Полный текст (6 440 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.
стр. 5356
سورة الرحمن
وهي السورة الخامسة والخمسون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الخامسة من المجموعة الأولى من قسم المفصل، وآياتها ثمان وسبعون آية وهي مدنية
стр. 5357
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 5358
بين يدي سورة الرحمن:
قال الألوسي في تقديمه لسورة الرحمن: (وسميت في حديث أخرجه البيهقي عن علي كرم الله وجهه مرفوعا «عروس القرآن» ورواه موسى بن جعفر رضي الله تعالى عنهما عن آبائه الأطهار كذلك (وهي مكية) في قول الجمهور، وأخرج ذلك ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير. وعائشة رضي الله تعالى عنهم. وابن النحاس عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عنه أنها نزلت بالمدينة، وحكي ذلك عن مقاتل، وحكاه في البحر عن ابن مسعود أيضا، وحكى أيضا قولا آخر عن ابن عباس وهو أنها مدنية سوى قوله تعالى:
يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وحكي الاستثناء المذكور في جمال القراء عن بعضهم ولم يعينه، وعدد آياتها ثمان وسبعون آية في الكوفي والشامي، وسبع وسبعون في الحجازي، وست وسبعون في البصري.
ووجه مناسبتها لما قبلها على ما قال الجلال السيوطي: أنه لما قال سبحانه في آخر ما قيل بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ ثم وصف حال المجرمين فِي سَقَرَ؛ وحال المتقين فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فصل هذا الإجمال في هذه السورة أتم تفصيل على الترتيب الوارد في الإجمال فبدأ بوصف مرارة الساعة، والإشارة إلى شدتها، ثم وصف النار وأهلها، ولذا قال سبحانه: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ ولم يقل الكافرون، أو نحوه لاتصاله معنى بقوله تعالى هناك: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ، ثم وصف الجنة وأهلها، ولذا قال تعالى فيهم: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ وذلك هو عين التقوى ولم يقل ولمن آمن، أو أطاع، أو نحوه لتتوافق الألفاظ في التفصيل والمفصل؛ ويعرف بما ذكر أن هذه السورة كالشرح لآخر السورة قبلها؛ وقال أبو حيان في ذلك: أنه تعالى لما ذكر هناك مقر المجرمين في سقر، ومقر المتقين في جنات ونهر عند مليك مقتدر ذكر سبحانه هنا شيئا من آيات الملك وآثار القدرة، ثم ذكر جل وعلا مقر الفريقين على جهة الإسهاب، إذ كان ذكره هناك على جهة الاختصار، ولما أبرز قوله سبحانه: عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ بصورة التنكير فكأن سائلا يسأل ويقول من المتصف بهاتين الصفتين الجليلتين؟ فقيل: الرَّحْمنُ الخ،
стр. 5359
والأولى عندي أن يعتبر في وجه المناسبة، أيضا ما في الإرشاد وهو أنه تعالى لما عدد في السورة السابقة ما نزل بالأمم السالفة من ضروب نقم الله ، وبين عقيب كل ضرب منها أن القرآن قد يسر لتذكر الناس واتعاظهم، ونعى عليهم إعراضهم عن ذلك، عدد في هذه السورة الكريمة ما أفاض على كافة الأنام من فنون نعمه الدينية والدنيوية والأنفسية والآفاقية، وأنكر عليهم إثر كل فن منها إخلالهم بمواجب شكرها، وهذا التكرار أحلى من السكر إذا تكرر، وفي الدرر والغرر لعلم الهدى
السيد المرتضى:
التكرار في سورة (الرحمن) إنما حسن للتقرير بالنعم المختلفة المعددة، فكلما ذكر سبحانه نعمة أنعم بها وبخ على التكذيب بها، كما يقول الرجل لغيره ألم أحسن إليك بأن خولتك في الأموال؟ ألم أحسن إليك بأن فعلت بك كذا وكذا؟ فيحسن فيه التكرير لاختلاف ما يقرر به وهو كثير في كلام العرب وأشعارهم كقول مهلهل يرثي كليبا:
على أن ليس عدلا من كليب ... إذا ما ضيم جيران المجير
على أن ليس عدلا من كليب ... إذا رجف العضاه من الدبور
على أن ليس عدلا من كليب ... إذا خرجت مخبأة الخدور
على أن ليس عدلا من كليب ... إذا ما أعلنت نجوى الأمور
على أن ليس عدلا من كليب ... إذا خيف المخوف من الثغور
على أن ليس عدلا من كليب ... غداة تأثل الأمر الكبير
على أن ليس عدلا من كليب ... إذا ما خار جاش المستجير
ثم أنشد قصائد أخرى على هذا النمط ولولا خوف الملل لأوردتها، ولا يرد على ما ذكره أن هذه الآية قد ذكرت بعد ما ليس نعمة لما ستعلمه إن شاء الله تعالى في محله، وقسم في الإتقان التكرار إلى أقسام، وذكر أن منه ما هو لتعدد المتعلق بأن يكون المكرر ثانيا متعلقا بغير ما تعلق به الأول؛ ثم قال: وهذا القسم يسمى بالترديد وجعل منه قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ* فإنها وإن تكررت إحدى وثلاثين مرة فكل واحدة تتعلق بما قبلها) ومما ذكره الألوسي من وجوه المناسبة بين سورة الرحمن وسورة القمر: أن كلا منهما قد افتتحت بذكر معجزة، فسورة القمر افتتحت بذكر معجزة انشقاق القمر، وسورة الرحمن افتتحت بذكر معجزة القرآن.
وقدم ابن كثير بين يدي تفسير سورة الرحمن هذه النصوص: (روى الإمام أحمد عن عاصم عن زر أن رجلا قال: كيف تعرف هذا الحرف من ماء غير آسن أو أسن؟
стр. 5360
فقال: كل القرآن قد قرأت؟ قال: إني لأقرأ المفصل في ركعة واحدة فقال: أهذا كهذ الشعر لا أبا لك؟ قد علمت قرائن النبي ﷺ التي كان يقرن قرينتين من أول المفصل، وكان أول مفصل ابن مسعود الرَّحْمنُ، وروى أبو عيسى الترمذي عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال: «لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردودا منكم، كنت كلما أتيت على قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ* قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد» ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد ابن مسلم ورواه الحافظ أبو بكر البزار. وروى أبو جعفر بن جرير عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قرأ سورة الرحمن أو قرئت عنده فقال: «ما لي أسمع الجن أحسن جوابا لربها منكم؟» قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «ما أتيت على قول الله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟ * إلا قالت الجن: لا بشيء من نعم ربنا نكذب» ورواه الحافظ البزار عن عمرو بن مالك به ثم قال: لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد).
وقال صاحب الظلال في تقديمه لسورة الرحمن: (هذه السورة المكية ذات نسق خاص ملحوظ. إنها إعلان عام في ساحة الوجود الكبير، وإعلام بآلاء الله الباهرة الظاهرة. في جميل صنعه، وإبداع خلقه؛ وفي فيض نعمائه؛ وفي تدبيره للوجود وما فيه؛ وتوجه الخلائق كلها إلى وجهه الكريم ... وهي إشهاد عام للوجود كله على الثقلين: الإنس والجن المخاطبين بالسورة على السواء، في ساحة الوجود، على مشهد من كل موجود، مع تحديهما- إن كانا يملكان التكذيب بآلاء الله- تحديا يتكرر عقب بيان كل نعمة من نعمه التي يعددها ويفصلها ويجعل الكون كله معرضا لها، وساحة الآخرة كذلك.
ورنة الإعلان تتجلى في بناء السورة كله، وفي إيقاع فواصلها ... تتجلى في إطلاق الصوت إلى أعلى، وامتداد التصويت إلى بعيد؛ كما تتجلى في المطلع الموقظ الذي يستثير التوقف والانتظار لما يأتي بعد المطلع من أخبار ... الرحمن ... كلمة واحدة. مبتدأ مفردا ... الرحمن كلمة واحدة في معناها الرحمة، وفي رنتها الإعلان، والسورة بعد ذلك بيان للمسات الرحمة ومعرض لآلاء الرحمن).
стр. 5361
كلمة في سورة الرحمن ومحورها:
بعد مقدمة سورة البقرة يأتي القسم الأول منها: وبدايته: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ والذي نهايته: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ* إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ* وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً ... وكنا ذكرنا من قبل أن القسم الأول من سورة البقرة ختم بنفس المعاني التي ابتدأ بها، ومن ملاحظة البداية والنهاية علمنا أن الله عرفنا فيه على ذاته، وطالبنا بعبادته وحده من خلال تذكيرنا بخلقنا وما خلق لنا. وسورة الرحمن إنما هي تذكير بذلك كله، فمحورها الآيتان الآتيتان بعد مقدمة سورة البقرة، وامتداد هاتين الآيتين في سورة البقرة مما فيه تذكير بالخلق والنعمة.
..
لاحظ ما يلي:
- في آيتي سورة البقرة: ... الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وفي سورة الرحمن: خَلَقَ الْإِنْسانَ* عَلَّمَهُ الْبَيانَ وفي آيتي سورة البقرة: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وفي سورة الرحمن: وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ* أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ* وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ* وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ* فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ* وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ.
- ومن امتدادات آيتي سورة البقرة قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وفي سورة الرحمن تفصيل ذلك.
- ومن امتدادات الآيتين قصة خلق الإنسان الموجودة في مقطع آدم ﵇، وفي سورة الرحمن تفصيل ذلك: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ* وَخَلَقَ
стр. 5362
الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ.
- ومن امتدادات الآيتين قوله تعالى: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ وتبدأ سورة الرحمن بذكر اسم الله الرحمن الرَّحْمنُ ثم ترينا مظاهر رحمته.
- ويأتي بعد قوله تعالى: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ في سورة البقرة آية إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ويأتي في سورة الرحمن تفصيل لذلك رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ. وتختم السورة بالتبشير والإنذار كما جاء بعد آيتي المحور من سورة البقرة:
فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ* وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ فلقد ختمت سورة الرحمن بالكلام عن النار وعن الجنات، وثمارها وأنهارها وحورها وغير ذلك، ولكن هذه المعاني في سورة الرحمن مصاغة صياغة جديدة، ومبني عليها ما يقتضيه البناء مع تفصيلات وزيادات وضمن سياق خاص للسورة.
فالسورة لها سياقها الخاص بها، وهي تفصل في محورها، وتأخذ محلها بين مجموعتها.
...
وآيتا المحور في البقرة بدأتا بنداء الناس، ومن المعلوم أنه كما إن الإنس مكلفون فالجن مكلفون، وجاءت سورة الرحمن لتوجه الخطاب للإنس والجن.
...
وقد ذكر في سورة الذاريات وسورة النجم الإحسان، وسنرى في سورة الرحمن قوله تعالى: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ ورأينا في سورة الطور أن الإشفاق خلق من أخلاق المتقين، ونجد في سورة الرحمن قوله تعالى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ وهذا مظهر من مظاهر تكامل سور المجموعة، وسيتضح لنا محل سورة الرحمن
стр. 5363
ومحورها بشكل أوسع عند عرض تفسيرها. تتألف السورة من ثلاث مجموعات:
المجموعة الأولى: وهي مقدمة السورة وتمتد إلى نهاية الآية (١٣).
المجموعة الثانية: وتمتد من الآية (١٤) إلى نهاية الآية (٣٦).
المجموعة الثالثة: وتمتد من الآية (٣٧) إلى نهاية الآية (٧٨) أي: إلى نهاية السورة. فلنبدأ عرض السورة.
***
стр. 5364
المجموعة الأولى وهي مقدمة السورة:
وتمتد من الآية (١) إلى نهاية الآية (١٣) وهذه هي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١ الى ١٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤)
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧) أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٩)
وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣)
التفسير:
الرَّحْمنُ الله المتصف ببالغ الرحمة
عَلَّمَ الْقُرْآنَ الذي أنزله على محمد ﷺ فيسر حفظه وفهمه على من رحمه، وقدمه في الذكر لأنه أعظم نعمه على هذا الإنسان. قال النسفي: (عدد الله آلاءه، فأراد أن يقدم أول شئ ما هو أسبق قدما من ضروب آلائه وصنوف نعمائه، وهي نعمة الدين، فقدم من نعمة الدين ما هو سنام في أعلى مراتبها وأقصى مراقيها، وهو إنعامه بالقرآن، وتنزيله وتعليمه، لأنه أعظم وحي الله رتبة وأعلاه منزلة، وأحسنه في أبواب الدين أثرا، وهو سنام الكتب السماوية ومصداقها والعيار عليها، وأخر ذكر خلق الإنسان عن ذكره، ثم أتبعه إياه ليعلم أنه إنما خلقه للدين وليحيط علما بوحيه وكتبه، وقدم ما خلق الإنسان من أجله عليه، ثم ذكر ما تميز به من سائر الحيوان من البيان، وهو المنطق الصحيح الفصيح المعرب عما في الضمير، والرحمن مبتدأ وهذه الأفعال مع ضمائرها أخبار مترادفة،
стр. 5365
وإخلاؤها من العاطف لمجيئها على نمط التمديد كما تقول زيد أغناك بعد فقر، أعزك بعد ذل، كثرك بعد قلة، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد ما تنكر من إحسانه).
خَلَقَ الْإِنْسانَ* عَلَّمَهُ الْبَيانَ قال الحسن البصري: يعني النطق، ورجح ابن كثير ذلك فقال: (لأن السياق في تعليمه تعالى القرآن، وهو أداء تلاوته، وإنما يكون ذلك بتيسير النطق على الخلق، وتسهيل خروج الحروف من مواضعها من الحلق واللسان والشفتين على اختلاف مخارجها وأنواعها). أقول: وفي كتابنا: (الرسول ﷺ بينا في مقدمته أن الإنسان مخلوق متفرد، ومن جملة تفرده تفرده بالبيان، فكل الحيوانات لا تخرج إلا أصواتا مبهمة، ومن يخرج حرفا كالببغاء يخرجه محاكاة، أما الإنسان فإنه يخرج أصواتا مبهمة، ويخرج ثمانية وعشرين حرفا تتركب منها مليارات المليارات من الكلمات في كل لغات العالم، والملاحظ هاهنا أن خلق الإنسان ذكره الله بين تعليمين: تعليمه القرآن، وتعليمه البيان، وفي ذلك إشارة إلى أن ميزة الإنسان الأساسية استعداده للعلم، وتقديمه ذكر القرآن يفيد أن أعظم ما يتعلمه الإنسان القرآن، والتصريح بخلق الله الإنسان رد على من يزعم أن إنساننا الحالي لم يكن بخلق الله المباشر. وبعد ما مر تبدأ السورة تعرض علينا تتمة آلاء الله على الإنسان
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ أي: بحساب معلوم، وتقدير سوي، وفي ذلك منافع للناس لا تحصى: منها أنه لولا ذلك لما أمكنت الحياة أصلا، ومنها أن يعلم الإنسان- بواسطة ذلك- عدد السنين والحساب. قال ابن كثير: (أي يجريان متعاقبين بحساب مقنن لا يختلف ولا يضطرب)
وَالنَّجْمُ أي: النبات الذي لا ساق له وَالشَّجَرُ النبات الذي له ساق يَسْجُدانِ قال النسفي: (أي ينقادان لله تعالى فيما خلقا له تشبيها بالساجد من المكلفين في انقياده ... ) وفي ذكر أن الشمس والقمر بحسبان، وذكر سجود النبات لله تعالى تناسب وتقارب، قال النسفي: (وبيان التناسب أن الشمس والقمر سماويان والنجم والشجر أرضيان، فبين القبيلين تناسب من حيث التقابل. وإن السماء والأرض لا تزالان قرينتين، وإن جري الشمس والقمر بحسبان، من جنس الانقياد لأمر الله فهو مناسب لسجود النجم والشجر). أقول: وفي المن على البشر بسجود النبات لله وانقياده له تبيان أن لهذا الانقياد علاقته بانتظام حياة الإنسان؛ إذ لولا انتظام حياة النبات على سنن واحدة لما أمكنت حياة اقتصادية منتظمة في الحياة البشرية ولا غيرها
وَالسَّماءَ رَفَعَها أي: جعلها مرفوعة عن الأرض، وفي ذلك إبعاد للخطر عن الأرض وَوَضَعَ الْمِيزانَ قال ابن كثير: يعني العدل، وقال
стр. 5366
النسفي: (أي كل ما توزن به الأشياء وتعرف مقاديرها ... وقال: أي خلقه موضوعا على الأرض حيث علق به أحكام عباده من التسوية والتعديل في أخذهم وعطائهم) أقول: وفي ذكر وضع الميزان بعد ذكر رفع السماء إشارة إلى أن من جملة الموازين، موازين اكتشاف أبعاد السماء، والموازين التي يزن بها الإنسان أبعاد الزمان والمكان، وفي ذكر الميزان في هذا السياق إشارة إلى أن الميزان من نعم الله الجليلة التي تعدل المنن الكبرى الأخرى على البشرية، وفي هذا السياق يأتي الأمر التكليفي الوحيد في هذه السورة
أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ أي: ألا تتجاوزوا العدل في الميزان. قال ابن كثير: أي خلق السموات والأرض بالعدل لتكون الأشياء كلها بالحق والعدل
وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ أي: وأقيموا وزنكم بالعدل وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ أي: ولا تنقصوه، قال ابن كثير: أي لا تبخسوا الوزن بل زنوا بالحق والقسط. قال النسفي: (أمر بالتسوية ونهى عن الطغيان الذي هو اعتداء وزيادة، وعن الخسران الذي هو تطفيف ونقصان، وكرر لفظ الميزان تشديدا للتوصية به، وتقوية للأمر باستعماله والحث عليه)
وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ أي: للخلق أي جعلها بحيث تلائمهم وتناسبهم قال ابن كثير: (أي كما رفع السماء وضع الأرض ومهدها وأرساها بالجبال الراسيات الشامخات؛ لتستقر لما على وجهها من الأنام وهم الخلائق المختلفة وأشكالهم وألوانهم وألسنتهم في سائر أقطارها وأرجائها)
وقد فسر الوضع للأنام بالآيتين التاليتين: فِيها فاكِهَةٌ أي: ما يتفكه به من فواكه مختلفة الألوان والطعوم والروائح وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ الأكمام هي أوعية الثمر، أو كل ما يكم أي يغطى من ليفه وسعفه وغير ذلك، قال النسفي: (وكله (أي: النخل) منتفع به، كما ينتفع بالمكموم من ثمره، وجماره، وجذوعه) قال ابن كثير: (أفرده بالذكر لشرفه ونفعه رطبا ويابسا) وكما جعل في الأرض الفاكهة والنخل، جعل فيها الحب والريحان للطعام والجمال
وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ العصف: هو ورق الزرع أو التبن وَالرَّيْحانُ الذي يشم أي فجعل لكم ما تتفكهون به وما تقتاتون وما تتلذذون بمنظره ورائحته، وذلك كله من مظاهر جعل الأرض موضوعة للأنام
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما أي: نعم ربكما يا معشر الجن والإنس تُكَذِّبانِ فلا تعبدان ولا تتقيان، قال ابن كثير:
(أي النعم ظاهرة عليكم وأنتم مغمورون بها لا تستطيعون إنكارها ولا جحودها).
أقول: وإذ كان الأمر كذلك فعليكم أن تشكروا خالقها وموجدها، وذلك بعبادته وتقواه.
стр. 5367
كلمة في السياق:
١ - قلنا إن محور سورة الرحمن من سورة البقرة هو قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ فلنر صلة ما مر بنا من سورة الرحمن بهاتين الآيتين:
- جاء في سورة الرحمن قوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ* عَلَّمَهُ الْبَيانَ ولذلك صلته بقوله تعالى: الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ.
- وجاء في سورة الرحمن قوله تعالى: وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ ولذلك صلته بقوله تعالى في المحور الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً.
- وجاء في سورة الرحمن قوله تعالى: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ وَالسَّماءَ رَفَعَها ولذلك صلته بقوله تعالى في المحور وَالسَّماءَ بِناءً.
- وجاء في سورة الرحمن قوله تعالى: فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ* وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ ولذلك صلته بقوله تعالى في المحور وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ.
٢ - دعا المحور إلى عبادة الله، وإلى توحيده، وإلى تقواه معللا لذلك بالخلق والرزق والنعم، فخلق الإنسان، والعناية به، والرعاية له، ورزقه، كل ذلك يقتضي شكرا بالعبادة والتقوى والتوحيد، وسورة الرحمن تذكر الإنسان والجان بالنعم التي ينبغي أن تستخرج منهما الشكر، وتعاتبهما على التكذيب، ومن ثم فهمنا أن قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فيه دعوة ضمنية للعبادة والتقوى والتوحيد التي هي أركان الشكر لله .
...
стр. 5368
المجموعة الثانية
وتمتد من الآية (١٤) حتى نهاية الآية (٣٦) وهذه هي:
[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١٤ الى ٣٦]
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٨)
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٣)
وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٥) كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٨)
يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٠) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٢) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطانٍ (٣٣)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٦)
التفسير:
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ أي: من طين يابس له صلصلة كَالْفَخَّارِ
стр. 5369
أي: كالطين المطبوخ بالنار، وهو الخزف، قال النسفي: ولا اختلاف في هذا وفي قوله: مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ*، مِنْ طِينٍ لازِبٍ، مِنْ تُرابٍ* لاتفاقها في المعنى؛ لأنه يفيد أنه خلقه من تراب، ثم جعله طينا، ثم حمأ مسنونا، ثم صلصالا. أقول: وفي ذكر خلقه من صلصال نفي صريح لزعم من زعم أن جنس الإنسان الحالي قد تطور عن خلق آخر
وَخَلَقَ الْجَانَّ أي: أبا الجان مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ المارج من النار هو طرف لهبها. قال النسفي: هو اللهب الصافي الذي لا دخان فيه، وقيل: المختلط بسواد النار
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما يا معشر الجن والإنس تُكَذِّبانِ فلا تشكران فتعبدان وتتقيان وهو الخالق لكما.
كلمة في السياق:
بعد أن أجمل في أول السورة خلق الإنسان، ذكر هنا بالتفصيل من أي شئ خلق الإنسان والجان، مذكرا بنعمته في ذلك، منكرا على من يكذب نعمه ولا يعمل بما تقتضيه، وصلة ذلك بالمحور واضحة، فالمحور يقول: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وهاهنا ذكر بدء الخلق، مع الإنكار على من يجحد النعم؛ فلا يعمل بما تقتضيه من شكر، والشكر عبادة وتقوى وتوحيد.
...
رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ في كل لحظة يوجد شروق وغروب، فحين تغرب الشمس على إنسان تشرق على آخر، ففي لحظة واحدة يكون شروق وغروب، ومن ثم
تحدث الله عن أنه رب المشارق والمغارب، وتحدث عن أنه رب المشرق والمغرب، وهاهنا ذكر أنه رب المشرقين ورب المغربين، لأن الإنسان يستطيع أن يدرك تلقائيا مشرقين ومغربين، فحيث ما تشرق الشمس عليه يكون غروب على غيره، وحيث ما تغرب الشمس عنه يكون شروق على غيره وغروب عليه، والتذكير بأنه رب المشرقين ورب المغربين تذكير بنعمة الليل والنهار اللذين هما من أجل النعم.
قال ابن كثير: ولما كان في اختلاف هذه المشارق والمغارب مصالح للخلق من الجن والإنس قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فلا تشكران بأن تعبدا الله وتتقياه
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ أي: أرسلهما قال ابن كثير: والمراد بقوله البحرين: الملح والحلو، فالحلو هذه الأنهار السارحة بين الناس. أقول: وفي قوله تعالى: مَرَجَ يوجد معنى الجعل مع الإرسال، ومن ثم قال: يَلْتَقِيانِ أي: يلتقي البحر المالح
стр. 5370
بالبحر العذب، وكأن مجموع المياه العذبة في العالم تشكل بحرا، وهذا البحر مرجعه في النهاية إلى البحر الملح
بَيْنَهُما أي: بين البحر العذب والملح بَرْزَخٌ أي:
حاجز لا يَبْغِيانِ أي لا يتجاوزان حديهما، قال ابن كثير: (أي وجعل بينهما برزخا وهو الحاجز من الأرض لئلا يبغي هذا على هذا، وهذا على هذا، فيفسد كل واحد منهما الآخر، ويزيله عن صفته التي هي مقصودة منه، أقول: ولعل الحاجز بينهما هو عالم الأسباب الذي يجعل ماء البحر يتبخر وحده بلا ملح، وحيلولة اليابسة دون امتداد ماء البحر، ووجود قوانين المد والجزر التي لها صلة بمكان القمر من مجموع الأرض، فالبحران يلتقيان في حال، وبينهما برزخ في حال، وفي ذلك كله من المصالح لخلق الله الكثير، فلو كان البحر العذب لا يلتقي مع البحر المالح لجف المالح على المدى البعيد، ولأنتن البحر العذب وغمر اليابسة في العالم، ولتعذرت الحياة على الأرض،
ومن ثم قال تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فلا تشكران بأن تعبدا وتتقيا،
ثم حدثنا تعالى عن نعمة أخرى من نعمه في البحرين فقال: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ أي: يخرج من مجموعهما اللؤلؤ والمرجان، واللؤلؤ: كبار الدر، والمرجان: إما صغار الدر، وإما نوع آخر من الجواهر أحمر اللون. قال النسفي:
(وإنما قال منهما وهما يخرجان من الملح لأنهما لما التقيا وصارا كالشئ الواحد جاز أن يقال يخرجان من البحر ولا يخرجان من جميع البحر، ولكن من بعضه، وتقول:
خرجت من البلد وإنما خرجت من محلة من محاله). وفي ذكر اللؤلؤ والمرجان اللذين لهما علاقة بقضية الزينة والجمال لفت نظر إلى دقائق من النعم الجمالية، أودعها الله في هذا الكون، ليرينا تكامل النعم علينا
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فلا تشكران فتعبدان وتتقيان،
ثم ذكر نعمة أخرى على الإنسان مرتبطة بالبحار فقال: وَلَهُ الْجَوارِ يعني: السفن التي تجري الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ أي: المصنوعات في البحر كَالْأَعْلامِ أي: كالجبال الطويلة في كبرها، وفي هذه الآية أكثر من معجزة قرآنية سنراها في الفوائد، والآية تذكر بتسخير الله الأشياء للإنسان، حتى استطاع أن يصنع منها مثل هذه السفن العظيمة التي تخدم مصالحه الكبيرة في هذا العالم، من نقل وانتقال وجلب
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فلا تشكران بأن تعبدا وتتقيا
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ أي: كل من على الأرض من الأحياء ميت، وليس المراد بالفناء الانعدام بالكلية كما فهمه بعض الجهلة
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ أي:
ذو العظمة والسلطان وَالْإِكْرامِ أي: وذو الإكرام وذو الإحسان. قال
стр. 5371
ابن كثير: (نعت تعالى وجهه الكريم في هذه الآية الكريمة أنه ذو الجلال والإكرام، أي هو أهل أن يجل فلا يعصى، وأن يطاع فلا يخالف) وقد فسر ابن عباس الجلال والإكرام بالعظمة والكبرياء، وفي الفناء نعم كثيرة. قال النسفي: (النعمة في الفناء باعتبار أن المؤمنين به يصلون إلى النعيم والسرور). أقول: ولولا الموت لتعذرت الحياة، فلو أن ذبابتين اثنتين تتوالدان بلا موت خلال خمس سنوات لشكلتا طبقة من الذباب حول الكرة الأرضية سمكها خمس سنتيمتر.
قال ابن كثير: (ولما أخبر تعالى عن تساوي أهل الأرض كلهم في الوفاة، وأنهم سيصيرون إلى الدار الآخرة فيحكم فيهم ذو الجلال والإكرام بحكمه العدل قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فلا تشكران بأن تعبدا وتتقيا).
...
في ذكر خلق الإنسان والجان في هذه المجموعة صلة بالمحور في قوله تعالى:
الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وفي ذكر المشارق والمغارب، والبحرين:
العذب والمالح، واللؤلؤ والمرجان، والسفن والموت، صلة بالمحور في قوله تعالى:
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً ... فكل هذه الأشياء لها صلة بكون الأرض فراشا وطيئا للإنسان، فالصلة واضحة بين ما مر معنا من المجموعة، وبين ما ذكرنا من محور
السورة ثم قال تعالى:
...
يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال النسفي: (أي كل من أهل السموات والأرض مفتقرون إليه، فيسأله أهل السموات ما يتعلق بدينهم، وأهل الأرض ما يتعلق بدينهم ودنياهم) كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ أي: كل وقت وحين يحدث أمورا، أو يجدد أحوالا. قال ابن كثير: (وهذا إخبار عن غناه عما سواه، وافتقار الخلائق إليه في جميع الآنات، وأنهم يسألونه بلسان حالهم وقالهم، وأنه كل يوم هو في شأن ... ). أقول: فالآية تدل على افتقار خلقه إليه، وعلى إعطائه لخلقه، وإمداده لهم، وذلك من إنعامه،
ومن ثم قال تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فلا تشكران بأن تعبدا وتتقيا.
...
стр. 5372
في آخر آيتي المحور ورد قوله تعالى بعد أن عدد نعمه: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وفي قوله تعالى: يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ... تصريح بأن الخلق كلهم عند الاحتياج إليه موحدون، فصلة ذلك بمحور السورة واضحة، ومن ثم فإنكاره ﷻ على من يكذب من الإنس والجن بعد ذكره سؤال الخلق كلهم له إنكار على شرك من أشرك، وعلى من لم يعبده ويتقه، وبعد أن عرض الله آلاءه التي تقتضي توحيده وعبادته وشكره، وأنكر وعجب ممن يكذب بها فلا يعمل بما تقتضيه تبدأ السورة بالإنذار، ثم تثني بالتبشير، تبدأ بالترهيب أولا، ثم بالترغيب، لتحمل الإنسان على التوحيد والعبادة والتقوى، أي: على الشكر. ويبدأ الترهيب بالإنذار فتنتهي به المجموعة الثانية، ثم تأتي المجموعة الثالثة فترهب وترغب في أمر الآخرة فلنر تتمة المجموعة الثانية.
...
سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ أي: أيها الإنس والجن. قال النسفي: (مستعار من قول الرجل لمن يتهدده سأفرغ لك، يريد سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلني عنه، والمراد: التوفر على النكاية فيه، والانتقام منه). قال ابن كثير: قال الضحاك: هذا وعيد.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فلا تشكران ولا تعبدان ولا تتقيان، كأنه لا حساب ولا عقاب، ولا رب محاسب
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا أي: تخرجوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا أي: فاخرجوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ أي: لا تقدرون على النفوذ إلا بسلطان منا نعطيه لكم
يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ أي: لهب مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ أي:
ودخان، وعن مجاهد أنه النحاس المعروف كمعدن فَلا تَنْتَصِرانِ إذا لم نعطكم سلطان النفوذ، ومن ثم نلاحظ أن رواد الفضاء في عصرنا يلاحظ في تركيب بذلاتهم وملابسهم الخارجية، وفي تركيب الغلاف الخارجي للمركبات الفضائية أن تكون قادرة على تحمل الشهب
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فلا تشكران من علمكم قضية النفوذ من أقطار السموات والأرض، ولنا عودة إلى هذه المعاني في الفوائد، وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الآية في الآخرة، وليس الأمر كذلك، فالسياق لا يدل عليه، والآية كما أنها تدل على النفوذ المقيد فإنها تدل على العجز عن النفوذ المطلق، وفي ذلك تذكير للإنسان بعبوديته، ومحدوديته التي تقتضي منه الخضوع بالعبادة، والتقوى لله رب العالمين، ومن ثم كان المعنيان الأخيران فيهما طابع التهديد والوعيد، والتذكير
стр. 5373
الذي يهيج على العبادة والتقوى، ومن هذا التذكير الذي فيه تهييج ينتقل السياق إلى الحديث عن ما يكون يوم القيامة، وعن مآل الكافرين والمتقين، وعما أعد الله لهؤلاء وهؤلاء، وفي ذلك ترغيب وترهيب يوصلان إلى العبادة والتقوى ويهيجان عليهما فلنر المجموعة الثالثة .
المجموعة الثالثة
وتمتد من الآية (٣٧) إلى نهاية الآية (٧٨) أي: إلى نهاية السورة وهذه هي:
[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣٧ الى ٧٨]
فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (٤١)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٥) وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٧) ذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٩) فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥١)
فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٥) فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٩) هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦١)
وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٣) مُدْهامَّتانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٥) فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ (٦٦)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٧) فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧١)
حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٧) تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٧٨)
стр. 5374
التفسير:
فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ أي: يوم القيامة، أي: انفك بعضها عن بعض لقيام الساعة فَكانَتْ وَرْدَةً أي: فصارت كلون الورد الأحمر كَالدِّهانِ الذي يدهن فيه. قال ابن كثير: أي تذوب كما يذوب الدردي والفضة في السبك، وتتلون كما تتلون الأصباغ التي يدهن بها، فتارة حمراء وصفراء وزرقاء وخضراء، وذلك من شدة الأمر وهول يوم القيامة العظيم
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فلا تشكران في الدنيا بأن تعبدا وتتقيا في الدنيا قبل مجئ ذلك اليوم.
ملاحظة في السياق:
نلاحظ أن قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ جاء في أوائل السورة بعد ذكر نعم الله، وجاء في أواخر المجموعة الثانية بعد ذكر ما فيه وعيد وتذكير بالعبودية، ويأتي هاهنا في معرض الكلام عن يوم القيامة، وما أعد الله فيه للمجرمين، ثم تأتي بعد ذلك في سياق نعم الله في الآخرة على المتقين؛ مما يدل على أن هذه الآية تتكرر
стр. 5375
لتستخرج الشكر الذي هو العبادة والتقوى من خلال التذكير بالنعمة، ومن خلال الترهيب، ومن خلال الترغيب، ومن خلال الإنذار والتبشير، ففي كل مرة تأتي لتستخرج الشكر من خلال معنى جديد، ومن خلال إتيان المكلف من جانب من الجوانب التي تستخرج شكره.
...
فَيَوْمَئِذٍ أي: فيوم تنشق السماء لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ أي: ولا جن، قال النسفي: (فوضع الجان الذي هو أبو الجن موضع الجن، كما يقال هاشم ويراد ولده، والتقدير لا يسأل إنس ولا جان عن ذنبه، والتوفيق بين هذه الآية وبين قوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ وقوله: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ أن ذلك يوم طويل، وفيه مواطن، فيسألون في موطن، ولا يسألون في آخر، وقال قتادة: قد كانت مسألة ثم ختم على أفواه القوم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، وقيل لا يسأل عن ذنبه ليعلم من جهته، ولكن يسأل للتوبيخ). ولنا عودة إلى هذا الموضوع في الفوائد
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فلا تشكران بأن تعبدا الله في هذه الدنيا وتتقياه قبل أن يأتي ذلك اليوم
يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ أي: الكافرون بِسِيماهُمْ أي: بسواد وجوههم وزرقة عيونهم قال ابن كثير: (أي بعلامات تظهر عليهم) فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ قال النسفي: أي يؤخذ بالنواصي، وتارة بالأقدام. وقال ابن كثير: أي تجمع الزبانية ناصيته مع قدميه ويلقونه في النار كذلك
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فلا تشكران في الدنيا بأن تعبدا وتتقيا قبل أن يصيبكم مثل ذلك
هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ أي: في الدنيا، قال ابن كثير: أي هذه النار التى كنت تكذبون بوجودها، ها هي ذي حاضرة تشاهدونها عيانا، يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا وتصغيرا وتحقيرا
يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ قال النسفي: (أي ماء حار قد انتهى حره أي يعاقب عليهم بين التصلية بالنار وبين شرب الحميم) وقال ابن كثير في تفسير (الآن): أي حار قد بلغ الغاية في الحرارة لا يستطاع من شدة ذلك. وقال في الآية: أي تارة يعذبون في الجحيم، وتارة يسقون من الحميم، وهو الشراب الذي هو كالنحاس المذاب يقطع الأمعاء والأحشاء. أقول:
في سجون الدنيا يكون لأهلها ساعات يسمونها ساعات التنفس، يخرج بها السجين من زنزانته أو مهجه إلى ساحة أوسع، أما في النار فالأمر دائر بين النار والماء الحار فليس
стр. 5376
هناك لحظة نعيم
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فلا تشكران في الدنيا بأن تصدقا وتؤمنا وتتقيا، وبعد أن بين الله ما للمكذبين المجرمين الكافرين- أي غير المتقين- تبدأ السورة الآن تحدثنا عما أعده لله للمتقين بقسميهم: السابقين، وأهل اليمين.
كلمة في السياق:
نلاحظ أن سورة الواقعة التي ستأتي بعد سورة الرحمن تحدثنا عن السابقين المقربين، وعن أهل اليمين، وعن أهل الشمال، وقد رأينا سورة الرحمن حدثتنا عن المجرمين أي: أهل الشمال، ثم يأتي قوله تعالى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ.
ثم بعد ذلك بآيات يأتي قوله تعالى: وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ.
روى البخاري عن رسول الله ﷺ أنه قال: «جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى
ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» وأخرج هذا الحديث بقية الجماعة إلا أبا داود، والسؤال الآن: هل هذه الجنات الأربع لنوع واحد فقط، أو جنتان لنوع، وجنتان لنوع آخر؟ قال ابن كثير: وقال رسول الله ﷺ في قوله تعالى:
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ وفي قوله: وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ: جنتان من ذهب للمقربين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين. فالآيات تتحدث عما أعد الله للسابقين، ثم عما أعده لأهل اليمين، بعد أن تحدثت عن جزاء المجرمين، وتأتي سورة الواقعة بعد ذلك لتكمل، فتبين ما أعده الله للسابقين، ثم لأهل اليمين، ثم للمجرمين، ثم تقيم الحجة على مجئ يوم الدين لتأمر بجانب من جوانب العبادة وهو تسبيح اسم الله العظيم كما سنرى. والمهم هنا أن نعرف أن الجنتين المذكورتين أولا في هذا السياق للسابقين، وأن الجنتين المذكورتين ثانيا هما لأهل اليمين. اللهم اجعلنا من السابقين المقربين.
...
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ قال النسفي: فترك المعاصي، أو فأدى الفرائض جَنَّتانِ قال النسفي: (جنة الإنس، وجنة الجن، لأن الخطاب للثقلين، وكأنه قيل: لكل خائفين منكما جنتان جنة للخائف الإنسي وجنة للخائف الجني). هذا
стр. 5377
اتجاه، واتجاه آخر يقول: للخائف الإنسي جنتان وللخائف الجني جنتان. قال ابن كثير: وهذه الآية عامة في الإنس والجن، فهي من أول دليل على أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا واتقوا، ولهذا امتن الله على الثقلين بهذا الجزاء، ومقام الله هو موقف العبد الذي يقفه بين يدي الله للحساب يوم القيامة، ومما قيل في تفسير الجنتين في قوله تعالى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ما ذكره الألوسي: (فقيل: إحداهما منزله ومحل زيارة أحبابه له، والأخرى منزل أزواجه وخدمه، وإليه ذهب الجبائي، وقيل:
بستانان: بستان داخل قصره وبستان خارجه، وقيل: منزلان ينتقل من أحدهما إلى الآخر لتتوفر دواعي لذته، وتظهر ثمار كرامته، وأين هذا ممن يطوف بين النار، وبين حميم آن؟
كلمة في السياق:
رأينا أن محور السورة هو قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ... والتقوى هي الخوف من مقام الله ، فكأن الآية التي مرت معنا تقول: (وللمتقين جنتان) ومن ثم نعلم صلة ما سيأتي من السورة بمحورها، فالسورة من الآن فصاعدا تتحدث عما أعده الله للمتقين، وتقسم المتقين إلى درجتين عليا ودنيا.
...
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فلا تشكران بأن تعبدا وتتقيا لتنالا جنتي الله ونعيمه الأخروي، كما نلتم نعيمه الدنيوي، وتكرار فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ في هذا السياق تذكير بنعم الله الأخروية، وكأن السورة بعد أن عرضت نعم الله التي تحس بها البداهة في الدنيا جعلت نعم الله الأخروية في حكم البديهية، ومن ثم تعددها وتنكر على الثقلين أن يكذبا بها.
ذَواتا أَفْنانٍ أي: هاتان الجنتان ذواتا أغصان، قال النسفي: وخص الأفنان لأنها هي التي تورق وتثمر، فمنها تمتد الظلال، ومنها تجتنى الثمار. قال ابن كثير في تفسير الأفنان: أي أغصان نضرة حسنة تحمل من كل ثمرة نضيجة فائقة
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما الدنيوية أو الأخروية تُكَذِّبانِ فلا تشكران بأن تعبدا الله وتتقياه في الدنيا لتنالا نعيمه الأخروي
فِيهِما أي: في الجنتين عَيْنانِ تَجْرِيانِ قال النسفي: حيث شاءوا في الأعالي والأسافل، وعن الحسن تجريان بالماء الزلال إحداهما التسنيم، والأخرى السلسبيل، قال ابن كثير: أي تسرحان
стр. 5378
لسقي تلك الأشجار والأغصان، فتثمر من جميع الألوان
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما الدنيوية والأخروية تُكَذِّبانِ فلا تعملان ولا تعبدان ولا تتقيان
فِيهِما أي:
في الجنتين مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ قال النسفي: (أي صنفان: صنف معروف، وصنف غريب) قال ابن كثير: (أي من جميع أنواع الثمار مما يعلمون وخير مما يعلمون، ومما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) قال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء. يعني: أن بين ذلك بونا عظيما وفرقا بينا في التفاضل
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما الدنيوية والأخروية تُكَذِّبانِ فلا تعبدان ولا تعملان
مُتَّكِئِينَ يعني: أهل هذه الجنات، قال ابن كثير: والمراد بالاتكاء هاهنا: الاضطجاع، ويقال الجلوس على صفة التربيع عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها وهي ما تحت الظهارة مِنْ إِسْتَبْرَقٍ أي: من ديباج ثخين، قال أبو عمران الجوني: هو الديباج المزين بالذهب، فنبه على شرف الظهارة بشرف البطانة فهذا من التنبيه بالأدنى على الأعلى، قال ابن مسعود: هذه البطائن فكيف لو رأيتم الظواهر وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ أي: وثمرها قريب يناله القائم والقاعد والمتكئ. قال ابن كثير: أي ثمرها قريب إليهم متى شاءوا، تناولوه على أي صفة كانوا
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما الدنيوية والآخروية تُكَذِّبانِ فلا تعملان قياما بحق الله في ذلك، بأن تعبدا وتتقيا، قال ابن كثير: ولما ذكر الفرش وعظمتها قال بعد ذلك
فِيهِنَّ أي: في الفرش قاصِراتُ الطَّرْفِ قال النسفي: (أي نساء قصرن أبصارهن على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم) قال ابن كثير: (أي غضيضات عن غير أزواجهن، فلا يرين شيئا في الجنة أحسن من أزواجهن ... وقد ورد أن الواحدة تقول لبعلها: والله ما أرى في الجنة شيئا أحسن منك، ولا في الجنة شيئا أحب إلي منك، فالحمد لله الذي جعلك لي وجعلني لك) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ الطمث: الجماع بالتدمية إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ قال النسفي: (وهذا دليل على أن الجن يطمثون كما يطمث الإنس) وقال ابن كثير: (أي بل هن أبكار عرب أتراب، لم يطأهن أحد قبل أزواجهن من الإنس والجن، وهذه أيضا من الأدلة على دخول مؤمني الجن الجنة)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فلا تعملان لتنالا مثل هذا العطاء،
ثم وصف الله نساء أهل الجنة للخطاب فقال: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ صفاء وَالْمَرْجانُ بياضا. قال ابن كثير:
(قال مجاهد والحسن وابن زيد وغيرهم: في صفاء الياقوت وبياض المرجان فجعلوا المرجان هاهنا اللؤلؤ) وفي البحر عن قتادة: (في صفاء الياقوت، وحمرة المرجان،
стр. 5379
فحمل المرجان على ما هو المعروف)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فلا تعملان لمثل هذا العطاء فتقدمان المهور لذلك من عبادة وتقوى
هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ قال إبراهيم الخواص في تفسيرها: هل جزاء الإسلام إلا دار السلام.
وقال ابن كثير: أي ليس لمن أحسن العمل في الدنيا إلا الإحسان إليه في الآخرة
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فلا تحسنان العمل، فأحسنا لتنالا الإحسان.
كلمة في السياق:
في الحديث الصحيح الذي فيه سؤال جبريل لرسول الله ﷺ : «قال فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» فالإحسان مقام في العبادة، وقد رأينا في سورتي الذاريات والنجم صلة الإحسان بالتقوى، فللإحسان صلة بالعبادة والتقوى، فإذا قال الله : هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ الذي هو المقام الأعلى في العبادة والتقوى إِلَّا الْإِحْسانُ فلذلك صلته بمحور السورة اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ... إنكم إن فعلتم ذلك أحسنتم، وإن أحسنتم فإن مثل هذا الجزاء لكم، وبعد أن حدثنا الله عما أعده للسابقين المحسنين المقربين يحدثنا الآن عما أعده لمن هم دونهم في الإحسان والتقوى العبادة، أي: أهل اليمين.
...
وَمِنْ دُونِهِما قال النسفي: أي ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للمقربين جَنَّتانِ قال النسفي: أي لمن دونهم من أصحاب اليمين.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فلا تعملان ولا تشكران، بأن تعبدا وتتقيا
مُدْهامَّتانِ أي: سوداوان من شدة الخضرة، وقال محمد بن كعب: أي ممتلئتان من الخضرة. وقال قتادة:
خضراوان من الري ناعمتان. قال ابن كثير: ولا شك في نضارة الأغصان على الأشجار المشتبكة بعضها في بعض
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما الدنيوية والأخروية تُكَذِّبانِ فلا تعملان لدار الجزاء والجمال والإحسان
فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ أي: فوارتان بالماء لا تنقطعان، قال الضحاك: أي ممتلئتان ولا تنقطعان
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فلا تعملان لمثل هذا
فِيهِما فاكِهَةٌ أي: ألوان الفاكهة وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ قال ابن كثير: وإنما أفرد النخل والرمان بالذكر لشرفهما
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فلا تعبدان وتتقيان
فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ أي خيرات جميلات
стр. 5380
قال النسفي: والمعنى: فاضلات الأخلاق حسان الخلق
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ* حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ أي: مخدرات يقال، امرأة قصيرة ومقصورة أي مخدرة ملازمة لبيتها، لا تطوف في الطرق، والنساء يمدحن بملازمتهن البيوت لدلالتها على صيانتهن، والخيام من اللؤلؤ المجوف كما صح في الأحاديث التي سنراها في الفوائد .
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ* لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ* فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ قد تقدم مثله سواء
مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ قال النسفي:
(الرفرف: هو كل ثوب عريض وقيل الوسائد) خُضْرٍ لما للأخضر من ميزات في إراحة العيون والأنفس وَعَبْقَرِيٍّ أي: ديباج أو طنافس حِسانٍ أي:
جياد
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فتنصرفان عن طلب ذلك وبذل مهوره من عبادة وتقوى
تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ أي: ذي العظمة وَالْإِكْرامِ أي:
لأوليائه بالإنعام، قال ابن كثير: (أي هو أهل أن يجل فلا يعصى، وأن يكرم فيعبد، ويشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى ... ).
أقول: بدأت السورة بذكر اسم الله الرحمن وانتهت بهذه الآية؛ وذلك يشير إلى أن التعريف بالله الذي يستحق العبادة والتقوى، هو المصب الرئيسي للسورة، وبمعرفتنا لذلك نكون قد أدركنا معنى رئيسيا من المعاني التي تربط بين السورة ومحورها، إذ لا عبادة ولا تقوى ولا توحيد إلا بعد معرفة الله حق المعرفة، ومن ثم أمرنا الله في المحور بعبادته كطريق يوصل إلى تقواه، وعرفنا على ذاته.
الفوائد:
١ - بدأ الله سورة الرحمن- وهي السورة التي تعدد آلاءه بذكر اسمه الرحمن وفي ذلك إشارة إلى أن كل ما ذكر فيها هو أثر عن رحمته، سواء في ذلك إنعامه على عباده في الدنيا، أو معاملته الكافرين بالعدل في الآخرة، أو إعطاؤه المؤمنين الجنات في الآخرة، كل ذلك من آثار رحمته ، ولو سأل سائل: وهل تعذيب الكفار رحمة؟ نقول: نعم، فمن عرف تعذيب الكافرين لأهل الإيمان في الدنيا يدرك أن من رحمة الله بعباده المؤمنين أن يعامل الكافرين بعدله يوم القيامة، وهذه السورة وما ورد فيها تعتبر ردا كاملا على ما يزعمه بعض المستشرقين من أن الله في الإسلام جبار منتقم قهار ذو صفات قهرية فقط، إن مثل هذا الكلام ظاهر المغالطة، وهو إن دل على شئ فإنما يدل على جهل صاحبه، فأدنى قراءة لأسماء الله
стр. 5381
الحسنى- كما جاءت في القرآن والسنة- تدل على أن الله- في الإسلام متصف بصفات الجلال والجمال وهو الحق، ولكنهم يغالطون مستغلين جهل الناس بالإسلام، فيزعمون أن الله في الإسلام ليس له إلا صفات القهر، بينما الله في النصرانية- على زعمهم- متصف بصفات الرحمة. إن مثل هذا الكلام يرده من عرف فاتحة القرآن فقط، ثم إن الله في القرآن متصف ومسمى بالأسماء التي تدلنا عليها ظواهر الكون نفسها- كما أثبتنا ذلك في كتابنا (الله ﷻ - فليس في العالم كله تصور أصفى وأكمل وأعلى من معرفة المسلم لله ، ثم إن الكتب السماوية كلها قبل تحريفها وتبديلها إنما تعرف على الله بما عرف عليه القرآن.
٢ - بمناسبة قوله تعالى: الرَّحْمنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ* عَلَّمَهُ الْبَيانَ قال صاحب الظلال: (فلننظر كيف يكون البيان؟: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ.
إن تكوين جهاز النطق وحده عجيبة لا ينقضي منها العجب ... اللسان والشفتان والفك والأسنان. والحنجرة والقصبة الهوائية والشعب والرئتان ... إنها كلها تشترك في عملية التصويت الآلية وهي حلقة في سلسلة البيان. وهي على ضخامتها لا تمثل إلا الجانب الميكانيكي الآلي في هذه العملية المعقدة، المتعلقة بعد ذلك بالسمع والمخ والأعصاب. ثم بالعقل الذي لا نعرف عنه إلا اسمه. ولا ندري شيئا عن ماهيته وحقيقته. بل لا نكاد ندري شيئا عن عمله وطريقته!
كيف ينطق الناطق باللفظ الواحد؟ إنها عملية معقدة كثيرة المراحل والخطوات والأجهزة. مجهولة في بعض المراحل خافية حتى الآن.
إنها تبدأ شعورا بالحاجة إلى النطق بهذا اللفظ لأداء غرض معين. هذا الشعور ينتقل- لا ندري كيف- من الإدراك أو العقل أو الروح إلى أداة العمل الحسية ... المخ ...
ويقال: إن المخ يصدر أمره عن طريق الأعصاب بالنطق بهذا اللفظ المطلوب. واللفظ ذاته مما علمه الله للإنسان وعرفه معناه. وهنا تطرد الرئة قدرا من الهواء المختزن فيها، ليمر من الشعب إلى القصبة الهوائية إلى الحنجرة وحبالها الصوتية العجيبة التي لا تقاس إليها أو تار أية آلة صوتية صنعها الإنسان. ولا جميع الآلات الصوتية المختلفة الأنغام! فيصوت الهواء في الحنجرة صوتا تشكله حسبما يريد العقل ... عاليا أو خافتا. سريعا أو بطيئا. خشنا أو ناعما. ضخما أو رفيعا ... إلى آخر أشكال الصوت وصفاته.
стр. 5382
ومع الحنجرة اللسان والشفتان والفك والأسنان، يمر بها هذا الصوت فيتشكل بضغوط خاصة في مخارج الحروف المختلفة. وفي اللسان خاصة يمر كل حرف بمنطقة منه ذات إيقاع معين، يتم فيه الضغط المعين، ليصوت الحرف بجرس معين.
وذلك كله لفظ واحد ... ووراءه العبارة. والموضوع. والفكرة. والمشاعر السابقة واللاحقة. وكل منها عالم عجيب غريب، ينشأ في هذا الكيان الإنساني العجيب الغريب. بصنعة الرحمن، وفضل الرحمن).
٣ - وبمناسبة قوله تعالى: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ قال صاحب الظلال:
(ونتناول طرفا من الحساب الدقيق في علاقتهما بكوكبنا الأرضي وما عليه من حياة وأحياء. إن الشمس تبعد عن الأرض باثنين وتسعين ونصف مليون من الأميال.
ولو كانت أقرب إلينا من هذا لاحترقت الأرض أو انصهرت أو استحالت بخارا يتصاعد في الفضاء! ولو كانت أبعد منا لأصاب التجمد والموت ما على الأرض من حياة! والذي يصل إلينا من حرارة الشمس لا يتجاوز جزءا من مليوني جزء من حرارتها.
وهذا القدر الضئيل هو الذي يلائم حياتنا. ولو كانت الشعرى بضخامتها وإشعاعها هي التي في مكان الشمس منا لتبخرت الكرة الأرضية، وذهبت بددا!
وكذلك القمر في حجمه وبعده عن الأرض. فلو كان أكبر من هذا لكان المد الذي يحدثه في بحار الأرض كافيا لغمرها بطوفان يعم كل ما عليها. وكذلك لو كان أقرب مما وضعه الله بحسابه الذي لا يخطئ مقدار شعرة!
وجاذبية الشمس وجاذبية القمر للأرض لهما حسابهما في وزن وضعها، وضبط خطاها في هذا الفضاء الشاسع الرهيب، الذي تجري فيه مجموعتنا الشمسية كلها بسرعة
عشرين ألف ميل في الساعة في اتجاه واحد نحو برج الجبار. ومع هذا لا تلتقي بأي نجم في طريقها على ملايين السنين!
وفي هذا الفضاء الشاسع الرهيب لا يختل مدار نجم بمقدار شعرة، ولا يختل حساب التوازن والتناسق في حجم ولا حركة.
وصدق الله العظيم ... الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ).
٤ - وبمناسبة قوله تعالى: وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ قال صاحب الظلال: (والإشارة إلى السماء ... توجه النظر إلى أعلى إلى هذا الفضاء الهائل السامق
стр. 5383
الذى لا تبدو له حدود معروفة؛ والذي تسبح فيه ملايين الملايين من الأجرام الضخمة، فلا يلتقي منهما اثنان، ولا تصطدم مجموعة منها بمجموعة. ويبلغ عدد المجموعة أحيانا ألف مليون نجم، كمجموعة المجرة التي ينتسب إليها عالمنا الشمسي، وفيها ما هو أصغر من شمسنا وما هو أكبر آلاف المرات. شمسنا التي يبلغ قطرها مليونا وثلث مليون كيلومتر!!! وكل هذه النجوم، وكل هذه المجموعات تجري في الكون بسرعات مخيفة، ولكنها في هذا الفضاء الهائل ذرات سابحة متباعدة، لا تلتقي، ولا تتصادم!).
٥ - بمناسبة قوله تعالى: وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ قال ابن كثير:
(وروى الإمام أحمد عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» ورواه مسلم بسنده).
٦ - وبمناسبة قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ قال صاحب الظلال: (واللؤلؤ- في أصله- حيوان. ولعل اللؤلؤ أعجب ما في البحار، فهو يهبط إلى الأعماق وهو داخل صدفة من المواد الجيرية لتقيه من الأخطار، ويختلف هذا الحيوان عن الكائنات الحية في تركيبه وطريقة معيشته، فله شبكة دقيقة كشبكة الصياد، عجيبة النسج، تكون كمصفاة تسمح بدخول الماء والهواء والغذاء إلى جوفه، وتحول بين الرمال والحصى وغيرها. وتحت الشبكة أفواه الحيوان، ولكل فم أربع شفاه. فإذا دخلت ذرة رمل، أو قطعة حصى، أو حيوان ضار عنوة إلى الصدفة، سارع الحيوان إلى إفراز مادة لزجة يغطيها بها، ثم تتجمد مكونة لؤلؤة! وعلى حسب حجم الذرة التي وصلت يختلف حجم اللؤلؤة!».
«والمرجان من عجائب مخلوقات الله، يعيش في البحار على أعماق تتراوح بين خمسة أمتار وثلاثمائة متر، ويثبت نفسه بطرفه الأسفل بصخر أو عشب،. وفتحة فمه التي في أعلى جسمه، محاطة بعدد من الزوائد يستعملها في غذائه. فإذا لمست فريسة ما هذه الزوائد- وكثيرا ما تكون من الأحياء الدقيقة كبراغيث الماء- أصيبت بالشلل في الحال، والتصقت بها، فتنكمش الزوائد وتنحني نحو الفم، حيث تدخل الفريسة إلى الداخل بقناة ضيقة تشبه مريء الإنسان».
«ويتكاثر هذا الحيوان بخروج خلايا تناسلية منه، يتم بها إخصاب البويضات،
стр. 5384
حيث يتكون الجنين الذي يلجأ إلى صخرة أو عشب يلتصق به، ويكون حياة منفردة، شأنه في ذلك شأن الحيوان الأصلي».
«ومن دلائل قدرة الخالق، أن حيوان المرجان يتكاثر بطريقة أخرى هي التزرر.
وتبقى الأزرار الناتجة متحدة مع الأفراد التي تزررت منها، وهكذا تتكون شجرة المرجان التي تكون ذات ساق سميكة. تأخذ في الدقة نحو الفروع التي تبلغ غاية في الدقة في نهايتها. ويبلغ طول الشجرة المرجانية ثلاثين سنتيمترا. والجزر المرجانية الحية ذات ألوان مختلفة، نراها في البحار صفراء برتقالية، أو حمراء قرنفلية، أو زرقاء زمردية، أو غبراء باهتة».
«والمرجان الأحمر هو المحور الصلب المتبقي بعد فناء الأجزاء الحية من الحيوان، وتكون الهياكل الحجرية مستعمرات هائلة».
«ومن هذه المستعمرات سلسلة الصخور المرجانية المعروفة باسم الحاجز المرجاني الكبير، الموجود بالشمال الشرقي لأستراليا. ويبلغ طول هذه السلسلة ألفا وثلاثمائة وخمسين ميلا وعرضها خمسين ميلا. وهي مكونة من هذه الكائنات الحية الدقيقة الحجم»).
٧ - في قوله تعالى: وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ معجزتان قرآنيتان: الأولى: تظهر من خلال وصف السفن بالجبال، ولا يظهر التشبيه على كماله وتمامه إلا من خلال رؤية السفن في العصور المتأخرة، وإلا فإن السفن القديمة- وخاصة المعروفة عند العرب- لم تكن مثل هذا الحجم الذي تشبه به الجبال، والمعجزة الثانية: أنه في عصرنا عرف أن للجبال جذرا وتديا يعدل ضعفي ما يظهر من الجبال فوق سطح الأرض، ومن المعروف أن غاطس السفن يعدل ضعفي ما يظهر على سطح البحر من مجموع جسمها، فتشبيه السفن بالأعلام ما كان ليكون بمثل هذه الدقة لولا أن هذا القرآن من عند الله.
٨ - بمناسبة قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ* وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ قال ابن كثير: (وفي الدعاء المأثور: يا حي يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت، برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك). وقال النسفي: (وفي الحديث: «ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام» وروي أنه ﵇ مر برجل وهو يصلي
стр. 5385
ويقول: يا ذا الجلال والإكرام فقال: «قد استجيب لك»).
٩ - بمناسبة قوله تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ قال النسفي: (أي كل وقت وحين يحدث أمورا ويجدد أحوالا، كما روي أنه ﵇ تلاها فقيل له:
وما ذلك الشأن؟ فقال: «من شأنه أن يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع قوما، ويضع آخرين» وعن ابن عيينة: الدهر عند الله يومان: أحدهما اليوم الذي هو مدة الدنيا فشأنه فيه الأمر والنهي، والإحياء والإماتة، والإعطاء والمنع، والآخر يوم القيامة فشأنه فيه الجزاء والحساب. وقيل: نزلت في اليهود حين قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت شأنا. وسأل بعض الملوك وزيره عن الآية فاستمهله إلى الغد وذهب كئيبا يفكر فيها فقال غلام له أسود: يا مولاي أخبرني ما أصابك لعل الله يسهل لك على يدي، فأخبره فقال: أنا أفسرها للملك فأعلمه فقال: أيها الملك شأن الله أنه يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويشفي سقيما، ويسقم سليما، ويبتلي معافى، ويعافي مبتلى، ويعز ذليلا، ويذل عزيزا، ويفقر غنيا، ويغني فقيرا. فقال الأمير: أحسنت وأمر الوزير أن يخلع عليه ثياب الوزارة.
فقال: يا مولاي هذا من شأن الله. وقيل: سوق المقادير إلى المواقيت، وقيل: إن عبد الله بن طاهر دعا الحسين بن الفضل وقال له: أشكلت علي ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي: قوله تعالى: فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ وقد صح أن الندم توبة، وقوله تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ وقد صح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقوله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى فما بال الأضعاف. فقال الحسين: يجوز أن لا يكون الندم توبة في تلك الأمة، وقيل أن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله، وكذا قيل، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى مخصوص بقوم إبراهيم وموسى ﵉، وأما قوله: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فإنها شئون يبديها لا شئون يبتديها، فقام عبد الله وقبل رأسه ... ). وقال ابن كثير:
(قال الأعمش عن مجاهد عن عبيد بن عمير كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ قال: من شأنه أن يجيب داعيا، أو يعطي سائلا، أو يفك عانيا، أو يشفي سقيما. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: كل يوم هو يجيب داعيا، ويكشف كربا، ويجيب مضطرا، ويغفر ذنبا، وقال قتادة: لا يستغني عنه أهل السموات والأرض، يحيي حيا، ويميت ميتا، ويربي صغيرا، ويفك أسيرا، وهو منتهى حاجات الصالحين وصريخهم، ومنتهى شكواهم. وروى ابن أبي حاتم عن سويد بن حبلة هو الفزاري قال: إن ربكم كل يوم
стр. 5386
هو في شأن فيعتق رقابا، ويعطي رغابا، ويقحم عقابا.
وروى ابن جرير ... عن منيب بن عبد الله بن منيب الأزدي عن أبيه قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فقلنا: يا رسول الله وما ذاك الشأن؟ قال: «أن يغفر ذنبا، ويفرج كربا. ويرفع قوما ويضع آخرين». وروى ابن أبي حاتم عن أم الدرداء عن النبي ﷺ قال: «قال الله : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ قال: من شأنه أن يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع قوما، ويضع آخرين». وقد رواه ابن عساكر من طرق متعددة. (قلت): وقد روي موقوفا كما علقه البخاري بصيغة الجزم فجعله من كلام أبي الدرداء فالله أعلم. وروى البزار عن ابن عمر عن النبي ﷺ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ قال: «يغفر ذنبا، ويكشف كربا»).
١٠ - بمناسبة قوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ قال ابن كثير:
(الثقلان: الإنس والجن، كما جاء في الصحيح: «يسمعه كل شئ إلا الثقلين» وفي رواية: «إلا الإنس والجن» وفي حديث الصور: «الثقلان: الإنس والجن»).
١١ - بمناسبة قوله تعالى فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ* ... يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ قال ابن كثير: (وهذه كقوله تعالى: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ* وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ فهذا حال وثم حال يسأل الخلائق عن جميع أعمالهم، قال الله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ولهذا قال قتادة فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ قال: قد كانت مسألة ثم ختم على أفواه القوم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا لأنه أعلم بذلك منهم ولكن يقول: لم عملتم كذا وكذا، فهذا قول ثان. وقال مجاهد في هذه الآية: لا تسأل الملائكة عن المجرمين بل يعرفون بسيماهم، وهذا قول ثالث. وكأن هذا بعد ما يؤمر بهم إلى النار، فذلك الوقت لا يسألون عن ذنوبهم بل يقادون إليها، ويلقون فيها كما قال تعالى: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ أي: بعلامات تظهر عليهم، وقال الحسن وقتادة: يعرفون باسوداد الوجوه وزرقة العيون. (قلت): وهذا كما يعرف المؤمنون بالغرة والتحجيل من آثار الوضوء).
١٢ - بمناسبة قوله تعالى في وصف الجنتين الأوليين: ذَواتا أَفْنانٍ ذكر
стр. 5387
ابن كثير أكثر من قول ونقل مجموعة أحاديث قال: (أي أغصان نضرة حسنة تحمل من كل ثمرة نضيجة فائقة فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟ هكذا قال عطاء الخراساني وجماعة: أن الأفنان أغصان الشجر يمس بعضها بعضا، وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن النعمان قال: سمعت عكرمة يقول ذَواتا أَفْنانٍ يقول: ظل الأغصان على الحيطان، ألم تسمع قول الشاعر:
ما هاج شوقك من هديل حمامة ... تدعو على فنن الغصون حماما
تدعو أبا فرخين صادف طاويا ... ذا مخلبين من القصور قطاما
وحكى البغوي عن مجاهد وعكرمة والضحاك والكلبي أنه الغصن المستقيم، وروى أبو سعيد الأشج عن ابن عباس ذواتا أفنان: ذواتا ألوان، قال: وروي عن سعيد ابن جبير والحسن والسدي وخصيف والنضر بن عربي وابن سنان مثل ذلك، ومعنى هذا القول أن فيهما فنونا من الملاذ واختاره ابن جرير، وقال عطاء: كل غصن يجمع فنونا من الفاكهة، وقال الربيع بن أنس ذَواتا أَفْنانٍ واسعتا الفناء، وكل هذه الأقوال صحيحة ولا منافاة بينها والله أعلم، وقال قتادة: ذواتا أفنان يعني بسعتها وفضلها
ومزيتها على ما سواها. وروى محمد بن إسحاق عن أسماء بنت أبي بكر قالت:
سمعت رسول الله ﷺ وذكر سدرة المنتهى فقال: «يسير في ظل الفنن منها الراكب مائة سنة- أو قال: يستظل في ظل الفنن منها مائة راكب- فيها فراش الذهب كأن ثمرها القلال» ورواه الترمذي من حديث يونس.
١٣ - بمناسبة قوله تعالى عن نساء الجنتين الأوليين: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ قال ابن كثير: (وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: «إن المرأة من نساء أهل الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة من حرير حتى يرى مخها» وذلك قول الله تعالى: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ فأما الياقوت فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكا ثم استصفيته لرأيته من ورائه، وهكذا رواه الترمذي موقوفا ثم قال: وهو أصح. وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «للرجل من أهل الجنة زوجتان من الحور العين على كل واحدة سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء الثياب» تفرد به الإمام أحمد من هذا الوجه. وقد روى مسلم حديث إسماعيل بن علية عن أيوب عن محمد بن سيرين قال: إما تفاخروا وإما تذاكروا، الرجال أكثر في الجنة أم النساء؟ فقال أبو هريرة: أو لم يقل أبو القاسم
стр. 5388
صلى الله عليه وسلم: «إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر والتي تليها على ضوء كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم وما في الجنة أغرب» وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث همام بن منبه وأبي زرعة عن أبي هريرة ﵁. وروى الإمام أحمد عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم أو موضع قده- يعني: سوطه- من الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحا ولطاب ما بينهما، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها» ورواه البخاري).
١٤ - بمناسبة قوله تعالى: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ قال ابن كثير: (أي لا لمن أحسن العمل في الدنيا إلا الإحسان إليه في الآخرة، كما قال تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وروى البغوي عن أنس بن مالك قال:
قرأ رسول الله ﷺ هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ وقال: هل تدرون ما قال ربكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «يقول هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة»). دل هذا الحديث على أنه لا إحسان بلا توحيد، فإذا تذكرنا محور السورة من سورة البقرة اعْبُدُوا رَبَّكُمُ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً أدركنا من مثل هذا صلة السورة بالمحور.
١٥ - قال ابن كثير: (ومما يتعلق بقوله تعالى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ما رواه الترمذي والبغوي من حديث أبي النضر بن هاشم بن القاسم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة» ثم قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي النضر، وروى البغوي من حديث علي بن حجر عن عطاء بن يسار عن أبي الدرداء أنه سمع رسول الله ﷺ يقص على المنبر وهو يقول: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ قلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ فقلت الثانية: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟
فقال: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ فقلت الثالثة: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال: «وإن، رغم أنف أبي الدرداء»).
١٦ - عند قوله تعالى: وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ تحدث كل من النسفي
стр. 5389
وابن كثير عن وجه تفضيل الجنتين الأوليين على الأخريين، قال النسفي:
(إنما تقاصرت صفات هاتين الجنتين عن الأوليين حتى قيل: وَمِنْ دُونِهِما لأن مُدْهامَّتانِ دون (ذواتا أفنان) و (نضاختان) دون (تجريان) (وفاكهة) دون (كل فاكهة) وكذلك صفة الحور والمتكأ).
وقال ابن كثير: (هاتان الجنتان دون اللتين قبلهما في المرتبة والفضيلة والمنزلة بنص القرآن، قال الله تعالى: وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ وقد تقدم في الحديث: جنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، فالأوليان للمقربين والأخريان لأصحاب اليمين، وقال أبو موسى: جنتان من ذهب للمقربين، وجنتان من فضة لأصحاب اليمين، وقال ابن عباس: وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ من دونهما في الدرج، وقال ابن زيد من دونهما في الفضل. والدليل على شرف الأوليين على الأخريين وجوه: (أحدها): أنه نعت الأوليين قبل هاتين، والتقديم يدل على الاعتناء ثم قال:
وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ وهذا ظاهر في شرف التقدم وعلوه على الثاني، وقال هناك:
ذَواتا أَفْنانٍ وهي الأغصان أو الفنون في الملاذ، وقال هاهنا: مُدْهامَّتانِ أي: سوداوان من شدة الري من الماء، قال ابن عباس في قوله: مُدْهامَّتانِ: قد اسودتا من الخضرة من شدة الري من الماء، وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مُدْهامَّتانِ قال: خضراوان، وروي عن أبي أيوب الأنصاري، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن أبي أوفى، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد في إحدى الروايات، وعطاء، وعطية العوفي والحسن البصري، ويحيى بن رافع، وسفيان الثوري نحو ذلك، وقال محمد بن كعب: مُدْهامَّتانِ ممتلئتان من الخضرة، وقال قتادة: خضراوان من الري ناعمتان، ولا شك في نضارة الأغصان على الأشجار المشتبكة بعضها في بعض وقال هناك: فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ وقال هاهنا:
نَضَّاخَتانِ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي فياضتان، والجري أقوى من النضخ، وقال الضحاك: نَضَّاخَتانِ أي: ممتلئتان ولا تنقطعان وقال هناك:
فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ وقال هاهنا: فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ولا شك أن الأولى أعم وأكثر في الأفراد والتنويع على فاكهة وهي نكرة في سياق الإثبات لا تعم ولهذا ليس قوله: وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ من باب عطف الخاص على العام، كما قرره البخاري وغيره، وإنما أفرد النخل والرمان بالذكر لشرفهما على غيرهما، وروى عبد بن حميد عن عمر بن الخطاب قال: جاء أناس من اليهود إلى رسول الله
стр. 5390
صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد أفي الجنة فاكهة؟ قال: «نعم فيها فاكهة ونخل ورمان» قالوا:
أفيأكلون كما يأكلون في الدنيا؟ قال: «نعم وأضعاف» قالوا: فيقضون الحوائج؟
قال: «لا ولكنهم يعرقون ويرشحون فيذهب الله ما في بطونهم من أذى» وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: نخل الجنة سعفها كسوة لأهل الجنة منها مقطعاتهم ومنها حللهم، وورقها ذهب أحمر، وجذوعها زمرد أخضر، وثمرها أحلى من العسل وألين من الزبد وليس له عجم، وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «نظرت إلى الجنة فإذا رمانة من رمانها كالبعير المقتب» ثم قال: فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ قيل: المراد خيرات كثيرة حسنة في الجنة، قاله قتادة. وقيل: خيرات حسان جمع خيرة وهي المرأة الصالحة، الحسنة الخلق، الحسنة الوجه قاله الجمهور، وروي مرفوعا عن أم سلمة، وفي الحديث الآخر الذي سنورده في سورة الواقعة إن شاء الله تعالى أن الحور العين يغنين: نحن الخيرات الحسان خلقنا لأزواج كرام، ولهذا قرأ بعضهم: فِيهِنَّ خَيْراتٌ بالتشديد حِسانٌ* فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ثم قال: حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ وهناك قال: فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ ولا شك أن التي قد قصرت طرفها بنفسها أفضل ممن قصرت، وإن كان الجميع مخدرات، روى ابن أبي حاتم عن عبد الله ابن مسعود قال: إن لكل مسلم خيرة ولكل خيرة خيمة، ولكل خيمة أربعة أبواب يدخل عليه كل يوم تحفة وكرامة وهداية لم تكن قبل ذلك لا مرحات، ولا طمحات، ولا بخرات، ولا ذفرات، حور عين كأنهن بيض مكنون، وقوله تعالى: فِي الْخِيامِ روى البخاري عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة، عرضها ستون ميلا للمؤمن في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمنون» ورواه أيضا من حديث أبي عمران به وقال ثلاثون ميلا وأخرجه مسلم من حديث أبي عمران به ولفظه: «إن للمؤمنين في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلا، للمؤمن فيها أهل، يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا» وروى ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء قال: الخيمة لؤلؤة واحدة فيها سبعون بابا من در، وروى أبي عن ابن عباس في قوله تعالى: حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ قال: في خيام اللؤلؤ وفي الجنة خيمة واحدة من لؤلؤة واحدة أربع فراسخ عليها أربعة آلاف مصراع من ذهب، وروى عبد الله بن وهب عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم واثنتان
стр. 5391
وسبعون زوجة وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية وصنعاء» ورواه الترمذي من حديث عمرو بن الحارث به. وقوله تعالى: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ قد تقدم مثله سواء إلا أنه زاد في وصف الأوائل بقوله: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ* فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ. وقوله تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الرفرف المحابس، وكذا قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم: هي المحابس، وقال العلاء بن زيد: الرفرف على السرير كهيئة المحابس المتدلي، وقال عاصم الجحدري مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ يعني: الوسائد، وهو قول الحسن البصري في رواية عنه، وروى أبو داود الطيالسي عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ قال: الرفرف: رياض الجنة، وقوله تعالى: وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ قال ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي: العبقري: الزرابي، وقال سعيد بن جبير:
هي عتاق الزرابي يعني: جيادها، وقال مجاهد: العبقري: الديباج، وسئل الحسن البصري عن قوله تعالى: وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ فقال: هي بسط أهل الجنة لا أبا لكم فاطلبوها، وعن الحسن رواية أنها المرافق، وقال زيد بن أسلم: العبقري أحمر وأصفر وأخضر، وسئل العلاء بن زيد عن العبقري فقال: العبقري: الطنافس المخملة إلى الرقة ما هي. وقال القيسي: كل ثوب موشى عند العرب عبقري، وقال أبو عبيدة: هو منسوب إلى أرض يعمل بها الوشي، وقال الخليل بن أحمد: كل شئ نفيس من الرجال وغير ذلك يسمى عند العرب عبقريا، ومنه قول النبي ﷺ في عمر: «فلم أر عبقريا يفري فريه» وعلى كل تقدير فصفة مرافق أهل الجنتين الأوليين أرفع وأعلى من هذه الصفة فإنه قد قال هناك: مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ فنعت بطائن فرشهم وسكت عن ظهائرها اكتفاء بما مدح به البطائن بطريق الأولى والأحرى، وتمام الخاتمة أنه قال بعد الصفات المتقدمة: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ فوصف أهلها بالإحسان وهو أعلى المراتب والنهايات، كما في حديث جبريل لما سأل عن الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان فهذه وجوه عديدة في تفضيل الجنتين الأوليين على هاتين الأخيرتين ونسأل الله الكريم الوهاب أن يجعلنا من أهل الأوليين).
١٧ - عند قوله تعالى: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ قال ابن كثير: (وقال الإمام أحمد ... عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «أجلوا الله يغفر لكم» وفي الحديث الآخر: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم،
стр. 5392
وذي السلطان، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه» وروى الحافظ أبو يعلى عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام» وكذا رواه الترمذي عن الحسن عن النبي ﷺ . وقد روى الإمام أحمد عن ربيعة ابن عامر قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألظوا بذي الجلال والإكرام» ورواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك به، قال الجوهري: ألظ فلان بفلان إذا لزمه، وقول ابن مسعود: ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام أي: الزموا، يقال الإلظاظ هو الإلحاح (قلت): وكلاهما قريب من الآخر والله أعلم وهو المداومة واللزوم والإلحاح. وفي صحيح مسلم والسنن الأربعة من حديث عبد الله بن الحارث عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سلم لا يقعد يعني بعد الصلاة إلا بقدر ما يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام»).
١٨ - ختم النسفي الكلام عن سورة الرحمن بقوله: (وكررت هذه الآية فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ* في هذه السورة إحدى وثلاثين مرة ذكر ثمانية منها عقب آيات فيها تعداد عجائب خلق الله وبدائع صنعه ومبدأ الخلق ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها على عدد أبواب جهنم، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلهما على عدد أبواب الجنة، وثمانية أخرى بعدها للجنتين اللتين دونهما، فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها فتحت له أبواب الجنة وأغلقت عنه أبواب جهنم نعوذ بالله منها والله أعلم).
كلمة أخيرة في سورة الرحمن:
١ - عرفتنا سورة الرحمن على الله ، وعلى نعمه، بما يهيج عندنا بواعث الشكر، ويستثير دوافع العبادة والتقوى في القلب، ولذلك صلاته بالمحور.
٢ - رأينا أن السور التي تفصل في محور من سورة البقرة تفصل فيه وفي ارتباطاته وامتداداته، ولقد جاء بعد آيتي المحور في سورة البقرة قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ* وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ فهذه الآيات جاءت بعد آيتي المحور، فهي من امتدادات المحور وارتباطاته، وقد ظهر أثر ذلك في السورة: الرَّحْمنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ فلذلك صلته بقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ
стр. 5393
مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا وقد بشرت السورة المتقين وأنذرت المجرمين.
ومن امتدادات المحور في سورة البقرة قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وقد ظهر أثر ذلك في السورة وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ ومن امتدادات المحور في سورة البقرة قوله تعالى: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ وقد ظهر أثر ذلك في السورة الرَّحْمنُ ....
٣ - وقد سارت السورة في سياقها الخاص فبدأت بذكر النشأة: الرَّحْمنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ ... ثم تحدثت عن النهاية الأولى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ثم تحدثت عن النهاية الكبرى إذ يستقر أهل النار في النار، وأهل الجنة في الجنة.
٤ - عرفنا من السورة أن أهل الجنة نوعان، فعرفنا بذلك أن هناك درجة عليا من العبادة والتقوى، استحق أهلها نوعا من الجنان، وأن هناك درجة دنيا من العبادة والتقوى استحق أهلها نوعا آخر من الجنان، وستأتي سورة الواقعة لتحدثنا عن السابقين، وعن أهل اليمين، وذلك من مظاهر التكامل بين سورتي الرحمن والواقعة.
٥ - ذكرت سورة الرحمن في خواتيمها ثلاثة أصناف من الناس: مجرمين، وسابقين، وأهل يمين، وتبدأ سورة الواقعة بذكر الأصناف الثلاثة: وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً ومن هنا ندرك قوة الارتباط ما بين نهاية سورة الرحمن وبداية سورة الواقعة.
***
стр. 5394
سورة الواقعة
وهي السورة السادسة والخمسون بحسب الرسم القرآني وهي السورة السادسة والأخيرة من المجموعة الأولى من قسم المفصل، وآياتها ست وسبعون آية وهي مكية
стр. 5395
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه
ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
следующие страницы →