معمر في قوله تعالى كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ: كان الزهري والحسن يقولان: كانوا كثيرا من الليل ما يصلون، وقال ابن عباس ﵄ وإبراهيم النخعي كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ما ينامون). ٤ - بمناسبة قوله تعالى: وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ قال ابن كثير: (وقال مجاهد وغير واحد: يصلون، وقال آخرون: قاموا الليل وأخروا الاستغفار إلى الأسحار، كما قال ﵎ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ فإن كان الاستغفار في صلاة فهو أحسن. وقد ثبت في الصحاح وغيرها عن جماعة من الصحابة ﵃ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: «هل من تائب فأتوب عليه، هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فيعطى سؤله؟ حتى يطلع الفجر». وقال كثير من المفسرين في قوله تعالى إخبارا عن يعقوب أنه قال لبنيه: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي قالوا: أخرهم إلى وقت السحر). ٥ - بمناسبة قوله تعالى: وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ قال ابن كثير: (أي جزء مقسوم قد أفرزوه للسائل والمحروم، أما السائل فمعروف، وهو الذي يبتدئ بالسؤال وله حق، كما روى الإمام أحمد ... عن فاطمة بنت الحسين ابن علي ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «للسائل حق وإن جاء على فرس» ورواه أبو داود من حديث سفيان الثوري به. ثم أسنده من وجه آخر عن علي بن أبي طالب ﵁. وروي من حديث الهرماس بن زياد مرفوعا، وأما المحروم

стр. 5252

فقال ابن عباس ﵄ ومجاهد: هو المحارف الذي ليس له في الإسلام سهم، يعني: لا سهم له في بيت المال، ولا كسب له، ولا حرفة يتقوت منها، وقالت أم المؤمنين عائشة ﵂: هو المحارف الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه، وقال الضحاك: هو الذي لا يكون له مال إلا ذهب، قضى الله تعالى له ذلك، وقال أبو قلابة: جاء سيل باليمامة فذهب بمال رجل، فقال رجل من الصحابة ﵃: هذا المحروم، وقال ابن عباس ﵄ أيضا وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي ونافع مولى ابن عمر ﵄، وعطاء بن أبي رباح: المحروم: المحارف، وقال قتادة والزهري: المحروم: الذي لا يسأل الناس شيئا. قال الزهري: وقد قال رسول الله ﷺ : «ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غني يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه» وهذا الحديث قد أسنده الشيخان في صحيحيهما من وجه آخر، وقال سعيد بن جبير: هو الذي يجئ وقد قسم المغنم فيرضخ له. وقال محمد بن إسحاق حدثني بعض أصحابنا قال: كنا مع عمر بن عبد العزيز ﵁ في طريق مكة، فجاء كلب فانتزع عمر ﵁ كتف شاة فرمى بها إليه، وقال: يقولون: إنه المحروم، وقال الشعبي: أعياني أن أعلم ما المحروم، واختار ابن جرير أن المحروم الذي لا مال له بأي سبب كان، وقد ذهب ماله، سواء كان لا يقدر على الكسب أو قد هلك ماله أو نحوه بآفة أو نحوها. وقال الثوري عن قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ بعث سرية فغنموا، فجاءه قوم لم يشهدوا الغنيمة فنزلت هذه الآية وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وهذا يقتضي أن هذه مدنية، وليس كذلك، بل هي مكية شاملة لما بعدها). ٦ - بمناسبة قوله تعالى: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ قال ابن كثير: (روى مسدد عن الحسن البصري قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله أقواما أقسم لهم ربهم ثم لم يصدقوا» ورواه ابن جرير- بسنده- عن الحسن مرسلا). ٧ - من مظاهر إعجاز القرآن عدم اختلافه، ومن ذلك أنك تجد سورة تبرز معنى، فتأتي سورة أخرى فتتحدث عنه، ومن الربط بين المعنيين تستشعر أن مثل هذه الدقة يستحيل أن تكون في كتاب بشري، فمثلا في قصة إبراهيم- في سورة الذاريات- يوجد قوله تعالى: فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ قال ابن كثير: أي في

стр. 5253

صرخة عظيمة ورنة، وقال الله في سورة هود: قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً ... فالصرة الواردة في سورة الذاريات يفسرها ما ذكر الله على لسانها في سورة هود على رأي ابن عباس ومجاهد وعكرمة وكثيرين من المفسرين. ٨ - نادرا من الناس من يحسن التفريق بين ماهية الإسلام، وماهية الإيمان؛ لأن النصوص الواردة في ذلك متعددة، ولا يحسن كل إنسان توجيهها، قال تعالى في سورة الذاريات: فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ* فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فههنا الإسلام هو الإيمان، بينما رأينا في سورة الحجرات قوله تعالى: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ ... فههنا تفريق بين الإسلام والإيمان، فكيف يجمع بين ما ورد في سورة الحجرات، وما ورد في سورة الذاريات؟ أقول: الإسلام الكامل والإيمان الكامل مترادفان، لأن الإيمان الكامل ما وقر في القلب وصدقه العمل، والإسلام الكامل إسلام القلب والجوارح لله بدينه وشريعته، وقد يوجد- أحيانا- تصديق ولا عمل، وقد يوجد عمل والإيمان الذوقي غير مستقر، وقد يوجد عمل ولا إيمان، ومن ثم يختلف في هذه الصور مفهوم الإيمان عن مفهوم الإسلام، وقد عبر ابن كثير عما ذكرناه تعبيرا لطيفا فقال بمناسبة آيتي سورة الذاريات: (احتج بهذه من ذهب إلى رأي المعتزلة ممن لا يفرق بين مسمى الإيمان والإسلام، لأنه أطلق عليهم المؤمنين والمسلمين، وهذا الاستدلال ضعيف، لأن هؤلاء كانوا قوما مؤمنين، وعندنا أن كل مؤمن مسلم ولا ينعكس، فاتفق الاسمان هاهنا لخصوصية الحال، ولا يلزم ذلك في كل حال). ٩ - بمناسبة الكلام عن عاد وهلاكها بالريح العقيم قال ابن كثير: (وقد ثبت في الصحيح عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور»). ١٠ - بمناسبة قوله تعالى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ نقول: إن من القفزات العلمية الكبيرة في تاريخ العلوم الكونية نظريات أينشتاين اليهودي، الذي طرح- لأول مرة في تاريخ البشرية- نظرية عن سعة الكون لم يسبق إليها، حتى صار بعضهم يطلق كلمة الكون الأينشتايني للتعبير عن الكون الواسع، ومع كلامه عن سعة الكون كان يقول: إن الكون ثابت الأبعاد، ثم كان أن صنعت المجاهر الضخمة

стр. 5254

فأكدت سعة الكون بما لم يكن يخطر على قلب بشر من قبل، ولكن تبين أن الكون في حالة توسع مطرد، فقد لوحظ من خلال الرصد أن مجرات الكون تنطلق بعيدا عن مركز الكون بسرعة هائلة، ولقد قالوا: إن النظرية الوحيدة من نظريات أينشتاين التي نقضها العلماء هي نظريته في ثبات الكون (راجع العدد الذي يتحدث عن أينشتاين من سلسلة اقرأ) والملاحظ أن قوله تعالى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ قد استعمل فيه اسم الفاعل (موسع) واسم الفاعل في اللغة العربية يفيد- في بعض الحالات- الاستمرار، ومن ثم فإن الآية هنا تشير إلى سعة الكون من ناحية، كما تشير إلى موضوع تمدد الكون وتوسعه المطرد، وفي ذلك ما فيه من إعجاز وسع به هذا القرآن الزمان والمكان، فالذين يريدون أن يعطلوا العمل بهذا القرآن بسبب تقدم العلوم عليهم أن يراجعوا أنفسهم قبل فوات الأوان. ١١ - بمناسبة قوله تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ قال ابن كثير: (أي جميع المخلوقات: أزواج، سماء وأرض، وليل ونهار، وشمس وقمر، وبر وبحر، وضياء وظلام، وإيمان وكفر، وموت وحياة، وشقاء وسعادة، وجنة ونار، حتى الحيوانات والنباتات، ولهذا قال تعالى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي: لتعلموا أن الخالق واحد لا شريك له). أقول: في عصرنا اتضح معنى الزوجية بشكل أوسع حتى شمل الحيوان والنبات والجماد والمجرات، فما من ذرة إلا وعنصر الزوجية فيها موجود، والآية قالت: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ فكان فيما اكتشفه الإنسان حتى الآن في هذا الموضوع معجزة من معجزات القرآن. ١٢ - إن على الدعاة إلى الله أن يفطنوا إلى دقائق في التربية والدعوة تعرضها علينا نصوص الكتاب والسنة، لأن التفطن لذلك يختصر لنا الطريق، فمثلا ختمت سورة (ق) بقوله تعالى فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ فالذي لا يخاف وعيد الله له خطاب آخر، أما الذي يخاف وعيد الله، فيكفي أن نذكره بالقرآن، حتى يثوب، ومن ثم فعلى المؤمنين أن يذكر بعضهم بعضا بالقرآن إذا رأوا انحرافا من أنفسهم عنه، وفي قوله تعالى في سورة الذاريات: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ما يدل على أن التذكير لا بد أن ينتفع به المؤمن، ومن ثم فلا يصح أن يقول أحد منا: لا فائدة من الكلام فيسكت، سواء مع إخوانه، أو مع المسلمين، فالمسلمون بفضل الله لا زال

стр. 5255

في قلوبهم إيمان، والذين قبلوا حمل دعوة الله هم مظنة الخير، وعلى الواحد منا أن يذكر حيثما وجد فرصة، فلا بد أن تترك الذكرى أثرها في نفس المؤمن إن لم يكن حالا فمآلا، إن من أخطر أمراض المسلمين أن ينتشر بينهم الشعور بأنه لا فائدة من التذكير أو العمل. إن على كل مسلم أن يرث عن رسول الله ﷺ صفة التذكير لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ورسولنا ﵊ أمرنا بالتبليغ، والناس أمامنا قسمان: مؤمنون وكافرون، والكافرون قسمان: قسم ليس لوعيد الله في قلبه محل، وقسم لا زال لوعيد الله في قلبه محل، فأما المؤمن فلا شك أن الذكرى تنفعه، وأما من كان في قلبه محل لوعيد الله فربما انتفع بالتذكير في القرآن، هذا عمر كان كافرا فأسلم على أثر قراءته لشئ من القرآن، كما تذكر بعض الروايات، وأما من ليس في قلبه محل للخوف من وعيد الله، فهذا نقطة البداية في حقه أن تقيم عليه الحجة بوجود الله ثم تسير. ١٣ - بمناسبة قوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ قال صاحب الظلال: (إن معنى العبادة- التي هي غاية الوجود الإنساني، أو التي هي وظيفة الإنسان الأولى- أوسع وأشمل من مجرد الشعائر؛ وإن وظيفة الخلافة داخلة في مدلول العبادة قطعا. وإن حقيقة العبادة تتمثل إذن في أمرين رئيسيين: الأول: هو استقرار معنى العبودية لله في النفس. أي استقرار الشعور على أن هناك عبدا وربا. عبدا يعبد. وربا يعبد. وأن ليس وراء ذلك شئ؛ وأن ليس هناك إلا هذا الوضع وهذا الاعتبار. ليس في هذا الوجود إلا عابد ومعبود؛ وإلا رب واحد والكل له عبيد. والثاني: هو التوجه إلى الله بكل حركة في الضمير، وكل حركة في الجوارح، وكل حركة في الحياة. التوجه بها إلى الله خالصة، والتجرد من كل شعور آخر؛ ومن كل معنى غير معنى التعبد لله. بهذا وذلك يتحقق معنى العبادة؛ ويصبح العمل كالشعائر، والشعائر كعمارة الأرض، وعمارة الأرض كالجهاد في سبيل الله، والجهاد في سبيل الله كالصبر على الشدائد والرضى بقدر الله .. كلها عبادة؛ وكلها تحقيق للوظيفة الأولى التي خلق الله الجن والإنس لها؛ وكلها خضوع للناموس العام الذي يتمثل في عبودية كل شئ لله

стр. 5256

دون سواه) أ. هـ. مع تصرف بسيط. ١٤ - بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ عن ربه : «يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك» ورواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: حسن غريب. وقد روى الإمام أحمد عن سلام بن شرحبيل سمعت حبة وسوأة ابني خالد يقولان: أتينا رسول الله ﷺ وهو يعمل عملا أو يبني بناء- وقال أبو معاوية يصلح شيئا- فأعناه عليه، فلما فرغ دعا لنا وقال: «لا تيأسا من الرزق ما تهزهزت رءوسكما، فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشرة، ثم يعطيه الله ويرزقه»). كلمة أخيرة في سورة الذاريات: ١ - في هذا الكون مظاهر من الإبداع والجمال لا تتناهى؛ لأن الله من أسمائه البديع، فهو بديع السموات والأرض، وفي هذا القرآن مظاهر من الإبداع لا تتناهى؛ لأنه كلام الله البديع. إنك لتجد الإبداع في كل شئ في هذا القرآن: في العرض، والأسلوب، والتفصيل، والكلمة، والآية، والمعنى، والجرس، والسياق، وتأمل سورة الذاريات لتجد مظاهر الإبداع لا تتناهى، وذلك شأن القرآن كله. ٢ - بدأت السورة بالحديث عن اليوم الآخر، لتصل إلى الحديث عن آيات الله التي لا يعرفها إلا من أيقن باليوم الآخر، لتصل إلى ضرورة الفرار إلى الله الذي لا يفعله إلا من عرف آيات الله في الكون والأنفس والتاريخ، ومن مثل هذا تجد الترابط بين معاني السورة على أشده. ٣ - وقد تحدث محور السورة من سورة البقرة عن المتقين، وفصلت سورة الذاريات في التقوى وأسبابها، وعاقبة أهلها، ودلت على الطريق إليها. ٤ - وقد جاءت سورة الذاريات بعد سورة (ق) التي انتهت بذكر التذكير والوعيد، قال تعالى في سورة (ق): فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ،

стр. 5257

وها هي ذي سورة الذاريات تبدأ بالوعيد وتنتهي بالوعيد: وَالذَّارِياتِ ذَرْواً* ... إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ هذه بداية السورة، وهذه نهايتها: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ، وفي سياق سورة الذاريات جاء قوله تعالى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ، فما بين معانى سورة الذاريات، وما بين خاتمة سورة (ق) روابط كثيرة. إنك عند ما تتأمل صلات سورة الذاريات بما قبلها، وصلاتها بما بعدها، وصلاتها بمحورها من سورة البقرة، ثم إذا تأملت سياقها الخاص، وما حوته من معجزات، ثم وثم، فإنك تجد مظاهر من الإبداع والإعجاز لا تتناهى. ***

стр. 5258

سورة الطور وهي السورة الثانية والخمسون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثانية من المجموعة الأولى من قسم المفصل وآياتها تسع وأربعون آية وهي مكية

стр. 5259

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 5260

بين يدي سورة الطور: ١ - قال الألوسي في تقديمه لسورة الطور: ((مكية) كما روي عن ابن عباس وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم، ولم نقف على استثناء شئ منها، وهي تسع وأربعون آية في الكوفي والشامي، وثمان وأربعون في البصري، وسبع وأربعون في الحجازي، ومناسبة أولها لآخر ما قبلها اشتمال كل على الوعيد، وقال الجلال السيوطي: وجه وضعها بعد الذاريات تشابههما في المطلع والمقطع، فإن في مطلع كل منهما صفة حال المتقين، وفي مقطع كل منهما صفة حال الكفار، ولا يخفى ما بين السورتين الكريمتين من الاشتراك في غير ذلك). ٢ - وقال صاحب الظلال في تقديمه لهذه السورة: (هذه السورة تمثل حملة عميقة التأثير في القلب البشري. ومطاردة عنيفة للهواجس والشكوك والشبهات والأباطيل التي تساوره وتتدسس إليه وتختبئ هنا وهناك في حناياه. ودحض لكل حجة وكل عذر قد يتخذه للحيدة عن الحق والزيغ عن الإيمان .. حملة لا يصمد لها قلب يتلقاها، وهي تلاحقه حتى تلجئه إلى الإذعان والاستسلام! وهي حملة يشترك فيها اللفظ والعبارة، والمعنى والمدلول، والصور والظلال، والإيقاعات الموسيقية لمقاطع السورة وفواصلها على السواء. ومن بدء السورة إلى ختامها تتوالى آياتها كما لو كانت قذائف، وإيقاعاتها كما لو كانت صواعق، وصورها وظلالها كما لو كانت سياطا لاذعة للحس لا تمهله لحظة واحدة من البدء إلى الختام!). كلمة في سورة الطور ومحورها: تبدأ السورة بمقدمة تتحدث عن مجئ يوم القيامة، وبعض ما يحدث فيه، وتعرض أنواعا من العذاب الذي ينزل بالمكذبين، ثم تتحدث عن المتقين وما لهم، وعما استحقوا بسببه هذا النعيم المقيم، ثم تأمر السورة رسول الله ﷺ بالتذكير، وترد على مطاعن الكافرين وتصوراتهم، ثم تسير السورة حتى تنتهي بالأمر بالصبر والتسبيح بحمد الله، وككل سورة من سور القرآن فإن للسورة سياقها الخاص بها، ثم هي في الوقت نفسه تفصل في محورها من سورة البقرة، وهو الآيات الأولى منها: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ

стр. 5261

هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فهي تكمل البناء الذي بدأته سورة الذاريات، فلئن كانت سورة الذاريات قد أمرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتذكير، وبينت أن الذكرى تنفع المؤمنين، فهذه تأمره بالتذكير المطلق، وتحدد له معالم يناقش بها الكافرين، وإذا كانت سورة الذاريات قد ذكرت الحكمة من خلق الخلق وهي العبادة، فهذه السورة تأمر بأنواع من العبادة، وإذا كانت سورة الذاريات قد وصفت المتقين بأنهم كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، فهذه السورة تأمر بالتسبيح بحمد الله في قيام الليل، وعند الأسحار، وإذا كانت سورة الذاريات أجملت في تفصيل نعيم أهل الجنة، وبما استحقوا هذا النعيم، فإن سورة الطور تفصل في ذلك، كما أنها تفصل في عذاب الكافرين، وفي ما استحقوه، وكل ذلك يأتي ضمن سياق السورة الخاص: فالسورة تبدأ بالقسم على أن عذاب الله آت، وتبين كيف يعذب الكافرون وينعم المتقون، وإذا كان أمام الإنسان ما أمامه، فليذكر رسول الله ﷺ هذا الإنسان، وليناقش الكافرين، وإذا كان الكفار مع وجود الآيات يكفرون، فليتركهم رسول الله ﷺ لمصيرهم، وليصبر، وليسبح بحمد الله في ليله ونهاره. إن فلاح المتقين يظهر في شيئين: في الخلاص من العذاب، وفي تذوق النعيم، والسورة تبين هذا وهذا، ولقد ركزت سورة الذاريات على الصلاة والإنفاق من صفات المتقين، وتركز سورة الطور على الإيمان من صفات المتقين: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وركزت على الخوف والعبادة كطريقي نجاة: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ* فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ* إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ. وهكذا نجد تفصيلا بشكل ما للآيات الأولى من سورة البقرة: سواء في ذلك قوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ فسورة الطور تناقش الذين لا يهتدون بكتاب الله: أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ* فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ. - أو قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ فسورة الطور تبين عذاب المكذبين، وتناقشهم، وتبين أن كل النعيم الذي يناله المتقون هم وذرياتهم بسبب الإيمان.

стр. 5262

- أو قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ. فسورة الطور تأمر رسول الله ﷺ أن يذكر، وهو الذي أنزل عليه القرآن فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ* أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ* قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ* أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ* أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ ... ، وتأمر رسول الله ﷺ الذي أنزل عليه القرآن أن يقابل مواقف الكافرين والمكذبين: فَذَرْهُمْ ... وَاصْبِرْ .... - أو قوله تعالى في مقدمة سورة البقرة: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. فسورة الطور تذكر أن سبب النجاة: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ. - أو قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. فسورة الطور تبين مظاهر فلاحهم، وأي فلاح أكبر من الفوز بالجنة، والخلاص من النار. وكما أن سورة الطور تفصل بشكل رئيسي في الآيات الأولى لمقدمة سورة البقرة، فهي تفصل في ارتباطات هذه الآيات وفي امتداداتها. فالسور الثلاث: الذاريات، والطور، والنجم، تفصل بشكل رئيسي في الآيات الخمس الأولى من سورة البقرة، وسورة القمر بعد ذلك تفصل بشكل رئيسي في الآيتين السادسة والسابعة من مقدمة سورة البقرة، ولكن كلا من هذه السور تفصل في ارتباطات محورها وفي امتداداته، ولذلك فإن كلا من السور الأربع تتحدث عن الكافرين والمتقين، كما أن السور الثلاث فيها أوامر بالعبادة التي هي إحدى المعاني البارزة في المقطع الذي يأتي بعد مقدمة سورة البقرة. ... ولقد قلنا من قبل إن السورة وهي تفصل في محورها، تشد إلى هذا المحور من معاني سورة البقرة ما هو ألصق به، أو ما هو الألصق بمعنى من معانيه، فمع رؤيتنا سورا كثيرة تفصل في محور واحد، ففي كل مرة نجد تفصيلا جديدا، ونجد ربطا للمحور على طريقة جديدة. ... ومع أن لسورة الطور سياقها، ومع أنها تفصل في محورها، فإن لها صلاتها بما قبلها وما بعدها، وخاصة في أواخر السورة التي سبقتها، فالملاحظ أن سورة

стр. 5263

الذاريات ختمت بقوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ بينما نجد سورة الطور مبدوءة بالكلام عن عذاب الله الواقع بالكافرين: وَالطُّورِ* وَكِتابٍ مَسْطُورٍ* فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ* وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ* وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ* وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ* إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ* ما لَهُ مِنْ دافِعٍ* يَوْمَ ... فنهاية سورة الذاريات تذكر الويل للكافرين من اليوم الموعود، وبداية سورة الطور فيها قسم على وقوع هذا اليوم، وهي في الوقت نفسه تذكر الويل: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ* ما لَهُ مِنْ دافِعٍ* يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً* وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً* فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ* الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ* يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا* هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ* أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ لاحظ قوله تعالى: أَفَسِحْرٌ هذا وتذكر أنه في أواخر سورة الذاريات جاء قوله تعالى: كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ وها هي ذي سورة الطور فيها: فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ. ... إن هذا المظهر من مظاهر التكامل بين سور القرآن، وهو مظهر من مظاهر وحدة المجموعة الواحدة من سور القسم، والأمر أوسع من هذا بكثير، إنه القرآن الذي لا تنقضي عجائبه. هذا وتتألف سورة الطور من ثلاث مجموعات وسنعرض كل مجموعة على حدة. ***

стр. 5264

المجموعة الأولى من سورة الطور وتمتد من الآية (١) إلى نهاية الآية (١٦) وهي مقدمة السورة وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الطور (٥٢): الآيات ١ الى ١٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً (٩) وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦) التفسير: وَالطُّورِ قال ابن كثير: (هو الجبل الذي يكون فيه أشجار مثل الذي كلم الله عليه موسى ... وما لم يكن فيه شجر لا يسمى طورا، وإنما يقال له جبل) وهل المراد به هنا جبل بعينه؟ قال النسفي: (هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى بمدين). وَكِتابٍ مَسْطُورٍ قال ابن كثير: (قيل: هو اللوح المحفوظ، وقيل الكتب المنزلة المكتوبة التي تقرأ على الناس جهارا، ولهذا قال تعالى: فِي رَقٍّ قال النسفي: هو الصحيفة، أو الجلد الذي يكتب فيه مَنْشُورٍ أي: مفتوح لا ختم عليه، أو لائح لا خفاء فيه، لأنه لا باطل فيه، ولا يخشى أن يكتشف فيه الباطل حتى يكتم، أو يخفى، فلا ينشر وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ قال النسفي: (وهو بيت في السماء حيال الكعبة، وعمرانه بكثرة زواره من الملائكة ... وقيل الكعبة لكونها معمورة بالحجاج

стр. 5265

والعمار) ولنا عودة إلى الموضوع في الفوائد. وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ قال النسفي: أي السماء أو العرش وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ أي: المملوء، أو الموقد، قال ابن كثير: (وقال قتادة: المسجور: المملوء واختاره ابن جرير) ولنا عودة إلى هذا الموضوع في الفوائد إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ قال ابن كثير: هذا هو المقسم عليه، أي لواقع بالكافرين، أي لنازل بهم ما لَهُ مِنْ دافِعٍ أي: لا يمنعه مانع قال ابن كثير: (أي ليس له دافع يدفعه عنهم إذا أراد الله بهم ذلك) فصار معنى الآيتين: إن عذاب ربك لواقع غير مدفوع، ثم بين متى يكون ذلك فقال: يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً أي: تضطرب اضطرابا شديدا. قال النسفي: (أي تدور كالرحى مضطربة) ولنا عودة إلى هذا في الفوائد وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً قال النسفي: (أي في الهواء كالسحاب؛ لأنها تصير هباء منثورا) وقال ابن كثير: أي تذهب فتصير هباء منبثا، وتنسف نسفا فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ قال ابن كثير: أي ويل لهم ذلك اليوم من عذاب الله ونكاله بهم وعقابه لهم الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ أي: الذين هم في الدنيا يخوضون في الباطل والكذب يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا قال ابن كثير: أي يوقفون ويساقون إلى نار جهنم دفعا، قال النسفي: والدع الدفع العنيف هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ أي: في الدنيا، قال ابن كثير: أي تقول لهم الزبانية ذلك تقريعا وتوبيخا أَفَسِحْرٌ هذا كما كنتم تقولون عنه في الدنيا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ كما كنتم لا تبصرون في الدنيا، يعني: أم أنتم عمي عن المخبر عنه وهو النار، كما كنتم عميا عن خبر الوحي في الدنيا، وهذا تقريع وتوبيخ اصْلَوْها قال ابن كثير: أي ادخلوها دخول من تغمره من جميع جهاته فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ أي: سواء عليكم الأمران الصبر وعدمه، قال ابن كثير: (أي سواء صبرتم على عذابها ونكالها، أم لم تصبروا، لا محيد لكم عنها، ولا خلاص لكم منها) وعلل لاستواء الصبر وعدمه بقوله إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قال ابن كثير: أي ولا يظلم الله أحدا، بل يجازي كلا بعمله، وعلل النسفي لاستواء الحالين بقوله: (لأن الصبر إنما يكون له مزية على الجزع لنفعه في العاقبة بأن يجازى عليه الصابر جزاء الخير، فأما الصبر على العذاب الذي هو الجزاء، ولا عاقبة له، ولا منفعة، فلا مزية له على الجزع). كلمة في السياق: ما مر معنا هو مقدمة السورة التي أنذرت الكافرين المكذبين باليوم الآخر

стр. 5266

واستعملت لهذا الإنذار أشد أنواع التوكيد، وذلك لإيجاد الاستعداد للتقوى، ومن ثم تأتي المجموعة الثانية لتتحدث عن المتقين. المجموعة الثانية وتمتد من الآية (١٧) إلى نهاية الآية (٢٨) وهذه هي: [سورة الطور (٥٢): الآيات ١٧ الى ٢٨] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٥) قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨) التفسير: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ وهذا ضد ما أولئك فيه من العذاب والنكال فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ قال ابن كثير: (أي يتفكهون بما آتاهم الله من النعيم من أصناف الملاذ من مآكل ومشارب وملابس ومساكن ومراكب وغير ذلك) وقال

стр. 5267

النسفي: (أي متلذذين بما آتاهم ربهم) وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ قال ابن كثير: (أي وقد نجاهم من عذاب النار وتلك نعمة مستقلة بذاتها على حدتها، مع ما أضيف إليها من دخول الجنة، التي فيها من السرور ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) ويقال لهم كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي: أكلا وشربا هنيئا، أو طعاما وشرابا هنيئا، وهو الذي لا تنغيص فيه مُتَّكِئِينَ أي: في حال أكلهم وشربهم عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ قال النسفي: أي موصول بعضها ببعض. قال ابن كثير: أي وجوه بعضهم إلى بعض وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ أي: وقرناهم بحور عظام الأعين حسانها. قال ابن كثير: (أي وجعلنا لهم قرينات صالحات، وزوجات حسانا من الحور العين) والحور: جمع حوراء، والعين: جمع عيناء، وهي الواسعة العين حسنتها وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ أي: أولادهم بِإِيمانٍ هذا شرط، أما بدون الإيمان فليس إلا النار أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ أي: يلحق الأولاد بإيمانهم وأعمالهم درجات الآباء، وإن قصرت أعمال الذرية عن أعمال الآباء وَما أَلَتْناهُمْ أي: وما نقصناهم مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ أي: من ثواب عملهم من شئ، قال ابن كثير: (يخبر تعالى عن فضله وكرمه، وامتنانه ولطفه بخلقه وإحسانه أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذرياتهم في الإيمان يلحقهم بآبائهم في المنزلة، وإن لم يبلغوا عملهم؛ لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه، بأن يرفع الناقص العمل بكامل العمل، ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته للتساوي بينه وبين ذاك). كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ أي: مرهون، فنفس المؤمن مرهونة بعمله وتجازى به، قال ابن كثير: أي: (مرتهن بعمله لا يحمل عليه ذنب غيره من الناس سواء كان أبا أو ابنا)، قال ابن كثير: (لما أخبر عن مقام الفضل وهو رفع درجة الذرية إلى منزلة الآباء من غير عمل يقتضي ذلك، أخبر عن مقام العدل، وهو أنه لا يؤاخذ أحدا بذنب أحد) وَأَمْدَدْناهُمْ أي: وزودناهم في وقت بعد وقت بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وإن لم يقترحوا، قال ابن كثير: (أي وألحقناهم بفواكه ولحوم من أنواع شتى، مما يستطاب ويشتهى) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً أي: خمرا أي يتعاطون ويتعاورون هم وجلساؤهم من أقربائهم، بتناول هذا الكأس من يد هذا، وهذا من يد هذا لا لَغْوٌ فِيها أي: في شربها وَلا تَأْثِيمٌ قال ابن كثير: (أي لا يتكلمون فيها بكلام لاغ أي هذيان ولا إثم، أي فحش،

стр. 5268

كما يتكلم به الشربة من أهل الدنيا)، وقال النسفي: (أي لا يجري بينهم ما يلغي، يعني: لا يجري بينهم باطل، ولا ما فيه إثم لو فعله فاعل في دار التكليف، من الكذب والشتم ونحوهما كشاربي خمر الدنيا، لأن عقولهم ثابتة فيتكلمون بالحكم والكلام الحسن) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ أي: مملوكون لَهُمْ أي: مخصوصون بهم كَأَنَّهُمْ من بياضهم وصفائهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ أي: محفوظ في الصدف؛ لأنه رطب أحسن وأصفى، أو مخزون؛ لأنه لا يخزن إلا الثمين الغالي القيمة، قال ابن كثير: (هذا إخبار عن خدمهم وحشمهم في الجنة، كأنهم اللؤلؤ الرطب المكنون في حسنهم وبهائهم ونظافتهم، وحسن ملابسهم) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ أي: يسأل بعضهم بعضا عن أحواله وأعماله، وما استحق به نيل ما عند الله، قال ابن كثير: (أي أقبلوا يتحادثون ويتساءلون عن أعمالهم وأحوالهم في الدنيا، وهذا كما يتحادث أهل الشراب على شرابهم إذا أخذ فيهم الشراب بما كان من أمرهم) قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ أي: إنا كنا في الدنيا في أهلنا أرقاء القلوب من خشية الله، أو خائفين من نزع الإيمان، وفوت الأمان، أو من رد الحسنات والأخذ بالسيئات، قال ابن كثير: (أي كنا في الدار الدنيا ونحن بين أهلينا خائفين من ربنا، مشفقين من عذابه وعقابه) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بالمغفرة والرحمة وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ السموم في الأصل: هي الريح الحارة التي تدخل المسام، فسميت بها نار جهنم لأنها بهذه الصفة إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ أي: من قبل لقاء الله تعالى والمصير إليه، يعنون في الدنيا نَدْعُوهُ قال النسفي: (أي نعبده ولا نعبد غيره)، وقال ابن كثير: (أي نتضرع إليه فاستجاب لنا وأعطانا سؤلنا) إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ أي: المحسن الرَّحِيمُ أي: العظيم الرحمة الذي إذا عبد أثاب، وإذا سئل أجاب. وبهذا انتهت المجموعة الثانية. كلمة في السياق: ١ - في المجموعة الأولى عرض الله علينا حال الكافرين في الدنيا: التكذيب، والخوض، واللعب، وفي المجموعة الثانية عرض الله علينا حال المتقين في الدنيا: الإشفاق من عذاب الله، والعبادة لله، والدعاء له، وفي المجموعة الأولى عرض الله ما أعده للكافرين من عذاب، وفي المجموعة الثانية عرض الله ما أعده لأهل التقوى من ثواب وجزاء.

стр. 5269

٢ - نلاحظ أن سورة الذاريات ذكرت من خصائص المتقين الإحسان، وقيام الليل، والاستغفار في الأسحار، والإنفاق في سبيل الله، وفي سورة الطور عرضت السورة من خصائص المتقين الإشفاق من عذاب الله، والدعاء. والإشفاق من عذاب الله أثر عن الإيمان بالغيب، وهكذا نجد سورة الطور تفصل في محور السورة من سورة البقرة بشكل يكمل تفصيل سورة الذاريات. ٣ - بعد عرض ما للكافرين من عذاب، وما للمتقين من ثواب، وأسباب ذلك، تأتي الآن مجموعة ثالثة تطالب رسول الله ﷺ بالتذكير والصبر والتسبيح، وفي المجموعة مناقشة شاملة للكافرين الذين يتنكبون طريق التقوى، فيكذبون ويخوضون ويلعبون ويرتابون، فلنر المجموعة الثالثة والأخيرة في السورة. *** المجموعة الثالثة وتمتد من الآية (٢٩) إلى نهاية الآية (٤٩) أي: إلى نهاية السورة وهذه هي: [سورة الطور (٥٢): الآيات ٢٩ الى ٤٩] فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣) وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٧) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩)

стр. 5270

ملاحظة في السياق: ١ - نلاحظ أن المجموعة تتوجه بالخطاب إلى الذي أنزل عليه القرآن، فتأمره بالتذكير، وتنفي عنه التهم، وتناقش الكافرين مناقشة شاملة، ثم تأمره بعد إقامة الحجة بالصبر، والتسبيح بحمد الله، وصلة ذلك بمجموعتي السورة السابقتين واضحة، فهي مناقشة للمكذبين، وتثبيت للمتقين. ٢ - تبدأ المجموعة بقوله تعالى: فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ ... فلننتبه إلى ما يلي: استقر القسم الثالث من أقسام القرآن على قوله تعالى في سورة (ق) فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ وفي سورة الذاريات جاء قوله تعالى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ وفي سورة الطور يأتي قوله تعالى: فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ ... ثم تأتي المناقشة الشاملة، ومن هذا التكامل نرى الصلات المتشابكة بين السور المتعاقبة، فبعد أن بينت سورة (ق) من يستأهل التذكير، وبينت سورة الذاريات انتفاع المؤمنين به، تأتي سورة الطور لتأمر بالتذكير، وتعلم طريق إقامة الحجة، وذلك يفيد أنه لا بد من إقامة الحجة على الكافرين، وهذا مظهر من مظاهر التكامل بين سور القرآن. ٣ - قلنا إن السور الثلاث (الذاريات، والطور، والنجم) تفصل في الآيات الخمس الأولى من سورة البقرة، التي مضمونها التقوى، وقد رأينا كيف أن سورة

стр. 5271

الذاريات أعطتنا في التقوى تفصيلا، وجاءت سورة الطور فأعطتنا تفصيلا، وستأتي سورة النجم لتعطينا تفصيلا، ومع التفصيل فإن سياق السور الثلاث يربي على التقوى بالمواعظ، وإقامة الحجة، ويهدم كل ما يحول دونها. ٤ - في سورة الطور عرض الله علينا حال الكافرين يوم القيامة فكان في ذلك ترهيب يدفع نحو التقوى، ثم كان في المجموعة الثانية ترغيب يدفع نحو التقوى، وتأتي المجموعة الثالثة لتهدم كل تكأة يتّكأ عليها الكافرون في هروبهم من التقوى، ولتأمر رسول الله ﷺ بما ينبغي فعله للتحقق بالتقوى، وما ينبغي فعله في مقابل مواقف الكافرين. ٥ - في الآيات الخمس الأولى من مقدمة سورة البقرة نجد خطابا لرسول الله ﷺ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ والملاحظ أن الخطاب في المجموعة الثالثة يتوجه لرسول الله ﷺ : فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ ثم يسير السياق ليقول: أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ لاحظ الصلة بين الآيات وآية المحور. التفسير: فَذَكِّرْ قال النسفي: (أي فاثبت على تذكير الناس وموعظتهم)، وقال ابن كثير: يقول تعالى آمرا رسوله ﷺ بأن يبلغ رسالته إلى عباده، وأن يذكرهم بما أنزل الله عليه، ثم نفى عنه ما يرميه به أهل البهتان والفجور: فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ أي: برحمته إياك وإنعامه عليك بالنبوة ورجاحة العقل بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ كما زعموا أي لست- بحمد الله- بكاهن كما يتقول الجهلة من الكفار، والكاهن: هو الذي يأتيه الرئي من الجان بالكلمة يتلقاها من جند السماء، ولا بمجنون: وهو الفاقد العقل. والكهانة والصرع هما التفسيران اللذان يفسر بهما الكافرون ظاهرة الوحي وما يرافقها، وهو تفسير مردود علميا وعقليا؛ فالكهانة لا يصدر عنها مثل هذا القرآن، والصرع ظاهرة مرضية لا يرافقها انبثاق نص كالنص القرآني، وأنواع المجنون الأخرى وغيبوباتها كلها ظواهر مرضية، لا ينبثق عنها ما كان يترتب على ظاهرة الوحي من معان من شأن الغيوب، والهداية، والعلوم والقرآن، ولكون ما قالوه ظاهر البطلان فقد نفاه النص القرآني دون أن يتوقف عنده؛ مما يشير إلى أنه لا يحتاج إلى تدليل. ولما كان التفسير الثالث لظاهرة القرآن عند الكافرين هو أن

стр. 5272

يكون محمد ﷺ شاعرا متقولا على الله فإن الآية اللاحقة تتحدث عن ذلك أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ أي: حوادث الدهر، أي ننتظر به نوائب الزمان فيهلك كما هلك من قبله من الشعراء، قال ابن كثير: (والمنون: الموت، يقولون: ننتظره ونصبر عليه حتى يأتيه الموت فنستريح منه ومن شأنه). ملاحظة: يلاحظ أن الحرف (أم) يتكرر إحدى عشرة مرة في هذه المجموعة، وهو يفيد كما قال النسفي: (وأم في أوائل هذه الآيات منقطعة بمعنى بل والهمزة) فهي تعرض أقوالهم بصيغة فيها إنكار عليهم، وتكاد تكون الآيات مستقصية لكل أقوال الكافرين قديما وحديثا، ولمواقفهم وتصوراتهم التي تصرفهم عن الإيمان. ... ولنعد إلى السياق: فبعد أن ذكر الله تربصهم الموت برسوله ﷺ رد عليهم بقوله: قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ أي: فإني أتربص هلاككم كما تتربصون هلاكي، قال ابن كثير: في الآية: (أي انتظروا فإني منتظر معكم، وستعلمون لمن تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة) ثم قال تعالى: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ أي: عقولهم بِهذا أي: بهذا القول المتناقض، وهو قولهم: كاهن ومجنون وشاعر، قال ابن كثير: أي أعقولهم تأمرهم بهذا الذي يقولونه فيك من الأقاويل الباطلة التي يعلمون في أنفسهم أنها كذب وزور أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ أي: بل هم قوم طاغون، أي مجاوزون الحد في العناد، مع ظهور الحق لهم، قال ابن كثير: (أي ولكن هم قوم طاغون ضلال معاندون، فهذا هو الذي يحملهم على ما قالوه فيك) فليست أقوالهم هذه أثرا عن عقل؛ بل هي أثر عن طغيان نفس، ثم جمع الله حصيلة أقوالهم السابقة ورد عليهم بما يهدمها. إن حصيلة أقوالهم السابقة هي أن محمدا ﷺ قد اختلق القرآن من عند نفسه، ونسبه إلى الله ، والجواب: أن الأمر لو كان كذلك لما صعب على أحد أن يأتي بمثل هذا القرآن، أما والبشر جميعا عاجزون عن ذلك فليس الأمر كما زعموه أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ أي: اختلقه وافتراه محمد ﷺ من تلقاء نفسه، يعنون القرآن، قال تعالى: بَلْ لا يُؤْمِنُونَ قال ابن كثير: أي كفرهم هو الذي يحملهم على هذه المقالة، وقال النسفي: (هذا رد عليهم، أي ليس الأمر كما زعموا بل (لا يؤمنون)، فلكفرهم وعنادهم يرمون بهذه المطاعن مع

стр. 5273

علمهم ببطلان قولهم، وأنه ليس بمتقول لعجز العرب عنه، وما محمد إلا واحد من العرب) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ أي: مختلق مِثْلِهِ أي: مثل القرآن إِنْ كانُوا صادِقِينَ في أن محمدا ﷺ تقوله من تلقاء نفسه، لأنه بلسانهم وهم فصحاء، قال ابن كثير: (أي إن كانوا صادقين في قولهم تقوله وافتراه فليأتوا بمثل ما جاء به محمد ﷺ من هذا القرآن، فإنهم لو اجتمعوا هم وجميع أهل الأرض من الجن والإنس ما جاءوا بمثله، ولا بعشر سور من مثله، ولا بسورة من مثله). ... قال صاحب الظلال: (إن في هذا القرآن سرا خاصا، يشعر به كل من يواجه نصوصه ابتداء، قبل أن يبحث عن مواضع الإعجاز فيها. إنه يشعر بسلطان خاص في عبارات هذا القرآن. يشعر أن هنالك شيئا ما وراء المعاني التي يدركها العقل من التعبير. وأن هنالك عنصرا ما ينسكب في الحس بمجرد الاستماع لهذا القرآن. يدركه بعض الناس واضحا ويدركه بعض الناس غامضا، ولكنه على كل حال موجود. وهذا العنصر الذي ينسكب في الحس، يصعب تحديد مصدره: أهو العبارة ذاتها؟ أهو المعنى الكامن فيها؟ أهو الصور والظلال التي تشعها؟ أهو الإيقاع القرآني الخاص المتميز من إيقاع سائر القول المصوغ من اللغة؟ أهي هذه العناصر كلها مجتمعة؟ أم إنها هي وشئ آخر وراءها غير محدود؟!. ذلك سر مودع في كل نص قرآني، يشعر به كل من يواجه نصوص هذا القرآن ابتداء ... ثم تأتي وراءه الأسرار المدركة بالتدبر والنظر والتفكير في بناء القرآن كله: في التصور الكامل الصحيح الذي ينشئه في الحس والقلب والعقل. وفي الطريقة التي يتبعها القرآن لبناء هذا التصور الكامل الصحيح في الإدراك البشري. وهو يخاطب الفطرة خطابا خاصا غير معهود مثله في كلام البشر أجمعين؛ وهو يقلب القلب من جميع جوانبه ومن جميع مداخله، ويعالجه علاج الخبير بكل زاوية وكل سر فيه. وفي الشمول والتوازن والتناسق بين توجيهاته كلها، والاستواء على أفق واحد فيها كلها. مما لا يعهد إطلاقا في أعمال البشر التي لا تستقر على حال واحدة، ولا تستقيم على مستوى واحد، ولا تحيط هكذا بجميع الجوانب، ولا تملك التوازن المطلق الذي لا زيادة فيه ولا نقص، ولا تفريط فيه ولا إفراط، والتناسق المطلق الذي لا تعارض

стр. 5274

فيه ولا تصادم سواء في ذلك الأصول والفروع. فهذه الظواهر المدركة ... وأمثالها ... مع ذلك السر الخافي الذي لا سبيل إلى إنكاره ... مما يسبغ على هذا الكتاب سمة الإعجاز المطلق في جميع العصور. وهي مسألة لا يماري فيها إنسان يحترم حسه، ويحترم نفسه، ويحترم الحقيقة التي تطالعه بقوة وعمق ووضوح، حيثما واجه هذا القرآن بقلب سليم ... فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ). ... رأينا أن الأقوال السابقة للكافرين في رسول الله ﷺ والقرآن، سببها الطغيان والكفر، وإذ يتقرر هذا يعرض الله بقية أقوالهم ومواقفهم التي هي كفر وأثر عن الطغيان، ومن ثم يختم عرض هذه الأقوال بقوله تعالى: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ مما يفيد أن كفرهم قد وصل إلى حد نسيان الله حتى في حالة معاينة العذاب، فهم لا يرون في ذلك إلا ظاهرة من ظواهر الكون، وقد عرض الله هذه الأقوال بصيغة الإنكار عليهم؛ مما يدل على بطلانها بديهة. ... أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ قال ابن كثير: (أي أوجدوا من غير موجد، أم هم أوجدوا أنفسهم؟ أي لا هذا ولا هذا، بل الله هو الذي خلقهم، وأنشأهم بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا)، وقال النسفي: (أي أم أحدثوا وقدروا التقدير الذي عليه فطرتهم من غير شئ، أي من غير مقدر؟ أم هم الذين خلقوا أنفسهم حيث لا يعبدون الخالق، وقيل أخلقوا من أجل لا شئ فلا جزاء ولا حساب أم هم الخالقون فلا يأتمرون) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فهم الأرباب، ومن ثم فلا يعبدون خالقهما بَلْ لا يُوقِنُونَ هذه هي علة مواقفهم أنهم لا يتدبرون فيصلون إلى اليقين، فيبنون عليه البناء الصحيح. ... قال ابن كثير بين يدي هاتين الآيتين: (هذا المقام في إثبات الربوبية، وتوحيد الألوهية).

стр. 5275

أقول: وفي ختم الآيتين السابقتين بقوله تعالى: بَلْ لا يُوقِنُونَ التي تشير من خلال اتجاهنا في هذا التفسير إلى قوله تعالى في محور السورة وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ نفهم أن الموضوع مرتبط بقضية اليوم الآخر، فإن عدم يقينهم باليوم الآخر أو أوصلهم إلى مواقف تجعلهم يقولون إنهم خلقوا من غير شئ، أو هم الخالقون لأنفسهم، أو الخالقون للسماوات والأرض، ومن ثم يتكبرون عن العبادة والتقوى، وطاعة رسول الله ﷺ ، ويتعاملون ويتكلمون كأنهم أرباب، وهذا الذي نراه في عصرنا على أشده، إذ نرى الإنسان الكافر يعتبر نفسه غير مكلف، وغير مسئول أمام الله، ويتعامل ويتكلم كأنه رب، وفي قوله تعالى: بَلْ لا يُوقِنُونَ إشارة إلى أن هؤلاء عندهم ريب، وهذا يحول بينهم وبين التقوى، إذ شرط التقوى عدم الريب في أمور بعينها، كما ورد في المحور: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ولنعد إلى السياق: ... أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ قال النسفي: (أي) من النبوة والرزق وغيرهما؛ فيخصوا من شاءوا بما شاءوا. وقال ابن كثير: أي أهم يتصرفون في الملك وبيدهم مفاتيح الخزائن. أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ قال النسفي: (أي) الأرباب الغالبون حتى يدبروا أمر الربوبية، ويبنوا الأمور على مشيئتهم، وقال ابن كثير: (أي المحاسبون للخلائق، ليس الأمر كذلك؛ بل الله هو المالك المتصرف الفعال لما يريد). أقول: وعلى هذا فالآية فيها إنكار على اعتراضهم على الله، واستغنائهم عنه وادعائهم العملي أو النظري أنهم أرباب- وهو محور الفلسفة الوجودية في عصرنا- وإذا كان الأمر في كل ما مر ليس كما قالوا، وإذ كانوا هم أنفسهم لا يجرءون أن يدعوا ذلك دعوى نظرية كلامية، فلم يبق لانصرافهم عن التقوى والعبادة مبرر، فهل لهم مبررات أخرى؟ وإذا كانت فما هي؟ هذا ما ستذكره الآيات اللاحقة: أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ منصوب يرتقون به إلى السماء يَسْتَمِعُونَ فِيهِ كلام الملائكة، وما يوحى إليهم من علم الغيب؛ فيتصرفون بناء على ذلك على خلاف أمر رسول الله ﷺ بسبب وحي آخر عن الله فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أي:

стр. 5276

بحجة واضحة تصدق استماع مستمعهم، فإذا لم يكن ذلك موجودا فما عليهم إلا أن يتبعوا رسول الله ﷺ وهذا القرآن، قال ابن كثير في الآية: (أي فليأت الذي يستمع لهم بحجة ظاهرة على صحة ما هم فيه من الفعال والمقال، وليس لهم سبيل إلى ذلك، فليسوا على شئ ولا لهم دليل)، ثم قال منكرا عليهم فيما نسبوه إليه من البنات، وجعلهم الملائكة إناثا، واختيارهم لأنفسهم الذكور على الإناث ... أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ قال النسفي: سفه أحلامهم حيث اختاروا لله ما يكرهون، وهم حكماء عند أنفسهم. أقول: في ذكر هذا المعنى هنا تدليل على فساد اتجاهاتهم المنكرة، التي لا أصول لها من عقل أو نقل، وفي ذلك ردع لهم لينزجروا عما هم فيه، ويقبلوا على ما دعاهم إليه رسول الله ﷺ من تقوى وعبادة، ثم قال تعالى: أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً على التبليغ والإنذار فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ فزهدهم ذلك في اتباعك، وإذ كنت لا تسألهم أجرا على الهداية، فأي حجة لهم في انصرافهم؟ قال النسفي: (المغرم: أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه)، والمثقل: هو من يحمل ما يشق عليه أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ قال النسفي: أي اللوح المحفوظ. فَهُمْ يَكْتُبُونَ قال النسفي: (أي ما فيه حتى يقولوا لا نبعث، وإن بعثنا لم نعذب) أي وبالتالي فهم لا يعملون للآخرة أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً قال ابن كثير: يقول تعالى: أم يريد هؤلاء بقولهم هذا في الرسول ﷺ ، وفي الدين غرور الناس، وكيد الرسول وأصحابه، فكيدهم إنما يرجع وباله على أنفسهم فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ أي: هم الذين يعود عليهم وبال كيدهم، ويحيق بهم مكرهم ... أو هم المغلوبون في الكيد، أي إذا كان مجرد الكيد هو السبب في مواقفهم فحتى هذا سيعود وباله عليهم، فما فائدة سيرهم في طريقهم وتنكبهم عن طريق التقوى؟ أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ قال النسفي: (أي يمنعهم من عذاب الله) قال ابن كثير: وهذا إنكار شديد على المشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد مع الله. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ قال ابن كثير: (نزه الله نفسه الكريمة عما يقولون ويفترون ويشركون) ثم قال تعالى: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً أي: قطعة مِنَ السَّماءِ ساقِطاً عليهم يعذبون به يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ أي: ركم بعضه على بعض، فهو متراكم قال النسفي: يريد أنهم لشدة طغيانهم وعنادهم لو أسقطناه عليهم لقالوا هذا سحاب مركوم يمطرنا، ولم يصدقوا أنه كسف ساقط للعذاب، قال ابن كثير: (وهذا كقوله تعالى: وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ* لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا

стр. 5277

بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) أقول: وهذا يفيد أنهم وصلوا إلى درجة من الطغيان والكفران ما عادوا معه ينتفعون بشيء، ومن ثم قال تعالى لرسوله ﷺ : فَذَرْهُمْ قال ابن كثير: أي دعهم يا محمد حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ وذلك يوم القيامة، عند النفخة الأولى، نفخة الصعق يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ. وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا أي: لهؤلاء الكافرين المشركين عَذاباً دُونَ ذلِكَ أي: قبل ذلك في الدار الدنيا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ قال ابن كثير: (أي: نعذبهم في الدنيا ونبتليهم فيها بالمصائب؛ لعلهم يرجعون وينيبون فلا يفهمون ما يراد بهم؛ بل إذا جلي عنهم عادوا إلى أسوأ مما كانوا، كما جاء في بعض الأحاديث: «إن المنافق إذا مرض وعوفي، مثله في ذلك كمثل البعير لا يدري فيما عقلوه، ولا فيما أرسلوه» وفي الأثر الإلهي: كم أعصيك ولا تعاقبني. قال الله تعالى: يا عبدي، كم أعاقبك وأنت لا تدري). كلمة في السياق: رأينا أن المجموعة الأولى في السورة تحدثت عن ما أعد الله من عذاب للكافرين، وأن المجموعة الثانية تحدثت عن المتقين وعما أعد الله لهم، وجاءت المجموعة الثالثة فأمرت رسول الله ﷺ بالتذكير، وبينت له معالم إقامة الحجة، ثم تأتي بعد ذلك أوامر معطوفة على الأمر بالتذكير، مما يشير إلى أن التذكير ينبغي أن ترافقه معان بعينها. بدأت المجموعة بقوله تعالى: فَذَكِّرْ والآن يأتي قوله تعالى: وَاصْبِرْ ... فلنر ذلك: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ قال النسفي: (أي بإمهالهم وبما يلحقك فيه من المشقة) فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا أي: برعايتنا، قال النسفي: أي بحيث نراك ونكلؤك. وقال ابن كثير: (أي اصبر على أذاهم ولا تبالهم، فإنك بمرأى منا وتحت كلاءتنا، والله يعصمك من الناس). قال صاحب الظلال في قوله تعالى: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا: (ويا له من تعبير! ويا له من تصوير! ويا له من تقدير! إنها مرتبة لم يبلغها قط إنسان. هذه المرتبة التي يصورها هذا التعبير الفريد في القرآن كله. حتى بين التعبيرات المشابهة.

стр. 5278

لقد قيل لموسى ﵇: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى ... وقيل له: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي ... وقيل له: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي. وكلها تعبيرات تدل على مقامات رفيعة. ولكنه قيل لمحمد- ﷺ : فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وهو تعبير فيه إعزاز خاص، وأنس خاص. وهو يلقي ظلا فريدا أرق وأشف من كل ظل ... ولا يملك التعبير البشري أن يترجم هذا التعبير الخاص. فحسبنا أن نشير إلى ظلاله، وأن نعيش في هذه الظلال). ... وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ أي: للصلاة، أو من أي مكان قمت، أو من منامك وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ قال ابن كثير: أي اذكره واعبده بالتلاوة والصلاة في الليل وَإِدْبارَ النُّجُومِ أي: وإذا أدبرت النجوم آخر الليل فسبحه قال النسفي: (أي في أعقاب النجوم وآثارها إذا غربت) والمراد أن يقول: سبحان الله وبحمده في هذه الأوقات، وقيل التسبيح: الصلاة إذا قام من نومه وَمِنَ اللَّيْلِ صلاة العشاءين وَإِدْبارَ النُّجُومِ صلاة الفجر. كلمة في السياق: ١ - دلت الآيتان الأخيرتان بسبب كونهما معطوفتين على قوله تعالى: فَذَكِّرْ على أن الدعوة إلى الله تحتاج إلى صبر وعبادة، وخص بالذكر التسبيح بحمد الله في الصلاة وغيرها، لما يتركه ذلك في النفس من تسليم، والملاحظ أن الذين يشتغلون بالدعوة إلى الله دون أن تكون لهم أورادهم لا يستطيعون الاستمرار، وإذا استمروا فإنتاجهم قليل، فلا بد أن يجتمع للداعية التذكير والصبر والعبادة. ٢ - نلاحظ أن السورة تألفت من ثلاث مجموعات واضحة التمايز، وواضحة الصلات، وكلها تخدم قضية التقوى، التي هي المضمون الرئيسي لمحور السورة من سورة البقرة. الفوائد: ١ - قدم ابن كثير لتفسير سورة الطور بما يلي: (قال مالك: عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه. أخرجاه من طريق مالك، وروى البخاري عن زينب

стр. 5279

بنت أبي سلمة عن أم سلمة قالت: شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي فقال: «طوفي من وراء الناس وأنت راكبة» فطفت ورسول الله ﷺ يصلي إلى جنب البيت يقرأ بالطور وكتاب مسطور). ٢ - بمناسبة قوله تعالى: وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ قال ابن كثير: (ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال في حديث الإسراء بعد مجاوزته السماء السابعة: «ثم رفع بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه آخر ما عليهم» يعني: يتعبدون فيه، ويطوفون به، كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم، كذلك ذاك البيت المعمور هو كعبة أهل السماء السابعة، ولهذا وجد إبراهيم الخليل ﵊ مسندا ظهره إلى البيت المعمور، لأنه باني الكعبة الأرضية، والجزاء من جنس العمل، وهو بحيال الكعبة، وفي كل سماء بيت يتعبد فيه أهلها ويصلون إليه، والذي في السماء الدنيا يقال له بيت العزة والله أعلم. وروى ابن جرير عن خالد ابن عرعرة أن رجلا قال لعلي: ما البيت المعمور؟ قال: بيت في السماء يقال له الضراح، وهو بحيال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة، ثم لا يعودون فيه أبدا. وكذا رواه شعبة وسفيان الثوري، وعندهما أن ابن الكواء هو السائل عن ذلك ثم رواه ابن جرير عن عاصم عن علي ابن ربيعة قال: سأل ابن الكواء عليا عن البيت المعمور؟ قال: مسجد في السماء يقال له الضراح، يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون فيه أبدا. ورواه من حديث أبي الطفيل عن علي بمثله. وقال العوفي عن ابن عباس: هو بيت حذاء العرش، تعمره الملائكة يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة، ثم لا يعودون إليه. وكذا قال عكرمة ومجاهد وغير واحد من السلف. وقال قتادة والربيع بن أنس والسدي: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال يوما لأصحابه: «هل تدرون ما البيت المعمور؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه مسجد في السماء بحيال الكعبة لو خر لخر عليها، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم»). ٣ - بمناسبة قوله تعالى: وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ قال ابن كثير: (وقال الجمهور هو هذا البحر، واختلف في معنى قوله: المسجور فقال بعضهم: المراد أنه يوقد يوم القيامة نارا كقوله: وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ أي: أضرمت فتصير نارا تتأجج، محيطة بأهل الموقف. ورواه سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب، وروي

стр. 5280

عن ابن عباس، وبه يقول سعيد بن جبير ومجاهد وعبيد الله بن عمير وغيرهم، وقال العلاء ابن بدر: إنما سمي البحر المسجور لأنه لا يشرب منه ماء، ولا يسقى به زرع، وكذلك البحار يوم القيامة، كذا رواه عنه ابن أبي حاتم، وعن سعيد بن جبير وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ يعني: المرسل، وقال قتادة: المسجور المملوء، واختاره ابن جرير، ووجهه بأنه ليس موقدا اليوم فهو مملوء، وقيل المراد به الفارغ). أقول: قوله تعالى: وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ يفسره قوله تعالى في سورة التكوير وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ وكلام بعض المفسرين يدل على أن ذلك يكون قبيل نفخة الصعق، وإنما ذكرت هذا لأن كلام ابن كثير هنا في قوله تعالى: وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ يوحي بأن هذا التسجير سيكون في الموقف، فأردت أن أبين أن هذه القضية خلافية بين المفسرين، ومن ثم فالقسم بالبحر المسجور إما أن يكون به حاليا إذ هو مملوء ماء، أو بالبحر إذ تحدث له حالة قبيل يوم القيامة فيصبح نارا تتأجج. ٤ - بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ قال ابن كثير: (قال الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا: خرج عمر يعس المدينة ذات ليلة، فمر بدار رجل من المسلمين فوافقه قائما يصلي، فوقف يستمع قراءته فقرأ وَالطُّورِ حتى بلغ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ* ما لَهُ مِنْ دافِعٍ قال: قسم ورب الكعبة حق، فنزل عن حماره واستند إلى حائط، فمكث مليا ثم رجع إلى منزله، فمكث شهرا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه ﵁، وروى الإمام أبو عبيد في فضائل القرآن عن الحسن أن عمر قرأ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ* ما لَهُ مِنْ دافِعٍ فربا لها ربوة أعيد منها عشرين يوما). ٥ - بمناسبة قوله تعالى: فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ* الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ قال صاحب الظلال: (وهذا الوصف ينطبق ابتداء على أولئك المشركين ومعتقداتهم المتهافتة، وتصوراتهم المهلهلة؛ وحياتهم القائمة على تلك المعتقدات وهذه التصورات التي وصفها القرآن وحكاها في مواضع كثيرة، وهي لعب لا جد فيه، لعب يخوضون فيه كما يخوض اللاعب في الماء، غير قاصد إلى شاطئ أو هدف، سوى الخوض واللعب! ولكنه يصدق كذلك على كل من يعيش بتصور آخر غير التصور الإسلامي ... وهذه حقيقة لا يدركها الإنسان إلا حين يستعرض كل تصورات البشر المشهورة

стр. 5281

- سواء في معتقداتهم أو أساطيرهم أو فلسفاتهم- في ظل التصور الإسلامي للوجود الإنساني ثم للوجود كله ... إن سائر التصورات- حتى لكبار الفلاسفة الذين يعتز بهم تاريخ الفكر الإنساني- تبدو محاولات أطفال يخبطون ويخوضون في سبيل الوصول إلى الحقيقة. تلك الحقيقة التي تعرض في التصور الإسلامي- وبخاصة في القرآن- عرضا هادئا ناصعا قويا بسيطا عميقا. يلتقي مع الفطرة التقاء مباشرا دون كد ولا جهد ولا تعقيد؛ لأنه يطالعها بالحقيقة الأصلية العميقة فيها، ويفسر لها الوجود وعلاقتها به، كما يفسر لها علاقة الوجود بخالقه. وطالما عجبت وأنا أطالع تصورات كبار الفلاسفة؛ وألاحظ العناء القاتل الذي يزاولونه وهم يحاولون تفسير هذا الوجود وارتباطاته؛ كما يحاول الطفل الصغير حل معادلة رياضية هائلة ... وأمامي التصور القرآني يبدو واضحا ناصعا سهلا هينا ميسرا طبيعيا، لا عوج فيه ولا لف ولا تعقيد ولا التواء. وهذا طبيعي، فالتفسير القرآني للوجود هو تفسير صانع هذا الوجود لطبيعته وارتباطاته ... أما تصورات الفلاسفة فهي محاولات أجزاء صغيرة من هذا الوجود لتفسير الوجود كله. والعاقبة معروفة لمثل هذه المحاولات البائسة! إنه عبث، وخلط، وخوض، حين يقاس إلى الصورة المكتملة الناضجة المطابقة، التي يعرضها القرآن على الناس، فيدعها بعضهم إلى تلك المحاولات المتخبطة الناقصة. المستحيلة الاكتمال والنضوج!). ٦ - بمناسبة قوله تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ قال ابن كثير: (وقال ابن أبي حاتم حدثنا صفوان بن عمرو أنه سمع الهيثم بن مالك الطائي يقول إن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل ليتكئ المتكأ مقدار أربعين سنة ما يتحول عنه ولا يمله، يأتيه ما اشتهت نفسه ولذت عينه». وعن ثابت قال: بلغنا أن الرجل ليتكئ في الجنة سبعين سنة عنده من أزواجه وخدمه، وما أعطاه الله من الكرامة والنعيم، فإذا حانت منه نظرة فإذا أزواج له لم يكن رآهن من قبل ذلك فيقلن قد آن لك أن تجعل لنا منك نصيبا). ٧ - بمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ... قال ابن كثير: (روى الثوري عن ابن عباس قال: إن الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقربهم

стр. 5282

عينه ثم قرأ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري به، وكذا رواه ابن جرير، ورواه البزار عن ابن عباس مرفوعا فذكره ثم قال: وقد رواه الثوري عن عمرو بن مرة عن سعيد عن ابن عباس موقوفا. وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ قال: هم ذرية المؤمن يموتون على الإيمان، فإن كانت منازل آبائهم أرفع من منازلهم ألحقوا بآبائهم، ولم ينقصوا من أعمالهم التي عملوها شيئا. وروى الحافظ الطبراني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أظنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده فقال: إنهم لم يبلغوا درجتك فيقول: يا رب قد عملت لي ولهم فيؤمر بإلحاقهم به» وقرأ ابن عباس: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ ... الآية. وروى العوفي عن ابن عباس في هذه الآية يقول: والذين أدرك ذريتهم الإيمان فعملوا بطاعتي ألحقتهم بإيمانهم إلى الجنة وأولادهم الصغار تلحق بهم، وهذا راجع إلى التفسير الأول، فإن ذلك مفسر أصرح من هذا، وهكذا يقول الشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم وقتادة وأبو صالح والربيع بن أنس والضحاك وابن زيد، وهو اختيار ابن جرير). ٨ - بمناسبة قوله تعالى عن خمر الآخرة: يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ ... قال ابن كثير: (قال ابن عباس: اللغو: الباطل، والتأثيم: الكذب. وقال مجاهد: لا يستبون ولا يؤثمون، وقال قتادة: كان ذلك في الدنيا مع الشيطان فنزه الله خمر الآخرة عن قاذورات خمر الدنيا وأذاها كما تقدم، فنفى عنها صداع الرأس، ووجع البطن، وإزالة العقل بالكلية، وأخبر أنها لا تحملهم على الكلام السيئ الفارغ عن الفائدة، المتضمن هذيانا وفحشا، وأخبر بحسن منظرها، وطيب طعمها ومخبرها فقال: بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ* لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ وقال: لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ وقال هاهنا: يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ. ٩ - بمناسبة قوله تعالى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ... إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ قال ابن كثير: (وروى ابن أبي حاتم عن مسروق عن عائشة أنها قرأت

стр. 5283

هذه الآية: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ* إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ فقالت: اللهم من علينا وقنا عذاب السموم، إنك أنت البر الرحيم. قيل للأعمش: في الصلاة؟ قال: نعم). ١٠ - بمناسبة قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ قال ابن كثير: (روى محمد بن إسحاق عن ابن عباس ﵁: إن قريشا لما اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي ﷺ قال قائل منهم: احتبسوه في وثاق، وتربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من قبله من الشعراء زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم، فأنزل الله تعالى ذلك من قولهم: أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ). ١١ - عند قوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ قال ابن كثير: (روى البخاري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ* أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ* أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ؟ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ؟ كاد قلبي أن يطير، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من طرق عن الزهري به، وجبير بن مطعم كان قد قدم على النبي ﷺ بعد وقعة بدر في فداء الأسارى، وكان إذ ذاك مشركا، فكان سماعه هذه الآية من هذه السورة من جملة ما حمله على الدخول في الإسلام بعد ذلك). ١٢ - بمناسبة قوله تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ قال ابن كثير: (وسبح بحمد ربك، قال الضحاك: أي إلى الصلاة: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. وقد روي مثله عن الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهما، وروى مسلم في صحيحه عن عمر أنه كان يقول هذا في ابتداء الصلاة، ورواه أحمد وأهل السنن عن أبي سعيد وغيره عن النبي ﷺ أنه كان يقول ذلك. وقال أبو الجوزاء: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ أي: من نومك من فراشك، واختاره ابن جرير ويتأيد هذا القول بما رواه الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت عن رسول الله ﷺ قال: «من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال رب اغفر لي- أو قال ثم دعا- استجيب له، فإن عزم فتوضأ ثم صلى قبلت صلاته» وأخرجه البخاري في

стр. 5284

صحيحه وأهل السنن من حديث الوليد ابن مسلم به، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ قال: من كل مجلس، وقال الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ قال: إذا أراد الرجل أن يقوم من مجلسه قال سبحانك اللهم وبحمدك. وروى ابن أبي حاتم عن عطاء بن أبي رباح أنه حدثه عن قول الله تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ يقول حين تقوم من كل مجلس إن كنت أحسنت ازددت خيرا، وإن كنت غير ذلك كان هذا كفارة له، وروى عبد الرزاق في جامعه عن أبي عثمان الفقير أن جبريل علم النبي ﷺ إذا قام من مجلسه أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. قال معمر: وسمعت غيره يقول هذا القول كفارة المجالس، وهذا مرسل وقد وردت أحاديث مسندة من طرق يقوي بعضها بعضا بذلك، فمن ذلك: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر الله له ما كان في مجلسه ذلك» رواه الترمذي وهذا لفظه، والنسائي في اليوم والليلة من حديث ابن جريج، وقال الترمذي: حسن صحيح، وأخرجه الحاكم في مستدركه، وقال: إسناده على شرط مسلم إلا أن البخاري علله. قلت: علله الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني وغيرهم، ونسبوا الوهم فيه إلى ابن جريج على أن أبا داود قد رواه في سننه من طريق غير ابن جريج إلى أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ بنحوه، ورواه أبو داود واللفظ له والنسائي والحاكم في المستدرك من طريق الحجاج ابن دينار عن أبي برزة الأسلمي قال: كان رسول الله ﷺ يقول بآخر عمره إذا أراد أن يقوم من المجلس: «سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك» فقال رجل: يا رسول الله إنك لتقول قولا ما كنت تقوله فيما مضى، قال: «كفارة لما يكون في المجلس» وقد روي مرسلا عن أبي العالية فالله أعلم، وهكذا رواه النسائي والحاكم من حديث الربيع بن أنس عن أبي العالية عن رافع بن خديج عن النبي ﷺ مثله سواء، وروي مرسلا أيضا فالله أعلم. وكذا رواه أبو داود عن عبد الله ابن عمرو أنه قال: «كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كفر بهن عنه، ولا يقولهن في مجلس خير ومجلس ذكر إلا ختم بهن كما يختم بالخاتم: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك» وأخرجه الحاكم من

стр. 5285

حديث أم المؤمنين عائشة وصححه ومن رواية ابن مطعم، ورواه أبو بكر الإسماعيلي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كلهم عن النبي ﷺ . ١٣ - بمناسبة قوله تعالى: وَإِدْبارَ النُّجُومِ قال ابن كثير: (قد تقدم في حديث ابن عباس أنهما الركعتان اللتان قبل صلاة الفجر، فإنهما مشروعتان عند إدبار النجوم أي عند جنوحها للغيبوبة. وقد روى ابن سبلان عن أبي هريرة مرفوعا «لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل» يعني ركعتي الفجر رواه أبو داود. ومن هذا الحديث حكي عن بعض أصحاب أحمد القول بوجوبهما وهو ضعيف لحديث «خمس صلوات في اليوم والليلة» قال: هل علي غيرهما؟ قال: «لا إلا أن تطوع» وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: لم يكن رسول الله ﷺ على شئ من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر، وفي لفظ لمسلم: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها»). كلمة أخيرة في سورة الطور: ١ - ذكرت سورة الطور صفتين من صفات المتقين هما: الإشفاق من عذاب الله، والدعاء، وذلك نوع تفصيل لمحورها من سورة البقرة. ٢ - أمرت سورة الطور رسول الله ﷺ وهو الذي أنزل عليه القرآن بالتذكير، والصبر، والتسبيح، وبذلك نعرف أن بناء التقوى يحتاج إلى دعوة وإقامة حجة، كما يحتاج من الداعية إلى صبر وعبادة، ولذلك صلة بالمحور. ٣ - وقد رأينا من قبل صلة أواخر سورة الذاريات ببداية سورة الطور، والملاحظ أن سورة الطور تنتهي بذكر النجوم وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ وأن سورة النجم تبدأ بقوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى، والمجموعة الثالثة من سورة الطور تتوجه بالخطاب للنذير فَذَكِّرْ وَاصْبِرْ وَسَبِّحْ وتأتي سورة النجم لتعمق الثقة بالنذير وَالنَّجْمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى * وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى فالصلات بين سورة الطور وما قبلها وما بعدها قائمة. ٤ - ومع هذا كله فإن لسورة الطور وحدتها وسياقها الخاص، فقد تحدثت السورة في مجموعتيها الأولى والثانية، عما أعده الله للكافرين والمتقين، ثم أمرت الرسول ﷺ أن يذكر ليقيم الحجة على الكافرين، ولينير الطريق للمتقين، ولما كان

стр. 5286

التذكير يحتاج إلى صبر وإلى تسبيح فقد انتهت السورة بالأمر بذلك. ٥ - قلنا: إن السور الثلاث: الذاريات والطور والنجم كلها تفصل في محور واحد، وسنرى كيف أن كلا منها قد فصل بما يكمل تفصيل الآخرين، وقد أشرنا عدة إشارات إلى الصلات بين سورة الذاريات والطور، وهاهنا نضيف: لقد وردت في سورة الذاريات: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ* يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ فالكافرون أقوالهم مختلفة، متناقضة، وبسبب هذه الأقوال فإن المصروفين يصرفون عن الحق، والملاحظ أن سورة الطور فصلت في أقوالهم المتناقضة التي بسببها يصرف المصروفون عن الحق: وهي الزعم بأن محمدا ﷺ كاهن، أو مجنون، أو شاعر، فهذه اتجاهات متناقضة، وكل منها يصرف بسببه عن الإيمان بعض الناس، وهناك آخرون يرون لأنفسهم عقولا يطغون بسببها، فهذا وضع آخر يصرف بسببه المصرفون، وهناك ناس يزعمون أن محمدا ﷺ اختلق القرآن من عند نفسه، وبسبب ذلك يصرفون عن الحق، وهناك آخرون غافلون عمن خلقهم وعمن خلق الخلق، وبعضهم لا يرى أن لهذا الكون خالقا، فبسبب ذلك يصرفون عن الحق، وهناك آخرون غافلون عن العناية المحيطة بهم فبسبب ذلك يصرفون عن الحق، وهناك ناس تعميهم السيطرة والسلطان فيصرفون بسبب ذلك عن الحق، وهناك ناس يصرفون عن الحق بسبب غفلتهم عن الوحي، وهناك ناس يصرفون عن الحق بسبب تصورات خاطئة في موضوع الألوهية، وهناك ناس يصرفون عن الحق بسبب الحقد والكيد للإسلام وأهله، كل ذلك ذكر في سورة الطور، وله صلة بما ذكر في سورة الذاريات، ولكنه جاء في سياق سورة الطور، ليقيم الحجة على كل أصناف الكافرين، وجاء بصيغة التذكير انسجاما مع السياق فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ* أَمْ يَقُولُونَ ... أَمْ تَأْمُرُهُمْ .... ... فالتكامل بين سور المجموعة قائم، وسيتضح معنا هذا الموضوع كلما سرنا في عرض سور المجموعة، فلنر سورة النجم. ***

стр. 5287

سورة النجم وهي السورة الثالثة والخمسون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثالثة من المجموعة الأولى من قسم المفصل وآياتها اثنتان وستون آية وهي مكية

стр. 5288

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 5289

[قال صاحب الظلال في تقديمه لسورة النجم:] قال صاحب الظلال في تقديمه لسورة النجم: (هذه السورة في عمومها كأنها منظومة موسيقية علوية، منغمة، يسري التنغيم في بنائها اللفظي كما يسري في إيقاع فواصلها الموزونة المقفاة. ويلحظ هذا التنغيم في السورة بصفة عامة، ويبدو القصد فيه واضحا في بعض المواضع؛ وقد زيدت لفظة أو اختيرت قافية، لتضمن سلامة التنغيم ودقة إيقاعه، إلى جانب المعنى المقصود الذي تؤديه في السياق كما هي عادة التعبير القرآني، مثل ذلك قوله: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى* وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ... فلو قال ومناة الأخرى ينكسر الوزن. ولو قال: ومناة الثالثة فقط يتعطل إيقاع القافية. ولكل كلمة قيمتها في معنى العبارة. ولكن مراعاة الوزن والقافية كذلك ملحوظة. ومثلها كلمة (إذن) في وزن الآيتين بعدها: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى! فكلمة (إذن) ضرورية للوزن. وإن كانت- مع هذا- تؤدي غرضا فنيا في العبارة ... وهكذا). كلمة في سورة النجم ومحورها: في سورة الذاريات ورد قوله تعالى في وصف المتقين: إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ* كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ* وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ* وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وفي سورة الطور ورد قوله تعالى في وصف المتقين: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ* فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ* إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ وفي سورة النجم يرد قوله تعالى: وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ثم يأتي قوله تعالى معرفا المحسنين: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى. في السورتين السابقتين ذكر ما عليه المتقون، وفي سورة النجم يذكر ما يجتنبه المتقون، وفي ذلك مظهر من مظاهر التكامل بين السور الثلاث التي تفصل في محور واحد، ونلاحظ أن ما فصلته سورة الذاريات في قضية المتقين عرضته بما يربي عليه، وما فصلته سورة الطور عرضته بما يحقق فيه، وما تفصله سورة النجم تعرضه بما يدفع نحوه، والمحور واحد، وكل سورة تضيف إلى البناء شيئا جديدا، وتضعه ضمن سياق يحمل عليه ويحقق فيه.

стр. 5290

لقد رأينا سورة (طه) من قبل، ورأينا أن محورها هو الآيات الأولى من سورة البقرة وهو نفسه محور سورة النجم والسورتين قبلها، ولذلك فإننا نجد معاني مشتركة بين سورة (طه) وسورة (النجم)، ففي سورة (طه) يحدثنا الله عن موسى بقوله: لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى وفي سورة النجم يحدثنا الله عن محمد ﷺ بقوله: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى وتختتم سورة (طه) بقوله تعالى: قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى وفي سورة النجم يرد قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى. ... ورأينا سورة الروم من قبل، ورأينا أن محورها كذلك هو الآيات الأولى من سورة البقرة فهو محور سورة النجم نفسه، ونلاحظ أن هناك معاني مشتركة بين سورة الروم وسورة النجم، ومن ذلك أننا نرى في سورة الروم قوله تعالى: يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ ونجد في سورة النجم قوله تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا* ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ... وهذا كله يؤكد أن محور سورة النجم هو الآيات الأولى من البقرة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. ... ونلاحظ أن السور الثلاث: الذاريات والطور والنجم كل منها تحدث عن شئ من عالم الغيب، وكل منها تحدث عن اليوم الآخر، والسورتان الأخيرتان ناقشتا الكافرين نقاشا طويلا، رأينا ذلك في سورة الطور، وسنراه في سورة النجم، وذلك مظهر من مظاهر التكامل في السور الثلاث، ومظهر من مظاهر الارتباط بالمحور، لأن الإيمان بالغيب، والإيمان باليوم الآخر من أركان التقوى، ومن أمهات ما ذكر في آيات سورة البقرة الأولى.
следующие страницы →