Полный текст (6 440 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.
стр. 5636
الانفضاض كانوا كذلك، ووجه الدلالة منه أن العدد المعتبر في الابتداء يعتبر في الدوام، فلما لم تبطل الجمعة بانفضاض الزائد على اثني عشر دل على أن هذا العدد كاف، وفيه أن ذلك كان دالا على صحتها باثني عشر رجلا بلا شبهة، لكن ليس فيه دلالة على اشتراط اثني عشر، وأنها لا تصح بأقل من هذا العدد، فإن هذه واقعة عين أكثر ما فيها أنهم انفضوا وبقي اثنا عشر رجلا وتمت بهم الجمعة، وليس فيها أنه لو بقي أقل من هذا العدد لم تتم بهم، وفيما يصنع الإمام إن اتفق تفرق الناس عنه في صلاة الجمعة خلاف:
فعند أبي حنيفة إن بقي وحده، أو مع أقل من ثلاثة رجال يستأنف الظهر إذا نفروا عنه قبل الركوع، وعند صاحبيه: إذا كبر وهم معه مضى فيها، وعند زفر إذا نفروا قبل القعدة بطلت لأن العدد شرط ابتداء فلا بد من دوامه كالوقت، ولهما أنه شرط الانعقاد فلا يشترط دوامه كالخطبة، وللإمام أن الانعقاد بالشروع في الصلاة ولا يتم ذلك إلا بتمام الركعة، لأن ما دونها ليس بصلاة، فلا بد من دوامه إلى ذلك بخلاف الخطبة؛ لأنها تنافي الصلاة فلا يشترط دوامها).
كلمة أخيرة في سورة الجمعة:
إن سورة الجمعة نموذج للسورة التي لها سياقها الخاص، وهي تفصل في محور سورة البقرة مع شدها لهذا المحور معاني مرتبطة به في أعماق سورة البقرة، وكل ذلك فصلناه من قبل، وصلة بدايتها بنهاية سورة الصف واضحة: فسورة الصف تنتهي بالدعوة إلى نصرة الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ وتبدأ سورة الجمعة بالكلام عن بعثة رسول الله ﷺ ومضمونها، وهو الشئ الذي ينبغي أن ينصر، وفي أثناء الكلام عن محور سورة المنافقون تفصيلات حول السورتين فلننتقل إلى الكلام عن سورة المنافقون.
***
стр. 5637
سورة المنافقون
وهي السورة الثالثة والستون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثالثة والأخيرة من المجموعة الرابعة من قسم المفصل، وهي إحدى عشرة آية وهي مدنية
стр. 5638
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 5639
بين يدي سورة المنافقون:
قدم الألوسي لسورة (المنافقون) بقوله: (مدنية وعدد آياتها إحدى عشرة آية بلا خلاف، ووجه اتصالها أن سورة الجمعة ذكر فيها المؤمنون، وهذه ذكر فيها أضدادهم وهم المنافقون، ولهذا أخرج سعيد بن منصور، والطبراني في الأوسط بسند حسن عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة فيحرض بها المؤمنين. وفي الثانية بسورة المنافقون فيقرع بها المنافقين، وقال أبو حيان في ذلك: إنه لما كان سبب الانفضاض عن سماع الخطبة ربما كان حاصلا عن المنافقين واتبعهم ناس كثير من المؤمنين في ذلك لسرورهم بالعير التي قدمت بالميرة، إذ كان الوقت وقت مجاعة جاء ذكر المنافقين وما هم عليه من كراهة أهل الإيمان، وأتبع بقبائح أفعالهم وأقوالهم، والأول أولى).
ومن تقديم صاحب الظلال لهذه السورة: (وهي تتضمن حملة عنيفة على أخلاق المنافقين وأكاذيبهم ودسائسهم ومناوراتهم، وما في نفوسهم من البغض والكيد للمسلمين، ومن اللؤم والجبن وانطماس البصائر والقلوب.
وليس في السورة عدا هذا إلا لفتة في نهايتها إلى الذين آمنوا لتحذيرهم من كل ما يلصق بهم صفة من صفات المنافقين، ولو من بعيد. وأدنى درجات النفاق عدم التجرد لله، والغفلة عن ذكره اشتغالا بالأموال والأولاد، والتقاعس عن البذل في سبيل الله حتى يأتي اليوم الذي لا ينفع فيه البذل والصدقات).
وفي سبب نزول هذه السورة نذكر هذه الروايات نقلا عن ابن كثير: (وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني محمد بن يحيى بن حبان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة في قصة بني المصطلق فبينا رسول الله ﷺ مقيم هناك اقتتل على الماء جهجاه بن سعيد الغفاري وكان أجيرا لعمر بن الخطاب، وسنان بن يزيد قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن يحيى بن حبان قال: ازدحما على الماء فاقتتلا فقال سنان: يا معشر الأنصار، وقال الجهجاه: يا معشر المهاجرين، وزيد بن أرقم ونفر من الأنصار عند عبد الله بن أبي فلما سمعها قال: قد ثاورونا في بلادنا، والله ما مثلنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على من عنده من قومه وقال: هذا ما صنعتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو كففتم عنهم لتحولوا
стр. 5640
عنكم من بلادكم إلى غيرها، فسمعها زيد بن أرقم ﵁ فذهب بها إلى رسول الله ﷺ وهو غليم عنده عمر بن الخطاب ﵁ فأخبره الخبر، فقال عمر ﵁: يا رسول الله مر عباد بن بشر فليضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ :
«فكيف إذا تحدث الناس يا عمر أن محمدا يقتل أصحابه! لا، ولكن ناد يا عمر الرحيل» فلما بلغ عبد الله بن أبي أن ذلك قد بلغ رسول الله ﷺ أتاه فاعتذر إليه وحلف بالله ما قال ما قال عليه زيد بن أرقم، وكان عند قومه بمكان، فقالوا:
يا رسول الله عسى أن يكون هذا الغلام أو هم ولم يثبت ما قال الرجل، وراح رسول الله ﷺ مهجرا في ساعة كان لا يروح فيها، فلقيه أسيد بن الحضير ﵁ فسلم عليه بتحية النبوة ثم قال: والله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها، فقال رسول الله ﷺ : «أما بلغك ما قال صاحبك ابن أبي؟ زعم أنه إذا قدم المدينة سيخرج الأعز منها الأذل» قال: فأنت يا رسول الله العزيز وهو الذليل، ثم قال: ارفق به يا رسول الله فو الله لقد جاء الله بك وإنا لننظم له الخرز لنتوجه، فإنه ليرى أن قد سلبته ملكا، فسار رسول الله ﷺ بالناس حتى أمسوا وليلته حتى أصبحوا، وصدر يومه حتى اشتد الضحى، ثم نزل بالناس ليشغلهم عما كان من الحديث، فلم يأمن الناس أن وجدوا مس الأرض فناموا ونزلت سورة المنافقون.
وقد روى ابن أبي حاتم ﵀ عن محمد بن مسلم أن عروة بن الزبير وعمرو ابن ثابت الأنصاري أخبراه أن رسول الله ﷺ غزا غزوة المريسيع، وهي التي هدم رسول الله ﷺ فيها مناة الطاغية التي كانت بين قفا المشلل وبين البحر، فبعث رسول الله خالد بن الوليد فكسر مناة، فاقتتل رجلان في غزوة رسول الله ﷺ تلك، أحدهما من المهاجرين والآخر من بهز، وهم حلفاء الأنصار، فاستعلى الرجل الذي من المهاجرين على البهزي، فقال البهزي: يا معشر الأنصار، فنصره رجال من الأنصار وقال المهاجري: يا معشر المهاجرين، فنصره رجال من المهاجرين، حتى كان بين أولئك الرجال من المهاجرين والرجال من الأنصار شئ من القتال، ثم حجز بينهم فانكفأ كل منافق أو رجل في قلبه مرض إلى عبد الله بن أبي بن سلول فقالوا: قد كنت ترجى وتدفع فأصبحت لا تضر ولا تنفع، قد تناصرت علينا الجلابيب- وكانوا يدعون كل حديث الهجرة الجلابيب- فقال عبد الله بن أبي عدو الله: والله لئن رجعنا
стр. 5641
إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال مالك بن الدخشن- وكان من المنافقين-:
ألم أقل لكم لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا؟ فسمع بذلك عمر بن الخطاب، فأقبل حتى أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ائذن لي في هذا الرجل الذي قد أفتن الناس أضرب عنقه- يريد عمر عبد الله بن أبي-، فقال رسول الله ﷺ لعمر: «أو قاتله أنت إن أمرتك بقتله؟» فقال عمر: نعم والله لئن أمرتني بقتله لأضربن عنقه، فقال رسول الله ﷺ : «اجلس» فأقبل أسيد بن حضير وهو أحد الأنصار، ثم أحد بني عبد الأشهل حتى أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ائذن لي في هذا الرجل الذي قد أفتن الناس أضرب عنقه فقال رسول الله ﷺ : «أو قاتله أنت إن أمرتك بقتله؟» قال: نعم والله لئن أمرتني بقتله لأضربن بالسيف تحت قرط أذنيه، فقال رسول الله ﷺ : «اجلس» ثم قال رسول الله ﷺ : «آذنوا بالرحيل» فهجر الناس فسار يومه وليلته والغد حتى منع النهار، ثم نزل ثم هجر بالناس مثلها حتى صبح بالمدينة في ثلاث سارها من قفا المشلل، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أرسل إلى عمر فدعاه فقال له رسول الله ﷺ : «أي عمر أكنت قاتله لو أمرتك بقتله؟» فقال عمر: نعم. فقال رسول الله ﷺ : «والله لو قتلته يومئذ لأرغمت أنوف رجال لو أمرتهم اليوم بقتله لقتلوه، فيتحدث الناس أني قد وقعت على أصحابي فأقتلهم صبرا» وأنزل الله هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا إلى قوله تعالى: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ الآية وهذا سياق غريب وفيه أشياء نفيسة لا توجد إلا فيه، وروى محمد بن إسحاق بن يسار أن عبد الله بن عبد الله بن أبي لما بلغه ما كان من أمر أبيه أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه، فو الله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، إني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي انظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله ﷺ : «بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا» وذكر عكرمة وابن زيد وغيرهما أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة وقف عبد الله بن عبد الله هذا على باب المدينة واستل سيفه، فجعل الناس يمرون عليه، فلما جاء أبوه عبد الله بن أبي قال له ابنه: وراءك فقال له: ما لك ويلك؟ فقال: والله لا تجوز من هاهنا حتى يأذن لك رسول الله ﷺ ، فإنه العزيز وأنت الذليل، فلما جاء رسول الله ﷺ وكان إنما يسير ساقة- فشكا إليه عبد الله بن أبي ابنه فقال ابنه
стр. 5642
عبد الله: والله يا رسول الله لا يدخلها حتى تأذن له، فأذن له رسول الله ﷺ فقال:
أما إذ أذن لك رسول الله ﷺ فجز الآن، وروى أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي في مسنده قال: قال عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول لأبيه: والله لا تدخل المدينة أبدا حتى تقول: رسول الله ﷺ الأعز وأنا الأذل، قال: وجاء النبي ﷺ فقال:
يا رسول الله إنه قد بلغني أنك تريد أن تقتل أبي فو الذي بعثك بالحق ما تأملت وجهه قط هيبة له، ولئن شئت أن آتيك برأسه لأتيتك، فإني أكره أن أرى قاتل أبي).
كلمة في سورة المنافقون ومحورها:
تحدثت مقدمة سورة البقرة عن المتقين والكافرين والمنافقين، وقد فصلت سورتا الصف والجمعة في مواضيع تتعلق بصفات المتقين والكافرين، ورأينا في سورة الصف ما ينبغي أن ينبثق عن الإيمان، ورأينا في سورة الجمعة الأصل الذي ينبثق عنه كل شئ، وهو بعثة رسول الله ﷺ ، كما رأينا في سورة الجمعة شيئا له علاقة بالصلاة، وفي سورة الصف ذكر الجهاد بالمال، وله صلة بالإنفاق، وهذا كله له علاقة بصفات المتقين. وذكرت في السورتين قضايا مرتبطة بموضوع الكفر الذي لا يهدي الله أهله فذكر في سورة الصف قوله تعالى: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ وذكر فيها وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ وذكر في سورة الجمعة قوله تعالى: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ وفي ذلك كله تفصيل لسبب الختم الذي يختم به الله على قلوب الكافرين فلا يقبلون موعظة، وفي ذلك تفصيل لما ورد في مقدمة سورة البقرة من كلام عن الكافرين، ويأتي بعد ذلك في مقدمة سورة البقرة الكلام عن المنافقين، والملاحظ أن سورة المنافقون تفصيل لبعض ما ورد عن المنافقين في سورة البقرة فمثلا: في مقدمة سورة البقرة نجد قوله تعالى عن المنافقين: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ونجد في الفقرة الأولى من سورة المنافقون قوله تعالى: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ.
وفي مقدمة سورة البقرة نجد قوله تعالى عن المنافقين: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ والآية الأولى من سورة المنافقون تقول:
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ....
وفي مقدمة سورة البقرة نجد قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ.
стр. 5643
وسورة المنافقون تدل على الطريق الذي ينجي من الخسارة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ.
ومن هذه الموافقات ندرك أن سورة المنافقون تفصل في مقدمة سورة البقرة بما يكمل تفصيل سورتي الصف والجمعة، ولتذكر المحور الذي تفصل فيه سورة المنافقون، نذكر الآيات الواردة في المنافقين من مقدمة سورة البقرة: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ* يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ* فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ* وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ* أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ* وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ* وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ* اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ* أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ* مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ* صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ* أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ* يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وتبيان كيفية التفصيل سنراه أثناء عرض السورة، لكنا هنا نسجل ملحوظة هامة وهي:
بعد أن قررت آيات سورة البقرة حقيقة النفاق ذكرت لنا ثلاثة مواقف للمنافقين نتعرف عليهم من خلالها، كل موقف مبدوء بقوله تعالى: وَإِذا.
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا ....
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا ....
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا ....
والملاحظ أن سورة المنافقون تبدأ بقوله تعالى: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ
стр. 5644
إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ .... ثم بعد آيتين يأتي قوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ .... ثم بعد هذه الآية مباشرة يأتي قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ....
وهكذا نجد أن سورة المنافقون تزيدنا تفصيلا عن المنافقين بما يشبه الاستمرار لما ورد في سورة البقرة في عرض مواقفهم للتعريف بهم. وتختم السورة بخطاب المؤمنين بمعان هي في الواقع تحرير من أخلاق رئيسية للمنافقين كما سنرى.
...
تتألف سورة المنافقون من فقرتين: الفقرة الأولى منهما تمتد حتى نهاية الآية (٨) والفقرة الثانية تمتد حتى نهاية السورة فلنبدأ عرض السورة.
..
الفقرة الأولى
وتمتد من الآية (١) حتى نهاية الآية (٨) وهذه هي:
المجموعة الأولى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٣)
стр. 5645
المجموعة الثانية
[سورة المنافقون (٦٣): آية ٤]
وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)
المجموعة الثالثة
[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ٥ الى ٦]
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٦)
المجموعة الرابعة
[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ٧ الى ٨]
هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨)
تفسير المجموعة الأولى من الفقرة الأولى:
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ قال ابن كثير: أي: إذا حضروا عندك واجهوك بذلك، وأظهروا لك ذلك مدعين أن شهادتهم اللسانية تواطئ
стр. 5646
شهادة قلوبهم وليس كما يقولون، ولهذا اعترض بجملة مخبرة أنه رسول الله فقال:
وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ أي: إن الأمر كما يدل عليه قولهم، ولكن الله الذي يعلم أنك رسوله يشهد أنهم كاذبون في ادعاءاتهم وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ قال ابن كثير: أي: فيما أخبروا به، وإن كان مطابقا للخارج؛ لأنهم لم يكونوا يعتقدون صحة ما يقولون ولا صدقه، ولهذا كذبهم بالنسبة إلى اعتقادهم
اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً قال النسفي: (أي: وقاية من السبي والقتل، وفيه دليل على أن لفظة (أشهد) يمين؛ لأنهم قالوا نشهد وسماها الله يمينا) قال ابن كثير: أي:
اتقوا الناس بالأيمان الكاذبة، والحلفان الآثمة، ليصدقوا فيما يقولون، فاغتر بهم من لا يعرف جلية الأمر، فاعتقدوا أنهم مسلمون، فربما اقتدى بهم فيما يفعلون، وصدقهم فيما يقولون، وهم من شأنهم أنهم كانوا في الباطن لا يألون الإسلام وأهله خبالا، فحصل بهذا الغرر ضرر كبير على كثير من الناس، ولهذا قال تعالى:
فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بتظاهرهم بالإسلام، وإبطانهم غيره، فجروا كثيرا من الناس وراءهم في الطرق المظلمة، ولا يظهر هذا في عصر كما يظهر في عصرنا، إذ نجد الملايين من المسلمين تترك سبيل الله وتسير وراء المنافقين الذي يحلفون أنهم مسلمون، وهم في واقع الأمر كفار، يريدون أن يحملوا الناس على ما هو كفر، وجماهير المسلمين غافلة، حتى أضحت حقائق الإسلام غريبة، وأصبح الكفر وأفكاره ومبادئه وما يقدم عليه كأنه مسلمات أَيْمانَهُمْ أي: المنافقين ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ في نفاقهم وصدهم الناس عن سبيل الله
ذلِكَ قال النسفي: إشارة إلى قوله: ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي: هذا هو الحكم على عملهم كله بالسوء، أي: ذلك القول هو الشاهد عليهم بأنهم أسوأ الناس أعمالا، أو أن ذلك إشارة إلى ما وصف من حالهم في النفاق والكذب والتستر بالأيمان بِأَنَّهُمْ أي: بسبب أنهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا أي: دخلوا في الإسلام بالنطق بالشهادتين، ثم كفرت قلوبهم بعد ذلك، فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ أي: فختم عليها حتى لا يدخلها الإيمان جزاء على نفاقهم، فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ أي: لا يتدبرون، قال ابن كثير: أي: فلا يصل إلى قلوبهم هدى، ولا يخلص إليها خير فلا تعي ولا تهتدي، وسبب ذلك كله هو رجوعهم عن الإيمان إلى الكفر عقوبة لهم. قال ابن كثير: (أي: إنما قدر عليهم النفاق لرجوعهم عن الإيمان إلى الكفران واستبدالهم الضلالة بالهدى).
стр. 5647
كلمة في السياق:
عرفنا الله في الفقرة السابقة على مظهر من مظاهر الطبيعة المنافقة، وعلى حقيقة بواطنها، وعلى الخطر الذي يهب منها على الصف الإسلامي، وعلى الدعوة إلى الله، وعلى العقوبة التي يعاقبهم الله بها، وهي الطبع على قلوبهم، فلنر صلة الفقرة بمحور السورة فلننتبه جيدا:
١ - بدأ الكلام عن المنافقين في سورة البقرة بقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ* يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ* فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ لاحظ كلمة (يكذبون) في المحور ثم لاحظ أنه في المجموعة التي مرت معنا من السورة عرض الله علينا أنهم كذلك يكذبون في ادعائهم أنهم مؤمنون برسول الله ﷺ مع حلفهم الأيمان على ذلك، قال تعالى:
وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ.
٢ - في مقدمة سورة البقرة وصف الله المنافقين بقوله: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ وفي المجموعة التي مرت معنا أرانا الله أنهم يكذبون حتى على رسول الله إذا لقوه إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ....
٣ - في مقدمة سورة البقرة قال الله تعالى عن المنافقين: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً أي: عند ما دخلوا في الإسلام فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ فكفروا وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ* صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ لاحظ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ثم لاحظ أنه في المجموعة السابقة ورد قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ وهذا يفيد أنهم أصبحوا في غاية الكفر، فكما ختم الله على قلوب الكافرين خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ طبع على قلوب المنافقين فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ من هذا كله ندرك صلة المجموعة بمحور السورة من سورة البقرة وهذا يوضح لنا أن التفصيل لأي محور فيه مزيد بيان وزيادة معان.
٤ - جاء في سورة البقرة حديث عن النفاق في بدايتها ثم جاءت ثلاث آيات
стр. 5648
تتحدث عنهم فيما بعد وهي الآيات (٢٠٤)، (٢٠٥)، (٢٠٦). وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ* وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ* وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ. لاحظ قوله تعالى: يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ ثم لاحظ أن المجموعة القادمة من الفقرة الأولى في سورة المنافقين تبدأ بقوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ مما يشير إلى أن المجموعة الثانية تفصل في هذا، وفي ذلك إشارة إلى أن هذه الآيات الموجودة في أعماق سورة البقرة مشدودة إلى ما سبق ذكره عن المنافقين في مقدمة سورة البقرة، ومن كل ما مر ندرك أن لسورة المنافقون سياقها الخاص في تبيان ملامح المنافقين، ولها كذلك صلتها بمحورها من سورة البقرة والمعاني المرتبطة بهذا المحور من سورة البقرة كلها.
تفسير المجموعة الثانية من الفقرة الأولى:
وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ قال النسفي:
(والخطاب في وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ لرسول الله، أو لكل من يخاطب وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كان ابن أبي رجلا جسيما صبيحا فصيحا، وقوم من المنافقين في مثل صفته، فكانوا يحضرون مجلس النبي ﷺ فيستندون فيه ولهم جهارة المناظر وفصاحة الألسن، فكان النبي ﷺ ومن حضر يعجبون بهياكلهم، ويسمعون إلى كلامهم)، وقال ابن كثير: (أي: وكانوا أشكالا حسنة وذوي فصاحة وألسنة وإذا سمعهم السامع يصغي إلى قولهم لبلاغتهم، وهم مع ذلك في غاية الضعف والخور والهلع والجزع والجبن) كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ أي: إلى حائط. قال النسفي:
(شبهوا في استنادهم- وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير- بالخشب المسندة إلى الحائط، لأن الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع، وما دام متروكا غير منتفع به أسند إلى الحائط، فشبهوا به في عدم الانتفاع، أو لأنهم أشباح بلا أرواح، وأجسام بلا أحلام) يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ قال ابن كثير: أي: كلما وقع أمر أو كائنة أو خوف يعتقدون- لجبنهم- أنه نازل بهم، وقال النسفي: (أي: يحسبون كل صيحة واقعة عليهم وضارة لهم، لخيفتهم ورعبهم، يعني إذا نادى مناد في العسكر، أو انفلتت دابة، أو أنشدت ضالة، ظنوه إيقاعا بهم)
стр. 5649
أقول: المنافق يظن أن كل حديث بين اثنين هو المقصود فيه، ويظن أنه هدف التآمر، ومن ثم فإن أي حركة مهما كان نوعها يظنها موجهة ضده هُمُ الْعَدُوُّ قال النسفي: أي: هم الكاملون في العداوة، لأن أعدى الأعداء العدو المداجي الذي يكاشرك وتحت ضلوعه الداء الدوي فَاحْذَرْهُمْ ولا تغتر بظاهرهم فإنهم لا يألون الإسلام وأهله خبالا وغدرا إن استطاعوا قاتَلَهُمُ اللَّهُ قال النسفي: دعاء عليهم أو تعليم للمؤمنين أن يدعوا عليهم بذلك أَنَّى يُؤْفَكُونَ أي: كيف يصرفون عن الهدى إلى الضلال، وفي النص تعجيب من جهلهم وضلالتهم، وعدولهم عن الحق وانصرافهم عنه.
كلمة في السياق:
في هذه المجموعة أعطانا الله مزيدا من الإيضاحات عن الطبيعة المنافقة في كونها تحسن الكلام في الدنيا، وفي كونها لا حياة فيها، لأنه لا عمل صالحا لها، وفي
كونها كثيرة الجبن شديدة الشك، وفي كون المنافقين أشد الناس عداوة للإسلام وأهله، وفي كونهم مصروفين صرفا تاما عن الخير، فالمجموعة الثانية تزيدنا إبصارا في شأن المنافقين، ومن قبل رأينا صلة هذه المجموعة بقوله تعالى من سورة البقرة وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ وقد جاء في هذه المجموعة قوله تعالى: وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ وورد هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ وفي سورة البقرة إيضاح لكيفية ظهور عدائهم وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ وفي هذه المجموعة أمر بالحذر منهم فلا يعطون فرصة، وما أقل الحذر من المنافقين في عصرنا، وما أكثر الذين يعطونهم فرصا. ثم تأتي المجموعة الثالثة لتزيدنا بيانا في شأن المنافقين.
تفسير المجموعة الثالثة من الفقرة الأولى:
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ أي: عطفوها وأمالوها إعراضا عن ذلك واستكبارا وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ أي: يعرضون وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ عن الاعتذار والاستغفار، قال ابن كثير: أي: صدوا وأعرضوا عما قيل لهم استكبارا عن ذلك، واحتقارا لما قيل لهم ...
ثم جازاهم الله على ذلك فقال: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أي: سواء عليهم
стр. 5650
الاستغفار وعدمه، لأنهم لا يلتفتون إليه، ولا يعتدون به لكفرهم، أو لأن الله لا يغفر لهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ أي: ما داموا على النفاق إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ بسبب نقضهم لمواثيقهم مع الله، وبسبب قطعهم لما أمر الله به أن يوصل، وبسبب إفسادهم في الأرض، وهي مظاهر الفسوق كما رأيناها في سورة البقرة.
كلمة في السياق:
زادتنا هذه المجموعة عن المنافقين وضوحا فعرفنا من خلالها أنهم فاسقون، أي:
تظهر فيهم علامات الفسوق كلها كما عرضتها سورة البقرة، كما عرفنا أنهم متصفون بالكبر والصدود عن أي دعوة خيرة لصالحهم الأخروي، وعرفنا الله أنه لا ينفعهم استغفار الآخرين لهم حتى ولو كان المستغفر لهم رسول الله ﷺ . وأما صلة المجموعة بمحور السورة من سورة البقرة، فالملاحظ أن الآيات التي نقلناها من أعماق سورة البقرة تنتهي بقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ وهاهنا ورد قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ... والصلة بين الموقفين واضحة، وكلها تعبر عن كبرهم، وقد حدثنا الله في سورة البقرة عن مظهر من مظاهر هذا الكبر، وهاهنا يحدثنا عن مظهر آخر، وهكذا نرى كيف أن سورة المنافقون تفصل في محورها، وفيما هو امتداد لمحورها في سورة البقرة بشكل دقيق واضح، وبعد ذلك تأتي مجموعة رابعة تحدثنا عن نماذج من عداء المنافقين، وعن كيدهم للإسلام وأهله، فهي تكاد تكون تبيانا لقوله تعالى: هُمُ الْعَدُوُّ فيما مر معنا من السورة وتبيانا لقوله تعالى في سورة البقرة:
وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ فلنر المجموعة الرابعة، مع ملاحظة أنها تعرض لنا نموذجين على عداء المنافقين، وسنذكر ذلك في الفوائد.
تفسير المجموعة الرابعة من الفقرة الأولى:
النموذج الأول:
هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا أي:
стр. 5651
حتى يتفرقوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: وله الأرزاق والقسم فهو الرزاق لجميع خلقه، أفلا يرزق المسلمين وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ أي:
لا يعلمون الحقائق، ومن ثم فهم يهذون بما يزين لهم الشيطان.
كلمة في السياق:
رأينا أن الله وصف المنافقين بأنهم هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ وقد رأينا في هذه الآية نموذجا على عدائهم، فلا تكاد تواتيهم فرصة إلا ويهتبلونها للكيد والضرر تحريشا بالمسلمين وتحريضا عليهم، وهذا والسلطان ليس لهم، فإذا كان السلطان لهم فكما قال الله تعالى: وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ... ، والملاحظ أن قولهم لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا داخل في قطع ما أمر الله به أن يوصل وهو إحدى صفات الفاسقين، كما فصلتها سورة البقرة، والملاحظ أن ذكر الفاسقين قد ورد قبل الآية السابقة مباشرة، وعلى هذا فالآية نموذج على تحقق المنافقين بصفات الفاسقين كلها، كما هي نموذج على عداء المنافقين للإسلام وأهله وذلك مما يوجب حذر المسلمين من المنافقين.
النموذج الثاني:
يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ قال هذا عبد الله بن أبي مقفلهم من غزوة بني المصطلق كما سنرى لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ يعنون بالأعز أنفسهم، وبالأذل رسول الله، قال تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ أي: ولله الغلبة والقوة، ولمن أعزه الله وأيده من رسوله ومن المؤمنين وهم الأخصاء بذلك، كما أن الذلة والهوان للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ومن ثم يقولون ما يقولون.
كلمة في السياق:
في هذه الآية نموذج آخر على كيد المنافقين وعدائهم، فمتى وجدوا متنفسا، أو أحدا يسمع لهم يبدءون عملية التحريض ضد المسلمين مع السباب لهم، هذا والسلطان ليس لهم، فكيف إذا صار السلطان لهم، ولذلك فإن على المسلمين أن يكونوا دائمي الحذر منهم، وكما أن في الآية نموذجا على عدائهم، ففي الآية نموذج على نقضهم المواثيق، أو قطعهم ما أمر الله به أن يوصل، وعلى إفسادهم في الأرض، ففي
стр. 5652
الآية نموذج على موقف تظهر به صفات الفاسقين كلها دفعة واحدة. وبعد أن قص الله علينا نموذجين من مواقف المنافقين المعبرة عن عدائهم، والتي هي أثر عن فسوقهم، تأتي الفقرة الثانية في السورة مبدوءة بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وفيها تحرير للمؤمن من أخلاق المنافقين، ودعوة له لمواقف مكافئة لمواقف المنافقين، وفيها تعريض ضمني بأخلاق أخرى للمنافقين.
***
стр. 5653
الفقرة الثانية
وتمتد من الآية (٩) إلى نهاية الآية (١١) وهذه هي:
[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ٩ الى ١١]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١)
التفسير:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أي: لا تشغلكم أَمْوالُكُمْ والتصرف فيها والسعي في تدبير أمرها بالنماء وطلب النتاج وَلا أَوْلادُكُمْ وسروركم بهم، وشفقتكم عليهم، والقيام بمؤنهم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ قال النسفي: أي: عن الصلوات الخمس أو القرآن. أقول: ذكر الله منه المفروض وهو كالصلوات الخمس، ومنه المندوب كالسنن الرواتب وأذكارها، وقراءة القرآن والاستغفار، ولا شك أن النهي أول ما ينصب على الانشغال عن الفرائض وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أي: ينشغل بالدنيا عن ذكر الله، قال النسفي: وقيل من يشتغل بتثمير أمواله عن تدبير أحواله، وبمرضاة أولاده عن إصلاح معاده فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ قال النسفي: (أي: في تجارتهم حيث باعوا الباقي بالفاني) قال ابن كثير في الآية: يقول تعالى آمرا لعباده المؤمنين بكثرة ذكره، وناهيا لهم عن أن تشغلهم الأموال والأولاد عن ذلك، ومخبرا لهم بأنه من تلهى بمتاع الحياة الدنيا وزينتها عما خلق له من طاعة ربه وذكره، فإنه من الخاسرين الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.
стр. 5654
كلمة في السياق:
نلاحظ أن الآية ختمت بقوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أي: يشتغل بالأموال والأولاد عن ذكر الله فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وأنه ورد في مقدمة سورة البقرة عن المنافقين قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ويلاحظ أنه بعد آيات في سورة البقرة ورد قوله تعالى:
وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ لاحظ كلمة (الخاسرون) هنا وفي الآية التي مرت معنا من سورة المنافقون.
إذا لاحظت ما مر تدرك أن الانشغال بالأموال والأولاد عن ذكر الله هو من صفات المنافقين، فالآية إذن تضيف صفة جديدة من صفات المنافقين إلى معلوماتنا، وهذا يشبه قوله تعالى في سورة النساء في وصف المنافقين وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى ولكن الآية عرضت هذه الصفة من خلال أمر المؤمنين بعدم الانشغال عن الذكر، مما يشير إلى أن الطريق الوحيد للخلاص من النفاق هو الإقبال على ذكر الله، مضافا إلى ذلك الإنفاق الذي تأمر به الآية اللاحقة:
وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ يدخل في ذلك الواجب أولا كالزكاة وصدقة الفطر والنفقة المفروضة، ثم يدخل بعد ذلك المندوب، و (من) في الآية للتبعيض مما يدل على أن الله لم يكلفنا مالنا كله مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ قال النسفي: أي:
من قبل أن يرى دلائل الموت ويعاين ما ييئس معه من الإمهال، ويتعذر عليه الإنفاق فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ أي: هلا أخرت موتي إلى زمان قليل فأتصدق وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ أي: الذين آمنوا وعملوا الصالحات، قال ابن كثير: فكل مفرط يندم عند الاحتضار، ويسأل طول المدة ولو شيئا يسيرا ليستعتب ويستدرك ما فاته وهيهات، كان ما كان، وأتى ما هو آت وكل بحسب تفريطه ...
ثم قال تعالى: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً عن الموت إِذا جاءَ أَجَلُها المكتوب في اللوح المحفوظ، قال ابن كثير: أي: لا ينظر أحدا بعد حلول أجله وهو أعلم وأخبر بمن يكون صادقا في قوله وسؤاله، ممن لو رد لعاد إلى شر مما كان عليه، ولهذا قال تعالى: وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ قال النسفي: والمعنى: أنكم إذا علمتم أن تأخير الموت عن وقته مما لا سبيل إليه، وأنه هاجم لا محالة، وأن الله عليم
стр. 5655
بأعمالكم، فمجاز عليها من منع واجب وغيره، لم يبق إلا المسارعة إلى الخروج عن عهدة الواجب، والاستعداد للقاء الله تعالى.
كلمة في السياق:
وصف الله المتقين في أول سورة البقرة بقوله: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وهذا يعني أن الكافرين والمنافقين لا ينفقون، وهذا الذي صرح به القرآن في أكثر من مكان كقوله تعالى: وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ والَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ* فعند ما يأتي أمر للمؤمنين بالإنفاق في سورة (المنافقون) فذلك يفيد أن عدم الإنفاق من صفات المنافقين، كما يفيد أن الإنفاق مع الذكر هو الطريق للخلاص من النفاق، وعلى هذا فالفقرة الأخيرة زادتنا معرفة في أخلاق المنافقين، ودلتنا على طريق الخلاص من النفاق بما لا يخرج عن التحقق بصفات المتقين.
الفوائد:
١ - بمناسبة الكلام عن المنافقين في سورة (المنافقون) ذكر ابن كثير هذا الحديث: (روى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن للمنافقين علامات يعرفون بها: تحيتهم لعنة، وطعامهم نهبة، وغنيمتهم غلول، ولا يقربون المساجد إلا هجرا، ولا يأتون الصلاة إلا دبرا، مستكبرين لا يألفون ولا يؤلفون، خشب بالليل صخب بالنهار).
٢ - بمناسبة قوله تعالى: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال صاحب الظلال ﵀: (وهي قولة يتجلى فيها خبث الطبع، ولؤم النحيزة. وهي خطة التجويع التي يبدو أن خصوم الحق والإيمان يتواصون بها على اختلاف الزمان والمكان، في حرب العقيدة ومناهضة الأديان. ذلك أنهم- لخسة مشاعرهم- يحسبون لقمة العيش هي كل شئ في الحياة كما هي في حسهم فيحاربون بها المؤمنين.
إنها خطة قريش وهي تقاطع بني هاشم في الشعب لينفضوا عن نصرة رسول الله ﷺ ويسلموه للمشركين!
وهي خطة المنافقين كما تحكيها هذه الآية لينفض أصحاب رسول الله ﷺ عنه
стр. 5656
تحت وطأة الضيق والجوع!
وهي خطة الشيوعيين في حرمان المتدينين في بلادهم من بطاقات التموين، ليموتوا جوعا أو يكفروا بالله، ويتركوا الصلاة!
وهي خطة غيرهم ممن يحاربون الدعوة إلى الله، وحركة البعث الإسلامي في بلاد الإسلام، بالحصار والتجويع، ومحاولة سد أسباب العمل والارتزاق.
وهكذا يتوافى على هذه الوسيلة الخسيسة كل خصوم الإيمان، من قديم الزمان، إلى هذا الزمان ... ناسين الحقيقة البسيطة التي يذكرهم القرآن بها قبل ختام هذه الآية:
وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ).
٣ - بمناسبة قوله تعالى: وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ* وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ قال ابن كثير: (وروى أبو عيسى الترمذي عن ابن عباس قال: من كان له مال يبلغه حج بيت ربه، أو تجب عليه فيه زكاة، فلم يفعل سأل الرجعة عند الموت فقال رجل: يا ابن عباس اتق الله فإنما يسأل الرجعة الكافر، فقال: سأتلوا عليك بذلك قرآنا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ* وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ إلى قوله وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ قال: فما يوجب الزكاة؟ قال: إذا بلغ المال مائتين فصاعدا، قال: فما يوجب الحج؟ قال: الزاد والبعير. وروى الترمذي أيضا ... بسنده عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ بنحوه ثم قال: وقد رواه سفيان بن عيينة وغيره عن أبي جناب عن الضحاك عن ابن عباس من قوله وهو أصح وضعف أبو جناب الكلبي. (قلت) ورواية الضحاك عن ابن عباس فيها انقطاع والله أعلم. وروى ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء ﵁ قال: ذكرنا عند رسول الله ﷺ الزيادة في العمر فقال: «إن الله لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها وإنما الزيادة في العمر أن يرزق الله العبد ذرية صالحة يدعون له فيلحقه دعاؤهم في قبره»).
стр. 5657
كلمة أخيرة في سورة (المنافقون) ومجموعتها:
لن نضيف شيئا إلى ما ذكرناه من قبل حول المجموعة الرابعة وسياقها سوى التذكير بإعطاء الذكر والإنفاق والجهاد في سبيل الله مكانهم الصحيح في هذا الدين ومن أنفسنا، ونخص بالذكر صلاة الجمعة والصلوات المفروضة، والزكاة وصدقة الفطر، والعمل المتواصل بكل الوسائل المشروعة لجعل كلمة الله هي العليا. ونضيف أنه بقدر ما نزيد يزيد الله لنا، وبقدر ما نقيم من فرائض ونوافل تتمحص قلوبنا للإيمان، وتتحرر من الكفر والنفاق، فلينتبه الغافلون عن الذكر إلى الذكر، ولينبه الغافلون عن الإنفاق إلى الإنفاق، ولينبه الغافلون عن الجهاد إلى الجهاد، فإن ذلك هو طريق التحقق بالتقوى، وإذ كان طريق التحقق بالتقوى في سورة البقرة جاء بعد مقدمتها فقد فصلت السور الثلاث وهي تفصل المقدمة بما يحقق بالتقوى، وبما يبعد عن الكفر والنفاق، ولننتقل إلى المجموعة الخامسة من قسم المفصل وهي آخر مجموعة من زمرة المسبحات.
***
стр. 5658
المجموعة الخامسة من القسم الرابع من أقسام القرآن المسمى بقسم المفصل
وتشمل سور:
التغابن، والطلاق، والتحريم، والملك، والقلم
стр. 5659
كلمة في المجموعة الخامسة من قسم المفصل:
هذه المجموعة تفصل بانتظام ما فصلته سور خمس من قسم الطوال، فسورة التغابن تفصل في محور سورة آل عمران، وسورة الطلاق تفصل في محور سورة النساء حتى لتسمى سورة النساء الصغرى، وسورة التحريم تفصل في محور سورة المائدة، وسورة الملك تفصل في محور سورة الأنعام، وسورة القلم تفصل في محور سورة الأعراف، وسنرى أدلة ذلك كله، ولعل في هذا مقنعا أن في هذا القرآن نوعا من الترتيب خاصا.
...
وبهذه المجموعة تنتهي زمرة المسبحات، فآخر سورة في المسبحات هي سورة التغابن، وعلى هذا فالمسبحات وزعت على أربع مجموعات، كل منها أكملت الأخرى، وجاءت المجموعة الأخيرة فأكملت البناء الذي أسست له المجموعات الثلاث من المسبحات، بل والمجموعة الأولى من قسم المفصل، إذ لا نجد سورة مبدوءة ب (يا أيها) في كل ما مر معنا من قسم المفصل إلا في هذه المجموعة.
...
وهكذا نجد في قسم المفصل تفصيلا بعد تفصيل، وفي كل مرة نجد تذكيرا ومعاني جديدة من خلال الكلمة المفردة والآية المفردة، والمجموعة والفقرة والمقطع والسورة، والسياق الخاص والعام، بشكل لا تنتهي عجائبه، ولا تنتهي فوائده، وكل يأخذ من هذه البحار على قدر استعداده، ومع هذا كله فإن لهذا القرآن خصائص غير هذه، إنه كلام الله ومجلى صفاته، ولذلك فقد وصف الله هذا القرآن ببعض ما وصف به ذاته، فوصفه بالعلو والحكمة فقال: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ومن أسماء الله العلي والحكيم، ووصفه بالعزة فقال: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ والله من أسمائه العزيز، ومن عزة هذا القرآن أنه لا يصل إلى قلب قذر وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ* ومن عزته أنه لا يبقى على إهمال، يقول ﵊:
«تعاهدوا هذا القرآن فو الذي نفسي بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها» فكتاب هذا شأنه هل يمكن أن يتصور عاقل أنه بشري المصدر، إن الذي يتصور أن هذا القرآن من عند محمد ﷺ ، ومن إنشائه وتأليفه مع كون هذا القرآن هذا شأنه يعطي محمدا من الخصائص ما يستحيل أن تتجمع في كل البشر.
стр. 5660
هل رأيتم في تاريخ العالم أن أحدا من البشر يخرج على يده شئ من أعظم الأشياء ثم لا ينسبه إلى نفسه، إن هذا يتنافى مع الطبيعة البشرية أصلا. فإن يقول محمد ﷺ نفسه عن هذا الكتاب أنه من عند الله، وأنه ليس إلا ناقلا عن الله ، وأنه أول الملتزمين بذلك، فهذا وحده كاف للتدليل على أن هذا القرآن من عند الله، فكيف إذا كان في هذا القرآن من مجالي صفات الله وأسمائه ما يدل على أنه كتاب الله، فكيف إذا كان مع ذلك غيره وغيره؟.
***
стр. 5661
سورة التغابن
وهي السورة الرابعة والستون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الأولى من المجموعة الخامسة من قسم المفصل، وهي ثماني عشرة آية وهي مدنية
стр. 5662
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه
ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 5663
بين يدي سورة التغابن:
قدم الألوسي لسورة التغابن بقوله: (مدنية في قول الأكثرين، وعن ابن عباس.
وعطاء بن يسار أنها مكية إلا آيات من آخرها يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ الخ، وعدد آياتها تسع عشرة آية بلا خلاف، ومناسبتها لما قبلها أنه سبحانه ذكر هناك حال المنافقين وخاطب بعد المؤمنين، وذكر جل وعلا هنا تقسيم الناس إلى مؤمن. وكافر، وأيضا في آخر تلك لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ وفي هذه إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وهذه الجملة على ما قيل: كالتعليل لتلك، وأيضا في ذكر التغابن نوع حث على الإنفاق قبل الموت المأمور به فيما قبل، واستنبط بعضهم عمر النبي ﷺ ثلاثا وستين من قوله تعالى في تلك السورة وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها فإنها رأس ثلاث وستين سورة).
كلمة في سورة التغابن ومحورها:
قلنا من قبل: إن وجود الفعل سبح يسبح بعد انتهاء مجموعة، علامة على بداية مجموعة جديدة تفصل في أول سورة البقرة، وهذه سورة التغابن جاءت بعد سورة
(المنافقون)، وهي مبدوءة بقوله تعالى: يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وهذا أول شئ نستأنس به على أن سورة التغابن تفصل في مقدمة سورة البقرة.
...
ويلاحظ أن سورة الحديد ركزت على موضوع الإيمان بالله والرسول، والخضوع للقرآن، والإنفاق، وفي سورة التغابن نجد قوله تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ونجد إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ونلاحظ أن سورة الحديد ورد فيها مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وورد فيها قوله تعالى: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ وأن سورة التغابن يرد فيها قوله تعالى: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وهذا ثاني شئ نستأنس به على أن سورة التغابن تفصل في مقدمة سورة البقرة.
...
стр. 5664
ويلاحظ أن سورة آل عمران التي فصلت في مقدمة سورة البقرة قد ورد في أوائلها قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ وأن سورة التغابن قد ورد في أوائلها قوله تعالى: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ويلاحظ أنه قد ورد في سورة آل عمران يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وأنه ورد في سورة التغابن قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وقد اعتبر بعض العلماء أن هذه الآية مفسرة أو ناسخة لآية آل عمران، وبهذا كذلك نستأنس على أن سورة التغابن تفصل في محور آل عمران أي: في مقدمة سورة البقرة.
...
نلاحظ أن مقدمة سورة البقرة تحدثت عن المتقين والكافرين والمنافقين، وأن سورة التغابن تحدثت عن الكافرين والمؤمنين، ولا ننسى أن النفاق مظهر من مظاهر الكفر، وأن مما ختمت به آيات المتقين في سورة البقرة قوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وأن سورة التغابن ورد فيها قوله تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ مما يشير إلى أن الحديث في السورتين متحد المآل، وهذا كذلك مما نستأنس به على أن سورة التغابن تفصل في مقدمة سورة البقرة.
...
فإذا أضيف إلى هذا كله، أن سورة (المنافقون) نهاية مجموعة، وأن ما بعد سورة التغابن سورة الطلاق المبدوءة ب (يا أيها) والتي تدل على أنها تفصل فيما بعد مقدمة سورة البقرة، يتأكد لنا- نتيجة لهذا كله- أن سورة التغابن تفصل في مقدمة سورة البقرة، وسنرى أثناء عرض السورة أن المعاني نفسها تدلنا على ذلك.
...
تتألف سورة التغابن من فقرتين واضحتين: الأولى منهما تمتد حتى نهاية الآية (١٣)، والثانية منهما تمتد حتى نهاية السورة أي: إلى نهاية الآية (١٨) فلنبدأ عرض السورة.
***
стр. 5665
الفقرة الأولى
وتمتد من الآية (١) إلى نهاية الآية (١٣) وهذه هي:
المجموعة الأولى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١ الى ٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤)
أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٥) ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)
المجموعة الثانية
[سورة التغابن (٦٤): الآيات ٨ الى ١٣]
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠) ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٢)
اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)
стр. 5666
بين يدي الفقرة:
هذه الفقرة توصلنا إلى حقيقة الإيمان، حتى إذا عرفتنا على حقيقة الإيمان ومضمونه وما يستلزمه، تأتي الفقرة الثانية مبدوءة بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لتوجه أهل الإيمان إلى معان رئيسية يجب أن يتنبهوا إليها وأن يطبقوها، وأن يتحققوا بها. تتألف الفقرة الأولى من مجموعتين: مجموعة تقرر وتناقش، ومجموعة تأمر بناء على ما سبق من تقرير وإقامة حجة.
ومن مجموع السورة نخرج بتفصيلات لها علاقة بالإيمان والتقوى، وتفصيلات لما يتضمنه الإيمان، من إيمان بالله ورسله، واليوم الآخر والقدر، وما يترتب على ذلك من سلوك كما تبين لنا بعض قواطع الطريق.
تفسير المجموعة الأولى من الفقرة الأولى
يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ عبودية له، وتنزيها له، ودلالة عليه لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ قال ابن كثير: (أي: هو المتصرف في جميع الكائنات، المحمود على جميع ما يخلقه ويقدره) وقدم الجار والمجرور على كلمتي الملك والحمد ليدل- بتقديمهما- على اختصاص الملك والحمد بالله ، وذلك لأن
стр. 5667
الملك على الحقيقة له، لأنه مبدئ كل شئ والقائم به، وكذا الحمد؛ لأن أصول النعم وفروعها منه، وأما ملك غيره فتسليط منه واسترعاء، وحمد غيره اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده. اه النسفي، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قال ابن كثير: أي:
مهما أراد كان بلا ممانع ولا مدافع، وما لم يشأ لم يكن
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ قال ابن كثير: أي: هو الخالق لكم على هذه الصفة، وأراد منكم ذلك، فلا بد من وجود مؤمن وكافر، قال النسفي: أي: فمنكم آت بالكفر وفاعل له، ومنكم آت بالإيمان وفاعل له، ويدل عليه قوله تعالى: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ قال ابن كثير: أي: وهو البصير بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلال، وهو شهيد على أعمال عباده، وسيجزيهم بها أتم الجزاء، وقال النسفي: (أي: عالم وبصير بكفركم وإيمانكم، اللذين هما من عملكم والمعنى: هو الذي تفضل عليكم بأصل النعم الذي هو الخلق والإيجاد من العدم، وكان يجب أن تكونوا بأجمعكم شاكرين، فما بالكم تفرقتم أمما، فمنكم كافر ومنكم مؤمن، وقدم الكفر لأنه الأغلب عليهم والأكثر فيهم، وهو رد لقول من يقول بالمنزلة بين المنزلتين، وقيل هو الذي خلقكم فمنكم كافر بالخلق وهم الدهرية، ومنكم مؤمن به). والله بعملكم النابع عن كفركم أو إيمانكم بصير
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ قال ابن كثير: أي:
بالعدل والحكمة، وقال النسفي: أي: بالحكمة البالغة وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ قال ابن كثير: أي: أحسن أشكالكم، وقال النسفي: (أي: جعلكم أحسن الحيوان كله وأبهاه، بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور، ومن حسن صورته أنه خلق منتصبا غير منكب، ولكن الحسن على طبقات، فصورة الإنسان غير خارجة عن حد الحسن، وقالت الحكماء:
شيئان لا غاية لهما: الجمال والبيان) وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ أي: المرجع والمآل فأحسنوا سرائركم كما أحسن صوركم،
ثم أخبر تعالى عن علمه بجميع الكائنات السماوية والأرضية، ومكنونات الضمائر وما تظهره فقال: يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ قال النسفي:
(نبه بعلمه ما في السموات والأرض، ثم بعلمه بما يسره العباد ويعلنونه، ثم بعلمه بذات الصدور أن شيئا من الكليات والجزئيات غير خاف عليه فحقه أن يتقى ويحذر، ولا يجترئ على شئ مما يخالف رضاه، وتكرير العلم في معنى تكرير الوعيد، وكل ما ذكره بعد قوله: فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ في معنى الوعيد على الكفر
стр. 5668
وإنكار أن يعصى الخالق ولا تشكر نعمته)
أَلَمْ يَأْتِكُمْ أيها البشر نَبَأُ أي:
خبر الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ يعني: أمثال قوم نوح وهود وصالح ولوط فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ أي: في الدنيا، أي: فذاقوا وبال تكذيبهم ورديء أفعالهم، وهو ما حل بهم في الدنيا من العقوبة والخزي وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي: في الدار الآخرة مضافا إلى العذاب الدنيوي
ذلِكَ العذاب الذي أصابهم في الدنيا وما أعده لهم من العذاب في الآخرة بِأَنَّهُ أي: بأن الشأن والحديث كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي: بالحجج والدلائل والبراهين والمعجزات فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا أي: استبعدوا أن تكون الرسالة في البشر، وأن يكون هداهم على يدي بشر مثلهم، قال النسفي: (أنكروا الرسالة للبشر ولم ينكروا العبادة للحجر) فَكَفَرُوا بالرسل وَتَوَلَّوْا عن الإيمان، قال ابن كثير: أي: كذبوا بالحق ونكلوا عن العمل وَاسْتَغْنَى اللَّهُ أي: عنهم، قال النسفي: أطلق ليتناول كل شئ ومن جملته إيمانهم وطاعتهم وَاللَّهُ غَنِيٌّ عن خلقه حَمِيدٌ على صنعه
زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا الزعم: ادعاء العلم أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا يقول تعالى مخبرا عن الكفار والمشركين والملحدين أنهم يزعمون أنهم لا يبعثون قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ أي: لتخبرن بجميع أعمالكم، جليلها وحقيرها، وصغيرها وكبيرها وَذلِكَ البعث، عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ أي: بعثكم ومجازاتكم على الله سهل، وبهذا انتهت المجموعة
الأولى وهي كالأساس للمجموعة الثانية.
كلمة في السياق:
هذه المجموعة قررت أمورا وأقامت حججا:
١ - تسبيح ما في السموات والأرض لله. ٢ - مالكية الله للأشياء كلها. ٣ - أن كل نعمة ظاهرة وباطنة هي من الله . ٤ - اتصاف الله بالقدرة المطلقة. ٥ - انقسام البشر إلى قسمين كبيرين مؤمنين وكافرين، وذلك من مظاهر اتصافه بكمال القدرة. ٦ - اتصاف الله بصفة البصر التي تحيط بالظواهر والبواطن. ٧ - أن الله هو وحده خالق السموات والأرض، وأن خلقه لهما كان لحكمة وليس عبثا. ٨ - وأن تصويره البشر على ما هم عليه أثر حكمته. ٩ - وأن إلى الله المرجع. ١٠ - وأن علمه محيط بما في السموات وما في الأرض وأنه يعلم ما يسره البشر وما يعلنونه، وأنه عليم بما في الصدور. ١١ - وأنه
стр. 5669
عذب الكافرين السابقين؛ بسبب كفرهم برسل الله ومعجزاتهم؛ وبسبب استكبارهم أن يهديهم البشر؛ وزعمهم أن الله لن يبعثهم وهذا يقتضي نفي الحكمة الإلهية.
هذه معان تعرضت لها المجموعة الأولى من السورة لتبني عليها المجموعة الثانية، مطالبة البشر بأمور، ومن ثم نرى المجموعة الثانية تبدأ بالأمر: فَآمِنُوا فكأن المجموعة الثانية تقول بسبب ما مر معكم من معان في المجموعة الأولى فافعلوا كذا وكذا، وكل الأوامر اللاحقة تأتي بناء على المعاني التي وردت في المجموعة الأولى، فلنر المجموعة الثانية ولنعرضها على مطالب.
تفسير المجموعة الثانية من الفقرة الأولى
المطلب الأول:
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ محمد ﷺ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا قال النسفي:
يعني: القرآن لأنه يبين حقيقة كل شئ، فيهتدى به كما يهتدى بالنور وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ أي: فلا تخفى عليه من أعمالكم خافية؛ فليكن إيمانكم صحيحا سليما.
كلمة في السياق:
يأتي هذا الأمر بعد أن عرفنا الله على ذاته وصفاته وأفعاله، وبعد أن عرفنا عاقبة الذين كذبوا الرسل وكذبوا ما جاءوا به، ومن ثم فإن الأمر يأتي بناء على ما مر من معان في المجموعة الأولى.
المطلب الثاني:
يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ أي: واذكروا يوم يجمعكم على أحد قولين للمفسرين في تقدير العامل في (يوم) وسنرى القول الثاني فيما بعد لِيَوْمِ الْجَمْعِ أي: الذي يجمع فيه الأولون والآخرون، قال ابن كثير: (وهو يوم القيامة سمي بذلك لأنه يجمع فيه الأولون والآخرون في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ قال ابن عباس: هو اسم من أسماء يوم القيامة، وذلك أن أهل الجنة يغبنون
стр. 5670
أهل النار، وكذا قال قتادة ومجاهد، وقال مقاتل بن حيان لا غبن أعظم من أن يدخل هؤلاء إلى الجنة، ويذهب بأولئك إلى النار)، وقال الألوسي في قوله تعالى: ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ: (أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة أنهم قالوا:
يوم غبن فيه أهل الجنة أهل النار، فالتفاعل فيه ليس على ظاهره كما في التواضع والتحامل لوقوعه من جانب واحد، واختير للمبالغة، وإلى هذا ذهب الواحدي. وقال غير واحد: أي: يوم غبن فيه بعض الناس بعضا، بنزول السعداء منازل الأشقياء لو كانوا سعداء، وبالعكس، ففي الصحيح: «ما من عبد يدخل الجنة إلا أري مقعده من النار لو أساء؛ ليزداد شكرا، وما من عبد يدخل النار إلى أري مقعده من الجنة لو أحسن؛ ليزداد حسرة» وهو مستعار من تغابن القوم في التجارة، وفيه تهكم بالأشقياء لأنهم يغبنون حقيقة السعداء، بنزولهم في منازلهم من النار، أو جعل ذلك تغابنا مبالغة على طريق المشاكلة، فالتفاعل على هذا القول على ظاهره وهو حسن، إلا أن التغابن فيه تغابن السعداء والأشقياء على التقابل، والأحسن الإطلاق، وتغابن السعداء على الزيادة ثبت في الصحاح، واختار ذلك محيي السنة حيث قال: التغابن تفاعل من الغبن وهو فوت الحظ، والمراد بالمغبون من غبن في أهله ومنازله في الجنة، فيظهر يومئذ غبن كل كافر بترك الإيمان وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان)، قال ابن كثير: (وقد فسر ذلك (أي: التغابن) بقوله تعالى: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) وقد تقدم تفسير مثل هذه غير مرة.
كلمة في السياق:
أمر الله في هذا المطلب بتذكر يوم القيامة، وما يكون فيه من تغابن حيث يغبن الكافرون المكذبون، ويربح المؤمنون العاملون، وفي تحديد صفات الرابحين والخاسرين أمر بتلك الصفات، وتنفير من هذه الصفات، وهذا الأمر مبني على ما ورد في مقدمة السورة من معان، أي: فبسبب من إنصاف الله بما ذكر، وبسبب من المعاني التي ذكرتم بها من انقسام البشر إلى كافر ومؤمن؛ فتذكروا يوم القيامة وما يكون فيه، وآمنوا واعملوا لتكونوا من الرابحين، ولا تكونوا من الخاسرين.
стр. 5671
المطلب الثالث:
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ أي: شدة ومرض وموت أهل وسجن وفقد مال إلى غير ذلك مما يقتضي هما إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي: إلا بعلمه وتقديره ومشيئته. قال النسفي: كأنه أذن للمصيبة أن تصيبه وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وإذن فلا هداية للقلب إلا بإيمان كامل بالله وصفاته وأفعاله، والتسليم له ﷻ ، وسنرى مجموع الأقوال في الآية في الفوائد وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فآمنوا به وسلموا له.
...
كلمة في السياق:
رأينا في المجموعة الأولى أن الله ذكر مالكيته للأشياء، وذكر علمه، وذكر تقديره، كما عرفنا على ذاته ﷻ وأفعاله، وهاهنا عرفنا على أن المصائب كلها منه، وأن الإيمان الكامل بالله به هداية القلب، فكأنه قال آمنوا بأن الخير والشر من الله، واستسلموا لحكم الله، فبذلك تنالون هداية الله بقلوبكم، وتتخلصون من الكفر، وكأن السياق أفاد: أيها البشر بسبب ما عرفتموه عن الله في المجموعة الأولى فعليكم أن تعرفوا أن المصائب من الله، وأن عليكم أن تستسلموا لقضاء الله ، وأن هذا هو طريق الهداية لقلوبكم.
المطلب الرابع:
وَأَطِيعُوا اللَّهَ بطاعة كتابه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ بطاعة شخصه في حياته، وطاعة سنته بعد وفاته فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ عن طاعة الله وطاعة رسوله فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ أي: فعليه التبليغ وقد فعل.
كلمة في السياق:
في المجموعة الأولى عرفنا الله على ذاته، ولفت نظرنا إلى مصير المكذبين بالرسل، وقد أمرنا في المطالب السابقة بالإيمان بالله والرسول والقرآن، وتذكر اليوم الآخر، والتسليم لقضائه، وفي هذا المطلب أمرنا بالطاعة لله والرسول، فبعد أن أمرنا بالإيمان بأركان الإيمان أمرنا بالطاعة لله والرسول.
стр. 5672
المطلب الخامس:
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فليس غيره متصفا بالألوهية وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ قال ابن كثير: فالأول (أي: قوله: لا إله إلا هو) خبر عن التوحيد، ومعناه معنى الطلب، أي: وحدوا الإلهية له، وأخلصوها لديه، وتوكلوا عليه.
كلمة في السياق:
بعد أن أمر الله في المطالب السابقة بما أمر، ذكر بكونه هو وحده الإله؛ ليبعث المؤمن على التنفيذ الخالص، وذكر بوجوب التوكل عليه وحده؛ لكى لا يخشى المسلم من الالتزام؛ ولكي يصبر على المصيبة، وبهذا انتهت المجموعة الثانية بعد أن حددت للبشر ما ينبغي عليهم فعله ليكونوا من المؤمنين، ولا يكونوا من الكافرين، فالمجموعة الأولى ذكرت المعاني التي تعين على تحقيق مطالب المجموعة الثانية، وبهذا اكتملت الفقرة الأولى من السورة، وقد عرفتنا على قضايا الإيمان والطريق إليه، حتى إذا تبين الطريق وتبينت الأسس ولفت النظر إلى كل ما يحقق بهذا الإيمان، وآن الأوان ليخاطب من بين البشر كلهم أهل الإيمان الذين ذكرهم الله في بداية السورة هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ تأتي الفقرة الثانية في السورة لتخاطب أهل الإيمان وحدهم، بما ينبغي أن يحذروه من مطبات الطريق وعوائقه وما ينبغي أن يحققوه ويفعلوه.
***
стр. 5673
الفقرة الثانية
وتمتد من الآية (١٤) إلى نهاية الآية (١٨) أي: إلى نهاية السورة وهذه هي [سورة التغابن (٦٤): الآيات ١٤ الى ١٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)
التفسير:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ قال ابن كثير:
يقول تعالى مخبرا عن الأزواج والأولاد أن منهم من هو عدو للزوج والوالد، بمعنى أنه يلتهي به عن العمل الصالح، قال مجاهد: يحمل الرجل (أي: ابنه وزوجه) على قطيعة الرحم أو معصية ربه، فلا يستطيع الرجل- مع حبه- إلا أن يطيعه فَاحْذَرُوهُمْ يعني على دينكم، والضمير للأزواج والأولاد، أي: فاحذروهم أن يقطعوكم عن السير، أو يلفتوكم عن الآخرة، أو يضلوكم عن الطريق، أو يحببوكم في الدنيا، أو ينزلوكم من المقام الأعلى إلى المقام الأدنى، أو يثبطوكم عن خير، أو يوقعوكم في شر، وقال النسفي: أي: لما علمتم أن هؤلاء لا يخلون من عدو فكونوا منهم على حذر، ولا تأمنوا غوائلهم وشرهم وَإِنْ تَعْفُوا قال النسفي: أي: عنهم إذا اطلعتم منهم على عداوة ولم
تقابلوهم بمثلها وَتَصْفَحُوا أي: وتعرضوا عن التوبيخ وَتَغْفِرُوا أي: وتستروا ذنوبهم فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي: يغفر لكم ذنوبكم، ويكفر عنكم سيئاتكم
إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ أي: اختبار وابتلاء من الله
стр. 5674
تعالى لخلقه، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، وقال النسفي: أي: بلاء ومحنة، لأنهم يوقعون في الإثم والعقوبة، ولا بلاء أعظم منهما وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ أي: في الآخرة، قال النسفي: وذلك أعظم من منفعتكم بأموالكم وأولادكم، ولم يدخل فيه (من) كما في العداوة لأن الكل لا يخلو عن الفتنة وشغل القلب، بينما يخلو بعضهم عن العداوة
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ أي: جهدكم ووسعكم وطاقتكم. قال النسفي:
قيل هو تفسير لقوله: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ الواردة في آل عمران، وقال ابن كثير: وقد قال بعض المفسرين كما رواه مالك عن زيد بن أسلم أن هذه الآية ناسخة للتي في آل عمران. أقول: واعتبارها مفسرة أولى وَاسْمَعُوا أي: ما توعظون به وَأَطِيعُوا أي: فيما تؤمرون به وتنهون عنه، قال ابن كثير: أي: كونوا منقادين لما يأمركم الله به ورسوله، ولا تحيدوا عنه يمنة ولا يسرة، ولا تقدموا بين يدي الله ورسوله، ولا تتخلفوا عما به أمرتم، ولا تركبوا ما عنه زجرتم وَأَنْفِقُوا أي: في الوجوه التي وجبت عليكم النفقة فيها خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ أي: إنفاقا خيرا لأنفسكم، قال النسفي: وهو تأكيد للحث على امتثال هذه الأوامر، وبيان أن هذه الأمور خير لأنفسكم من الأموال والأولاد، وما أنتم عاكفون عليه من حب الشهوات وزخارف الدنيا. قال ابن كثير: أي: وابذلوا مما رزقكم الله على الأقارب والفقراء والمساكين وذوي الحاجات، وأحسنوا إلى خلق الله كما أحسن الله إليكم، يكن خيرا لكم في الدنيا والآخرة، وإن لا تفعلوا يكن شرا لكم في الدنيا والآخرة وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ بأن لا يبخل بالزكاة والصدقة الواجبة فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وحدهم، دل ذلك على أنه لا فلاح إلا بالخروج من شح النفس
إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قال النسفي: بنية وإخلاص، وذكر القرض تلطف في الاستدعاء قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ قال النسفي: (أي: يكتب لكم بالواحدة عشرا أو سبعمائة إلى ما شاء الله من الزيادة) وقال ابن كثير: أي: مهما أنفقتم من شئ فهو يخلفه، ومهما تصدقتم من شئ فعليه جزاؤه وَيَغْفِرْ لَكُمْ أي: ويكفر عنكم السيئات وَاللَّهُ شَكُورٌ أي: يقبل القليل ويعطي الجزيل، قال ابن كثير: أي: يجزي على القليل بالكثير حَلِيمٌ قال ابن كثير: أي: يصفح ويغفر ويستر ويتجاوز عن الذنوب والزلات والخطايا والسيئات. وقال النسفي: أي: يقبل الجليل من ذنب البخيل، أو يضعف الصدقة لدافعها ولا يعجل العقوبة لمانعها
عالِمُ الْغَيْبِ أي:
يعلم ما استتر من سرائر القلوب، ومكنونات الغيوب وَالشَّهادَةِ قال النسفي:
стр. 5675
أي: ما انتشر من ظواهر الخطوب. أقول: ومرئيات العيون الْعَزِيزُ أي:
المتصف بالعزة الْحَكِيمُ المتصف بالحكمة.
كلمة في السياق:
١ - في الفقرة الأولى أوصل إلى حقيقة الإيمان، ثم جاءت الفقرة الثانية لتحذر المؤمنين من فتنة الأولاد والأزواج، ولتأمرهم بالتقوى والسمع والطاعة والإنفاق للوصول إلى الفلاح، وختمت السورة بالتعريف على الله ، كما بدأت، وبهذا تمت السورة.
٢ - فلنبحث عن صلة السورة بمحورها:
أ- ذكرت الآيات الأولى من سورة البقرة أن من صفات المتقين الاهتداء بكتاب الله، وقد أمرت السورة بذلك، وذكرت الآيات الأولى أن من صفات المتقين الإيمان بالغيب، وقد فصلت فيه السورة وأمرت به، وذكرت موجباته، وعددت بعض أركانه، وذكرت الآيات الأولى من سورة البقرة أن من صفات المتقين الإنفاق، والسورة أمرت به، وكما تعرضت مقدمة سورة البقرة للكفر والإيمان فقد ذكرت السورة الكفر والإيمان قدرا وشرعا، وأنكرت على الكافرين كفرهم، ودلت على طريق الإيمان وموجباته.
ب- ذكرت مقدمة سورة البقرة المتقين وخصائصهم، وجاءت سورة التغابن لتضع الأساس، ثم لتبني عليه قضية الإيمان، ثم لتأمر بعد ذلك بالتقوى عامة، وتخص بعض جوانبها بالذكر.
٣ - ختمت صفات المتقين في سورة البقرة بقوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وقد جاء هاهنا قوله تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ مما يشير إلى أن الشح عامل رئيسي في النكوص عن التقوى عامة، وهذا يبرز محل الإنفاق في قضية التقوى، قال ﵊: «والصدقة برهان».
٤ - من كل ما مر ندرك أن سورة التغابن فصلت في القضيتين الرئيسيتين اللتين تعرضت لهما مقدمة سورة البقرة: الكفر والإيمان، بتبيان أن الله خالقهما، وبالدلالة على الطريق الشرعي للتحقق بالتقوى، وللتخلص من الكفر. وستأتي بعد سورة التغابن سورة الطلاق لتفصل فيما بعد مقدمة سورة البقرة، أي: في محور سورة
следующие страницы →