← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا* أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وقال تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ الآية، وهكذا هذه الآية معناها كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ قال: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: لوددنا أن الله عز جل دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إيمان به لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به، فلما نزل الجهاد كره ذلك ناس من المؤمنين وشق عليهم أمره فقال الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ؟ وهذا اختيار ابن جرير). فهذا دليل على صلة معاني سورة الصف بما جاء في مقدمة سورة البقرة ولنتابع عرض الفقرة الأولى من سورة الصف: وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ دل ذلك على أن رسالة عيسى ﵇ كانت إلى بني إسرائيل خاصة، ونصوص الأناجيل الحالية مع كل ما طرأ عليها تذكر ذلك، وتؤكده كما سنرى في الفوائد مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وهذا كذلك موضوع مقرر ومذكور في الأناجيل الحالية على تحريفها؛ ولذلك فالنصارى يعتمدون كتب العهد القديم على خلاف بينهم في بعض الأمور، وإنما أذكر هذا لأن في دقة عرض القرآن لمثل هذه الأمور بمثل هذا البيان والإحاطة دليلا على ربانية مصدره وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ أقول: وهذا كذلك لا زالت نصوصه موجودة في الأناجيل الحالية على تحريفها لمن تأمل أصولها المترجمة عنها، أو رأى طبعاتها العربية الأولى، وعرف شيئا من معاني بعض الكلمات التي لم تترجم، وقد نقلنا ذلك كله في كتابنا (الرسول ﷺ في فصل البشارات، ورأينا نموذجا عنه في هذا التفسير أثناء الكلام عن سورة الأعراف، ولنا في الفوائد عودة إليه، قال النسفي في الآية: يعني أن ديني التصديق بكتب الله وأنبيائه جميعا ممن تقدم وتأخر فَلَمَّا جاءَهُمْ أي: عيسى أو محمد ﵉ بِالْبَيِّناتِ أي: بالمعجزات قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ أي: واضح، فوجود أمثال هؤلاء مع رغبتهم في إنهاء الإسلام مبرر من مبررات مشروعية القتال.

стр. 5602

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ أي: لا أحد أظلم من هذا، والمعنى: وأي الناس أشد ظلما ممن يدعوه ربه على لسان نبيه إلى الإسلام الذي له فيه سعادة الدارين فيجعل مكان إجابته إليه افتراء الكذب على الله، كأن يقول: هذا سحر، أو أن الله لم يأمر بهذا، أو أن محمدا ليس رسول الله ﷺ ، أو غير ذلك من الافتراءات على الله وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ لأن سنته ألا يهدي من لا يستحق الهداية بسبب إجرامه، وأمام مثل هذا الموقف الأظلم، فإن القتال هو الحل؛ كيلا نعطي للكفر وللظلم فرصة للظهور والعلو. ... كلمة في السياق: رأينا في مقدمة سورة البقرة قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وفي الآية الأخيرة عرفنا سببا من أسباب ذلك الختم وهو افتراء الكذب على الله الذي هو أشد الظلم لدفع دعوة الإسلام وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. ... يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ قال النسفي: هذا تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام بتقولهم على القرآن، مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه، قال ابن كثير: أي: يحاولون أن يردوا الحق بالباطل، ومثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس بفيه، وكما أن هذا مستحيل كذاك ذلك مستحيل، ولهذا قال تعالى: وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ قال النسفي: أي: متم الحق ومبلغه غايته وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ذلك، وأمام إرادة الكافرين إطفاء نور الإسلام شرع الله القتال كحل وحيد على أننا لا نكره أحدا على الدخول في الإسلام. أقول: وفي الآية بشارة عظيمة لأهل الإسلام في عصرنا حيث يرون أن مراد دول الكفر وأممهم وأذنابهم في الداخل إطفاء نور الله، ولكن حين يتعارض مرادان: مراد الله، ومراد خلقه، فإرادة الله هي النافذة، وإرادة الله إتمام نوره على رغم الكافرين، فالمستقبل إذن لهذا الدين. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى أي: بالقرآن أو بالهداية الشاملة للإنسان

стр. 5603

وَدِينِ الْحَقِّ أي: دين الله أو الإسلام لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ أي: ليعليه على الدين كله، أي: على جميع الأديان المخالفة له وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ومن ثم فلا بد من القتال لإعلاء دين الهدى والحق على الضلال والباطل لإرغام أنوف أهل الضلال والباطل على أننا لا نكره أحدا على الدخول في الإسلام، وفي هذه الآية بشارة لهذه الأمة، كما أن فيها تعليلا لفرضية القتال وحضا وحثا، وبهذه الآية انتهت الفقرة. كلمة في السياق: رأينا في الفقرة تعليلا للأسباب التي لا يهدي الله بسببها أهلها، وفي ذلك تفصيل لبعض المعاني الواردة في مقدمة سورة البقرة عن الكافرين، كما رأينا كلاما عن أنواع من الكافرين: يهود، ونصارى، ومشركين، وكافرين، وفي ذلك نوع تفصيل لما ورد في مقدمة سورة البقرة عن الكافرين، ورأينا في الفقرة مظهرا من مظاهر النفاق، وفي ذلك نوع تفصيل لما ذكر في مقدمة سورة البقرة عن المنافقين، ورأينا في الفقرة مظاهر تنبثق عن الإيمان الحق، وكل ذلك نوع تفصيل لقضايا مرتبطة بما وصف الله به المتقين في أول سورة البقرة، فالفقرة خدمت مقدمة سورة البقرة ضمن سياقها الخاص الذي رأينا طرفا من تسلسله والذي ملخصه ما يلي: بدأت السورة بذكر خضوع الأشياء كلها الله، وتنزيهها له، ثم عاتبت المؤمنين على انفصال القول عندهم عن العمل، لتصل إلى تقرير أن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا، ثم ذكرت معاني تعرف من خلالها حكمة القتال في سبيل الله، وإذ تستقر هذه المعاني تأتيك فقرة تذكر طريق الفلاح عند الله وهو إيمان بالله ورسوله وجهاد في سبيله، ولذلك صلته بمقدمة سورة البقرة أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فالفلاح من جملة شروطه الجهاد، إما لأنه الأثر الصحيح للإيمان بالغيب، أو لأنه جزء من هدي هذا القرآن الذي يهتدي بهديه المتقون. فلنر الفقرة الثانية. ***

стр. 5604

الفقرة الثانية وهي أربع آيات من الآية (١٠) إلى نهاية الآية (١٣) وهذه هي: [سورة الصف (٦١): الآيات ١٠ الى ١٣] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) التفسير: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ هذا يدل على أنه لا نجاة إلا بهذه التجارة، قال ابن كثير: ثم فسر هذه التجارة العظيمة التي لا تبور، والتي هي محصلة للمقصود ومزيلة للمحذور فقال: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ قال النسفي: (كأنهم قالوا كيف نعمل؟ فقال تؤمنون ... ) وهو بمعنى آمنوا وجاهدوا عند سيبويه ولهذا أجيب بقوله يَغْفِرْ لَكُمْ أي: ولذلك جزم الجواب، وإنما جئ به على لفظ الخبر للإيذان بوجوب الامتثال، وكأنه امتثل فهو يخبر عن إيمان وجهاد موجودين ذلِكُمْ أي: ما ذكر من الإيمان والجهاد خَيْرٌ لَكُمْ أي: من تجارة الدنيا والكد لها والتصدي لها وحدها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي: إن كان عندكم علم حقيقي ثم بين لم كان الإيمان بالله والرسول والجهاد خيرا لهم فقال: يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ أي: في جنات إقامة وخلود، قال ابن كثير: (أي: إن فعلتم ما أمرتكم به ودللتكم عليه غفرت لكم الزلات، وأدخلتكم الجنات والمساكن الطيبات والدرجات العاليات ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

стр. 5605

أي: التجارة الرابحة، والفلاح الكبير وَأُخْرى تُحِبُّونَها أي: وأزيدكم على ذلك زيادة تحبونها وهي: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ أي: عاجل، أي: ولكم إلى هذه المذكورة من المغفرة والثواب في الآجلة نعمة أخرى عاجلة محبوبة إليكم، ثم فسرها بأنها النصر والفتح القريب، قال ابن كثير: (فهي الزيادة وهي خير الدنيا موصول بنعيم الآخرة لمن أطاع الله ورسوله ونصر دينه) ولهذا قال تعالى: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ أي: بشرهم يا رسول الله بذلك. كلمة في السياق: ١ - صلة هذه الفقرة بما قبلها واضحة، فبعد أن قررت الفقرة السابقة ضرورة القتال في سبيل الله، ومحبة الله لأهله، تأتي هذه الفقرة لتهيج على القتال، وتبين ما أعد الله لأهله، وما وعدهم به إذا آمنوا وجاهدوا. ٢ - جاء في مقدمة سورة البقرة قوله تعالى عن المنافقين: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ وجاء في الفقرة الأولى من سورة الصف يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ وجاء في الفقرة الثانية من سورة الصف هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ لاحظ كلمة العذاب الأليم المشتركة بين مقدمة سورة البقرة وهذه الآية، مما يشير إلى أن الله في سورة الصف يأمر عباده أوامر تمحصهم للتقوى والجنة وتخلصهم من أخلاق النفاق. ٣ - يلاحظ في مقدمة سورة البقرة أن الله ختم الكلام عن المتقين بقوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وختم الكلام عن المنافقين قبل أن يضرب لهم المثلين بقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ وفي هذه الفقرة من سورة الصف قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ* تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ... فالفقرة إذن تفصل في التجارة الرابحة. ٤ - يلاحظ أن هناك تشابها كبيرا بين الفقرة التي مرت معنا من سورة الصف، وبين آيات في سورة البقرة هي قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ

стр. 5606

وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ* يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ* كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ لاحظ التشابه بين هذه الآيات من سورة البقرة وبين الآية التي مرت معنا من سورة الصف: أ- جاء في سورة البقرة قوله تعالى: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ وفي فقرة الصف ورد قوله تعالى: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ. ب- في الآيات السابقة من سورة البقرة ورد قوله تعالى: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وفي فقرة سورة الصف ورد قوله تعالى: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ بعد الأمر بالجهاد. ج- في الآيات السابقة من سورة البقرة ورد قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وفي فقرة سورة الصف ورد قوله تعالى: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. السر في هذا التشابه- والله أعلم- أن آيات سورة البقرة تلك هي امتداد لما جاء في مقدمة سورة البقرة، فجاءت سورة الصف لتشد إلى مقدمة سورة البقرة هذه المعاني، وتفصل في الجميع. *** الفقرة الثالثة والأخيرة وهي آية واحدة هي الآية (١٤) وهذه هي: [سورة الصف (٦١): آية ١٤] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤)

стр. 5607

التفسير: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ أي: أنصار دينه كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ أي: من معيني في الدعوة إلى الله، أو من جندي متجها إلى نصرة الله. قال النسفي: (أي: كونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصار عيسى حين قال لهم: من أنصاري إلى الله) وقال ابن كثير: (يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين أن يكونوا أنصار الله في جميع أحوالهم بأقوالهم وأفعالهم وأنفسهم وأموالهم، وأن يستجيبوا لله ولرسوله كما استجاب الحواريون لعيسى حين قال: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ) قال النسفي: ومعنى من أنصاري إلى الله أي: من الأنصار الذين يختصون بي، ويكونون معي في نصرة الله قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ قال ابن كثير: أي: نحن أنصارك على ما أرسلت به، ومؤازروك على ذلك. قال النسفي: والحواريون أصفياؤه وهم أول من آمن به وكانوا اثني عشر رجلا وحواري الرجل صفيه وخالصته فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ بعيسى ﵇ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ به، قال ابن كثير: (أي: لما بلغ عيسى ابن مريم ﵊ رسالة ربه إلى قومه ووازره من وازره من الحواريين اهتدت طائفة من بني إسرائيل بما جاءهم به، وضلت طائفة فخرجت عما جاءهم به، وجحدوا نبوته ورموه وأمه بالعظائم ... ) فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ قال النسفي: فقوينا مؤمنيهم على كفارهم. أقول: يحتمل أن يكون التأييد بالخوارق، فمن المعروف أن الحواريين قد أمدوا بالكرامات وخوارق العادات ولم يدخلوا قتالا. وذهب ابن جرير إلى رأي آخر ذكره ابن كثير ولم يذكر غيره وهو: أن التأييد للذين آمنوا من أصحاب عيسى كان ببعثة محمد ﷺ وسننقل كلامه بالفوائد، وعلى هذا يكون بين النصرة وبين التبشير بإعلاء الإيمان مئات السنين، وإني أستبعد هذا الرأي؛ فالتأييد للحواريين كان بعد رفع عيسى ﵇، وذلك كما قلنا بأنواع الكرامات الكثيرة، فأصبحوا ظاهرين على غيرهم من بني إسرائيل في أنهم على الحق، واستجاب لهم خلق كثير في كل مكان، وهاهنا ظهرت ظاهرة بولس الانحرافية، وبدأ الصراع بين الأطراف من جديد، واستقر الأمر داخل الكنائس لصالح اتجاه بولس بدعم الدولة الرومانية بعد مئات السنين، ثم

стр. 5608

اختلفوا داخل هذا الاتجاه، ولما بعث رسول الله ﷺ لم يبق ممن على دين المسيح الصحيح إلا قليل، يدل على ذلك قصة سلمان الفارسي كما نقلناها في كتابنا (الرسول ﷺ ، ولا شك أن بعثة رسول الله ﷺ كانت تأييدا للمؤمنين الحقيقيين بعيسى ﵇، إلا أن الآية تشير إلى التأييد الأول داخل بني إسرائيل، حيث أيد الحواريون بالخوارق الكثيرة مما كان لهم به الغلبة على الكافرين بعيسى من بني إسرائيل، وما يعتمده النصارى من كتب العهد الجديد، يشير إلى مثل هذا، وإن كان كل ما يذكر في كتب العهد الجديد يمثل مدرسة بولس المحرف لدين المسيح ﵇. كلمة في السياق: ١ - بدأت السورة بتبيان ضرورة موافقة العمل للقول، وتقرير أن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص، ثم ذكرت السورة مبررات القتال وأسبابه، وبشرت المؤمنين بالظهور، ثم حضت على الإيمان بالله والرسول والجهاد في سبيل الله، مبينة ثواب ذلك، ثم جاء وعد الله للمجاهدين المؤمنين بالنصر والفتح، ثم جاءت الفقرة الأخيرة تحض على نصرة الله، والتأسي بأصحاب عيسى في ذلك، وبيان ما أعطى الله أصحاب عيسى من التأييد الذي أمر الله رسوله أن يبشر به من جاهد، والذي وعد الله به هذا الدين بقوله: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ، ولم تزل هذه الأمة مؤيدة منصورة إذا جاهدت، ولم يزل حملة دين الله وأنصاره يكرمهم الله بأنواع التأييدات الربانية بالخوارق والكرامات، وقبول القلوب لهديهم، ومع صعوبة الظروف التي يعيشها المسلمون في عصرنا بسبب سيطرة الكفر وأهله على سياسة العالم، فإن الإسلام يزحف وينتشر، ومع أنه لا يقاتل اليوم إلا نادرا تحت راية (لا إله إلا الله) فإن التأييدات الربانية تظهر بمظاهر متعددة. وعند ما يفئ المسلمون إلى دينهم ويبدءون عملية الجهاد شاملة، فإن خارطة العالم كله ستتغير لصالحهم، ذلك وعد الله الذي لا يتخلف. ٢ - في مقدمة سورة البقرة وصف للمتقين الذين من صفاتهم أنهم يؤمنون بالغيب، وفي الفقرة الأخيرة نداء لهؤلاء المؤمنين أن ينصروا الله ، ووعد ضمني لهم بالتأييد من خلال الكلام عن أسوتهم في ذلك. ٣ - فصلت سورة الصف في قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ من

стр. 5609

مقدمة سورة البقرة، وفصلت في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وفصلت في قوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وفصلت فيما يقابل ذلك من أخلاق الكفر والنفاق، وسنرى أن سورة الجمعة ستفصل في مقدمة سورة البقرة، ولكن في معان أخرى، ولننقل الآن بعض ال فوائد المتعلقة ببعض الآيات. فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ قال ابن كثير: (إنكار على من يعد وعدا أو يقول قولا لا يفي به، ولهذا استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من علماء السلف إلى أنه يجب الوفاء بالوعد مطلقا، سواء ترتب عليه عزم للموعود أم لا، واحتجوا أيضا من السنة بما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، إذا اؤتمن خان». وفي الحديث الآخر في الصحيح: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها» فذكر منهن إخلاف الوعد، ولهذا أكد الله تعالى هذا الإنكار عليهم بقوله تعالى: كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ. وقد روى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: أتانا رسول الله ﷺ وأنا صبي فذهبت لأخرج لألعب فقالت أمي: يا عبد الله تعال أعطك، فقال لها رسول الله ﷺ : «وما أردت أن تعطيه؟» قالت: تمرا، فقال: «أما إنك لو لم تفعلي كتبت عليك كذبة» وذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى إلى أنه إذا تعلق بالوعد عزم على الموعود وجب الوفاء به، كما لو قال لغيره: تزوج ولك علي كل يوم كذا، فتزوج وجب عليه أن يعطيه ما دام كذلك؛ لأنه تعلق به حق آدمي وهو مبني على المضايقة، وذهب الجمهور إلى أنه لا يجب). ٢ - بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ قال ابن كثير: (فهذا إخبار من الله تعالى بمحبته عباده المؤمنين إذا اصطفوا مواجهين لأعداء الله في حومة الوغى يقاتلون- في سبيل الله- من كفر بالله لتكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر العالي على سائر الأديان. روى الإمام أحمد ... عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة يضحك الله إليهم: الرجل يقوم من الليل، والقوم إذا صفوا للصلاة، والقوم إذا صفوا

стр. 5610

للقتال» ورواه ابن ماجه. وروى ابن أبي حاتم ... قال مطرف كان يبلغني عن أبي ذر حديث كنت أشتهي لقاءه فلقيته فقلت: يا أبا ذر كان يبلغني عنك حديث فكنت أشتهي لقاءك، فقال: لله أبوك فقد لقيت فهات فقلت كان يبلغني عنك أنك تزعم أن رسول الله ﵌ حدثكم أن الله يبغض ثلاثة ويحب ثلاثة، قال: أجل فلا إخالني أكذب على خليلي ﷺ قلت: فمن هؤلاء الثلاثة الذي يحبهم الله ؟ قال: رجل غزا في سبيل الله خرج محتسبا مجاهدا فلقي العدو فقتل، وأنتم تجدونه في كتاب الله المنزل ثم قرأ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ وذكر الحديث). ... وبمناسبة هذه الآية قال صاحب الظلال: (فليس مجرد القتال. ولكنه هو القتال في سبيله. والقتال في تضامن مع الجماعة المسلمة داخل الصف. والقتال في ثبات وصمود صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ. فهو تكليف فردي في ذاته، ولكنه فردي في صورة جماعية. في جماعة ذات نظام؛ ذلك أن الذين يواجهون الإسلام يواجهونه بقوى جماعية، ويؤلبون عليه تجمعات ضخمة؛ فلا بد لجنود الإسلام أن يواجهوا أعداءه صفا. صفا سويا منتظما، وصفا متينا راسخا؛ ذلك إلى أن طبيعة هذا الدين حين يغلب ويهيمن أن يهيمن على جماعة، وأن ينشئ مجتمعا متماسكا. متناسقا. فصورة الفرد المنعزل الذي يعبد وحده، ويجاهد وحده، ويعيش وحده، صورة بعيدة عن طبيعة هذا الدين، وعن مقتضياته في حالة الجهاد، وفي حالة الهيمنة بعد ذلك على الحياة. وهذه الصورة التي يحبها الله للمؤمنين ترسم لهم طبيعة دينهم، وتوضح لهم معالم الطريق، وتكشف لهم عن طبيعة التضامن الوثيق الذي يرسمه التعبير القرآني المبدع: صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ ... بنيان تتعاون لبناته وتتضام وتتماسك، وتؤدي كل لبنة دورها، وتسد ثغرتها، لأن البنيان كله ينهار إذا تخلت منه لبنة عن مكانها. تقدمت أو تأخرت سواء. وإذا تخلت منه لبنة عن أن تمسك بأختها تحتها أو فوقها أو على جانبيها سواء ... إنه التعبير المصور للحقيقة لا لمجرد التشبيه العام. التعبير المصور لطبيعة ارتباطات الأفراد في الجماعة. ارتباط الشعور، وارتباط الحركة، داخل النظام المرسوم، المتجه إلى هدف مرسوم).

стр. 5611

٣ - بمناسبة قوله تعالى على لسان المسيح: مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ قال ابن كثير: (أي: وأنا مبشر بمن بعدي وهو الرسول النبي الأمي العربي المكي أحمد. فعيسى ﵇ وهو خاتم أنبياء بني إسرائيل وقد أقام في ملإ بني إسرائيل مبشرا بمحمد، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين لا رسالة بعده ولا نبوة. وما أحسن ما أورد البخاري الذي روى ... عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن لي أسماء أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس تحت قدمي، وأنا العاقب» ورواه مسلم من حديث الزهري به نحوه. وروى أبو داود الطيالسي عن أبي موسى قال: سمى لنا رسول الله ﷺ نفسه أسماء منها ما حفظنا فقال: «أنا محمد، وأنا أحمد، والحاشر، والمقفي ونبي الرحمة والتوبة والملحمة» ورواه مسلم من حديث الأعمش عن عمرو بن مرة به، وقد قال الله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ الآية، وقال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي؟ قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ قال ابن عباس: ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه العهد لئن بعث محمد وهو حي ليتبعنه، وأخذ عليه أن يأخذ على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليتبعنه وينصرنه. وروى محمد ابن إسحاق ... عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك قال: «دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام» وهذا إسناد جيد وروى له شواهد من وجوه أخر). أقول: إن الترجمات العربية الأولى للأناجيل كانت تتحدث عن (الفارقليط) وهي كلمة يونانية لم يترجمها المترجمون وقتذاك، وقد تتبعها المسلمون فتبين لهم أنها تعني أحمد، فلما انتشر ذلك ترجمها المترجمون في الطبقات اللاحقة باسم المعزي، أو المخلص. قال الألوسي: (والفارقليط لفظ يؤذن بالحمد، وتعين إرادته صلى الله تعالى عليه وسلم من كلامه ﵇ مما لا غبار عليه لمن كشف الله تعالى غشاوة التعصب عن عينيه، وقد فسره بعض النصارى بالحماد، وبعضهم بالحامد فيكون في

стр. 5612

مدلوله إشارة إلى اسمه ﵊ أحمد، وفسره بعضهم بالمخلص لقول عيسى: فالله يرسل مخلصا آخر فلا يكون ما ذكر بشارة به صلى الله تعالى عليه وسلم، بعنوان الحمد لكنه بشارة به ﷺ بعنوان التخليص فيستدل به على ثبوت رسالته ﷺ ، وإن لم يستدل به على ما في الآية هنا). وقد ذكر الشيخ عبد الوهاب النجار قصة جرت له مع مستشرق إيطالي سماه في كتابه (قصص الأنبياء) وكيف أن المستشرق أقر له بأن كلمة الفارقليط مشتقة من الحمد، وقد توسعنا في هذا الموضوع في كتابنا (الرسول ﷺ فليراجع. قال صاحب الظلال: (وبشارة المسيح بأحمد ثابتة بهذا النص، سواء تضمنت الأناجيل المتداولة هذه البشارة أم لم تتضمنها. فثابت أن الطريقة التي كتبت بها هذه الأناجيل والظروف التي أحاطت بها لا تجعلها هي المرجع في هذا الشأن. وقد قرئ القرآن على اليهود والنصارى في الجزيرة العربية وفيه: النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ ... وأقر بعض المخلصين من علمائهم الذين أسلموا كعبد الله بن سلام بهذه الحقيقة، التي كانوا يتواصون بتكتمها! كما أنه ثابت من الروايات التاريخية أن اليهود كانوا ينتظرون مبعث نبي قد أظلهم زمانه، وكذلك بعض الموحدين المنعزلين من أحبار النصارى في الجزيرة العربية. ولكن اليهود كانوا يريدونه منهم. فلما شاء الله أن يكون من الفرع الآخر من ذرية إبراهيم، كرهوا هذا وحاربوه! وعلى أية حال فالنص القرآني بذاته هو الفيصل في مثل هذه الأخبار. وهو القول الأخير). كلمة أخيرة في سورة الصف: رأينا وحدة سياق سورة الصف، كما رأينا صلة السورة بمحورها من سورة البقرة وكيف أن السورة شدت إلى محورها آيات موجودة في أعماق سورة البقرة، وفصلت في الجميع مما يشير إلى ارتباط وثيق بين معاني مقدمة سورة البقرة ومعاني تلك الآيات، مما يؤكد أن السور التي تأتي بعد سورة البقرة تفصل في محاور من سورة البقرة وفي ارتباطات هذه المحاور، وامتدادات معانيها، وقد رأينا هذا الموضوع من قبل وسنراه كثيرا، وفي سورة الجمعة نموذج واضح على ذلك.

стр. 5613

سورة الجمعة وهي السورة الثانية والستون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثانية من المجموعة الرابعة من قسم المفصل، وهي إحدى عشرة آية وهي مدنية

стр. 5614

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 5615

بين يدي سورة الجمعة: قدم الألوسي لسورة الجمعة بقوله: (مدنية كما روي عن ابن عباس، وابن الزبير، والحسن، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، وإليه ذهب الجمهور، وقال ابن يسار: هي مكية، وحكي ذلك عن ابن عباس، ومجاهد، والأول هو الصحيح لما في صحيح البخاري وغيره عن أبي هريرة قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حين أنزلت سورة الجمعة الحديث، وإسلامه رضي الله تعالى عنه بعد الهجرة بمدة بالاتفاق، ولأن أمر الانفضاض الذي تضمنه آخر السورة وكذا أمر اليهود المشار إليه بقوله سبحانه: قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ الخ- لم يكن إلا بالمدينة- وآيها إحدى عشرة آية بلا خلاف، ووجه اتصالها بما قبلها: أنه تعالى لما ذكر فيما قبل حال موسى ﵇ مع قومه وأذاهم له ناعيا عليهم ذلك ذكر في هذه السورة حال الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم وفضل أمته تشريفا لهم لينظر فضل ما بين الأمتين، ولذا تعرض فيها لذكر اليهود، وأيضا لما حكى هناك قول عيسى ﵇: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ قال سبحانه هنا: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ إشارة إلى أنه الذي بشر به عيسى، وأيضا لما ختم تلك السورة بالأمر بالجهاد وسماه (تجارة) ختم هذه بالأمر بالجمعة وأخبر أن ذلك خير من التجارة الدنيوية. وأيضا في كلتا السورتين إشارة إلى اصطفاف في عبادة، أما في الأولى فظاهر، وأما في هذه فلأن فيها الأمر بالجمعة، وهي يشترط فيها الجماعة التي تستلزم الاصطفاف إلى غير ذلك، وقد كان صلى الله تعالى عليه وسلم- كما أخرج مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن ابن عباس- يقرأ في الجمعة بسورتها وإِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ. وأخرج ابن حبان، والبيهقي في سننه عن جابر بن سمرة أنه قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وكان يقرأ في صلاة العشاء الأخيرة ليلة الجمعة سورة الجمعة، والمنافقون- وفي ذلك دلالة على مزيد شرف هذه السورة).

стр. 5616

ومن تقديم صاحب الظلال للسورة نقتطف ما يلي: (نزلت هذه السورة بعد سورة (الصف) السابقة. وهي تعالج الموضوع الذي عالجته سورة الصف، ولكن من جانب آخر، وبأسلوب آخر، وبمؤثرات جديدة. إنها تعالج أن تقر في أخلاد الجماعة المسلمة في المدينة أنها هي المختارة أخيرا لحمل أمانة العقيدة الإيمانية؛ وأن هذا فضل من الله عليها؛ وأن بعثة الرسول الأخير في الأميين- وهم العرب- منة كبرى تستحق الالتفات والشكر، وتقتضي كذلك تكاليف تنهض بها المجموعة التي استجابت للرسول، واحتملت الأمانة؛ وأنها موصولة على الزمان غير مقطوعة ولا منبتة، فقد قدر الله أن تنمو هذه البذرة وتمتد. بعد ما نكل بنو إسرائيل عن حمل هذه الأمانة وانقطعت صلتهم بأمانة السماء؛ وأصبحوا يحملون التوراة كالحمار يحمل أسفارا، ولا وظيفة له في إدراكها، ولا مشاركة له في أمرها! تلك هي الحقيقة الرئيسية التي تعالج السورة إقرارها في قلوب المسلمين. من كان منهم في المدينة يومذاك على وجه الخصوص، وهم الذين ناط الله بهم تحقيق المنهج الإسلامي في صورة واقعة. ومن يأتي بعدهم ممن أشارت إليهم السورة، وضمتهم إلى السلسلة الممتدة على الزمان. وفي الوقت ذاته تعالج السورة بعض الحالات الواقعة في تلك الجماعة الأولى، في أثناء عملية البناء النفسي العسيرة المتطاولة الدقيقة. وتخلصها من الجواذب المعوقة من الحرص والرغبة العاجلة في الربح، وموروثات البيئة والعرف. وبخاصة حب المال وأسبابه الملهية عن الأمانة الكبرى، والاستعداد النفسي لها. وتشير إلى حادث معين. حيث كان رسول الله ﷺ يخطبهم في المسجد للجمعة حين حضرت قافلة من قوافلهم التجارية؛ فما إن أعلن نبأ قدومها حتى انفض المستمعون منصرفين إلى التجارة واللهو الذي كانت القافلة تحاط به- على عادة الجاهلية- من ضرب بالدفوف وحداء وهيصة! وتركوا رسول الله ﷺ قائما. فيما عدا اثني عشر من الراسخين فيهم أبو بكر وعمر بقوا يستمعون! كما تذكر الروايات). كلمة في سورة الجمعة ومحورها: ١ - تبدأ سورة الجمعة بما بدأت به المسبحات، مع فارق أن فعل التسبيح فيها جاء بصيغة المضارع، وأن اسمين آخرين للذات الإلهية قد ذكرا في الآية الأولى منها وهما

стр. 5617

(الملك والقدوس) وبهذا يكون قد جاء في الآية الأولى منها أربعة أسماء لله ، وهذا يشير إلى أن السورة مجلى لهذه الأسماء كلها. ٢ - بعد الآية الأولى من السورة يأتي قوله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويأتي في سياق السورة قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً ثم يأتي في سياق السورة قوله تعالى: إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ولذلك كله علاقته بمقدمة سورة البقرة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ .... ٣ - وسورة الجمعة تتحدث عن بعثة الرسول ﷺ : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ولذلك صلة بقوله تعالى في سورة البقرة: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ كما تتحدث عن كراهية اليهود للموت: قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ ... وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ولهذا صلة بما جاء في سورة البقرة عن اليهود: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ... وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ .... وتعليل هذا أن من امتدادات معاني مقدمة سورة البقرة هذه الآيات، فجاءت سورة الجمعة تفصل في مقدمة سورة البقرة وامتدادات معانيها. ٤ - تتألف سورة الجمعة من مقدمة وثلاث فقرات واضحة التمايز، واضحة الترابط، أما المقدمة فآية واحدة، وأما الفقرة الأولى فثلاث آيات، وأما الفقرة الثانية فأربع آيات، وأما الفقرة الثالثة فثلاث آيات، ولنبدأ عرض السورة. ***

стр. 5618

المقدمة والفقرة الأولى وهما من الآية (١) إلى نهاية الآية (٤) وآياتهما هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الجمعة (٦٢): الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤) التفسير: يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ قال ابن كثير: (يخبر تعالى أنه يسبح له ما في السموات وما في الأرض، أي: من جميع المخلوقات ناطقها وجامدها) قال النسفي: (هذا التسبيح إما أن يكون تسبيح خلقة، يعني: إذا نظرت إلى كل شئ دلتك خلقته على وحدانية الله تعالى وتنزيهه عن الأشباه، أو تسبيح معرفة بأن يجعل الله بلطفه في كل شئ ما يعرف به الله تعالى وينزهه، ألا ترى إلى قوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ أو تسبيح ضرورة بأن يجري الله التسبيح على كل جوهر من غير معرفة له بذلك) الْمَلِكِ أي: المالك للسماوات والأرض، المتصرف فيهما بحكمه الْقُدُّوسِ أي: المنزه عن النقائص، الموصوف بصفات الكمال الْعَزِيزِ الذي لا يمانع ولا يغالب الْحَكِيمِ في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، ومعنى الآية: يسبح لله الملك القدوس العزيز الحكيم ما في السموات وما في الأرض، هذا الإله العظيم المتصف بالمالكية والقدوسية والعزة والحكمة هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ أي: العرب رَسُولًا مِنْهُمْ أي: من العرب الأميين،

стр. 5619

أي: من أنفسهم، وسمى العرب أميين لأنهم لم ينزل عليهم كتاب سابق. قال ابن كثير: (وتخصيص الأميين بالذكر لا ينفي من عداهم ولكن المنة عليهم أبلغ وأكثر) يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ أي: يقرأ عليهم القرآن وَيُزَكِّيهِمْ أي: ويطهرهم من لوثات الشرك وخبائث الجاهلية وسيئات الأخلاق وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ أي: القرآن والسنة، وهذا يفيد أن تلاوة الآيات شئ وتعليمها شئ آخر، وأن التزكية شئ زائد على مجرد التلاوة والتعلم، فالرسول ﷺ يتلو ويعلم ويزكي، فالتلاوة قراءة وعرض، والتعليم معنى زائد يراد به تفهيم الكتاب والسنة، والتزكية معنى زائد على كليهما وَإِنْ كانُوا أي: وإن كان هؤلاء العرب مِنْ قَبْلُ أي: من قبل محمد ﷺ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي: في كفر وجهالة، قال النسفي: أي: كانوا في ضلال لا ترى ضلالا أعظم منه وَآخَرِينَ مِنْهُمْ أي: بعثه في آخرين من الأميين لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قال النسفي: أي: لم يلحقوا بهم بعد، وسيلحقون بهم، وهم الذين بعد الصحابة ﵃، أو هم الذين يأتون من بعدهم إلى يوم الدين، والمعنى: أن الله بعثه في الأميين الذين على عهده، وفي الأميين الذين سيأتون من بعدهم، وهذا يفيد أن رسول الله ﷺ مبعوث إلى العرب إلى قيام الساعة، وكما قال ابن كثير: وتخصيص الأميين بالذكر لا ينفي من عداهم، ولكن المنة عليهم أبلغ وأكثر وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قال النسفي: أي: في تمكينه رجلا أميا من ذلك الأمر العظيم، وتأييده له، واختياره إياه من بين كافة البشر ذلِكَ قال ابن كثير: يعني: ما أعطاه الله محمدا ﷺ من النبوة العظيمة، وما خص به أمته من بعثه ﵊ إليهم، وقال النسفي: (أي: الفضل الذي أعطاه محمدا وهو أن يكون نبي أبناء عهده، ونبي أبناء العصور الغوابر) أقول: والعصور البواقي فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ إعطاءه وتقتضيه حكمته وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ الذي عم فضله الجميع وفاضل بهذا الفضل من شاء بما شاء. كلمة في السياق: ١ - التقديم للسورة بذكر أسماء الله الملك القدوس العزيز الحكيم وأن يعقب ذلك الحديث عن بعثة رسول الله ﷺ للأميين يفيد أن اختصاص الله رسوله محمدا ﷺ ، واختصاص العرب بهذا الفضل هو أثر مالكيته، وأنه ليس في ذلك الاختيار نقص، لأن الله منزه عن النقائص فهو القدوس، وأن ذلك أثر عزته

стр. 5620

ومظهر حكمته، فمن اعترض على ذلك فإنه لا يعرف جلال الله. فلا يعترض على ذلك إلا جاهل. ٢ - يلاحظ أن سورة البقرة ذكرت في الآية (١٢٩) على لسان إبراهيم ﵇: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وأن سورة البقرة ذكرت في الآية (١٥١) قوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ وقد رأينا أثناء الكلام عن سورة الصف قوله ﵊ في الحديث الحسن عند ما قال أصحاب رسول الله ﷺ له: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك، قال: «دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام» هذا كله يفيد المنة ببعثة رسول الله ﷺ بما بعثه الله به، ومن ذلك تلاوة القرآن، وتعليمه مع الحكمة، وتزكية الأنفس على ذلك، ولذلك صلته بمقدمة سورة البقرة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. ٣ - إن ما ذكرناه في النقطة السابقة فيه نموذج على ما ذكرناه من قبل من كون الفقرة السابقة تعرضت لموضوع في أعماق سورة البقرة، فعرضته في سورة تفصل في مقدمة سورة البقرة للإشارة إلى أن هذا الموضوع مشدود بسبب إلى تلك المقدمة. ٤ - وبعد أن ذكر الله في الفقرة السابقة ما ذكر من بعثة رسول الله ﷺ للأميين ليعلمهم الكتاب والسنة ويزكيهم، تأتي فقرة تحدثنا عن تقصير بني إسرائيل في حملهم الكتاب الذي أنزل عليهم، وفي ذلك درس للعرب ألا يكونوا مثلهم، كما تتحدث عن دعاوى بني إسرائيل مع الله، وتفنيدها، وفي ذلك درس للمدعين من هذه الأمة الذين لا يحملون القرآن حق الحمل، ويزعمون أنهم من الله في المقام الأعلى، فلنر الفقرة الثانية بعد أن عرضنا صلتها بما قبلها. ***

стр. 5621

الفقرة الثانية وتمتد من الآية (٥) إلى نهاية الآية (٨) وهذه هي: [سورة الجمعة (٦٢): الآيات ٥ الى ٨] مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) التفسير: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها قال النسفي: (أي مثل الذين كلفوا علمها والعمل بما فيها ثم لم يعملوا بها فكأنهم لم يحملوها) كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً السفر: هو الكتاب الكبير، قال ابن كثير: (يقول تعالى ذاما اليهود الذين أعطوا التوراة وحملوها للعمل بها ثم لم يعملوا بها، مثلهم في ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارا، أي: كمثل الحمار إذا حمل كتبا لا يدري ما فيها، فهو يحملها حملا حسيا ولا يدري ما عليه، وكذلك هؤلاء في حملهم الكتاب الذي أوتوه، حفظوه لفظا ولم يتفهموه، ولا عملوا بمقتضاه، بل أولوه وحرفوه وبدلوه، فهم أسوأ حالا من الحمير؛ لأن الحمار لا فهم له، وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها). وقال النسفي: (شبه اليهود- في أنهم حملة التوراة وقراؤها وحفاظ ما فيها ثم لم يعملوا بها ولم ينتفعوا بآياتها، وذلك أن فيها نعت رسول الله ﷺ والبشارة به فلم يؤمنوا به- بالحمار حمل كبارا من كتب العلم فهو يمشي بها ولا يدري منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب، وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهو مثله). بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا

стр. 5622

بِآياتِ اللَّهِ وهم اليهود وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ بسبب اختيارهم الظلم، دل هذا على أن عدم حمل التوراة حق الحمل تكذيب بها، وظلم يستحق به صاحبه الإضلال، وفي ذلك درس لهذه الأمة التي حملت القرآن ألا تكون كتلك الأمة المكذبة الظالمة، ثم أمر الله رسوله ﷺ أن يخاطب اليهود خطابا، ويتحداهم تحديا، ويذكر حقيقتهم ويؤنبهم في موضوع يدل على أن اليهود مع حملهم السيئ للتوراة كانوا يدعون الدعاوى العريضة مع الله ، كحال كثير من هذه الأمة الآن، لا يعرفون القرآن أصلا، ويحاربونه عمليا، ويزعمون أنهم من الله في المقام الأعلى فلنر الخطاب: قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا أي: يا أيها المتهودون، أي: يا أيها اليهود إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قال النسفي: أي: إن كان قولكم حقا وكنتم على ثقة من كلامكم فتمنوا على الله أن يميتكم وينقلكم سريعا إلى دار كرامته التي أعدها لأوليائه، أقول: دل ذلك على أن ميزان الولاية لله استعداد الإنسان للقاء الله، وقد نهى رسول الله ﷺ هذه الأمة أن تتمنى الموت، ومن ثم قلنا إن ميزان ولاية الله أن يكون عند ولي الله استعداد للقاء الله، فهو في كل لحظة على استعداد لهذا اللقاء، ولما كان اليهود أبعد الناس عن هذه الولاية بسبب معرفتهم اليقينية أنهم ليسوا كذلك، ولعلم الله المحيط بهم، قال تعالى: وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي: بسبب ما قدموا من الكفر والظلم والفجور وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ولعلمه بهؤلاء اليهود أخبر تعالى عن حالهم هذا، وفي ذلك معجزة لهذا القرآن، إذ يخبر عن أمر يتصل بموقف شعب كامل في أمر مستقبل، ثم لا تجد فردا من أفراد هذا الشعب يخرج عن هذا الإخبار. ولكن هل هذا الإخبار عمن كان يواجههم رسول الله ﷺ فقط، فالمعجزة في رفضهم وحدهم، أم أن هذا الإخبار عنهم قائم إلى قيام الساعة؟ ظاهر كلام المفسرين الأول، فهي معجزة لرسول الله ﷺ في عصره. ثم قال تعالى مؤنبا لهم على فرارهم من الموت، وإنذارا لهم بالموت كي يرجعوا عما هم فيه من الضلال: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ ولا تجسرون أن تتمنوه خيفة أن تؤخذوا بوبال كفركم فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ لا محالة ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فيجازيكم بما أنتم أهله من العقاب. كلمة في السياق: ١ - جاءت هذه الفقرة بعد الفقرة التي ذكر الله فيها بعثة رسول الله

стр. 5623

صلى الله عليه وسلم، فكانت هذه الفقرة بعد تلك تأنيبا ودعوة لليهود، ودرسا لهذه الأمة ألا يكون حملها لكتابها كحمل اليهود، وألا يكون لها دعاوى كاذبة، وأن تكون مستعدة للقاء الله . ٢ - حدد الله في أول سورة البقرة صفات المتقين التي من جملتها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وحصر الفلاح والهداية فيهم فقال: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ بينما اليهود يدعون أنهم هم أولياء الله ، وقد نقض الله زعمهم ذلك بتحديهم، وفي ذلك إثبات أن ولايته محصورة بهذه الأمة. ٣ - في مقدمة سورة البقرة كلام عن الكافرين الذين ختم الله على قلوبهم، وفي الفقرة التي مرت معنا قال الله : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ بعد أن ذكر أوصاف هؤلاء الظالمين فعلمنا بذلك بعض هؤلاء الذين يستحقون الختم على قلوبهم بسبب أعمالهم. ٤ - في مقدمة سورة البقرة ورد قوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وفي الفقرة التي مرت معنا درس لأهل الإيمان في ألا يكون حملهم لكتاب الله كحمل اليهود للتوراة، ومن ثم ورد قوله تعالى: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ. ٥ - يلاحظ أنه قد ورد في سورة البقرة في الآيات (٩٤ - ٩٦) ما يلي: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ* وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ وهو نفس المعنى الذي تعرضت له سورة الجمعة، مما يشير إلى أن هذا المعنى في سورة البقرة مشدود إلى مقدمتها بصلة. ٦ - وبعد الدرس الذي أعطاه الله للمؤمنين في الفقرة الثانية يتجه الآن الخطاب في الفقرة الثالثة إلى المؤمنين في موضوع هو من أخطر المواضيع الحساسة في حياة الأمة الإسلامية، وهو صلاة الجمعة، يأتي هذا بعد أن رفع الله الاستعداد للتلقي عند المسلم إلى أعلاه بهذا المثل الذي ضربه الله عن اليهود في حملهم السيئ للتوراة، فلنر الفقرة الثالثة.

стр. 5624

الفقرة الثالثة وتمتد من الآية (٩) إلى نهاية السورة، أي: إلى نهاية الآية (١١) وهذه هي: [سورة الجمعة (٦٢): الآيات ٩ الى ١١] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١) التفسير: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ بالأذان لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قال ابن كثير: (إنما سميت الجمعة جمعة لأنها مشتقة من الجمع، فإن أهل الإسلام يجتمعون فيه، في كل أسبوع مرة بالمعابد الكبار ... وقد أمر الله المؤمنين بالاجتماع لعبادته يوم الجمعة أي: في وقت الظهر بعد الزوال) فَاسْعَوْا أي: فامضوا، قال الفراء: السعي والمضي والذهاب واحد، وليس المراد به السرعة في المشي. قال ابن كثير: أي: اقصدوا واعمدوا واهتموا في سيركم إليها وليس المراد بالسعي هاهنا المشي السريع، وإنما هو الاهتمام بها (أي: بالصلاة) قال قتادة: يعني أن تسعى بقلبك وعملك وهو المشي إليها (أي: إلى الصلاة) وقال النسفي في قوله تعالى: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ أي: امضوا إلى الخطبة عند الجمهور، وبه استدل أبو حنيفة ﵁ على أن الخطيب إذا اقتصر على الحمد لله جاز وَذَرُوا الْبَيْعَ قال ابن كثير: أي: اسعوا إلى ذكر الله واتركوا البيع إذا نودي للصلاة؛ ولهذا اتفق العلماء ﵃ على تحريم البيع بعد النداء الثاني، واختلفوا هل يصح إذا تعاطاه متعاط أم لا على قولين، وظاهر الآية عدم الصحة، كما هو مقرر في موضعه، وقال النسفي في قوله تعالى: وَذَرُوا

стр. 5625

الْبَيْعَ: (أراد الأمر بترك ما يذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا، وإنما خص البيع من بينها لأن يوم الجمعة يتكاثر فيه البيع والشراء عند الزوال؛ فقيل لهم بادروا تجارة الآخرة، واتركوا تجارة الدنيا، واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شئ أنفع منه وأربح، وذروا البيع الذي نفعه يسير) ذلِكُمْ أي: السعي إلى ذكر الله خَيْرٌ لَكُمْ من البيع والشراء إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إن كان عندكم علم حقيقي. قال ابن كثير: أي: ترككم البيع وإقبالكم إلى ذكر الله وإلى الصلاة خير لكم، أي: في الدنيا والآخرة إن كنتم تعلمون فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ أي: فإذا أديت الصلاة، أي: فإذا فرغ منها فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ قال النسفي: أمر إباحة وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ قال النسفي: (المراد بذلك الرزق، أو طلب العلم، أو عيادة المريض، أو زيارة أخ في الله). قال ابن كثير: لما حجر عليهم في التصرف بعد النداء، وأمرهم بالاجتماع، أذن لهم بعد الفراغ في الانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً قال النسفي: أي: واشكروه على ما وفقكم لأداء فرضه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي: لتفلحوا في دنياكم وأخراكم، قال ابن كثير في تفسير الأمر بالذكر في هذا المقام: أي: في حال بيعكم وشرائكم، وأخذكم وإعطائكم اذكروا الله ذكرا كثيرا، ولا تشغلكم الدنيا عن الذي ينفعكم في الدار الآخرة وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها خص التجارة بالذكر لأنها كانت أهم عندهم وَتَرَكُوكَ قائِماً أي: على المنبر تخطب، والآية تعاتب على حادثة وقعت ثم لم يعد المسلمون إلى ذلك بعد هذا الدرس قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ من الثواب خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ أي: لمن توكل عليه وطلب الرزق في وقته. وقال النسفي: أي: لا يفوتهم رزق الله بترك البيع فهو خير الرازقين، وهذه الآية عتاب لمن فعل ذلك من أصحاب رسول الله ﷺ ، وتحذير لكل من يفضل لهوا أو تجارة أو عملا على الاستماع لخطبة الجمعة، ووعد لكل من يفضل خطبة الجمعة على أي: شئ آخر بالأجر والرزق والتعويض. كلمة في السياق: ١ - قدم الله للأمر بصلاة الجمعة بشيئين: أولا: تبيان ما بعث به الرسول ﷺ ، وصلاة الجمعة شرعت لإحيائه والتذكير به، والحث عليه. ثانيا: موقف بني إسرائيل من التوراة، وصلاة الجمعة شرعت لتبعد المسلمين عن الإهمال لأمر

стр. 5626

الله، فالصلات بين فقرات السورة قائمة. ٢ - إن ذكر تشريع الجمعة وبعض ما يتعلق بها في سياق سورة الجمعة يعطينا دلالات معينة منها: أن صلاة الجمعة وخطبتها ينبغي أن تحقق ما بعث من أجله محمد ﷺ ، وأن تجنب هذه الأمة ما وقعت فيه بنو إسرائيل، وفي ذلك درس لخطيب الجمعة وللمستمع، هذا وقد ذكر في الفقرة الأخيرة كل ما ينهض على أداء الجمعة، ويبعد عن إهمالها، كما ذكر مقدمة لذلك كل ما يبعث عليها، وفي ذلك درس من دروس هذا القرآن إذ يجعل التكليف في إطار يحمل على غاية الالتزام. ٣ - رأينا صلة الفقرتين الأوليين بمقدمة سورة البقرة، وأما صلة الفقرة الأخيرة فمن حيث إن مقدمة سورة البقرة ذكرت أن من صفات المتقين وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وإقامة صلاة الجمعة من أهم ما يدخل تحت قوله تعالى: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وفي ذلك نوع تفصيل لما يدخل تحت إقامة الصلاة من مقدمة سورة البقرة. ٤ - نلاحظ أن صفات المتقين في مقدمة سورة البقرة ختمت بقوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، ونلاحظ أن الله قال في الفقرة الأخيرة: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ مما يشير إلى أن الفقرة الأخيرة تفصل في طريق الفلاح الذي أجملته الآيات الأولى من مقدمة سورة البقرة، وهكذا رأينا صلة فقرات سورة الجمعة كلها بمحورها من سورة البقرة، ورأينا كذلك وحدة سياق السورة، وصلة فقراتها ببعضها، ولعل القارئ لا يغيب عنه ذكر اسم الله الملك في ابتداء السورة، وذكر قوله تعالى: وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ في آخرها مما يؤكد أن السورة مجلى لظهور أسماء الله التي وردت في أولها. ولنكتف الآن بهذا القدر عن سياق السورة ولنذكر بعض الفوائد المتعلقة ببعض آياتها. الفوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ قال ابن كثير: (الأميون هم العرب كما قال تعالى: وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ؟ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ وتخصيص الأميين بالذكر لا ينفي من عداهم، ولكن المنة عليهم أبلغ وأكثر كما قال تعالى

стр. 5627

في قوله: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وهو ذكر لغيرهم يتذكرون به، وكذا قال تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وهذا وأمثاله لا ينافي قوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً وقوله: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ وقوله تعالى إخبارا عن القرآن: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عموم بعثته صلوات الله وسلامه عليه إلى جميع الخلق أحمرهم وأسودهم، وهذه الآية هي مصداق إجابة الله لخليله إبراهيم حين دعا لأهل مكة أن يبعث الله فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، فبعثه الله وله الحمد والمنة- على حين فترة من الرسل، وطموس من السبل، وقد اشتدت الحاجة إليه، وقد مقت الله أهل الأرض عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، أي: نزرا يسيرا ممن بقي على ما بعث الله به عيسى ابن مريم ﵇ ولهذا قال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ وذلك لأن العرب كانوا قديما متمسكين بدين إبراهيم الخليل ﵇، فبدلوه وغيروه وقلبوه وخالفوه، واستبدلوا بالتوحيد شركا، وباليقين شكا، وابتدعوا أشياء لم يأذن بها الله، وكذلك أهل الكتاب قد بدلوا كتبهم وحرفوها وغيروها، وأولوها، فبعث الله محمدا صلوات الله وسلامه عليه بشرع عظيم كامل شامل لجميع الخلق، فيه هدايتهم، والبيان لجميع ما يحتاجون إليه من أمر معاشهم ومعادهم، والدعوة لهم إلى ما يقربهم إلى الجنة، ورضا الله عنهم، والنهي عما يقربهم إلى النار وسخط الله تعالى، حاكم فاصل لجميع الشبهات والشكوك والريب في الأصول والفروع، وجمع له تعالى- وله الحمد والمنة- جميع المحاسن ممن كان قبله، وأعطاه ما لم يعط أحدا من الأولين، ولا يعطيه أحدا من الآخرين، فصلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين). وقال صاحب الظلال: (قيل إن العرب سموا الأميين لأنهم كانوا لا يقرءون ولا يكتبون- في الأعم الأغلب- وروي عن النبي ﷺ أنه قال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا وأشار بأصابعه وقال: «إنا نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب» ... وقيل: إنما سمي من لا يكتب أميا لأنه نسب إلى حال ولادته من الأم، لأن الكتابة إنما تكون بالاستفادة والتعلم. وربما سموا كذلك كما كان اليهود يقولون عن غيرهم من الأمم: إنهم «جوييم»

стр. 5628

باللغة العبرية أي: أمميون. نسبة إلى الأمم- بوصفهم هم شعب الله المختار وغيرهم هم الأمم! - والنسبة في العربية إلى المفرد ... أمة ... أميون. وربما كان هذا أقرب بالنسبة إلى موضوع السورة. ولقد كان اليهود ينتظرون مبعث الرسول الأخير منهم. فيجمعهم بعد فرقة، وينصرهم بعد هزيمة، ويعزهم بعد ذلة. وكانوا يستفتحون بهذا على العرب، أي: يطلبون الفتح بذلك النبي الأخير). ٢ - عند قوله تعالى: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ يقع بعض المفسرين في خطأ هو أنهم يرجعون الضمير إلى غير الأميين الذين هم العرب، وقد ضعف النسفي هذا الاتجاه، بينما لم يذكر ابن كثير غيره مع أن الظاهر أن الضمير يعود على العرب، ومنشأ الغلط يعود إلى فهم خاطئ لحديث، فلننقل هذا الحديث وتفسير ابن كثير للآية ثم نعلق عليه، قال ابن كثير: (روى الإمام أبو عبد الله البخاري رحمه الله تعالى عن أبي هريرة ﵁ قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ فأنزلت عليه سورة الجمعة وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قالوا: من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعهم حتى سئل ثلاثا وفينا سلمان الفارسي فوضع رسول الله ﷺ يده على سلمان الفارسي ثم قال: «لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال- أو رجل- من هؤلاء» ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير من طرق ... عن أبي هريرة به، ففي هذا الحديث دليل على أن هذه السورة مدنية، وعلى عموم بعثته ﷺ إلى جميع الناس، لأنه فسر قوله تعالى: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ بفارس، ولهذا كتب كتبه إلى فارس والروم وغيرهم من الأمم يدعوهم إلى الله ، وإلى اتباع ما جاء به، ولهذا قال مجاهد وغير واحد في قوله تعالى: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قال: هم الأعاجم، وكل من صدق النبي ﷺ من غير العرب. وروى ابن أبي حاتم عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في أصلاب أصلاب أصلاب رجال ونساء من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب» ثم قرأ: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ يعني: بقية من بقي من أمة محمد ﷺ . أقول: إن الرسول ﷺ لم يفسر بأن المراد بالآخرين هم فارس، بل قال: «لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال أو رجل من هؤلاء» ولكون كلام الرسول ﷺ ورد في سياق السؤال عن هؤلاء الآخرين، ظن الظانون أن المراد بالآخرين فارس أو الأعاجم، وعندي أن الأمر ليس كذلك، فالآية

стр. 5629

واضحة ولكن الرسول ﷺ أراد أن يلفت النظر إلى أن غير العرب كذلك سيكون لهم حظ أعلى من هذا الدين، فذكر الفرس، والآية كما فسرناها أقوى رد على من يزعم من العرب أن هذا الإسلام لجيل انتهى، وأن هذا الجيل لا يخاطب به، وأقوى دعوة لعرب اليوم من أجل أن يلحقوا بالسابقين من أسلافهم، وأعظم حجة على أن العرب في كل الأجيال هم المخاطبون الأوائل بهذه الرسالة، ومن ثم فعليهم بالدرجة الأولى تقع مسئولية حملها، ولهم حق القيادة إن قاموا بحقها، ويشهد ذلك قوله تعالى من قبل: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ فالاستبدال يكون في حال التولي، فمتى يعقل عرب اليوم هذا؟ وقوله تعالى: لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ فيه إشارة إلى فضل السابقين، ولذلك قال الألوسي بمناسبة هذه الآية: (وقد صرحوا أنه لا يبلغ تابعي- وإن جل قدرا- في الفضل مرتبة صحابي، وإن لم يكن من كبار الصحابة، وقد سئل عبد الله بن المبارك عن معاوية، وعمر بن عبد العزيز أيهما أفضل؟ فقال: الغبار الذي دخل أنف فرس معاوية أفضل عند الله من مائة عمر بن عبد العزيز؛ فقد صلى معاوية خلف رسول الله ﷺ فقرأ: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ الخ فقال معاوية: آمين، واستدل على عدم اللحوق بما صح من قوله ﵊ فيهم: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» على القول بأن الخطاب لسائر الأمة، وأما قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره» فمبالغة في خيريتهم كقول القائل في ثوب حسن البطانة: لا يدرى ظهارته خير أم بطانته). ٣ - بمناسبة قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً قال ابن كثير: (وروى الإمام أحمد ﵀ عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا، والذي يقول له أنصت ليس له جمعة»). أقول: إن هذا الحديث يدل على أن ذكر الجمعة والأمر به في سياق هذه السورة مرتبط بالمعاني التي تقدمته وسبقته فكانت مقدمة له. ٤ - بمناسبة الكلام عن اليهود وعدم تمنيهم الموت في قوله تعالى: وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً ... قال ابن كثير: (وقد قدمنا الكلام في سورة البقرة على هذه المباهلة لليهود حيث قال تعالى: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ

стр. 5630

فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ* وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ... وقد استوفينا الكلام هناك، وبينا أن المراد أن يدعوا على الضلال من أنفسهم أو خصومهم كما تقدمت مباهلة النصارى في آل عمران فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ومباهلة المشركين في سورة مريم قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا وقد روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: قال أبو جهل لعنه الله: إن رأيت محمدا عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه، قال فقال رسول الله ﷺ : «لو فعل لأخذته الملائكة عيانا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا» ورواه البخاري والترمذي والنسائي من حديث عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم). ٥ - يلاحظ أن الله قال في سورة البقرة: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وقال هاهنا: وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً هناك قال: وَلَنْ وهنا قال: وَلا قال النسفي: (لا فرق بين لا ولن في أن كل واحدة منهما نفي للمستقبل إلا أن في لن تأكيدا وتشديدا ليس في لا، فأتي مرة بلفظ التأكيد وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ ومرة بغير لفظه وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ). ٦ - بمناسبة قوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ قال ابن كثير: (وفي معجم الطبراني ... عن الحسن عن سمرة مرفوعا: «مثل الذي يفر من الموت كمثل الثعلب تطلبه الأرض بدين، فجاء يسعى حتى إذا أعيا وانبهر دخل جحره، فقالت له الأرض: يا ثعلب ديني فخرج له حصاص فلم يزل كذلك حتى تقطعت عنقه»). ٧ - بمناسبة الكلام عن الجمعة في السورة قال ابن كثير: (إنما سميت الجمعة جمعة لأنها مشتقة من الجمع، فإن أهل الإسلام يجتمعون فيه في كل أسبوع مرة بالمعابد الكبار، وفيه كمل جميع الخلائق؛ فإنه اليوم السادس من الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض، وفيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم

стр. 5631

الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه، كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحاح. وروى ابن أبي حاتم عن قرثع الضبي عن سلمان قال: قال أبو القاسم ﷺ : «يا سلمان ما يوم الجمعة؟» قلت: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله ﷺ : «يوم الجمعة يوم جمع الله فيه أبواكم- أو أبوكم-» وقد روى عن أبي هريرة من كلامه نحو هذا فالله أعلم، وقد كان يقال له في اللغة القديمة يوم العروبة، وثبت أن الأمم قبلنا أمروا به فضلوا عنه، واختار اليهود يوم السبت الذي لم يقع فيه خلق آدم، واختار النصارى يوم الأحد الذي ابتدئ فيه الخلق، واختار الله لهذه الأمة يوم الجمعة الذي أكمل الله فيه الخليقة، كما أخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الرزاق عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم إن هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا والنصارى بعد غد» لفظ البخاري وفي لفظ لمسلم: «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة فجعل يوم الجمعة والسبت والأحد وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة؛ نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة، المقضي بينهم قبل الخلائق» وقد أمر الله المؤمنين بالاجتماع لعبادته يوم الجمعة فقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ). ٨ - بمناسبة قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ قال ابن كثير: (المراد بهذا النداء هو النداء الثاني الذي كان يفعل بين يدي رسول الله ﷺ إذا خرج فجلس على المنبر، فإنه كان حينئذ يؤذن بين يديه، فهذا هو المراد، فأما النداء الأول الذي زاده أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ فإنما كان هذا لكثرة الناس كما رواه البخاري ﵀ حيث روى عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان بعد زمن، وكثر الناس، زاد النداء الثاني على الزوراء يعني يؤذن به على الدار التي تسمى الزوراء، وكانت أرفع دار بالمدينة بقرب المسجد. وروى ابن أبي حاتم عن مكحول أن النداء كان في الجمعة مؤذن واحد حين يخرج الإمام ثم تقام الصلاة، وذلك النداء الذي يحرم عنده الشراء والبيع إذا نودي به، فأمر عثمان ﵁ أن ينادى قبل خروج الإمام حتى يجتمع الناس. وإنما يؤمر

стр. 5632

بحضور الجمعة الرجال الأحرار دون العبيد والنساء والصبيان، ويعذر المسافر والمريض، وقيم المريض، وما أشبه ذلك من الأعذار كما هو مقرر في كتب الفروع). ٩ - بمناسبة قوله تعالى: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ قال ابن كثير: (وليس المراد بالسعي هاهنا المشي السريع وإنما هو الاهتمام بها كقوله تعالى: وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ وكان عمر بن الخطاب وابن مسعود ﵄ يقرآنها (فامضوا إلى ذكر الله) فأما المشي السريع إلى الصلاة فقد نهي عنه لما أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» لفظ البخاري وعن أبي قتادة قال: بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ سمع جلبة رجال فلما صلى قال: «ما شأنكم؟» قالوا: استعجلنا إلى الصلاة، قال: «فلا تفعلوا: إذا أتيتم الصلاة فامشوا وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» أخرجاه. وروى عبد الرزاق ... عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، ولكن ائتوها وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا». رواه الترمذي ... عن أبي سلمة عن أبي هريرة بمثله. قال الحسن: أما والله ما هو بالسعي على الأقدام، ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع. وقال قتادة في قوله: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ يعني: أن تسعى بقلبك وعملك وهو المشي إليها وكان يتأول قوله تعالى: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ أي: المشي معه، وروي عن محمد بن كعب وزيد ابن أسلم وغيرهما نحو ذلك). وبمناسبة هذا النص قال الألوسي: (إنما يجب إتيان الجمعة من مكان يسمع فيه النداء، والمسألة خلافية فقال ابن عمر، وأبو هريرة، ويونس، والزهري: يجب إتيانها من ستة أميال، وقيل: من خمسة، وقال ربيعة: من أربعة، وروي ذلك عن الزهري، وابن المنكدر، وقال مالك، والليث: من ثلاثة، وفي بحر أبي حيان. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجب الإتيان على من في المصر سمع النداء، أو لم يسمع، لا على من هو خارج المصر، وإن سمع النداء؛ وعن ابن عمر، وابن المسيب، والزهري، وأحمد، وإسحاق على من سمع النداء، وعن ربيعة على من إذا سمع وخرج من بيته ماشيا أدرك الصلاة، وكذا استدل بذلك من قال بوجوب الإتيان إليها، سواء كان إذن عام

стр. 5633

أم لا، وسواء أقامها سلطان، أو نائبه، أو غيرهما أم لا، لأنه تعالى إنما رتب وجوب السعي على النداء مطلقا كذا قيل، وتحقيق الكلام على ذلك كله في كتب الفروع المطولة). وقال ابن كثير: (ويستحب لمن جاء إلى الجمعة أن يغتسل قبل مجيئه إليها لما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل» ولهما عن سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم» وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: «حق الله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام. يغسل رأسه وجسده» رواه مسلم، وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «على كل رجل مسلم في سبعة أيام غسل يوم وهو يوم الجمعة» رواه أحمد والنسائي وابن حبان. وروى الإمام أحمد عن أوس بن الثقفي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من غسل واغتسل يوم الجمعة، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ، كان له بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها» وهذا الحديث له طرق وألفاظ وقد أخرجه أهل السنن الأربعة وحسنه الترمذي، وعن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة. فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» أخرجاه. ويستحب له أن يلبس أحسن ثيابه، ويتطيب، ويتسوك ويتنظف ويتطهر، وفي حديث أبي سعيد المتقدم: «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم والسواك، وأن يمس من طيب أهله» وروى الإمام أحمد عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب أهله إن كان عنده، ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج حتى يأتي المسجد فيركع إن بدا له ولم يؤذ أحدا ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي، كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى» وفي سنن أبي داود وابن ماجه عن عبد الله ابن سلام ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول على المنبر: «ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته» وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم الجمعة فرأى عليهم ثياب النمار فقال: «ما على أحدكم إن

стр. 5634

وجد سعة أن يتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته» رواه ابن ماجه). ١٠ - بمناسبة قوله تعالى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ قال ابن كثير: (كما كان عراك بن مالك ﵁ إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: اللهم إني أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني؛ فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين. رواه ابن أبي حاتم. وروي عن بعض السلف أنه قال: من باع واشترى في يوم الجمعة بعد الصلاة بارك الله له سبعين مرة لقول الله تعالى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وقوله تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي: في حال بيعكم وشرائكم، وأخذكم وإعطائكم، اذكروا الله ذكرا كثيرا ولا تشغلكم الدنيا عن الذي ينفعكم في الدار الآخرة، ولهذا جاء في الحديث: «من دخل سوقا من الأسواق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة» وقال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكر الله قائما وقاعدا ومضطجعا). وبمناسبة الأمر بالانتشار في الأرض وابتغاء فضل الله قال الألوسي: (وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه قال: لم يؤمروا بشيء من طلب الدنيا إنما هو عيادة مريض، وحضور جنازة، وزيارة أخ في الله تعالى، وأخرج نحوه ابن جرير عن أنس مرفوعا، والأمر للإباحة على الأصح، فيباح بعد قضاء الصلاة الجلوس في المسجد، ولا يجب الخروج، وروي ذلك عن الضحاك، ومجاهد. وحكى الكرماني في شرح البخاري الاتفاق على ذلك وفيه نظر، فقد حكى السرخسي القول بأنه للوجوب، وقيل: هو للندب، وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه عن عبد الله بن بسر الحراني قال: رأيت عبد الله بن بسر المازني صاحب النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إذا صلى الجمعة خرج فدار في السوق ساعة ثم رجع إلى المسجد، فصلى ما شاء الله تعالى أن يصلي، فقيل له: لأي شئ تصنع هذا؟ قال: إني رأيت سيد المرسلين صلى الله تعالى عليه وسلم هكذا يصنع وتلا هذه الآية: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ الخ. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: إذا انصرفت يوم الجمعة فاخرج إلى باب المسجد فساوم بالشئ وإن لم تشتره، ونقل عنه القول بالندبية وهو الأقرب والأوفق).

стр. 5635

أقول: فهم بعضهم من الآية حرمة التعطيل يوم الجمعة، وليس الأمر كذلك؛ فقد رأينا أن هناك من فهم قوله تعالى: وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ بأن المراد به طلب الفضل الأخروي بأن يعود الإنسان مريضا، أو يزور أخا في الله، وقد رأينا أن الأمر للإباحة على الأصح، فإذا ما فرغ المسلم يوم الجمعة لبعض الحاجات فذلك مباح له، بل نرجو أن يكون مأجورا في ذلك إن شاء الله. ١١ - بمناسبة قوله تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قال ابن كثير: (يعاتب الله ﵎ على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذ فقال تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً أي: على المنبر تخطب، هكذا ذكره غير واحد من التابعين منهم أبو العالية والحسن وزيد بن أسلم وقتادة، وزعم مقاتل بن حيان: أن التجارة كانت لدحية بن خليفة قبل أن يسلم، وكان معها طبل، فانصرفوا إليها، وتركوا رسول الله ﷺ قائما على المنبر إلا القليل منهم، وقد صح بذلك الخبر فقد روى الإمام أحمد عن جابر قال: قدمت غير مرة المدينة ورسول الله ﷺ يخطب، فخرج الناس وبقي اثنا عشر رجلا فنزلت: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها أخرجاه في الصحيحين من حديث سالم به. وروى الحافظ أبو يعلى عن جابر ابن عبد الله قال: بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة فقدمت عير إلى المدينة فابتدرها أصحاب رسول الله ﷺ حتى لم يبق مع رسول الله ﷺ إلا اثنا عشر رجلا فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد لسال بكم الوادي نارا» ونزلت هذه الآية وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً وقال كان في الاثني عشر الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ : أبو بكر وعمر ﵄، وفي قوله تعالى: وَتَرَكُوكَ قائِماً دليل على أن الإمام يخطب يوم الجمعة قائما. وقد روى مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة قال: كانت للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الناس، ولكن هاهنا شئ ينبغي أن يعلم وهو: أن هذه القصة قد قيل إنها كانت لما كان رسول الله ﷺ يقدم الصلاة يوم الجمعة على الخطبة كما رواه أبو داود في كتاب المراسيل). قال الألوسي- وهو حنفي-: (واستدل بما وقع في القصة على أقل العدد المعتبر في جماعة الجمعة بأنه اثنا عشر، بناء على ما في أكثر الروايات من أن الباقين بعد

стр. 5636

الانفضاض كانوا كذلك، ووجه الدلالة منه أن العدد المعتبر في الابتداء يعتبر في الدوام، فلما لم تبطل الجمعة بانفضاض الزائد على اثني عشر دل على أن هذا العدد كاف، وفيه أن ذلك كان دالا على صحتها باثني عشر رجلا بلا شبهة، لكن ليس فيه دلالة على اشتراط اثني عشر، وأنها لا تصح بأقل من هذا العدد، فإن هذه واقعة عين أكثر ما فيها أنهم انفضوا وبقي اثنا عشر رجلا وتمت بهم الجمعة، وليس فيها أنه لو بقي أقل من هذا العدد لم تتم بهم، وفيما يصنع الإمام إن اتفق تفرق الناس عنه في صلاة الجمعة خلاف: فعند أبي حنيفة إن بقي وحده، أو مع أقل من ثلاثة رجال يستأنف الظهر إذا نفروا عنه قبل الركوع، وعند صاحبيه: إذا كبر وهم معه مضى فيها، وعند زفر إذا نفروا قبل القعدة بطلت لأن العدد شرط ابتداء فلا بد من دوامه كالوقت، ولهما أنه شرط الانعقاد فلا يشترط دوامه كالخطبة، وللإمام أن الانعقاد بالشروع في الصلاة ولا يتم ذلك إلا بتمام الركعة، لأن ما دونها ليس بصلاة، فلا بد من دوامه إلى ذلك بخلاف الخطبة؛ لأنها تنافي الصلاة فلا يشترط دوامها). كلمة أخيرة في سورة الجمعة: إن سورة الجمعة نموذج للسورة التي لها سياقها الخاص، وهي تفصل في محور سورة البقرة مع شدها لهذا المحور معاني مرتبطة به في أعماق سورة البقرة، وكل ذلك فصلناه من قبل، وصلة بدايتها بنهاية سورة الصف واضحة: فسورة الصف تنتهي بالدعوة إلى نصرة الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ وتبدأ سورة الجمعة بالكلام عن بعثة رسول الله ﷺ ومضمونها، وهو الشئ الذي ينبغي أن ينصر، وفي أثناء الكلام عن محور سورة المنافقون تفصيلات حول السورتين فلننتقل إلى الكلام عن سورة المنافقون. ***

стр. 5637

سورة المنافقون وهي السورة الثالثة والستون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثالثة والأخيرة من المجموعة الرابعة من قسم المفصل، وهي إحدى عشرة آية وهي مدنية

стр. 5638

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 5639

بين يدي سورة المنافقون: قدم الألوسي لسورة (المنافقون) بقوله: (مدنية وعدد آياتها إحدى عشرة آية بلا خلاف، ووجه اتصالها أن سورة الجمعة ذكر فيها المؤمنون، وهذه ذكر فيها أضدادهم وهم المنافقون، ولهذا أخرج سعيد بن منصور، والطبراني في الأوسط بسند حسن عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة فيحرض بها المؤمنين. وفي الثانية بسورة المنافقون فيقرع بها المنافقين، وقال أبو حيان في ذلك: إنه لما كان سبب الانفضاض عن سماع الخطبة ربما كان حاصلا عن المنافقين واتبعهم ناس كثير من المؤمنين في ذلك لسرورهم بالعير التي قدمت بالميرة، إذ كان الوقت وقت مجاعة جاء ذكر المنافقين وما هم عليه من كراهة أهل الإيمان، وأتبع بقبائح أفعالهم وأقوالهم، والأول أولى). ومن تقديم صاحب الظلال لهذه السورة: (وهي تتضمن حملة عنيفة على أخلاق المنافقين وأكاذيبهم ودسائسهم ومناوراتهم، وما في نفوسهم من البغض والكيد للمسلمين، ومن اللؤم والجبن وانطماس البصائر والقلوب. وليس في السورة عدا هذا إلا لفتة في نهايتها إلى الذين آمنوا لتحذيرهم من كل ما يلصق بهم صفة من صفات المنافقين، ولو من بعيد. وأدنى درجات النفاق عدم التجرد لله، والغفلة عن ذكره اشتغالا بالأموال والأولاد، والتقاعس عن البذل في سبيل الله حتى يأتي اليوم الذي لا ينفع فيه البذل والصدقات). وفي سبب نزول هذه السورة نذكر هذه الروايات نقلا عن ابن كثير: (وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني محمد بن يحيى بن حبان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة في قصة بني المصطلق فبينا رسول الله ﷺ مقيم هناك اقتتل على الماء جهجاه بن سعيد الغفاري وكان أجيرا لعمر بن الخطاب، وسنان بن يزيد قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن يحيى بن حبان قال: ازدحما على الماء فاقتتلا فقال سنان: يا معشر الأنصار، وقال الجهجاه: يا معشر المهاجرين، وزيد بن أرقم ونفر من الأنصار عند عبد الله بن أبي فلما سمعها قال: قد ثاورونا في بلادنا، والله ما مثلنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على من عنده من قومه وقال: هذا ما صنعتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو كففتم عنهم لتحولوا

стр. 5640

عنكم من بلادكم إلى غيرها، فسمعها زيد بن أرقم ﵁ فذهب بها إلى رسول الله ﷺ وهو غليم عنده عمر بن الخطاب ﵁ فأخبره الخبر، فقال عمر ﵁: يا رسول الله مر عباد بن بشر فليضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ : «فكيف إذا تحدث الناس يا عمر أن محمدا يقتل أصحابه! لا، ولكن ناد يا عمر الرحيل» فلما بلغ عبد الله بن أبي أن ذلك قد بلغ رسول الله ﷺ أتاه فاعتذر إليه وحلف بالله ما قال ما قال عليه زيد بن أرقم، وكان عند قومه بمكان، فقالوا: يا رسول الله عسى أن يكون هذا الغلام أو هم ولم يثبت ما قال الرجل، وراح رسول الله ﷺ مهجرا في ساعة كان لا يروح فيها، فلقيه أسيد بن الحضير ﵁ فسلم عليه بتحية النبوة ثم قال: والله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها، فقال رسول الله ﷺ : «أما بلغك ما قال صاحبك ابن أبي؟ زعم أنه إذا قدم المدينة سيخرج الأعز منها الأذل» قال: فأنت يا رسول الله العزيز وهو الذليل، ثم قال: ارفق به يا رسول الله فو الله لقد جاء الله بك وإنا لننظم له الخرز لنتوجه، فإنه ليرى أن قد سلبته ملكا، فسار رسول الله ﷺ بالناس حتى أمسوا وليلته حتى أصبحوا، وصدر يومه حتى اشتد الضحى، ثم نزل بالناس ليشغلهم عما كان من الحديث، فلم يأمن الناس أن وجدوا مس الأرض فناموا ونزلت سورة المنافقون. وقد روى ابن أبي حاتم ﵀ عن محمد بن مسلم أن عروة بن الزبير وعمرو ابن ثابت الأنصاري أخبراه أن رسول الله ﷺ غزا غزوة المريسيع، وهي التي هدم رسول الله ﷺ فيها مناة الطاغية التي كانت بين قفا المشلل وبين البحر، فبعث رسول الله خالد بن الوليد فكسر مناة، فاقتتل رجلان في غزوة رسول الله ﷺ تلك، أحدهما من المهاجرين والآخر من بهز، وهم حلفاء الأنصار، فاستعلى الرجل الذي من المهاجرين على البهزي، فقال البهزي: يا معشر الأنصار، فنصره رجال من الأنصار وقال المهاجري: يا معشر المهاجرين، فنصره رجال من المهاجرين، حتى كان بين أولئك الرجال من المهاجرين والرجال من الأنصار شئ من القتال، ثم حجز بينهم فانكفأ كل منافق أو رجل في قلبه مرض إلى عبد الله بن أبي بن سلول فقالوا: قد كنت ترجى وتدفع فأصبحت لا تضر ولا تنفع، قد تناصرت علينا الجلابيب- وكانوا يدعون كل حديث الهجرة الجلابيب- فقال عبد الله بن أبي عدو الله: والله لئن رجعنا
следующие страницы →