← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.

стр. 5671

المطلب الثالث: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ أي: شدة ومرض وموت أهل وسجن وفقد مال إلى غير ذلك مما يقتضي هما إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي: إلا بعلمه وتقديره ومشيئته. قال النسفي: كأنه أذن للمصيبة أن تصيبه وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وإذن فلا هداية للقلب إلا بإيمان كامل بالله وصفاته وأفعاله، والتسليم له ﷻ ، وسنرى مجموع الأقوال في الآية في الفوائد وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فآمنوا به وسلموا له. ... كلمة في السياق: رأينا في المجموعة الأولى أن الله ذكر مالكيته للأشياء، وذكر علمه، وذكر تقديره، كما عرفنا على ذاته ﷻ وأفعاله، وهاهنا عرفنا على أن المصائب كلها منه، وأن الإيمان الكامل بالله به هداية القلب، فكأنه قال آمنوا بأن الخير والشر من الله، واستسلموا لحكم الله، فبذلك تنالون هداية الله بقلوبكم، وتتخلصون من الكفر، وكأن السياق أفاد: أيها البشر بسبب ما عرفتموه عن الله في المجموعة الأولى فعليكم أن تعرفوا أن المصائب من الله، وأن عليكم أن تستسلموا لقضاء الله ، وأن هذا هو طريق الهداية لقلوبكم. المطلب الرابع: وَأَطِيعُوا اللَّهَ بطاعة كتابه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ بطاعة شخصه في حياته، وطاعة سنته بعد وفاته فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ عن طاعة الله وطاعة رسوله فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ أي: فعليه التبليغ وقد فعل. كلمة في السياق: في المجموعة الأولى عرفنا الله على ذاته، ولفت نظرنا إلى مصير المكذبين بالرسل، وقد أمرنا في المطالب السابقة بالإيمان بالله والرسول والقرآن، وتذكر اليوم الآخر، والتسليم لقضائه، وفي هذا المطلب أمرنا بالطاعة لله والرسول، فبعد أن أمرنا بالإيمان بأركان الإيمان أمرنا بالطاعة لله والرسول.

стр. 5672

المطلب الخامس: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فليس غيره متصفا بالألوهية وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ قال ابن كثير: فالأول (أي: قوله: لا إله إلا هو) خبر عن التوحيد، ومعناه معنى الطلب، أي: وحدوا الإلهية له، وأخلصوها لديه، وتوكلوا عليه. كلمة في السياق: بعد أن أمر الله في المطالب السابقة بما أمر، ذكر بكونه هو وحده الإله؛ ليبعث المؤمن على التنفيذ الخالص، وذكر بوجوب التوكل عليه وحده؛ لكى لا يخشى المسلم من الالتزام؛ ولكي يصبر على المصيبة، وبهذا انتهت المجموعة الثانية بعد أن حددت للبشر ما ينبغي عليهم فعله ليكونوا من المؤمنين، ولا يكونوا من الكافرين، فالمجموعة الأولى ذكرت المعاني التي تعين على تحقيق مطالب المجموعة الثانية، وبهذا اكتملت الفقرة الأولى من السورة، وقد عرفتنا على قضايا الإيمان والطريق إليه، حتى إذا تبين الطريق وتبينت الأسس ولفت النظر إلى كل ما يحقق بهذا الإيمان، وآن الأوان ليخاطب من بين البشر كلهم أهل الإيمان الذين ذكرهم الله في بداية السورة هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ تأتي الفقرة الثانية في السورة لتخاطب أهل الإيمان وحدهم، بما ينبغي أن يحذروه من مطبات الطريق وعوائقه وما ينبغي أن يحققوه ويفعلوه. ***

стр. 5673

الفقرة الثانية وتمتد من الآية (١٤) إلى نهاية الآية (١٨) أي: إلى نهاية السورة وهذه هي [سورة التغابن (٦٤): الآيات ١٤ الى ١٨] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) التفسير: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ قال ابن كثير: يقول تعالى مخبرا عن الأزواج والأولاد أن منهم من هو عدو للزوج والوالد، بمعنى أنه يلتهي به عن العمل الصالح، قال مجاهد: يحمل الرجل (أي: ابنه وزوجه) على قطيعة الرحم أو معصية ربه، فلا يستطيع الرجل- مع حبه- إلا أن يطيعه فَاحْذَرُوهُمْ يعني على دينكم، والضمير للأزواج والأولاد، أي: فاحذروهم أن يقطعوكم عن السير، أو يلفتوكم عن الآخرة، أو يضلوكم عن الطريق، أو يحببوكم في الدنيا، أو ينزلوكم من المقام الأعلى إلى المقام الأدنى، أو يثبطوكم عن خير، أو يوقعوكم في شر، وقال النسفي: أي: لما علمتم أن هؤلاء لا يخلون من عدو فكونوا منهم على حذر، ولا تأمنوا غوائلهم وشرهم وَإِنْ تَعْفُوا قال النسفي: أي: عنهم إذا اطلعتم منهم على عداوة ولم تقابلوهم بمثلها وَتَصْفَحُوا أي: وتعرضوا عن التوبيخ وَتَغْفِرُوا أي: وتستروا ذنوبهم فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي: يغفر لكم ذنوبكم، ويكفر عنكم سيئاتكم إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ أي: اختبار وابتلاء من الله

стр. 5674

تعالى لخلقه، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، وقال النسفي: أي: بلاء ومحنة، لأنهم يوقعون في الإثم والعقوبة، ولا بلاء أعظم منهما وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ أي: في الآخرة، قال النسفي: وذلك أعظم من منفعتكم بأموالكم وأولادكم، ولم يدخل فيه (من) كما في العداوة لأن الكل لا يخلو عن الفتنة وشغل القلب، بينما يخلو بعضهم عن العداوة فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ أي: جهدكم ووسعكم وطاقتكم. قال النسفي: قيل هو تفسير لقوله: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ الواردة في آل عمران، وقال ابن كثير: وقد قال بعض المفسرين كما رواه مالك عن زيد بن أسلم أن هذه الآية ناسخة للتي في آل عمران. أقول: واعتبارها مفسرة أولى وَاسْمَعُوا أي: ما توعظون به وَأَطِيعُوا أي: فيما تؤمرون به وتنهون عنه، قال ابن كثير: أي: كونوا منقادين لما يأمركم الله به ورسوله، ولا تحيدوا عنه يمنة ولا يسرة، ولا تقدموا بين يدي الله ورسوله، ولا تتخلفوا عما به أمرتم، ولا تركبوا ما عنه زجرتم وَأَنْفِقُوا أي: في الوجوه التي وجبت عليكم النفقة فيها خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ أي: إنفاقا خيرا لأنفسكم، قال النسفي: وهو تأكيد للحث على امتثال هذه الأوامر، وبيان أن هذه الأمور خير لأنفسكم من الأموال والأولاد، وما أنتم عاكفون عليه من حب الشهوات وزخارف الدنيا. قال ابن كثير: أي: وابذلوا مما رزقكم الله على الأقارب والفقراء والمساكين وذوي الحاجات، وأحسنوا إلى خلق الله كما أحسن الله إليكم، يكن خيرا لكم في الدنيا والآخرة، وإن لا تفعلوا يكن شرا لكم في الدنيا والآخرة وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ بأن لا يبخل بالزكاة والصدقة الواجبة فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وحدهم، دل ذلك على أنه لا فلاح إلا بالخروج من شح النفس إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قال النسفي: بنية وإخلاص، وذكر القرض تلطف في الاستدعاء قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ قال النسفي: (أي: يكتب لكم بالواحدة عشرا أو سبعمائة إلى ما شاء الله من الزيادة) وقال ابن كثير: أي: مهما أنفقتم من شئ فهو يخلفه، ومهما تصدقتم من شئ فعليه جزاؤه وَيَغْفِرْ لَكُمْ أي: ويكفر عنكم السيئات وَاللَّهُ شَكُورٌ أي: يقبل القليل ويعطي الجزيل، قال ابن كثير: أي: يجزي على القليل بالكثير حَلِيمٌ قال ابن كثير: أي: يصفح ويغفر ويستر ويتجاوز عن الذنوب والزلات والخطايا والسيئات. وقال النسفي: أي: يقبل الجليل من ذنب البخيل، أو يضعف الصدقة لدافعها ولا يعجل العقوبة لمانعها عالِمُ الْغَيْبِ أي: يعلم ما استتر من سرائر القلوب، ومكنونات الغيوب وَالشَّهادَةِ قال النسفي:

стр. 5675

أي: ما انتشر من ظواهر الخطوب. أقول: ومرئيات العيون الْعَزِيزُ أي: المتصف بالعزة الْحَكِيمُ المتصف بالحكمة. كلمة في السياق: ١ - في الفقرة الأولى أوصل إلى حقيقة الإيمان، ثم جاءت الفقرة الثانية لتحذر المؤمنين من فتنة الأولاد والأزواج، ولتأمرهم بالتقوى والسمع والطاعة والإنفاق للوصول إلى الفلاح، وختمت السورة بالتعريف على الله ، كما بدأت، وبهذا تمت السورة. ٢ - فلنبحث عن صلة السورة بمحورها: أ- ذكرت الآيات الأولى من سورة البقرة أن من صفات المتقين الاهتداء بكتاب الله، وقد أمرت السورة بذلك، وذكرت الآيات الأولى أن من صفات المتقين الإيمان بالغيب، وقد فصلت فيه السورة وأمرت به، وذكرت موجباته، وعددت بعض أركانه، وذكرت الآيات الأولى من سورة البقرة أن من صفات المتقين الإنفاق، والسورة أمرت به، وكما تعرضت مقدمة سورة البقرة للكفر والإيمان فقد ذكرت السورة الكفر والإيمان قدرا وشرعا، وأنكرت على الكافرين كفرهم، ودلت على طريق الإيمان وموجباته. ب- ذكرت مقدمة سورة البقرة المتقين وخصائصهم، وجاءت سورة التغابن لتضع الأساس، ثم لتبني عليه قضية الإيمان، ثم لتأمر بعد ذلك بالتقوى عامة، وتخص بعض جوانبها بالذكر. ٣ - ختمت صفات المتقين في سورة البقرة بقوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وقد جاء هاهنا قوله تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ مما يشير إلى أن الشح عامل رئيسي في النكوص عن التقوى عامة، وهذا يبرز محل الإنفاق في قضية التقوى، قال ﵊: «والصدقة برهان». ٤ - من كل ما مر ندرك أن سورة التغابن فصلت في القضيتين الرئيسيتين اللتين تعرضت لهما مقدمة سورة البقرة: الكفر والإيمان، بتبيان أن الله خالقهما، وبالدلالة على الطريق الشرعي للتحقق بالتقوى، وللتخلص من الكفر. وستأتي بعد سورة التغابن سورة الطلاق لتفصل فيما بعد مقدمة سورة البقرة، أي: في محور سورة

стр. 5676

النساء، ولننقل بعض الفوائد المتعلقة ببعض آيات السورة. الفوائد: ١ - في قوله تعالى: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ قال النسفي: (يهد قلبه للاسترجاع عند المصيبة حتى يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، أو يشرحه للازدياد من الطاعة والخير، أو يهد قلبه حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وعن مجاهد إن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر، وإن ظلم غفر)، وقال ابن كثير في الآية: (يقول تعالى مخبرا بما أخبر به في سورة الحديد: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ وهكذا قال هاهنا: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ قال ابن عباس بأمر الله يعني: عن قدره ومشيئته وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي: ومن أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره، فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا هدى في قلبه، ويقينا صادقا، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه أو خيرا منه. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ: يعني: يهدي قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وقال الأعمش عن أبي ظبيان قال: كنا عند علقمة فقرئت عنده هذه الآية وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ فسئل عن ذلك فقال: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيرها، وقال سعيد ابن جبير ومقاتل بن حيان وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ يعني: يسترجع يقول: (إنا لله وإنا إليه راجعون). وفي الحديث المتفق عليه: «عجبا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن» وروى أحمد عن علي بن رباح أنه سمع جنادة بن أبي أمية يقول: سمعت عبادة بن الصامت يقول: إن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله، وتصديق به، وجهاد في سبيل الله» قال: أريد أهون من هذا يا رسول الله. قال: «لا تتهم الله في شئ قضى لك به» لم يخرجوه).

стр. 5677

٢ - بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ قال الألوسي: (أي: إن بعضهم كذلك فمن الأزواج أزواجا يعادين بعولتهن ويخاصمنهم ويجلبن عليهم، ومن الأولاد أولادا يعادون آباءهم ويعقونهم ويجرعونهم الغصص والأذى، وقد شاهدنا من الأزواج من قتلت زوجها، ومن أفسدت عقله بإطعام بعض المفسدات للعقل، ومن كسرت قارورة عرضه، ومن مزقت كيس ماله- ومن، ومن- وكذا من الأولاد من فعل نحو ذلك فَاحْذَرُوهُمْ أي: فكونوا منهم على حذر، ولا تأمنوا غوائلهم وشرهم، والضمير للعدو فإنه يطلق على الجمع نحو قوله تعالى حكاية عن قول إبراهيم ﵇ في الأصنام: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي فالمأمور به الحذر عن الكل، أو للأزواج، والأولاد جميعا، فالمأمور به إما الحذر عن البعض لأن منهم من ليس بعدو، وإما الحذر عن مجموع الفريقين لاشتمالهم على العدو). وقال ابن كثير في الآية: (يقول تعالى مخبرا عن الأزواج والأولاد أن منهم من هو عدو الزوج والوالد بمعنى: أنه يلتهي به عن العمل الصالح كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ولهذا قال تعالى هاهنا: فَاحْذَرُوهُمْ قال ابن زيد: يعني: على دينكم، وقال مجاهد إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ قال: يحمل الرجل على قطيعة الرحم أو معصية ربه فلا يستطيع الرجل مع حبه إلا أن يطيعه، وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عباس وسأله رجل عن هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ قال: فهؤلاء رجال أسلموا من مكة فأرادوا أن يأتوا رسول الله ﷺ فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم، فلما أتوا رسول الله ﷺ رأوا الناس قد فقهوا في الدين فهموا أن يعاقبوهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وكذا رواه الترمذي وقال: حسن صحيح). وقال صاحب الظلال: (ولكن النص القرآني أشمل من الحادث الجزئي وأبعد مدى وأطول أمدا. فهذا التحذير من الأزواج والأولاد كالتحذير الذي في الآية التالية من الأموال والأولاد معا إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ والتنبه إلى أن من الأزواج والأولاد من يكون عدوا ... إن هذا يشير إلى حقيقة عميقة في الحياة البشرية. ويمس

стр. 5678

وشائج متشابكة دقيقة في التركيب العاطفي، وفي ملابسات الحياة سواء. فالأزواج والأولاد قد يكونون مشغلة وملهاة عن ذكر الله. كما أنهم قد يكونون دافعا للتقصير في تبعات الإيمان اتقاء للمتاعب التي تحيط بهم لو قام المؤمن بواجبه فلقي ما يلقاه المجاهد في سبيل الله! والمجاهد في سبيل الله يتعرض لخسارة الكثير، وتضحية الكثير. كما يتعرض هو وأهله للعنت. وقد يحتمل العنت في نفسه ولا يحتمله في زوجه وولده. فيبخل ويجبن ليوفر لهم الأمن والقرار أو المتاع والمال! فيكونون عدوا له، لأنهم صدوه عن الخير، وعوقوه عن تحقيق غاية وجوده الإنساني العليا. كما أنهم قد يقفون له في الطريق يمنعونه من النهوض بواجبه، اتقاء لما يصيبهم من جرائه، أو لأنهم قد يكونون في طريق غير طريقه، ويعجز هو عن المفاصلة بينه وبينهم والتجرد لله ... وهي كذلك صور من العداوة متفاوتة الدرجات ... وهذه وتلك مما يقع في حياة المؤمن في كل آن. ومن ثم اقتضت هذه الحال المعقدة المتشابكة التحذير من الله؛ لإثارة اليقظة في قلوب الذين آمنوا، والحذر من تسلل هذه المشاعر، وضغط هذه المؤثرات). ٣ - وبمناسبة قوله تعالى: إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبا بريدة يقول: كان رسول الله ﷺ يخطب فجاء الحسن والحسين ﵄ عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه ثم قال: «صدق الله ورسوله إنما أموالكم وأولادكم فتنة؛ نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما» ورواه أهل السنن من حديث حسين بن واقد به، وقال الترمذي: حسن غريب إنما نعرفه من حديثه، وروى الإمام أحمد عن الشعبي حدثنا الأشعث بن قيس قال: قدمت على رسول الله ﷺ في وفد كندة فقال لي: «هل لك من ولد؟» قلت: غلام ولد لي في مخرجي إليه من ابنة حمد، ولوددت أن بمكانه سبع القوم فقال: «لا تقلن ذلك فإن فيهم قرة عين وأجرا إذا قبضوا» ثم قال: «ولئن قلت ذاك إنهم لمجبنة محزنة إنهم لمجبنة محزنة» تفرد به أحمد، وروى الحافظ أبو بكر البزار عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «الولد ثمرة القلوب وإنهم مجبنة محزنة» ثم قال: لا نعرفه إلا بهذا الإسناد). ٤ - بمناسبة قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ قال ابن كثير: (كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أمرتكم

стр. 5679

بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه» وقد قال بعض المفسرين كما رواه مالك عن زيد بن أسلم: إن هذه الآية ناسخة للتي في آل عمران وهي قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. روى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ قال: لما نزلت هذه الآية اشتد على القوم العمل، فقاموا حتى ورمت عراقيبهم، وتقرحت جباههم، فأنزل الله تعالى هذه الآية تخفيفا على المسلمين فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فنسخت الآية الأولى، وروي عن أبي العالية وزيد ابن أسلم وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك). أقول: هي مفسرة وليست ناسخة- والله أعلم- لاحظ صلة هذه الآية بقوله تعالى في سورة البقرة: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها مما يشير إلى أن هذه الآية في سورة البقرة ألصق بمعاني مقدمتها. ٥ - بمناسبة قوله تعالى: إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ قال ابن كثير: (كما ثبت في الصحيحين أن الله تعالى يقول: «من يقرض غير ظلوم ولا عديم». ... كلمة أخيرة في سورة التغابن وزمرة المسبحات: لاحظنا أن المسبحات كلها فصلت في مقدمة سورة البقرة، كما لاحظنا أن المسبحات كلها اشتركت في وجود النداء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فيها. فهي تفصل في الأساس، وطريق تحقيق هذا الأساس، وبشكل يكمل بعضه بعضا، ونلاحظ أن اسمي (العزيز الحكيم) قد وردا فيها جميعا، إما في الأول، أو في الآخر أو في الأول والآخر بآن واحد، كما رأينا ذلك في سورة الحشر، ورأينا أن الضمير (هو) ورد في أوائلها جميعا- تقريبا- في بداية آية ما عدا سورة الصف. هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ ... سورة الحديد. هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ سورة الحشر. هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ سورة الجمعة. هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ سورة التغابن. مما يشير إلى أن المسبحات عامة ركزت على نقطة البداية الأولى التي ينبثق عنها كل المعاني، وهي موضوع الإيمان

стр. 5680

بالله ، فالإيمان بالله يتفرع عنه الإيمان بأركان الإيمان، والتقوى أثر عنه، ومن ثم كان تفصيلها لمقدمة سورة البقرة تفصيلا من نوع جديد، إذ إن فيها تركيزا على الأوليات، وعلى ما ينبغي أن ينبثق عنها عمليا، وقد ختمت المسبحات بسورة التغابن التي هي بداية لمجموعة تفصل في محاور سور خمس من القسم الأول- قسم الطوال- بينما كان ما قبلها من المجموعات يفصل فيما دون ذلك، مما يشير إلى أنه بانتهاء المسبحات يكون قد ثم تفصيل كامل للمعاني القرآنية الرئيسية، وذلك في قسم المفصل، وكان للمسبحات ومجموعاتها في هذا التفصيل الدور الأعظم. وسورة التغابن ركزت في مواضيع مقدمة سورة البقرة العملية تركيزا شديدا، وركزت على موضوع السمع والطاعة كثيرا كمقدمة لسورة الطلاق ذات الأحكام التشريعية، وركزت على موضوع الفتنة في الأولاد والأزواج كمقدمة لسورة التحريم التي فيها ذكر لموضوع الأهل والزوجات، وركزت على موضوع الخلق كمقدمة لسورة الملك التي هي تفصيل لهذا المقام، وركزت في موضوع الفتنة بالأموال كمقدمة لسورة (القلم) التي تعرض قصة أصحاب الجنة وفتنتهم، ومن هذا ندرك أن سورة التغابن مقدمة لمجموعتها، وبهذه المناسبة نقول: إن مقدمة سورة البقرة كانت المقدمة المناسبة لما بعدها، وأن ما بعدها كان مناسبا لما بعده وهكذا، وفي كل مرة يأتي تفصيل جديد لسورة البقرة فإن تناسقا ما يكون بين سور المجموعات المفصلة، فما كان تفصيلا لمقدمة سورة البقرة يكون مقدمة لما بعده، ومرتبطا به برباط وثيق، فالسورة التي تفصل في مقدمة سورة البقرة هي نفسها مقدمة مناسبة لما بعدها، والسور التي تفصل فيما بعدها ترتبط بها كرباط ما بعد مقدمة سورة البقرة بمقدمتها، بحيث تلقي المقدمة أضواءها على ما بعدها، ويلقي ما بعد المقدمة أضواءه على المقدمة، وكل ذلك بشكل مدهش عجيب. فلنر الآن سورة الطلاق أو سورة النساء الصغرى. ***

стр. 5681

سورة الطلاق وهي السورة الخامسة والستون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثانية من المجموعة الخامسة من قسم المفصل، وهي اثنتا عشرة آية وهي مدنية

стр. 5682

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 5683

بين يدي سورة الطلاق: قدم الألوسي ﵀ لسورة الطلاق بقوله: (وتسمى سورة- النساء القصرى- كذا سماها ابن مسعود كما أخرجه البخاري، وغيره، وأنكره الداودي، فقال: لا أرى القصرى محفوظا ولا يقال لشئ من سور القرآن: قصرى. ولا صغرى، وتعقبه ابن حجر بأنه رد للأخبار الثابتة بلا مستند والقصر والطول أمر نسبي، وقد أخرج البخاري عن زيد بن ثابت أنه قال: طولى الطوليين، وأراد بذلك سورة الأعراف- وهي مدنية بالاتفاق-. واختلف في عدد آياتها ففي البصري إحدى عشرة آية، وفيما عداه اثنتا عشرة آية، ولما ذكر سبحانه فيما تقدم إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ وكانت العداوة قد تفضي إلى الطلاق، ذكر جل شأنه هنا الطلاق وأرشد سبحانه إلى الانفصال منهن على الوجه الجميل، وذكر أيضا ما يتعلق بالأولاد في الجملة). ومن تقديم صاحب الظلال ﵀ لسورة الطلاق نقتطف ما يلي: (هذه سورة الطلاق، يبين الله فيها أحكامه، ويفصل فيها الحالات التي لم تفصل في السورة الأخرى (سورة البقرة) التي تضمنت بعض أحكام الطلاق، ويقرر فيها أحكام الحالات المتخلفة عن الطلاق من شئون الأسرة). (ويقف الإنسان مدهوشا أمام هذه السورة، وهي تتناول أحكام هذه الحالة ومتخلفاتها. وهي تحشد للأمر هذا الحشد العجيب من الترغيب والترهيب، والتعقيب على كل حكم، ووصل هذا الأمر بقدر الله في السماوات والأرضين، وسنن الله في هلاك العاتين عن أمره، وفي الفرج والسعة لمن يتقونه. وتكرار الأمر بالمعروف والسماحة والتراضي، وإيثار الجميل. والإطماع في الخير. والتذكير بقدر الله في الخلق وفي الرزق، وفي اليسر والعسر. يقف الإنسان مدهوشا أمام هذا الحشد من الحقائق الكونية الكبرى في معرض الحديث عن الطلاق أمام هذا الاحتفال والاهتمام، حتى ليوجه الخطاب إلى النبي ﷺ بشخصه، وهو أمر عام للمؤمنين وحكم عام للمسلمين، وزيادة في الاهتمام وإشعارا بخطورة الأمر المتحدث فيه. وأمام هذا التفصيل الدقيق للأحكام حالة حالة،

стр. 5684

والأمر المشدد في كل حكمة بالدقة في مراعاته، وتقوى الله في تنفيذه، ومراقبة الله في تناوله. والإطالة في التعقيب بالترغيب والترهيب! إطالة تشعر القلب كأن هذا الأمر هو الإسلام كله! وهو الدين كله! وهو القضية التي تفصل فيها السماء، وتقف لتراقب تنفيذ الأحكام! وتعد المتقين فيها بأكبر وأسمى ما يتطلع إليه المؤمن؛ وتوعد الملتوين والمتلكئين والمضارين بأعنف وأشد ما يلقاه عاص؛ وتلوح للناس بالرجاء الندي والخير المخبوء وراء أخذ الأمر بالمعروف والسماحة والتجمل والتيسير). (علام يدل هذا؟ إن له عدة دلالات تجتمع كلها عند سمو هذا الدين وجديته وانبثاقه من نبع غير بشري على وجه التأكيد، إنه يدل ابتداء على خطورة شأن الأسرة في النظام الإسلامي. فالإسلام نظام أسرة. البيت في اعتباره مثابة وسكن؛ في ظله تلتقي النفوس على المودة والرحمة والتعاطف والستر والتجمل والحصانة والطهر؛ وفي كنفه تنبت الطفولة، وتدرج الحداثة؛ ومنه تمتد وشائج الرحمة وأواصر التكافل). (والدلالة الثانية لسياق السورة، وللاحتفال بشأن العلاقات الزوجية والعائلية هذا الاحتفال في القرآن كله، هي اتجاه النظام الإسلامي لرفع هذه العلاقات الإنسانية إلى مستوى القداسة المتصلة بالله؛ واتخاذها وسيلة للتطهر الروحي والنظافة الشعورية- لا كما ينظر إليها في العقائد الوثنية، وعند أتباع الديانات المحرفة، البعيدة بهذا التحريف عن فطرة الله التي فطر الناس عليها). (والدلالة الثالثة لسياق سورة الطلاق ونظائرها هي واقعية هذا النظام الإسلامي ومعاملته للحياة وللنفس البشرية كما هي في فطرتها، مع محاولة رفعها إلى ذلك المستوى الكريم، عن طريق استعداداتها وملابسات حياتها، ومن ثم لا يكتفي بالتشريع الدقيق في هذا الأمر الموكول إلى الضمير، ولا يكتفي بالتوجيه ويستخدم هذا وذاك في مواجهة واقع النفس وواقع الحياة). (والدلالة الرابعة للسورة وما فيها من الترغيب والترهيب والتعقيب والتفصيل الشديد والتوكيد، هو أنها كانت تواجه حالات واقعة في الجماعة المسلمة متخلفة من رواسب الجاهلية، وما كانت تلاقيه المرأة من العنت والخسف، مما اقتضى هذا التشديد، وهذا الحشد من المؤثرات النفسية، ومن التفصيلات الدقيقة، التي لا تدع

стр. 5685

مجالا للتلاعب والالتواء مع ما كان مستقرا في النفوس من تصورات متخلفة عن علاقات الجنسين، ومن تفكك وفوضى في الحياة العائلية. ولم يكن الحال هكذا في شبه الجزيرة وجدها، إنما كان شائعا في العالم كله يومذاك. فكان وضع المرأة هو وضع الرقيق أو ما هو أسوأ من الرقيق في جنبات الأرض جميعا. فوق ما كان ينظر إلى العلاقات الجنسية نظرة استقذار، وإلى المرأة كأنها شيطان يغري بهذه القذارة. ومن هذه الوهدة العالمية ارتفع الإسلام بالمرأة وبالعلاقات الزوجية إلى ذلك المستوى الرفيع الطاهر الكريم الذي سبقت الإشارة إليه. وأنشأ للمرأة ما أنشأ من القيمة والاعتبار والحقوق والضمانات ... وليدة لا توأد ولا تهان. ومخطوبة لا تنكح إلا بإذنها ثيبا أو بكرا. وزوجة لها حقوق الرعاية فوق ضمانات الشريعة. ومطلقة لها هذه الحقوق المفصلة في هذه السورة وفي سورة البقرة وغيرها. شرع الإسلام هذا كله. لا لأن النساء في شبه الجزيرة أو في أي مكان في العالم حينذاك شعرن بأن مكانهن غير مرض! ولا لأن شعور الرجال كذلك قد تأذى بوضع النساء! ولا لأنه كان هناك اتحاد نسائي عربي أو عالمي! ولا لأن المرأة دخلت دار الندوة أو مجلس الشورى! ولا لأن هاتفا واحدا في الأرض هتف بتغيير الأحوال ... إنما كانت هي شريعة السماء للأرض. وعدالة السماء للأرض. وإرادة السماء للأرض ... أن ترتفع الحياة البشرية من تلك الوهدة، وأن تتطهر العلاقات الزوجية من تلك الوصمة، وأن يكون للزوجين من نفس واحدة حقوق الإنسان وكرامة الإنسان. هذا دين رفيع ... لا يعرض عنه إلا مطموس. ولا يعيبه إلا منكوص. ولا يحاربه إلا موكوس. فإنه لا يدع شريعة الله إلى شريعة الناس إلا من أخلد إلى الأرض واتبع هواه). أ. هـ. ... كلمة في سورة الطلاق ومحورها: تبدأ سورة الطلاق بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ والخطاب للنبي ﷺ في هذه الآية خطاب لأمته بدليل قوله تعالى بعد ذلك: إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مما يدل على أن الخطاب للأمة

стр. 5686

كلها، قال النسفي: خص النبي ﷺ بالنداء وعم بالخطاب لأن النبي ﷺ إمام أمته وقدوتهم كما يقال لرئيس القوم يا فلان افعلوا كذا إظهارا لتقدمه واعتبارا لترؤسه، وأنه قدوة قومه، فكان هو وحده في حكم كلهم وسادا مسد جميعهم. ... إن محور سورة الطلاق هو محور سورة النساء أي: الآيات التي جاءت بعد مقدمة سورة البقرة والتي هي: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ* وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ* وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ. ... نلاحظ أن سورة النساء بدأت بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ والآية الأولى من سورة الطلاق فيها وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ونلاحظ في سورة الطلاق تركيزا عظيما على التقوى ففيها وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وفيها وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً وفيها وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً وفيها فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا ... وهكذا فالسورة تركز على التقوى، وصلة ذلك بقوله تعالى: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ واضحة. ... وهذه السورة ركزت على التقوى من خلال عرض قضية عدة المطلقات، ومن خلال عرض أحكام تصفية آثار العلاقة الزوجية، مما يشير إلى أن العبادة لله يدخل فيها الالتزام بأحكام الله عامة، وتنفيذها وتطبيقها، وصلة ذلك بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ واضحة المعنى،

стр. 5687

وكما تعرضت آيات المحور لخلق الله السماء والأرض، فكذلك تعرضت سورة الطلاق، وكما تعرضت آيات المحور لإنزال القرآن على رسول الله ﷺ فكذلك تعرضت سورة الطلاق لذلك كما سنرى. ... وموضوع الطلاق تعرضت له سورة البقرة في أواخر أواسطها، وتوسعت فيه، وهاهنا تأتي سورة الطلاق لتتحدث عن جانب من جوانبه مشدودا إلى قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ مما يشير إلى صلة هذا الموضوع بقضية العبادة والتقوى. ... وكون سورة الطلاق آتية بعد سورة التغابن التي فصلت في مقدمة سورة البقرة، وقبل سورة التحريم المفصلة في محور سورة المائدة، أي: في الآيتين بعد الآيات التي ذكرناها كمحور لسورة الطلاق، فهذا يؤكد أن سورة الطلاق تفصل في هذا المحور المذكور. ولنبدأ عرض السورة ولنعرضها على فقرات. ***

стр. 5688

الفقرة الأولى وتمتد من الآية (١) إلى نهاية الآية (٣) وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الطلاق (٦٥): الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً (١) فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (٣) التفسير: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قال ابن كثير: خوطب النبي ﷺ أولا تشريفا وتكريما، ثم خاطب الأمة تبعا إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ قال النسفي: (أي: إذا أردتم تطليقهن، وهممتم به على تنزيل المقبل على الأمر المشارف له منزلة الشارع فيه) فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ أي: فطلقوهن مستقبلات لعدتهن، وذلك بأن تطلق المرأة في الطهر المتقدم للقرء الأول من أقرائها الثلاثة، التي بها تنقضي عدتها، فلا تطلق في حيض، ولا في طهر جامعها فيه، وذلك من أجل أن تستقبل عدتها بأخصر وقت، ومن أجل أن

стр. 5689

يطلقها زوجها وهو في كامل إدراكه وتفكيره وتعقله، ملاحظا في ذلك حالته النفسية، وفي ذلك من الحكم الكثير مما سنراه في الفوائد، قال النسفي (وهو حنفي): (والمراد أن تطلق المدخول بهن من المعتدات بالحيض في طهر لم يجامعن فيه ثم يخلين حتى تنقضي عدتهن، وهذا أحسن الطلاق). أقول: وسنرى في الفوائد ما هو أحسن الطلاق؟، وما هو حسنه؟، وما هو الطلاق البدعي؟، فالآية هنا دعت لأحسن الطلاق، وذلك بأن يطلق الرجل زوجته تطليقة واحدة في طهر لم يجامعها فيه، وينتظر انقضاء عدتها، وهي ثلاثة قروء، على خلاف بين العلماء في تفسير القرء، فالشافعية يعتبرونه الطهر، والحنفية يعتبرونه الحيض، فمتى طهرت من حيضتها الثالثة عند الحنفية وقع الطلاق بائنا، أي: مفرقا، أما قبل انتهاء العدة فالطلقة رجعية، أي: يحق له أن يراجعها في العدة دون عقد جديد بالقول بأن يقول: راجعتك، أو بالفعل بأن يعاملها معاملة الأزواج من مس بشهوة، أو قبلة أو جماع، أما بعد انقضاء العدة فلا بد من عقد جديد بشروطه، والطلقة وقعت في الحالتين بمعنى: أنه لم يبق للزوج حق إلا في طلقة واحدة، ثم تكون بالثالثة البينونة الكبرى التي لا تحل معها لزوجها الأول إلا بعد أن تتزوج غيره، فيدخل بها ثم يطلقها، وتنقضي عدتها، وعندئذ تحل لزوجها الأول، وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ قال النسفي: (أي: واضبطوها بالحفظ، وأكملوها ثلاثة أقراء مستقبلات كوامل لا نقصان فيهن، وخوطب الأزواج لغفلة النساء)، وقال ابن كثير: (أي: احفظوها واعرفوا ابتداءها وانتهاءها، لئلا تطول العدة على المرأة فتمتنع من الأزواج) وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ أن تخالفوا أمره ونهيه وحدوده وأحكامه، أو تزوروا أو تتلاعبوا في شئ من أحكام شرعه أو حقوق عباده لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ قال ابن كثير: (أي: في مدة العدة لها حق السكنى على الزوج ما دامت معتدة منه، فليس للرجل أن يخرجها، ولا يجوز لها أيضا الخروج، لأنها متعلقة لحق الزوج أيضا) وقال النسفي: (أي: لا تخرجوهن حتى تنقضي عدتهن من بيوتهن أي: مساكنهن التي يسكنها قبل العدة، وهي بيوت الأزواج، وأضيفت إليهن لاختصاصها بهن من حيث السكنى، وفيه دليل على أن السكنى واجبة ... ومعنى الإخراج: أن لا يخرجهن البعولة غضبا عليهن، وكراهة لمساكنتهن، أو لحاجة لهم إلى المساكن، وأن لا يأذنوا لهن في الخروج إذا طلبن ذلك إيذانا بأن إذنهم لا أثر له في رفع الحظر) وَلا يَخْرُجْنَ بأنفسهن إن أردن ذلك إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ قال ابن كثير: أي: لا يخرجن من بيوتهن إلا أن ترتكب المرأة فاحشة مبينة، فتخرج

стр. 5690

من المنزل. والفاحشة المبينة تشمل الزنا ... وتشمل ما إذا نشزت المرأة أو بذت على أهل الرجل وآذتهم في الكلام والفعال وَتِلْكَ أي: الأحكام المذكورة حُدُودُ اللَّهِ أي: شرائعه ومحارمه وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ أي: يخرج عنها ويتجاوزها إلى غيرها، ولا يأتمر بها فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ أي: بفعل ذلك، لأنه عرضها لعقوبة الله في الدنيا والآخرة لا تَدْرِي أيها المخاطب لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً قال النسفي: (بأن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه فيراجعها، والمعنى: فطلقوهن لعدتهن، وأحصوا العدة، ولا تخرجوهن من بيوتهن لعلكم تندمون فتراجعون) وقال ابن كثير: (أي: إنما أبقينا المطلقة في منزل الزوج في مدة العدة لعل الزوج يندم على طلاقها، ويخلق الله تعالى في قلبه رجعتها، فيكون ذلك أيسر وأسهل). وقد بنى على هذه الآية كثير من الفقهاء كثيرا من الأحكام سنراها في الفوائد، ثم قال تعالى: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ قال ابن كثير: (يقول تعالى فإذا بلغت المعتدات أجلهن، أي: شارفن على انقضاء العدة، وقاربن ذلك، ولكن لم تفرغ العدة الكلية، فحينئذ إما أن يعزم الزوج على إمساكها وهو رجعتها إلى عصمة نكاحه، والاستمرار بها على ما كانت عليه عنده بِمَعْرُوفٍ أي: محسنا إليها في صحبتها، وإما أن يعزم على مفارقتها بمعروف، أي: من غير مقابحة ولا مشاتمة ولا تعنيف بل يطلقها على وجه جميل وسبيل حسن). وقال النسفي: (أي: فإذا قاربن آخر العدة فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أي: فأنتم بالخيار إن شئتم فالرجعة والإمساك بالمعروف والإحسان، وإن شئتم فترك الرجعة والمفارقة واتقاء الضرار، وهو أن يراجعها في آخر عدتها ثم يطلقها تطويلا للعدة عليها وتعذيبا لها) وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ أي: من المسلمين، قال النسفي: يعني وأشهدوا عند الرجعة والفرقة جميعا، وهذا الإشهاد مندوب إليه لئلا يقع بينهما التجاحد. وذهب عطاء إلى وجوبه. فقال: لا يجوز في نكاح ولا طلاق ولا رجاع إلا شاهدا عدل، كما قال تعالى، إلا أن يكون من عذر. أقول: إن في إبقاء المرأة في بيت زوجها في العدة ما يدل على أن الإشهاد مندوب إليه وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ أي: لوجهه خالصا، وذلك أن يقيموها لا للمشهود له ولا للمشهود عليه، ولا لغرض من الأغراض سوى إقامة الحق ودفع الضرر ذلِكُمْ أي: الحث على إقامة الشهادة لوجه الله من أجل القيام بالقسط يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي: إنما ينتفع به هؤلاء،

стр. 5691

وقال ابن كثير: (أي: هذا الذي أمرناكم به من الإشهاد وإقامة الشهادة إنما يأتمر به من يؤمن بالله واليوم الآخر، وأنه شرع هذا، ومن يخاف عقاب الله في الدار الآخرة، ومن هاهنا ذهب الشافعي في أحد قوليه إلى وجوب الإشهاد في الرجعة كما يجب عنده في ابتداء النكاح، وقد قال بهذا طائفة من العلماء، ومن قال بهذا يقول إن الرجعة لا تصح إلا بالقول ليقع الإشهاد عليها) وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ قال ابن كثير: أي: ومن يتق الله فيما أمره به، وترك ما نهاه عنه يجعل له من أمره مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، أي: من جهة لا تخطر بباله، قال النسفي: (هذه جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق من إجراء أمر الطلاق على السنة والمعنى: ومن يتق الله فطلق للسنة ولم يضار المعتدة، ولم يخرجها من مسكنها، واحتاط فأشهد، يجعل الله له مخرجا مما في شأن الأزواج من الغموم والوقوع في المضايق ويفرج عنه ويعطه الخلاص وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ من وجه لا يخطر بباله ولا يحتسبه، ويجوز أن يجاء بها على سبيل الاستطراد عند ذكر قوله ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ أي: ومن يتق الله يجعل له مخرجا ومخلصا من غموم الدنيا والآخرة) وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي: ومن يكل أمره إلى الله عن طمع غيره وتدبير نفسه فَهُوَ حَسْبُهُ أي: كافيه في الدارين إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ أي: منفذ قضاياه وأحكامه في خلقه بما يريده ويشاؤه قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً قال النسفي: أي: تقديرا وتوقيتا وهذا بيان لوجوب التوكل على الله، وتفويض الأمر إليه، لأنه إذا علم أن كل شئ من الرزق ونحوه لا يكون إلا بتقديره وتوفيقه، لم يبق إلا التسليم للقدر والتوكل. كلمة في السياق: ١ - إن الأمر بالتقوى والتوكل في سياق الكلام عن الطلاق والعدة سببه أن الطلاق يقتضي زواجا جديدا وعقدا، وبقاء المعتدة في بيت الزوجية يقتضي إنفاقا عليها، وإرجاع المعتدة أو تفريقها يكاد أن يكون قفزة بالمجهول، وكل ذلك يقتضي توكلا ويحتاج إلى تقوى. ٢ - يلاحظ أن سورة التغابن- وهي السورة السابقة على سورة الطلاق- أمرت بالتوكل، وأمرت بالتقوى بقدر الاستطاعة، وأمرت بالإنفاق، ومما ذكرت به كون الأزواج فتنة، وأن بعض الأزواج أعداء لأزواجهن، وندبت إلى العفو والصفح، وصلة ذلك ببداية سورة الطلاق واضحة، فتشريع الطلاق مرتبط بوجود حالات من

стр. 5692

العلاقات الزوجية لا تحتمل، ومع أن الله ندب إلى العفو والصفح فهناك حالات لا حل لها إلا الطلاق، وقد أمر الله بالطلاق بشكل تستنفد فيه كل إمكانية لإبقاء العلاقة الزوجية، حتى إذا لم يبق مناص كان الخلاص بمعروف، فصلة أوائل سورة الطلاق بأواخر سورة التغابن واضحة، وأن تكون سورة التغابن مقدمة لسورة الطلاق فذلك أيضا واضح. ٣ - وبعد أن بين الله عدة المطلقة طلاقا رجعيا إذا كانت تحيض، فإنه يبين عدة من لا تحيض لكبر أو صغر أو لسبب، كما يبين عدة الحامل. *** الفقرة الثانية وتمتد من الآية (٤) إلى نهاية الآية (٥) وهذه هي: [سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٤ الى ٥] وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (٤) ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (٥) التفسير: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ بأن أصبحن لا يحضن لكبر سنهن إِنِ ارْتَبْتُمْ أي: إن أشكل عليكم حكمهن، وجهلتم كيف يعتددن فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ أي: فهذا حكمهن، قال النسفي: (وقيل إن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس، وقد قدروه بستين سنة وبخمس وخمسين أهو دم حيض أو استحاضة،

стр. 5693

فعدتهن ثلاثة أشهر، وإذا كانت عدة المرتاب بها فغير المرتاب بها أولى بذلك) وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ قال النسفي: هن الصغائر وتقديره، واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر، فحذفت الجملة لدلالة المذكور عليها. قال ابن كثير: (يقول تعالى مبينا لعدة الآيسة- وهي التي قد انقطع عنها المحيض لكبرها- إنها ثلاثة أشهر عوضا عن الثلاثة قروء في حق من تحيض، كما دلت على ذلك آية سورة البقرة، كذا الصغار اللائي لم يبلغن سن الحيض، أي: عدتهن كعدة الآيسة ثلاثة أشهر ولهذا قال تعالى: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وقوله تعالى: إِنِ ارْتَبْتُمْ فيه قولان (أحدهما) وهو قول طائفة من السلف كمجاهد والزهري وابن زيد إن رأين دما وشككتم في كونه حيضا أو استحاضة وارتبتم فيه، (والقول الثاني) إن ارتبتم في حكم عدتهن ولم تعرفوه فهو ثلاثة أشهر) وَأُولاتُ الْأَحْمالِ عدتهن أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ قال النسفي: والنص يتناول المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن، وعن علي وابن عباس ﵄: عدة الحامل المتوفى زوجها أبعد الأجلين. وقال ابن كثير: (يقول تعالى: ومن كانت حاملا فعدتها بوضعه، ولو كان بعد الطلاق أو الموت بفواق ناقة في قول جمهور العلماء من السلف والخلف، كما هو نص هذه الآية الكريمة وكما وردت به السنة النبوية، وقد روي عن علي وابن عباس ﵃ أنهما ذهبا في المتوفى عنها زوجها أنها تعتد بأبعد الأجلين من الوضع أو الأشهر؛ عملا بهذه الآية، والتي في سورة البقرة) وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً أي: ييسر له من أمره ويحلل من عقده بسبب التقوى، قال ابن كثير: أي: يسهل له أمره وييسره عليه، ويجعل له فرجا قريبا، ومخرجا عاجلا. أقول: التذكير بهذا في هذا السياق يفيد أن على المسلم ألا يبالي إلا بتنفيذ حكم الله، والله يعده أن تكون أموره كلها إلى تيسير ذلِكَ أي: ما علم من حكم هؤلاء المعتدات أَمْرُ اللَّهِ أي: حكمه وشرعه أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ بواسطة رسوله ﷺ . قال النسفي: أي: من اللوح المحفوظ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ في العمل بما أنزله من هذه الأحكام، وحافظ على الحقوق الواجبة عليه يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ فلا يحاسب عليها وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً أي: ويكثر له الجزاء، قال ابن كثير: أي: يذهب عنه المحذور ويجزل له الثواب على العمل اليسير. كلمة في السياق: ١ - في سورة البقرة ورد قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وورد قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ

стр. 5694

بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فعلم من هذا وهذا عدة المرأة في حالتين، وتساءل بعض الصحابة عن عدة المرأة في حالات أخر كما قال ابن كثير ناقلا عن ابن جرير: (وقال أبي بن كعب: يا رسول الله إن عددا من عدد النساء لم تذكر في الكتاب: الصغار والكبار وأولات الأحمال، قال: فأنزل الله وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ورواه ابن أبي حاتم بأبسط من هذا السياق فروى ... عن أبي بن كعب قال: قلت لرسول الله ﷺ : إن ناسا من أهل المدينة لما أنزلت هذه الآية التي في البقرة في عدة النساء قالوا لقد بقي من عدة النساء لم يذكر في القرآن: الصغار والكبار اللائي قد انقطع عنهن الحيض وذوات الحمل قال: فأنزلت التي في النساء القصرى وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وهكذا نجد أن سورة الطلاق تفصل في موضوعات طرقتها سورة البقرة، أو تكملها، وفي ذلك إشارة إلى ارتباط هذه الآيات وهذه المعاني في الطريق إلى التقوى، ومن ثم جاءت في سياق سورة تفصل في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ولذلك كثر الكلام عن التقوى في سياق السورة. ٢ - بعد أن فصل الله في العدة وأحكامها، ورأينا أن من أحكامها أن لا تخرج المعتدة من بيتها تأتي فقرة لتبين ما له علاقة بالسكن والنفقة للمعتدة، حاملا أو غير حامل. *** الفقرة الثالثة وتمتد من الآية (٦) إلى نهاية الآية (٧) وهذه هي: [سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٦ الى ٧] أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى (٦) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (٧)

стр. 5695

التفسير: أَسْكِنُوهُنَّ قال ابن كثير: يقول تعالى آمرا عباده إذا طلق أحدهم المرأة أن يسكنها في منزل حتى تنقضي عدتها مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ قال ابن كثير: أي: عندكم، وقال النسفي: أي: أسكنوهن مكانا من حيث سكنتم أي: بعض مكان سكناكم مِنْ وُجْدِكُمْ الوجد: الوسع والطاقة، قال النسفي: كأنه قيل أسكنوهن مكانا من مسكنكم مما تطيقونه. وقال قتادة: إن لم تجد إلا جنب بيتك فأسكنها فيه، قال النسفي- وهو حنفي-: (والنفقة والسكنى واجبتان لكل مطلقة لها عدة) وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ قال النسفي: (أي: ولا تستعملوا معهن الضرار لتضيقوا عليهن في السكن ببعض الأسباب من إنزال من لا يوافقهن، أو يشغل مكانهن، أو غير ذلك حتى تضطروهن إلى الخروج). وقال مقاتل بن حيان: يعني: يضاجرها لتفتدي منه بمالها، أو تخرج من مسكنه، وقال الثوري عن أبي الضحى: يطلقها، فإذا بقي يومان راجعها وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ قال النسفي: (وفائدة اشتراط الحمل أن مدة الحمل ربما تطول فيظن ظان أن النفقة تسقط إذا مضى مقدار عدة الحائل فنفى ذلك الوهم) وقال ابن كثير: (قال كثير من العلماء منهم ابن عباس وطائفة من السلف وجماعات من الخلف: هذه في البائن إن كانت حاملا أنفق عليها حتى تضع حملها، قالوا: بدليل أن الرجعية تجب نفقتها سواء كانت حاملا أو حائلا، وقال آخرون: بل السياق كله في الرجعيات، وإنما نص على الإنفاق على الحامل وإن كانت رجعية؛ لأن الحمل تطول مدته غالبا فاحتيج إلى النص على وجوب الإنفاق على الوضع، لئلا يتوهم أنه إنما تجب النفقة بمقدار مدة العدة، ثم اختلف العلماء هل النفقة لها بواسطة الحمل أم للحمل وحده؟ على قولين منصوصين عن الشافعي وغيره، ويتفرع عليها مسائل كثيرة مذكورة في علم

стр. 5696

الفروع) فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ قال ابن كثير: (أي: إذا وضعن حملهن وهن طوالق فقد بن بانقضاء عدتهن، ولها حينئذ أن ترضع الولد، ولها أن تمتنع منه، ولكن بعد أن تغذيه باللبإ وهو باكورة اللبن الذي لا قوام للمولود غالبا إلا به، فإن أرضعت استحقت أجر مثلها، ولها أن تعاقد أباه أو وليه على ما يتفقان عليه من أجرة)، وقال النسفي: (يعني هؤلاء المطلقات إن أرضعن لكم ولدا من ظئرهن، أو منهن بعد انقطاع عصمة الزوجية فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فحكمهن في ذلك حكم الأظآر، ولا يجوز الاستئجار إذا كان الولد منهن ما لم يبن خلافا للشافعي ﵀ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ أي: تشاوروا على التراضي في الأجرة، أو ليأمر بعضكم بعضا، والخطاب للآباء والأمهات بِمَعْرُوفٍ أي: بما يليق بالسنة، ويحسن في المروءة، فلا يماكس الأب، ولا تعاسر الأم لأنه ولدهما، وهما شريكان فيه، وفي وجوب الإشفاق عليه وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى قال ابن كثير: (أي: وإن اختلف الرجل والمرأة فطلبت المرأة في أجرة الرضاع كثيرا، ولم يجبها الرجل إلى ذلك، أو بذل الرجل قليلا ولم توافقه عليه، فليسترضع له غيرها، فلو رضيت الأم بما استؤجرت به الأجنبية فهي أحق بولدها)، وقال النسفي: (أي: وإن تضايقتم فلم ترض الأم بما ترضع به الأجنبية ولم يزد الأب على ذلك فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى فستوجد ولا تعوز مرضعة غير الأم ترضعه، وفيه طرف من معاتبة الأم على المعاسرة، وقوله له أي: للأب أي: سيجد الأب غير معاسرة ترضع له ولده إن عاسرته أمه) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ قال ابن كثير: أي: لينفق على المولود والده، أو وليه بحسب قدرته، وقال النسفي: أي: لينفق كل واحد من الموسر والمعسر ما بلغه وسعه: يريد ما أمر به من الإنفاق على المطلقات والمرضعات وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ أي: ومن ضيق عليه رزقه فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ أي: مما رزقه الله، أي: فلينفق على قدر قوته لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها أي: إلا ما أعطاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً أي: سيجعل الله بعد ضيق في المعيشة سعة، وهذا وعد لذي العسر باليسر. كلمة في السياق: بانتهاء الفقرة الثالثة ينتهي الكلام عن أحكام العدة، وتأتي الآن فقرة رابعة تعظ وعظا عاما، مهددة ومنذرة أن تخالف أوامر الله ورسوله، ومبشرة الذين يلتزمون

стр. 5697

بأحكام الله، ويلاحظ أن الوعظ في ابتداء الفقرة انصب مخاطبا القرى دون الأفراد، وكأن في ذلك إنذارا للأمم التي تعتمد قوانين تخالف شرع الله. نقل: عقب صاحب الظلال عند نهاية الفقرة الأخيرة بقوله: (وإلى هنا يكون قد تناول سائر أحكام الطلاق ومتخلفاته، وتتبع كل أثر من آثاره حتى انتهى إلى حل واضح؛ ولم يدع من البيت المتهدم أنقاضا ولا غبارا يملأ النفوس ويغشى القلوب، ولم يترك بعده عقابيل غير مستريحة بعلاج، ولا قلاقل تثير الاضطراب. وكذلك يكون قد عالج جميع الوساوس والهواجس التي تثور في القلوب، فتمنعها من السماحة والتيسير والتجمل للأمر. فأبعد أشباح الفقر والضيق وضياع الأموال من نفس الزوج إذا هو أسكن وأنفق ووسع على مطلقته أو مرضعة ولده. ومن نفس الزوجة التي تضيق بنفقة الإعسار، أو تطمع في زيادة ما تصيب من مال زوجها السابق. فأكد اليسر بعد العسر لمن اتقى، والضيق بعد الفرج، والرزق من حيث لا يحتسب. وفوق رزق الدنيا رزق الآخرة والأجر الكبير هناك بعد التكفير. كما عالج ما تخلفه حالة الخلاف والشقاق التي أدت إلى الطلاق. من غيظ وحنق ومشادة وغبار في الشعور والضمير ... فمسح على هذا كله بيد الرفق والتجمل، ونسم عليه من رحمة الله والرجاء فيه؛ ومن ينابيع المودة والمعروف التي فجرها في القلوب بلمسات التقوى والأمل في الله وانتظار رضاه. وهذا العلاج الشامل الكامل، وهذه اللمسات المؤثرة العميقة، وهذا التوكيد الوثيق المتكرر ... هذه كلها هي الضمانات الوحيدة في هذه المسألة لتنفيذ الشريعة المقررة. فليس هناك ضابط إلا حساسية الضمائر وتقوى القلوب. وإن كلا الزوجين ليملك مكايدة صاحبه حتى تنفقئ مرارته إذا كانت الحواجز هي فقط حواجز القانون!! وبعض الأوامر من المرونة بحيث تسع كل هذا. فالأمر بعدم المضارة: لا تُضآرُّوهُنَّ يشمل النهي عن ألوان من العنت لا يحصرها نص قانوني مهما اتسع. والأمر فيه موكول إلى هذه المؤثرات الوجدانية، وإلى استجاشة حاسة التقوى وخوف الله المطلع على السرائر، المحيط بكل شئ علما. وإلى التعويض الذي يعده الله للمتقين في الدنيا والآخرة. وبخاصة في مسألة الرزق التي تكرر ذكرها في صور شتى،

стр. 5698

لأنها عامل مهم في تيسير الموقف، وتندية الجفاف الذي تنشئه حالة الطلاق. وإن الزوجين ليفارقان- في ظل تلك الأحكام والتوجيهات- وفي قلوبهما بذور للود لم تمت، ونداوة قد تحيي هذه البذور فتنبت ... ذلك إلى الأدب الجميل الرفيع الذي يريد الإسلام أن يصبغ به الجماعة المسلمة، ويشيع فيها أريجه وشذاه. فإذا انتهى السياق من هذا كله ساق العبرة الأخيرة في مصير الذين عتوا عن أمر ربهم ورسله، فلم يسمعوا ولم يستجيبوا. وعلق هذه العبرة على الرءوس، تذكرهم بالمصير البائس الذي ينتظر من لا يتقي ولا يطيع. كما تذكرهم بنعمة الله على المؤمنين المخاطبين بالسورة والتشريع). *** الفقرة الرابعة وتمتد من الآية (٨) إلى نهاية الآية (١١) وهذه هي: [سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٨ الى ١١] وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً (٨) فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (١٠) رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً (١١)

стр. 5699

التفسير: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أي: وكثير من القرى عَتَتْ أي: عصت عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ أي: أعرضت عنه على وجه العتو والفساد، قال ابن كثير: أي: تمردت وطغت واستكبرت عن اتباع أمر الله ومتابعة رسله فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً قال النسفي: بالاستقصاء والمناقشة وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً أي: منكرا فظيعا فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها أي: غب مخالفتها، وندموا حيث لا ينفع الندم وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً أي: خسارا وهلاكا، قال النسفي: والمراد حساب الآخرة وعذابها، وما يذوقون فيها من الوبال، ويلقون من الخسر. أقول: الظاهر من كلام ابن كثير أنه حمل ما مر على عذاب الدنيا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً قال ابن كثير: أي: في الدار الآخرة، مع ما عجل لهم من العذاب في الدنيا، ثم قال تعالى بعد ما قص من خبر هؤلاء: فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ أي: يا أولي الأفهام المستقيمة الَّذِينَ آمَنُوا أي: صدقوا بالله ورسله، دل ذلك على أن المؤمن وحده هو ذو العقل والفهم، والمعنى: فاتقوا الله يا أيها المؤمنون أن تكونوا مثلهم؛ فيصيبكم ما أصابهم قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً يعني القرآن، فلا يليق بكم بعد أن أنزل الله إليكم هذا الذكر ألا تتقوه رَسُولًا هل المراد بكلمة رسول هنا (محمد ﷺ فيكون التقدير: قد أنزل الله إليكم ذكرا، أرسل به رسولا، أو أن القرآن نفسه رسول من الله إليكم، قولان من مجموعة أقوال للمفسرين يَتْلُوا عَلَيْكُمْ أي: الرسول أو القرآن آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ موضحات فإن أريد بالتالي رسول الله ﷺ تكون الآيات البينات هي نفس القرآن، وإن أريد بالتالي القرآن يكون المراد بالآيات المبينات ما تحدث به القرآن عن آيات الله في الآفاق والأنفس، وما كان ويكون لِيُخْرِجَ الرسول أو القرآن بتلاوة الآيات الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ أي: من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً في تنكير الرزق معنى التعجب والتعظيم لما رزق الله المؤمنين من الثواب.

стр. 5700

كلمة في السياق: ١ - بعد أن عرضت الفقرات الثلاث الأولى بعض الأحكام الشرعية، والسنن الإلهية، جاءت الفقرة الرابعة تبشر وتنذر، وتقرر وتأمر، فبشرت المؤمنين، وأنذرت المخالفين، وذكرت ما أعد الله للصالحين، وأمرت المؤمنين أولي الألباب بتقوى الله، ولو أنك تأملت الآيات الثلاث من سورة البقرة والتي جاءت بعد آيتي يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ لرأيت فيها المعاني التي تعرضت لها الفقرة الرابعة: جاء بعد الآيتين اللتين ذكرناهما من البقرة قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا ويقابلها في الفقرة قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ ... ثم جاء بعد آية من سورة البقرة وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً ... يقابلها وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً وهكذا نجد أن سورة الطلاق تفصل في محورها من سورة البقرة ضمن سياقها الخاص. ٢ - ولم يبق عندنا من سورة الطلاق إلا آية واحدة، هذه الآية تلقي أضواءها على كل ما مر، وهي بمثابة الحض على الالتزام والإيمان، هذه الآية هي الفقرة الخامسة في السورة فلنرها. ***

стр. 5701

الفقرة الخامسة وهي نهاية السورة أي الآية (١٢) وهذه هي: [سورة الطلاق (٦٥): آية ١٢] اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (١٢) التفسير: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ قال النسفي: أجمع المفسرون على أن السموات سبع وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ قال النسفي: قيل ما في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع إلا هذه الآية. أقول: وهل المراد بالأرضين السبع أن الكرة الأرضية سبع طبقات سميت كل طبقة منها أرضا، أو المراد بها سبع من الكواكب السيارة لها خواص الأرض، أو المراد بها سبع أرضين مثل أرضنا تابعة لشموس مثل شمسنا؟ أقوال سنرى تحقيقها في الفوائد يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ قال النسفي: أي: يجري أمر الله وحكمه بينهن وملكه ينفذ فيهن لِتَعْلَمُوا من تأملكم لخلقه السموات والأرضين أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ولولا ذاك ما كان مثل هذا الخلق وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً وإلا فكيف خلق هذه السموات والأرضين على مثل هذه الدقة؟!. لاحظ أن سورة النساء انتهت بقوله تعالى: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وأن سورة الطلاق قد انتهت بقوله تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً. كلمة في السياق: ١ - في ختم السورة بهذه الآية تبيان لكون أحكام الله في غاية الإحكام، كيف لا وهو المحيط علما بكل شئ، كما أن فيها تبيانا لقدرة الله على إيجاد ما وعد وأوعد، كيف لا وهو القادر على كل شئ. ٢ - أمر الله في محور السورة من سورة البقرة عباده بالعبادة والتقوى؛ قياما بحق الشكر له على ما خلقهم، وخلق لهم الأرض والسماء يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ

стр. 5702

الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً والملاحظ أن الله ختم سورة الطلاق بذكر خلق السموات والأرضين ليهيج عباده على الإيمان والالتزام، وفي ذلك كذلك مظهر من مظاهر التفصيل، واتصال سورة الطلاق بمحورها من سورة البقرة، والملاحظ أن المقطع الأول من القسم الأول من سورة البقرة ختم بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وقد جاء في خاتمة سورة الطلاق بعض هذا مما يؤكد صلة السورة بمحورها وامتداداته وارتباطاته، وأن السياق الخاص للسورة كان واضح الترابط والاتصال، فلا نقف أكثر من ذلك عنده. ولنبدأ بنقل بعض الفوائد المتعلقة بالسورة. الفوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ قال ابن كثير: (وروى البخاري عن ابن شهاب قال: أخبرني سالم أن عبد الله بن عمر أخبره أنه طلق امرأة له وهي حائض، فذكر عمر لرسول الله ﷺ فتغيظ رسول الله ﷺ ثم قال: «ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر بها الله » هكذا رواه البخاري هاهنا وقد رواه في مواضع من كتابه ومسلم ولفظه: «فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء» ورواه أصحاب الكتب والمسانيد من طرق متعددة وألفاظ كثيرة وموضع استقصائها كتب الأحكام، وأحسن لفظ يورد هاهنا ما رواه مسلم في صحيحه من طريق ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عزة يسأل ابن عمر- وأبو الزبير يسمع-: كيف ترى في الرجل طلق امرأته حائضا؟ فقال: طلق ابن عمر امرأته حائضا على عهد رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «ليراجعها» فردها وقال: «إذا طهرت فليطلق أو يمسك» قال ابن عمر: وقرأ النبي ﷺ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ في قبل عدتهن. وروى الأعمش عن عبد الله في قوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ قال: الطهر من غير جماع، وروي عن ابن عمر وعطاء ومجاهد والحسن وابن سيرين وقتادة وميمون بن مهران ومقاتل بن حيان مثل ذلك، وهو رواية عن عكرمة والضحاك وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ قال: لا يطلقها وهي حائض، ولا في طهر قد جامعها فيه ولكن يتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها

стр. 5703

تطليقة. وقال عكرمة فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ العدة: الطهر، والقرء الحيضة أو أن يطلقها حبلى مستبينا حملها، ولا يطلقها وقد طاف عليها، ولا يدري حبلى هي أم لا. ومن هاهنا أخذ الفقهاء أحكام الطلاق وقسموه: طلاق السنة، وطلاق بدعة: فطلاق السنة: أن يطلقها طاهرة من غير جماع، أو حاملا قد استبان حملها، والبدعي: هو أن يطلقها في حال الحيض أو في طهر قد جامعها فيه، ولا يدري أحملت أم لا، وطلاق ثالث لا سنة فيه ولا بدعة وهو طلاق الصغيرة والآيسة وغير المدخول بها، وتحرير الكلام في ذلك وما يتعلق به مستقصى في كتب الفروع والله أعلم). أقول: الحكمة في أنه لا ينبغي أن يطلق الإنسان زوجته وهي حائض كيلا يطيل عليها العدة، والحكمة في ألا يطلقها في طهر جامعها فيه لأنه لا يعرف هل حملت أو لم تحمل، فإذا حملت من جماعه هذا فإن عدتها ستطول كثيرا وفي ذلك إضرار بها. ٢ - بمناسبة قوله تعالى: لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً أقول: الطلاق ثلاثة أنواع: طلاق رجعي، وطلاق بائن بينونة صغرى، وطلاق بائن بينونة كبرى. فالطلاق الرجعي: هو أن يطلق الرجل زوجته المدخول بها طلقة واحدة بلفظ الطلاق، فهذا رجعي بمعنى أنه يحق له أن يراجعها ما دامت في العدة، ولذلك فعليه أن يبقيها في بيته، وأن يقدم لها نفقتها، فإذا انقضت عدتها فقد أصبح الطلاق بائنا، فلا ترجع إليه إلا بعقد جديد بشروطه. والطلاق البائن بينونة صغرى: هو طلاق الرجل زوجته قبل أن يدخل بها، أو طلاقه إياها بألفاظ الكنايات، أو طلاقه إياها طلاقا رجعيا مع عدم إرجاعها حتى انقضت عدتها. وأما الطلاق البائن بينونة كبرى: فهو أن يطلقها ثلاثا، فهذا يبينها منه بينونة كبرى فلا يجوز له أن يتزوجها مرة ثانية إلا بعد أن تتزوج زوجا غيره، ثم يطلقها الثاني وتنقضي عدتها منه. والطلاق حسن وأحسن وبدعي. فالأحسن أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، وينتظر حتى تنقضي عدتها فيقع عليه في هذه الحالة طلاق واحد، والحسن أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، ثم ينتظر حتى يأتي الطهر اللاحق فيطلقها فيه طلقة ثانية، ثم ينتظر الطهر الثالث فيطلقها فيه طلقة ثالثة، فعندئذ تبين منه بينونة كبرى، وعليها العدة. والطلاق البدعي ما سوى ذلك، كأن يطلقها في الحيض، أو يطلقها في طهر جامعها فيه، أو يطلقها تطليقتين، أو ثلاثا دفعة واحدة، وهناك معارك فقهية تدور في هذه

стр. 5704

الأمور فلتراجع في كتب الفروع. والفقهاء مجمعون على أن المطلقة طلاقا رجعيا تجب لها النفقة والسكنى، ومختلفون في بعض صور الطلاق هل تجب فيها النفقة والسكنى للمرأة في العدة أو لا، وقد رأينا أن مذهب الحنفية يوجب النفقة والسكنى لكل مطلقة لها عدة. ولأحسن الطلاق ميزة هي أن المرأة تراجع نفسها والرجل يراجع نفسه خلال فترة العدة، ولذلك يندب للمرأة أن تتشوف له وتتزين. والجواذب في هذه الحالة كثيرة إذ تمضي عليها فترة طويلة تشتاق بها إلى العشرة وهو كذلك، فما لم يكن النفور له مبرراته الكبرى فلا بد أن يتراجعا، لذلك علل الله لعدم إخراجها من بيتها بقوله: لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً. ٣ - بمناسبة قوله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن أبي ذر ﵁ قال: جعل رسول الله ﷺ يتلو علي هذه الآية وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ حتى فرغ من الآية ثم قال: «يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بها كفتهم» قال: فجعل يتلوها ويرددها علي حتى نعست ثم قال: «يا أبا ذر كيف تصنع إذا أخرجت من المدينة؟» قلت: إلى السعة والدعة أنطلق فأكون حمامة من حمام مكة قال: «كيف تصنع إذا أخرجت من مكة؟» قال: قلت: إلى السعة والدعة إلى الشام والأرض المقدسة، قال: «وكيف تصنع إذا أخرجت من الشام؟» قلت: إذا والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي، قال: «أو خير من ذلك» قلت: أو خير من ذلك؟ قال: «تسمع وتطيع ولو كان عبدا حبشيا». وروى ابن أبي حاتم عن شتير بن شكل قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: إن أجمع آية في القرآن إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وإن أكبر آية في القرآن فرجا وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ رواه ابن جرير، وروي أيضا من طريق سالم بن أبي الجعد مرسلا نحوه. وروى الإمام أحمد عن عبد الله ابن أبي الجعد عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر» ورواه النسائي

стр. 5705

وابن ماجه من حديث سفيان وهو الثوري به. وقال محمد بن إسحاق: جاء مالك الأشجعي إلى رسول الله ﷺ فقال له: أسر ابني عوف فقال له رسول الله ﷺ : «أرسل إليه أن رسول الله يأمرك أن تكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله» وكانوا قد شدوه بالقد، فسقط القد عنه، فخرج فإذا هو بناقة لهم فركبها وأقبل، فإذا بسرح القوم الذين كانوا قد شدوه، فصاح بهم، فاتبع أولها آخرها فلم يفجأ أبويه إلا وهو ينادي بالباب فقال أبوه: عوف ورب الكعبة، فقالت أمه: وا سوأتاه وعوف كيف يقدم لما هو فيه من القد، فاستبقا الباب والخادم، فإذا عوف قد ملأ الفناء إبلا، فقص على أبيه أمره وأمر الإبل، فقال أبوه: قفا حتى آتي رسول الله ﷺ فأسأله عنها، فأتى رسول الله ﷺ فأخبره بخبر عوف وخبر الإبل، فقال له رسول الله ﷺ : «اصنع بها ما أحببت، وما كنت صانعا بمالك» ونزل وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ رواه ابن أبي حاتم. وروى ابن أبي حاتم عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : «من انقطع إلى الله كفاه الله كل مئونة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله إليها». ٤ - بمناسبة قوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عباس ﵁ أنه حدثه أنه ركب خلف رسول الله ﷺ يوما فقال له رسول الله ﵌: «يا غلام إني معلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» وقد رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من نزل به حاجة فأنزلها بالناس كان قمنا أن لا تسهل حاجته، ومن أنزلها بالله تعالى أتاه الله برزق عاجل أو بموت آجل»). ٥ - بمناسبة قوله تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ قال ابن كثير: (روى البخاري عن يحيى قال: أخبرني أبو سلمة قال: جاء رجل إلى ابن عباس وأبو هريرة جالس فقال: أفتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة،

стр. 5706

فقال ابن عباس: آخر الأجلين قلت أنا: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي- يعني أبا سلمة- فأرسل ابن عباس غلامه كريبا إلى أم سلمة يسألها فقالت: قتل زوج سبيعة الأسلمية وهي حبلى فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت فأنكحها رسول الله ﷺ ، وكان أبو السنابل فيمن خطبها، هكذا أورد البخاري هذا الحديث ههنا مختصرا وقد رواه هو ومسلم وأصحاب الكتب مطولا من وجوه أخر، وروى الإمام أحمد عن المسور بن مخرمة أن سبيعة الأسلمية توفي عنها زوجها وهي حامل، فلم تمكث إلا ليالي حتى وضعت، فلما تعلت من نفاسها خطبت، فاستأذنت رسول الله ﷺ في النكاح فأذن لها أن تنكح فنكحت، ورواه البخاري في صحيحه ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه من طرق عنها كما روى مسلم بن الحجاج عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن أباه كتب إلى عمر بن عبد الله الأرقم الزهري يأمره أن يدخل على سبيعة بنت الحارث الأسلمية فيسألها عن حديثها، وعما قال لها رسول الله ﷺ حين استفتته، فكتب عمر بن عبد الله يخبره أن سبيعة أخبرته أنها كانت تحت سعد بن خولة، وكان ممن شهد بدرا فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك فقال لها: مالي أراك متجملة؟ لعلك ترجين النكاح، إنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر، قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي حين أمسيت فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي. هذا لفظ مسلم ورواه البخاري مختصرا). ٦ - بمناسبة قوله تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ قال ابن كثير: (روى ابن جرير عن أبي سنان قال سأل عمر ابن الخطاب عن أبي عبيدة فقيل: إنه يلبس الغليظ من الثياب، ويأكل أخشن الطعام، فبعث إليه بألف دينار، وقال للرسول: انظر ما يصنع بها إذا هو أخذها؟ فما لبث أن لبس اللين من الثياب، وأكل أطيب الطعام، فجاءه الرسول فأخبره فقال: رحمه الله تعالى تأول هذه الآية لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ). ٧ - بمناسبة قوله تعالى: سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً قال ابن كثير:

стр. 5707

(وقد روى الإمام أحمد حديثا يحسن أن نذكره ههنا فروى عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما رجل وامرأة له في السلف الخالي لا يقدرون على شئ، فجاء الرجل من سفره فدخل على امرأته جائعا قد أصابته مسبغة شديدة، فقال لامرأته: عندك شئ؟ قالت: نعم أبشر أتانا رزق الله، فاستحثها فقال: ويحك ابتغي إن كان عندك شئ، قالت: نعم، هنيهة، ترجو رحمة الله، حتى إذا طال عليه الطول، قال: ويحك قومي فابتغي إن كان عندك شئ فائتني به؛ فإني قد بلغت وجهدت، فقالت: نعم، الآن نفتح التنور فلا تعجل، فلما أن سكت عنها ساعة، وتحينت أن يقول لها قالت: من عند نفسها لو قمت فنظرت إلى تنوري، فقامت فنظرت إلى تنورها ملآن من جنوب الغنم، ورحييها تطحنان، فقامت إلى الرحى فنفضتها، واستخرجت ما في تنورها من جنوب الغنم، قال أبو هريرة: فو الذي نفس أبي القاسم بيده هو قول محمد ﷺ : «لو أخذت ما في رحييها ولم تنفضها لطحنتا إلى يوم القيامة». وروى في موضع آخر ... عن أبي هريرة قال: دخل رجل على أهله فلما رأى ما بهم من الحاجة خرج إلى البرية، فلما رأت امرأته قامت إلى الرحى فوضعتها، وإلى التنور فسجرته، ثم قالت: اللهم ارزقنا، فنظرت، فإذا الجفنة قد امتلأت، قال: وذهبت إلى التنور فوجدته ممتلئا، قال فرجع الزوج فقال: أصبتم بعدي شيئا؟ قالت امرأته: نعم من ربنا، فأم إلى الرحى فذكر للنبي ﷺ فقال النبي ﷺ : «أما إنه لو لم ترفعها لم تزل تدور إلى يوم القيامة»). ٨ - بمناسبة قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَ قال صاحب الظلال: (وبين هذه السماوات السبع والأرض أو الأرضين السبع يتنزل أمر الله- ومنه هذا الأمر الذي هم بصدده في هذا السياق. فهو أمر هائل إذن، حتى بمقاييس البشر وتصوراتهم في المكان والزمان بقدر ما يطيقون التصور. والمخالفة عنه مخالفة عن أمر تتجاوب به أقطار السماوات والأرضين، ويتسامع به الملأ الأعلى وخلق الله الآخرون في السماوات والأرضين. فهي مخالفة بلقاء شنعاء، لا يقدم عليها ذو عقل مؤمن، جاءه رسول يتلو عليه آيات الله مبينات، ويبين له هذا الأمر، ليخرجه من الظلمات إلى النور). ***

стр. 5708

كلمة أخيرة في سورة الطلاق: إن الشئ الذي نلفت إليه النظر في هذه الكلمة عن سورة الطلاق هو ما نجده في هذه السورة من إعجاز واضح، فالسورة تحدثت عن أحكام شرعية غزيرة، وعبرت عنها بما رأيناه، فليتأمل المتأملون هل بإمكان بشر أن يصوغ هذه المعاني كلها بمثل هذه الصياغة الدقيقة الجامعة الواسعة المعاني، وبهذا الأسلوب، وبهذه السلاسة، وبهذا الجرس، وبهذا التسلسل، وبهذا البيان، وبما يتفق مع روح القرآن كله، وبما يؤدي دوره ضمن الوحدة القرآنية، هل بإمكان بشر- كائنا من كان- أن يفعل هذا؟ أغنى الصباح عن المصباح، متى احتاج النهار إلى دليل. ولننتقل إلى سورة التحريم. ***

стр. 5709

سورة التحريم وهي السورة السادسة والستون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثالثة من المجموعة الخامسة من قسم المفصل، وهي اثنتا عشرة آية وهي مدنية

стр. 5710

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
следующие страницы →