Полный текст (6 440 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.
стр. 5391
وسبعون زوجة وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية وصنعاء» ورواه الترمذي من حديث عمرو بن الحارث به. وقوله تعالى: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ قد تقدم مثله سواء إلا أنه زاد في وصف الأوائل بقوله: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ* فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ. وقوله تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الرفرف المحابس، وكذا قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم: هي المحابس، وقال العلاء بن زيد: الرفرف على السرير كهيئة المحابس المتدلي، وقال عاصم الجحدري مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ يعني: الوسائد، وهو قول الحسن البصري في رواية عنه، وروى أبو داود الطيالسي عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ قال: الرفرف: رياض الجنة، وقوله تعالى: وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ قال ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي: العبقري: الزرابي، وقال سعيد بن جبير:
هي عتاق الزرابي يعني: جيادها، وقال مجاهد: العبقري: الديباج، وسئل الحسن البصري عن قوله تعالى: وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ فقال: هي بسط أهل الجنة لا أبا لكم فاطلبوها، وعن الحسن رواية أنها المرافق، وقال زيد بن أسلم: العبقري أحمر وأصفر وأخضر، وسئل العلاء بن زيد عن العبقري فقال: العبقري: الطنافس المخملة إلى الرقة ما هي. وقال القيسي: كل ثوب موشى عند العرب عبقري، وقال أبو عبيدة: هو منسوب إلى أرض يعمل بها الوشي، وقال الخليل بن أحمد: كل شئ نفيس من الرجال وغير ذلك يسمى عند العرب عبقريا، ومنه قول النبي ﷺ في عمر: «فلم أر عبقريا يفري فريه» وعلى كل تقدير فصفة مرافق أهل الجنتين الأوليين أرفع وأعلى من هذه الصفة فإنه قد قال هناك: مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ فنعت بطائن فرشهم وسكت عن ظهائرها اكتفاء بما مدح به البطائن بطريق الأولى والأحرى، وتمام الخاتمة أنه قال بعد الصفات المتقدمة: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ فوصف أهلها بالإحسان وهو أعلى المراتب والنهايات، كما في حديث جبريل لما سأل عن الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان فهذه وجوه عديدة في تفضيل الجنتين الأوليين على هاتين الأخيرتين ونسأل الله الكريم الوهاب أن يجعلنا من أهل الأوليين).
١٧ - عند قوله تعالى: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ قال ابن كثير: (وقال الإمام أحمد ... عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «أجلوا الله يغفر لكم» وفي الحديث الآخر: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم،
стр. 5392
وذي السلطان، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه» وروى الحافظ أبو يعلى عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام» وكذا رواه الترمذي عن الحسن عن النبي ﷺ . وقد روى الإمام أحمد عن ربيعة ابن عامر قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألظوا بذي الجلال والإكرام» ورواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك به، قال الجوهري: ألظ فلان بفلان إذا لزمه، وقول ابن مسعود: ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام أي: الزموا، يقال الإلظاظ هو الإلحاح (قلت): وكلاهما قريب من الآخر والله أعلم وهو المداومة واللزوم والإلحاح. وفي صحيح مسلم والسنن الأربعة من حديث عبد الله بن الحارث عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سلم لا يقعد يعني بعد الصلاة إلا بقدر ما يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام»).
١٨ - ختم النسفي الكلام عن سورة الرحمن بقوله: (وكررت هذه الآية فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ* في هذه السورة إحدى وثلاثين مرة ذكر ثمانية منها عقب آيات فيها تعداد عجائب خلق الله وبدائع صنعه ومبدأ الخلق ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها على عدد أبواب جهنم، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلهما على عدد أبواب الجنة، وثمانية أخرى بعدها للجنتين اللتين دونهما، فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها فتحت له أبواب الجنة وأغلقت عنه أبواب جهنم نعوذ بالله منها والله أعلم).
كلمة أخيرة في سورة الرحمن:
١ - عرفتنا سورة الرحمن على الله ، وعلى نعمه، بما يهيج عندنا بواعث الشكر، ويستثير دوافع العبادة والتقوى في القلب، ولذلك صلاته بالمحور.
٢ - رأينا أن السور التي تفصل في محور من سورة البقرة تفصل فيه وفي ارتباطاته وامتداداته، ولقد جاء بعد آيتي المحور في سورة البقرة قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ* وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ فهذه الآيات جاءت بعد آيتي المحور، فهي من امتدادات المحور وارتباطاته، وقد ظهر أثر ذلك في السورة: الرَّحْمنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ فلذلك صلته بقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ
стр. 5393
مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا وقد بشرت السورة المتقين وأنذرت المجرمين.
ومن امتدادات المحور في سورة البقرة قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وقد ظهر أثر ذلك في السورة وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ ومن امتدادات المحور في سورة البقرة قوله تعالى: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ وقد ظهر أثر ذلك في السورة الرَّحْمنُ ....
٣ - وقد سارت السورة في سياقها الخاص فبدأت بذكر النشأة: الرَّحْمنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ ... ثم تحدثت عن النهاية الأولى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ثم تحدثت عن النهاية الكبرى إذ يستقر أهل النار في النار، وأهل الجنة في الجنة.
٤ - عرفنا من السورة أن أهل الجنة نوعان، فعرفنا بذلك أن هناك درجة عليا من العبادة والتقوى، استحق أهلها نوعا من الجنان، وأن هناك درجة دنيا من العبادة والتقوى استحق أهلها نوعا آخر من الجنان، وستأتي سورة الواقعة لتحدثنا عن السابقين، وعن أهل اليمين، وذلك من مظاهر التكامل بين سورتي الرحمن والواقعة.
٥ - ذكرت سورة الرحمن في خواتيمها ثلاثة أصناف من الناس: مجرمين، وسابقين، وأهل يمين، وتبدأ سورة الواقعة بذكر الأصناف الثلاثة: وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً ومن هنا ندرك قوة الارتباط ما بين نهاية سورة الرحمن وبداية سورة الواقعة.
***
стр. 5394
سورة الواقعة
وهي السورة السادسة والخمسون بحسب الرسم القرآني وهي السورة السادسة والأخيرة من المجموعة الأولى من قسم المفصل، وآياتها ست وسبعون آية وهي مكية
стр. 5395
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه
ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 5396
بين يدي سورة الواقعة:
قال الألوسي في تقديمه لسورة الواقعة: (هي وسورة الرحمن متواخية في أن في كل منهما وصف القيامة والجنة والنار، وقال في البحر: مناسبتها لما قبلها أنه تضمن العذاب للمجرمين والنعيم للمؤمنين، وفاضل سبحانه بين جنتي بعض المؤمنين وجنتي بعض آخر منهم فانقسم المكلفون بذلك إلى كافر ومؤمن فاضل ومؤمن مفضول؛ وعلى هذا جاء ابتداء هذه السورة من كونهم أصحاب ميمنة وأصحاب مشأمة وسابقين، وقال بعض الأجلة انظر إلى اتصال قوله تعالى: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ بقوله سبحانه:
فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ وأنه اقتصر في سورة الرحمن على ذكر انشقاق السماء، وفي سورة الواقعة على ذكر رج الأرض، فكأن السورتين لتلازمهما واتحادهما سورة واحدة، فذكر في كل شيئا، وقد عكس الترتيب فذكر في أول هذه ما في آخر تلك، وفي آخر هذه ما في أول تلك، فافتتح في سورة الرحمن بذكر القرآن، ثم ذكر الشمس والقمر، ثم ذكر النبات، ثم خلق الإنسان والجان، ثم صفة يوم القيامة، ثم صفة النار، ثم صفة الجنة، وهذه ابتداؤها بذكر القيامة، ثم صفة الجنة، ثم صفة النار؛ ثم خلق الإنسان، ثم النبات، ثم الماء، ثم النار، ثم ذكرت النجوم ولم تذكر في سورة الرحمن كما لم يذكر هنا الشمس والقمر، ثم ذكر الميزان فكانت هذه كالمقابلة لتلك
وكالمتضمنة لرد العجز على الصدر، وجاء في فضلها آثار).
وقدم ابن كثير لتفسير سورة الواقعة بقوله: (قال أبو إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله قد شبت قال: «شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت» رواه الترمذي وقال: حسن غريب، روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن مسعود بسنده ... عن أبي ظبية قال:
مرض عبد الله مرضه الذي توفي فيه فعاده عثمان بن عفان فقال: ما تشتكي؟ قال:
ذنوبي، قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي، قال: ألا آمر لك بطبيب؟ قال:
الطبيب أمرضني، قال: ألا آمر لك بعطاء؟ قال: لا حاجة لي فيه، قال: يكون لبناتك من بعدك، قال: أتخشى على بناتي الفقر؟ إني أمرت بناتي يقرأن كل ليلة سورة الواقعة؛ إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا» ثم قال ابن عساكر: كذا قال والصواب عن شجاع كما رواه عبد الله بن وهب عن السري. وقال عبد الله بن وهب أخبرني السري بن يحيى أن شجاعا حدثه عن أبي ظبية عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ
стр. 5397
سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا» فكان أبو ظبية لا يدعها وكذا رواه أبو يعلى.
ثم رواه عن إسحاق بن أبي إسرائيل ... عن أبي ظبية عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا» لم يذكر في مسنده شجاعا قال وقد أمرت بناتي أن يقرأنها كل ليلة. وقد رواه ابن عساكر أيضا من حديث حجاج ابن نصير ... عن أبي فاطمة قال: مرض عبد الله فأتاه عثمان بن عفان يعوده فذكر الحديث بطوله، قال عثمان بن اليمان: كان أبو فاطمة هذا مولى لعلي بن أبي طالب.
وروى أحمد ... عن سماك بن حرب أنه سمع جابر بن سمرة يقول: كان رسول الله ﷺ يصلي الصلوات كنحو من صلاتكم التي تصلون اليوم ولكنه كان يخفف، كانت صلاته أخف من صلاتكم، وكان يقرأ في الفجر بسورة الواقعة ونحوها من السور).
وقال صاحب الظلال في تقديمه لسورة الواقعة: (الواقعة ... اسم للسورة وبيان لموضوعها معا. فالقضية الأولى التي تعالجها هذه السورة المكية هي قضية النشأة الآخرة، ردا على قولة الشاكين فيها، المشركين بالله، المكذبين بالقرآن: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ؟ أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ؟.
ومن ثم تبدأ السورة بوصف القيامة. وصفها بصفتها التي تنهي كل قول، وتقطع كل شك، وتشعر بالجزم في هذا الأمر ... الواقعة ... إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ* لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ ... وتذكر من أحداث هذا اليوم ما يميزه عن كل يوم، حيث تتبدل أقدار الناس، وأوضاع الأرض، في ظل الهول الذي يبدل الأرض غير الأرض، كما يبدل القيم غير القيم سواء: خافِضَةٌ رافِعَةٌ* إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا* وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا* فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا* وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً ... الخ.
ثم تفصل السورة مصائر هذه الأزواج الثلاثة: السابقين وأصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة. وتصف ما يلقون من نعيم وعذاب وصفا مفصلا أو فى تفصيل، يوقع في الحس أن هذا أمر كائن واقع، لا مجال للشك فيه، وهذه أدق تفصيلاته معروضة للعيان. حتى يرى المكذبون رأي العين مصيرهم ومصير المؤمنين. وحتى يقال عنهم هنالك بعد وصف العذاب الأليم الذي هم فيه: إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ* وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ* وَكانُوا يَقُولُونَ: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ؟ أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ ... وكأن العذاب هو الحاضر، والدنيا هي الماضي الذي يذكر للترذيل والتقبيح. ترذيل حالهم في الدنيا وتقبيح ما كانوا عليه من تكذيب!
стр. 5398
وبهذا ينتهي الشوط الأول من السورة. ويبدأ شوط جديد يعالج قضية العقيدة كلها، متوخيا توكيد قضية البعث التي هي موضوع السورة الأول؛ بلمسات مؤثرة، يأخذ مادتها وموضوعها مما يقع تحت حس البشر، في حدود المشاهدات التي لا تخلو منها تجربة إنسان، أيا كانت بيئته، ودرجة معرفته وتجربته).
(كذلك يتناول هذا الشوط قضية القرآن الذي يحدثهم عن (الواقعة) فيشكون في وعيده. فيلوح بالقسم بمواقع النجوم، ويعظم من أمر هذا القسم لتوكيد أن هذا الكتاب هو قرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون، وأنه تنزيل من رب العالمين. ثم يواجههم في النهاية بمشهد الاحتضار. في لمسة عميقة مؤثرة. حين تبلغ الروح الحلقوم، ويقف صاحبها على حافة العالم الآخر؛ ويقف الجميع مكتوفي الأيدي عاجزين، لا يملكون له شيئا، ولا يدرون ما يجري حوله، ولا ما يجري في كيانه. ويخلص أمره كله لله، قبل أن يفارق هذه الحياة. ويرى هو طريقه المقبل، حين لا يملك أن يقول شيئا عما يرى ولا أن يشير!
ثم تختم السورة بتوكيد الخبر الصادق، وتسبيح الله الخالق: إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ* فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ. فيلتئم المطلع والختام أكمل التئام).
...
كلمة في سورة الواقعة ومحورها:
رأينا أن سورة الرحمن انتهت بالحديث عن الكافرين والمقربين وأهل اليمين، وتأتي سورة الواقعة لتبدأ بالحديث عن السابقين وأهل اليمين وأهل الشمال، ولتنتهي بالكلام عن ذلك، مختتمة بالأمر بالتسبيح فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ثم تأتي سورة الحديد وبدايتها سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وبذلك تظهر الصلة على أشدها ما بين نهاية السورة السابقة، وبداية السورة اللاحقة.
والصلة بين سورة الواقعة وسورة الرحمن في المكان الأعلى، فمن وسط سورة الرحمن إلى وسط سورة الواقعة يكاد يكون الكلام ذا مضمون واحد، ثم إن الكلام عن الكافرين والمقربين وأهل اليمين يبدأ بسورة الرحمن، بقوله تعالى: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ وتبدأ سورة الواقعة بقوله تعالى: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ مما يشعر أن سورة الواقعة
تكاد تكون استمرارا لسورة الرحمن ومكملة لمعانيها، فسورة الرحمن
стр. 5399
تذكر الإنس والجن بالخلق والنعمة، وتنكر عليهم تكذيبهم بآلاء الله، وتصل إلى الكلام عن أهل النار وأهل الجنان، مقسمة أهل الجنان إلى قسمين: سابقين، وأهل يمين، وتأتي سورة الواقعة لتبدأ بالكلام عن السابقين، وأهل اليمين وأهل الشمال ثم لتذكر الناس بالخلق والنعمة مقيمة الحجة عليهم بذلك، فالسورتان تتكاملان في تأدية معان متكاملة.
...
لنتذكر الآن المقطع الأول من القسم الأول من سورة البقرة، والذي قد جاء بعد مقدمتها. إنه يبدأ بدعوة الناس جميعا إلى عبادة الله، مذكرا إياهم بالخلق والنعمة يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وينتهي بقوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ إن المقطع الأول من القسم الأول من سورة البقرة ينتهي بما بدأ به من إقامة الحجة من خلال الخلق والنعمة. وبعد أن قسمت مقدمة سورة البقرة الناس إلى متقين وكافرين ومنافقين، فإن المقطع الأول من سورة البقرة جعل الكافرين ومنافقين صنفا واحدا: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ. وسورة الرحمن وسورة الواقعة تذكران أهل النار وتبينان أن أهل الجنة صنفان فههنا تفصيل جديد.
...
وإذا كان المقطع الأول من القسم الأول من سورة البقرة والذي أسميناه مقطع الطريقين تترابط معانيه، فإن سورتي الرحمن والواقعة تترابط معانيهما كذلك. وإذا كانت الآيتان الأوليان من المقطع الأول تشكلان المحور الأخص لسورة الرحمن، والآيات الخمس الأولى من المقطع تشكل المحور الأعم لسورة الرحمن فإن قوله تعالى:
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ إن هاتين الآيتين تشكلان المحور الأخص لسورة الواقعة، وهما مع
стр. 5400
الآيتين قبلهما إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ تشكل المحور الأعم لسورة الواقعة، مع ملاحظة ارتباط هذه الآيات مع ما قبلها.
...
وفي سورة البقرة تتكرر صيغة وَمِنَ النَّاسِ*.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ.
فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ* وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ* أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ....
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ.
وسورة الواقعة تفصل في أصناف الناس فتحصرهم في ثلاثة: مقربين، وأهل يمين، وأهل شمال، فهي تشد إلى محورها كل هذه الآيات لتفصل في ذلك كله.
...
قلنا إن محور سورة الواقعة الأخص هو قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ والملاحظ أن سورة الواقعة تفصل في شأن الرجوع إليه ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فيكون الربط بين ذلك وبين سورة الواقعة على الشكل التالي: فإذا رجعتم إليه بوقوع الساعة كان الأمر وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً وبعد وصف ما أعد للأصناف الثلاثة تبدأ إقامة الحجة نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ ... وإذا كانت سورة الواقعة تفصل في جزء من مقطع الطريقين، وإذ كانت المعاني في مقطع الطريقين مسوقة لصالح قضية العبادة، فإن الأمر فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ* في السورة يرد مرتين.
стр. 5401
إن الخلق والنعمة ومصير الإنسان، كل ذلك يقتضي من المكلف أن يعبد الله، ومن العبادة التسبيح، فالسورة تقرر وتقيم الحجة وتبني على ذلك.
...
وسترى صلة السورة بالمحور تفصيلا، فلا نطيل أكثر من ذلك هاهنا؛ لأن ذلك يقتضينا عرضا كاملا للسورة، ونحب هنا أن نتوسع في ذكر ظاهرة تحدثنا عنها أكثر من مرة لها علاقة بالاتجاه الذي اتجهنا إليه في هذا التفسير. نحن نلاحظ أن سورة الواقعة بدأت بقوله تعالى: إِذا ثم بعد سور كثيرة تأتي سورة المنافقون مبدوءة بقوله تعالى:
إِذا ثم بعد سور كثيرة تأتي سورتا التكوير والانفطار مبدوءتين بقوله تعالى: إِذَا* ثم بعد سورة تأتي سورة الانشقاق مبدوءة بقوله تعالى: إِذَا ثم بعد سور كثيرة تأتي سورة الزلزلة مبدوءة بقوله تعالى: إِذا ثم بعد سور تأتي سورة النصر مبدوءة ب إِذا، ونلاحظ في ما يأتي معنا من السور أن سورة الدهر مبدوءة بقوله تعالى: هَلْ أَتى ... ثم بعد سور كثيرة تأتي سورة الغاشية مبدوءة بقوله تعالى: هَلْ أَتاكَ .... ونلاحظ فيما يأتي أن سورة المطففين مبدوءة بقوله تعالى: وَيْلٌ ثم بعد سور كثيرة تأتي سورة الهمزة مبدوءة بقوله تعالى:
وَيْلٌ ونلاحظ من قبل أن سورتي البقرة وآل عمران بدأتا ب الم* ثم بعد سور كثيرة تأتي أربع سور متوالية مبدوءة ب الم* هي العنكبوت والروم ولقمان والم السجدة. ونلاحظ أن سورة الصافات بدأت بقسم، وسور الذاريات والطور والنجم بدأت بقسم، ثم بعد سور كثيرة تأتي سورة القيامة مبدوءة بقسم، ثم بعد سورة تأتي سورة المرسلات مبدوءة بقسم، ثم بعد سورة تأتي سورة النازعات مبدوءة بقسم، ثم بعد سور تأتي سورتان مبدوءتان بقسم هما البروج والطارق، ثم بعد سورتين تأتي خمس سور مبدوءة بقسم، ثم بعد سورة تأتي سورة (والتين) مبدوءة بقسم، ثم بعد سور تأتي سورة العاديات مبدوءة بقسم، ثم بعد سورتين تأتي سورة العصر مبدوءة بقسم، هذه الملاحظات حول تشابه بدايات السور القرآنية. ما تعليله وما تعليل أن تجد السورة الأولى في مجموعة تشبه بدايتها بداية السورة الأولى في مجموعة أخرى.
ما تعليل أن تأتي بعض البدايات مرة ثم تغيب لتظهر مرة أخرى، لا شك أن لذلك سرا، ولا شك أن له تعليلا.
ونحن في هذا التفسير حاولنا أن نكشف هذا السر، وأن نذكر ذلك التعليل فإذا
стр. 5402
أصبنا فمن الله، وإن أخطأنا فنرجوا أن يكون لنا أجر المجتهدين.
...
ولقد رأينا بدايات لسور متى وجدت كانت دليلا على أن السورة تفصل في مقام كذا من سورة البقرة، ورأينا بدايات متى وجدت تدلنا على أنها تفصل في مقام آخر من سورة البقرة، وهكذا وفي كل مرة كنا نقيم الدليل الواضح على ذلك، أليس في ذلك دليل على صحة السير فلله الحمد والمنة.
...
ومما رأيناه أنه حيث وجدت (الم) أو قسم في بداية سورة فذلك دليل على أن السورة تفصل في مقدمة سورة البقرة، وحيثما وجدت (يا أيها) في بداية سورة، ففي الغالب أن السورة تفصل في مقطع الطريقين من سورة البقرة، وهو الذي يأتي بعد مقدمة سورة البقرة مباشرة. المهم أننا قدمنا تعليلا لهذه الظاهرة في القرآن يقوم عليها دليل.
...
نقول هذا بمناسبة سورة الواقعة؛ لأنه لأول مرة في القرآن تأتي معنا سورة مبدوءة بقوله تعالى: إِذا ثم تظهر السور التي تأتي في مقدمتها إِذا* بين الحين والحين، حتى نهاية القرآن، ومبدئيا نقول: حيثما جاءت (إذا) في بداية سورة فإنها تفصل في الآيات الآتية بعد مقدمة سورة البقرة، تدلنا على ذلك المعاني المشتركة الموجودة في كل سورة بدايتها (إذا)، ومجيء هذه السور ضمن مجموعات كل سورة منها مسبوقة بما يفصل في مقدمة سورة البقرة أو في المقدمة، وفيما بعدها مباشرة، وهذا موضوع سنراه عند ما نتحدث عن كل سورة من هذه السور ومحورها، والآن نسجل ملاحظة حول هذه السور المبدوءة ب (إذا):
...
نلاحظ أن سور الواقعة، والتكوير، والانفطار، والانشقاق، والزلزلة- وكلها مبدوءة ب (إذا) - يشكل الكلام عن يوم القيامة نقطة بارزة فيها. ونلاحظ أن سورة النصر والواقعة مبدوءتان ب (إذا) وقد ورد فيهما الأمر بالتسبيح. من هذا التشابه بين معاني وبدايات هذه السور ندرك أن محورها واحد، وسنرى بالتفصيل محاور هذه
стр. 5403
السور، وسنرى أن محاور السور المبدوءة ب (إذا) لا تخرج عن حيز محور الطريقين الآتي بعد مقدمة سورة البقرة.
...
لقد لاحظنا من قبل أن سورة الحج التي تفصل في محور الآية الآتية بعد مقدمة سورة البقرة مباشرة أي: في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ قد بدأت بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ... ، ونلاحظ أن بداية سورة الحج قد هيجت على التقوى من خلال التذكير بيوم القيامة، ونحن سنرى أن كل سورة مبدوءة بإذا ستهيج على العبادة، والتقوى، والعمل الصالح، من خلال التذكير بيوم القيامة، أو التذكير بمعنى آخر مما سنراه.
...
تتألف سورة الواقعة من ثلاث مجموعات رئيسية واضحة التمايز والاتصال:
المجموعة الأولى: وتمتد من الآية (١) إلى نهاية الآية (٥٦).
المجموعة الثانية: وتمتد حتى نهاية الآية (٧٤).
المجموعة الثالثة: وتمتد حتى نهاية السورة أي: إلى نهاية الآية (٩٦).
المجموعة الأولى تتحدث عن أصناف الناس يوم القيامة. والمجموعة الثانية تقيم الحجة على الناس بمجيء يوم القيامة، وتبني على ذلك الأمر بالتسبيح. والمجموعة الثالثة تقيم الحجة على الناس بهذا القرآن وبأدلة أخرى على مجئ اليوم الآخر، وحال الناس فيه. وتبني على ذلك، كذلك الأمر بالتسبيح الذي هو عبادة وعمل صالح وتوحيد، ولكل ذلك صلته بمحور السورة من سورة البقرة كما سنرى. فلنبدأ عرض السورة.
***
стр. 5404
المجموعة الأولى
وتمتد من الآية (١) إلى نهاية الآية (٥٦) وهذه هي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١ الى ٥٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤)
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (٧) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩)
وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)
عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩)
وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (٢٥) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً (٢٦) وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)
وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)
إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (٣٦) عُرُباً أَتْراباً (٣٧) لِأَصْحابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩)
وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤)
إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩)
لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤)
فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)
стр. 5405
التفسير:
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ قال ابن كثير: الواقعة من أسماء يوم القيامة، سميت بذلك لتحقق كونها ووجودها. قال النسفي: (أي إذا قامت القيامة)
لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ أي: ليس لوقعتها نفس كاذبة، أي لا تكون حين تقع نفس تكذب على الله، وتكذب في تكذيب الغيب؛ لأن كل نفس حينئذ مؤمنة مصدقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات، سواء كانت نفوس منافقين أو كافرين
خافِضَةٌ رافِعَةٌ أي:
ترفع أقواما وتضع آخرين. قال ابن كثير: أي تخفض أقواما إلى أسفل سافلين إلى الجحيم، وإن كانوا في الدنيا أعزاء، وترفع آخرين إلى أعلى عليين، إلى النعيم المقيم، وإن كانوا في الدنيا وضعاء
إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا أي: حركت تحريكا شديدا حتى يتهدم كل شئ فوقها من جبل وبناء، أي زلزلت زلزالا
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا أي: وفتتت الجبال تفتيتا
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا أي: غبارا متفرقا. قال ابن كثير:
стр. 5406
وهذه الآية كأخواتها الدالة على زوال الجبال عن أماكنها يوم القيامة وذهابها وتسييرها ونسفها أي قلعها وصيرورتها كالعهن المنفوش
وَكُنْتُمْ أيها الناس أَزْواجاً أي: أصنافا ثَلاثَةً صنفان في الجنة، وصنف في النار،
ثم فسر الأزواج فقال:
فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهم الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ استفهام يفيد التعجيب من حالهم في السعادة، وتعظيم لشأنهم، كأنه قال: ما هم، وأي شئ هم؟
وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ أي: الذين يؤتون صحائفهم بشمائلهم ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ أي: أي شئ هم؟ وهو تعجيب من حالهم بالشقاء، ويحتمل أن يكون المراد بأصحاب اليمين أصحاب المنزلة السنية، وأن يكون المراد بأصحاب الشمال أصحاب المنزلة الدنية الخسيسة. قال النسفي: وقيل يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين، وبأهل النار ذات الشمال، وذلك بالنسبة للعرش كما سنرى في الفوائد
وَالسَّابِقُونَ إلى الخيرات السَّابِقُونَ إلى الجنات، ويحتمل أن تكون الثانية توكيدا للأولى
أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ عند الله
فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ أي: هم في جنات النعيم
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ قال ابن كثير: أي من صدر هذه الأمة
وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال ابن كثير: أي من هذه الأمة. قال النسفي: والثلة: الأمة من الناس الكثيرة. أقول: وهناك اتجاه رجحه ابن جرير وضعفه ابن كثير كما سنرى في الفوائد:
أن المراد بالأولين: الأمم من لدن آدم ﵇ إلى نبينا ﵊، وأن المراد بالآخرين أمة محمد ﷺ . قال ابن كثير: (وهذا الذي اختاره ابن جرير هاهنا فيه نظر، بل هو قول ضعيف؛ لأن هذه الأمة هي خير الأمم بنص القرآن، فيبعد أن يكون المقربون في غيرها أكثر منها، اللهم إلا أن يقابل مجموع الأمم بهذه الأمة، والظاهر أن المقربين من هؤلاء أكثر من سائر الأمم).
كلمة في السياق:
رأينا أن محور سورة الواقعة هو قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فالخطاب هنا للناس جميعا، ونلاحظ أن بداية سورة الواقعة خطاب للناس جميعا وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً فكأن السياق يقول:
(يا أيها الناس كيف تكفرون بالله ... ثم إليه ترجعون) إذ تكونون أصنافا ثلاثة، إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ* لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ* خافِضَةٌ رافِعَةٌ* إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا* وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا* فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا ثم يسير السياق بعد التفصيل في الأزواج الثلاثة ليقيم الحجة على الناس فيقول: نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ ثم يستقر
стр. 5407
السياق على الأمر الأول في السورة فَسَبِّحْ أيها المؤمن، أو أيها الإنسان بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ عبادة له وتنزيها له عن قول هؤلاء؛ لتتحقق بالتقوى فتكون من المقربين أو من أهل اليمين، فكما خاطب مقطع الطريقين الناس جميعا داعيا لهم للعبادة للوصول إلى التقوى، فسورة الواقعة تخاطب الناس جميعا لتبعثهم على العبادة من خلال عرض حال الناس يوم القيامة، ومن خلال إقامة الحجة على الناس، ومن خلال الدلالة على باب من أبواب العبادة الموصلة إلى التقوى، وسنرى هذا شيئا فشيئا، فلنر تفصيل ما أعد الله للأصناف الثلاثة، وقد ابتدأ الله بتفصيل ما للسابقين، مع أنه تعالى ذكرهم آخرا لأنهم الأفضل.
...
وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ* أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ* فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ* ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ* وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ ثم قال تعالى:
عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ قال النسفي: (أي: مرمولة ومنسوجة بالذهب مشبكة بالدر والياقوت) والوضن في الأصل: نسج الدرع، ثم استعير للنسيج، أو لنسيج محكم مخصوص، ومن ثم فسر المفسرون الآية بما ذكر مستأنسين ببعض الآثار
مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ قال النسفي: (أي ينظر بعضهم في وجوه بعض، ولا ينظر بعضهم في أقفاء بعض) وصفوا بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق وصفاء المودة
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ أي: للخدمة وِلْدانٌ أي: غلمان مُخَلَّدُونَ أي:
مبقون أبدا على شكل الولدان، لا يتحولون عنه. قال ابن كثير: أي مخلدون على صفة واحدة لا يكبرون عنها، ولا يشبون ولا يتغيرون. قال النسفي: (قيل هم أولاد أهل الدنيا لم تكن لهم حسنات فيثابوا عليها، ولا سيئات فيعاقبوا عليها، وفي الحديث أولاد الكفار خدام أهل الجنة)
ثم ذكر الله تعالى بم يطوف هؤلاء الغلمان على أهل الجنة فقال: بِأَكْوابٍ وهي الكيزان التي لا خراطيم لها ولا آذان وَأَبارِيقَ وهي الآنية التي لها خرطوم وعروة وَكَأْسٍ وهو القدح الذي فيه الشراب، أما إذا لم يكن فيه شراب فلا يسمى كأسا مِنْ مَعِينٍ أي: من خمر تجري من العيون.
قال ابن كثير: والجميع من خمر من عين جارية معين، وليس من أوعية تنقطع وتفرغ بل من عيون سارحة
لا يُصَدَّعُونَ عَنْها أي: عن هذه الخمر، أي بسببها، أي
стр. 5408
لا يصدر صداعهم عنها، ويحتمل أن يكون المراد: لا يفرقون عنها وَلا يُنْزِفُونَ قال النسفي: أي لا ينفد شرابهم، يقال أنزف القوم إذا فني شرابهم. وقال ابن كثير:
(أي لا تصدع رءوسهم ولا تنزف عقولهم بل هي ثابتة مع الشدة المطربة واللذة الحاصلة، وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال: في الخمر أربع خصال: السكر والصداع والقئ والبول، فذكر الله تعالى خمر الجنة ونزهها عن هذه الخصال)
وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ قال ابن كثير: أي ويطوفون عليهم بما يتخيرون من الثمار
وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ أي: ويطوفون عليهم بلحم طير مما يتمنون
وَحُورٌ عِينٌ أي: وللسابقين المقربين حور عين، والحور: جمع حوراء، والعين: جمع عيناء، ويحتمل أن يكون التقدير: وفي الجنة حور عين
كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ في الصفاء والنقاء الْمَكْنُونِ أي: المصون، وقال الزجاج: (أي) كأمثال الدر حين يخرج من صدفه لم يغيره الزمان واختلاف أحوال الاستعمال
جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ قال ابن كثير: أي هذا الذي أتحفناهم به مجازاة لهم على ما أحسنوا من العمل
لا يَسْمَعُونَ فِيها أي: في الجنة لَغْواً أي: باطلا وَلا تَأْثِيماً أي:
هذيانا
إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً أي: إلا قولا ذا سلامة أو المعنى: إلا أن يقولوا سلاما سلاما، والمعنى: إنهم يفشون السلام بينهم فيسلمون سلاما بعد سلام، فالجنة من تتمة كمالاتها أن الناس فيها منزهون عن كل كلام لا يليق.
كلمة في السياق:
جاء محور سورة الواقعة في سياق قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... ثم في سياق قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ وقد رأينا في سورة الواقعة ما أعده الله للسابقين، ومن ذلك الجنات والثمرات والأزواج، ورأينا أن ذلك كان جزاء على أعمالهم جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وهكذا نجد أن سورة الواقعة مع أنها تفصل في محورها- إذ تفصل في حال الناس عند الرجوع إلى الله- فهي تفصل في محورها ضمن سياقه من مقطعه، فالمقطع أمر بالعبادة والتقوى والتوحيد، وذلك كله إيمان وعمل صالح، والمقطع أنذر الكافرين بالنار، وبشر المؤمنين بالجنات، وسورة الواقعة تفصل في أقسام الناس يوم القيامة، فتفصل في حال المؤمنين والكافرين، وتبشر
стр. 5409
المؤمنين وتنذر الكافرين وتقيم الحجة عليهم، وتوجه المؤمنين في طريق العبادة، فهي تفصل في محورها ضمن سياقه في مقطعه، وسنرى شيئا فشيئا أثناء عرض السورة دقة التفصيل وإبداعه، فلنكمل عرض السورة: فبعد أن عرض الله ما أعده للسابقين يحدثنا عن أهل اليمين وما أعده لهم، قال ابن كثير: لما ذكر تعالى مآل السابقين وهم المقربون عطف عليهم بذكر أصحاب اليمين وهم الأبرار.
...
وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ استفهام يفيد التعجيب من حالهم في السعادة، وتعظيم لشأنهم. كأنه قال: ما هم؟ وأي شئ هم؟
فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ أي: لا شوك له، وسدر الدنيا: هو شجر النبق، وهو كثير الشوك قليل الثمر. قال ابن كثير: (وفي الآخرة على العكس من هذا لا شوك فيه، وفيه الثمر الكثير الذي قد أثقل أصله) وسنرى في الأحاديث التي سنذكرها في الفوائد مواصفات سدر الجنة
وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ قال النسفي: (الطلح: شجر الموز) وفسر مجاهد المنضود:
بالمتراكم الثمر.
وَظِلٍّ مَمْدُودٍ قال النسفي: (أي ممتد منبسط كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس) وقال ابن كثير: (وقال ابن مسعود: الجنة سجسج كما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس) وسنرى في الفوائد تفصيلا
وَماءٍ مَسْكُوبٍ أي: جار بلا حد ولا خد. قال ابن كثير: قال الثوري: أي يجري على الأرض في غير أخدود
وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ أي: كثيرة الأجناس
لا مَقْطُوعَةٍ أي: لا تنقطع في بعض الأوقات كفواكه الدنيا بل هي دائمة وَلا مَمْنُوعَةٍ أي: لا تمنع عن متناولها بوجه. قال النسفي: وقيل لا مقطوعة بالأزمان ولا ممنوعة بالأثمان. قال ابن كثير:
أي وعندهم من الفواكه الكثيرة المتنوعة في الألوان مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، كما قال تعالى: كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً أي: يشبه الشكل الشكل ولكن الطعم غير الطعم
وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ أي: رفيعة القدر أو نضدت حتى ارتفعت، أو مرفوعة على الأسرة، وقيل: هي النساء؛ لأن المرأة يكنى عنها بالفراش، ويدل عليه قوله:
إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً أي: ابتدأنا خلقهن ابتداء من غير ولادة، فإما أن يراد اللاتي ابتدئ إنشاؤهن أو اللاتي أعيد إنشاؤهن
فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً قال النسفي: أي عذارى كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا
عُرُباً العرب: جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها، الحسنة التبعل أَتْراباً أي: مستويات في السن بنات ثلاث
стр. 5410
وثلاثين وأزواجهن كذلك
لِأَصْحابِ الْيَمِينِ أي: أنشأناهن كذلك لأصحاب اليمين
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ أي: جماعة كثيرة من الأولين يكونون من أصحاب اليمين
وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ أي: وجماعة كثيرة من الآخرين يكونون من أصحاب اليمين، وقد مر معنا الخلاف في المراد بالأولين والآخرين، هل هما في هذه الأمة فقط، أو المراد بذلك عامة البشرية؟.
كلمة في السياق:
يلاحظ أنه في مقطع المحور قد جاء قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ يلاحظ في هذه الآية أن الحديث عن الفواكه قد جاء بعده الكلام عن الأزواج.
ونلاحظ أثناء الكلام عن السابقين وأهل اليمين، أن الكلام عن الفواكه جاء قبل الكلام عن الأزواج، فالسورة هنا مع أنها تفصل في محورها الذي ذكرناه أي في الرجوع إلى الله فإنها تفصل في محل هذا المحور من سياق مقطعه، ولنستمر في عرض السورة، فبعد أن ذكر الله تعالى حال أصحاب اليمين عطف عليهم بذكر أصحاب الشمال فقال:
...
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ أي: أي شئ هم فيه أصحاب الشمال؟
ثم فسر ذلك فقال: فِي سَمُومٍ قال النسفي: (أي في حر نار ينفذ في المسام) وَحَمِيمٍ أي: وماؤها متناه في حرارته، ولنتذكر ما مر معنا في سورة الرحمن يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ
وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ أي: من دخان أسود
لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ قال ابن كثير: أي ليس طيب الهبوب ولا حسن المنظر. قال النسفي: (سماه ظلا ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه من يأوي إليه من أذى الحر، والمعنى: أنه ظل حار ضار)
ثم علل الله لسبب هذا العذاب فقال: إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ أي: في الدنيا مُتْرَفِينَ أي: منعمين، فمنعهم ذلك من الانزجار وشغلهم عن الاعتبار. قال ابن كثير: (أي كانوا في الدار الدنيا منعمين مقبلين على لذات أنفسهم لا يلوون على ما جاءتهم به الرسل)
وَكانُوا يُصِرُّونَ أي: يداومون ويقيمون ولا ينوون توبة عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ أي على الذنب العظيم، أو على الشرك؛ لأنه نقض عهد الميثاق، والحنث نقض العهد المؤكد باليمين،
стр. 5411
قال ابن كثير في تفسير الحنث العظيم: وهو الكفر بالله، وجعل الأوثان والأنداد أربابا من دون الله
وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ* أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ يعني: إنهم يقولون ذلك مكذبين به، مستبعدين لوقوعه
قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ أي: إلى ما وقتت به الدنيا من يوم معلوم. قال ابن كثير: أي أخبرهم يا محمد أن الأولين والآخرين من بني آدم سيجمعون إلى عرصات القيامة لا يغادر منهم أحد ... بوقت محدود لا يتقدم ولا يتأخر ولا يزيد ولا ينقص
ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ عن الهدى الْمُكَذِّبُونَ بالوحي والبعث
لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ* فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ* فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ أي: من الشراب البالغ الغاية في الحرارة
فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ أي:
الإبل المصابة بمرض العطاش، تشرب فلا تروى. قال النسفي: والمعنى أنه يسلط عليهم من العطش ما يضطرهم إلى شرب الحميم الذي يقطع أمعاءهم فيشربون شرب الهيم
هذا نُزُلُهُمْ أي: هذا الذي وصفنا هو ضيافتهم عند ربهم يَوْمَ الدِّينِ أي: يوم الجزاء وبهذا انتهت المجموعة الأولى من السورة.
كلمة في السياق:
شرحت المجموعة السابقة حال الناس يوم القيامة، وكان آخر الكلام فيها عن حال أصحاب الشمال الذين كانوا مترفين في الدنيا، مشركين منكرين للبعث ضالين مكذبين، وما لهم من عذاب في الآخرة، ثم تأتي المجموعة الثانية لتناقش هؤلاء بمقدمة وأربع حجج، ثم تنتهي المجموعة آمرة رسول الله ﷺ أن ينزه اسم الله العظيم عما يقولونه، فالمجموعة تقيم الحجة على هذا الصنف، وتنتهي بالأمر بتنزيه الله، مما يفيد أن ما هم عليه يتنافى مع تنزيه الله ، وقبل أن نبدأ عرض المجموعة الثانية نحب أن نقف وقفة: جاء قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ جاءت هذه الآية بعد قوله تعالى:
وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وقد رأينا الأسباب التي أدت إلى استحقاق أهل النار النار: إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ* وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ* وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ* ... ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ ... فالضلال والتكذيب باليوم الآخر، ونقض العهد والترف، هي أسباب دخول هؤلاء النار، لاحظ صلة ذلك
стр. 5412
بقوله تعالى: وَما يُضِلُّ بِهِ ... الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مع صلته بالكفر بالله، والكفر بالرجوع إليه. إن سورة الواقعة تفصل في محورها وفي ارتباطات هذا المحور في مقطعه، وأكثر ما يظهر فيه ذلك هو آيات المجموعة الثانية التي تناقش هؤلاء المكذبين، فإنه يجتمع فيها تفصيلها للمحور بشكل واضح: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ومع ربطها لهذا المحور في سياقه في المقطع يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فلنر المجموعة الثانية.
*** المجموعة الثانية
وتمتد من الآية (٥٧) حتى نهاية الآية (٧٤) وهذه هي:
[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٥٧ الى ٧٤]
نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١)
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦)
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١)
أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)
стр. 5413
التفسير:
نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ أي: فهلا تصدقون. قال النسفي: تحضيض على التصديق إما بالخلق؛ لأنهم وإن كانوا مصدقين به إلا أنه لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق، فكأنهم مكذبون به. أقول: الملاحدة في عصرنا يكذبون أن يكون الله هو الخالق، أو المعنى نحن خلقناكم فلولا تصدقون بالبعث؛ لأن من خلق أولا لم يمتنع عليه أن يخلق ثانيا. قال ابن كثير في الآية: يقول تعالى مقررا للمعاد، ورادا على المكذبين به من أهل الزيغ والإلحاد من الذين قالوا: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ وقولهم ذلك صدر منهم على وجه التكذيب والاستبعاد فقال تعالى: نَحْنُ خَلَقْناكُمْ أي: نحن ابتدأنا خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، أفليس الذي قدر على البداءة بقادر على الإعادة بطريق الأولى والأخرى؟ ولهذا قال:
فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ أي: فهلا تصدقون بالبعث، ثم قال تعالى مستدلا عليهم بقوله:
أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ ... أقول: تأتي أربع حجج، كل حجة مبدوءة بقوله تعالى:
أَفَرَأَيْتُمْ* وكلها استدلال عليهم وإقامة حجة.
...
كلمة في السياق:
لعل سياق السورة الخاص قد وضح من خلال العرض، السورة بدأت بذكر القيامة ومآل الناس فيه، وذكرت الأسباب التي أدت إلى استحقاق أهل النار النار، ثم بدأت تناقشهم في مجموعتها الثانية، ثم هي تقيم عليهم الحجة في مجموعتها الثالثة، وكان من إقامة الحجة عليهم في مجموعتها الثالثة أن ذكرت الموت لتصل إلى حال الناس بعد الموت فيما إذا كانوا مقربين، أو أهل يمين، أو كافرين، فإذا اتضح سياق السورة الخاص فلنلاحظ: ختمت السورة بالكلام عن أحوال الناس بعد الموت، وبدأت بالكلام عن أحوال الناس يوم القيامة، لاحظ صلة ذلك بالمحور كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وفي المجموعة الثانية
стр. 5414
التي سنستعرضها الآن كلام عن خلق الإنسان، وما أنعم عليه، لتقام الحجة على الكافرين من خلال ذلك، لاحظ صلة ذلك بقوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ. هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وقد رأينا مقدمة المجموعة الثانية نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ.
الحجة الأولى:
أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ أي: ما تمنونه، أي ما تقذفونه في الأرحام من النطف
أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ أأنتم تخلقونه من الغذاء، أم نحن نخلقه من ذلك، أو المعنى: أأنتم تقرونه في الأرحام، وتخلقونه فيها، وتقدرونه وتصورونه وتجعلونه بشرا سويا، أم الله الخالق لذلك، فإذ لم يكونوا هم الخالقين، لم يبق إلا أن يكون الله هو الخالق، أما أن تكون المصادفة هي الفاعلة، فذلك لا يقوله عاقل يعرف حدود نظرية الاحتمالات رياضيا، لاحظ صلة النص بقوله تعالى في المحور: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثم لاحظ صلة ما يأتي بقوله تعالى في المحور ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ تقديرا وقسمناه عليكم قسمة الأرزاق على اختلاف وتفاوت، كما تقتضيه مشيئتنا فاختلفت أعماركم من قصير وطويل ومتوسط وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ أي: وما نحن بعاجزين
عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ قال ابن كثير: أي نغير خلقكم يوم القيامة وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ قال ابن كثير: أي من الصفات والأحوال. قال النسفي: (يعني أنا نقدر على الأمرين جميعا على خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم فكيف نعجز عن إعادتكم)
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى أي: قد علمتم أن الله أنشأكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، فخلقكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ أن من قدر على شئ مرة لم يمتنع عليه ثانيا. قال ابن كثير: (أي فهلا تتذكرون وتعرفون أن الذي قدر على هذه النشأة- وهي البداءة- قادر على النشأة الأخرى وهي الإعادة بطريق الأولى والأحرى).
أقول: بإجماع الدارسين لظاهرة الحياة، وبإجماع علماء المستحاثات فإن الحياة على الأرض بدأت قبل الإنسان، وإذن فقد كانت حياة ولا إنسان، ويمكن بالنسبة لقدرة الله أن تكون مرة ثانية حياة ولا إنسان، وعلى ضوء ذلك فإن الآيات يمكن أن تفهم فهما جديدا وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ فنهلككم ولا يكون بشر وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ بحيث تكون مخلوقات أخرى من ذراتكم نفسها وَلَقَدْ
стр. 5415
عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى حيث كانت مخلوقات ولم تكونوا فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ قدرة الله على إبادتكم كما لم تكونوا، فترجعون إلى الله وتؤمنون وتعبدون وتستعدون لليوم الآخر، ولم أجد هذا الاتجاه فيما قرأته من تفاسير، ولذلك فإنني أذكره كاحتمال من احتمالات الفهم مع ترجيحي لما ذكره ابن كثير، وهكذا أقام الله الحجة على الكافرين بالله واليوم الآخر من خلال ظاهرة الإحياء والإماتة، واستمرار ظاهرة الحياة وقدرة الله على تغيير خلق الإنسان كما شاء، وكما أقام الله الحجة على مجئ اليوم الآخر. أقام الحجة على أنه هو الخالق.
كلمة في السياق:
إن الصلة واضحة بين الآيات التي مرت وبين قوله تعالى في المحور: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وسنرى أن الصلة واضحة أيضا بين آيات الحجج الثلاث القادمة وبين الآية الثانية في المحور هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
الحجة الثانية:
أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أي: ما تحرثونه من الأرض بإثارتها وإلقاء البذار فيها
أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ قال ابن كثير: أي تنبتونه في الأرض، وقال النسفي: (أي تنبتونه وتروونه نباتا) أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ أي: المنبتون؟ بل الله هو الذي يقر قراره وينبته في الأرض
لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً أي: هشيما متكسرا قبل إدراكه، قال ابن كثير: أي نحن أنبتناه بلطفنا ورحمتنا، وأبقيناه لكم رحمة بكم، ولو نشاء لجعلناه حطاما، أي: لأيبسناه قبل استوائه واستحصاده فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ قال النسفي:
(أي تتعجبون أو تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم عليه، أو على ما اقترفتم من المعاصي التي أصبتم بذلك من أجلها)
قال ابن كثير: (ثم فسر ذلك (أي: تفكههم) بقوله:
إِنَّا لَمُغْرَمُونَ أي: تقولون إنا لملزمون غرامة ما أنفقنا، أو مهلكون لهلاك رزقنا). أقول: جرت عادة قساة القلوب أنهم إذا أصابتهم مصيبة، وذهبت عنهم الصدمة الأولى، أن يتحدثوا عن مصيبتهم بروح النكتة والفكاهة، وعلى هذا يمكن أن تفهم الآيات بأن هؤلاء يتفكهون بذكر ما أصابهم، ويمكن أن يكون المراد بالتفكه التحسر والتفجع، قال الكسائي: تفكه من الأضداد، تقول العرب: تفكهت بمعنى:
стр. 5416
تنعمت، وتفكهت بمعنى: حزنت
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أي: لا حظ لنا. ولو كنا مجدودين لما جرى علينا هذا، أقام الله الحجة على أنه الخالق بظاهرة الإنبات إتمامها وإنقاصها، ومتى ثبت أنه الخالق فقد قامت الحجة على المستبعدين لليوم الآخر، المكذبين بالله ورسله، الذين لا يعبدون ولا يتقون.
كلمة في السياق:
إن دقة التصوير لحال من أصيبت أرضه بحيث تسع تصرفات الناس من خلال استعمال لفظة (تفكهون) التي تفيد أكثر من معنى، وكل معنى يمكن أن يمثل حال فريق من
الناس، لمظهر من مظاهر الإعجاز، ولكن الإعجاز الأكبر يتمثل في إقامة الحجة على الكافرين، فهذا الكافر الذي لا يملك من أمر أصل الإنبات شيئا، والذي لا يملك إذا أصابته الجائحة إلا أن يتحسر ويتفجع. كيف لا يسلم بأن الله هو الخالق وهو الرازق، ويبني على ذلك أن يعبد الله. لاحظ صلة ذلك كله بقوله تعالى:
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فالآيات فيها تفصيل للنعمة وإقامة حجة على الكفر، ولها صلة في محل المحور من مقطعه الذي بدأ بآية فيها: فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وفي ذلك إعجاز أي إعجاز.
الحجة الثالثة:
أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ العذب الصالح للشرب
أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أي: السحب أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ بقدرتنا
لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً أي: ملحا أو مرا لا يقدر على شربه، وذلك بأن يجعل تبخر الملح كتبخر الماء من البحر مثلا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ أي: فهلا تشكرونه فتعبدونه وتتقونه وتوحدونه، أقام الدليل على أنه الخالق بظاهرة الحكمة من خلال عرض ظاهرة التبخر والمطر والدورة المائية على الأرض ولذلك صلاته بقوله تعالى في المحور: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً.
الحجة الرابعة:
أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أي: تشعلون أو تقدحون
أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها التي تعطيكم النار، ومن المعلوم أن البترول أصله شجر على ما تقوله أحدث
стр. 5417
النظريات، فمرجع أكثر النار في العالم إلى الشجر أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ أي: أأنتم الخالقون للشجر ابتداء، أم نحن الخالقون لها ابتداء
نَحْنُ جَعَلْناها أي: النار تَذْكِرَةً أي: تذكيرا بنار جهنم حيث علقنا بها أسباب المعاش، وعممنا بالحاجة إليها البلوى، لتكون حاضرة للناس ينظرون إليها ويذكرون ما أو عدوا به وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ أي: ومنفعة للمسافرين النازلين في القفر، أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام، وقال مجاهد: (أي للحاضر والمسافر لكل طعام لا يصلحه إلا النار، وقال مجاهد: يعني المستمتعين من الناس أجمعين) قال ابن كثير: (وهذا التفسير أعم من غيره؛ فإن الحاضر والبادي من غني وفقير الجميع محتاجون إليها للطبخ والاصطلاء والإضاءة، وغير ذلك من المنافع ... ) أقول: هي متاع للخلق أجمعين، ولكن المتاع في حق المسافرين أظهر عند ما يجتاحهم البرد، وبهذا أقام الله حجة رابعة على أنه هو الخالق بإنشائه الشجر الذي هو أصل لمعظم النار في العالم،
ثم ختم الله تعالى هذه المجموعة بقوله: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ أي فنزه ربك عما لا يليق به- أيها المستمع المستدل- عن جحود الجاحدين قياما بحق ربوبيته، وتمجيدا له على إنعامه، رتب التسبيح على ما عدد من بدائع صنعه، وودائع نعمه، وعوائد إحسانه، قال النسفي: (بدأ بذكر خلق الإنسان فقال: أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ لأن النعمة فيه سابقة على جميع النعم ثم بما فيه قوامه وهو الحب فقال: أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ثم بما يعجن به ويشرب عليه وهو الماء، ثم بما يخبز به وهو النار، فحصول الطعام بمجموع الثلاثة، ولا يستغني عنه الجسد ما دام حيا). أقول: ثم رتب على ذلك أن أمر بالتسبيح. لاحظ صلة ذلك بمحور السورة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ... هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً.
كلمة في السياق:
١ - نلاحظ أن محور السورة جاء في سياق قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ والملاحظ أنه بنى في هاتين الآيتين على كونه الخالق ضرورة عبادته وتقواه ووجوب توحيده، والملاحظ في المجموعة التي مرت معنا أنه قد ذكر فيها أنه الخالق، وبنى على ذلك وجوب الإيمان فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ ووجوب الشكر
стр. 5418
فَلَوْلا تَشْكُرُونَ والشكر ذروة التقوى، قال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وبنى على كونه الخالق وجوب تنزيهه، وبنى على كونه الخالق أن مواقف الكافرين المكذبين باطلة في الآيتين اللتين بدأت بهما المجموعة: فبنى على كونه الخالق وجوب العبادة والتقوى، وهاهنا أبطل بكونه الخالق حجج ومواقف من لا يعبده ولا يتقيه ولا يوحده.
٢ - مما مر ندرك أن المجموعة الثانية تضئ على ما قبلها، فتبين سلامة سير المقربين، وسلامة سير أهل اليمين، وبطلان سير أهل الشمال بمعنى: أن المقربين وأهل اليمين هم الذين بنوا البناء الصحيح على ما يقتضيه كون الله هو الخالق.
٣ - من الواضح أن سياق السورة الخاص شديد الترابط والاتصال، فالسورة بدأت بالحديث عن وقوع يوم القيامة وأقسام الناس فيه، ثم جاءت المجموعة الثانية، فأقامت الحجة على فساد مواقف أهل الشمال في الدنيا، وعلى سلامة سير المقربين وأهل اليمين، والآن تأتي المجموعة الثالثة والأخيرة فتقيم حجة، وتذكر، وتعود للحديث عن أقسام الناس عند الله: مقربين، وأهل يمين، وأهل شمال
المجموعة الثالثة
وتمتد من الآية (٧٥) إلى نهاية السورة وهذه هي:
[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٧٥ الى ٩٦]
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤)
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩)
وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)
إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)
стр. 5419
ملاحظة:
ختمت المجموعة الثانية بقوله تعالى: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ وختمت المجموعة الثالثة بالأمر نفسه فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ مما كان دليلا لنا في معرفة مجموعات السورة، إضافة إلى المعاني، وكنا ذكرنا من قبل أن دليلنا إلى معرفة المقاطع والفقرات والمجموعات داخل السورة الواحدة هو المعاني أولا، وبعض المعالم التي يستأنس بها، وقل مثل ذلك بالنسبة لأقسام القرآن عامة، وللمجموعات في كل قسم.
التفسير:
فَلا أُقْسِمُ أي: فأقسم بِمَواقِعِ النُّجُومِ أي: منازلها من هذا الفضاء الواسع
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ولا يعلم عظمته إلا من عرف سعة هذا الكون وكثرة نجومه ومجراته، وهي مع كثرتها فإنه يستحيل في منطق الأسباب أن يصطدم نجم بنجم، ولنا في الفوائد كلام عن هذا. قال ابن كثير: (أي وإن هذا القسم الذي أقسمت به لقسم عظيم، لو تعلمون عظمته لعظمتم المقسم به عليه)
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ أي: حسن مرضي، أو نفاع جم المنافع، أو كريم على الله، دلل بالقسم الذي هو في بابه معجزة- لأن الناس قديما ما كانوا يعرفون عن موضوع مواقع النجوم وعظمته ما يعرفه الناس الآن، مما يدل على أن هذا القرآن من عند الله- دلل بهذا القسم على أن هذا القرآن كريم، وأنه من عند الله وحده، وأنه
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ أي: محفوظ، وهو اللوح المحفوظ، والمكنون هو المصون عن أن يأتيه الباطل، أو المحفوظ عن غير الملائكة المقربين فلا يطلع عليه من سواهم
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ قال ابن عباس: يعني الملائكة، وقال ابن زيد: زعمت كفار قريش
стр. 5420
أن هذا القرآن تنزلت به الشياطين، فأخبر الله تعالى أنه لا يمسه إلا المطهرون
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ قال النسفي: صفة رابعة للقرآن. قال ابن كثير: أي هذا القرآن منزل من الله رب العالمين، وليس هو كما يقولون: إنه سحر أو كهانة أو شعر، بل هو الحق الذي لا مرية فيه، وليس وراءه حق نافع
أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أي: القرآن أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ قال النسفي: أي متهاونون به كمن يدهن في بعض الأمر، أي يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاونا به، وقال ابن عباس: أي مكذبون غير مصدقين
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ أي: وتجعلون شكر رزقكم التكذيب، أي وضعتم التكذيب موضع الشكر.
كلمة في السياق:
١ - نلاحظ أنه في مقطع المحور يأتي قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ونلاحظ هنا أن المجموعة الثالثة بدأت بالتأكيد على أن هذا القرآن من عند الله، ودللت على ذلك بذكر قسم هو في بابه معجزة تدلل على أن هذا القرآن من عند الله، وأنكرت على من يكذب بهذا القرآن، لاحظ الصلة بين قوله تعالى في مقطع المحور: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا وبين قوله تعالى هنا: أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ.
٢ - وكما أنكر الله على من يكذب بهذا القرآن، أنكر على من لا يؤدي شكر رزقه بعبادته، بل يقابل ذلك بالتكذيب. ولنتذكر أنه ورد في الآيتين الأوليين من مقطع المحور قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ لاحظ الصلة بين قوله تعالى في مقطع المحور:
رِزْقاً لَكُمْ وبين قوله تعالى هنا: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ وهكذا نجد بوضوح كيف أن الآيات كما تصل إلى محورها بسبب، فإنها تصل إلى محل محورها في مقطعه بسبب، فتصل بين المحور وسياقه في مقطع الطريقين من سورة البقرة يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا ...
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ، وهكذا تستخرج الآيات الشكر بدل الكفر. فبعد ذكر الخلق والإنعام في المجموعة الثانية، يأتي التذكير بالقرآن الذي يدل على طريق الشكر
стр. 5421
لنجد أنفسنا أمام قوله تعالى: أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ* وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ فلا بالقرآن عملتم، ولا بحق الرزق عليكم قمتم، فاجتمع لكم تكذيبان وكفران، وذلك كله يؤكد أن السورة تفصل في محورها ضمن سياقه: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وهذا مظهر واضح لما ذكرناه من أن السور التي تفصل في محور من سورة البقرة، تفصل في هذا المحور وارتباطاته وامتدادات معانيه. ولنتابع عرض المجموعة الثالثة.
...
فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ النفس- أي: الروح- عند الموت الْحُلْقُومَ أي:
ممر الطعام والشراب. قال ابن كثير: أي الحلق وذلك حين الاحتضار
وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ أي: إلى المحتضر وما يكابده من سكرات الموت
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ قال ابن كثير: أي بملائكتنا وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ قال ابن كثير: أي ولكن لا ترونهم
فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ قال النسفي: أي مربوبين، وقال ابن عباس: أي محاسبين
تَرْجِعُونَها أي: تردون النفس- وهي الروح- إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنكم غير مربوبين، وغير مقهورين محاسبين. قال النسفي: والمعنى: (إنكم في جحودكم آيات الله في كل شئ، إن أنزل عليكم كتابا معجزا قلتم سحر وافتراء، وإن أرسل إليكم رسولا صادقا قلتم ساحر كذاب، وإن رزقكم مطرا يحييكم به قلتم صدق نوء كذا، على مذهب يؤدي إلى الإهمال والتعطيل، فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن بعد بلوغه الحلقوم، إن لم يكن ثمة قابض، وكنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المميت المبدئ المعيد).
كلمة في السياق:
قلنا: إن محور السورة هو: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وقد تحدثت المجموعة الأولى في السورة عن الرجوع، وتحدثت المجموعة الثانية عن الإحياء الأول، وها نحن نرى المجموعة الثالثة تتحدث عن الموت، ولذلك صلته بقوله تعالى: ثُمَّ يُمِيتُكُمْ* ثم إن المجموعة تنقلنا مرة ثانية إلى الرجوع: ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
стр. 5422
ولنتابع عرض المجموعة الثالثة: لقد أقام الله الحجة على المكذبين بإثبات عجزهم عن رد الروح إلى الجسد، فإذا كان عجزهم عن إرجاع الروح واضحا، فقد ثبت الحساب والعقاب والدينونة، ومن ثم فالله يحدثنا عما سيئول إليه حال هذا الميت، وهو تلخيص لما ذكر في أول السورة- إذا كان المراد بما يأتي حالهم يوم القيامة- وهناك من ذهب إلى أن الآيات التالية في البرزخ، فتكون هذه في البرزخ وتلك في يوم القيامة
فَأَمَّا إِنْ كانَ أي: المتوفى مِنَ الْمُقَرَّبِينَ أي: من السابقين الذين ذكروا في أول السورة
فَرَوْحٌ أي: فله استراحة وَرَيْحانٌ أي: ورزق وَجَنَّةُ نَعِيمٍ مع الراحة والريحان
وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ أي:
وأما إن كان المتوفى من أصحاب اليمين
فَسَلامٌ لَكَ أي: يا صاحب اليمين مِنْ إخوانك أَصْحابِ الْيَمِينِ أي: يسلمون عليك
وَأَمَّا إِنْ كانَ المتوفى مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ هم الصنف الثالث من الأزواج الثلاثة المذكورين من قبل في السورة، وهم الذين قيل لهم فيها ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ
فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ أي: فضيافة من شراب بلغ الغاية في الحرارة
وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ أي: وإدخال فيها. قال النسفي: وفي هذه الآيات إشارة إلى أن الكفر ملة واحدة، وأن أصحاب الكبائر من أصحاب اليمين، لأنهم غير مكذبين
إِنَّ هذا أي: الذي أنزل في هذه السورة لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ أي: الحق الثابت من اليقين. قال ابن كثير: أي إن هذا الخبر لهو حق اليقين الذي لا مرية فيه، ولا محيد لأحد عنه
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ شكرا له على ما رزق، وأنزل من هذا القرآن، وتنزيها له عن تكذيب المكذبين، وكلام الضالين، وبهذا انتهت السورة ملخصة ما ذكر في ابتدائها.
كلمة في السياق:
١ - في المجموعة الثانية جاء قوله تعالى: فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ بعد قوله تعالى:
نَحْنُ خَلَقْناكُمْ وهاهنا بعد أن ذكر الله بالقرآن، وذكر بوجوب شكره ﷻ ، أقام الحجة على أن الإنسان محاسب، قال: فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ* تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وإذ ثبت العجز فقد ثبت القهر، وقامت الحجة على الإنسان، ووجب التصديق، ومن ذلك ينتقل السياق إلى ما يحدث للميت بحسب عمله، وصلة ذلك بقوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
стр. 5423
ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ قائمة، فههنا يرينا الله حال الناس عند الرجوع إليه، وإذ كان الأمر عظيما، فإن السورة تختم بالأمر: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ.
٢ - قلنا إن محور سورة الواقعة آت في سياق الآيات الآمرة بالعبادة والتقوى والتوحيد، والتي بنت ذلك على أن الله هو الخالق، وأنه منزل القرآن، وأن له جنة أعدها للعاملين، وأن له نارا أعدها للكافرين، وقد فصلت سورة الواقعة في هذا فبرهنت على أن الله هو الخالق، وبرهنت على اليوم الآخر، وبرهنت على أن القرآن من عند الله، وإذا استقامت هذه الأصول فقد فصلت فيما أعده الله للكافرين والشاكرين في ابتداء السورة ونهايتها، مقيمة الحجة على الكافرين، ومدللة على صحة سير الشاكرين، كما أمرت السورة بتسبيح الله ، وهو نوع من أنواع العبادة، وقد أمر رسول الله ﷺ أن يجعل هذا التسبيح في الركوع، كما سنرى في الفوائد ، وفي ذلك تفصيل للأمر (اعبدوا) بتبيان بعض ما يدخل فيه.
٣ - يلاحظ أن سورة الواقعة انتهت بقوله تعالى: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ وأن سورة الحديد الآتية بعدها تبدأ بقوله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وذلك من مظاهر ارتباط أواخر السور السابقة ببدايات السور اللاحقة، مع أن السورة اللاحقة كما سنرى بداية مجموعة جديدة من مجموعات المفصل.
الفوائد:
١ - بمناسبة قوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً قال ابن كثير: (أي ينقسم الناس يوم القيامة إلى ثلاثة أصناف: قوم عن يمين العرش، وهم الذين خرجوا من شق آدم الأيمن ويؤتون كتبهم بأيمانهم، ويؤخذ بهم ذات اليمين. قال السدي: هم جمهور أهل الجنة، وآخرون عن يسار العرش وهم الذين خرجوا من شق آدم الأيسر ويؤتون كتبهم بشمالهم ويؤخذ بهم ذات الشمال، وهم عامة أهل النار- عياذا بالله من صنيعهم- وطائفة سابقون بين يديه ، وهم أخص وأحظى وأقرب من أصحاب اليمين الذين هم (أي: السابقون) سادتهم، فيهم الرسل والأنبياء والصديقون والشهداء، وهم أقل عددا من أصحاب اليمين ولهذا قال تعالى: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ* وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ* وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ وهكذا قسمهم إلى هذه الأنواع الثلاثة في آخر السورة وقت احتضارهم، وهكذا ذكرهم في
стр. 5424
قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ الآية، وذلك على أحد القولين في الظالم لنفسه كما تقدم بيانه، روى سفيان الثوري عن ابن عباس في قوله: وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً قال: هي التي في سورة الملائكة ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ. وقال ابن جريج عن ابن عباس: هذه الأزواج الثلاثة هم المذكورون في آخر السورة وفي سورة الملائكة، وقال يزيد الرقاشي: سألت ابن عباس عن قوله: وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً قال:
أصنافا ثلاثة، وقال مجاهد: وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً يعني: فرقا ثلاثة. وقال ميمون ابن مهران: أفواجا ثلاثة، وقال عبيد الله العتكي عن عمر بن الخطاب: وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً اثنان في الجنة، وواحد في النار. وروى ابن أبي حاتم عن النعمان ابن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ قال: الضرباء كل رجل من كل قوم كانوا يعملون عمله وذلك بأن الله تعالى يقول: وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً* فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ* وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ* وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ قال: هم الضرباء.
وروى الإمام أحمد عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ ... وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ فقبض بيده قبضتين فقال: «هذه للجنة ولا أبالي، وهذه للنار ولا أبالي» وروى الإمام أحمد- أيضا- عن عائشة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أتدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة؟، قالوا: الله ورسوله أعلم قال: الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوه بذلوه، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم» وقال محمد بن كعب وأبو حرزة يعقوب بن مجاهد وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ هم الأنبياء ﵈، وقال السدي: هم أهل عليين، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ قال: يوشع بن نون سبق إلى موسى، ومؤمن آل يس سبق إلى عيسى، وعلي بن أبي طالب سبق إلى محمد رسول الله ﷺ ، رواه ابن أبي حاتم عن سفيان ابن عيينة عن ابن أبي نجيح به. وروى ابن أبي حاتم عن ابن سيرين وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ الذين صلوا إلى القبلتين. ورواه ابن جرير من حديث خارجة به، وقال الحسن وقتادة وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أي: من كل أمة، وقال الأوزاعي عن عثمان ابن أبي سودة أنه قرأ هذه الآية وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ* أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ثم قال
стр. 5425
أولهم رواحا إلى المسجد، وأولهم خروجا في سبيل الله، وهذه الأقوال كلها صحيحة، فإن المراد بالسابقين هم المبادرون إلى فعل الخيرات كما أمروا كما قال تعالى: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وقال تعالى: سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ فمن سابق في هذه الدنيا وسبق إلى الخير كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة، فإن الجزاء من جنس العمل وكما تدين تدان، ولهذا قال تعالى: أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو قال: قالت الملائكة: يا رب جعلت لبني آدم الدنيا، فهم يأكلون ويشربون ويتزوجون، فاجعل لنا الآخرة، فقال: لا أفعل، فراجعوا ثلاثا فقال: لا أجعل من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان. ثم قرأ عبد الله: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ* أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ وقد روى هذا الأثر الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه الرد على الجهمية ولفظه: فقال الله : لن أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان).
٢ - بمناسبة قوله تعالى عن السابقين: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ* وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال ابن كثير: (وقد اختلفوا في المراد بقوله الأولين والآخرين، فقيل:
المراد بالأولين: الأمم الماضية، وبالآخرين: هذه الأمة، هذا رواية عن مجاهد والحسن البصري رواها عنهما ابن أبي حاتم وهو اختيار ابن جرير، واستأنس بقوله ﵌: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة» ولم يحك غيره ولا عزاه إلى أحد، ومما يستأنس به لهذا القول ما رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم عن أبي هريرة قال:
لما نزلت ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ* وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ فنزلت ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ* وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فقال النبي ﵌:
«إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، ثلث أهل الجنة، بل أنتم نصف أهل الجنة أو شطر أهل الجنة، وتقاسمونهم النصف الثاني» ورواه الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة فذكره.
وقد روى من حديث جابر نحو هذا. وقد وردت طرق كثيرة متعددة بقوله ﷺ : «إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة» الحديث بتمامه وهو مفرد في صفة الجنة ولله الحمد والمنة، وهذا الذي اختاره ابن جرير هاهنا فيه نظر، بل هو قول ضعيف، لأن هذه الأمة هي خير الأمم بنص القرآن، فيبعد أن يكون المقربون في غيرها أكثر منها اللهم إلا أن يقابل مجموع الأمم بهذه الأمة، والظاهر أن المقربين من هؤلاء أكثر من سائر
стр. 5426
الأمم والله أعلم، فالقول الثاني في هذا المقام هو الراجح، وهو أن يكون المراد بقوله تعالى: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ أي: من مصدر هذه الأمة وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ أي: من هذه الأمة. روى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن أبي بكر المزني قال: سمعت الحسن أتى على هذه الآية وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ* أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فقال:
أما السابقون فقد مضوا، ولكن اللهم اجعلنا من أصحاب اليمين. ثم قال: قرأ الحسن وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ* أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ* فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ* ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ قال: ثلة ممن مضى من هذه الأمة. وروى ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين أنه قال في هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ* وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال: كانوا يقولون أو يرجون أن يكونوا كلهم من هذه الأمة، فهذا قول الحسن وابن سيرين أن الجميع من هذه الأمة، ولا شك أن أول كل أمة خير من آخرها، فيحتمل أن تعم الآية جميع الأمم، كل أمة بحسبها، ولهذا ثبت في الصحاح وغيرها من غير وجه أن رسول الله ﷺ قال:
«خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» الحديث بتمامه. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره» فهذا الحديث- بعد الحكم بصحة إسناده- محمول على أن الدين كما هو محتاج إلى أول الأمة في إبلاغه إلى من بعدهم، كذلك محتاج إلى القائمين به في أواخرها، وتثبيت الناس على السنة وروايتها وإظهارها، والفضل للمتقدم، وكذلك الزرع هو محتاج إلى المطر الأول وإلى المطر الثاني؛ ولكن العمدة الكبرى على الأول، واحتياج الزرع إليه آكد، فإنه لولاه ما نبت في الأرض، ولا تعلق أساسه فيها ولهذا قال ﵇: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى قيام الساعة» وفي لفظ: «حتى يأتي أمر الله تعالى وهم كذلك» والغرض أن هذه الأمة أشرف من سائر الأمم، والمقربون فيها أكثر من غيرها، وأعلى منزلة لشرف دينها وعظم نبيها، ولهذا ثبت بالتواتر عن رسول الله ﷺ أنه أخبر أن في هذه الأمة سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، وفي لفظ: «مع كل ألف سبعون ألفا- وفي آخر- مع كل واحد سبعون ألفا» وقد روى الحافظ أبو القاسم عن أبي مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «أما والذي نفسي بيده ليبعثن منكم يوم القيامة مثل الليل الأسود، زمرة جميعها يحيطون الأرض، تقول الملائكة: لما جاء مع محمد ﷺ أكثر مما جاء مع الأنبياء ﵈»).
٣ - بمناسبة قوله تعالى: وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ قال ابن كثير: (هذه
стр. 5427
الآية دليل على جواز أكل الفاكهة على صفة التخير لها ويدل على ذلك حديث عكراش ابن ذؤيب الذي رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي ﵀ في مسنده عن عبد الله ابن عكراش عن أبيه عكراش بن ذؤيب قال: «بعثتني مرة في صدقات أموالهم إلى رسول الله ﷺ فقدمت المدينة، فإذا هو جالس بين المهاجرين والأنصار، وقدمت عليه بإبل كأنها عروق الأرطى قال: «من الرجل؟» قلت: عكراش بن ذؤيب، قال: «ارفع في النسب» فانتسبت له إلى مرة بن عبيد، وهذه صدقة مرة بن عبيد، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: «هذه إبل قومي هذه صدقات قومي» ثم أمر بها أن توسم بميسم إبل الصدقة، وتضم إليها، ثم أخذ بيدي فانطلقنا إلى منزل أم سلمة فقال:
«هل من طعام؟ فأتينا بجفنة كالقصعة كثيرة الثريد والوذر، فجعل يأكل منها فأقبلت أخبط بيدي في جوانبها فقبض رسول الله ﷺ بيده اليسرى على يدي اليمني فقال:
«يا عكراش كل من موضع واحد فإنه طعام واحد». ثم أتينا بطبق فيه تمر أو رطب- شك عبيد الله رطبا كان أو تمرا- فجعلت آكل من بين يدي وجالت يد رسول الله ﷺ في الطبق وقال: «يا عكراش كل من حيث شئت فإنه غير لون واحد». ثم أتينا بماء فغسل رسول الله ﷺ يده ومسح ببلل كفيه وجهه وذراعيه ورأسه ثلاثا ثم قال:
«يا عكراش هذا الوضوء مما غيرت النار». وهكذا رواه الترمذي مطولا وابن ماجه جميعا ... به وقال الترمذي: غريب. وروى الإمام أحمد عن ثابت قال: قال أنس كان رسول الله ﷺ تعجبه الرؤيا، فربما رأى الرجل الرؤيا فسأل عنه إذا لم يكن يعرفه، فإذا أثنى عليه معروف كان أعجب لرؤياه إليه، فأتته امرأة فقالت: يا
رسول الله رأيت كأني أتيت فأخرجت من المدينة فأدخلت الجنة، فسمعت وجبة انتحبت لها الجنة فنظرت فإذا فلان بن فلان وفلان بن فلان- فسمعت اثني عشر رجلا كان النبي ﷺ قد بعث سرية قبل ذلك- فجئ بهم عليهم ثياب طلس تشخب أوداجهم فقيل: اذهبوا بهم إلى نهر البيدخ أو البيذج، قال: فغمسوا فيه فخرجوا ووجوههم كالقمر ليلة البدر فأتوا بصحفة من ذهب فيها بسر، فأكلوا من بسره ما شاءوا، فما يقلبوها من وجه إلا أكلوا من الفاكهة ما أرادوا، وأكلت معهم، فجاء البشير من تلك السرية فقال ما كان من رؤيا كذا وكذا فأصيب فلان وفلان حتى عد اثني عشر رجلا فدعا رسول الله ﷺ المرأة فقال: «قصي رؤياك». فقصتها وجعلت تقول فجئ بفلان وفلان كما قال. هذا لفظ أبي يعلى قال الحافظ الضياء: وهذا على شرط مسلم. وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرجل إذا نزع ثمرة من
стр. 5428
الجنة عادت مكانها أخرى»).
٤ - بمناسبة قوله تعالى: وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن طير الجنة كأمثال البخت يرعى في شجر الجنة» فقال أبو بكر: يا رسول الله إن هذه لطير ناعمة فقال: «آكلها أنعم منها- قالها ثلاثا- وإني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها» انفرد به أحمد من هذا الوجه. وروى الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه صفة الجنة من حديث إسماعيل ابن علي الحطمي عن نافع عن ابن عمر قال: ذكرت عند النبي ﷺ طوبى فقال رسول الله ﷺ : يا أبا بكر هل بلغك ما طوبى؟» قال: الله ورسوله أعلم قال: «طوبى شجرة في الجنة ما يعلم طولها إلا الله يسير الراكب تحت غصن من أغصانها سبعين خريفا، ورقها الحلل يقع عليها الطير كأمثال البخت» فقال أبو بكر: يا رسول الله إن هناك لطيرا ناعما؟ قال: «أنعم منه من يأكله وأنت منهم إن شاء الله تعالى» وقال قتادة في قوله تعالى: وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وذكر لنا أن أبا بكر قال: يا رسول الله إني أرى طيرها ناعمة كأهلها ناعمون، قال: «من يأكلها والله يا أبا بكر أنعم منها وإنها لأمثال البخت، وإني لأحتسب على الله أن تأكل منها يا أبا بكر». وروى أبو بكر بن أبي الدنيا عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ سئل عن الكوثر فقال:
«نهر أعطانيه ربي في الجنة أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طيور أعناقها يعني كأعناق الجزر» فقال عمر إنها لنا عمة، قال رسول الله ﷺ : «آكلها أنعم منها» وكذا رواه الترمذي وقال: حسن عن أنس. ثم روى ابن أبي حاتم عن عطاء عن كعب قال: إن طائر الجنة أمثال البخت، يأكل من ثمرات الجنة، ويشرب من أنهار الجنة، فيصطففن له، فإذا اشتهى منها شيئا أتى حتى يقع بين يديه فيأكل من خارجه وداخله، ثم يطير لم ينقص منه شئ؛ صحيح إلى كعب، وقال الحسن بن عرفة عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله ﷺ : «إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويا»).
٥ - بمناسبة قوله تعالى: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ قال ابن كثير: (روى الحافظ أبو بكر أحمد بن سلمان النجار عن سليم بن عامر قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: إن الله لينفعنا بالأعراب ومسائلهم قال: أقبل أعرابي يوما فقال: يا رسول الله ذكر الله في الجنة شجرة تؤذي صاحبها، فقال رسول الله ﷺ : «وما هي؟» قال:
السدر فإن له شوكا مؤذيا، فقال رسول الله ﷺ : «أليس الله تعالى يقول: فِي
стр. 5429
سِدْرٍ مَخْضُودٍ خضد الله شوكه، فجعل مكان كل شوكة ثمرة فإنها لتنبت ثمرا ففتق الثمرة منها عن اثنين وسبعين لونا من طعام، ما فيها لون يشبه الآخر». (طريق آخر) روى أبو بكر بن أبي داود عن عتبة بن عبد السلمي قال: كنت جالسا مع رسول الله ﷺ فجاء أعرابي فقال: يا رسول الله أسمعك تذكر في الجنة شجرة لا أعلم شجرا أكثر شوكا منها- يعني: الطلح- فقال رسول الله ﷺ : «إن الله يجعل مكان كل شوكة منها ثمرة مثل خصوة التيس الملبود فيها سبعون لونا من الطعام لا يشبه لون الآخر»).
٦ - بمناسبة قوله تعالى: وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ قال ابن كثير: (وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد: طلح منضود قال: الموز، قال وروي عن ابن عباس وأبي هريرة والحسن وعكرمة وقسامة بن زهير وقتادة وأبي حزرة مثل ذلك وبه قال مجاهد وابن زيد وزاد فقال: أهل اليمن يسمون الموز الطلح ولم يذكر ابن جرير غير هذا القول).
٧ - بمناسبة قوله تعالى: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ قال ابن كثير: (روى البخاري عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها اقرءوا إن شئتم وَظِلٍّ مَمْدُودٍ» ورواه مسلم من حديث الأعرج به. وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام اقرءوا إن شئتم وَظِلٍّ مَمْدُودٍ» وكذا رواه مسلم من حديث الأعرج به وكذا رواه البخاري. وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين- أو مائة- سنة هي شجرة الخلد» وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن رسول الله قال: «في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها واقرءوا إن شئتم وَظِلٍّ مَمْدُودٍ» إسناد جيد ولم يخرجوه وهكذا رواه ابن جرير والبخاري كلهم عن محمد بن عمرو به وقد رواه الترمذي من حديث عبد الرحيم بن سليمان به.
وروى ابن جرير عن أبي هريرة قال: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام اقرءوا إن شئتم وَظِلٍّ مَمْدُودٍ فبلغ ذلك كعبا فقال: صدق والذي أنزل التوراة على موسى، والفرقان على محمد، لو أن رجلا ركب حقة أو جذعة ثم دار بأعلى تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هرما، إن الله تعالى غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه،
وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة، وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي عن أنس عن النبي ﷺ في قوله تعالى:
стр. 5430
وَظِلٍّ مَمْدُودٍ قال: «في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها» وكذا رواه البخاري بسنده، وكذا رواه أبو داود الطيالسي بسنده، وأخرج البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد وسهل بن سعد عن رسول الله ﵌ قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام ما يقطعها» فهذا حديث ثابت عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بل متواتر مقطوع بصحته عند أئمة الحديث النقاد لتعدد طرقه وقوة أسانيده وثقة رجاله، وروى الترمذي عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما في الجنة شجرة إلا ساقها من ذهب» ثم قال: حسن غريب. وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عباس قال: الظل الممدود شجرة في الجنة على ساق ظلها قدر ما يسير الراكب في كل نواحيها مائة عام، قال: فيخرج إليها أهل الجنة أهل الغرف وغيرهم فيتحدثون في ظلها، قال:
فيشتهي بعضهم ويذكر لهو الدنيا فيرسل الله ريحا من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو في الدنيا. هذا أثر غريب وإسناده قوي حسن).
٨ - بمناسبة قوله تعالى: وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ* لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ قال ابن كثير: (وفي الصحيحين في ذكر سدرة المنتهى فإذا ورقها كآذان الفيلة ونبقها مثل قلال هجر، وفيهما أيضا عن ابن عباس قال: خسفت الشمس فصلى رسول الله ﷺ والناس معه فذكر الصلاة، وفيه قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا ثم رأيناك تكعكعت قال: «إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا»، وروى الحافظ أبو يعلى عن جابر قال: بينا نحن في صلاة الظهر إذ تقدم رسول الله ﷺ فتقدمنا معه، ثم تناول شيئا ليأخذه، ثم تأخر، فلما قضى الصلاة قال له أبي بن كعب: يا رسول الله صنعت اليوم في الصلاة شيئا ما كنت تصنعه قال: «إنه عرضت علي الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة، فتناولت منها قطفا من عنب لآتيكم به، فحيل بيني وبينه، ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقص منه». وروى مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر نحوه.
وروى الإمام أحمد عن عامر بن زيد البكالي أنه سمع عتبة بن عبيد السلمي يقول:
جاء أعرابي إلى رسول الله ﵌ فسأله عن الحوض وذكر الجنة، ثم قال الأعرابي فيها فاكهة. قال: نعم، وفيها شجر تدعى طوبى. قال: فذكر شيئا لا أدري ما هو، قال: أي شجر أرضنا تشبه؟ قال: ليست تشبه شيئا من شجر أرضك؟ فقال النبي ﷺ : أتيت الشام؟ قال: لا. قال: تشبه شجرة بالشام تدعى
следующие страницы →