← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 5322

[قال صاحب الظلال في تقديمه لسورة القمر] قدم صاحب الظلال لسورة القمر بقوله: (هذه السورة من مطلعها إلى ختامها حملة رعيبة مفزعة عنيفة على قلوب المكذبين بالنذر، بقدر ما هي طمأنينة عميقة وثيقة للقلوب المؤمنة المصدقة. وهي مقسمة إلى حلقات متتابعة، كل حلقة منها مشهد من مشاهد التعذيب للمكذبين، يأخذ السياق في ختامها بالحس البشري فيضغطه ويهزه ويقول له: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ؟ * ... ثم يرسله بعد الضغط والهز ويقول له: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟ *). (فإذا انتهت الحلقة وبدءوا يستردون أنفاسهم اللاهثة المكروبة عاجلتهم حلقة جديدة أشد هولا ورعبا ... وهكذا حتى تنتهي الحلقات السبعة في هذا الجو المفزع الخانق. فيطل المشهد الأخير في السورة. وإذا هو جو آخر، ذو ظلال أخرى. وإذا هو الأمن والطمأنينة والسكينة. إنه مشهد المتقين: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ* فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ. في وسط ذلك الهول الراجف، والفزع المزلزل، والعذاب المهين للمكذبين: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ. فأين وأين؟ مشهد من مشهد؟ ومقام من مقام؟ وقوم من قوم؟ ومصير من مصير؟). كلمة في سورة القمر ومحورها: من تشابه بداية سورة القمر وسورة الأنبياء نستأنس أن محور السورتين واحد، فسورة الأنبياء ابتدأت بقوله تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ وسورة القمر ابتدأت بقوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ومن دراسة مضمون سورة القمر نعرف أن محورها هو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وهو نفسه محور سورة الأنبياء لاحظ بعض آيات سورة القمر: وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (آية: ٢). فَما تُغْنِ النُّذُرُ (آية: ٥). كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (آية: ١٨).

стр. 5323

كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (آية: ٢٣). كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (آية: ٣٣). وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ* كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (الآيتان: ٤١، ٤٢). ومن تأمل هذه الآيات وجد صلتها بقوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* واضحة، والحقيقة أن السورة كلها- تقريبا- حديث عن الإنذار، والتكذيب، وعدم استفادة الكافرين من الإنذار، وجزائهم في الدنيا والآخرة، وهذا كله يؤكد صلة السورة بالمحور الذي ذكرناه. ... وقد رأينا أن آخر سورة النجم كان: هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى * أَزِفَتِ الْآزِفَةُ ... والملاحظ أن سورة القمر تبدأ بالكلام عن اقتراب الساعة، وتتحدث عن مجموعة من النذر الأولى، كما تتحدث عن القرآن فتتكرر بها اللازمة وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ* وهكذا نجد أن سورة القمر ترتبط بالمعاني التي ذكرت في أواخر سورة النجم، وبذلك نرى أن هذا القرآن تتعانق سوره، وتتعانق زمره، وتتعانق معانيه بهذا الشكل المعجز العجيب، الذي لا يخطر على قلب بشر، فضلا عن أن يستطيعه بشر. ولنبدأ عرض سورة القمر، فإن وضوح صلتها بمحورها لا يستدعي منا وقوفا طويلا وسنعرض السورة على ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى: وتمتد حتى نهاية الآية: (٨). المجموعة الثانية: وتمتد حتى نهاية الآية: (٤٢). المجموعة الثالثة: وتمتد حتى نهاية الآية: (٥٥). والمجموعات الثلاث تتعانق معانيها مع كونها تفصل في محور السورة من سورة البقرة. ...

стр. 5324

المجموعة الأولى وتمتد من الآية (١) إلى نهاية الآية (٨) وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة القمر (٥٤): الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨) التفسير: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ أي: قربت القيامة وَانْشَقَّ الْقَمَرُ نصفين على عهد رسول الله ﷺ آية للناس، قال ابن كثير: (قد كان هذا في زمان رسول الله ﷺ ، كما ورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة) ولنا عودة إلى هذين الموضوعين في الفوائد. وَإِنْ يَرَوْا أي: وإن ير الكافرون آيَةً أي دليلا وحجة وبرهانا يدل على صدق سيدنا محمد ﷺ يُعْرِضُوا أي عن الإيمان. قال ابن كثير: (أي لا ينقادون له بل يعرضون عنه ويتركونه وراء ظهورهم) وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ قال النسفي: (أي محكم قوي ... أو دائم مطرد، أو مار ذاهب يزول ولا يبقى) ولم يذكر ابن كثير إلا الثالث فقال: (أي ذاهب، وقاله مجاهد وقتادة وغيرهما: أي باطل مضمحل لا دوام له) وأرجح أن يكون المراد بالاستمرار ظاهره أي الدوام والاطراد، فكأنهم أرادوا أن يقولوا أن ما يظهر على يد رسول الله ﷺ ظاهرة كونية مستمرة هي من باب السحر، وليست خارقة معجزة من الله تدل على صدق رسول الله ﷺ في تبليغه عن الله وَكَذَّبُوا النبي ﷺ وَاتَّبَعُوا

стр. 5325

أَهْواءَهُمْ أي: ما زين لهم الشيطان من دفع الحق بعد ظهوره قال ابن كثير: أي كذبوا بالحق إذ جاءهم، واتبعوا ما أمرتهم به آراؤهم وأهواؤهم من جهلهم وسخافة عقلهم وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ قال قتادة: معناه أن الخير واقع بأهل الخير، والشر واقع بأهل الشر، أي: في النهاية، وقال ابن جريج: أي مستقر بأهله، أي وكل أمر مستقر بأهله في النهاية على ما يقتضيه هذا الأمر من نهايات خيرة أو شريرة في الدنيا والآخرة، ولا شك أن استقرار الأمور استقرارا كاملا على ما تقتضيه إنما يكون في الآخرة، ومن ثم فسر مجاهد استقرار الأمور بأنه يوم القيامة، فكأن لكل أمر مسرى يسير فيه حتى يستقر في نهاية مصبه، قال النسفي: وقيل: كل أمر من أمرهم واقع مستقر، أي سيثبت ويستقر عند ظهور العقاب والثواب وَلَقَدْ جاءَهُمْ أي: هؤلاء الكافرين مِنَ الْأَنْباءِ أي: من القرآن المودع أنباء القرون الخالية، أو أنباء الآخرة وما وصف من عذاب الكفار ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ أي: ما فيه ازدجار عن الكفر، قال ابن كثير: أي ما فيه واعظ لهم عن الشرك والتمادي إلى التكذيب حِكْمَةٌ بالِغَةٌ أي: جاءتهم حكمة بالغة نهاية الصواب، أو حكمة بالغة من الله إليهم، وأي حكمة تبلغ ما تبلغه الحكمة الموجودة في القرآن لمن عقل وتدبر، ولكن هؤلاء وصلوا إلى حالة من الكفر ما عادت تنفع معهم الحكمة، ولا الآية، ولا الإنذار، قال تعالى: فَما تُغْنِ النُّذُرُ قال النسفي: والنذر جمع نذير وهم الرسل أو المنذر به (أي: وهو القرآن) أو النذر ... بمعنى الإنذار. أقول: والواقع أن هؤلاء وصلوا إلى حالة لا القرآن يؤثر فيهم، ولا موعظة الرسول تؤثر فيهم، ولا إنذارات الله العملية تؤثر فيهم. قال ابن كثير: (يعني: أي شئ تغني النذر عمن كتب الله عليه الشقاوة، وختم على قلبه، فمن الذي يهديه من بعد الله؟). كلمة في السياق: رأينا في ما مر معنا من الآيات كيف أن ناسا من الكفار وصلوا إلى درجة من الكفر أصبحوا معها لا يستفيدون من رؤية المعجزات، ولا يستفيدون من زجر القرآن وقصصه وحكمته، ولا من أي إنذار آخر، وصلة ذلك بقوله تعالى في محور السورة واضحة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ومما مر نستطيع أن نتلمس صفات هؤلاء الذين لا ينفع معهم الإنذار، وقد ذكرت الآيات صفتين: التكذيب، واتباع الهوى وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ ومن ثم

стр. 5326

نعلم أن الله ختم على قلوبهم كما ورد في المحور، إنما هو عقوبة لهم بسبب مما جنته أيديهم خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وأمام عدم نفع الإنذارات بهؤلاء كما ذكرت الآيات المارة معنا من سورة القمر، وأمام استواء الإنذار وعدمه في حقهم كما ذكرته آيتا المحور، فإن الله يأمر رسوله ﷺ بقوله: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ قال ابن كثير: يقول تعالى: فتول يا محمد عن هؤلاء الذين إذا رأوا آية يعرضون ويقولون هذا سحر مستمر، أعرض عنهم وانتظرهم يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ قال ابن كثير: أي إلى شئ منكر فظيع، وهو موقف الحساب، وما فيه من البلاء، بل والزلازل والأهوال، وقال النسفي: (أي منكر فظيع تنكره النفوس، لأنها لم تعهد بمثله وهو هول يوم القيامة) وقال النسفي: والداعي إسرافيل ﵇ خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ أي: يوم يخرجون خشعا أبصارهم، أي: ذليلة أبصارهم، وقال النسفي: وخشوع الأبصار كناية عن الذلة، لأن ذلة الذليل وعزة العزيز تظهران في عيونهما يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ أي: من القبور كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ أي: في كثرتهم وانتشارهم في كل جهة، قال ابن كثير: أي كأنهم في انتشارهم وسرعة سيرهم إلى موقف الحساب إجابة للداعي جراد منتشر في الآفاق؛ ولهذا قال: مُهْطِعِينَ أي: مسرعين إِلَى الدَّاعِ أي: لا يخالفون ولا يتأخرون، قال النسفي: أي مسرعين مادي أعناقهم إليه يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ أي: صعب شديد، وبهذا انتهت المجموعة الأولى. كلمة في السياق: ١ - رأينا أنه أمام عدم غناء الإنذار للكافرين أمر الله رسوله ﷺ أن يعرض عنهم، وأن ينتظر فيهم عقاب الله يوم القيامة، ومن المجموعة عرفنا أن هؤلاء هم الذين اجتمع لهم التكذيب واتباع الهوى، أي أصبح التكذيب واتباع الهوى خلقين لهم، أمثال هؤلاء لا ينفع فيهم الإنذار، ولكن هل كل كافر تأصل فيه هذان الخلقان على الكمال والتمام، حتى لم يعد ينفع فيه الإنذار؟ الجواب لا، ومن ثم أمر الله رسوله ﷺ بالتبليغ، وإقامة الحجة على الخلق أجمعين، ومن هنا نعلم سر إيمان بعض الكافرين؟ ذلك لأنه لا زال في قلوبهم بقية من الفطرة، ولم يصلوا في التعقيد إلى الذروة، وقد أبرزنا هذه المعاني في أول سورة الأنبياء، ولهذه الأسباب كلها نعلم لم أقام الله الحجج الكثيرة على الكافرين، ولم ناقش مواقفهم كلها في هذا القرآن؟.

стр. 5327

٢ - نلاحظ أن القرآن الكريم مع تقريره أن نوعا من الكفار لن يستفيدوا من الإنذار فإنه قد أنذر، ولذلك حكمته، ومن حكمة ذلك إقامة الحجة، ومن حكمة ذلك أنه قد يتسلل إلى المؤمنين بعض من أخلاق الكافرين، وقد يؤمن كافر لم يصل إلى الحضيض في أخلاق الكافرين، فتأتي هذه الآيات مربية للثاني، ومطهرة للأول. ٣ - نلاحظ أن الآيات أفهمتنا أن في القرآن كفاية في الإنذار وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ وفي ذلك إشارة إلى أن القرآن هو النذير الكافي المستمر إلى يوم القيامة، كما نلاحظ أن الآيات وصفت القرآن بالحكمة البالغة، مما نفهم منه أنه لا أحكم من هذا القرآن أسلوبا وأحكاما وخطابا، ومن ثم فكل من يشتغل بقضية الدعوة إلى الله فعليه أن يركز على ربط الإنسان بالقرآن. ٤ - نلاحظ أن المجموعة الآتية تحدثنا عن مجموعة أمم كذبت فعوقبت، وصلة ذلك في المجموعة الأولى واضحة، فالمجموعة الأولى ورد فيها قوله تعالى: وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وتأتي المجموعة الثانية لترينا نماذج من المكذبين السابقين، وعقوبتهم في الدنيا قبل الآخرة، كما ورد في المجموعة الأولى قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ وتأتي المجموعة الثانية لتقص علينا من قصص السابقين ما فيه مزدجر فلنر المجموعة الثانية. ... المجموعة الثانية وتمتد من الآية (٩) إلى الآية (٤٢) وهذه هي: [سورة القمر (٥٤): الآيات ٩ الى ٤٢] كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠) وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢)

стр. 5328

التفسير تفسير الفقرة الأولى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قال ابن كثير: (أي قبل قومك يا محمد) قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا أي: نوحا ﵇، والملاحظ أن كلمة التكذيب وردت مرتين في الآية، قال النسفي معللا لذلك: ومعنى تكرار التكذيب أنهم كذبوه تكذيبا على عقب تكذيب، كلما مضى منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب، أو كذبت قوم نوح الرسل، فكذبوا عبدنا أي لما كانوا مكذبين بالرسل، جاحدين للنبوة رأسا، كذبوا نوحا ﵇، لأنه من جملة الرسل وَقالُوا مَجْنُونٌ لم يكتفوا أن صرحوا له بالتكذيب بل اتهموه بالجنون، وزادوا على ذلك أن زجروه قال تعالى: وَازْدُجِرَ قال النسفي: (أي زجر عن أداء الرسالة بالشتم، وهدد بالقتل) قال ابن كثير: (وقيل وازدجر أي انتهروه وزجروه وتوعدوه لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين قاله ابن زيد وهذا متوجه حسن) ويحتمل أن يكون وَازْدُجِرَ تتمة لوصفهم إياه بالجنون، أي قالوا: هو مجنون، وقد ازدجرته الجن، وتخبطته، وذهبت بلبه وهو قول مجاهد، والأول أولى فَدَعا نوح ﵇ رَبَّهُ أَنِّي أي: بأني مَغْلُوبٌ أي: غلبني قومي فلم يسمعوا مني، واستحكم اليأس من إجابتهم لي فَانْتَصِرْ أي: فانتقم لي منهم بعذاب تبعثه عليهم. قال ابن كثير في الآية: (أي إني ضعيف عن هؤلاء وعن مقاومتهم فانتصر أنت لدينك) قال تعالى: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ أي: منصب في كثرة وتتابع وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً أي: وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر قال ابن كثير: (أي نبعث جميع أرجاء الأرض حتى التنانير التي هي محال النيران نبعت عيونا) فَالْتَقَى الْماءُ أي: من السحاب والعيون المتفجرة من الأرض عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ أي: أمر مقدر، أي على حال قدرها الله كيف شاء، أو على أمر قد قدر في اللوح المحفوظ أنه يكون وهو هلاك قوم نوح بالطوفان وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ أي: على سفينة، والدسر:

стр. 5329

جمع دسار وهو المسمار تَجْرِي أي: السفينة بِأَعْيُنِنا قال النسفي: (أي بمرأى منا، أو بحفظنا أو ... محفوظة منا) وقال ابن كثير: (أي بأمرنا وبمرأى منا وتحت حفظنا وكلاءتنا) جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ أي: فعلنا ذلك جزاء لنوح قال النسفي: جعله مكفورا لأن النبي نعمة من الله ورحمة ... فكان نوح نعمة مكفورة. وقال ابن كثير: (فعلنا ذلك جزاء لهم على كفرهم بالله وانتصارا لنوح) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً قال قتادة: أبقى الله سفينة نوح حتى أدركها أول هذه الأمة. أقول: وقد ذكرت إذاعة- سمعتها- أن الأقمار الصناعية التي تدور حول الأرض الآن قد صورت على جبل أرارات في الاتحاد السوفياتي ما هو مظنة أن يكون بقية سفينة نوح، وذكرت الإذاعة أن عاملا من أرمينيا من قبل استطاع أن يصل إلى ذلك المكان، ويأخذ صورا لبقايا السفينة، بالتعاون مع آخرين، إلا أن الحكومة السوفياتية طمست الموضوع، وحين مراجعة هذه السطور ذكرت الإذاعات والصحف أن أحد رواد الفضاء يحاول محاولته الثانية للوصول إلى ما يعتبر مظنة بقية سفينة نوح على جبل أرارات، فإذا صح هذا يكون ما فهمه قتادة هو المتعين أن تحمل عليه الآية، ولم يطمئن لذلك ابن كثير: ومن ثم وجه الآية وجهة أخرى مضمونها: أن المراد بذلك جنس السفن، أي ولقد تركنا جنس السفن آية تذكركم بسفينة نوح فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أي: فهل من يتذكر ويتعظ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ أي: وانذاراتي، قال ابن كثير: أي كيف كان عذابي لمن كفر بي وكذب رسلي، ولم يتعظ بما جاءت به نذري، وكيف انتصرت لهم وأخذت لهم بالثأر وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ قال ابن كثير: أي سهلناه للادكار والاتعاظ، بأن شحناه بالمواعظ الشافية، وصرفنا فيه من الوعد والوعيد فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أي: فهل من متعظ يتعظ، وقال ابن كثير: أي فهل من متذكر بهذا القرآن الذي قد يسر الله حفظه ومعناه؟، وقال محمد بن كعب القرظي: (أي فهل من منزجر عن المعاصي) وأخرج البخاري عن مطر الوراق قوله في تفسير الآية: (أي فهل من طالب علم فيعان عليه). كلمة في السياق: ١ - ختم القصة بقوله تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ يفيد أن تكذيب القرآن كتكذيب رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم، ويستحق المكذبون به ما استحق أولئك من العذاب، يؤيد هذا المعنى مجئ قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ* حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ فإذا صح هذا الاتجاه

стр. 5330

فإن مجئ قوله تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ بعد كل قصة من قصص السابقين في السورة- ما عدا القصة الأخيرة- ويفيد أن تذكروا ولا تكذبوا فيصيبكم ما أصابهم، فالحجة قائمة عليكم، والقرآن ميسر لكم لتتذكروا به، فلا تعرضوا عنه، ولا تكذبوه، واتعظوا بمواعظه، والتزموا أمره ونهيه. ٢ - في ما قصه الله علينا من شأن قوم نوح نموذج على تكذيب الكافرين لرسلهم، ونموذج على عدم انتفاعهم بالإنذار، ونموذج على نصرة الله رسله، ونموذج على عقوبة الله في الدنيا لمن كذب رسله، وفي ذلك موعظة لأهل الإيمان، وتسلية لرسول الله ﷺ ، ودروس للخلق جميعا، وما يقال هنا يقال في كل قصة سترد معنا في المجموعة الثانية. ٣ - إن صلة الآيات المارة معنا والتي ستمر من المجموعة الثانية بقوله تعالى في المحور: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ واضحة، فالمجموعة تقدم لنا نماذج على عدم انتفاع الكافرين بالإنذار، وعلى نماذج من العذاب العظيم لهم في الدنيا، ولعذاب الآخرة أكبر. ... تفسير الفقرة الثانية: كَذَّبَتْ عادٌ أي: قوم هود فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ أي: انذاراتي لهم بالعذاب قبل نزوله، أو انذاراتي في تعذيبهم لمن بعدهم إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً أي: باردة أو شديدة الصوت قال ابن كثير: وهي الباردة الشديدة البرد فِي يَوْمِ نَحْسٍ أي: في يوم شؤم عليهم مُسْتَمِرٍّ أي: دائم الشر عليهم، فقد استمر حتى أهلكهم قال ابن كثير: (أي مستمر عليهم نحسه ودماره، لأنه يوم اتصل فيه عذابهم الدنيوي بالأخروي) تَنْزِعُ الريح النَّاسَ أي: تقلعهم عن أماكنهم، وتنزعهم وتكبهم، وتدق رقابهم كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ أي: كأنهم أصول نخل منقلع عن مغارسه، قال النسفي: وشبهوا بأعجاز النخل؛ لأن الريح كانت تقطع رءوسهم فتبقي أجسادا بلا رءوس فيتساقطون على الأرض أمواتا، وهم جثث طوال كأنهم أعجاز نخل، وهي أصولها بلا فروع، وقال ابن كثير: وذلك أن الريح كانت تأتي أحدهم فترفعه حتى تغيبه عن الأبصار، ثم تنكسه على أم رأسه، فيسقط إلى

стр. 5331

الأرض فتثلغ رأسه فيبقى جثة بلا رأس فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ كان العذاب والله شديدا والإنذارات صادقة وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ أي: سهلناه ليتذكر الناس فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أي: فهل من متذكر يتوب، أو يثوب، أو يتعظ، أو يعرف فيعمل. كلمة في السياق: وهذه أمة أخرى لم تقبل إنذار رسول الله ﷺ إليها؛ فعذبت بالرياح العاتية فاستؤصلت، وقد ختمت قصتها كما ختمت القصة قبلها بقوله تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ومن هذا الختام نفهم أن هذا القرآن نذير، وأن على الناس أن يتذكروا به ويتعظوا، لا أن يعرضوا ويكذبوا، وأنهم على شفا العذاب إن لم يفعلوا. تفسير الفقرة الثالثة: كَذَّبَتْ ثَمُودُ أي: قوم صالح بِالنُّذُرِ أي: بالمنذرين أو بالإنذارات فَقالُوا أي: قوم صالح عن صالح أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ أي: أنتبع منا واحدا قال ابن كثير: (يقولون: لقد خبنا وخسرنا إن سلمنا كلنا قيادنا لواحد منا) إِنَّا إِذاً أي: إن اتبعنا واحدا منا لَفِي ضَلالٍ أي: خطأ وبعد عن الصواب وَسُعُرٍ أي: ونيران، أو وجنون، ثم تعجبوا من إلقاء الوحي عليه خاصة من دونهم فقالوا أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا أي: أأنزل عليه الوحي من بيننا، وفينا من هو أحق منه بالاختيار للنبوة، ثم رموه بالكذب فقالوا: بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ أي: بطر متكبر، حمله بطره وطلبه التعظم علينا ادعاء ذلك، قال ابن كثير في تفسير الأشر: (أي متجاوز في حد الكذب) قال الله : سَيَعْلَمُونَ غَداً أي: عند نزول العذاب بهم، أو يوم القيامة مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ أي: أصالح أم من كذبه إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ أي: امتحانا لهم وابتلاء، أي: إنا باعثوها ومخرجوها من الهضبة كما سألوا؛ اختبارا لهم فَارْتَقِبْهُمْ أي: فانتظرهم وتبصر ما هم صانعون وَاصْطَبِرْ أي: على أذاهم ولا تعجل حتى يأتيك أمري، فإن العاقبة لك، والنصر في الدنيا والآخرة، قال ابن كثير: أخرج الله تعالى لهم ناقة عظيمة عشراء من صخرة صماء طبع ما سألوا؛ لتكون حجة لله عليهم في تصديق صالح عليه السلام

стр. 5332

فيما جاءهم به وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ أي: يوم لهم ويوم للناقة، أي مقسوم بينهم وبين الناقة، لها شرب يوم ولهم شرب يوم، فالعطاء يقتضي مقابلا إلا إذا شاء الله غير ذلك كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ أي محضور: يحضر القوم الشرب يوما، وتحضر الناقة يوما، وقال مجاهد: إذا غابت حضروا الماء، وإذا جاءت حضروا اللبن فَنادَوْا صاحِبَهُمْ قال المفسرون هو عاقر الناقة واسمه قدار بن سالف وهو أحيمر ثمود فَتَعاطى أي: فأخذ بالأسباب المؤدية، قال النسفي: أي فاجترأ على تعاطي الأمر العظيم غير مكترث ... أو فتعاطى السيف فَعَقَرَ أي: فعقر الناقة أي نحرها. والآية تدل على أنهم جميعا كانوا راضين بالنحر، لأنه كان بناء على أمرهم، أو على رضاهم فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ أي: وانذاراتي؟ كان العذاب شديدا والإنذارات صادقة إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً في اليوم الرابع من عقرها، كما ورد في سورة هود فَكانُوا كأثر عن الصيحة كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ أي: فبادوا عن آخرهم، لم تبق منهم باقية، وخمدوا وهمدوا كما يهمد وييبس الزرع والنبات، والهشيم: الشجر اليابس المتهشم المتكسر، والمحتظر: الذي يعمل الحظيرة، وما يحتظر بها عادة ييبس بطول الزمان، وتطؤه البهائم، فيتحطم ويتهشم، فأصبح قوم صالح بالصيحة كذلك فما أشده من عذاب وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أي: فهل من متعظ يفر إلى الله خشية عقابه في الدنيا والآخرة، فيؤمن بهذا القرآن، ويقبل عليه حفظا وتلاوة وعملا. كلمة في السياق: رأينا في قصة ثمود نموذجا جديدا على تكذيب المرسلين، ورأينا فيها نموذجا جديدا من عذاب الله ينزل بأمة، ففي قصة نوح كان عذاب الاستئصال بواسطة الطوفان، وفي قصة عاد كان عذاب الاستئصال بواسطة الريح، وفي قصة ثمود كان عذاب الاستئصال بواسطة الصيحة، وقد أرانا الله في قصة نوح ما رافق التكذيب من رمي بالجنون، وما رافقه من زجر لنوح، ولم نر في قصة عاد سوى التكذيب، ورأينا في قصة ثمود ما رافق التكذيب من مكر، وفي ذكر التكذيب فقط في قصة عاد ما يشير إلى أن التكذيب وحده كاف لعذاب الاستئصال، وفي ذكر شئ آخر مع التكذيب في قصتي نوح وصالح ﵉ إشارة إلى أن هذا النوع من الكلام كلام دائم في تاريخ الكفر فالرمي بالجنون للداعية، وانتهاره وزجره، واتهام الدعاة بالبطر وطلب الزعامة

стр. 5333

مع التكذيب لغة نراها في كل زمان ومكان، وهي أثر عن الكفر، والحصيلة لهذا كله هو استواء الإنذار وعدمه عند هؤلاء، وذلك هو التفصيل لمحور السورة الرئيسي: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ .... ... تفسير الفقرة الرابعة: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ أي: بالمرسلين، أو بالإنذارات إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً قال ابن كثير: وهي الحجارة، وقال النسفي: (أي ريحا تحصبهم بالحجارة أي ترميهم بها) إِلَّا آلَ لُوطٍ أي: هو وابنتاه، قال ابن كثير: ولم يؤمن بلوط من قومه أحد ولا رجل واحد حتى ولا امرأته، فأصابها ما أصاب قومها، وخرج نبي الله لوط وبنات له من بين أظهرهم سالما لم يمسسه سوء نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ أي: بسحر من الأسحار نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا أي: هذا الإنجاء إنعاما من عندنا على لوط وآله كَذلِكَ أي: مثل ذلك الإنجاء نَجْزِي مَنْ شَكَرَ نعمة الله بإيمانه وطاعته وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ لوط ﵇ بَطْشَتَنا أي: أخذتنا بالعذاب فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ أي: فكذبوا بالنذر متشككين وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ أي: طلبوا منه الفاحشة من أضيافه الملائكة، وهم يظنونهم بشرا كما مر معنا تفصيل ذلك في سورتي هود والحجر فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ أي: أعميناهم فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ أي: فقلت لهم على ألسنة الملائكة: ذوقوا عذابي وانذاراتي وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً أي: أول النهار عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ أي: لا محيد لهم عنه، ولا انفكاك لهم منه، قال النسفي: (أي ثابت قد استقر عليهم إلى أن يفضي بهم إلى عذاب الآخرة) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ عند ما أذاقهم العمى قال ذوقوا عذابي ونذر، وعند ما صبحهم بالعذاب قال لهم ذلك، لأن العذاب كان متنوعا متعددا، فقرعهم عند إنزاله كل نوع بهذا القول وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ فيتعظ فلا يفعل ما فعله المعذبون من تكذيب وعصيان. ... كلمة في السياق: رأينا في الفقرة الرابعة نموذجا جديدا على أمة كذبت ولم تنفعها الإنذارات، ورأينا

стр. 5334

ما رافق تكذيبها من عصيان، ورأينا نوعا جديدا من العذاب عوقبت به، وصلة ذلك بسياق السورة الخاص، وبمحور السورة لا تخفى فلا نطيل، والملاحظ أن قوله تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ قد تكرر أربع مرات وراء القصص الأربع، وفي ذلك قال النسفي: (وفائدة تكرير فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ* وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أن يجددوا عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين ادكارا واتعاظا، وأن يستأنفوا تنبها واستيقاظا إذا سمعوا الحث على ذلك والبعث عليه، وهذا حكم التكرير في قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ* عند كل نعمة عدها، وقوله: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ* عند كل آية أوردها، وكذلك تكرير الأنباء والقصص في أنفسها لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب، مصورة للأذهان، مذكورة غير منسية في كل أوان). تفسير الفقرة الخامسة: وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ أي: الرسل أو الإنذارات كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها أي: بالآيات التسع فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ أي: لا يغالب مُقْتَدِرٍ لا يعجزه شئ. قال ابن كثير: (فأبادهم الله ولم يبق منهم مخبر ولا عين ولا أثر). كلمة في السياق: ١ - ذكرت القصة الخامسة- باختصار- نموذجا جديدا على أمة أنذرت فكذبت فأهلكت، وبهذا تمت المجموعة الثانية، بعد أن ضربت لنا نماذج على أمم كذبت فأهلكت، ونماذج على أنواع من الهلاك، وتأتي الآن المجموعة الثالثة والأخيرة في السورة، وفيها خطاب لكفار هذه الأمة أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ ... ، فالمجموعة الثالثة إذن استمرار للمجموعة الثانية. ٢ - بدأت السورة بالكلام عن كفار هذه الأمة ومواقفهم، وذلك في مجموعتها الأولى، وثنت بذكر مكذبي الأمم السابقة وما أصابهم عقوبة لهم، ثم تأتي المجموعة الثالثة لتناقش هؤلاء الكافرين. ٣ - المجموعة الأولى عرضت مواقف كفار هذه الأمة، ولم تناقشهم، والمجموعة الثانية عرضت مواقف الأمم السابقة، وذكرت بالقرآن، ثم تأتي المجموعة الثالثة لتناقش كفار هذه الأمة، وتنذرهم، وتبشر المتقين:

стр. 5335

المجموعة الثالثة وتمتد من الآية (٤٣) حتى نهاية السورة أي: إلى نهاية الآية (٥٥) وهذه هي: [سورة القمر (٥٤): الآيات ٤٣ الى ٥٥] أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥) التفسير: أَكُفَّارُكُمْ يا من بلغته دعوة محمد ﷺ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ يعني: من الذين تقدم ذكرهم ممن أهلكوا بسبب تكذيبهم الرسل، وكفرهم بالكتب، يعني: أن كفاركم مثل أولئك بل شر منهم، ومن ثم فليحذروا ما أصاب أولئك أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ أي: أم أنزلت عليكم براءة في الكتب المتقدمة، أن من كفر منكم وكذب الرسل كان آمنا من عذاب الله؛ فأمنتم بتلك البراءة. قال ابن كثير: أي أم معكم من الله براءة أن لا ينالكم عذاب ولا نكال أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ أي: جماعة أمرنا مجتمع مُنْتَصِرٌ أي: ممتنع لا نرام ولا نضام. قال ابن كثير: أي يعتقدون أنهم يناصرون بعضهم بعضا، وأن جمعهم يغني عنهم من أرادهم بسوء سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ أي: جمع أهل مكة وهم أول من بلغتهم دعوة رسول الله ﷺ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ أي: الأدبار، أي ينصرفون منهزمين. قال النسفي: يعني يوم بدر، وهذه من علامات النبوة. قال ابن كثير: (أي سيتفرق شملهم ويغلبون) قال الألوسي:

стр. 5336

(أخرج ابن أبي حاتم. والطبراني في الأوسط. وابن مردويه عن أبي هريرة قال: أنزل الله تعالى على نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم بمكة قبل يوم بدر سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ وقال عمر بن الخطاب: قلت: يا رسول الله أي جمع يهزم؟ فلما كان يوم بدر وانهزمت قريش نظرت إلى رسول الله ﷺ في آثارهم مصلتا بالسيف وهو يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ فكانت ليوم بدر، وفي الدر المنثور: أخرج البخاري عن عائشة قالت: «نزل على محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بمكة وإني لجارية ألعب بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ») فكان في الآية معجزة غيبية إذ أنها أخبرت عن شئ ثم وقع. ... حصرت الآيات الثلاث العوامل التي يمكن أن تكون سببا في أمن المشركين من عذاب الله بثلاثة أشياء: ١ - خيرية هؤلاء على أولئك. ٢ - أو أخذهم أمانا من الله في الكتب السابقة. ٣ - أو تصورهم أن جمعهم سيغني عنهم. وإذ كان السببان الأولان منتفيين فقد بقي الثالث، وقد أخبرهم الله أن هذا الثالث سوف يؤتون من قبله إذ يهزمون، وكأن الآيات تحدد نوع العذاب الذي سينزله الله بكفار قريش المكذبين الأول لرسول الله ﷺ ، وهو عذاب الخزي والهزيمة، والقتل في الدنيا، وقد كان ذلك يوم بدر، فكانت معجزة تحتوي في طياتها ذكر نموذج آخر من نماذج تعذيب الله للمكذبين رسله، فقد أنذر أنه ستحل بقريش الهزيمة، وقد كان ذلك، وفي الآيات بشارة مستمرة لهذه الأمة، ثم بين تعالى أن عذاب يوم القيامة أشد فقال: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ أي: موعد عذابهم زائدا على عذاب بدر وَالسَّاعَةُ أَدْهى أي: أشد من موقف بدر وَأَمَرُّ أي: وأمر مذاقا من عذاب الدنيا وأشد، والداهية: هي الأمر المنكر الذي لا يهتدى لدوائه. ... وهكذا عرفنا الله على ما يستحقه المكذبون الأوائل لرسول الله ﷺ من هذه الأمة، وللكافرين من هذه الأمة في كل عصر عذابهم، إذ لهم نفس لغة الأوائل، وبعد هذا كله يحدثنا الله في خاتمة السورة عن الطرفين المتقابلين: المجرمين والمتقين، وبذلك ينهي السورة:

стр. 5337

إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ قال النسفي: عن الحق في الدنيا وَسُعُرٍ أي ونيران في الآخرة، أو في هلاك ونيران في الآخرة، وابن كثير يرى أن الضلال والسعر للكافرين في الدنيا، قال: يخبرنا تعالى عن المجرمين أنهم في ضلال عن الحق، وسعر مما هم فيه من الشكوك والاضطراب في الآراء، وهذا يشمل كل من اتصف بذلك من كافر ومبتدع من سائر الفرق يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ أي: يجرون فيها على وجوههم. قال ابن كثير: أي لما كانوا في سعر وشك وتردد، أورثهم ذلك النار، ولما كانوا ضلالا يسحبون فيها على وجوههم لا يدرون أين يذهبون، ويقال لهم تقريعا وتوبيخا ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ أي: ذوقوا مس سقر لكم، أي: ذوقوا عذابها، وسقر: علم لجهنم إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ أي: إنا خلقنا كل شئ بقدر، أي بتقدير سابق، أو خلقنا كل شئ مقدرا محكما مرتبا على حسب ما اقتضته الحكمة، أو مقدرا مكتوبا في اللوح المحفوظ، معلوما قبل كونه، قد علمنا حاله وزمانه، فإذا كانت الكلمة مشتقة من التقدير، فالمراد بذلك إقامة الحجة على الكافرين بمجيء يوم القيامة، وإذا كانت مشتقة من القدر فالآية تنذر الكافرين أن يخافوا الله، ثم قال تعالى: وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ أي: وما أمرنا إلا كلمة واحدة، أي: وما أمرنا لشئ نريد تكوينه إلا أن نقول له: كن فيكون كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ أي: على قدر ما يلمح أحدكم ببصره، والتشبيه للتقريب، وقيل المراد بأمرنا القيامة، فإذا كان المراد أمر الله في الدنيا فإن السياق يفيد أن قدرة الله التي خلقت الأشياء كلها، والتي هذا شأنها تصل إليكم إذا أرادت تعذيبكم، وإذا كان المراد أمر الآخرة فإن الآيات تدلل على أن الساعة آتية لا ريب فيها من خلال عرض مظاهر قدرة الله، وذكر الآية اللاحقة يرجح الأول قال تعالى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ أي: أشباهكم في الكفر من الأمم فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أي: متعظ. كلمة في السياق: ١ - يلاحظ أن الآيات الأخيرة استقرت على قوله تعالى: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ وهي الكلمة التي جاءت وراء القصص الأربع من المجموعة الثانية وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ فكأن ما مر معنا في الآيات الأخيرة نموذج آخر على كون القرآن ذكرا بما عرضه فيها، ومن ثم طالبت الآية الأخيرة بالادكار، فإذا تأملنا ما بين آخر مرة ذكرت فيها فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ وما بين ورودها الأخير هذا فإننا نجد أنه قد جاء ذكر أخذ فرعون وآله، ومخاطبة كفار هذه الأمة بما يستحقون في الدنيا والآخرة،

стр. 5338

وذكر حال أهل الكفر وعذابهم في الدنيا والآخرة، وذكر قدرة الله على الخلق وفعله في إهلاك السابقين، وأعقب ذلك المطالبة بالادكار، مما يدل على أن هذه كلها مذكرات. ٢ - لاحظنا أن قوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ* وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ جاء في سياق يمكن أن يستدل به على مجئ اليوم الآخر، كما يمكن أن يستدل به على الله، وأنه قادر على أن يعذب المجرمين؛ ومن ثم جاء بعدها وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ وبعد أن استقر هذا بين الله أن أعمالهم كلها محصية عليهم، وفي ذلك تتمة الإنذار والتذكير: ... وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ أي: في دواوين الحفظة. قال ابن كثير: أي مكتوب عليهم في الكتب التي بأيدي الملائكة ﵈ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ أي: من الأعمال ومن كل ما هو كائن مُسْتَطَرٌ أي مسطور في اللوح المحفوظ، هذا تفسير النسفي للآية، وأما ابن كثير: فيراها في الكلام عن صحف الملائكة، قال: (أي مجموع عليهم ومسطر في صحائفهم، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) وبذلك استكمل الإنذار. ... وبعد هذا الإنذار المتواصل في السورة تختتم السورة بآيتين فيهما تبشير للمتقين؛ تحقيقا لسنة القرآن في الإنذار والتبشير، وفي ختم السورة بهاتين الآيتين دعوة للناس جميعا أن يكونوا من أهل التقوى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ أي: وأنهار. قال ابن كثير: أي بعكس ما الأشقياء فيه من الضلال، والسعر والسحب في النار على وجوههم، مع التوبيخ والتقريع والتهديد فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ أي: في مكان مرضي. قال ابن كثير: (أي في دار كرامة الله ورضوانه وفضله وامتنانه وجوده وإحسانه عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ أي: عند الملك العظيم الخالق للأشياء كلها ومقدرها، وهو مقتدر على ما يشاء مما يطلبون ويريدون) وفائدة التنكير في اسمي الجلالة أن يعلم أن لا شئ إلا وهو تحت ملكه وقدرته، وهو على كل شئ قدير. ... قال صاحب الظلال: (وعند هذا الإيقاع الهادئ، في هذا الظل الآمن. تنتهي

стр. 5339

السورة التي حفلت حلقاتها بالفزع والكرب والأخذ والتدمير. فإذا للظل الآن والإيقاع الهادئ طعم وروح أعمق وأروح ... وهذه هي التربية الكاملة. تربية العليم الحكيم بمسارب النفوس ومداخل القلوب. وهذا هو التقدير الدقيق لخالق كل شئ بقدر، وهو اللطيف الخبير). كلمة في السياق: ١ - قد يتساءل متسائل أن السور الأربعة من هذه المجموعة ذكرت المتقين، فلماذا اعتبرتم محور الذاريات والطور والنجم الآيات الخمس الأولى من سورة البقرة، ومحور سورة القمر الآيتين التاليتين لذلك؟ نقول: إن المعاني هي التي قادتنا لذلك، ثم إن سورة القمر ذكرت المتقين، ولكن لم تضف تعريفا جديدا لهم، أو معنى جديدا في التقوى، وإنما ذكرت ما للمتقين فقط، بينما السور الثلاث السابقة أعطتنا مضمونا للتقوى أو تعريفا أو تفصيلا. ٢ - نلاحظ أن السورة فصلت في محورها تفصيلا جديدا زائدا على تفصيل سور سابقة، وقد رأينا من خلالها بوضوح كيف أن نوعا من الكفار لا يؤثر فيهم الإنذار، كما رأينا صورا من العذاب العظيم للكافرين، وذلك هو محور السورة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. ٣ - يلاحظ أن نهاية السورة هي قوله تعالى: عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ وأن بداية السورة اللاحقة سورة الرحمن الرَّحْمنُ فالصلة بين نهاية السورة وبداية ما بعدها واضحة. ولننقل بعض الفوائد المتعلقة ببعض آيات السورة. الفوائد: ١ - قدم ابن كثير للكلام عن سورة القمر بقوله: (قد تقدم في حديث أبي واقد أن رسول الله ﵌ كان يقرأ بقاف واقتربت الساعة في الأضحى والفطر، وكان يقرأ بهما في المحافل الكبار لاشتمالهما على ذكر الوعد والوعيد، وبدء الخلق وإعادته، والتوحيد وإثبات النبوات، وغير ذلك من المقاصد العظيمة). ٢ - بمناسبة قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ قال ابن كثير: (يخبر تعالى عن اقتراب الساعة وفراغ الدنيا وانقضائها كما قال تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ

стр. 5340

وقال: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ وقد وردت الأحاديث بذلك. روى الحافظ أبو بكر البزار عن أنس أن رسول الله ﷺ خطب أصحابه ذات يوم وقد كادت الشمس أن تغرب، فلم يبق منها إلا سف يسير فقال: «والذي نفسي بيده ما بقي من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه» وما نرى من الشمس إلا يسيرا. (حديث آخر يعضد الذي قبله ويفسره) روى الإمام أحمد عن ابن عمر قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ والشمس على قعيقعان بعد العصر فقال: «ما أعماركم في أعمار من مضى إلا كما بقي من النهار فيما مضى» وروى الإمام أحمد عن سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بعثت أنا والساعة هكذا» وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى. أخرجاه من حديث أبي حازم سلمة ابن دينار. وروى الإمام أحمد عن وهب السوائي قال: قال رسول الله ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهذه من هذه إن كادت لتسبقني» وجمع الأعمش بين السبابة والوسطى. وروى الإمام أحمد عن إسماعيل بن عبيد الله قال: قدم أنس بن مالك على الوليد ابن عبد الملك فسأله ماذا سمعت من رسول الله ﷺ يذكر به الساعة؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أنتم والساعة كهاتين» تفرد به أحمد ﵀ وشاهد ذلك أيضا في الصحيح في أسماء رسول الله ﷺ أنه الحاشر الذي يحشر الناس على قدميه. وروى الإمام أحمد عن خالد بن عمير قال: خطب عتبة بن غزوان فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد فإن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها فانتقلوا منها بخير ما يحضرنكم فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عاما ما يدرك لها قعرا، والله لتملؤنه أفعجبتم والله لقد ذكر لنا أن ما بين مصراعي الجنة مسيرة أربعين عاما، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام» وذكر تمام الحديث. انفرد به مسلم. وروى أبو جعفر بن جرير عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: نزلنا المدائن فكنا منها على فرسخ فجاءت الجمعة فحضر أبي وحضرت معه فخطبنا حذيفة فقال: ألا إن الله يقول: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق. فقلت لأبي أيستبق الناس غدا؟ فقال: يا بني إنك لجاهل إنما هو السباق بالأعمال، ثم جاءت الجمعة الأخرى فحضرنا فخطب حذيفة فقال: ألا إن الله يقول: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ألا وإن الدنيا قد

стр. 5341

آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق، ألا وإن الغاية النار والسابق من سبق إلى الجنة). ٣ - بمناسبة قوله تعالى: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ قال ابن كثير: قد كان هذا في زمان رسول الله ﷺ ، كما ورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة. وقد ثبت في الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: «خمس قد مضين: الروم والدخان واللزام والبطشة والقمر» وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي ﷺ ، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات. (ذكر الأحاديث الواردة في ذلك) (رواية أنس بن مالك): روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ آية فانشق القمر بمكة مرتين فقال: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ورواه مسلم عن محمد بن رافع، وروى البخاري عن أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم القمر شقين حتى رأوا حراء بينهما. وأخرجاه أيضا من حديث يونس بن محمد المؤدب، ورواه مسلم أيضا من حديث أبي داود الطيالسي ويحيى القطان وغيرهما. (رواية جبير بن مطعم ﵁: قال الإمام أحمد ... عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فصار فرقتين: فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل فقالوا: سحرنا محمد، فقالوا: إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. تفرد به الإمام أحمد من هذا الوجه وأسنده البيهقي في الدلائل من طريق محمد بن كثير، وكذا رواه ابن جرير من حديث محمد بن فضيل. ورواه البيهقي أيضا من طرق إبراهيم ابن طهمان. (رواية عبد الله بن عباس ﵄: روى البخاري عن ابن عباس قال: انشق القمر في زمان النبي ﷺ . ورواه البخاري أيضا ومسلم من حديث بكر بن نصر. وروى ابن جرير عن ابن عباس في قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ* وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ قال: قد مضى ذلك، كان قبل الهجرة انشق القمر حتى رأوا شقيه، وروى العوفي عن ابن عباس نحو هذا. (رواية عبد الله بن عمر): روى الحافظ أبو بكر البيهقي عن عبد الله بن عمر في قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ قال: وقد كان ذلك على عهد رسول الله ﷺ انشق فلقتين، فلقة من دون الجبل، وفلقة من خلف الجبل، فقال

стр. 5342

النبي ﷺ : «اللهم اشهد» وهكذا رواه مسلم والترمذي، وقال الترمذي: حسن صحيح. (رواية عبد الله بن مسعود): روى الإمام أحمد عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شقتين حتى نظروا إليه فقال رسول الله ﷺ : «اشهدوا» وهكذا رواه البخاري ومسلم، وروى ابن جرير عن عبد الله قال: كنا مع رسول الله ﷺ بمنى فانشق القمر، فأخذت فرقة خلف الجبل فقال رسول الله ﷺ : «اشهدوا اشهدوا» روى البخاري عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة قال فقالوا: انظروا ما يأتيكم به السفار، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، قال فجاء السفار فقالوا ذلك، وروى البيهقي عن مسروق عن عبد الله قال: انشق القمر بمكة حتى صار فرقتين، فقال كفار قريش أهل مكة: هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة، انظروا السفار، فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم فهو سحر سحركم به، قال: فسئل السفار، قال: وقدموا من كل وجهة فقالوا: رأينا. ورواه ابن جرير من حديث المغيرة به وزاد فأنزل الله : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ثم روى ابن جرير عن محمد- هو ابن سيرين- قال: نبئت أن ابن مسعود ﵁ كان يقول: لقد انشق القمر. وروى ابن جرير أيضا عن الأسود عن عبد الله قال: لقد رأيت الجبل من فرج القمر حيث انشق. ورواه الإمام أحمد عن الأسود عن عبد الله قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ حتى رأيت الجبل من بين فرجتي القمر، وقال ليث عن مجاهد انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فصار فرقتين فقال النبي ﷺ لأبي بكر: «اشهد يا أبا بكر» فقال المشركون: سحر القمر حتى انشق). قال صاحب الظلال معلقا على حادثة انشقاق القمر: (فالحادث ثابت من هذه الروايات المتواترة المحددة للمكان والزمان والهيئة. وهو حادث واجه به القرآن المشركين في حينه؛ ولم يرو عنهم تكذيب لوقوعه؛ فلا بد أن يكون قد وقع فعلا بصورة يتعذر معها التكذيب، ولو على سبيل المراء الذي كانوا يمارونه في الآيات، لو وجدوا منفذا للتكذيب. وكل ما روي عنهم أنهم قالوا: سحرنا! ولكنهم هم أنفسهم اختبروا الأمر، فعرفوا أنه ليس بسحر؛ فلئن كان قد سحرهم فإنه لا يسحر المسافرين خارج مكة الذين رأوا الحادث وشهدوا به حين سئلوا عنه).

стр. 5343

٤ - بمناسبة قوله تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ* قال النسفي: (وقيل (أي في معنى الآية) ولقد سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه فهل من طالب لحفظه ليعان عليه) وقال ابن كثير: أي سهلنا حفظه ويسرنا معناه، لمن أراده ليتذكر الناس، كما قال: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ وقال تعالى: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا قال مجاهد: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ* يعني: هونا قراءته. وقال السدي: يسرنا تلاوته على الألسن. وقال الضحاك عن ابن عباس: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله . (قلت): ومن تيسيره تعالى على الناس تلاوة القرآن ما تقدم عن النبي ﷺ أنه قال: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف». أقول: ذكرت هذه الآية خاصية من خواص هذا القرآن الكثيرة، وهي أن القرآن مع كونه تحدث عن كل شئ فإنه يقرؤه العامي ويستشعر أنه يفهمه، وأعظم الناس علما وثقافة يقرؤه ويستشعر أنه يفهمه، وهذا يأخذ منه على قدره، وهذا يأخذ منه على قدره، ومن تأمل هذه الظاهرة وحدها أيقن أن هذا القرآن من عند الله، لأن أحدا ما لا يقدر على مثل ذلك من البشر. ٥ - رأينا كيف أن قوم صالح كان من كلامهم: أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ وهذا يدلنا على أن من أخلاق الكافرين رفض تسليم القياد للقيادة الراشدة، وهذه قضية يجب أن يلاحظها المسلم في ذاته، بأن يجعل ذاته تسلم لأهل الحق في القيادة حقهم، فالقيادة والطاعة والولاء في حياة رسول الله ﷺ لرسول الله ﷺ ، ثم بعد وفاته ﵊ يكون حق الطاعة في المعروف لمن قدمه الصف الراشد للقيادة من خلال الشورى، وللمسألة صور ولكل صورة أحكامها، وعلى الأمير الراشد أن يقود الناس بالكتاب والسنة، فعن الشورى تنبثق القيادة، والقيادة تقيم الكتاب والسنة، وتستشير في أمر المسلمين أهل شوراهم لاتخاذ القرار السليم، والمسلم مكلف أن يطيع أميره في المعروف، وهكذا تلتقي في هذه الشريعة أجود ما تحكم به العقول دون ما تصبو إليه النزوات، وذلك من فضل الله على العالمين أن هدى الناس إلى ما فيه رشادهم في كل شئ. ٦ - بمناسبة قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ نقول: إن نغمة (بالوحدة يكون كل شئ) بوحدة الشعب، أو بوحدة الأمة، بصرف النظر عن

стр. 5344

الإيمان والكفر، نغمة قديمة، حتى لقد ظن كافرون أن بالوحدة لا تطالهم يد الله وهيهات، ونحن مكلفون بالإسلام، والإسلام فرض علينا أن نكون أمة واحدة، فهذا فرع هذا عند المسلم. ٧ - بمناسبة قوله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ قال ابن كثير: (روى البخاري عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال وهو في قبة له يوم بدر: «أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم في الأرض أبدا» فأخذ أبو بكر ﵁ بيده وقال حسبك يا رسول الله ألححت على ربك، فخرج وهو يثب في الدرع وهو يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ* بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ وكذا رواه البخاري والنسائي في غير موضع. وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: نزلت سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ قال: قال عمر: أي جمع يهزم؟ أي جمع يغلب؟ قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يثب في الدرع وهو يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ فعرفت تأويلها يومئذ. وروى البخاري عن يوسف بن ماهك قال: إني عند عائشة أم المؤمنين فقالت: نزل على محمد ﷺ بمكة وإني لجارية ألعب بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ هكذا رواه هاهنا مختصرا، ورواه في فضائل القرآن مطولا ولم يخرجه مسلم). ٨ - بمناسبة قوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ قال ابن كثير: (ولهذا يستدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء قبل كونها، وكتابته لها قبل برئها، وردوا بهذه الآية- وبما شاكلها من الآيات وما ورد في معناها من الأحاديث الثابتات- على الفرقة القدرية الذين نبغوا في أواخر عصر الصحابة، ولنذكر هاهنا الأحاديث المتعلقة بهذه الآية الكريمة. روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش إلى النبي ﷺ يخاصمونه في القدر فنزلت: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ* إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ وهكذا رواه مسلم والترمذي وابن ماجه من حديث وكيع عن سفيان الثوري به. وروى البزار عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: ما نزلت هذه الآيات إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ* يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ* إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ إلا في أهل القدر. وروى ابن أبي حاتم عن ابن زرارة عن أبيه عن النبي ﷺ أنه تلا هذه الآية ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ* إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ

стр. 5345

خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ قال: «نزلت في أناس من أمتي يكونون في آخر الزمان يكذبون بقدر الله». وحدثنا الحسن بن عرفة- بسنده- عن عطاء بن أبي رباح قال: أتيت ابن عباس وهو ينزع من زمزم وقد ابتلت أسافل ثيابه فقلت له: قد تكلم في القدر، فقال أو قد فعلوها! قلت: نعم، قال: فو الله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ* إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ أولئك شرار هذه الأمة، فلا تعودوا مرضاهم، ولا تصلوا على موتاهم، إن رأيت أحدا منهم فقأت عينيه بأصبعي هاتين، وقد رواه الإمام أحمد من وجه آخر مرفوع عن عبد الله بن عباس قال: قيل له إن رجلا قدم علينا يكذب بالقدر، فقال: دلوني عليه- وهو أعمى-، قالوا: وما تصنع به يا أبا عباس! قال: والذي نفسي بيده لئن استمكنت منه لأعضن أنفه حتى أقطعه. ولئن وقعت رقبته في يدى لأدقنها فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كأني بنساء بني فهر يطفن بالخزرج تصطفق ألياتهن مشركات، هذا أول شرك هذه الأمة، والذي نفسي بيده لينتهين بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يكون قدر خيرا كما أخرجوه من أن يكون قدر شرا» ثم رواه أحمد عن أبي المغيرة. وروى الإمام أحمد عن نافع قال: كان لابن عمر صديق من أهل الشام يكاتبه، فكتب إليه عبد الله بن عمر إنه بلغني أنك تكلمت في شئ من القدر، فإياك أن تكتب إلى فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر» ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل به. وروى أحمد عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﵌ قال: «لكل أمة مجوس، ومجوس أمتي الذين يقولون: لا قدر، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم» لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه، وروى أحمد عن نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيكون في هذه الأمة مسخ، ألا وذاك في المكذبين بالقدر والزنديقية» ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي صخر حميد بن زياد به وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. وروى الإمام أحمد عن طاوس اليماني قال: سمعت ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «كل شئ بقدر حتى العجز والكيس» ورواه مسلم منفردا به من حديث مالك. وفي الحديث الصحيح: «استعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك أمر فقل قدر الله وما شاء فعل، ولا تقل لو أني فعلت لكان كذا فإن لو تفتح عمل الشيطان» وفي حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال له: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك؛

стр. 5346

جفت الأقلام وطويت الصحف» وروى الإمام أحمد عن أيوب بن زياد حدثني عبادة ابن الولد بن عبادة حدثني أبي قال: دخلت على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت فقلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي فقال: أجلسوني فلما أجلسوه قال: يا بني إنك لم تطعم الإيمان ولم تبلغ حق حقيقة العلم بالله حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، قلت: يا أبتاه وكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك، يا بني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما خلق الله القلم ثم قال له اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة» يا بني إن مت ولست على ذلك دخلت النار. ورواه الترمذي عن عطاء بن أبي رباح عن الوليد بن عبادة عن أبيه به وقال: حسن صحيح غريب. وروى سفيان الثوري عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يؤمن أحد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر خيره وشره» وكذا رواه الترمذي، ورواه من حديث أبي داود الطيالسى عن علي فذكره وقال: هذا عندي أصح، وكذا رواه ابن ماجه عن ربعي عن علي به، وقد ثبت في صحيح مسلم من رواية عبد الله بن وهب وغيره عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» زاد ابن وهب: «وكان عرشه على الماء» ورواه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب). أقول: قوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ يحتمل وجهين: أن يكون القدر بمعنى المقدر، فيكون المراد هو المعنى المشهور الذي يذكر مع القضاء، قال الألوسي: (وحمل الآية على ذلك هو المأثور عن كثير من السلف) وجوز أن يكون المعنى إنا كل شئ خلقناه مقدرا محكما مستوفى فيه مقتضى الحكمة التي يدور عليها أمر التكوين، فالآية من باب وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً، وبين المعنى الأول والمعنى الثاني نوع تلازم، وعلى ضوء هذا التلازم تكلم صاحب الظلال عن هذه الآية فقال ﵀: (إن ذلك كله، وكل صغيرة وكبيرة مخلوقة بقدر، مصرفة بقصد، مدبرة بحكمة لا شئ جزاف. لا شئ عبث. لا شئ مصادفة. لا شئ ارتجال. إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ كل شئ ... كل صغير وكل كبير. كل ناطق

стр. 5347

وكل صامت. كل متحرك وكل ساكن. كل ماض وكل حاضر. كل معلوم وكل مجهول. كل شئ ... خلقناه بقدر. قدر يحدد حقيقته. ويحدد صفته. ويحدد مقداره. ويحدد زمانه. ويحدد مكانه. ويحدد ارتباطه بسائر ما حوله من أشياء. وتأثيره في كيان هذا الوجود. وإن هذا النص القرآني القصير اليسير ليشير إلى حقيقة ضخمة هائلة شاملة، مصداقها هذا الوجود كله. حقيقة يدركها القلب جملة وهو يواجه هذا الوجود، ويتجاوب معه، ويتلقى عنه، ويحس أنه خليقة متناسقة تناسقا دقيقا. كل شئ فيه بقدر يحقق هذا التناسق المطلق. الذي ينطبع ظله في القلب جملة وهو يواجه هذا الوجود. ثم يبلغ البحث والرؤية والتجربة من إدراك هذه الحقيقة القدر الذي تهيئه هذه الوسائل، ويطيقه العقل البشري، ويملك معرفته عن هذا الطريق. ووراء هذا القدر يبقى دائما ما هو أعظم وأكمل، تدركه الفطرة وينطبع فيها بتأثير الإيقاع الكوني المتناسق فيها، وهي ذاتها بعض هذا الكون المتناسق المخلوق كل شئ فيه بقدر. ولقد وصل العلم الحديث إلى أطراف من هذه الحقيقة، فيما يملك أن يدركه منها بوسائله المهيأة له ... وصل في إدراك التناسق بين أبعاد النجوم والكواكب وأحجامها وكتلها وجاذبيتها بعضها لبعض إلى حد أن يحدد العلماء مواقع كواكب لم يروها بعد؛ لأن التناسق يقتضي وجودها في المواضع التي حددوها. فوجودها في هذه المواقع هو الذي يفسر ظواهر معينة في حركة الكواكب التي رصدوها ... ثم يتحقق هذا الذي فرضوه. وبدل تحقيقه على الدقة المتناهية في توزيع هذه الأجرام، في هذا الفضاء الهائل، بهذه النسب المقدرة، التي لا يتناولها خلل أو اضطراب! ووصل في إدراك التناسق في وضع هذه الأرض التي نعيش عليها، لتكون صالحة لنوع الحياة التي قدر الله أن تكون فيها إلى حد أن افتراض أي اختلال في أية نسبة من نسبها يؤدي بالحياة كلها، أو لا يسمح أصلا بقيامها. فحجم هذه الأرض، وكتلتها، وبعدها عن الشمس وكتلة هذه الشمس، ودرجة حرارتها. وميل الأرض على محورها بهذا القدر. وسرعتها في دورتها حول نفسها وحول الشمس. وبعد القمر عن الأرض. وحجمه وكتلته. وتوزيع الماء واليابس في هذه الأرض ... إلى آلاف من هذه النسب المقدرة تقديرا، لو وقع الاختلال في أي منها لتبدل كل شئ؛ ولكانت هي النهاية

стр. 5348

المقدرة لعمر هذه الحياة على هذه الأرض! ووصل في إدراك التناسق بين عدد كبير من الضوابط التي تضبط الحياة؛ وتنسق بين الأحياء والظروف المحيطة بها؛ وبين بعضها وبعض ... إلى حد يعطي فكرة عن تلك الحقيقة العميقة الكبيرة التي تشير إليها الآية. فالنسبة بين عوامل الحياة والبقاء، وعوامل الموت والفناء في البيئة وفي طبيعة الأحياء محفوظة دائما بالقدر الذي يسمح بنشأة الحياة وبقائها وامتدادها. وفي الوقت ذاته يحد من انتشارها إلى الحد الذي لا تكفي الظروف المهيأة للأحياء- في وقت ما- لإعالتهم وإعاشتهم! ولعله من المفيد أن نشير إشارة سريعة إلى شئ من هذا التوازن في علاقات بعض الأحياء ببعض. إذ كنا قد أشرنا بشيء من التفصيل في سور أخرى إلى التناسق في بناء الكون، وفي ظروف الأرض. (إن الجوارح التي تتغذى بصغار الطيور قليلة العدد، لأنها قليلة البيض، قليلة التفريخ، فضلا على أنها لا تعيش إلا في مواطن خاصة محدودة. وهي في مقابل هذا طويلة الأعمار. ولو كانت مع عمرها الطويل، كثيرة الفراخ مستطيعة الحياة في كل موطن، لقضت على صغار الطيور وأفنتها على كثرتها وكثرة تفريخها. أو قللت من أعدادها الكبيرة اللازمة بدورها لطعام هذه الجوارح وسواها من بني الإنسان. وللقيام بأدوارها الأخرى، ووظائفها الكثيرة في هذه الأرض! بغاث الطير أكثرها فراخا ... وأم الصقر مقلات نزور وذلك للحكمة التي قدرها الله كما رأينا، كي تتعادل عوامل البقاء وعوامل الفناء بين الجوارح والبغاث! والذبابة تبيض ملائين البويضات. ولكنها لا تعيش إلا أسبوعين. ولو كانت تعيش بضعة أعوام، تبيض فيها بهذه النسبة لغطى الذباب وجه الأرض بنتاجه؛ ولغدت حياة كثير من الأجناس- وأولها الإنسان- مستحيلة على وجه هذه الأرض. ولكن عجلة التوازن التي لا تختل، في يد القدرة التي تدبر هذا الكون، وازنت بين كثرة النسل وقصر العمر، فكان هذا الذي نراه! والميكروبات- وهي أكثر الأحياء عددا، وأسرعها تكاثرا، وأشدها فتكا- وهي كذلك أضعف الأحياء مقاومة وأقصرها عمرا- تموت بملايين الملايين من

стр. 5349

البرد، ومن الحر، ومن الضوء، ومن أحماض المعدات، ومن أمصال الدم، ومن عوامل أخرى كثيرة. ولا تتغلب إلا على عدد محدود من الحيوان والإنسان. ولو كانت قوية المقاومة أو طويلة العمر لدمرت الحياة والأحياء! وكل حي من الأحياء مزود بسلاح يتقي به هجمات أعدائه ويغالب به خطر الفناء. وتختلف هذه الأسلحة وتتنوع. فكثرة العدد سلاح. وقوة البطش سلاح. وبينهما ألوان وأنواع ... الحيات الصغيرة مزودة بالسم أو بالسرعة للهرب من أعدائها. والثعابين الكبيرة مزودة بقوة العضل، ومن ثم يندر فيها السام! والخنفساء- وهي قليلة الحيلة- مزودة بمادة كاوية ذات رائحة كريهة، تصبها على كل من يلمسها، وقاية من الأعداء! والظباء مزودة بسرعة الجري والقفز، والأسود مزودة بقوة البأس والافتراس! وهكذا كل حي من الأحياء الصغار والكبار على السواء. وكل حي مزود كذلك بالخصائص والوسائل التي يحصل بها على طعامه، والتي ينتفع معها بهذا اللون من الطعام ... الإنسان والحيوان والطير وأدنى أنواع الأحياء سواء. البويضة بعد تلقيحها بالحيوان المنوي تلصق بالرحم. وهي مزودة بخاصية أكالة، تمزق جدار الرحم حولها وتحوله إلى بركة من الدم المناسب لامتصاصها ونموها! والحبل السري الذي يربط الجنين بأمه ليتغذي منها حتى يتم وضعه، روعي في تكوينه ما يحقق الغرض الذي تكون من أجله، دون إطالة قد تسبب تخمر الغذاء فيه، أو قصر قد يؤدي إلى اندفاع الغذاء إليه بما قد يؤذيه) (١). (والثدي يفرز في نهاية الحمل وبدء الوضع سائلا أبيض مائلا إلى الاصفرار. ومن عجيب صنع الله أن هذا السائل عبارة عن مواد كيماوية ذائبة تقي الطفل من عدوى الأمراض. وفي اليوم التالي للميلاد يبدأ اللبن في التكوين. ومن تدبير المدبر الأعظم أن يزداد مقدار اللبن الذي يفرزه الثدي يوما بعد يوم، حتى يصل إلى حوالي لتر ونصف

стр. 5350

في اليوم بعد سنة، بينما لا تزيد كميته في الأيام الأولى على بضع أوقيات. ولا يقف الإعجاز عند كمية اللبن التي تزيد على حسب زيادة الطفل؛ بل إن تركيب اللبن كذلك تتغير مكوناته، وتتركز مواده، فهو يكاد يكون ماء به القليل من النشويات والسكريات في أول الأمر، ثم تتركز مكوناته فتزيد نسبته النشوية والسكرية والدهنية فترة بعد أخرى، بل يوما بعد يوم بما يوافق أنسجة وأجهزة الطفل المستمر النمو) (١). وتتبع الأجهزة المختلفة في تكوين الإنسان، ووظائفها، وطريقة عملها، ودور كل منها في المحافظة على حياته وصحته ... يكشف عن العجب العجاب في دقة التقدير وكمال التدبير. ويرينا يد الله وهي تدبر أمر كل فرد. بل كل عضو. بل كل خلية من خلاياه. وعين الله عليه تكلؤه وترعاه. ولن نستطيع هنا أن نفصل هذه العجائب فنكتفي بإشارة سريعة إلى التقدير الدقيق في جهاز واحد من هذه الأجهزة: جهاز الغدد الصم «تلك المعامل الكيماوية الصغيرة التي تمد الجسم بالتركيبات الكيماوية الضرورية، والتي يبلغ من قوتها أن جزءا من ألف بليون جزء منها تحدث آثارا خطيرة في جسم الإنسان. وهي مرتبة بحيث إن إفراز كل غدة يكمل إفراز الغدة الأخرى. وكل ما كان يعرف عن هذه الإفرازات أنها معقدة التركيب تعقيدا مدهشا، وأن أي اختلال في إفرازها يسبب تلفا عاما في الجسم، يبلغ حد الخطورة. إذا دام هذا الاختلال وقتا قصيرا» (٢). أما الحيوان فتختلف أجهزته باختلاف أنواعه وبيئاته وملابسات حياته ... «زودت أفواه الآساد والنمور والذئاب والضباع، وكل الحيوانات الكاسرة التي تعيش في الفلاة، ولا غذاء لها إلا ما تفترسه من كائنات لا بد من مهاجمتها والتغلب عليها، بأنياب قاطعة، وأسنان حادة، وأضراس صلبة. ولما كانت في هجومها لا بد أن تستعمل عضلاتها، فلأرجلها عضلات قوية، سلحت بأظافر ومخالب حادة، وحوت معدتها الأحماض والأنزيمات الهاضمة للحوم والعظام» (٣). فأما الحيوانات المجترة المستأنسة التي تعيش على المراعي، فهي تختلف فيما زودت به. «وقد صممت أجهزتها بما يتناسب مع البيئة، فأفواهها واسعة نسبيا؛ وقد

стр. 5351

تجردت من الأنياب القوية والأضراس الصلبة. وبدلا منها توجد الأسنان التي تتميز بأنها قاصمة قاطعة؛ فهي تأكل الحشائش والنباتات بسرعة، وتبتلعها كذلك دفعة واحدة، حتى يمكنها أن تؤدي للإنسان ما خلقت لأجله من خدمات. وقد أوجدت العناية الخالقة لهذا الصنف أعجب أجهزة للهضم، فالطعام الذي تأكله ينزل إلى الكرش، وهو مخزن له، فإذا ما انتهى عمل الحيوان اليومي وجلس للراحة. يذهب الطعام إلى تجويف يسمى «القلنسوة». ثم يرجع إلى الفم، فيمضغ ثانية مضغا جيدا، حيث يذهب الطعام إلى تجويف ثالث يسمى «أم التلافيف»، ثم إلى رابع يسمى «الإنفحة» وكل هذه العملية الطويلة أعدت لحماية الحيوان، إذ كثيرا ما يكون هدفا لهجوم حيوانات كاسرة في المراعي، فوجب عليه أن يحصل على غذائه بسرعة ويختفي. ويقول العلم إن عملية الاجترار ضرورية بل حيوية، إذ أن العشب من النباتات العسرة الهضم، لما يحتويه من السليلوز الذي يغلف جميع الخلايا النباتية، ولهضمه يحتاج الحيوان إلى وقت طويل جدا، فلو لم يكن مجترا، وبمعدته مخزن خاص، لضاع وقت طويل في الرعي يكاد يكون يوما بأكمله دون أن يحصل الحيوان على كفايته من الغذاء، ولأجهد العضلات في عمليات التناول والمضغ، إنما سرعة الأكل، ثم تخزينه وإعادته بعد أن يصيب شيئا من التخمر؛ ليبدأ المضغ والطحن والبلع، تحقق كافة أغراض الحيوان من عمل وغذاء وحسن هضم. فسبحان المدبر» (١). «والطيور الجارحة كالبوم والحدأة ذات منقار مقوس حاد على شكل خطاف لتمزيق اللحوم. بينما للإوز والبط مناقير عريضة منبسطة مفلطحة كالمغرفة، توائم البحث عن الغذاء في الطين والماء. وعلى جانب المنقار زوائد صغيرة كالأسنان لتساعد على قطع الحشائش. «أما الدجاج والحمام وباقي الطيور التي تلتقط الحب من الأرض فمناقيرها قصيرة مدببة لتؤدي هذا الغرض. بينما منقار البجعة مثلا طويل طولا ملحوظا، ويمتد من أسفله كيس يشبه الجراب ليكون كشبكة الصياد. إذ أن السمك هو غذاء البجعة الأساسي». «ومنقار الهدهد وأبو قردان طويل مدبب، أعد بإتقان للبحث عن الحشرات

стр. 5352

والديدان، التي غالبا ما تكون تحت سطح الأرض. ويقول العلم: إنه يمكن للإنسان أن يعرف غذاء أي طير من النظرة العابرة إلى منقاره». «وأما باقي الجهاز الهضمي للطير فهو غريب عجيب. فلما لم يعط أسنانا فقد خلقت له حويصلة وقانصة تهضم الطعام. ويلتقط الطير مواد صلبة وحصي لتساعد القانصة على هضم الطعام» (١). ويطول بنا الاستعراض، ونخرج على منهج هذه الظلال، لو رحنا نتتبع الأنواع والأجناس الحية على هذا النحو، فنسرع الخطى إلى «الأميبا» وهي ذات الخلية الواحدة، لنرى يد الله معها. وعينه عليها. وهو يقدر لها أمرها تقديرا. «والأميبا كائن حي دقيق الحجم، يعيش في البرك والمستنقعات، أو على الأحجار الراسبة في القاع. ولا يرى بالعين إطلاقا وهو يرى بالمجاهر، كتلة هلامية، يتغير شكلها بتغير الظروف والحاجات. فعند ما تتحرك تدفع بأجزاء من جسمها تكون به زوائد، تستعملها كالأقدام للسير بها إلى المكان المرغوب. ولذا تسمى هذه الزوائد بالأقدام الكاذبة. وإذا وجدت غذاء لها أمسكت به بزائدة أو زائدتين، وتفرز عليه عصارة هاضمة، فتتغذى بالمفيد منها، أما الباقي فتطرده من جسمها! وهي تتنفس من كل جسمها بأخذ الأكسوجين من الماء ... فتصور هذا الكائن الذي لا يرى إطلاقا بالعين، يعيش ويتحرك، ويتغذى ويتنفس، ويخرج فضلاته! فإذا ما تم نموه انقسم إلى قسمين، ليكون كل قسم حيوانا جديدا». «وعجائب الحياة في النبات لا تقل في إثارة العجب والدهشة عن عجائبها في الإنسان والحيوان والطير. والتقدير فيها لا يقل ظهورا وبروزا عنه في تلك الأحياء. وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (٢). على أن الأمر أعظم من هذا كله وأشمل في التقدير والتدبير. إن حركة هذا الكون كله بأحداثها ووقائعها وتياراتها مقدرة مدبرة صغيرها وكبيرها. كل حركة في التاريخ ككل انفعال في نفس فرد، ككل نفس يخرج من صدر! إن هذا النفس مقدر في وقته، مقدر في مكانه، مقدر في ظروفه كلها، مرتبط بنظام الوجود وحركة الكون،

стр. 5353

محسوب حسابه في التناسق الكوني، كالأحداث العظام الضخام! وهذا العود البري النابت وحده هناك في الصحراء. إنه هو الآخر قائم هناك بقدر. وهو يؤدى وظيفة ترتبط بالوجود كله منذ كان، وهذه النملة الساربة. وهذه الهباءة الطائرة. وهذه الخلية السابحة في الماء. كالأفلاك والأجرام الهائلة سواء! تقدير في الزمان، وتقدير في المكان، وتقدير في المقدار، وتقدير في الصورة. وتناسق مطلق بين جميع الملابسات والأحوال. من ذا الذي يذكر مثلا أن زواج يعقوب من امرأة أخرى هي أم يوسف وبنيامين أخيه لم يكن إلا حادثا شخصيا فرديا؟ إنما كان قدرا مقدورا ليحقد إخوة يوسف من غير أمه عليه، فيأخذوه فيلقوه في الجب- ولا يقتلوه- لتلتقطه السيارة. لتبيعه في مصر. لينشأ في قصر العزيز. لتراوده امرأة العزيز عن نفسه. ليستعلي على الإغراء. ليلقى في السجن ... لماذا؟ ليتلاقى في السجن مع خادمي الملك. ليفسر لهما الرؤيا ... لماذا؟ إلى تلك اللحظة لا يوجد جواب! ويقف ناس من الناس يسألون: لماذا؟ لماذا يا رب يتعذب يوسف؟ لماذا يا رب يتعذب يعقوب؟ لماذا يفقد هذا النبي بصره من الحزن؟ ولماذا يسام يوسف الطيب الزكي كل هذا الألم المنوع الأشكال؟ لماذا؟ ... ولأول مرة تجئ أول إجابة بعد أكثر من ربع قرن في العذاب. لأن القدر يعده ليتولى أمر مصر وشعبها والشعوب المجاورة في سني القحط السبعة! ثم ماذا؟ ثم ليستقدم أبويه وإخوته. ليكون من نسلهم شعب بني إسرائيل. ليضطهدهم فرعون. لينشأ من بينهم موسى- وما صاحب حياته من تقدير وتدبير- لتنشأ من وراء ذلك كله قضايا وأحداث وتيارات يعيش العالم فيها اليوم بكليته! وتؤثر في مجرى حياة العالم جميعه! ومن ذا الذي يذكر مثلا أن زواج إبراهيم جد يعقوب من هاجر المصرية لم يكن إلا حادثا شخصيا فرديا؟ إنما كان وما سبقه في حياة إبراهيم من أحداث أدت إلى مغادرته موطنه في العراق ومروره بمصر، ليأخذ منها هاجر، لتلد له إسماعيل. ليسكن إسماعيل وأمه عند البيت الحرام. لينشأ محمد- ﷺ من نسل إبراهيم- ﵇ في هذه الجزيرة. أصلح مكان على وجه الأرض لرسالة الإسلام ... ليكون من ذلك كله ذلك الحدث الأكبر في تاريخ البشرية العام! إنه قدر الله وراء طرف الخيط البعيد. لكل حادث. ولكل نشأة. ولكل مصير. ووراء كل نقطة، وكل خطوة، وكل تبديل أو تغيير.

стр. 5354

إنه قدر الله النافذ، الشامل، الدقيق، العميق. وأحيانا يرى البشر طرف الخيط القريب، ولا يرون طرفه البعيد. وأحيانا يتطاول الزمن بين المبدأ والمصير في عمرهم القصير، فتخفى عليهم حكمة التدبير. فيستعجلون ويقترحون. وقد يسخطون. أو يتطاولون! والله يعلمهم في هذا القرآن أن كل شئ بقدر ليسلموا الأمر لصاحب الأمر، وتطمئن قلوبهم وتستريح ويسيروا مع قدر الله في توافق وفي تناسق، وفي أنس بصحبة القدر في خطوه المطمئن الثابت الوثيق). ٩ - بمناسبة قوله تعالى: وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ قال ابن كثير: (وقد روى الإمام أحمد عن عوف بن الحارث وهو ابن أخي عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقول: «يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من الله طالبا» ورواه النسائي وابن ماجه من طريق سعيد بن مسلم بن بانك المدني، وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم وغيرهم. وقد رواه الحافظ ابن عساكر في ترجمة سعيد بن مسلم هذا من وجه آخر. ثم قال سعيد فحدثت بهذا الحديث عامر بن هشام فقال لي ويحك يا سعيد ابن مسلم لقد حدثني سليمان بن المغيرة أنه عمل ذنبا فاستصغره فأتاه آت في منامه فقال له يا سليمان: لا تحقرن من الذنوب صغيرا ... إن الصغير غدا يعود كبيرا إن الصغير ولو تقادم عهده ... عند الإله مسطر تسطيرا فازجر هواك عن البطالة لا تكن ... صعب القياد وشمرن تشميرا إن المحب إذا أحب إلهه ... طار الفؤاد وألهم التفكيرا فاسأل هدايتك الإله بنية ... فكفى بربك هاديا ونصيرا ١٠ - بمناسبة قوله تعالى: عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ قال ابن كثير: (وقد روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو يبلغ به النبي ﷺ قال: «المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» انفرد بإخراجه مسلم والنسائي من حديث سفيان بن عيينة بإسناده مثله). كلمة أخيرة في سورة القمر: فصلت سورة القمر في صفات الكافرين الذين وصلوا إلى حالة يستوي معهم فيها

стр. 5355

الإنذار وعدمه، كما فصلت في ضرب الأمثلة على وجود هذا النوع من الكافرين في كل العصور، وبينت ما يستحقه هؤلاء وأمثالهم في الدنيا والآخرة، ثم استقرت على ما يصل آخر سورة القمر بأول سورة الرحمن، كما رأينا، وهكذا وجدنا أن للسورة سياقها الخاص الذي يفصل بما يخدم السياق القرآني العام، بالشكل الذي تقع فيه السورة ضمن مجموعتها، وبحيث ترتبط أول سورة القمر بآخر سورة النجم، ويرتبط أول سورة الرحمن بآخر سورة القمر، وكل ذلك قد رأينا تفصيلاته. فلنبدأ عرض سورة الرحمن. ***

стр. 5356

سورة الرحمن وهي السورة الخامسة والخمسون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الخامسة من المجموعة الأولى من قسم المفصل، وآياتها ثمان وسبعون آية وهي مدنية

стр. 5357

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 5358

بين يدي سورة الرحمن: قال الألوسي في تقديمه لسورة الرحمن: (وسميت في حديث أخرجه البيهقي عن علي كرم الله وجهه مرفوعا «عروس القرآن» ورواه موسى بن جعفر رضي الله تعالى عنهما عن آبائه الأطهار كذلك (وهي مكية) في قول الجمهور، وأخرج ذلك ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير. وعائشة رضي الله تعالى عنهم. وابن النحاس عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عنه أنها نزلت بالمدينة، وحكي ذلك عن مقاتل، وحكاه في البحر عن ابن مسعود أيضا، وحكى أيضا قولا آخر عن ابن عباس وهو أنها مدنية سوى قوله تعالى: يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وحكي الاستثناء المذكور في جمال القراء عن بعضهم ولم يعينه، وعدد آياتها ثمان وسبعون آية في الكوفي والشامي، وسبع وسبعون في الحجازي، وست وسبعون في البصري. ووجه مناسبتها لما قبلها على ما قال الجلال السيوطي: أنه لما قال سبحانه في آخر ما قيل بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ ثم وصف حال المجرمين فِي سَقَرَ؛ وحال المتقين فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فصل هذا الإجمال في هذه السورة أتم تفصيل على الترتيب الوارد في الإجمال فبدأ بوصف مرارة الساعة، والإشارة إلى شدتها، ثم وصف النار وأهلها، ولذا قال سبحانه: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ ولم يقل الكافرون، أو نحوه لاتصاله معنى بقوله تعالى هناك: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ، ثم وصف الجنة وأهلها، ولذا قال تعالى فيهم: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ وذلك هو عين التقوى ولم يقل ولمن آمن، أو أطاع، أو نحوه لتتوافق الألفاظ في التفصيل والمفصل؛ ويعرف بما ذكر أن هذه السورة كالشرح لآخر السورة قبلها؛ وقال أبو حيان في ذلك: أنه تعالى لما ذكر هناك مقر المجرمين في سقر، ومقر المتقين في جنات ونهر عند مليك مقتدر ذكر سبحانه هنا شيئا من آيات الملك وآثار القدرة، ثم ذكر جل وعلا مقر الفريقين على جهة الإسهاب، إذ كان ذكره هناك على جهة الاختصار، ولما أبرز قوله سبحانه: عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ بصورة التنكير فكأن سائلا يسأل ويقول من المتصف بهاتين الصفتين الجليلتين؟ فقيل: الرَّحْمنُ الخ،

стр. 5359

والأولى عندي أن يعتبر في وجه المناسبة، أيضا ما في الإرشاد وهو أنه تعالى لما عدد في السورة السابقة ما نزل بالأمم السالفة من ضروب نقم الله ، وبين عقيب كل ضرب منها أن القرآن قد يسر لتذكر الناس واتعاظهم، ونعى عليهم إعراضهم عن ذلك، عدد في هذه السورة الكريمة ما أفاض على كافة الأنام من فنون نعمه الدينية والدنيوية والأنفسية والآفاقية، وأنكر عليهم إثر كل فن منها إخلالهم بمواجب شكرها، وهذا التكرار أحلى من السكر إذا تكرر، وفي الدرر والغرر لعلم الهدى السيد المرتضى: التكرار في سورة (الرحمن) إنما حسن للتقرير بالنعم المختلفة المعددة، فكلما ذكر سبحانه نعمة أنعم بها وبخ على التكذيب بها، كما يقول الرجل لغيره ألم أحسن إليك بأن خولتك في الأموال؟ ألم أحسن إليك بأن فعلت بك كذا وكذا؟ فيحسن فيه التكرير لاختلاف ما يقرر به وهو كثير في كلام العرب وأشعارهم كقول مهلهل يرثي كليبا: على أن ليس عدلا من كليب ... إذا ما ضيم جيران المجير على أن ليس عدلا من كليب ... إذا رجف العضاه من الدبور على أن ليس عدلا من كليب ... إذا خرجت مخبأة الخدور على أن ليس عدلا من كليب ... إذا ما أعلنت نجوى الأمور على أن ليس عدلا من كليب ... إذا خيف المخوف من الثغور على أن ليس عدلا من كليب ... غداة تأثل الأمر الكبير على أن ليس عدلا من كليب ... إذا ما خار جاش المستجير ثم أنشد قصائد أخرى على هذا النمط ولولا خوف الملل لأوردتها، ولا يرد على ما ذكره أن هذه الآية قد ذكرت بعد ما ليس نعمة لما ستعلمه إن شاء الله تعالى في محله، وقسم في الإتقان التكرار إلى أقسام، وذكر أن منه ما هو لتعدد المتعلق بأن يكون المكرر ثانيا متعلقا بغير ما تعلق به الأول؛ ثم قال: وهذا القسم يسمى بالترديد وجعل منه قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ* فإنها وإن تكررت إحدى وثلاثين مرة فكل واحدة تتعلق بما قبلها) ومما ذكره الألوسي من وجوه المناسبة بين سورة الرحمن وسورة القمر: أن كلا منهما قد افتتحت بذكر معجزة، فسورة القمر افتتحت بذكر معجزة انشقاق القمر، وسورة الرحمن افتتحت بذكر معجزة القرآن. وقدم ابن كثير بين يدي تفسير سورة الرحمن هذه النصوص: (روى الإمام أحمد عن عاصم عن زر أن رجلا قال: كيف تعرف هذا الحرف من ماء غير آسن أو أسن؟

стр. 5360

فقال: كل القرآن قد قرأت؟ قال: إني لأقرأ المفصل في ركعة واحدة فقال: أهذا كهذ الشعر لا أبا لك؟ قد علمت قرائن النبي ﷺ التي كان يقرن قرينتين من أول المفصل، وكان أول مفصل ابن مسعود الرَّحْمنُ، وروى أبو عيسى الترمذي عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال: «لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردودا منكم، كنت كلما أتيت على قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ* قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد» ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد ابن مسلم ورواه الحافظ أبو بكر البزار. وروى أبو جعفر بن جرير عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قرأ سورة الرحمن أو قرئت عنده فقال: «ما لي أسمع الجن أحسن جوابا لربها منكم؟» قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «ما أتيت على قول الله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟ * إلا قالت الجن: لا بشيء من نعم ربنا نكذب» ورواه الحافظ البزار عن عمرو بن مالك به ثم قال: لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد). وقال صاحب الظلال في تقديمه لسورة الرحمن: (هذه السورة المكية ذات نسق خاص ملحوظ. إنها إعلان عام في ساحة الوجود الكبير، وإعلام بآلاء الله الباهرة الظاهرة. في جميل صنعه، وإبداع خلقه؛ وفي فيض نعمائه؛ وفي تدبيره للوجود وما فيه؛ وتوجه الخلائق كلها إلى وجهه الكريم ... وهي إشهاد عام للوجود كله على الثقلين: الإنس والجن المخاطبين بالسورة على السواء، في ساحة الوجود، على مشهد من كل موجود، مع تحديهما- إن كانا يملكان التكذيب بآلاء الله- تحديا يتكرر عقب بيان كل نعمة من نعمه التي يعددها ويفصلها ويجعل الكون كله معرضا لها، وساحة الآخرة كذلك. ورنة الإعلان تتجلى في بناء السورة كله، وفي إيقاع فواصلها ... تتجلى في إطلاق الصوت إلى أعلى، وامتداد التصويت إلى بعيد؛ كما تتجلى في المطلع الموقظ الذي يستثير التوقف والانتظار لما يأتي بعد المطلع من أخبار ... الرحمن ... كلمة واحدة. مبتدأ مفردا ... الرحمن كلمة واحدة في معناها الرحمة، وفي رنتها الإعلان، والسورة بعد ذلك بيان للمسات الرحمة ومعرض لآلاء الرحمن).
следующие страницы →