← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

التذكير يحتاج إلى صبر وإلى تسبيح فقد انتهت السورة بالأمر بذلك. ٥ - قلنا: إن السور الثلاث: الذاريات والطور والنجم كلها تفصل في محور واحد، وسنرى كيف أن كلا منها قد فصل بما يكمل تفصيل الآخرين، وقد أشرنا عدة إشارات إلى الصلات بين سورة الذاريات والطور، وهاهنا نضيف: لقد وردت في سورة الذاريات: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ* يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ فالكافرون أقوالهم مختلفة، متناقضة، وبسبب هذه الأقوال فإن المصروفين يصرفون عن الحق، والملاحظ أن سورة الطور فصلت في أقوالهم المتناقضة التي بسببها يصرف المصروفون عن الحق: وهي الزعم بأن محمدا ﷺ كاهن، أو مجنون، أو شاعر، فهذه اتجاهات متناقضة، وكل منها يصرف بسببه عن الإيمان بعض الناس، وهناك آخرون يرون لأنفسهم عقولا يطغون بسببها، فهذا وضع آخر يصرف بسببه المصرفون، وهناك ناس يزعمون أن محمدا ﷺ اختلق القرآن من عند نفسه، وبسبب ذلك يصرفون عن الحق، وهناك آخرون غافلون عمن خلقهم وعمن خلق الخلق، وبعضهم لا يرى أن لهذا الكون خالقا، فبسبب ذلك يصرفون عن الحق، وهناك آخرون غافلون عن العناية المحيطة بهم فبسبب ذلك يصرفون عن الحق، وهناك ناس تعميهم السيطرة والسلطان فيصرفون بسبب ذلك عن الحق، وهناك ناس يصرفون عن الحق بسبب غفلتهم عن الوحي، وهناك ناس يصرفون عن الحق بسبب تصورات خاطئة في موضوع الألوهية، وهناك ناس يصرفون عن الحق بسبب الحقد والكيد للإسلام وأهله، كل ذلك ذكر في سورة الطور، وله صلة بما ذكر في سورة الذاريات، ولكنه جاء في سياق سورة الطور، ليقيم الحجة على كل أصناف الكافرين، وجاء بصيغة التذكير انسجاما مع السياق فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ* أَمْ يَقُولُونَ ... أَمْ تَأْمُرُهُمْ .... ... فالتكامل بين سور المجموعة قائم، وسيتضح معنا هذا الموضوع كلما سرنا في عرض سور المجموعة، فلنر سورة النجم. ***

стр. 5287

سورة النجم وهي السورة الثالثة والخمسون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثالثة من المجموعة الأولى من قسم المفصل وآياتها اثنتان وستون آية وهي مكية

стр. 5288

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 5289

[قال صاحب الظلال في تقديمه لسورة النجم:] قال صاحب الظلال في تقديمه لسورة النجم: (هذه السورة في عمومها كأنها منظومة موسيقية علوية، منغمة، يسري التنغيم في بنائها اللفظي كما يسري في إيقاع فواصلها الموزونة المقفاة. ويلحظ هذا التنغيم في السورة بصفة عامة، ويبدو القصد فيه واضحا في بعض المواضع؛ وقد زيدت لفظة أو اختيرت قافية، لتضمن سلامة التنغيم ودقة إيقاعه، إلى جانب المعنى المقصود الذي تؤديه في السياق كما هي عادة التعبير القرآني، مثل ذلك قوله: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى* وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ... فلو قال ومناة الأخرى ينكسر الوزن. ولو قال: ومناة الثالثة فقط يتعطل إيقاع القافية. ولكل كلمة قيمتها في معنى العبارة. ولكن مراعاة الوزن والقافية كذلك ملحوظة. ومثلها كلمة (إذن) في وزن الآيتين بعدها: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى! فكلمة (إذن) ضرورية للوزن. وإن كانت- مع هذا- تؤدي غرضا فنيا في العبارة ... وهكذا). كلمة في سورة النجم ومحورها: في سورة الذاريات ورد قوله تعالى في وصف المتقين: إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ* كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ* وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ* وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وفي سورة الطور ورد قوله تعالى في وصف المتقين: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ* فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ* إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ وفي سورة النجم يرد قوله تعالى: وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ثم يأتي قوله تعالى معرفا المحسنين: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى. في السورتين السابقتين ذكر ما عليه المتقون، وفي سورة النجم يذكر ما يجتنبه المتقون، وفي ذلك مظهر من مظاهر التكامل بين السور الثلاث التي تفصل في محور واحد، ونلاحظ أن ما فصلته سورة الذاريات في قضية المتقين عرضته بما يربي عليه، وما فصلته سورة الطور عرضته بما يحقق فيه، وما تفصله سورة النجم تعرضه بما يدفع نحوه، والمحور واحد، وكل سورة تضيف إلى البناء شيئا جديدا، وتضعه ضمن سياق يحمل عليه ويحقق فيه.

стр. 5290

لقد رأينا سورة (طه) من قبل، ورأينا أن محورها هو الآيات الأولى من سورة البقرة وهو نفسه محور سورة النجم والسورتين قبلها، ولذلك فإننا نجد معاني مشتركة بين سورة (طه) وسورة (النجم)، ففي سورة (طه) يحدثنا الله عن موسى بقوله: لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى وفي سورة النجم يحدثنا الله عن محمد ﷺ بقوله: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى وتختتم سورة (طه) بقوله تعالى: قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى وفي سورة النجم يرد قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى. ... ورأينا سورة الروم من قبل، ورأينا أن محورها كذلك هو الآيات الأولى من سورة البقرة فهو محور سورة النجم نفسه، ونلاحظ أن هناك معاني مشتركة بين سورة الروم وسورة النجم، ومن ذلك أننا نرى في سورة الروم قوله تعالى: يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ ونجد في سورة النجم قوله تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا* ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ... وهذا كله يؤكد أن محور سورة النجم هو الآيات الأولى من البقرة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. ... ونلاحظ أن السور الثلاث: الذاريات والطور والنجم كل منها تحدث عن شئ من عالم الغيب، وكل منها تحدث عن اليوم الآخر، والسورتان الأخيرتان ناقشتا الكافرين نقاشا طويلا، رأينا ذلك في سورة الطور، وسنراه في سورة النجم، وذلك مظهر من مظاهر التكامل في السور الثلاث، ومظهر من مظاهر الارتباط بالمحور، لأن الإيمان بالغيب، والإيمان باليوم الآخر من أركان التقوى، ومن أمهات ما ذكر في آيات سورة البقرة الأولى.

стр. 5291

تتألف سورة النجم من ثلاث مجموعات واضحة المعالم: المجموعة الأولى وتمتد حتى نهاية الآية (١٨). المجموعة الثانية وتمتد حتى نهاية الآية (٣٢). المجموعة الثالثة وتمتد حتى نهاية السورة، أي: حتى نهاية الآية (٦٢). فلنر تفسير السورة. ... المجموعة الأولى وهي مقدمة السورة وتمتد حتى نهاية الآية (١٨) وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة النجم (٥٣): الآيات ١ الى ١٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨)

стр. 5292

التفسير: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى أي: إذا رمي به الشياطين، أو إذا انفجر فتناثر كما يحدث لبعض النجوم مما سنراه في الفوائد، أو النجم إذا انتثر يوم القيامة ما ضَلَّ عن الحق صاحِبُكُمْ أي: محمد ﷺ وَما غَوى في اتباع الباطل، قال ابن كثير: (هذا هو المقسم عليه وهو الشهادة للرسول ﷺ بأنه راشد، تابع للحق، ليس بضال، والضال هو الجاهل الذي يسلك على غير طريق بغير علم)، والغاوي: هو العالم بالحق، المنحرف عنه قصدا إلى غيره، فنزه الله رسوله وشرعه عن مشابهة أهل الضلال كالنصارى، وعن مشابهة اليهود في كونهم يعلمون الشئ ويكتمونه، ويعملون بخلافه، فهو- صلاة الله وسلامه عليه، وما بعثه الله به من الشرع العظيم- في غاية الاستقامة والاعتدال والسداد، ولهذا قال تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى قال ابن كثير: (أي ما يقول قولا عن هوى وغرض) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى قال ابن كثير: أي إنما ما أمر به يبلغه إلى الناس كاملا موفورا من غير زيادة ولا نقصان، وقال النسفي: (أي وما آتاكم به من القرآن ليس بمنطق يصدر عن هواه ورأيه، إنما هو وحي من عند الله يوحى إليه) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى أي: علم محمدا ﷺ ملك شديد قواه وهو جبريل ﵇ عند الجمهور ذُو مِرَّةٍ أي: ذو قوة، أو ذو منظر حسن فَاسْتَوى قال ابن كثير: يعني جبريل، قال النسفي: (أي فاستقام على صورة نفسه الحقيقية ... وذلك أن رسول الله ﷺ أحب أن يراه في صورته التي جبل عليها فاستوى له في الأفق الأعلى وهو أفق الشمس فملأ الأفق ... ) ومن ثم قال: وَهُوَ أي: جبريل ﵇ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى أي: أفق السماء ثُمَّ دَنا جبريل من رسول الله ﷺ فَتَدَلَّى أي: فزاد في القرب؛ إذ التدلي هو النزول بقرب الشئ فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أي: مقدار قوسين عربيتين، قال ابن كثير: أي فاقترب جبريل إلى محمد ﷺ لما هبط عليه إلى الأرض حتى كان بينه وبين محمد ﷺ قاب قوسين أي بقدرهما إذا مدا ... أَوْ أَدْنى أي: أو أقرب على تقديركم قال ابن كثير: (قد تقدم أن هذه الصيغة تستعمل في اللغة لإثبات المخبر عنه ونفي ما زاد عليه ... ) فَأَوْحى جبريل إِلى عَبْدِهِ أي: إلى عبد الله محمد ﷺ ما أَوْحى قال النسفي: تفخيم للوحي الذي أوحي إليه ما كَذَبَ الْفُؤادُ أي: فؤاد محمد ﷺ ما رَأى أي: ما رآه ببصره من صورة جبريل، يعني: أنه رآه بعينه، وعرفه بقلبه، ولم يشك في ما رآه أَفَتُمارُونَهُ أي:

стр. 5293

أفتجادلونه عَلى ما يَرى أي: على الذي يراه، قال الألوسي: (أي أتكذبونه فتجادلونه على ما يراه معاينة) وَلَقَدْ رَآهُ أي ولقد رأى محمد ﷺ جبريل ﵇ نَزْلَةً أُخْرى أي: مرة أخرى أي نزل عليه جبريل ﵇ نزلة أخرى في صورته فرآه عليها، والأولى كانت في الأرض، والثانية كانت ليلة المعراج عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى الجمهور على أنها شجرة في السماء السابعة، والمنتهى: بمعنى موضع الانتهاء، أو الانتهاء كأنها في منتهى الجنة وآخرها، وقيل لم يجاوزها أحد ... وقيل تنتهي إليها أرواح الشهداء عِنْدَها أي: عند السدرة جَنَّةُ الْمَأْوى أي: الجنة التي يصير إليها المتقون، وقيل: تأوي إليها أرواح الشهداء إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى أي: رأى جبريل إذ يغشى السدرة ما يغشى، قال النسفي: (وهو تعظيم وتكثير لما يغشاها فقد علم بهذه العبارة أن ما يغشاها من الخلائق الدالة على عظمة الله تعالى وجلاله أشياء لا يحيط بها الوصف ... ) قال ابن كثير: قد تقدم في أحاديث الإسراء أنه غشيتها الملائكة مثل الغربان وغشيها نور الرب، وغشيها ألوان لا أدرى ما هي؟ وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: لما أسري برسول الله ﷺ انتهى به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السابعة، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها، فيقبض منها إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى قال: فراش من ذهب ... وقال ابن كثير: وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: كان أغصان السدرة لؤلؤا وياقوتا وزبر جدا فرآها رسول الله ﷺ ، ورأى ربه بقلبه ما زاغَ الْبَصَرُ أي: بصر رسول الله ﷺ ، أي ما ذهب يمينا ولا شمالا، قال النسفي: أي ما عدل عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها ومكن منها وَما طَغى أي: وما جاوز ما أمر برؤيته. قال ابن كثير: وهذه صفة عظيمة في الثبات والطاعة، فإنه ما فعل إلا ما أمر به، ولا سأل فوق ما أعطي ... لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى أي لقد رأى من آيات ربه الآيات التي هي كبراها وعظماها حين رقي به إلى السماء، فأري عجائب الملكوت. وبهذا انتهت المجموعة الأولى من السورة وفي الفوائد كلام عن بعض ما اختلف فيه منها. كلمة في السياق: أكدت المجموعة الأولى من السورة- وهي مقدمة السورة- عصمة رسول الله ﷺ في أمر الوحي، وأمر رؤية الغيب، وأمر السلوك، وأكدت رؤيته لعالم الغيب الذي يدعو إليه، واستهجنت المجموعة أن يجادل رسول الله ﷺ في أمر يراه، وهو

стр. 5294

الصادق الأمين، الثابت القلب، الثابت البصر، وفي ذلك نفي للتهمة عن الوحي وعن الرسول ﷺ ، وتأكيد لوجود عالم الغيب، وفي كل ذلك تفصيل للمرتكزات التي تقوم عليها التقوى التي هي إيمان واتباع كتاب، ولذلك صلاته بمحور السورة من سورة البقرة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فصلة ما مر من سورة النجم بقوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ لا تخفى. وبعد أن أكدت المجموعة الأولى عصمة رسول الله ﷺ ، وعصمة الوحي، وأكدت أن مضمون الرسالة حق، واستهجنت أن يمارى رسول الله ﷺ فيما يراه تأتي الآن المجموعة الثانية ، لتناقش المشركين في ما هم عليه، وتدعو إلى الالتزام بمضمون رسالة رسول الله ﷺ . وتبدأ المجموعة بمناقشتهم في أمر اللات والعزى ومناة، وفي قولهم: إن الملائكة بنات الله- تعالى الله عن ذلك-، بعد أن قدمت لذلك بالكلام عن محمد ﷺ ، وأنه رأى من الغيب؛ فرأى الملائكة، ورأى ما رأى من أمر السماء مما أفاد من الابتداء أن قوله هو الحق، وقولهم هو الباطل، لأنه لا يستند إلى رؤية أو علم، بل هو محض الظن، فلنر المجموعة الثانية: ... المجموعة الثانية وتمتد من الآية (١٩) إلى نهاية الآية (٣٢) وهذه هي: [سورة النجم (٥٣): الآيات ١٩ الى ٣٢] أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (٢٧) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا (٢٩) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (٣٠) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (٣٢)

стр. 5295

التفسير: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ قال ابن كثير: وكانت اللات صخرة بيضاء منقوشة، عليها بيت بالطائف له أستار وسدنة، وحوله فناء معظم عند أهل الطائف، وهم ثقيف، ومن تابعها يفتخرون بها على من عداهم من أخيار العرب بعد قريش وَالْعُزَّى قال ابن كثير: وكانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة، وهي بين مكة والطائف، كانت قريش يعظمونها وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى قال ابن كثير: وأما مناة فكانت بالمشلل عند قديد بين مكة المكرمة والمدينة، وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتها يعظمونها، ويهلون منها للحج إلى الكعبة ... قال ابن كثير: (وقد كانت بجزيرة العرب، وغيرها طواغيت أخر تعظمها العرب كتعظيم الكعبة غير هذه الثلاثة، التي نص عليها في كتابه العزيز، وإنما أفرد هذه بالذكر لأنها أشهر من غيرها) وفي الآية

стр. 5296

تقريع للمشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد والأوثان، واتخاذهم لها البيوت مضاهاة للكعبة التي بناها خليل الرحمن ﵇، قال النسفي في تفسير الآية: (أي أخبرونا عن هذه الأشياء التي تعبدونها من دون الله ، هل لها من القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة؟) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى أي: جائرة. قال النسفي: (كانوا يقولون: إن الملائكة وهذه الأصنام بنات الله، وكانوا يعبدونهم ويزعمون أنهم شفعاؤهم عند الله، مع وأدهم البنات، وكراهتهم لهن فقيل لهم ذلك) وقال ابن كثير: (أي أتجعلون له ولدا وتجعلون ولده أنثى وتختارون لأنفسكم الذكور، فلو اقتسمتم أنتم ومخلوق مثلكم هذه القسمة لكانت قِسْمَةٌ ضِيزى أي: جورا وباطلة، فكيف تقاسمون ربكم هذه القسمة التي لو كانت بين مخلوقين كانت جورا وسفها؟) ثم قال تعالى منكرا عليهم فيما ابتدعوه وأحدثوه من الكذب، والافتراء، والكفر من عبادة الأصنام وتسميتها آلهة إِنْ هِيَ أي: ما الأصنام إِلَّا أَسْماءٌ ليس تحتها في الحقيقة مسميات، لأنكم تدعون الإلهية لما هو أبعد شئ منها، وأشد منافاة لها سَمَّيْتُمُوها أي: سميتم بها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ أي: من تلقاء أنفسكم ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ أي: من حجة إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ أي: إلا توهم أن ما هم عليه حق وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ أي: وما تشتهيه أنفسهم. قال ابن كثير: أي ليس لهم مستند إلا حسن ظنهم بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم، وإلا حظ نفوسهم ورياستهم وتعظيم آبائهم الأقدمين وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى قال النسفي: أي الرسول والكتاب فتركوه ولم يعملوا به، وقال النسفي: أي ولقد أرسل الله إليهم الرسل بالحق المنير والحجة القاطعة، ومع هذا ما اتبعوا ما جاءوهم به، ولا انقادوا له أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى أي: أبل للإنسان ما تمنى، والاستفهام للإنكار أي ليس للإنسان ما تمنى. قال ابن كثير: (أي ليس كل من تمنى خيرا حصل له ... ما كل من زعم أنه مهتد يكون كما قال، ولا كل من ود شيئا يحصل له) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى قال ابن كثير: أي إنما الأمر كله لله مالك الدنيا والآخرة، والمتصرف في الدنيا والآخرة، فهو الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن) فإذا كان هذا شأن الله، وإذا كان شأن الإنسان العجز عن تحقيق أمنياته فلا ينبغي أن يكون الإنسان إلا عبدا لله وحده وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى قال ابن كثير: (فإذا كان هذا في حق الملائكة المقربين فكيف ترجون- أيها الجاهلون-

стр. 5297

شفاعة هذه الأصنام والأنداد عند الله وهو تعالى لم يشرع عبادتها ولا أذن فيها؛ بل قد نهى عنها على ألسنة جميع رسله، وأنزل بالنهى عن ذلك جميع كتبه؟) وقال النسفي: (يعني أن أمر الشفاعة ضيق، فإن الملائكة مع قربهم وكثرتهم لو شفعوا بأجمعهم لأحد لم تغن شفاعتهم شيئا قط، ولا تنفع إلا إذا شفعوا من بعد أن يأذن الله لهم في الشفاعة لمن يشاء الشفاعة له ويرضاه ويراه أهلا لأن يشفع له، فكيف تشفع الأصنام إليه لعبدتهم). إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ أي: ليسمون كل واحد منهم تَسْمِيَةَ الْأُنْثى لأنهم إذا قالوا: الملائكة بنات الله، فقد سموا كل واحد منهم بنتا وهي تسمية الأنثى وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ قال ابن كثير: أي ليس لهم علم صحيح بصدق ما قالوه، بل هو كذب وزور وافتراء وكفر شنيع إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وفي العقائد لا بد من القطع واليقين وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً أي: لا يجدي شيئا ولا يقوم أبدا مقام الحق، قال النسفي: أي إنما يعرف الحق الذي هو حقيقة الشئ وما هو عليه بالعلم والتيقن لا بالظن والتوهم. كلمة في السياق: نلاحظ في ما مر معنا من المجموعة الثانية أن الله أقام الحجة على المشركين، وبين أن ما هم فيه مبني على ظن، وأن الظن لا تبنى عليه العقائد، فهدم بذلك كل أساس تقوم عليه العقائد الباطلة وما يبني عليها البانون من تصورات فاسدة، كدعوى أن الملائكة بنات الله، وما بنوا عليه من شفاعة الملائكة لهم؛ لأنهم عبدوهم، وكما أقام الله الحجة على المشركين في دعواهم وما بنوا عليها، بين سبحانه أنه وحده الإله، والرب، والمالك المطلق، والمتصرف المطلق، وبعد أن استقرت هذه المعاني يصدر الله أمرا لرسوله ﷺ بالإعراض عمن هذه شأنه. ... فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا أي: فأعرض عمن رأيته معرضا عن ذكر الله، أي: القرآن، قال ابن كثير: أي أعرض عن الذي أعرض عن الحق واهجره وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا فهي همه، ومبلغ علمه، وهذا شأن أكثر الخلق ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ أي: الدنيا وما فيها وشئونها منتهى علمهم إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى أي: هو أعلم بالضال والمهتدي ومجازيهما، قال ابن كثير: (أي هو الخالق لجميع المخلوقات، والعالم بمصالح عباده،

стр. 5298

وهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وذلك كله عن قدرته وعلمه وحكمته، وهو العادل الذي لا يجور أبدا، لا في شرعه ولا في قدره). كلمة في السياق: وهكذا عرفنا أن أصل كل شر هو عدم الإيمان بالآخرة، وأن أصل الإعراض عن اتباع كتاب الله هو طلب الدنيا، وجعلها الهدف الوحيد، كما عرفنا أن كل ما مر معنا من مواقف خاطئة سببها ذلك الأصل، لأن كل الأدلة والحقائق والعلوم تثبت المضمون الذي جاءت به دعوة رسول الله ﷺ ، وتثبت أن الرسول حق، والقرآن حق، وصلة ذلك كله بمحور السورة من سورة البقرة واضح: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ... فما يعرض أحد عن هذا الهدى إلا الكفرة، ولا كفر إلا بسبب اتباع الظن، وجعل الدنيا المطلب الوحيد، ومن ثم قال تعالى في هذا المحور عن القرآن: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. ... ثم يختم الله المجموعة الثانية بتبيان حكمة اليوم الآخر، ويعرفنا على أهل التقوى وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وهذا يقتضي تحقيق العدل، لأن شأن الملك أن يحقق العدل في ملكه، وإذ كان الله مالكا للسماوات والأرض فهذا يقتضي تحقيق العدل في هذا الملك، ومن ثم قال تعالى: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا أي: بعقاب أعمالهم وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى أي: بالمثوبة الحسنى وهي الجنة. قال النسفي: (والمعنى: أن الله إنما خلق العالم وسوى هذا الملكوت ليجزي المحسن من المكلفين والمسئ منهم؛ إذ الملك أهل لنصر الأولياء وقهر الأعداء) وقد يكون المعنى: أن الله لم يعط ملكه لأحد من خلقه، وجعل نفسه المالك الوحيد ليجازي المسئ بإساءته، والمحسن بإحسانه، ثم فسر تعالى من هم المحسنون الذين يستحقون الجنة فقال: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ أي: الكبائر من الإثم، والكبائر من الذنوب: التي يكبر عقابها وَالْفَواحِشَ أي: ويجتنبون ما فحش من الكبائر، كأنه قال: الذين يجتنبون الكبائر عامة والفواحش منها خاصة، قال النسفي: (الكبائر: ما أوعد الله عليه النار، والفواحش: ما شرع فيها

стр. 5299

الحد) قال الألوسي في سياق كلامه عن الكبائر: (واعتمد الواحدي أنها لا حد لها يحصرها فقال: الصحيح أن الكبيرة ليس لها حد يعرفها العباد به؛ وإلا لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها، ولكن الله تعالى أخفى ذلك عنهم ليجتهدوا في اجتناب المنهي عنه، رجاء أن تجتنب الكبائر، ونظير ذلك إخفاء الاسم الأعظم. والصلاة الوسطى. وليلة القدر. وساعة الإجابة، وقال العلامة ابن حجر الهيتمي: كل ما ذكر من الحدود إنما قصد به التقريب فقط، وإلا فهي ليست بحدود جامعة، وكيف يمكن ضبط ما لا مطمع في ضبطه؟ وذهب جمع إلى تعريفها بالعد، فعن ابن عباس: أنها ما ذكره الله تعالى في أول سورة النساء إلى قوله سبحانه: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ. وقيل هي سبع، وروي ذلك عن علي كرم الله وجهه، وعطاء، وعبيد بن عمير، واستدل له بما في الصحيحين: «اجتنبوا السبع الموبقات: الإشراك بالله تعالى. والسحر. وقتل النفس التي حرم الله تعالى إلا بالحق. وأكل مال اليتيم. وأكل الربا. والتولي يوم الزحف. وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» وقيل: خمس عشرة، وقيل: أربع عشرة، وقيل: أربع، وعن ابن مسعود: ثلاث، وفي رواية أخرى: عشرة، وقال شيخ الإسلام العلائي: المنصوص عليه في الأحاديث أنه كبيرة خمس وعشرون، وتعقبه ابن حجر بزيادة على ذلك). ثم قال تعالى: إِلَّا اللَّمَمَ أي: إلا الصغائر، قال النسفي: وهو كالنظرة والقبلة واللمسة والغمزة، ولنا عودة إلى هذا الموضوع في الفوائد إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ قال ابن كثير: أي رحمته وسعت كل شئ، ومغفرته تسع الذنوب كلها لمن تاب منها هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ بإنشاء أبيكم آدم منها، أو بإنشائكم من ترابها في الأصل حتى صرتم غذاء فنطفا وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ الأجنة: جمع جنين فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ أي: فلا تمدحوها وتشكروها وتمنوا بأعمالكم هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى أي: فاكتفوا بعلمه عن علم الناس، وبجزائه عن ثناء الناس، قال النسفي: (أي فلا تنسبوها- أي: أنفسكم- إلى زكاء العمل). كلمة في السياق: ذكرت الآيتان الأخيرتان تعريفا للمتقين، كما نهت الآية الأخيرة عن تزكية النفس

стр. 5300

فأخذنا بذلك تفصيلا جديدا لموضوع التقوى، وما تقتضيه، بما كمل لنا صورة المتقين التي وردت في سورتي الذاريات والطور، وبما فصل في محور السورة من سورة البقرة، وكل ذلك ضمن السياق الخاص للسورة الذي أثبت العصمة لرسول الله ﷺ ، وللوحي المنزل إليه، وأنه الحق الذي لا مرية فيه، ثم بين أن ما عليه الكافرون مستندهم فيه الظن فقط، ومن ثم أمر الله رسوله ﷺ بالإعراض عنهم، ثم بين تعالى أن من مظاهر حكمته مجازاة المسئ ومكافأة المحسن، وعرف لنا المحسن، وطالب الإنسان ألا يزكي نفسه، وإذ بين لنا فيما مر من السورة أن الناس قسمان: مسيئون ومحسنون، طلاب دنيا وطلاب أخرى، متقون وكافرون، مقبلون ومعرضون، تأتي الآن المجموعة الثالثة والأخيرة في السورة لتحدثنا عن هؤلاء المعرضين وتناقشهم. ... المجموعة الثالثة وتمتد من الآية (٣٣) إلى نهاية السورة أي: إلى نهاية الآية (٦٢) وهذه هي: [سورة النجم (٥٣): الآيات ٣٣ الى ٦٢] أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (٤١) وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (٥٠) وَثَمُودَ فَما أَبْقى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) فَغَشَّاها ما غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (٥٥) هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)

стр. 5301

التفسير: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى أي: أعرض عن الإيمان وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى أي: قطع عطيته وأمسك، قال عكرمة وسعيد: كمثل القوم إذا كانوا يحفرون بئرا فيجدون في أثناء الحفر صخرة تمنعهم من تمام العمل فيقولون أكدينا ويتركون العمل. ... كلمة في السياق: رأينا في أواخر المجموعة الثانية أن حكمة الله تقتضي مجازاة المسئ، ومكافاة المحسن، وقد رأينا تعريفا للمحسن هناك، وتبتدئ هذه المجموعة بالكلام عن المسئ، وقد ذكرت الآيتان اللتان مرتا معنا من المجموعة الثالثة أن من صفات المسئ: إعراضه عن الإيمان، وإعطاءه القليل وإمساكه، فهو بخيل في طريق الله، وبعد أن عرضت علينا المجموعة الثالثة هاتين الصفتين للمسيئين تبدأ المجموعة فتناقش هذا النوع من الناس فلنر المناقشة: ... أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى قال ابن كثير: (أي أعند هذا الذي قد أمسك يده خشية الإنفاق، وقطع معروفه، أعنده علم الغيب أنه سينفد ما في يده حتى أمسك عن معروفه فهو يرى ذلك عيانا؟ أي ليس الأمر كذلك، وإنما أمسك عن الصدقة

стр. 5302

والمعروف والبر والصلة بخلا وشحا وهلعا ... ) وقال النسفي في الآية: (أي فهو يعلم أن ما ضمنه من عذاب الله حق) أقول: إن الآية تفيد في سياقها أن هذا الإنسان المعرض عن الإيمان المانع للعطاء لا يجوز له ذلك، فهو لم يطلع على الغيب، ولم ير هذا الغيب حتى يبني موقفه على ضوء ذلك، فإذا بنى موقفه على مجرد الجهل في شأن الغيب، فذلك دليل انطماس بصيرته، خاصة وأن الذي يدعوه إلى الإيمان والإنفاق هو عالم الغيب. كلمة في السياق: من خلال المناقشة في شأن الإنفاق وارتباطه بالإعراض عن هداية الله نرى صلة المجموعة بمحور السورة ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ فالمؤمن بالغيب استجاب فصلى وأنفق واهتدى بكتاب الله، وهذا أعرض فبخل. ... ثم قال تعالى: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى أي: أم لم يخبر بما في توراة موسى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى أي: بلغ جميع ما أمر بتبليغه، وعمل به، فقام بجميع الأوامر، وترك جميع النواهي، وبلغ الرسالة على التمام والكمال، فاستحق بهذا أن يكون للناس إماما يقتدى به في جميع أقواله وأحواله وأفعاله، قال ابن كثير: ثم شرع تعالى يبين ما كان- أو جاء- في صحف إبراهيم وموسى فقال: أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى أي: إنه لا تحمل نفس آثمة أثم نفس أخرى. قال ابن كثير: أي كل نفس ظلمت نفسها بكفر أو شئ من الذنوب، فإنما عليها وزرها لا يحمله عنها أحد وَأَنْ أي: وأنه لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى قال النسفي: (أي إلا سعيه، وهذه أيضا مما في صحف إبراهيم وموسى) وقال ابن كثير: (أي كما لا يحمل عليه وزر غيره كذلك لا يحصل له من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه) ولنا عودة إلى هذا الموضوع في الفوائد وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى أي: يوم القيامة ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى أي: الأوفر وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى قال ابن كثير: أي المعاد يوم القيامة. قال النسفي: هذا كله في الصحف الأولى وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى قال ابن كثير: أي خلق في عباده الضحك والبكاء، وسببيهما، وهما مختلفان وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا أي: الذي يميت ويحيي وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ

стр. 5303

الذَّكَرَ وَالْأُنْثى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى أي: إذا تدفق في الرحم وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى قال ابن كثير: أي كما خلق البداءة هو قادر على الإعادة، وهي النشأة الآخرة يوم القيامة أي الإحياء بعد الموت وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى أي: وأعطى القنية وهي المال الذي تأثلته وعزمت على ألا تخرجه من يدك، قال ابن كثير: أي ملك عباده المال، وجعله لهم قنية، مقيما عندهم لا يحتاجون إلى بيعه ... وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى قال ابن كثير: هو هذا النجم الذي يقال له مرزم الجوزاء، كانت طائفة من العرب يعبدونه، قال النسفي: (فأعلم الله أنه رب معبودهم هذا) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى قال النسفي: (هم قوم هود، وعاد الأخرى إرم) ولم يفرق ابن كثير بين عاد هود وعاد إرم فهم شئ واحد عنده وَثَمُودَ فَما أَبْقى أي: وأهلك ثمود فما أبقاهم، قال ابن كثير: أي دمرهم فلم يبق منه أحدا وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ أي من قبل هؤلاء المذكورين في السورة إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى أي: أشد تمردا من الذين من بعدهم وَالْمُؤْتَفِكَةَ قال النسفي: (أي والقرى التي ائتفكت بأهلها، أي انقلبت وهم قوم لوط) أَهْوى قال ابن كثير: (يعني حدائق لوط قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها) أي: رفعها إلى السماء ثم أهواها إلى الأرض أي أسقطها فَغَشَّاها ما غَشَّى قال النسفي: أي ألبسها ما غشى، تهويل وتعظيم لما صب عليها من العذاب وأمطر عليها من الصخر المنضود فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى أي: تتشكك، قال ابن كثير: (أي ففي أي نعم الله عليك أيها الإنسان تمتري أي تشك، قاله قتادة: وهو اختيار ابن جرير) فالآلاء: النعم، والامتراء والتماري: الشك والتشكك، والخطاب للإنسان. كلمة في السياق: ١ - الظاهر من السياق أنه من قوله تعالى: أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ... إلى قوله تعالى: فَغَشَّاها ما غَشَّى أن كل ذلك موجود في صحف إبراهيم وموسى، وعلى هذا فإن السياق بعد أن عرض علينا حال الإنسان المعرض عن الإيمان والبخيل في الإنفاق خاطبه خطابين: الأول: أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى والثاني هو: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى * وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى ثم عرض علينا بعض ما هو موجود في صحف إبراهيم وموسى ﵉، وهذا يعني أن الإنسان ما دام لم يعرف الغيب، وما دام قد نبئ بهذا القرآن بما في صحف إبراهيم وموسى فإنه

стр. 5304

لا ينبغي له أن يكفر أو يبخل، وإذ استقرت الحجة عليه، خوطب بقوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى أي: تتشكك، قال النسفي في الآية: (فبأي آلاء ربك أيها المخاطب تتشكك بما أولاك من النعم، أو بما كفاك من النقم، أو بأي نعم ربك الدالة على وحدانيته وربوبيته تتشكك) فلا تؤمن ولا تنفق، وعلى هذا فالمجموعة بدأت بالحديث عن الإنسان المعرض البخيل، وأقامت عليه الحجة بجهله، وبما هو موجود في رسالات الله، ثم أنكرت عليه تشككه بنعم الله التي تقتضي إيمانا وعطاء بينما هو يكفر ويمنع. ٢ - رأينا أن محور السورة هو الآيات الأولى من مقدمة سورة البقرة، والتي فيها: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ونلاحظ هنا: أنه قد جاء قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى أي: تتشكك، ثم جاء بعدها مباشرة هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى وسنرى أن الإشارة في (هذا) إما إلى الرسول ﷺ أو إلى القرآن، وكل ذلك يخدم قضية الإيمان واليقين، وصلة ذلك بمحور السورة الداعي إلى الاهتداء بالقرآن، والإيمان بالغيب، والإيمان بما أنزل على محمد ﷺ لا تخفى، ولنعد إلى التفسير: ... فبعد أن قامت الحجة على هذا المعرض يأتي قوله تعالى: هذا أي: الرسول أو القرآن نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى أي: من جنسها أَزِفَتِ الْآزِفَةُ أي: اقتربت القريبة وهي القيامة لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ أي: ليس لها من دون الله نفس كاشفة، أي: قادرة على كشفها إذا وقعت إلا الله تعالى، غير أنه لا يكشفها، أو ليس لها نفس مبينة حتى تقوم أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ أي: القرآن تَعْجَبُونَ منكرين في زعمكم أن يكون صحيحا، وهذا إنكار على المشركين في استماعهم القرآن، وإعراضهم عنه وتلهيهم وَتَضْحَكُونَ أي: منه استهزاء وسخرية وَلا تَبْكُونَ خشوعا كما يفعل الموقنون وَأَنْتُمْ سامِدُونَ أي: مغنون، أو غافلون، أو لاهون لاعبون، أو معرضون، ثم قال تعالى آمرا عباده بالسجود له والعبادة فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا قال ابن كثير: أي: فاخضعوا له، وأخلصوا، ووحدوه .... ...

стр. 5305

قال صاحب الظلال في تعليقه على قوله تعالى: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا: (وإنها لصيحة مزلزلة مذهلة في هذا السياق، وفي هذه الظلال، وبعد هذا التمهيد الطويل، الذي ترتعش له القلوب: ومن ثم سجدوا. سجدوا وهم مشركون. وهم يمارون في الوحي والقرآن. وهم يجادلون في الله والرسول! سجدوا تحت هذه المطارق الهائلة التي وقعت على قلوبهم والرسول- ﷺ يتلو هذه السورة عليهم. وفيهم المسلمون والمشركون. ويسجد فيسجد الجميع- مسلمين ومشركين- لا يملكون أن يقاوموا وقع هذا القرآن؛ ولا أن يتماسكوا لهذا السلطان ... ثم أفاقوا بعد فترة فإذا هم في ذهول من سجودهم كذهولهم وهم يسجدون! بهذا تواترت الروايات. ثم افترقت في تعليل هذا الحادث الغريب. وما هو في الحقيقة بالغريب. فهو تأثير هذا القرآن العجيب ووقعه الهائل في القلوب!). أقول: هذا هو التعليل المناسب لسجود المشركين عند ما سمعوا هذه السورة فترتب على ذلك عودة بعض مهاجري الحبشة، لا كما زعم بعضهم من قصة الغرانيق الباطلة سندا ومعنى. كلمة في السياق: ١ - بعد أن أقام الله الحجة على المعرض البخيل قال تعالى: هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى مبينا أن هذا القرآن من جنس ما أنزل على الرسل السابقين، ثم أنذر بقرب الساعة، ثم أنكر على الكافرين تعجبهم من القرآن واستهزاءهم به، وعدم خشوعهم وإعراضهم وغفلتهم، ثم أمر بالسجود له تعالى والعبادة، وهكذا اجتمعت الحجج والإنذارات لتبعد الإنسان عن الإعراض والبخل، ولتوصله إلى الخضوع والسجود، وهكذا تعاونت مجموعات السورة لتربي على الاهتداء بكتاب الله، والإيمان بالغيب، وإقام الصلاة، والإنفاق، والإيمان بما أنزل على محمد ﷺ ، وما أنزل من قبله، والإيمان بالآخرة، وتبيان أن الأتقياء هم المفلحون المجازون بالجنة، كل هذه المعاني عرضتها السورة في مجموعاتها الثلاث، فكانت تفصيلا لمحور السورة من سورة البقرة، ولعله من المفيد أن نلاحظ صلة قوله تعالى: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى * وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى ... بقوله تعالى في محور السورة وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ

стр. 5306

بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ كما أنه من المفيد أن نلاحظ كيف أن تفصيل المحور اقتضى أن يشد إلى هذا المحور الأمر بالعبادة الآتي في سورة البقرة بعد المقدمة يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ. إن الأمر بالسجود والعبادة دعوة للصلاة، وإن الإنكار على البخلاء دعوة إلى الإنفاق، والحديث عن صحف إبراهيم وموسى حديث عما أنزل على الرسل قبل محمد ﷺ ، والحديث عن القرآن دعوة إلى الإيمان به، والكلام عما رآه رسول الله ﷺ من أمر الغيب دعوة إلى الإيمان بالغيب، فالسورة فصلت في محورها كله ضمن سياقها الخاص بها، وأكملت في الوقت نفسه ما ورد في سورتي الذاريات والطور. ٢ - يلاحظ أن السورة انتهت بقوله تعالى: أَزِفَتِ الْآزِفَةُ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ ... وأن السورة اللاحقة مبدوءة بقوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ... فالصلة واضحة بين نهاية السورة وبداية السورة اللاحقة. فوائد: ١ - قدم ابن كثير لتفسير سورة النجم بهذا الحديث: (روى البخاري عن عبد الله قال: أول سورة أنزلت فيها سجدة (والنجم) قال: فسجد النبي ﷺ ، وسجد من خلفه إلا رجلا رأيته أخذ كفا من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافرا، وهو أمية بن خلف، وقد رواه البخاري أيضا في مواضع، ومسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن أبي إسحاق به، وقوله في الممتنع أنه أمية بن خلف في هذه الرواية مشكل؛ فإنه قد جاء من غير هذه الطريق أنه عتبة بن ربيعة). ٢ - بمناسبة قوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى نقول: رأينا الاتجاهات المتعددة في تفسير هذه الآية، ولا نرجح واحدا منها، غير أننا نذكر أن علم الفلك الحديث سجل ظاهرتين تحدثان للنجوم: ظاهرة انفجار نجم، وظاهرة انتهائه، كما أنه قد تجمع لدى الإنسان عن ظاهرة النيازك التي تصطدم بجو الأرض فتحدث الشهب الكثير، والشهب لا تخرج عن كونها قطعا منفصلة عن نجوم، وبكل من هذه الظواهر يمكن أن تفسر الآية، كما يمكن أن تفسر بأن المراد بها جنس النجم إذا انتهى يوم القيامة، فيكون قوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى يشبه قوله تعالى: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ وأمثال هاتين الآيتين. ٣ - بمناسبة قوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى

стр. 5307

قال النسفي: (ويحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء ﵈، ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد، وقررهم عليه، كان كالوحي لا نطقا عن الهوى) وقال ابن كثير: (أي إنما يقول ما أمر به يبلغه إلى الناس كاملا موفورا من غير زيادة ولا نقصان كما رواه الإمام أحمد عن أبي أمامة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ليدخل الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثل الحيين- أو مثل أحد الحيين- ربيعة ومضر» فقال رجل: يا رسول الله أو ما ربيعة من مضر قال: «إنما أقول ما أقول». وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو وقال: كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شئ تسمعه من رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «اكتب فو الذي نفسي بيده ما خرج مني إلا الحق» ورواه أبو داود. وروى الحافظ أبو بكر البزار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ما أخبرتكم أنه من عند الله فهو الذي لا شك فيه» ثم قال: لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد. وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا أقول إلا حقا» قال بعض أصحابه: فإنك تداعبنا يا رسول الله؟ قال: «إني لا أقول إلا حقا»). ٤ - في فهم قوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى يثور جدال عنيف حول رؤية محمد ﷺ ربه يوم الإسراء والمعراج، وكل من المختلفين يحاول أن يستدل بالآيات على النفي أو الإثبات، والذي أراه أن هذه الآيات لا تصلح شاهدا لهذا الموضوع، بل هي في رؤية رسول الله ﷺ جبريل على صورته الحقيقية، وعلى هذا فموضوع الرؤية ينبغي أن يبحث على أنه موضوع مستقل عن هذه الآيات، وقد نقل ابن كثير الكثير من الروايات المتعلقة بالآيات، وكثيرا من وجهات النظر فيها، وقد اعتمدنا في صلب التفسير ما اعتمده، وهاهنا ننقل بعض ما ذكره في هذا المقام قال: (وكانت هذه الرؤية الأولى في أوائل البعثة، بعد ما جاءه جبريل ﵇ أول مرة، فأوحى الله إليه صدر سورة (اقرأ)، ثم فتر الوحي فترة ذهب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فيها مرارا ليتردى من رءوس الجبال، فكلما هم بذلك ناداه جبريل من الهواء يا محمد أنت رسول الله حقا، وأنا جبريل، فيسكن لذلك جأشه وتقر عينه، وكلما طال عليه الأمر عاد لمثلها حتى تبدى له جبريل، ورسول الله ﷺ بالأبطح في صورته التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح قد سد عظم خلقه الأفق، فاقترب منه وأوحى إليه عن الله ما أمره به، فعرف عند ذلك عظمة الملك

стр. 5308

الذي جاءه بالرسالة، وجلالة قدره، وعلو مكانته عند خالقه الذي بعثه إليه). (وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال في قوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى قال: رأى جبريل ﵇. (وروى الإمام أحمد عن عبد الله أنه قال: رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته وله ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق، يسقط من جناحه من التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم). (وروى البخاري عن الشيباني قال: سألت زرا عن قوله: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى * فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى قال: حدثنا عبد الله أن محمدا ﷺ رأى جبريل له ستمائة جناح. وروى ابن جرير عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى قال: رأى رسول الله ﷺ جبريل عليه حلتا رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض، فعلى ما ذكرناه يكون قوله: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى معناه: فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما أوحى، أو أوحى الله إلى عبده محمد ما أوحى بواسطة جبريل، وكلا المعنيين صحيح. وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ لم ير جبريل في صورته إلا مرتين، أما واحدة فإنه سأله أن يراه في صورته فسد الأفق. وأما الثانية فإنه كان معه حيث صعد فذلك قوله: وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى). (وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود في هذه الآية وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى قال: قال رسول الله ﷺ : «رأيت جبريل وله ستمائة جناح ينتثر من ريشه التهاويل من الدر والياقوت» وهذا إسناد جيد قوي. وروى أحمد أيضا عن عبد الله قال: رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته وله ستمائة جناح كل جناح منها قد سد الأفق: يسقط من جناحه من التهاويل من الدر والياقوت ما الله به عليم. إسناده حسن أيضا. وروى الإمام أحمد أيضا سمعت ابن مسعود يقول قال رسول الله ﷺ : «رأيت جبريل على سدرة المنتهى وله ستمائة جناح» سألت عاصما عن الأجنحة فأبى أن يخبرني، قال: فأخبرني بعض أصحابه أن الجناح ما بين المشرق والمغرب. وهذا أيضا إسناد جيد). (فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «رأيت ربي » فإنه حديث إسناده على شرط الصحيح لكنه مختصر من حديث المنام كما رواه الإمام أحمد ... عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «أتاني ربي الليلة في أحسن صورة- أحسبه يعني في النوم- فقال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى، قال: قلت لا، فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي- أو قال نحري- فعلمت ما في السموات

стр. 5309

وما في الأرض ثم قال: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت نعم يختصمون في الكفارات والدرجات، قال: وما الكفارات؟ قال: قلت المكث في المساجد بعد الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء في المكاره، من فعل ذلك عاش بخير ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه، وقال: قل يا محمد إذا صليت اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة أن تقبضني إليك غير مفتون، قال والدرجات: بذل الطعام وإفشاء السلام والصلاة بالليل والناس نيام»). أقول: كما نقل ابن كثير هذه الروايات نقل الروايات التي تفيد رؤية رسول الله ﷺ لله، ونقل الروايات التي فسر فيها بعضهم آيات النجم على أنها تفيد رؤية الله وناقشها، والذي ينشرح له الصدر هو ما ذكرناه من أن آيات سورة النجم لا تفيد إلا رؤية جبريل، ثم ينظر في الروايات المثبتة للرؤية على حدة فإن كانت تقوم بها الحجة فقد ثبتت الرؤية بها، والقضية خلافية منذ عصر الصحابة رضوان الله عليهم، وقد أثبتها بعض كبار علمائهم كابن عباس ﵄، ونفاها بعض كبار علمائهم كعائشة ﵂. ٥ - بمناسبة قوله تعالى: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى قال ابن كثير: (وروى الإمام أحمد عن عبد الله- هو ابن مسعود- قال: لما أسري برسول الله ﷺ انتهى به إلى سدرة المنتهى- وهي في السماء السابعة- إليها ينتهي ما يعرج من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها، فيقبض منها إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى قال فراش من ذهب، قال: وأعطي رسول الله ﵌ ثلاثا: «أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر الله لمن لا يشرك بالله شيئا من أمته المقحمات» انفرد به مسلم). ٦ - بمناسبة قوله تعالى: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى نقول: إن المتأمل لحادثة الإسراء والمعراج وما ذكره الله فيهما من قوله في سورة الإسراء لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا ومن قوله: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى يرى أن الحكمة في هذه الرحلة هي أن يطلع الله رسوله ﷺ على بعض أمر الغيب، ليكون ما يدعو إليه رسول الله ﷺ مشاهدا من قبله، وهو الصادق الأمين، فتقوم الحجة على الخلق، ويزداد المؤمنون اطمئنانا، ومن ملاحظة قوله تعالى لموسى عليه

стр. 5310

السلام: لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى * اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ ... نحس أن الله أرى موسى من آياته الكبرى عند ما كلفه بمجابهة فرعون ليكون أكثر اطمئنانا في هذه المجابهة، ورسولنا ﵊ أراه الله من آياته الكبرى قبيل الهجرة التي ستعقبها المجابهة الكبرى مع العرب والعالم ليكون أكثر اطمئنانا. ٧ - بمناسبة قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى* وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى قال ابن كثير: (وكانت اللات صخرة بيضاء منقوشة، وعليها بيت بالطائف له أستار وسدنة، وحوله فناء معظم عند أهل الطائف وهم ثقيف ومن تابعها يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش، قال ابن جرير: وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم (الله) فقالوا: اللات يعنون مؤنثة منه- تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا- وحكي عن ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس أنهم قرءوا اللات بتشديد التاء، وفسروه بأنه كان رجلا يلت للحجيج في الجاهلية السويق فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه، وروى البخاري عن ابن عباس ﵄ في قوله (اللات والعزى) قال: كان اللات رجلا يلت السويق سويق الحاج. قال ابن جرير: وكذا العزى من (العزيز) وكانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة، وهي بين مكة والطائف، كانت قريش يعظمونها، كما قال أبو سفيان يوم أحد: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم» وروى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف فقال في حلفه واللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق» فهذا محمول على من سبق لسانه في ذلك كما كانت ألسنتهم قد اعتادته في زمن الجاهلية، كما روى النسائي عن سعد ابن أبي وقاص قال: حلفت باللات والعزى فقال لي أصحابي: بئس ما قلت قلت هجرا، فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال: «قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، وانفث عن شمالك ثلاثا وتعوذ من الشيطان الرجيم ثم لا تعد» وأما مناة فكانت بالمشلل عند قديد بين مكة والمدينة، وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتها يعظمونها ويهلون منها للحج إلى الكعبة، وروى البخاري عن عائشة نحوه، وقد كانت بجزيرة العرب وغيرها طواغيت أخر تعظمها العرب كتعظيم الكعبة غير هذه الثلاثة التي نص عليها في كتابه العزيز، وإنما أفرد هذه بالذكر لأنها أشهر من غيرها. قال ابن إسحاق في السيرة، وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت- وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة- لها سدنة

стр. 5311

وحجاب، وتهدي لها كما تهدي للكعبة، وتطوف بها كطوافها بها، وتنحر عندها وهي تعرف فضل الكعبة عليها؛ لأنها كانت قد عرفت أنها بيت إبراهيم ﵇ ومسجده، فكانت لقريش، ولبني كنانة العزى بنخلة، وكان سدنتها وحجابها بني شيبان من سليم حلفاء بني هاشم. (قلت): بعث إليها رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فهدمها وجعل يقول: يا عز كفرانك لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك قال ابن إسحاق: وكانت اللات لثقيف بالطائف، وكان سدنتها وحجابها بني معتب. (قلت): وقد بعث إليها رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة وأبا سفيان صخر بن حرب فهدماها وجعل مكانها مسجدا بالطائف، قال ابن إسحاق: وكانت مناة للأوس والخزرج، ومن دان بدينهم من أهل يثرب على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد، فبعث رسول الله ﷺ إليها أبا سفيان صخر بن حرب فهدمها، ويقال علي بن أبي طالب، قال: وكانت ذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة. (قلت): وكان يقال لها الكعبة اليمانية التي بمكة الكعبة الشامية، فبعث إليه رسول الله ﷺ جرير بن عبد الله البجلي فهدمه، قال: وكانت قيس لطي ومن يليها بجبل طي بين سلمى وأجا، قال ابن هشام: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ بعث إليه علي بن أبي طالب فهدمه، واصطفى منه سيفين: الرسوب والمخزم، فنفله إياهما رسول الله ﷺ ، فهما سيفا علي، قال ابن إسحاق: وكان لحمير وأهل اليمن بيت بصنعاء يقال له رئام وذكر أنه كان به كلب أسود، وأن الحبرين اللذين ذهبا مع تبع استخرجاه وقتلاه، وهدما البيت، قال ابن إسحاق: وكانت رضاء بيتا لبني ربيعة ابن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم ولها يقول المستوغر بن ربيعة بن كعب ابن سعد حين هدمها في الإسلام: ولقد شددت على رضاء شدة ... فتركتها قفرا بقاع أسمحا قال ابن هشام: إنه عاش ثلاثمائة وثلاثين سنة وهو القائل: ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وعمرت من عدد السنين مئينا مائة حدتها بعدها مائتان لي ... وعمرت من عدد الشهور سنينا هل ما بقى إلا كما قد فاتنا ... يوم يمر وليلة تحدونا

стр. 5312

قال ابن إسحاق: وكان ذو الكعبات لبكر وتغلب ابني وائل وإياد بسنداد وله يقول أعشى بن قيس بن ثعلبة: بين الخورنق والسدير وبارق ... والبيت ذو الكعبات من سنداد ولهذا قال تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى* وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى). ٨ - بمناسبة قوله تعالى: أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته» تفرد به أحمد). ٩ - بمناسبة قوله تعالى: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً قال ابن كثير: (وقد ثبت في الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث»). ١٠ - بمناسبة قوله تعالى: وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ قال ابن كثير: (وقد روى الإمام أحمد عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له» وفي الدعاء المأثور: «اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا»). ١١ - بمناسبة قوله تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة؛ فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذب» أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق به. وروى ابن جرير عن أبي الضحى أن ابن مسعود قال: زنا العينين النظر، وزنا الفم التقبيل، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين المشي ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه، فإن تقدم بفرجه كان زانيا، وإلا فهو اللمم. وكذا قال مسروق والشعبي، وقال عبد الرحمن بن نافع الذي يقال له ابن لبابة الطائفي قال: سألت أبا هريرة عن قول الله: إِلَّا اللَّمَمَ قال: القبلة والغمزة والنظرة والمباشرة، فإذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل وهو الزنا، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس

стр. 5313

إِلَّا اللَّمَمَ إلا ما سلف، وكذا قال زيد بن أسلم، وروى ابن جرير عن مجاهد أنه قال في هذه الآية إِلَّا اللَّمَمَ قال الذي يلم بالذنب ثم يدعه قال الشاعر: إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك ما ألما؟ وروى ابن جرير عن مجاهد في قوله تعالى: إِلَّا اللَّمَمَ قال: الرجل يلم بالذنب ثم ينزع عنه، وقال وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت وهم يقولون: إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك ما ألما؟ وقد رواه ابن جرير وغيره مرفوعا روى ابن جرير عن ابن عباس الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ قال: هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب وقال: قال رسول الله ﷺ : إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك ما ألما؟ وهكذا رواه الترمذي وقال: هذا حديث صحيح حسن غريب، وروى ابن جرير عن أبي هريرة ﵁ أراه رفعه في الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ قال: اللمة من الزنا ثم يتوب ولا يعود. واللمم من السرقة ثم يتوب ولا يعود، واللمة من شرب الخمر ثم يتوب ولا يعود قال فذلك الإلمام. وحدثنا ابن بشار عن الحسن في قوله تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ قال: اللمم من الزنا أو السرقة أو شرب الخمر ثم لا يعود. وعن الحسن في قول الله: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: هو الرجل يصيب اللمة من الزنا، واللمة من شرب الخمر فيجتنبها ويتوب منها. وروى ابن جرير عن عطاء عن ابن عباس إِلَّا اللَّمَمَ يلم بها في الحين قلت: الزنا؟ قال: الزنا ثم يتوب، وقال ابن جرير عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: اللمم الذي يلم المرة. وقال السدي قال أبو صالح سئلت عن اللمم فقلت هو الرجل يصيب الذنب ثم يتوب، وأخبرت بذلك ابن عباس فقال لقد أعانك ملك كريم. حكاه البغوي). ١٢ - بمناسبة قوله تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى قال ابن كثير: (كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا وروى مسلم في صحيحة عن محمد بن عمرو بن عطاء قال:

стр. 5314

سميت ابنتي برة فقالت لي زينب بنت أبي سلمة: إن رسول الله ﷺ نهى عن هذا الاسم، وسميت برة، فقال رسول الله ﷺ : «لا تزكوا أنفسكم، إن الله أعلم بأهل البر منكم» فقالوا بم نسميها؟ قال: «سموها زينب» وقد ثبت أيضا في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: مدح رجل رجلا عند النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «ويلك قطعت عنق صاحبك- مرارا- إذا كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة فليقل: أحسب فلانا والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدا، أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك» وكذا رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه. وروى الإمام أحمد عن همام بن الحارث قال: جاء رجل إلى عثمان فأثنى عليه في وجهه، قال فجعل المقداد بن الأسود يحثو في وجهه التراب ويقول: أمرنا رسول الله ﷺ إذا لقينا المداحين أن نحثو في وجوههم التراب. ورواه مسلم وأبو داود). أقول: المدح والتزكية لهما حالات فالكراهة ليست هي الصورة الوحيدة. ١٣ - بمناسبة قوله تعالى: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى قال ابن كثير: (وروى الترمذي في جامعه عن أبي الدرداء وأبي ذر عن رسول الله ﷺ عن الله أنه قال: «ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره» وروى ابن أبي حاتم ﵀ عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه عن رسول الله ﷺ قال: «ألا أخبركم لم سمى الله تعالى إبراهيم خليله الذي وفى؟ إنه كان يقول كل ما أصبح وأمسى فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ» حتى ختم الآية. ورواه ابن جرير). ١٤ - في أكثر من كتاب للعقاد أبرز القيمة الكبرى لقوله تعالى: أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى فهي علامة كبيرة على أن هذا الدين دين الله، فالبيئة العربية التي تقول بالثأر الظالم من كل إنسان له صلة بالقاتل لا يمكن أن ينبثق عنها مثل هذا النص، فإن يوجد مثل هذا في القرآن فذلك علامة على أنه من عند الله، وأن تتحدد مسئولية الإنسان عن أعماله وحدها فذلك تصحيح لمسار الفكر البشري على امتداد الزمان والمكان، وهو بذلك يشكل قاعدة من قواعد الخلود لهذا الدين الذي به يرجح على كل دين من خلال هذه القاعدة فقط فضلا عن غيرها. (راجع كتاب مطلع النور للعقاد).

стр. 5315

١٥ - بمناسبة قوله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى قال ابن كثير: (ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي ﵀ ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله ﷺ أمته ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة ﵃، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء، فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما، ومنصوص من الشارع عليهما. وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده، أو علم ينتفع به» فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وكده وعمله، كما جاء في الحديث: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه» والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه، وقد قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ الآية، والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضا من سعيه وعمله، وثبت في الصحيح: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا»). أقول: وفي وصول ثواب التلاوة إلى الأموات خلاف بين كثير من العلماء حتى ألفت في ذلك كتب. قال الألوسي: (وفي الأذكار للنووي عليه الرحمة: المشهور من مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه وجماعة أنها لا تصل، وذهب أحمد بن حنبل وجماعة من العلماء ومن أصحاب الشافعي إلى أنها تصل، فالاختيار أن يقول القارئ بعد فراغه: اللهم أوصل ثواب ما قرأته إلى فلان، والظاهر أنه إذا قال ذلك ونحوه- كوهبت ثواب ما قرأته لفلان- بقلبه كفى). ١٦ - بمناسبة قوله تعالى: وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى قال ابن كثير: (وروى ابن أبي حاتم عن عمرو بن ميمون الأودي قال: قام فينا معاذ بن جبل فقال: «يا بني أود إني رسول رسول الله ﷺ إليكم، تعلمون أن المعاد إلى الله إلى الجنة أو إلى النار» وذكر البغوي من رواية أبي جعفر عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ في قوله: وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى قال: لا فكرة في الرب. قال البغوي وهذا مثل ما روي عن أبي هريرة مرفوعا: «تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق، فإنه لا تحيط به الفكرة» وكذا أورده وليس بمحفوظ بهذا اللفظ، وإنما الذي في الصحيح: «يأتي الشيطان

стр. 5316

أحدكم فيقول من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول من خلق ربك؟ فإذا بلغ أحدكم ذلك فليستعذ بالله ولينته» والحديث الآخر الذي في السنن: «تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذات الله، فإن الله تعالى خلق ملكا ما بين شحمة أذنه إلى عاتقة مسيرة ثلاثمائة سنة» أو كما قال). ١٧ - بمناسبة قوله تعالى: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى قال صاحب الظلال: (وهي الحقيقة الهائلة الواقعة المتكررة في كل لحظة. فينساها الإنسان لتكرارها أمام عينيه، وهي أعجب من كل عجيبة تبدعها شطحات الخيال! نطفة تمنى ... تراق ... إفراز من إفرازات هذا الجسد الإنساني الكثيرة كالعرق والدمع والمخاط! فإذا هي بعد فترة مقدورة في تدبير الله ... إذا هي ماذا؟ إذا هي إنسان! وإذا هذا الإنسان ذكر وأنثى! كيف؟ كيف تمت هذه العجيبة التي لم تكن- لولا وقوعها- تخطر على الخيال؟ وأين كان هذا الإنسان المركب الشديد التركيب، المعقد الشديد التعقيد؟ أين كان كامنا في النقطة المراقة من تلك النطفة. بل في واحد من ملايين من أجزائها الكثيرة؟ أين كان كامنا بعظمه ولحمه وجلده، وعروقه وشعره وأظافره. وسماته وشياته وملامحه. وخلائقه وطباعه واستعداداته؟! أين في هذه الخلية الميكروسكوبية السابحة هي وملايين من أمثالها في النقطة الواحدة من تلك النطفة التي تمنى؟! وأين على وجه التخصيص كانت خصائص الذكر وخصائص الأنثى في تلك الخلية. تلك التي انبثقت وأعلنت عن نفسها في الجنين في نهاية المطاف؟! وأي قلب بشري يقف أمام هذه الحقيقة الهائلة العجيبة، ثم يتمالك أو يتماسك. فضلا على أن يجحد ويتبجح، ويقول: إنها وقعت هكذا والسلام! وسارت في طريقها هكذا والسلام! واهتدت إلى خطها المرسوم هكذا والسلام! أو يتعالم فيقول: إنها سارت هذه السيرة بحكم ما ركب فيها من استعداد لإعادة نوعها، شأنها شأن سائر الأحياء المزودة بهذا الاستعداد! فهذا التفسير يحتاج بدوره إلى تفسير). يقول الدكتور الطبيب خالص كنجو في كتابه (الطب محراب للإيمان): (إن عدد الصبغيات في كل خلية إنسانية هي ٢٣ زوجا، ويختص من هذه الأزواج زوج واحد فقط في تصميم الأنوثة أو الرجولة بكل الأبعاد في كيان الإنسان العضوي والنفسي، إن مفتاح الذكورة والأنوثة موجود في هذا الزوج من الصبغيات. ولقد لوحظ أن هذا الزوج متجانس في الأنثى، فهما من شكل واحد، ورمز لهما

стр. 5317

بحرف (XX) في حين أن هذا الزوج في الذكر متغاير ورمز لهما بالرمز (YX) وعند الانقسام يصبح أحد الأشكال الأربعة في كل خلية أي: إما (X) أو (X) أو (X) أو (Y) أو بالأصح شكلان فقط هما (X) : و. (Y) ثم ماذا يحدث بعد ذلك. إن البويضات تحمل صبغيا واحدا فقط ومن شكل واحد (X) بينما تحمل النطف عند الرجل شكلان من الصبغيات صبغي (X) وصبغي. (Y) والآن لعل الأمر أصبح واضحا في تحديد الجنس، فالنطفة هي المسئولة عن تحديد الجنس؛ لأنها تحمل الأشكال المتغايرة من الصبغيات الجنسية، فإذا حملت نطفة صبغيا اجتمعت نطفة من نوع (X) مع البويضة ذات النوع (X) كان المخلوق أنثى، وإليك بيانا موضحا: نطفة G (Y) بويضة - (X) ذكر. (YX) نطفة G (X) بويضة - (X) أنثى. (XX) وهذا ما ذكره القرآن قبل أربعة عشر قرنا حين أرجع مسئولية تحديد الجنس إلى مني الرجل ... وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى). ١٨ - وبمناسبة قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى ننقل ما قاله صاحب الظلال في (الشعرى) قال: (والشعرى نجم أثقل من الشمس بعشرين مرة، ونوره خمسون ضعف نور الشمس. وهي أبعد من الشمس بمليون ضعف بعد الشمس عنا. وقد كان هناك من يعبد هذا النجم. وكان هناك من يرصده كنجم ذي شأن. فتقرير أن الله هو رب الشعرى له مكانه في السورة التي تبدأ بالقسم بالنجم إذا هوى؛ ونتحدث عن الرحلة إلى الملأ الأعلى؛ كما تستهدف تقرير عقيدة التوحيد، ونفي عقيدة الشرك الواهية المتهافتة). (وقد كان للشعرى من اهتمام الأقدمين حظ كبير. ومما هو معروف أن قدماء المصريين كانوا يوقتون فيضان النيل بعبور الشعرى بالفلك الأعلى. ويرصدونها من أجل هذا ويرقبون حركاتها. ولها شأن في أساطير الفرس وأساطير العرب على السواء). ١٩ - بمناسبة قوله تعالى: هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى * أَزِفَتِ الْآزِفَةُ* لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ قال ابن كثير: (والنذير الحذر لما يعاين من الشر الذي يخشى

стр. 5318

وقوعه فيمن أنذرهم كما قال: إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ وفي الحديث: «أنا النذير العريان» أي الذي أعجله شدة ما عاين من الشر عن أن يلبس عليه شيئا، بل بادر إلى إنذار قومه قبل ذلك فجاءهم عريانا مسرعا وهو مناسب لقوله: أَزِفَتِ الْآزِفَةُ أي: اقتربت القريبة، يعني: يوم القيامة، كما قال في أول السورة التي بعدها: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وروى الإمام أحمد عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا ببطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود، حتى أنضجوا خبزتهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه» وقال أبو حازم: قال رسول الله ﷺ قال أبو نضرة: لا أعلم إلا عن سهل بن سعد- قال: «مثلي ومثل الساعة كهاتين» وفرق بين إصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام ثم قال: «مثلي ومثل الساعة كمثل فرسي رهان» ثم قال: «مثلي ومثل الساعة كمثل رجل بعثه قومه طليعة فلما خشي أن يسبق ألاح بثوبه أتيتم أتيتم» ثم يقول رسول الله ﷺ : «أنا ذلك» وله شواهد من وجوه أخر من صحاح وحسان). ٢٠ - بمناسبة قوله تعالى: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا قال ابن كثير: (روى البخاري عن ابن عباس قال: سجد النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس. انفرد به دون مسلم، وروى الإمام أحمد عن جعفر بن المطلب بن أبي وداعة عن أبيه قال: قرأ رسول الله ﷺ بمكة سورة النجم فسجد وسجد من عنده، فرفعت رأسي فأبيت أن أسجد، ولم يكن أسلم يومئذ المطلب فكان بعد ذلك لا يسمع أحدا يقرؤها إلا سجد معه. وقد رواه النسائي في الصلاة عن عبد الملك بن عبد الحميد عن أحمد بن حنبل به). كلمة أخيرة في سور النجم والذاريات والطور: هذه السور الثلاث فصلت في الآيات الأولى من سورة البقرة أي في قوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ففصلت في كون هذا القرآن لا ريب فيه، وفصلت في أن الهداية فيه، وأقامت الحجة على الريب والجحود، وفصلت في موضوع الإيمان بالغيب، فعرضت جوانب من الغيب،

стр. 5319

وعرضت بعض آثار الإيمان بالغيب، وفصلت في موضوع الصلاة والإنفاق، وفصلت في موضوع الإيمان بما أنزل على محمد ﷺ وبما أنزل من قبله، وفصلت في موضوع الإيقان بالآخرة، فعرضت جوانب من عوالم الآخرة، وأقامت الحجة على الكافرين فيها، وحذرت وأنذرت وذكرت طرفا من مظاهر الفلاح للمتقين، وطرفا من مظاهر الخسران للكافرين، وفصلت في قضية التقوى والطريق إليها وخصائص أهلها، وكل ذلك قد رأيناه تفصيلا، ومع كون السور أدت دورها في التفصيل للمحور، فقد كان لكل سورة سياقها الخاص بها، فهي من ناحية وحدة متكاملة، كما أنها جزء من وحدة متكاملة في هذا القرآن، وقد رأينا أن أواخر كل سورة منها متصل بأوائل السورة اللاحقة، وقد رأينا كيف أن سورة النجم انتهت بقوله تعالى: أَزِفَتِ الْآزِفَةُ ... وكيف أن سورة القمر تبتدئ بقوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وصلة ذلك ببعضه بعضا لا تخفى، فلنر سورة القمر التي تفصل في الآيتين اللاحقتين للآيات التي فصلتها السور الثلاث من أول سورة البقرة. ***

стр. 5320

سورة القمر وهي السورة الرابعة والخمسون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الرابعة من المجموعة الأولى من قسم المفصل، وآياتها خمس وخمسون آية وهي مكية

стр. 5321

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 5322

[قال صاحب الظلال في تقديمه لسورة القمر] قدم صاحب الظلال لسورة القمر بقوله: (هذه السورة من مطلعها إلى ختامها حملة رعيبة مفزعة عنيفة على قلوب المكذبين بالنذر، بقدر ما هي طمأنينة عميقة وثيقة للقلوب المؤمنة المصدقة. وهي مقسمة إلى حلقات متتابعة، كل حلقة منها مشهد من مشاهد التعذيب للمكذبين، يأخذ السياق في ختامها بالحس البشري فيضغطه ويهزه ويقول له: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ؟ * ... ثم يرسله بعد الضغط والهز ويقول له: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟ *). (فإذا انتهت الحلقة وبدءوا يستردون أنفاسهم اللاهثة المكروبة عاجلتهم حلقة جديدة أشد هولا ورعبا ... وهكذا حتى تنتهي الحلقات السبعة في هذا الجو المفزع الخانق. فيطل المشهد الأخير في السورة. وإذا هو جو آخر، ذو ظلال أخرى. وإذا هو الأمن والطمأنينة والسكينة. إنه مشهد المتقين: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ* فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ. في وسط ذلك الهول الراجف، والفزع المزلزل، والعذاب المهين للمكذبين: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ. فأين وأين؟ مشهد من مشهد؟ ومقام من مقام؟ وقوم من قوم؟ ومصير من مصير؟). كلمة في سورة القمر ومحورها: من تشابه بداية سورة القمر وسورة الأنبياء نستأنس أن محور السورتين واحد، فسورة الأنبياء ابتدأت بقوله تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ وسورة القمر ابتدأت بقوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ومن دراسة مضمون سورة القمر نعرف أن محورها هو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وهو نفسه محور سورة الأنبياء لاحظ بعض آيات سورة القمر: وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (آية: ٢). فَما تُغْنِ النُّذُرُ (آية: ٥). كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (آية: ١٨).

стр. 5323

كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (آية: ٢٣). كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (آية: ٣٣). وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ* كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (الآيتان: ٤١، ٤٢). ومن تأمل هذه الآيات وجد صلتها بقوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* واضحة، والحقيقة أن السورة كلها- تقريبا- حديث عن الإنذار، والتكذيب، وعدم استفادة الكافرين من الإنذار، وجزائهم في الدنيا والآخرة، وهذا كله يؤكد صلة السورة بالمحور الذي ذكرناه. ... وقد رأينا أن آخر سورة النجم كان: هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى * أَزِفَتِ الْآزِفَةُ ... والملاحظ أن سورة القمر تبدأ بالكلام عن اقتراب الساعة، وتتحدث عن مجموعة من النذر الأولى، كما تتحدث عن القرآن فتتكرر بها اللازمة وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ* وهكذا نجد أن سورة القمر ترتبط بالمعاني التي ذكرت في أواخر سورة النجم، وبذلك نرى أن هذا القرآن تتعانق سوره، وتتعانق زمره، وتتعانق معانيه بهذا الشكل المعجز العجيب، الذي لا يخطر على قلب بشر، فضلا عن أن يستطيعه بشر. ولنبدأ عرض سورة القمر، فإن وضوح صلتها بمحورها لا يستدعي منا وقوفا طويلا وسنعرض السورة على ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى: وتمتد حتى نهاية الآية: (٨). المجموعة الثانية: وتمتد حتى نهاية الآية: (٤٢). المجموعة الثالثة: وتمتد حتى نهاية الآية: (٥٥). والمجموعات الثلاث تتعانق معانيها مع كونها تفصل في محور السورة من سورة البقرة. ...

стр. 5324

المجموعة الأولى وتمتد من الآية (١) إلى نهاية الآية (٨) وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة القمر (٥٤): الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨) التفسير: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ أي: قربت القيامة وَانْشَقَّ الْقَمَرُ نصفين على عهد رسول الله ﷺ آية للناس، قال ابن كثير: (قد كان هذا في زمان رسول الله ﷺ ، كما ورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة) ولنا عودة إلى هذين الموضوعين في الفوائد. وَإِنْ يَرَوْا أي: وإن ير الكافرون آيَةً أي دليلا وحجة وبرهانا يدل على صدق سيدنا محمد ﷺ يُعْرِضُوا أي عن الإيمان. قال ابن كثير: (أي لا ينقادون له بل يعرضون عنه ويتركونه وراء ظهورهم) وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ قال النسفي: (أي محكم قوي ... أو دائم مطرد، أو مار ذاهب يزول ولا يبقى) ولم يذكر ابن كثير إلا الثالث فقال: (أي ذاهب، وقاله مجاهد وقتادة وغيرهما: أي باطل مضمحل لا دوام له) وأرجح أن يكون المراد بالاستمرار ظاهره أي الدوام والاطراد، فكأنهم أرادوا أن يقولوا أن ما يظهر على يد رسول الله ﷺ ظاهرة كونية مستمرة هي من باب السحر، وليست خارقة معجزة من الله تدل على صدق رسول الله ﷺ في تبليغه عن الله وَكَذَّبُوا النبي ﷺ وَاتَّبَعُوا

стр. 5325

أَهْواءَهُمْ أي: ما زين لهم الشيطان من دفع الحق بعد ظهوره قال ابن كثير: أي كذبوا بالحق إذ جاءهم، واتبعوا ما أمرتهم به آراؤهم وأهواؤهم من جهلهم وسخافة عقلهم وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ قال قتادة: معناه أن الخير واقع بأهل الخير، والشر واقع بأهل الشر، أي: في النهاية، وقال ابن جريج: أي مستقر بأهله، أي وكل أمر مستقر بأهله في النهاية على ما يقتضيه هذا الأمر من نهايات خيرة أو شريرة في الدنيا والآخرة، ولا شك أن استقرار الأمور استقرارا كاملا على ما تقتضيه إنما يكون في الآخرة، ومن ثم فسر مجاهد استقرار الأمور بأنه يوم القيامة، فكأن لكل أمر مسرى يسير فيه حتى يستقر في نهاية مصبه، قال النسفي: وقيل: كل أمر من أمرهم واقع مستقر، أي سيثبت ويستقر عند ظهور العقاب والثواب وَلَقَدْ جاءَهُمْ أي: هؤلاء الكافرين مِنَ الْأَنْباءِ أي: من القرآن المودع أنباء القرون الخالية، أو أنباء الآخرة وما وصف من عذاب الكفار ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ أي: ما فيه ازدجار عن الكفر، قال ابن كثير: أي ما فيه واعظ لهم عن الشرك والتمادي إلى التكذيب حِكْمَةٌ بالِغَةٌ أي: جاءتهم حكمة بالغة نهاية الصواب، أو حكمة بالغة من الله إليهم، وأي حكمة تبلغ ما تبلغه الحكمة الموجودة في القرآن لمن عقل وتدبر، ولكن هؤلاء وصلوا إلى حالة من الكفر ما عادت تنفع معهم الحكمة، ولا الآية، ولا الإنذار، قال تعالى: فَما تُغْنِ النُّذُرُ قال النسفي: والنذر جمع نذير وهم الرسل أو المنذر به (أي: وهو القرآن) أو النذر ... بمعنى الإنذار. أقول: والواقع أن هؤلاء وصلوا إلى حالة لا القرآن يؤثر فيهم، ولا موعظة الرسول تؤثر فيهم، ولا إنذارات الله العملية تؤثر فيهم. قال ابن كثير: (يعني: أي شئ تغني النذر عمن كتب الله عليه الشقاوة، وختم على قلبه، فمن الذي يهديه من بعد الله؟). كلمة في السياق: رأينا في ما مر معنا من الآيات كيف أن ناسا من الكفار وصلوا إلى درجة من الكفر أصبحوا معها لا يستفيدون من رؤية المعجزات، ولا يستفيدون من زجر القرآن وقصصه وحكمته، ولا من أي إنذار آخر، وصلة ذلك بقوله تعالى في محور السورة واضحة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ومما مر نستطيع أن نتلمس صفات هؤلاء الذين لا ينفع معهم الإنذار، وقد ذكرت الآيات صفتين: التكذيب، واتباع الهوى وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ ومن ثم
следующие страницы →