Полный текст (6 440 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
فبعد المجموعتين الأوليين من الفقرة الرابعة يأتي في هذا السياق، سياق الأمر بالدخول في شرائع الإسلام كلها: آيتان تشكلان خاتمة الفقرة الرابعة وخاتمة المقطع الأول من القسم الثالث في سورة البقرة: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ* تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ.
المعنى العام:
في الآية الأولى إشارة إلى الآيات التي مرت معنا، من إماتته الألوف، وإحيائهم.
ومجئ التابوت تحمله الملائكة، وانتصار القلة المؤمنة المستضعفة، على الكثرة الكافرة.
وأن هذه الآيات يقصها الله على رسوله بالحق. أي: بالواقع الذي كان عليه الأمر المطابق لما حدث، وفي ذلك إشعار أن ما بأيدي أهل الكتاب مخلوط، وفي الآية كذلك خطاب لرسول الله ﷺ فى تأكيد رسالته، وتقريرها. كيف ومثل هذه الآيات تشهد على رسالته، حيث يخبر بها من غير أن يقرأ كتابا، أو يسمع من أهل الكتاب.
وفي الآية الثانية: إشارة إلى جماعة الرسل التي ذكرت قصصها في هذه السورة، من آدم إلى داود، والتي ثبت علمها عند رسول الله ﷺ ، وأن الله فضل بعض الرسل على بعض، وخص بعضهم بخصائص. فمنهم من كلمه، كموسى، ومحمد ﷺ ، ومنهم من رفعه درجات على غيره. كأولي العزم من الرسل مثلا. ومن هذه الخصوصيات، ومن هذا الرفع، ما آتاه عيسى من الحجج، والدلائل القاطعات على صحة ما جاء به بني إسرائيل، تأييده بجبريل ﵉. ثم يبين الله أن الاقتتال الكائن بين البشر بمشيئته. وكذلك اختلافهم بمشيئته. وهذا لا ينفي الاختيار.
فالحجة قائمة على من ظلم، وكفر، ولكن مشيئة الله، وإرادته محيطتان بكل شئ لا يخرج شئ عن مشيئته وإرادته، لأنه لا خالق سواه. وإذا كان الاختلاف قد وصل إلى درجة الكفر، فلا بد من قتال. هكذا شاء الله. وهو يفعل ما يريد. والحكمة في ذلك ما مر، أنه لولا القتال لفسدت الأرض، وإذن فيا أهل الإيمان قاتلوا من كفر.
وهاهنا لا بد من توضيح قضيتين: الأولى أن الذين جاءتهم البينات من أمم الأنبياء
стр. 562
انقسموا قسمين بعد أنبيائهم، فمنهم من كفر، ومنهم من آمن. فكان لا بد من قتال. وإن الأمة الإسلامية بعد رسولها، قد وقع لها ما وقع لغيرها. فلا بد من قتال.
إنه يوجد الآن على الأرض الإسلامية مؤمنون، وكافرون. والكافرون من أبناء المسلمين أنفسهم. فلا بد إذن من قتال لهؤلاء.
والقضية الثانية: أن هذه الآية هي التي ختم بها المقطع الأول في سياق الأمر بالدخول في الإسلام كله. فكأنها تشير إلى أن المسلمين الذين أمروا بالدخول في الإسلام كله سينقسمون قسمين. قسما يبقى على إيمانه وإسلامه. وقسما سيكفر.
وسيكون قتال من أجل ألا يعم الفساد. تلك مشيئة الله. وقد أمر أهل الإيمان أن يفعلوا وقتال المرتدين مقدم على أي قتال آخر. وحفظ رأس المال مقدم على التفكير في الربح.
كلمة في السياق:
إن الآية قبل الأخيرة جاءت تعليقا على المجموعتين الأوليين في الفقرة. فكلا المجموعتين السابقتين، كان فيها خطاب لرسول الله ﷺ أَلَمْ تَرَ. لتأتي هذه الآية مخاطبة رسول الله ﷺ ، مؤكدة أن ما أنزل عليه حق، ومؤكدة رسالته بمناسبة ذكر هاتين القصتين المجهولتين، إلا عند أهل الكتاب. وإذا كانت المجموعتان السابقتان مرتبطين بالسياق العام كما رأينا فهذه الآية كذلك لها علاقة بالسياق العام من حيث إنه ما دام ما ينزله الله حقا، وما دام محمد رسول الله ﷺ فلا بد من الدخول في دينه كله، الإسلام جميعا. وإذ ذكرت الآية الأولى أن محمدا ﷺ من المرسلين، تأتي الآية الثانية لتبين مقامات الرسل، وخصوصيات بعضهم. وأن الجميع جاءوا بالبينات. وأن الأتباع منهم من آمن، ومنهم من كفر، ومن ثم كان القتال. ومن ثم كان هذا القتال بمشيئة الله، ومن ثم نعلم حكمة فرضية القتال علينا. فإذ أرسل محمد ﷺ وجاء بالبينات، فعلى الخلق جميعا متابعته، ومن لم يتابع فقد استحق أن يقاتل، فإما أن يسلم، وإما أن يخضع بدفع الجزية. ومن أسلم وارتد فجزاؤه القتل، وإذا سيطر المرتدون. فعلى من يستطيع قتالهم أن يقاتلهم.
المعنى الحرفي:
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ: الإشارة في (تلك) إلى ما سبق هذه
стр. 563
الآية في المجموعتين السابقتين. بدليل أن كلا من المجموعتين بدئ بتوجيه الخطاب إلى رسول الله ﷺ بقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ وهذه الآية يتوجه الخطاب فيها إلى رسول الله ﷺ . ولأن في كل من المجموعتين ذكرت خارقة للعادة. ومعنى نتلوها: نقصها.
والحق: هو الأمر المطابق للواقع. وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ: بدليل ما تخبر به من الحق الذي ما كنت لتعرفه، لولا أنك رسول من عند الله، وأن الله يوحي إليك
تِلْكَ الرُّسُلُ إشارة إلى المرسلين الذين منهم رسول الله محمد ﷺ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ: بالخصائص، وراء الرسالة. فهم يستوون في الرسالة، ويتفاوتون بالفضل كالمؤمنين. يستوون في صفة الإيمان، ويتفاوتون في الطاعات بعد الإيمان. مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ أي: منهم من فضله الله بأن كلمه من غير سفير، كموسى، ومحمد ﷺ ، وكذلك آدم، ورد في تكليم الله إياه حديث في صحيح ابن حبان عن أبي ذر.
وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ أي: ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء. فكان بعد تفاوتهم في الفضل، أفضل منهم بدرجات كثيرة. وهو محمد ﷺ إذ إنه مفضل على كافة الرسل، بإرساله إلى الخلق عامة. وبأنه خاتم النبيين، وبأنه أوتي ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة، المتزايدة على الدهر. وفي إبهامه، وعدم ذكره صراحة، تفخيم، وبيان أنه العلم الذي لا يشتبه على أحد. والمتميز الذي لا يلتبس ﷺ . وقد يكون المراد تفاوت منازلهم عند الله. وقد يكون المراد اختلاف منازلهم الآن، كما ورد في حديث الإسراء. حيث إن بعضهم في السماء الدنيا، وبعضهم في الثانية، وهكذا. والله أعلم. وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ أي: الحجج، والدلائل القاطعات.
كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، وغير ذلك. وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أي: قويناه بجبريل. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ أي: ولو شاء الله ما اختلف الذين من بعد الرسل، فاقتتلوا. والقتال سببه الاختلاف. فذكر في الآية المسبب. فدخل السبب ضمنا. ولذلك فسرنا اقتتلوا باختلفوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ أي: من بعد ما جاءتهم المعجزات، والآيات الواضحات كان المفروض ألا يختلفوا. وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ كان المفروض ألا يختلفوا لوضوح الحق، ولكنهم اختلفوا. ثم بين الاختلاف بأن آمن بعضهم، وكفر الآخر.
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ أي: لو شئت ألا يقتتلوا لم يقتتلوا. إذ لا يجري في ملكي إلا ما يوافق مشيئتي. ثم أثبت- سبحانه- الإرادة لنفسه. وأثبت أن إرادته- تعالى- مطلقة.
стр. 564
فوائد:
١ - أثبت الله في الآية الأخيرة تفاضل الأنبياء. فما الجمع بين هذه الآية والحديث الثابت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: «استب رجل من المسلمين، ورجل من اليهود، فقال اليهودي في قسم يقسمه: لا والذي اصطفى موسى على العالمين. فرفع المسلم يده، فلطم بها وجه اليهودي فقال: أي خبيث. وعلى محمد ﷺ . فجاء اليهودي إلى النبي ﷺ ، فاشتكى على المسلم. فقال رسول الله ﷺ :
لا تفضلوني على الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشا بقائمة العرش. فلا أدري أفاق قبلي، أم جوزي بصعقة الطور؟. فلا تفضلوني على الأنبياء». وفي رواية: «لا تفاضلوا بين الأنبياء». قال ابن كثير:
(فالجواب من وجوه. أحدها: أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل. وفي هذا نظر ..
الثاني: أن هذا ما قاله من باب الهضم والتواضع. الثالث: أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر. الرابع: لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية. الخامس: ليس مقام التفضيل إليكم. وإنما هو إلى الله .
وعليكم الانقياد، والتسليم له، والإيمان به).
٢ - إن أوسع المخلوقات مشيئة هو الإنسان. ومع ذلك فإن مشيئته مقيدة بعالم الأسباب، فهو لا يستطيع ألا يتنفس؛ وهو مقيد بقوانين هذا العالم؛ ومشيئته لا تنفذ إلا ضمن استطاعته التي أعطاه الله إياها، ومشيئته يمكن أن تعاكسها مشيئات الآخرين.
والذات الإلهية منزهة عن هذا كله، مشيئته تعالى غير مقيدة، ومشيئته نافذة.
ومشيئته لا يمكن أن تعاكسها مشيئات الآخرين، وإن من يتصور غير هذا يكون قد شبه مشيئة الله بمشيئة خلقه. هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، أنه لا شئ إلا بمشيئة الله. وهذه الآية تشهد بما لا يقبل جدلا على صحة هذا المذهب، ولكن كيف نجمع بين كون كل شئ بمشيئة الله وبين اختيار الإنسان. بين كون أفعال الإنسان بمشيئة الله، ومع ذلك فالله يحاسبه عليها؟. والجواب أن عموم المشيئة لا يتعارض مع الاختيار فالقاعدة أن مشيئة الله على وفق علمه، مع اعتقادنا أزلية العلم والمشيئة. والعلم كاشف، لا مجبر. فالله علم، وأراد، والعلم كاشف لا مجبر فكون الله علم ما سيفعله فلان بمحض اختياره، وأراده، وأبرزه بقدرته، فذلك شأنه، ولا يسأل عما يفعل. ولا يعني هذا أنه أجبر. فالإنسان مختار، يشهد على ذلك إرادته،
стр. 565
وعقله. وإرسال الله له الرسل، وهو يحاسب على هذا الاختيار. وهذا الكلام في مثل هذا المقام يكفي. ومن أوسع أبواب الضلال، قياس شأن الخالق، على حال المخلوق والحمد لله رب العالمين.
كلمة في الفقرة والمقطع:
كنا ذكرنا من قبل أن القسم الثالث في سورة البقرة يتألف من مقطعين. وقد انتهى معنا عرض المقطع الأول، وقد رأينا أن المقطع الأول يتألف من أربع فقرات، ورأينا أن التكليف التفصيلي الأول فيه كان في شأن القتال، وكان في آخر آية في المقطع ذكر لسبب من أسباب القتال. فاجتمع في المقطع في بدايته، ووسطه، ونهايته كلام عن القتال، وأسبابه، وبعض أحكامه.
وقد حدثنا المقطع بعد مقدمته الواعظة عن أحكام كثيرة، ونبهنا إلى أشياء كثيرة.
وكلها جاءت في سياق الأمر بالدخول في الإسلام كله، والنهي عن اتباع خطوات الشيطان.
فعرفنا أحكاما في شأن الخمر، والميسر، واليتامى، والإنفاق، والزواج، والحياة الزوجية، والإيمان، والإيلاء، والطلاق، والخلع، وواجبات الزوجة المتوفى عنها زوجها، ووجوب المحافظة على الصلوات الخمس، والصلاة حال القتال. وعرفنا أن الطريق للخروج من الضياع، والقهر، والغلبة هو الإمرة المؤمنة ذات الخصائص المناسبة، والقتال. وكما أن للقتال محله في إقامة الإسلام، فإن للإنفاق محله في هذا الشأن. ولذلك رأينا ذكرا للإنفاق في مقدمة السورة، وذكرا له في المقطع الأول من القسم الثاني. وكذلك في المقطع الثالث. ورأينا ذكرا له في المقطع الأول من القسم الثالث ورأينا تلازم الحديث عن القتال مع الحديث عن الإنفاق في كثير من المواطن، فاتضح لنا محل الإنفاق في التقوى، ومحله في إقامة الإسلام كله. وهذا يقتضي تفصيلا في شأنه. ومن ثم فإن الفقرة الأولى في المقطع الثاني من هذا القسم كانت حديثا عن الإنفاق في سبيل الله وحديثا عن مرتكزاته من إيمان بالله، واليوم الآخر.
إن المقطع القادم، وهو المقطع الثاني من القسم الثالث يتحدث عن قضايا مالية في فقرات ثلاث. والفقرة الأولى منه في الإنفاق بعد أن قدمت السورة لذلك بأن عرفتنا على محل الإنفاق في دين الله. إن في قضية التقوى، أو في قضية إقامة الإسلام كله وترك اتباع خطوات الشيطان. فإلى المقطع الثاني من القسم الثالث.
стр. 566
المقطع الثاني من القسم الثالث:
يمتد هذا المقطع من الآية (٢٥٤) إلى نهاية الآية (٢٨٤). حيث تأتي بعده مباشرة خاتمة السورة. ويتحدث هذا المقطع عن ملامح النظام المالي في الإسلام. فالنظام المالي في الإسلام نظام زكوي، غير ربوي. ذو معاملات منضبطة بقيود الشرع. والفقرة الأولى في هذا المقطع تتحدث عن الإنفاق، والفقرة الثانية تتحدث عن الربا، والفقرة الثالثة تتحدث عن الدين، ويختم المقطع بآية تعلن أن المالكية لله، وأن الله سيحاسب.
وبين آيات الإنفاق يأتي حديث عن الإيمان بالله، واليوم الآخر. فهو يبدأ بالأمر بالإنفاق، ثم يتحدث عن الإيمان بالله، واليوم الآخر، ثم يرجع الحديث إلى الإنفاق.
وهكذا حتى تتم الفقرة الأولى. فيأتي حديث عن الربا، ثم تأتي آية الدين، فآية أخرى، فالآية الأخيرة. الآية الأولى في المقطع: أمر بالإنفاق مما رزق الله، والآية الأخيرة فيها إعلان المالكية لله؛ فبين الآية الأولى والأخيرة صلة واضحة وفي سياق الكلام عن الله، واليوم الآخر، يأتي كلام عن الحرية الدينية، وبذلك فإن هذا المقطع، والذي قبله يحدثنا عن أهم الأمور في حياة الإنسان: قضايا الأسرة، والقتال، والسياسة، والاقتصاد، والحياة العامة. وكل ذلك يأتي في سياق قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ.
الفقرة الأولى من المقطع
تمتد هذه الفقرة من الآية (٢٥٤) إلى نهاية الآية (٢٧٤) وهذه هي:
[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٥٤ الى ٢٧٤]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥) لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥٧) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠) مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً
لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥) أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩) وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٢٧٠) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١) لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)
стр. 567
كلمة في هذه الفقرة:
تبدأ الفقرة بالأمر بالإنفاق، ثم يأتي كلام عن الله تعالى، هو أروع كلام عن الله عرفته البشرية. وكأنه بمثل هذه الروعة في الحديث عن الله تقوم الحجة على كل إنسان، ومن ثم يأتي النهي عن الإكراه على الدين؛ لأن الحجة قد قامت على الإنسان. ثم يأتي كلام عن الله، وكلام عما تقوم به الحجة في شأن اليوم الآخر، ثم يعود الكلام إلى الحديث عن الإنفاق.
ومجئ الكلام عن الله، والتدليل على اليوم الآخر، مرتبط بطرفي الفقرة.
أي بالإنفاق. وذلك واضح. فالرسول ﷺ يقول: «والصدقة برهان». برهان على ماذا؟. برهان على الإيمان بالله واليوم الآخر، فالمال حبيب للنفس، وهو عديل الروح
стр. 568
كما يقولون. فما لم يعرف الإنسان الله فيحبه. وما لم يؤمن باليوم الآخر فيحب العمل من أجل الثواب فيه، فإنه يصعب عليه أن ينفق. ومن ثم كان الحديث عن الله في هذه الفقرة أعظم منه في أي مكان آخر من كتاب الله. أليس فيه آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله. إن من يقرأ هذه الفقرة ملاحظا البداية والنهاية والوسط سيجد نفسه مندفعا للإنفاق.
ولقد رأينا أولى آيات سورة البقرة هي:
الم. ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وفيما مر من السورة، مرت تفصيلات كثيرة حول الصلاة. وهاهنا تأتي تفصيلات كثيرة حول الإنفاق وقد أخر الكلام عن الإنفاق ليكون بجانب ما يقابله من أكل الربا، وليكونا بجانب الحديث عن ضرورة الضبط في المعاملات، ومجئ ذلك كله في أواخر السورة يشعر بالاحتياجات التربوية الكثيرة للنفس البشرية، لتستقيم على أمر الله في شأن المال.
ومجئ ذلك كله في سياق الأمر بالدخول في الإسلام كله يشعر بأنه ما لم يقم أمر المال على شرع الله فإن الناس لا يكونون قد دخلوا في الإسلام كله. وفي مثل هذا وغيره، تظهر دقائق من أسرار الإعجاز لمن عقل. ولنبدأ عرض الفقرة.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ
المعنى العام:
يأمر تعالى عباده بالإنفاق مما رزقهم في سبيله، سبيل الخير، ليدخروا ثواب ذلك عند ربهم، ومليكهم. وليبادروا إلى ذلك في هذه الحياة الدنيا من قبل أن يأتي يوم القيامة، يوم لا يباع أحد من نفسه، ولا يفادى بمال لو بذله، ولو جاء بملء الأرض ذهبا. ولا تنفعه صداقة أحد، أو نسابته، أو شفاعته؛ إن كان كافرا. ثم يقرر الله أنه لا ظالم أظلم ممن وافى الله يومئذ كافرا.
المعنى الحرفي:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ: هذا أمر عام بالإنفاق في الجهاد،
стр. 569
والإنفاق الواجب كالزكاة، وصدقة الفطر، والنفقة على من تجب إعالتهم، وعلى من عرفت حاجتهم، وغير ذلك من النفقات الواجبة ودخل في ذلك الإنفاق النافلة. لأن الأمر كان بالإنفاق مما رزقنا الله، وليس كل ما رزقنا الله إياه أوجب فيه نفقة مفروضة.
ومن هنا نفهم حكمة تأخير هذه الفقرة. إذ جاءت بعد أن عرضت علينا السورة صورا من الإنفاق الواجب والمندوب. مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ الخلة: الصداقة. والشفاعة للمؤمنين ثابتة بنصوص كثيرة. فالشفاعة المنفية في هذا اليوم إنما هي الشفاعة للكافرين، أو أن الشفاعة المنفية هي الشفاعة التي لم يأذن بها.
فصار المعنى: أنفقوا من قبل أن يأتي يوم القيامة. يوم لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق. لأنه لا بيع فيه حتى تبتاعوا ما تنفقونه. ولأنه لا صداقة بين كافر وكافر. فالجميع يتبرءون من بعضهم، والجميع لا مقام لهم عند الله، فينتفعون من صداقتهم، ولأنه لا شفاعة يومئذ تنفع عنده إلا بإذنه. ولم يأذن أن يشفع لكافر. فإذا كان الأمر كذلك فأنفقوا لله، وفي سبيله، وفي محال الإنفاق، لا تراعوا في ذلك إلا أن يكون ذلك لوجه الله خالصا فهذا وحده ينفعكم. وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ أي: والكافر هو الظالم نفسه، بتركه التقديم ليوم حاجته. حصر الله الظلم بأهل الكفر، لأنه لا أظلم منهم في موافقهم من ربهم، ودينه، ورسله، وأهله. ولا أظلم منهم لأنفسهم، إذ أوردوها النار. وأي شئ أفظع من النار: السجن الأبدي للكافرين. وإن في هذه الآية لدواء لمن مرض قلبه بالإعجاب بالكافرين وبعدالتهم فالكافر هو الظالم مهما ظهر على يده من بعض حيثيات العدل قال عطاء بن دينار:
(الحمد لله الذي قال والكافرون هم الظالمون. ولم يقل والظالمون هم الكافرون). لأنه لا يوجد من لا يظلم نفسه نوع ظلم إلا من عصم الله.
كلمة في السياق:
١ - تذكرنا هذه الآية أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ بقوله تعالى في أول سورة البقرة:
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ فإذا كانت هذه الفقرة لها علاقة بالإنفاق، فإننا ندرك سرا من أسرار السياق. إذ نجد في هذه الفقرة تفصيلا لما أجمل في بدايات سورة البقرة.
٢ - نحب أن نذكر بمعنى طرقناه أكثر من مرة. هو أننا إذا نظرنا إلى بعض الآيات من خلال السياق العام، فإنها تدلنا على معان، وإذا نظرنا إليها منفردة تدلنا على معان، وإذا نظرنا إلى كلمة منها على انفراد نأخذ معان، وهكذا جعل الله كتابه، لا تنتهي
стр. 570
معانيه. نقول هذا بمناسبة أننا قلنا إن الكلام عن الله، وأدلة اليوم الآخر، قد جاء بين الأمر بالإنفاق قبله، والحض على الإنفاق بعده. لأن موضوع الإنفاق في سبيل الله مرتبط بالإيمان بالله، واليوم الآخر. فغير المؤمن بالله واليوم الآخر لا ينفق إلا إذا عاد عليه الإنفاق بمنفعة ما. أما المؤمن، فإنه ينفق لأن الله أمر. ولأن الله سيثيبه في الدنيا والآخرة على ما أنفق. إننا عند ما ننظر إلى الآيات الواردة بين آيات الإنفاق، نجد في كل آية على انفراد معاني في موضوعها، ذات دلالات زائدة على ما نفهم من محلها في السياق. وإن كانت تخدم غرضه فلنلاحظ هذا كله فيما يأتي. ولنلاحظ كيف تخدم الآية السياق القريب، والسياق العام.
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ من كان هذا شأنه ألا ينفق الإنسان في سبيله، ومن كان هذا شأنه كيف لا يدخل الإنسان في دينه. إذا فهمنا هذه العبارة، أدركنا حكمة مجئ هذه الآية بين قوله تعالى: أَنْفِقُوا. وبين قوله تعالى بعدها: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ وإذا أدركنا مجيئها في سياق الدخول في الإسلام كله فالذين لا يعرفون الله، هم الذين يظنون أنه لا دخل لله في شئون عباده، أو أن تشريعه ليس هو الأكمل. كيف وهو القيوم، المحيط علما.
حديث وتعليق:
روى مسلم والإمام أحمد عن أبي بن كعب أن النبي ﷺ : «أي آية في كتاب الله أعظم»؟. قال: الله ورسوله أعلم. فرددها مرارا، ثم قال: آية الكرسي. قال ﷺ : «ليهنك العلم أبا المنذر». وعند أحمد زيادة: «والذي نفسي بيده، إن لها لسانا وشفتين، تقدس الملك عند ساق العرش».
وإنما كانت أعظم آية في كتاب الله لاشتمالها على توحيد الله وتعظيمه، وتمجيده، وصفاته العظمى، بما لم يجتمع في آية أخرى. ولا مذكور أعظم من رب العزة. فما كان ذكرا له، كان أفضل من سائر الأذكار. ومن ثم نعلم أن أشرف العلوم، علم التوحيد. وهذه الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة، فيها خمسة معان رئيسية. وإنما
стр. 571
ترتبت الجمل في آية الكرسي بلا حرف عطف، لأنها وردت على سبيل البيان. القسم الأول منها بيان لتوحيده وقيامه بتدبير خلقه، وكونه مهيمنا عليه، غير ساه عنه والثاني: بيان لكونه مالكا لما يدبره. والثالث: بيان لكبرياء شأنه. والرابع: بيان لإحاطته بأحوال خلقه. والخامس: بيان لسعة علمه، وتعلقه بالمعلومات كلها، وتعريف على جلاله، وعظم قدره.
المعنى الحرفي:
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ: هذا إخبار بأنه المتفرد بالإلهية لجميع الخلائق. الْحَيُّ الْقَيُّومُ أي: الحي في نفسه، الذي لا يموت أبدا، الباقي الذي لا سبيل عليه للفناء.
والدائم القيام بتدبير خلقه، وحفظه. فهو قائم بنفسه، غير مفتقر لغيره. وأما غيره فقائم به، مفتقر إليه. فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غني عنها. ولا قوام لها بدون أمره. وجودها مفتقر إليه، وصفاتها مفتقرة إليه، واستمرارها مفتقر إليه. لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ السنة: هي النعاس وهو ما يتقدم النوم من الفتور، ومعنى لا تأخذه أي لا تغلبه، والنوم أقوى من النعاس، وقد نفى هذا، وهذا وذلك توكيد للقيوم لأن من جاز عليه النعاس، والنوم، استحال أن يكون قيوما. فهو ﷻ لا يعتريه نقص، ولا غفلة، ولا ذهول عما خلقه. بل هو قائم على كل نفس بما كسبت.
شهيد على كل شئ، لا يغيب عنه شئ، ولا تخفى عليه خافية، لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ: هذا إخبار بأن الجميع ملكه، وملكه. فالجميع عبيده، وتحت قهره وسلطانه. مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ: أي ليس لأحد أن يشفع عنده إلا بإذنه. وهذا من عظمته، وجلاله، وكبريائه. فلا يتجاسر أحد أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة، كما في حديث الشفاعة: «آتي تحت العرش فأخر له ساجدا.
فيدعني ما شاء الله أن يدعني. ثم يقال: ارفع رأسك وقل تسمع، واشفع تشفع.
قال: فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة». يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ أي:
يعلم ما كان قبلهم، وما يكون بعدهم. والضمير لما في السموات والأرض. ولم يقل:
أيديها، وخلفها، لأن فيهما العقلاء. وفي هذا التعبير بيان لإحاطة علمه بجميع الكائنات، ماضيها، وحاضرها، ومستقبلها. ما من حركة إلا وهو يعلم ما قبلها، وما بعدها. ولا شئ إلا ويعلم ما قبله وما بعده. فسبحانه سبحانه. وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ: المراد بالعلم هنا، المعلوم. فصار المعنى: لا يطلع أحد من
стр. 572
علم الله على شئ إلا بمشيئة الله، وتعليمه. فما عرفه الإنسان من عالم الغيب، وما عرفه الإنسان من عالم الشهادة، وقوانين هذا الكون، وكيفية تسخيره، إلا بمشيئة الله، وتعليمه. فهو الذي علم الإنسان ما لم يعلم. وهو الذي علم كل شئ ما علم.
وهناك وجه آخر. قال ابن كثير: ويحتمل أن يكون المراد: لا يطلعون على شئ من علم ذاته وصفاته، إلا بما أطلعهم الله عليه. وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ: للعلماء في تفسير الكرسي هنا أقوال. منهم من فسره بالعلم، ومنهم من فسره بالعرش، ومنهم من فسره بمخلوق عظيم محيط دون العرش، ومنهم من فسره بالقدرة، ومنهم من فسره بالملك. وقد قدم ابن كثير ذكر تفسير الكرسي هنا بالعلم، نقلا عن ابن عباس. ومن عادته في هذه الحالة، أن يقدم الأرجح عنده. ثم نقل قول ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن المسيب مثله. ونستطيع أن نقول: إن أجود ما يفسر به الكرسي، إن أخرجناه عن لفظه هذا التفسير. وإما إذا لم نخرجه عن لفظه، فأجود ما يقال فيه، ما قاله ابن كثير، والصحيح، أن الكرسي غير العرش.
والعرش أكبر منه، كما دلت على ذلك الآثار والأخبار، وإذن صار معنى النص على القول الأول: أحاط علمه السموات والأرض. وعلى القول الثاني: إن كرسيه الذي هو دون العرش، محيط بالسماوات، والأرض. ومن كان مثل هذا خلقه، ما أعظمه.
وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما أي: لا يثقله، ولا يشق عليه حفظ السموات والأرض، ومن فيهما، وما بينهما. بل ذلك سهل عليه، يسير لديه. وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، فلا يعزب عنه شئ، ولا يغيب عنه شئ.
والأشياء كلها متواضعة، ذليلة بين يديه، صغيرة بالنسبة إليه، محتاجة، فقيرة.
وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ العلي في ملكه وسلطانه، العظيم في عزه وجلاله. أو العلي المتعالي عن الصفات التي لا تليق به. العظيم المتصف بالصفات التي تليق به. فهما جامعان لكمال التوحيد. قال ابن كثير: (فقوله: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ كقوله:
الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح، الأجود فيها طريقة السلف الصالح. أمروها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه).
فوائد:
١ - روى الحافظ أبو يعلى وغيره عن عبد الله بن خليفة، عن عمر ﵁ قال: أتت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة. قال: فعظم
стр. 573
الرب ﵎، وقال: «إن كرسيه وسع السموات والأرض. وإن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد من ثقله» وقال ابن كثير: عبد الله بن خليفة ليس بذاك المشهور. وفي سماعه عن عمر نظر. وقال كذلك عن هذا الحديث: (وعندي في صحته نظر).
نقلنا هذا الحديث، وتعليقات ابن كثير عليه، لئلا يظن ظان، أن هذا الحديث صحيح لاعتماده من قبل بعض المفسرين.
٢ - أخرج ابن مردويه، عن أبي ذر الغفاري ﵁ أنه سأل النبي ﷺ عن الكرسي. فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده. ما السموات السبع، والأرضون السبع عند الكرسي. إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة. وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة».
٣ - عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ دبر كل صلاة مكتوبة، آية الكرسي، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت». رواه النسائي وابن حبان، قال ابن كثير عن إسناد ابن حبان: فهو إسناد على شرط البخاري. وخطأ من زعم أن الحديث موضوع.
٤ - روى الإمام أحمد، والترمذي- وقال حسن صحيح-، وأبو داود، عن رسول الله ﷺ : في هاتين الآيتين: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ والم. اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ «إن فيهما اسم الله الأعظم».
٥ - نقل ابن كثير، بمناسبة آية الكرسي، ثلاث وقائع متشابهة. وقعت لأبي أيوب، ولأبي بن كعب، ولأبي هريرة. نكتفي بنقل واقعة أبي هريرة التي ذكرها البخاري، تعليقا بصيغة الجزم. ورواها النسائي: قال أبو هريرة: (وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان. فأتاني آت، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت:
لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ . قال: دعني فإني محتاج، وعلي عيال، ولي حاجة شديدة. قال: فخليت عنه، فأصبحت. فقال النبي ﷺ : «يا أبا هريرة: ما فعل أسيرك البارحة؟». قلت: يا رسول الله! شكا حاجة شديدة وعيالا، فرحمته وخليت سبيله. قال: «أما إنه كذبك، وسيعود». فعرفت أنه سيعود، لقول رسول الله ﷺ . «أنه سيعود» فرصدته، فجاء يحثو من الطعام. فأخذته، فقلت:
стр. 574
لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ قال: دعني، فإني محتاج، وعلي عيال، فرحمته، وخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ : «يا أبا
هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟» قلت يا رسول الله شكا حاجة وعيالا فرحمته وخليت سبيله فقال: «أما إنه كذبك وسيعود» فرصدته الثالثة فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ . وهذا آخر ثلاث مرات، تزعم أنك لا تعود، ثم تعود. فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها. قلت: وما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ حتى تختم الآية. فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح. وكانوا أحرص شئ على الخير. فقال النبي ﷺ : «أما إنه صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاثة يا أبا هريرة؟.» قلت: لا. «قال ذاك شيطان»).
٦ - روى الإمام أحمد عن أنس:
أن رسول الله ﷺ سأل رجلا من صحابته، فقال: «أي فلان: هل تزوجت؟
قال: لا. وليس عندي ما أتزوج به. قال: «أوليس معك قل هو الله أحد؟». قال بلى. قال: «ربع القرآن. قال: أليس معك إذا زلزلت؟ قال: بلى. قال: «ربع القرآن. قال أليس معك إذا جاء نصر الله؟» قال: بلي. قال: «ربع القرآن».
٧ - روى الإمام أحمد عن أبي ذر قال: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد، فجلست، فقال: «يا أبا ذر: هل صليت؟. قلت: لا. قال: «قم فصل». قال: فقمت، فصليت، ثم جلست. فقال: «يا أبا ذر: تعوذ بالله من شر شياطين الإنس، والجن». قال: قلت يا رسول الله: أو للإنس شياطين؟. قال: «نعم». قال:
قلت يا رسول الله: الصلاة؟. قال: «خير موضوع. من شاء أقل، ومن شاء أكثر». قال: قلت يا رسول الله! فالصوم؟. قال: «فرض مجزي وعند الله مزيد».
قلت: يا رسول الله! فالصدقة؟. قال: «أضعاف مضاعفة» قلت: يا رسول الله! فأيها أفضل؟. قال: «جهد من مقل. أو سر إلى فقير». قلت: يا رسول الله: أي الأنبياء كان أول؟. قال: «آدم». قلت: يا رسول الله: ونبي كان؟. قال: «نعم نبي مكلم». قلت: يا رسول الله: كم المرسلون؟ قال: «ثلاثمائة وبضعة عشر جما غفيرا- وقال مرة: وخمسة عشر-». قلت: يا رسول الله: أي ما أنزل عليك أعظم؟. قال: آية الكرسي اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ورواه النسائي.
стр. 575
٨ - ذكر ابن كثير بمناسبة قوله تعالى: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ الحديث الصحيح عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات فقال: «إن الله لا ينام. ولا ينبغي عليه أن ينام. يخفض القسط ويرفعه. يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل، وعمل الليل قبل عمل النهار. حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه».
ثم ذكر ابن كثير روايات إسرائيلية، نبه عليها. وبعضها منسوب كذبا لرسولنا ﷺ . من هذه الروايات ما فيه سؤال من موسى للملائكة: (هل ينام الله)؟. قال ابن كثير: وهو من أخبار بني إسرائيل. وهو مما يعلم أن موسى ﵇ لا يخفى عليه مثل هذا من أمر الله . فإنه منزه عنه. والذي نقوله بهذه المناسبة: إن الروايات عن بني إسرائيل فيها من سوء الأدب مع الله ورسله الكثير، وفيها من الجهل بالله ورسله الكثير. فإذا ما أردنا أن ننقل، فلننقل مع البيان الناصع، والرد القاطع، أو فلننقل ما يتفق مع الحق، مع عزوه إلى مصادره، دون أن نحمل أنفسنا مسئوليته. وأجود ما نقله ابن كثير في هذا الموضوع مما لا يتنافى مع عصمة الأنبياء ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أن بني إسرائيل قالوا: يا موسى هل ينام ربك؟. قال: اتقوا الله. فناداه ربه : يا موسى: سألوك هل ينام ربك. فخذ زجاجتين في يديك. فقم الليلة. ففعل موسى. فلما ذهب من الليل ثلث، نعس. فوقع لركبتيه، ثم انتعش فضبطهما. حتى إذا كان آخر الليل، نعس، فسقطت الزجاجتان، فانكسرتا. فقال: يا موسى: لو كنت أنام، لسقطت السموات والأرض، فهلكت كما هلكت الزجاجتان في يديك».
قال ابن عباس: فأنزل الله على نبيه ﷺ آية الكرسي. أي لكي لا يسأل جاهل عن مثل هذا الموضوع.
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ كأنه من خلال آية الكرسي قامت الحجة على كل إنسان بهذا الدين. إذ من يستطيع أن يصف الله بهذا الوصف، وبمثل هذا الكمال إلا الله. فجاءت هذه الآية.
سبب النزول:
روى ابن جرير، وأبو داود، والنسائي عن ابن عباس قال:
стр. 576
كانت المرأة تكون مقلاة، فتجعل على نفسها، إن عاش لها ولد، أن تهوده. فلما أجليت بنو النضير، كان فيهم من أبناء الأنصار. فقالوا: لا ندع أبناءنا فأنزل الله : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ. وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ.
المعنى العام:
يقول تعالى: لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام. فإنه بين واضح. جلية دلائله وبراهينه. لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام، وشرح صدره، ونور بصيرته، دخل فيه على بينة. ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه، وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا. ثم بين الله أنه من خلع الأنداد، وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله. ووحد الله فعبده وحده. وشهد أن لا إله إلا هو فقد ثبت في أمره، واستقام على الطريقة المثلى، والصراط المستقيم، واستمسك من الدين بأقوى سبب، لا ينفصم أبدا. ثم وصف الله ذاته بالسمع والعلم. فهو سميع يسمع كل شئ فيسمع من آمن ولمن آمن عليم باعتقاد الجميع.
المعنى الحرفي:
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ أي: لا إجبار على الدين الحق، وهو دين الإسلام. فليس الإكراه على دين الله من دين الله. قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ أي: تميز الهدي من الضلال. قد تميز الإيمان من الكفر بالدلائل الواضحة. فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ:
الطاغوت: من الطغيان. وهو كل ما جاوز الحد. والشيطان هو وراء كل تجاوز للحد.
فالكفر به، كفر بكل شر عليه البشر من شرك بالله، أو احتكام لغير الله، أو استنصار بغير الله.
والكفر بالطاغوت: رفضه، واحتقاره، وازدراؤه، وعدم طاعته، وإهانته. وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ ويصدق به حق التصديق. بإعطاء ذلك لوازمه فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى الوثقى: تأنيث الأوثق. والأوثق: هو الأشد. واستمسك، بمعنى: تمسك.
والعروة: هي المعتصم، والمتعلق. وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد
стр. 577
المحسوس، حتى يتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده. والمعنى: فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله، فقد عقد لنفسه من الدين عقدا وثيقا، لا تحله شبهة.
لَا انْفِصامَ لَها أي: لا انقطاع لهذه العروة التي تمسك بها من آمن بالله، وكفر بالطاغوت شبه من آمن بالله، وكفر بالطاغوت، بالمستمسك بالعروة القوية التي لا تنفصم. لأنها في نفسها محكمة مبرمة، قوية. وربطها قوي شديد. ودخل في الإيمان بالله، الإيمان برسوله، وكتابه، ودينه. لأن ذلك كله من لوازم الإيمان. وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ: يسمع كل شئ، ويعلم كل شئ. فأسمعوه من أنفسكم خيرا، وأحكموا أمر الإيمان بالله، والكفر بالطاغوت.
فوائد:
١ - لاحظنا أن الاستمساك بالعروة الوثقى، كفر بالطاغوت، وإيمان بالله. وقد ذكر في الآية، الكفر بالطاغوت مقدما على الإيمان بالله، لغموض هذا الجانب في حياة الناس. وهكذا قال المربون الإسلاميون: التخلية، ثم التحلية. وبقدر ما تتخلى، تتحلى.
بقدر ما يكون الكفر بالطاغوت قويا، يكون الإيمان قويا.
٢ - من المعلوم أن هناك اتفاقا بين الفقهاء، أن العربي الوثني لا يقبل منه إلا الإسلام، أو القتل. وأما الذمي العربي، فيجوز أن تؤخذ منه الجزية. ولكنه لا يقر في جزيرة العرب.
أما غير العرب، فإنه يعرض عليهم الإسلام، أو الجزية، أو القتال. على خلاف حول غير اليهود والنصارى. والشئ الذي تم عليه العمل خلال العصور، هو ما ذكرناه. ونتيجة لهذه الأحكام، وجد من يقول إن آية: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ منسوخة. والمسألة مرتبطة بموضوع تخصيص العام هل يعتبر نسخا أو بيانا. ومن الناحية العملية، لا يترتب على هذا الاختلاف شئ. فالقتال شئ، والإكراه على الدخول في الإسلام شئ آخر.
أمرنا أن نقاتل الكافرين، وحرم علينا إكراههم، إلا عربيا وثنيا. فهذا ليس أمامه إلا الإسلام أو القتل لأن الحجة في حقه أظهر.
٣ - قال عمر ﵁ «إن الجبت: السحر. والطاغوت: الشيطان. وإن الشجاعة والجبن غرائز، تكون في الرجال. يقاتل الشجاع عمن لا يعرف. ويفر الجبان من أمه. وإن كرم الرجل دينه، وحسبه، وخلقه، وإن كان فارسيا، أو نبطيا» رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
стр. 578
٤ - في الحديث الصحيح: «عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل».
وفي الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد عن أنس أن رسول الله ﷺ قال لرجل:
«أسلم». قال: إني أجدني كارها. قال: «وإن كنت كارها».
قد يفهم فاهم أن هذين الحديثين يتنافيان مع قوله تعالى لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ وليس هذا صحيحا. فالحديث الأول في الأسارى الذين يقدم بهم إلى بلاد الإسلام في الوثاق، والأغلال، والقيود، والأكبال. ثم بعد ذلك يسلمون، وتصلح أعمالهم، وسرائرهم.
فيكونون من أهل الجنة. وليس في الحديث ما يدل على الإكراه. وأما الحديث الثاني فليس فيه ما يدل على الإكراه. بل إن رسول الله ﷺ دعاه إلى الإسلام. فأخبره بأن نفسه ليست قابلة له بل هي كارهة فقال له: أسلم وإن كنت كارها فإن الله سيرزقك حسن النية والإخلاص.
٥ - عن عبد الله بن سلام: إني رأيت رؤيا على عهد رسول الله ﷺ فقصصتها عليه: رأيت كأني في روضة خضراء. قال ابن عون: فذكر خضرتها، وسعتها- وفي وسطها عمود حديد. أسفله في الأرض، وأعلاه في السماء. في أعلاه عروة. فقيل لي:
اصعد عليه. فقلت: لا أستطيع. فجاءني منصف- قال ابن عون: هو الوصيف- فرفع ثيابي من خلفي فقال: اصعد، فصعدت حتى أخذت بالعروة. فقال: استمسك بالعروة فاستيقظت، وإنها لفي يدي. فأتيت رسول الله ﷺ فقال: أما الروضة، فروضة الإسلام. وأما العمود، فعمود الإسلام. وأما العروة، فهي العروة الوثقى. أنت على الإسلام حتى تموت». أخرجاه في الصحيحين. ومن ثم كان الصحابة يقولون عن عبد الله بن سلام: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا.
٦ - كنا ذكرنا قبل تفسير آية الكرسي شيئا عن الصلة بين آية الكرسي، وهذه الآية فبعد أن ذكر الله في آية الكرسي صفاته العليا بهذا البيان، ناسب أن يبين أن الإيمان به، والكفر بالطاغوت هو المقام الصحيح. وأن هذا ينبغي أن يكون على طواعية. لأن الأمر أوضح من أن يكون ملتبسا .. فالله غني عن خلقه، لا يريد استكراههم، وهو
سيحاسبهم.
٧ - في كتابنا (الله ﷻ رأينا كيف أن ظواهر الكون تدلنا على الله وصفاته بمحض التفكر. ورأينا أن ما دلتنا عليه ظواهر الكون عقلا، هو الذي يتفق مع ما ورد في الإسلام نقلا في هذا الموضوع. فالكلام عن الله في الكتاب الكريم بمثل هذا
стр. 579
الكمال هذا وحده دليل على أن هذا الدين، دين الله. وأن هذا القرآن، كتابه. ونلاحظ هنا ما يلي: بعد أن جاءت آية الكرسي التي هي أجمع آية في كتاب الله لصفاته. وكان فيها هذا البيان الرفيع لشأن الله العظيم. بمثل هذا الإعجاز البالغ جاء قوله تعالى بعدها لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فقوله تعالى: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ بعد آية الكرسي، فيه إشارة عظيمة لما ذكرناه من أن الكلام عن الله بمثل هذا البيان، والكمال، دليل وحده، وحجة كاملة في أن هذا الكتاب كتابه، وأن هذا الدين دينه.
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.
المعنى العام:
يخبر تعالى أنه يهدي من اتبع رضوانه سبل السلام، فيخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر، والشك، والريب، والشهوة، إلى نور الحق، الواضح، الجلي، المبين، السهل، النير. وأن الكافرين، إنما وليهم الشيطان، يزين لهم ما هم فيه من الجهالات، والضلالات، واتباع الشهوات. ويخرجهم، ويحيد بهم عن طريق الحق، إلى الكفر، والإفك. فجزاؤهم على ذلك: الخلود الأبدي في النار. والملاحظ أنه وحد النور وجمع الظلمات؛ لأن الحق واحد، والكفر أجناس كثيرة وكلها باطلة.
المعنى الحرفي:
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا أي: الله يتولى أمور مريدي الإيمان، يوفقهم ويرعاهم، وينصرهم. ومن ذلك: يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ أي: يخرجهم من كل ظلمة إلى نور الإيمان والهداية. وجمعت الظلمات، لأنها كثيرة: ظلمة الكفر، وظلمة النفاق، وظلمة الشهوة، وظلمة البدعة.
وهذه بشارة لمريدي الإيمان بأن الله يخرجهم من الشبه إن وقعت لهم بما يهديهم، ويوفقهم له من حلها، حتى يخرجوا منها إلى نور اليقين. وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ أي: ومريدو الكفر، والمصممون عليه، يتولى أمورهم الشياطين. وكون الطاغوت خبرا لجمع، فإنه يدل على جمع. فما أكثر شياطين الإنس والجن الذين شأنهم مع هؤلاء المصممين للكفر، والمريدين له ما أخبر تعالى: يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى
стр. 580
الظُّلُماتِ أي: يخرجونهم من نور الفطرة، والعقل، والإسلام، إلى ظلمات الشك، والشبهة، والشهوة. أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ: خلودا أبديا.
فوائد:
١ - في كتابنا (جند الله ثقافة وأخلاقا) ذكرنا أن الخروج من الظلمات إلى النور، لا يكون إلا بالله، أخذا من هذه الآية. وذلك بصلاة الله وملائكته علينا، أخذا من قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ (سورة الأحزاب) وقلنا هناك: إن علينا أن نعمل ما يستدعي صلاة الله وملائكته علينا من الأعمال التي وردت في الكتاب، أو السنة بأنها تستدعي ذلك. كالصبر، والاسترجاع، والصلاة على رسول الله ﷺ ، وحبس النفس بعد الصلاة، والإنفاق في سبيل الله.
٢ - قلنا إن الفقرة الأولى من هذا المقطع مبدوءة بالأمر بالإنفاق، ومنتهية بالحض على الإنفاق. ويتوسط فيها كلام عن الله، وأدلة اليوم الآخر، لصلة ذلك بالإنفاق. وقد رأينا آية الكرسي تحدثنا عن الله، وهي مبدوءة بكلمة: (الله) وكذلك هذه الآية وبين ذلك آية لا إكراه. فماذا نستطيع أن نضيف هنا حول السياق؟.
ا- إن الآية السابقة نهتنا عن الإكراه، وحضتنا على الكفر بالطاغوت والإيمان بالله.
وهذه الآية تبشرنا أن إرادة ذلك توصلنا إلى الهدى. وإذ كان الهدى متوقفا على الإرادة، فذلك حكمة النهي عن الإكراه على الإسلام.
ب- رأينا أن الكمال في الكلام عن الله، وصفاته العليا في آية الكرسي، دليل على أن هذا الكتاب حق من عند الله، فهو دليل إذن على الله أصلا. والآية هذه تدلنا على الله من خلال توفيقه مريدي الإيمان إلى الإيمان، وتسليطه الشياطين على مريدي الكفر، فيضلونهم.
ج- وإذا كان الله ولي الذين آمنوا .. أفلا ينبغي أن يبذل هؤلاء المؤمنون أموالهم في سبيله ﷻ . وإذا كان ربنا كذلك .. أفلا ينبغي أن ندخل في الإسلام كله، ونقيم شرائعه كلها.
стр. 581
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ. قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
المعنى العام:
ألم تر يا محمد إلى الذي يجادل إبراهيم في وجود ربه، وربوبيته وذلك أنه أنكر أن يكون ثم إله غيره. وما حمله على هذا الطغيان، والكفر الغليظ، والمعاندة الشديدة، إلا تجبره، وطول مدته في الملك. وكان طلب من إبراهيم دليلا على وجود الرب الذي يدعو إليه. فقال إبراهيم: إنما الدليل على وجوده، وربوبيته، ظاهرة الإحياء والإماتة. فظاهرة الإحياء والإماتة تدل على الله بما لا يقبل جدلا، إذ كيف تعلل ظاهرة الحياة، والإماتة بدون الله.
وقد تحدثنا في كتابنا (الله ﷻ عن ظاهرة الإحياء. وكيف أنها تدل على الله بما لا يقبل جدلا، فليراجع البحث هناك، وقد استدل إبراهيم بهذه الظاهرة على وجود ربه، وربوبيته، لأنها أقرب الظواهر البديهية على وجود ربنا ، فعند ذلك قال المحاج: أنا أحيي وأميت. قال قتادة، ومحمد بن إسحاق، والسدي، وغير واحد: وذلك أني أوتى بالرجلين، قد استحقا القتل. فآمر بقتل أحدهما، فيقتل. وآمر بالعفو عن الآخر فلا يقتل. وليس هذا جوابا لما قال إبراهيم، ولا في معناه، لأنه غير مانع لوجود الصانع. وإنما أراد أن يدعي لنفسه هذا المقام عنادا ومكابرة، ويوهم أنه الفاعل لذلك، وأنه هو الذي يحيي ويميت. ولهذا قال إبراهيم لما ادعى هذه المكابرة: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ أي إذا كنت تدعي أنك تحيي وتميت فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود في خلق ذواته، وتسخير كواكبه وحركاته. فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق. فإن كنت إلها كما ادعيت، فأت بها من المغرب؟.
فلما علم عجزه وانقطاعه، وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام، بهت. أي: أخرس فلا يتكلم. وتلك سنة الله تعالى أنه لا يلهم الظالمين حجة، ولا برهانا. بل حجتهم داحضة عند ربهم، ومن ثم فإن أبسط المؤمنين يقيم الحجة على أكثر الكافرين عنادا.
المعنى الحرفي:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ: الخطاب لرسول الله ﷺ والمراد بالرؤية هنا: الرؤية القلبية والعلمية. والمحاجة: هي المجادلة، والمخاصمة، ومجادلته كانت في
стр. 582
وجود ربه، وربوبيته التي تقتضي الطاعة والعبودية والخضوع. والاستفهام فيه معنى التعجيب. وأي عجب أكبر من أن يبطر الإنسان النعمة. فبدلا من أن يشكر المنعم، يكفر. وذلك أن سبب محاجة هذا الإنسان، إبراهيم: أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ أي: لأن الله آتاه الملك. أي: إن إيتاءه الملك أبطره، وأورثه الكبر، فحاج إبراهيم. إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ: هذا مضمون الحوار الذي تم بين إبراهيم، ونمرود.
فكأن نمرود قال: من ربك؟. فقال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت قالَ نمرود:
أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ: يريد- عليه اللعنة- أنه يعفو عن القتل، ويقتل. وجوابه هذا دليل على انقطاعه عن الخصومة، وعجزه عن الجواب. فلما عاند اللعين حجة الإحياء بتخلية واحد، وقتل آخر. كلمه من وجه لا يعاند- وكانوا أهل تنجيم- فقال: إن مقتضى الربوبية: السيطرة، والهيمنة على هذا الكون، بتسخير أجرامه. فإن كنت ربا، فغير حركة الشمس. قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ، فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ: كلمه بحركة الشمس كما تبدو للناظر فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ أي: تحير، ودهش. وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أي: لا يوفقهم ولا يلهمهم حجة في مناقشة أهل الحق.
فوائد:
١ - دلت الآية على إباحة الكلام في علم التوحيد، والمناظرة فيه. لأنه قال: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ ... والمحاجة تكون بين اثنين. فدل على أن إبراهيم حاجه أيضا ولو لم يكن مباحا، لما باشرها إبراهيم ﵇. لكون الأنبياء ﵈ معصومين عن ارتكاب الحرام. ولأنا أمرنا بدعاء الكفرة إلى الإيمان بالله وتوحيده.
وإذا دعوناهم إلى ذلك لا بد أن يطلبوا منا الدليل. وذا لا يكون إلا بعد المناظرة. فمعرفة الأدلة على وجود الله، ومعرفة الأدلة على بعثة الرسول ﷺ ، ومعرفة الأدلة على صحة دين الإسلام، وإقامة الحجة بذلك على الكافرين. كل ذلك مطلوب محمود. وقد جمعنا في ذلك سلسلة الأصول الثلاثة: (الله ﷻ و (الرسول ﷺ و (الإسلام) من أجل هذا.
٢ - محل هذه الآية في السياق واضح. ففي الآيات السابقة حديث عن الله. وفي هذه الآية عرض مناقشة بين رسول وكافر، حول وجود الله، وربوبيته، وقيام الحجة
стр. 583
على الكافر بهذا، وبيان أن الكافر لا حجة له، والكافرون جميعا لا حجة لهم. وخلال ذلك ذكرت ظاهرتان تدلان على الله: ظاهرة الحياة، وظاهرة الهيمنة والتسخير.
وكلاهما يدل على الله بما لا يقبل جدلا من عاقل. فالسياق كما نرى، سائر في طريق التعريف بالله، والتدليل على وجوده ضمن سياق الأمر بالإنفاق في سبيله. وبعد الحديث عن الله بشكل مباشر، يأتي حديث عن الله بما يخدم قضية الإيمان باليوم الآخر.
فصل في عصر إبراهيم ﵊ والكلام على ما أبهمه القرآن:
لم يقدم لنا علم الآثار شيئا يمكن من خلاله أن نحدد زمن إبراهيم ﵊، والنصوص الإسلامية ساكتة عن هذا الموضوع، والروايات الكتابية لا يمكن الاعتماد عليها في هذا الشأن أو غيره، وقد نقل عباس محمود العقاد في كتابه (إبراهيم أبو الأنبياء) كل ما توافر أمامه من معلومات حول سيدنا إبراهيم ﵊، ومن جملة ما نقله كلام كثير من الشراح الذين حاولوا أن يستفيدوا من علم الآثار، مضافا إلى ما ورد في كتب العهد القديم ليلقوا ضوءا على عصر إبراهيم ﵊، فذكر كيف أن بعضهم اعتبر عام (٣٠٠٠) قبل الميلاد هو الزمن الذي وجد فيه إبراهيم. بينما اعتبر بعضهم أن عام (٢٠٠٠) قبل الميلاد كان عصر إبراهيم، وبعضهم اعتبر إبراهيم ﵊ أحدث عهدا من ذلك، وبعضهم اعتبر أن حمورابي هو الملك الذي دخل في حوار وصراع مع إبراهيم ﵊، وحدد عصره بأنه القرن التاسع عشر قبل الميلاد، وليس في ذلك كله ما تقوم به الحجة، ويتحدث العقاد عن الكتب المعتمدة عند اليهود، وهي أسفار موسى الخمسة التي يسميها بعضهم التوراة وهي حصيلة دمج ثلاث نسخ، بعضها كتب في أيام المملكة الإسرائيلية، وبعضها كتب في المنفى بين النهرين، وبعضها كتب قبل الميلاد بثلاثة قرون، ومن الكتب المعتمدة عند اليهود ما يسمى بالمشنا، والذي منه التلمود، ويقول العقاد: وقد حصر المشنا في القرن الثاني للميلاد ودونت بعد الاعتماد على
الرواية أو التعليقات المتفرقة» و «وزيدت على المشنا في العصور الحديثة كتب من قبيلها تسمى بالتصافوت ... ومعناها الإضافات ... وانتهى تمحيص المشنا القديمة إلى اختيار طائفة من الأحكام المتفق عليها تسمى الجمارة أي التكملة. ومن مرويات المشنا والجمارة تجتمع كتب التلمود ... وتعرف بعض المأثورات الإسرائيلية باسم «المدراش» أو الدراسات».
стр. 584
ومن كتب المدراش ينقل العقاد بعض قصة إبراهيم، وبعض ما جرى بين إبراهيم ﵊ والنمرود، وبعض ما نقله يتفق إلى حد كبير مع ما ذكره القرآن، ولذلك فقد شكك بعضهم أن تكون هذه مترجمة عن العربية، وأيا ما كان الأمر فلا هذه الروايات ثابتة نقلا، ولا هي صالحة حتى للاستئناس لنعرف شيئا ما عن تفصيلات عصر إبراهيم ﵊ أو لنعرف شيئا عن الملك الذي حاجه إبراهيم.
ومن عدم ذكر القرآن الكريم لتفصيلات هذه الشئون تدرك أن العبرة المرادة من النص لا تحتاج إلى مثلها. وهذا الكلام ينطبق على النص اللاحق وغيره من أمثاله، فالله الذي جعل كتابه معجزا جعله بذلك حجة على كل شئ، ولئن حاول المفسرون أن يقدموا بيانا لكثير مما أبهمه القرآن فإنهم في كثير من الأحيان لم يستندوا على ما تقوم به حجة فمثلا سنرى في تفسير الآية اللاحقة كيف أن بعض المفسرين قال عن الرجل الذي أماته الله ثم أحياه أنه حزقيال، وبعضهم قال: إنه أرميا، وبعضهم قال:
إنه عزير. وعن القرية قالوا: إنها بيت المقدس بعد تخريبها من بختنصر، والأمر كله مرجعه إلى استقراءات لنصوص كتابية، هذه النصوص نفسها لا تقوم بها حجة، فكيف إذا بنيت الأقوال على استقراءات منها.
إن من رحمة الله بهذه الأمة أن جعل الحجة على صدق كتابه قائمة في نفس كتابه، فلا ينبغي لأحد يفسر كتاب الله ألا يحتاط في شأن التفسير فيجعل للذين في قلوبهم مرض مدخلا يلجون منه للاعتراض على المسلمين.
إن كثيرين من المسلمين ولعوا في البحث عن المبهمات؛ حتى أصبح الكلام عنها مقصودا، والسؤال عنها عادة مع أن كثيرا مما أبهمه القرآن إنما أبهم لأن الفائدة فيما فصل، فتركت الاستفادة من الأصل، وصار الناس يبحثون عما لا فائدة فيه. إن العبرة في القصة الآتية عن الرجل الذي أحياه الله بعد ما أماته هي في معرفة قدرة الله على البعث، لتأكيد الإيمان باليوم الآخر، فإذا غفل القلب عن هذا، وبحث عن اسم الرجل، ولون حماره، فإنه يكون قد ترك ما من أجله خوطب إلى ما ليس مكلفا به.
ولنعد إلى التفسير:
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها. قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها. فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ. قالَ كَمْ لَبِثْتَ. قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ
стр. 585
بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ. وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
المعنى العام:
هذه الآية معطوفة على التي قبلها. ففي الآية الأولى تعجيب من أن يجادل إنسان في ربوبية الله، وبيان لانقطاع حجته أمام دلائل الفطرة. وفي هذه الآية تعجيب أن يستبعد إنسان قدرة الله على تقليب الأحوال فيحيي قرية خربة، ليجعلها عامرة. وإذا قطعت فى الآية السابقة الحجة الجدال، فههنا قطع الاستبعاد- فعل الله بهذا الإنسان، إذ أماته مائة عام ثم أحياه، ليرى أن ما استبعده قد حدث. فعلم من خلال المشاهدة لفعل الله في تغيير الأشياء من حال إلى حال، قدرة الله على كل شئ، وهذا الذي شاهده صاحب القصة يشاهده كل منا خلال التاريخ برؤيته تقلب الأحوال أحيانا على حسب التوقعات، وأحيانا على خلاف التوقعات ضمن سنن الله. فمن لم ير قدرة الله من خلال مشاهداته لتصريف أمور خلقه، تكون رؤيته كليلة.
وصاحب القصة إما (عزير) على القول المشهور الراجح، وإما (أرميا) على قول. وإما (الخضر) على قول، وإما (حزقيل)، وإما أنه رجل من بني إسرائيل.
وأما القرية .. قال ابن كثير: فالمشهور أنها بيت المقدس. مر عليها بعد تخريب بختنصر لها، وقتل أهلها. ولم يذكر الله في كتابه، ولا رسوله في سنته اسم الرجل أو القرية.
لأن العبرة في المضمون.
المعنى الحرفي:
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ أي: أو أرأيت مثل الذي مر على قرية. فهو مثل معطوف على المثل السابق. وفيه تعجيب، كما في المثل السابق تعجيب. وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها: أي: وهي ساقطة مع سقوفها، أو سقطت عليها الحيطان، وكل مرتفع عرش. سقطت السقوف ثم سقطت الجدران، أو هي خالية. ليس فيها أحد، وسقوفها وجدرانها ساقطة على عرصاتها. فوقف متفكرا فيما آل أمرها إليه بعد العمارة العظيمة قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها: وذلك، لما رأى من دثورها، وشدة خرابها، وبعدها عن العود إلى ما كانت عليه. وهل سؤاله من باب الاستبعاد. فيكون ذلك كفرا.
стр. 586
وصاحبه كافرا في الأصل- ولا يكون عزيرا المشهور باستقامته؟ أو أنه من باب الاعتراف بالعجز عن معرفة طريقة الإحياء، واستعظام لقدرة المحيي؟ أو أراد أن يعاين
إحياء الموتى، ليزداد بصيرة؟ أو أنه سؤال عن سنة الله في إحياء أمثال هذه؟ وفي هذه الحالات، يكون المتسائل مؤمنا وهو الأرجح. فيكون المعنى: كيف يحيي الله هذه القرية بعد هذا الموت فيها لا ساكن، ولا سكن. فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ أي: أحياه. قالَ كَمْ لَبِثْتَ: القائل هنا ملك، عن الله. قال: كم مكثت؟ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ: قال ذلك مجتهدا. ويبدو أنه مات ضحى، وبعث قبل غيبوبة الشمس. فقال يوما، أو بعض يوم. إذ رأى الشمس باقية. فظنها أنها شمس ذلك اليوم. قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ.
بعد هذا القول، أراه عجيبين: طعامه لم يتغير، بينما حماره تفرقت عظامه ونخرت. فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ أي: لم يتغير. وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ: كيف تفرقت عظامه ونخرت. وكيف يحييه الله وأنت تنظر. وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ أي: دليلا على المعاد، ودليلا على قدرة الله وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها أي كيف نحركها، ونرفع بعضها إلى بعض للتركيب. ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً أي: ثم نكسو العظام لحما. فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:
أي: فلما تبينت له قدرة الله، قال: أعلم علم يقين ورؤية، أن الله على كل شئ قدير، فلا يعجز الله شئ.
فائدة:
نلاحظ أن السياق قد استمر في الكلام عن الله، بالكلام عن قدرته على إحياء الموتى.
فالكلام عن إحياء الموتى يأتي في سياق الكلام عن الله في هذه الآية والتي تليها، وفي هذا كله تذكير بالله، واليوم الآخر، لتأتي بعد ذلك آيات الإنفاق.
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى. قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
المعنى العام:
يقول تعالى: واذكروا إذ سأل إبراهيم ربه أن يريه كيفية إحياء الموتى. وقال العلماء: إن
стр. 587
إبراهيم لم يسأل ذلك شكا، أو تعنتا، وإنما سأله؛ ليترقى بذلك من علم اليقين، إلى عين اليقين. وأن يرى ذلك مشاهدة بعد أن رآه إيمانا ويقينا. فسأله لله وقد علم أنه أثبت الناس إيمانا-: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ: فأجابه بالإيجاب. وبين إبراهيم سبب السؤال- والله أعلم به- أنه يسأل ذلك ليزداد سكونا، وطمأنينة، فأمره الله أن يأتى بأربعة طيور، فيقطعها، ويجزئها. وأن يجعل على كل جبل جزءا. قال ابن عباس: وأخذ رءوسهن بيده. ثم أمره الله أن يدعوهن، كما أمره الله .
فجعل ينظر إلى الريش من كل طائر يتصل بعضها إلى بعض، حتى قام كل طائر على حدته، وأتينه يمشين سعيا، ليكون أبلغ له في الرؤية التي سألها. وجعل كل طائر يجئ ليأخذ رأسه الذي في يد إبراهيم ﵇، فإذا قدم له غير رأسه يأباه، فإذا قدم له رأسه تركب مع بقية جسده بحول الله وقوته. ولذلك ختمت الآية بقوله تعالى:
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أى: عزيز لا يغلبه شئ ولا يمتنع منه شئ. وما شاء كان بلا ممانع، لأنه القاهر لكل شئ. وحكيم في أقواله، وأفعاله، وشرعه، وقدره.
المعنى الحرفي:
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي: أي: سألت ذلك إرادة زيادة طمأنينة القلب. وذلك أن تظاهر الأدلة أسكن للقلوب، وأزيد للبصيرة. وإذا ما اجتمع علم الضرورة أي البديهة مع علم الاستدلال، حصل عين اليقين. قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ قال ابن كثير: اختلف المفسرون في هذه الأربعة، ما هي. وإن كان لا طائل تحت تعيينها. إذ لو كان في ذلك مهم لنص عليه القرآن. فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ أي: أملهن، واضممهن إليك، وقطعهن. ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً أي: ثم جزئهن. وفرق أجزاءهن على الجبال التي بحضرتك، وفي أرضك. ثُمَّ ادْعُهُنَّ أي: قل لهن تعالين بإذن الله. يَأْتِينَكَ سَعْياً أي: يأتينك ساعيات مسرعات في طيرانهن، أو مشيهن على أرجلهن. وإنما أمره بضمها إلى نفسه بعد أخذها ليتأملها ويعرف أشكالها، وهيآتها وحلاها لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء، ولا يتوهم أنها غير تلك. وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يمتنع عليه ما يريده.
حَكِيمٌ فيما يدبر. لا يفعل إلا ما فيه الحكمة.
فوائد:
١ - روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «نحن أحق بالشك من
стр. 588
إبراهيم إذ قال رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي» قال ابن كثير: فليس المراد هاهنا بالشك ما قد يفهمه من لا علم عنده بلا خلاف. قال الخطابي: ليس في قوله: نحن أحق بالشك من إبراهيم، اعتراف بالشك على نفسه، ولا على إبراهيم. لكن فيه نفي الشك عنهما. يقول: إذا لم أشك أنا في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، فإبراهيم أولى بأن لا يشك. قال ذلك على سبيل التواضع، والهضم للنفس.
٢ - روى الحاكم وغيره:
«التقى عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص. فقال ابن عباس لابن عمرو بن العاص: أي آية في القرآن أرجى عندك: قال عبد الله بن عمرو: قول الله : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا ... الآية. (سورة الزمر) فقال ابن عباس: لكن أنا أقول: قول الله : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى. فرضي من إبراهيم قوله بلى. قال:
فهذا لما يعترض في النفوس، ويوسوس به الشيطان» قال الحاكم صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
ثم عاد السياق إلى الإنفاق:
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ.
بهذه الآيات يعود السياق إلى الإنفاق، وقد جاءت هذه الآيات بعد آية تحدثت عن قدرة الله على الإحياء؛ وهذا يذكر بإحيائه الموتى يوم القيامة. ومن قبل رأينا أن الآيات السابقة كانت حديثا عن الله وصفاته، ورعايته عباده. ثم قبل ذلك كان الأمر بالإنفاق. فكان تسلسل الآيات أمرا بالإنفاق في سبيل الله من قبل أن يأتي يوم القيامة.
ثم كان حديثا عن الله وقدرته التي لا يعجزها أن تقيم القيامة. والآن يأتي بيان جزاء الإنفاق في هذه الآيات، ومن ذا الذي يستحق هذا الجزاء، مع توجيهات في هذا الشأن.
стр. 589
المعنى العام:
- في الآية الأولى، مثل ضربه الله لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله، وأن الحسنة تضاعف إلى سبعمائة ضعف. وصيغ هذا المعنى بصيغة مثل: كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ. ليكون أبلغ في النفوس. فإن في هذا إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله لأصحابها، كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة، ثم بين الله أنه يضاعف الحسنات لمن يشاء بحسب إخلاصه بعمله، وأن فضله واسع كثير. وأنه عليم بمن يستحق، ومن لا يستحق.
- وفي الآية الثانية، يمدح ﵎ الذين ينفقون أموالهم في سبيله ثم لا يتبعون ما أنفقوا في الخيرات، والصدقات منا على من أعطوه. فلا يمنون به على أحد، لا بقول، ولا بفعل. ولا يؤذونه، بأن يفعلوا مع من أحسنوا إليه مكروها. وبين أن من كان كذلك، فله الجزاء الجزيل؛ الذي عبر عنه تعالى بقوله: لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ: أي ثوابهم على الله، لا على سواه. ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أهوال يوم القيامة، ولا هم يحزنون على ما خلفوه من الأولاد، ولا ما فاتهم من الحياة الدنيا وزهرتها. لا يأسفون عليها؛ لأنهم صاروا إلى ما هو خير لهم من ذلك. وهذه العبارة تستعمل في القرآن عادة، في معرض مكافأة أولياء الله، فدل ذلك على أن من أنفق فلم يمن ولم يؤذ؛ كان من أولياء الله. فهذا المقام إذن، مقام ولاية.
- وفي الآية الثالثة بين الله أن القول المعروف، كالكلمة الطيبة، للمسلم. وأن العفو عن أخيك، إذا ظلمك ظلما قوليا، أو فعليا، خير في ميزان الله، من الصدقة المتبوعة بالأذى، ثم وصف الله ذاته بأنه غني عن عباده؛ فلم يأمرهم بالنفاق افتقارا. فهو يخلف على من أنفق من خزائنه الملأى، وأنه حليم يحلم عنهم ويغفر ويصفح، ويتجاوز عن عباده إن شاء.
المعنى الحرفي:
стр. 590
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ. أي: مثل نفقة الذين ينفقون في سبيل الله كمثل حبة أخرجت ساقا، يتشعب منه سبع شعب لكل واحد سنبلة ... وهذا التمثيل تصوير للأضعاف، كأنها ماثلة بين عيني الناظر. والتمثيل يصح وإن لم يوجد على سبيل الفرض والتقدير. وقيد بعضهم سبيل الله الذي تضاعف فيه الصدقة بأنها الجهاد والحج.
والنصوص تشهد على أن المضاعفة للإنفاق كله، كما سنرى. فسبيل الله هنا، أوسع من أن يكون جهادا وحجا فقط. وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ أي: يضاعف تلك المضاعفة لمن يشاء، لا لكل منفق. لتفاوت أحوال المنفقين. ويمكن أن تفهم بمعنى:
أو يزيد على سبعمائة ضعف لمن يشاء. وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ أي: واسع الفضل، والجود. عليم بنيات المنفقين.
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً المن: هو أن يعتد على من أحسن إليه بإحسانه، ويريه أنه اصطفاه، وأوجب عليه حقا له. ولذلك كان آدابهم: إذا صنعتم صنيعة فانسوها.
والأذى هو أن يتطاول عليه بسبب ما أعطاه. لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ: أي ثواب إنفاقهم. وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ: من بخس الأجر، أو فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، أو من العذاب. وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ: على ما خلفوه، أو على فوت أجر، أو على فوت ثواب.
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ أي: رد جميل، أو كلمة طيبة.
وَمَغْفِرَةٌ أي: عفو عن السائل إذا أثقل. أو مغفرة من الله بسبب الرد الجميل المذكور سابقا. خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً كالتطاول، والكلام المسئ.
وَاللَّهُ غَنِيٌّ: لا حاجة له إلى منفق يمن، ويؤذي. حَلِيمٌ: عن معاجلة من يمن ويؤذي بالعقوبة.
فوائد:
١ - روى الإمام أحمد عن ابن مسعود أن رجلا تصدق بناقة مخطومة في سبيل الله.
فقال رسول الله ﷺ : «لتأتين يوم القيامة بسبعمائة ناقة مخطومة». وروى مثله النسائي، ومسلم.
٢ - روى مسلم، والإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «كل
стр. 591
عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله. يقول الله: إلا الصوم. فإنه لي، وأنا أجزي به. يدع طعامه، وشرابه من أجلي. للصائم
فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، الصوم جنة، الصوم جنة». هذا لفظ أحمد.
ولنلاحظ في الحديث قوله ﷺ : «إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله». لندرك أن عند الله المزيد. وهذا يرجح أنه يدخل في تفسير قوله تعالى: وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ الزيادة على السبعمائة.
ثم يأتي في موضوع الإنفاق قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ* وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ* أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ.
المعنى العام:
- في الآية الأولى، نهي لنا أن نبطل صدقاتنا بالمن والأذى، كما يفعل ذلك المرائي الذي لا يؤمن بالله، واليوم الآخر. ويظهر أنه يريد وجه الله. وإنما قصده مدح الناس له. أو شهرته بالصفات الجميلة، ليشكر بين الناس، أو يقال إنه كريم، ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية مع قطع نظره عن معاملة الله، وابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه. ثم ضرب الله مثلا لذلك المرائي ومشابهته في بطلان الصدقة، بذاك الذي يتبع نفقته منا أو أذى، فمثله كمثل صخر أملس عليه تراب، فأصاب الصخر مطر شديد. فترك المطر الشديد هذا الصخر أملس يابسا، لا شئ عليه من ذلك التراب. بل قد ذهب كله. أي وكذلك أعمال المرائين وأمثالهم، تذهب وتضمحل عند الله، وإن ظهر لهم أعمال فيما يرى الناس كالتراب. ولكنهم لا يجدون ثواب شئ مما أنفقوه عند الله. ثم بين الله عزّ
стр. 592
وجل أن من شأنه ألا يهدي الكافر، ما دام مختارا لطريق الكفر، ومصمما عليه.
- وفي الآية الثانية، ضرب الله مثلا للمؤمنين المنفقين أموالهم ابتغاء مرضاة الله عنهم في ذلك. ومن أجل أن يثبتوا أنفسهم على طريق الإيمان بالله واليوم الآخر، بفعل ما يقربهم إلى الله. فمثل هؤلاء، كمثل بستان في مكان مرتفع من الأرض. أصابها مطر شديد، فآتت ثمرتها ضعفين بالنسبة إلى غيرها من الجنان. فإن لم يصبها مطر شديد، أصابها رذاذ، وهو اللين من المطر. فشأن هذه الجنة، أنها لا تمحل أبدا لأنها إن لم يصبها المطر الشديد، فالرذاذ. وأيا ما كان فهو كفايتها.
وكذلك عمل المؤمن، لا يبور أبدا. بل يتقبله الله، ويكثره، وينميه، لكل عامل بحسبه. ثم بين الله بأن الله لا يخفى عليه من أعمال عباده شئ.
- وفي الآية الثالثة، ينكر الله أن يكون المؤمن من ذلك الطراز الذي يفعل الحسن، ثم يغرقه بالسيئات فيبطله. فإذا ما احتاج إليه في أضيق الأحوال، لم يحصل منه شئ، وخانه أحوج ما كان إليه. والمثل الذي ضربه لذلك مثل رجل تكون له جنة من نخيل وأعناب، وأصابه الكبر، وأولاده وذريته ضعاف، عند آخر عمره. فجاءه إعصار فيه نار فاحترق بستانه. فلم يكن عنده قوة أن يغرس مثله، ولم يكن عند نسله خير يعودون به عليه. وكذلك الكافر ومن يعمل ما يحبط عمله يكون يوم القيامة، إذا رد إلى الله ، ليس له خير فيستعتب، كما ليس لهذا قوة فيغرس مثل بستانه. ولا يجده قدم لنفسه خيرا يعود عليه. كما لم يغن عن هذا ولده. وحرم أجره غدا أفقر ما كان إليه، كما حرم هذا جنته عند ما كان أفقر ما كان إليها عند كبره، وضعف ذريته. وهذا من أصعب الأحوال. ولذلك كان رسول الله ﷺ يقول في دعائه:
«اللهم اجعل أوسع رزقك علي عند كبر سني، وانقضاء عمري» رواه الحاكم. ثم بين الله في نهاية الآية أنه يبين لنا آياته من أجل أن نتفكر فنعتبر، ونفهم الأمثال، والمعاني، وننزلها على المراد منها.
المعنى الحرفي:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ: معنى رئاء الناس. أي: من أجل أن يراه الناس.
صار المعنى: يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا ثواب صدقاتكم بالمن والأذى إبطالا مثل إبطال
стр. 593
المنافق الذي لا أجر له على إنفاقه؛ لأنه ينفق ماله رئاء الناس، ولا يريد بإنفاقه رضا الله، ولا ثواب الآخرة. فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ أي: مثل هذا المرائي، وأشباهه ممن يبطلون ثواب أعمالهم، ومثل نفقتهم التي لا ينتفعون بها البتة، كمثل حجر أملس، عليه تراب. فالصفوان: هو الحجر الأسود. قيل بأنه جمع صفوانة. وقيل إنه مفرد. فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً: الوابل هو المطر العظيم القطر. والصلد: هو الأجرد النقي من التراب الذي كان عليه. لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا أي: لا يجدون ثواب شئ مما أنفقوا. وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ما داموا مختارين للكفر.
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ هذا مثل لمن ينفقون جامعين بين ابتغاء مرضاة الله، وتثبيت أنفسهم. ومعنى: وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ: ينفقون تثبيتا من أنفسهم لأنفسهم. فهو مصدق بالإسلام، متحقق به، موقن به. ومن أجل أن تثبت نفسه ذاتها على ما هي عليه من الحق. فإنها تعمل الأعمال الصالحة، وتنفق في سبيل الله. فالمعنى دقيق. وعبارات المفسرين في شرح (تثبيتا) تدور حول حيثية من الحيثيات المذكورة. فقالوا في تفسيرها: تصديقا للإسلام، وتحقيقا للجزاء من أصل أنفسهم. لأنه إذا أنفق المسلم ماله في سبيل الله، علم أن تصديقه وإيمانه بالثواب من أصل نفسه، ومن إخلاص قلبه. وهذا يعني أنهم يثبتون إيمانهم بفعلهم هذا أمام
الله من تلقاء أنفسهم. ومنهم من فسر التثبيت بالتثبت.
فهم متثبتون، ومتحققون أن الله سيجزيهم على ذلك وافر الجزاء، من باب الحديث الصحيح المتفق على صحته: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا ... » أي يؤمن أن الله شرعه. ويحتسب عند الله ثوابه. وقالوا غير ذلك. وإنما قدمنا المعنى الأول لأنه من باب: «والصدقة برهان». فهؤلاء يبرهنون على إيمانهم بالله بإنفاقهم المال الذي هو عزيز، وحبيب للنفس في سبيل الله، دون أي غرض آخر. كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ. فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ: الجنة: البستان.
والربوة: المكان المرتفع. والبستان في المكان المرتفع، أزكى شجرا وأحسن ثمرا.
والوابل: المطر الشديد، العظيم القطر. والطل: المطر الصغير القطر. وهو يكفي هذه البستان، لعلوها وكرم منبتها. وقد مثل الله نفقة هؤلاء في زكاتها عند الله بمثل هذه الجنة. إما أنها تؤتي أكلها ضعفين، بسبب الوابل. أو تؤتي أكلها العادي، بسبب الطل. أو أنه ﷻ مثل حالهم عند الله، بالجنة على الربوة. ونفقتهم
стр. 594
الكثيرة والقليلة، بالوابل والطل. وكما أن كل واحد من المطرين، يضعف أكل الجنة، فكذلك نفقتهم، كانت كثيرة، أو قليلة، بعد أن يطلب بها رضى الله تعالى، زاكية عند الله، زائدة في زلفاهم، وحسن حالهم عنده. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أى: يرى أعمالكم على إكثار وإقلال، ويعلم نياتكم وما فيها من رياء وإخلاص.
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أي: أيريد أحدكم أن تكون له بستان من نخيل وأعناب. تجري من تحت هذه البستان الأنهار، ولصاحب الجنة، في هذه الجنة من كل الثمرات، وخص النخيل والأعناب بالذكر، لأنهما أكرم الشجر، وأكثر منافع، وإن كانت محتوية على سائر الأشجار تغليبا لهما على غيرهما. ثم أردفهما بذكر كل الثمرات. وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ أي: أيريد أن تكون له جنة. والحال أنه قد أصابه الكبر، وأولاده صغار. فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ الإعصار في اللغة: ريح تستدير في الأرض، ثم تسطع نحو السماء كالعمود. والمراد هنا وضع مركب يجتمع فيه الإعصار مع النار. أي: فأصاب هذه البستان إعصار ناري فأحرقها. الجواب: إنه لا أحد يريد ذلك. فإذا كنا لا نريد ذلك. فلا نحبط أعمالنا الصالحة، برياء، أو من، أو أذى، حتى لا نتحسر مثل هذه الحسرة يوم القيامة. إذ نكون أحوج ما نكون إلى الحسنات، ولا حسنات. كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ أي:
كهذا البيان الذي مر فيما تقدم، يبين الله الآيات في التوحيد والدين، لعلكم تتفكرون فتنتبهون، قبل أن لا ينفع الانتباه ..
فوائد:
١ - في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنان بما أعطى.
والمسبل إزاره. والمنفق سلعته بالحلف الكاذب». وروى ابن مردويه عن أبي الدرداء عن رسول الله ﷺ قال: «لا يدخل الجنة عاق، ولا منان، ولا مدمن خمر، ولا مكذب بقدر». وروى النسائي عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة مدمن خمر، ولا عاق لوالديه ولا منان».
٢ - روى البخاري عن عبيد الله بن عمير قال: قال عمر بن الخطاب يوما لأصحاب النبي ﷺ : «فيمن ترون هذه الآية نزلت أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ
стр. 595
مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ؟. قالوا: الله أعلم. فغضب عمر. فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس: في نفسي منها شئ يا أمير المؤمنين فقال عمر: يا ابن أخي. قل ولا تحقر نفسك. فقال ابن عباس: لرجل غني يعمل بطاعة الله. ثم بعث الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي، حتى أغرق أعماله».
وبعد أن حررنا الله في المجموعة السابقة من أن يكون في صدقاتنا دخل، أو يرافقها دخل يفسدها .. تأتي مجموعة جديدة، تحدثنا عن نوعية ما ينبغي إنفاقه، وعن صدقة السر، وصدقة العلانية، وعن الذين تنبغي الصدقة لهم. ثم تختم آيات الإنفاق بقاعدة فيها بشارة. ويأتي خلال ذلك كلام عن نواح أخرى، مرتبطة بالموضوع. وهذه هي المجموعة.
[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٦٧ الى ٢٧٤]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩) وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٢٧٠) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)
стр. 596
المعنى العام:
في الآية الأولى يأمر الله عباده المؤمنين بالإنفاق من أطيب المال، وأجوده وأنفسه.
ونهاهم عن التصدق برذالة المال، ودنيئه، وخبيثه. فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا.
وذلك أن الإنسان نفسه لو أعطي دنئ المال لم يأخذه، إلا إذا تغاضى فيه، وتساهل. فالله أغنى عنه منكم فلا تجعلوا لله ما تكرهون. ثم أمرهم الله بأن يعلموا بأن
الله غني عن جميع خلقه. وجميع خلقه فقراء إليه. وهو واسع الفضل، لا ينفد ما لديه. فمن تصدق بصدقة من كسب طيب، فليعلم أن الله غني، واسع العطاء، كريم، جواد. وسيجزيه بها، ويضاعفها له أضعافا كثيرة. وأن يعلموا أنه الحميد. أي: المحمود في جميع أفعاله، وأقواله، وشرعه، وقدره، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.
وفي الآية الثانية يبين الله أن الشيطان يخوفنا الفقر لنمسك ما بأيدينا فلا ننفقه في مرضاة الله. ومع نهيه إيانا عن الإنفاق خشية الإملاق، يأمرنا بالمعاصي، والمآثم، والمحارم، ومخالفة الخلاق. وفي مقابلة ما يأمرنا به الشيطان من الفحشاء. الله يعدنا مغفرة منه. وفي مقابلة ما يخوفنا الشيطان من الفقر، الله يعدنا فضله. ثم بين الله أنه الواسع الذي يوسع على من يشاء، العليم بالأفعال، والنيات. ومن سعة فضله، ما ذكره في الآية الثالثة من أنه يؤتي من يشاء الحكمة. وذلك أثر عن علمه المحيط إذ لا يوفق الإنسان إلى فعل الأحكم في كل شئ؛ إلا المحيط علما بكل شئ. ومن ثم بينت الآية الثالثة أنه هو الذي يعطي الحكمة من شاء من عباده، فما هي الحكمة؟.
وما هي قيمتها؟. الحكمة: وضع الأمور في مواضعها، وهذا لا يكون إلا بفقه في دين
стр. 597
الله، وتوفيق من الله بألا يقول الإنسان كلمة إلا في محلها، ولا يعمل عملا إلا في محله، فيلهم الحكيم وضع الأمور في مواضعها في إطار تعامله مع زوجته، وأولاده، وأهله، وأرحامه، وجيرانه، وعمله، ومسئولياته، سواء كانت على مستوى ضيق، أو واسع. وإن الإنسان ليتصرف التصرف الأخرق في إطار الأسرة، فتخرب بيوت.
ويتصرف تصرفا على مستوى دولة إن كان مسئولا، فتخرب أوطان. ومن ثم كانت قيمة الحكمة عظيمة جدا، ولذلك قال تعالى في هذه الآية: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً.
ثم ذيل الله تعالى هذه الآية بتبيان أنه لا ينتفع بالموعظة والتذكار إلا من له لب، وعقل يعي به الخطاب ومعنى الكلام.
وفي الآية الرابعة يخبر تعالى أنه عالم بجميع ما يفعله العاملون من الخيرات من النفقات، والمنذورات. وفي ذلك إشعار بمجازاته على ذلك أوفر الجزاء للعاملين، ابتغاء وجهه، ورجاء موعوده. وفيها وعيد لمن لا يعمل بطاعته، بأن خالف أمره، وكذب خبره، وعبد معه غيره بقوله: وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ أي: يوم القيامة ينقذونهم من عذاب الله ونقمته. وفي الآية الخامسة، ثناء على صدقة السر، وصدقة الجهر.
وأشعر أن صدقة السر أفضل. لأنها أبعد عن الرياء، وأبعد عن كسر القلوب. وبين أن من موجبات تكفير السيئات، بذل الصدقات. وختم الآية بتذكيرنا أنه لا يخفي عليه سرنا، وجهرنا. وأنه سيجزينا عليه.
وفي الآية السادسة بيان لعدم ربط الصدقات بموضوع الهداية. فلنتصدق ولو لم يترتب على ذلك هداية من نتصدق عليهم، ولو لم يكونوا مهتدين. وهذا في غير الزكاة، وصدقة الفطر؛ إذ لا تجوزان إلا للمسلمين. أو أن مقدمة الآية تشير إلى أن الرسول عليه البلاغ. ومن اهتدى فلنفسه والذي يخلق الهداية، ويوفق إليها، هو الله.
ثم حصر الله ، فجعل الذي ينتفع بالإنفاق صاحبه. ثم بين أن المسلم ينفق في سبيل الله، وليس عليه بعد ذلك ما يكون من عمل المتصدق عليه، سواء كان برا، أو فاجرا. مستحقا، أو غيره. فهو مثاب على قصده. فإن الله وعد من أنفق خيرا أن يوفيه له كاملا، وبذلك ختمت الآية.
وفي الآية السابعة بين الله أن أحق الخلق بالصدقات هم المهاجرون الذين انقطعوا إلى الله، وإلى رسوله. وليس لهم سبب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم. ولا
стр. 598
يستطيعون سفرا للتسبب في طلب المعاش. وهم مع هذا متعففون، يظنهم الجاهل بأمرهم وحالهم أغنياء من تعففهم في لباسهم وحالهم وفعالهم. إلا أن سيماهم تدل ذوي الألباب على حاجتهم. ومن صفاتهم أنهم لا يلحون في المسألة، ولا يكلفون الناس ما لا يحتاجون إليه ثم ختم الله الآية بقوله: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ أي: لا يخفى عليه شئ منه. وسيجزي عليه أوفر الجزاء، وأتمه يوم القيامة أحوج ما يكون الإنسان إليه.
وفي الآية الثامنة يثني الله على الذين ينفقون في سبيله، وابتغاء مرضاته في جميع الأوقاف، من ليل أو نهار. وفي جميع الأحوال من سر وجهر، وبين ما لهم عند الله في مقابل ذلك. وأن لهم أجرا، وأمنا، وفرحا.
المعنى الحرفي:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ أي: أنفقوا من جياد مكسوباتكم. وفيه دليل على وجوب الزكاة في أموال التجارة. وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ أي من الحب، والثمر، والمعادن. والتقدير: من طيبات ما أخرجنا لكم من الأرض. وهذه الآية من أدلة الحنفية على وجوب الزكاة في كل ما يخرج من الأرض قليلا أو كثيرا، مخزونا أو غير مخزون. وفي كل مكان يدور فيه الخلاف حول الواجب، أو عدمه. يبقى الندب قائما. وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ:
المراد بالتيمم: هو القصد. أي: ولا تقصدوا المال الردئ تخصونه بالإنفاق منه.
وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ. أي: وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم، إلا أن تتسامحوا في أخذه، وتترخصوا فيه. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ أي: واعرفوا أن الله غني عن صدقاتكم، مستحق للحمد لكمالاته، ولإنعامه.
فوائد:
١ - روي الحاكم وغيره في سبب نزول الآية عن البراء بن عازب ﵁ قال:
«نزلت في الأنصار كانت الأنصار إذا كانت أيام جذاذ النخل أخرجت من حيطانها البسر، فعلقوه على حبل بين الاسطوانتين في مسجد رسول الله ﷺ ،
فيأكل فقراء المهاجرين منه. فيعمد الرجل منهم إلى الحشف (أي ردئ التمر) فيدخله مع أقناء
стр. 599
البسر، يظن أن ذلك جائز. فأنزل الله: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ.
٢ - فهم بعضهم قوله تعالى: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ: أن المراد به الأمر بالإنفاق من الكسب الحلال. ولا شك أن الإنفاق من الحلال نحن مطالبون به شرعا. ولكن الآية معناها، ما ذكرناه بدليل سبب النزول. ولذلك قال عبد الله بن مغفل في هذه الآية وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ ... : (كسب المسلم لا يكون خبيثا.
ولكن لا يتصدق بالحشف، والدرهم الزيف، وما لا خير فيه).
وبهذه المناسبة ننقل حديثا، وفتوى، حول الإنفاق من الحرام.
أما الحديث فما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم. وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب. ولا يعطي الدين إلا لمن أحب. فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه.
والذي نفسي بيده، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه. ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه. قالوا: وما بوائقه يا نبي الله؟. قال: غشه، وظلمه، ولا يكسب عبد مالا من حرام، فينفق منه، فيبارك له فيه. ولا يتصدق به، فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار. إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن. إن الخبيث لا يمحو الخبيث».
وأما الفتوى: يقول فقهاء الحنفية: من تصدق بدرهم حرام ينوي به القربة لله، يكفر. وإذا علم به الفقير، فدعا له، يكفر. ومن أمن على دعائهما يكفر. فمن كان عنده مال حرام فلينفقه بنية التخلص منه لا بنية الصدقة.
الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ: في الإنفاق. أي: يقول لكم: إن عاقبة إنفاقكم، أن تفتقروا. والوعد يستعمل للخير، وللشر. وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ أي: يغريكم على البخل، ومنع الصدقات، إغراء الآمر بالمأمور. وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا أي: والله يعدكم مغفرة لذنوبكم، وكفارة لها. وأن يخلف عليكم أفضل مما أنفقتم في الدنيا والآخرة. وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ: يوسع على من يشاء، عليم بالأفعال، والنيات.
стр. 600
فائدة:
روى النسائي والترمذي، وابن حبان، وابن أبي حاتم، وابن مردويه- وهو حديث حسن- قال رسول الله ﷺ : «إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة. فأما لمة الشيطان، فإيعاد بالشر، وتكذيب بالحق. وأما لمة الملك، فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق. فمن وجد ذلك، فليعلم أنه من الله. ومن وجد الأخرى، فليتعوذ من الشيطان.
ثم قرأ: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ. وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ الحكمة: علم الكتاب والسنة، والعمل بهما. ووضع الأمور في مواضعها.
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً أي:
ومن يعطه الله الحكمة، فقد أعطاه من الخير أعظمه. وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ أي: وما يتعظ بمواعظ الله، إلا ذوو العقول السليمة.
فوائد:
١ - الصلة بين هذه الآية وما قبلها أنها ندب إلى أن نضع الإنفاق في محله.
٢ - للمفسرين عبارات كثيرة في شرح الحكمة. ومرجعها إلى ما ذكرناه. قال ابن عباس: (الحكمة: القرآن). يعني تفسيره- أما مجرد القراءة والحفظ- فإنه قد قرأه البر، والفاجر. وقال مجاهد في تفسيرها: (العلم، والفقه، والقرآن). وقال أبو مالك: (الحكمة: السنة).
ويشهد لهذا كله الحديث الصحيح الذي رواه ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا حسد إلا في اثنتين. رجل آتاه الله مالا، فسلطه على هلكته في الحق. ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها ويعلمها». رواه البخاري ومسلم، وغيرهما. فهذا الحديث يشهد على أن الحكمة يدخل فيها الفقه في الكتاب والسنة، والدين عامة، ويشهد على أن الحكمة: العلم بكتاب الله، وصف الله كتابه بأنه حكيم:
وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (سورة يس) ويشهد على أن المراد بالحكمة السنة قوله تعالى:
следующие страницы →