← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

المعنى العام: في الآية الأولى يأمر الله عباده المؤمنين بالإنفاق من أطيب المال، وأجوده وأنفسه. ونهاهم عن التصدق برذالة المال، ودنيئه، وخبيثه. فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا. وذلك أن الإنسان نفسه لو أعطي دنئ المال لم يأخذه، إلا إذا تغاضى فيه، وتساهل. فالله أغنى عنه منكم فلا تجعلوا لله ما تكرهون. ثم أمرهم الله بأن يعلموا بأن الله غني عن جميع خلقه. وجميع خلقه فقراء إليه. وهو واسع الفضل، لا ينفد ما لديه. فمن تصدق بصدقة من كسب طيب، فليعلم أن الله غني، واسع العطاء، كريم، جواد. وسيجزيه بها، ويضاعفها له أضعافا كثيرة. وأن يعلموا أنه الحميد. أي: المحمود في جميع أفعاله، وأقواله، وشرعه، وقدره، لا إله إلا هو، ولا رب سواه. وفي الآية الثانية يبين الله أن الشيطان يخوفنا الفقر لنمسك ما بأيدينا فلا ننفقه في مرضاة الله. ومع نهيه إيانا عن الإنفاق خشية الإملاق، يأمرنا بالمعاصي، والمآثم، والمحارم، ومخالفة الخلاق. وفي مقابلة ما يأمرنا به الشيطان من الفحشاء. الله يعدنا مغفرة منه. وفي مقابلة ما يخوفنا الشيطان من الفقر، الله يعدنا فضله. ثم بين الله أنه الواسع الذي يوسع على من يشاء، العليم بالأفعال، والنيات. ومن سعة فضله، ما ذكره في الآية الثالثة من أنه يؤتي من يشاء الحكمة. وذلك أثر عن علمه المحيط إذ لا يوفق الإنسان إلى فعل الأحكم في كل شئ؛ إلا المحيط علما بكل شئ. ومن ثم بينت الآية الثالثة أنه هو الذي يعطي الحكمة من شاء من عباده، فما هي الحكمة؟. وما هي قيمتها؟. الحكمة: وضع الأمور في مواضعها، وهذا لا يكون إلا بفقه في دين

стр. 597

الله، وتوفيق من الله بألا يقول الإنسان كلمة إلا في محلها، ولا يعمل عملا إلا في محله، فيلهم الحكيم وضع الأمور في مواضعها في إطار تعامله مع زوجته، وأولاده، وأهله، وأرحامه، وجيرانه، وعمله، ومسئولياته، سواء كانت على مستوى ضيق، أو واسع. وإن الإنسان ليتصرف التصرف الأخرق في إطار الأسرة، فتخرب بيوت. ويتصرف تصرفا على مستوى دولة إن كان مسئولا، فتخرب أوطان. ومن ثم كانت قيمة الحكمة عظيمة جدا، ولذلك قال تعالى في هذه الآية: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً. ثم ذيل الله تعالى هذه الآية بتبيان أنه لا ينتفع بالموعظة والتذكار إلا من له لب، وعقل يعي به الخطاب ومعنى الكلام. وفي الآية الرابعة يخبر تعالى أنه عالم بجميع ما يفعله العاملون من الخيرات من النفقات، والمنذورات. وفي ذلك إشعار بمجازاته على ذلك أوفر الجزاء للعاملين، ابتغاء وجهه، ورجاء موعوده. وفيها وعيد لمن لا يعمل بطاعته، بأن خالف أمره، وكذب خبره، وعبد معه غيره بقوله: وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ أي: يوم القيامة ينقذونهم من عذاب الله ونقمته. وفي الآية الخامسة، ثناء على صدقة السر، وصدقة الجهر. وأشعر أن صدقة السر أفضل. لأنها أبعد عن الرياء، وأبعد عن كسر القلوب. وبين أن من موجبات تكفير السيئات، بذل الصدقات. وختم الآية بتذكيرنا أنه لا يخفي عليه سرنا، وجهرنا. وأنه سيجزينا عليه. وفي الآية السادسة بيان لعدم ربط الصدقات بموضوع الهداية. فلنتصدق ولو لم يترتب على ذلك هداية من نتصدق عليهم، ولو لم يكونوا مهتدين. وهذا في غير الزكاة، وصدقة الفطر؛ إذ لا تجوزان إلا للمسلمين. أو أن مقدمة الآية تشير إلى أن الرسول عليه البلاغ. ومن اهتدى فلنفسه والذي يخلق الهداية، ويوفق إليها، هو الله. ثم حصر الله ، فجعل الذي ينتفع بالإنفاق صاحبه. ثم بين أن المسلم ينفق في سبيل الله، وليس عليه بعد ذلك ما يكون من عمل المتصدق عليه، سواء كان برا، أو فاجرا. مستحقا، أو غيره. فهو مثاب على قصده. فإن الله وعد من أنفق خيرا أن يوفيه له كاملا، وبذلك ختمت الآية. وفي الآية السابعة بين الله أن أحق الخلق بالصدقات هم المهاجرون الذين انقطعوا إلى الله، وإلى رسوله. وليس لهم سبب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم. ولا

стр. 598

يستطيعون سفرا للتسبب في طلب المعاش. وهم مع هذا متعففون، يظنهم الجاهل بأمرهم وحالهم أغنياء من تعففهم في لباسهم وحالهم وفعالهم. إلا أن سيماهم تدل ذوي الألباب على حاجتهم. ومن صفاتهم أنهم لا يلحون في المسألة، ولا يكلفون الناس ما لا يحتاجون إليه ثم ختم الله الآية بقوله: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ أي: لا يخفى عليه شئ منه. وسيجزي عليه أوفر الجزاء، وأتمه يوم القيامة أحوج ما يكون الإنسان إليه. وفي الآية الثامنة يثني الله على الذين ينفقون في سبيله، وابتغاء مرضاته في جميع الأوقاف، من ليل أو نهار. وفي جميع الأحوال من سر وجهر، وبين ما لهم عند الله في مقابل ذلك. وأن لهم أجرا، وأمنا، وفرحا. المعنى الحرفي: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ أي: أنفقوا من جياد مكسوباتكم. وفيه دليل على وجوب الزكاة في أموال التجارة. وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ أي من الحب، والثمر، والمعادن. والتقدير: من طيبات ما أخرجنا لكم من الأرض. وهذه الآية من أدلة الحنفية على وجوب الزكاة في كل ما يخرج من الأرض قليلا أو كثيرا، مخزونا أو غير مخزون. وفي كل مكان يدور فيه الخلاف حول الواجب، أو عدمه. يبقى الندب قائما. وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ: المراد بالتيمم: هو القصد. أي: ولا تقصدوا المال الردئ تخصونه بالإنفاق منه. وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ. أي: وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم، إلا أن تتسامحوا في أخذه، وتترخصوا فيه. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ أي: واعرفوا أن الله غني عن صدقاتكم، مستحق للحمد لكمالاته، ولإنعامه. فوائد: ١ - روي الحاكم وغيره في سبب نزول الآية عن البراء بن عازب ﵁ قال: «نزلت في الأنصار كانت الأنصار إذا كانت أيام جذاذ النخل أخرجت من حيطانها البسر، فعلقوه على حبل بين الاسطوانتين في مسجد رسول الله ﷺ ، فيأكل فقراء المهاجرين منه. فيعمد الرجل منهم إلى الحشف (أي ردئ التمر) فيدخله مع أقناء

стр. 599

البسر، يظن أن ذلك جائز. فأنزل الله: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ. ٢ - فهم بعضهم قوله تعالى: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ: أن المراد به الأمر بالإنفاق من الكسب الحلال. ولا شك أن الإنفاق من الحلال نحن مطالبون به شرعا. ولكن الآية معناها، ما ذكرناه بدليل سبب النزول. ولذلك قال عبد الله بن مغفل في هذه الآية وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ ... : (كسب المسلم لا يكون خبيثا. ولكن لا يتصدق بالحشف، والدرهم الزيف، وما لا خير فيه). وبهذه المناسبة ننقل حديثا، وفتوى، حول الإنفاق من الحرام. أما الحديث فما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم. وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب. ولا يعطي الدين إلا لمن أحب. فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه. والذي نفسي بيده، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه. ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه. قالوا: وما بوائقه يا نبي الله؟. قال: غشه، وظلمه، ولا يكسب عبد مالا من حرام، فينفق منه، فيبارك له فيه. ولا يتصدق به، فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار. إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن. إن الخبيث لا يمحو الخبيث». وأما الفتوى: يقول فقهاء الحنفية: من تصدق بدرهم حرام ينوي به القربة لله، يكفر. وإذا علم به الفقير، فدعا له، يكفر. ومن أمن على دعائهما يكفر. فمن كان عنده مال حرام فلينفقه بنية التخلص منه لا بنية الصدقة. الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ: في الإنفاق. أي: يقول لكم: إن عاقبة إنفاقكم، أن تفتقروا. والوعد يستعمل للخير، وللشر. وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ أي: يغريكم على البخل، ومنع الصدقات، إغراء الآمر بالمأمور. وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا أي: والله يعدكم مغفرة لذنوبكم، وكفارة لها. وأن يخلف عليكم أفضل مما أنفقتم في الدنيا والآخرة. وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ: يوسع على من يشاء، عليم بالأفعال، والنيات.

стр. 600

فائدة: روى النسائي والترمذي، وابن حبان، وابن أبي حاتم، وابن مردويه- وهو حديث حسن- قال رسول الله ﷺ : «إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة. فأما لمة الشيطان، فإيعاد بالشر، وتكذيب بالحق. وأما لمة الملك، فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق. فمن وجد ذلك، فليعلم أنه من الله. ومن وجد الأخرى، فليتعوذ من الشيطان. ثم قرأ: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ. وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ الحكمة: علم الكتاب والسنة، والعمل بهما. ووضع الأمور في مواضعها. وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً أي: ومن يعطه الله الحكمة، فقد أعطاه من الخير أعظمه. وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ أي: وما يتعظ بمواعظ الله، إلا ذوو العقول السليمة. فوائد: ١ - الصلة بين هذه الآية وما قبلها أنها ندب إلى أن نضع الإنفاق في محله. ٢ - للمفسرين عبارات كثيرة في شرح الحكمة. ومرجعها إلى ما ذكرناه. قال ابن عباس: (الحكمة: القرآن). يعني تفسيره- أما مجرد القراءة والحفظ- فإنه قد قرأه البر، والفاجر. وقال مجاهد في تفسيرها: (العلم، والفقه، والقرآن). وقال أبو مالك: (الحكمة: السنة). ويشهد لهذا كله الحديث الصحيح الذي رواه ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا حسد إلا في اثنتين. رجل آتاه الله مالا، فسلطه على هلكته في الحق. ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها ويعلمها». رواه البخاري ومسلم، وغيرهما. فهذا الحديث يشهد على أن الحكمة يدخل فيها الفقه في الكتاب والسنة، والدين عامة، ويشهد على أن الحكمة: العلم بكتاب الله، وصف الله كتابه بأنه حكيم: وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (سورة يس) ويشهد على أن المراد بالحكمة السنة قوله تعالى:

стр. 601

وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ (سورة الأحزاب) وما كن يسمعن في بيوتهن مع القرآن، إلا السنة. وقال إبراهيم النخعي: الحكمة: الفهم. وقال زيد بن أسلم: الحكمة: العقل وقال مالك: وإنه ليقع في قلبي أن الحكمة هي الفقه في دين الله. وأمر يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله. ومما يبين ذلك تجد الرجل عاقلا في أمر الدنيا. إذا نظر فيها. وتجد آخر ضعيفا في أمر دنياه، عالما بأمر دينه، بصيرا به، يؤتيه الله إياه، ويحرمه هذا. فالحكمة: الفقه في دين الله. وقال مجاهد: الحكمة: الإصابة في القول. وقال أبو العالية: الحكمة: خشية الله. فإن خشية الله رأس كل حكمة. والأمر الجامع لهذا كله، هو ما فسرنا به الحكمة، أنها العلم بالكتاب والسنة والعمل بهما، ووضع الأمور في مواضعها. فمن اجتمع له هذا فقد اجتمعت له الحكمة. ٣ - قال السدي: (الحكمة: النبوة). ولا شك أن أحكم الحكماء هم الأنبياء، ولكن كما قال ابن كثير: والصحيح أن الحكمة كما قاله الجمهور، لا تختص بالنبوة. بل هي أعم منها، وأعلاها النبوة. والرسالة أخص. ولكن لأتباع الأنبياء حظ من الخير على سبيل التبع، كما جاء في بعض الأحاديث: «من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوة بين كتفيه، غير أنه لا يوحى إليه». ونختم هذه الفائدة بتفسير ابن عباس للحكمة في الآية. قال: المعرفة بالقرآن، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله. وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ: في سبيل الله، أو في سبيل الشيطان. أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ: في طاعة الله، أو في معصيته. فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ أي: لا يخفى عليه. وهو مجازيكم عليه. وَما لِلظَّالِمِينَ: الذين يمنعون الصدقات، أو ينفقون أموالهم في المعاصي، أو ينذرون في المعاصي، أو لا يفون في النذور. مِنْ أَنْصارٍ أي: ليس لهم من ينصرهم من الله، ويمنعهم من عقابه.

стр. 602

فائدة: لا يجب الوفاء بالنذر عند الحنفية، إلا إذا كان المنذور من جنسه واجب، ولا شك أن الإنفاق من جنسه واجب، وهو الزكاة، وصدقة الفطر، فمن نذر أن يتصدق، فقد وجب عليه أن يتصدق. وسنبحث مسائل النذر عند قوله تعالى: وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ في سورة الحج، إن شاء الله. إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ أي: إن تظهروا الصدقات فنعم شئ إظهارها. وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ. أي: وإن تسروا بها، مع إصابة مصارفها من الفقراء، فالإخفاء خير لكم. قالوا: المراد بهذه الخيرية في صدقة السر، صدقات التطوع. والجهر في الفرائض أفضل، لنفي التهمة. حتى إذا كان المزكي ممن لا يعرف باليسار، كان إخفاؤه أفضل. والمتطوع إن أراد أن يقتدي به الناس، كان إظهاره أفضل. وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ: في حالتي الإسرار والجهر بالصدقة. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ أي: عالم بما تبدون وما تخفون. فوائد: ١ - قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: جعل الله صدقة السر في التطوع، تفضل علانيتها؛ يقال بسبعين ضعفا. وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها؛ يقال بخمسة وعشرين ضعفا. ٢ - ومما ورد في صدقة السر: ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يرجع إليه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». وروى الإمام أحمد عن النبي ﷺ قال: «لما خلق الله الأرض، جعلت تميد، فخلق

стр. 603

الجبال، فألقاها عليها، فاستقرت. فتعجبت الملائكة من خلق الجبال. فقالت: يا رب: هل في خلقك شئ أشد من الجبال؟ قال: نعم. الحديد. قالت: يا رب فهل من خلقك شئ أشد من الحديد؟. قال: نعم. النار: قالت: يا رب فهل من خلقك شئ أشد من النار؟. قال: نعم. الماء. قالت: يا رب. فهل من خلقك شئ أشد من الماء؟. قال: نعم. الريح. قالت: يا رب. فهل من خلقك شئ أشد من الريح؟. قال: نعم. ابن آدم يتصدق بيمينه، فيخفيها من شماله». وقد مر معنا عند الكلام عن آية الكرسي حديث أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله. أي الصدقة أفضل؟. قال: «سر إلى فقير، أو جهد من مقل». ٣ - قال الشعبي في هذه الآية: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ ... : أنزلت في أبي بكر، وعمر ﵄. أما عمر، فجاء بنصف ماله حتى دفعه إلى النبي ﷺ . فقال له النبي ﷺ : «ما خلفت وراءك لأهلك يا عمر»؟ قال: خلفت لهم نصف مالي. وأما أبو بكر. فجاء بماله كله، يكاد أن يخفيه من نفسه حتى دفعه إلى النبي ﷺ . فقال له النبي ﷺ : «ما خلفت وراءك لأهلك يا أبا بكر»؟. فقال: عدة الله، وعدة رسوله. فبكى عمر ﵁، وقال: بأبي أنت وأمي يا أبا بكر. والله ما استبقنا إلى باب خير قط إلا كنت سابقا. لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ أي: لا يجب عليك أن تجعل الناس مهديين، وإنما عليك أن تبلغهم النواهي فحسب. فالتوفيق إلى الهدى أو خلقه لله تعالى. وما مناسبة هذا النص لآيات الإنفاق؟ يبين هذا سبب النزول. روى النسائي عن ابن عباس قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين فسألوا، فرخص لهم. فنزلت هذه الآية: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ .... وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس عن النبي ﷺ : أنه كان يأمر بأن لا يتصدق إلا على أهل الإسلام، حتى نزلت هذه الآية: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ... فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين. وإنما تصح الصدقة على غير المسلمين إذا كانت صدقة تطوع. وإذا صحت الصدقة على غير المسلم. فمن باب أولى على الفاسق

стр. 604

المسلم. وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ الخير هنا: المال. أي: وما تنفقوا من مال فهو لأنفسكم. لا ينتفع به غيركم. فلا تلاحظوا إلا الله في إنفاقكم. ولا تروا لأنفسكم على الناس فضلا بإنفاقكم عليهم. وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ أي: وليست نفقتكم إلا من أجل رضوان الله، وطلب ما عنده. فإذا كان الأمر كذلك، فأعطوه حقه من هضم نفس، وعدم من أو أذى. وقال بعض المفسرين: هذا نفي، معناه النهي وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ وما تنفقوا من مال يوفكم الله ثوابه أضعافا مضاعفة، دون أن تنقصوا منه شيئا فلا عذر لكم أن ترغبوا عن الإنفاق، ولا عذر لكم ألا يكون على أحسن الوجوه، وأجملها. فائدة: قال عطاء الخراساني: إذا أعطيت لوجه الله، فلا عليك ما كان عمله. ويؤيد هذا، ما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «قال رجل لأتصدقن الليلة بصدقة. فخرج بصدقته، فوضعها في يد زانية. فأصبح الناس يتحدثون: تصدق على زانية. فقال: اللهم لك الحمد، على زانية؟ لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني. فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على غني. قال: اللهم لك الحمد، على غني؟ لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد سارق. فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على سارق. فقال: اللهم لك الحمد على زانية، وعلى غني، وعلى سارق، فأتي فقيل له: إن صدقتك قد قبلت. وأما الزانية، فلعلها أن تستعفف بها عن زناها، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن يستعف بها عن سرقته». ولكن لا ينبغي أن يغيب عنا، أنه لئن رخص الله لنا أن ننفق على كل خلق الله، فلقد ندبنا أن نخص بها الأقرب، والأتقى، والأورع. مر معنا مثل هذا من قبل. وفي الآية التالية بيان. لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ ... أي: هذه الصدقات، الأولى أن تدفعوها للفقراء الذين اتصفوا بالصفات التالية: الإحصار في سبيل الله، والعجز عن الكسب، والتعفف،

стр. 605

والسيما الدالة، وعدم الإلحاح في المسألة. فإذا اجتمعت هذه الصفات، فأصحابها أولى الناس بالصدقات. فإذا اجتمعت أربع صفات منها، يكون أصحابها في الدرجة الثانية. فثلاثة، فدرجة ثالثة. فاثنتان، فدرجة رابعة. فواحدة مع الفقر، فصاحبها أولى. ثم الفقراء فيما بعد. فإذا اتضح هذا، فلنشرح الآية: لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي: الذين أحصرهم الجهاد، فمنعهم من التصرف. لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ. أي: لا يستطيعون سفرا للتسبب في طلب المعاش. والضرب في الأرض: هو السفر. وسبب احتباسهم، إما انقطاع للعلم، أو عدم حيلة، أو تفرغ لأمر من أمور المسلمين. يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ أي: يحسبهم الجاهل بحالهم، مستغنين من أجل تعففهم عن المسألة. تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ. أي: بصفاتهم التي تدل على حالهم، من صفرة الوجوه، ورثاثة الحال. لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً أي: إلحاحا. والإلحاح: هو لزوم المسئول وعدم مفارقته إلا بشيء يعطاه. قيل في تفسير هذه الصفة: إنهم لا يسألون أصلا. وقيل إنهم إن سألوا، سألوا بتلطف. وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ أي: وما تنفقوا من مال، فإن الله يعلمه، ولا يضيع عنده. فوائد: ١ - قلنا من اجتمعت له هذه الصفات، فهو أولى الناس بالصدقات. ثم الأقل فالأقل. ولذلك نلاحظ أن رسول الله ﷺ لفت النظر إلى من اتصف ببعض هذه الصفات، كي نخصه. ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده التمرة، والتمرتان، واللقمة، واللقمتان، والأكلة، والأكلتان. ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئا». ٢ - وهناك مظهر من مظاهر الإلحاف، لا يعتبر من باب الإلحاف اللغوي ولكنه إلحاف شرعي. وذلك أن الإلحاح أثر من آثار الطمع. ولذلك أدخل الشارع في باب الإلحاف ما كان أثرا عن الطمع. وذلك أن يسأل الإنسان، وله ما يملك. ومما ورد في

стр. 606

ذلك: روى الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه قال: سرحتني أمي إلى رسول الله ﷺ : أسأله. فأتيته، فقعدت. قال فاستقبلني فقال: من استغنى أغناه الله، ومن استعف أعفه الله، ومن استكفى كفاه الله، ومن سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف» قال: فقلت: ناقتي الياقوتة خير من أوقية. فرجعت فلم أسأله. وروى ابن مردويه عن رسول الله ﷺ قال: «من سأل وله أربعون درهما فهو ملحف، وهو مثل سف الملة» يعني الرمل. ورواه النسائي كذلك. ٣ - ويحرم على الإنسان أن يسأل أصلا إذا كان له ما يكفيه. قال رسول الله ﷺ : «من سأل وله ما يغنيه، جاءت مسألته يوم القيامة خدوشا، أو كدوحا في وجهه» قالوا: يا رسول الله: وما غناه؟ قال: «خمسون درهما، أو حسابها من الذهب». رواه أحمد، وأصحاب السنن الأربعة. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أي: الذين ينفقون أموالهم في كل الأحوال، والأوقات، لحرصهم على الخير، مسرين ومعلنين، في ليل أو نهار. فكلما نزلت بهم حاجة محتاج، عجلوا قضاءها ولم يؤخروه، ولم يتعللوا بوقت، ولا حال. فهؤلاء لهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم، ولا هم يحزنون. وقد مر معناها من قبل. والملاحظ أن الجواب هنا مسبوق بالفاء. وذلك لتضمن ما قبله معنى الشرط. فكأننا نفهم من ذلك أن الذين لهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم، ولا هم يحزنون، هم من تحققوا بهذه الصفة، من كونهم منفقين في كل حال. روى ابن مردويه عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب كان له أربعة دراهم. فأنفق درهما ليلا، ودرهما نهارا، ودرهما سرا، ودرهما علانية. وبهذا ننتهي من الكلام عن الفقرة الأولى في المقطع الثاني، لتأتي معنا فقرة نتحدث عن الربا، والصلة بين هاتين الفقرتين واضحة جدا. فالجانب المقابل للإنفاق في سبيل الله، هو الربا. فبقدر ما يدل الإنفاق في سبيل الله على النفس الخيرة، يدل الربا على النفس الشريرة الجشعة المستغلة. فإذ حض الله على الإنفاق، كان من المناسب أن يحذر عما يقابله. ولذلك تلاحظ أنه لم يفصل بين نهاية الفقرة السابقة، وبداية الفقرة

стр. 607

اللاحقة بفاصل من نداء وغيره. بل تظهر الفقرة التالية، وكأنها استمرار لما قبلها، فلننتقل للحديث عن الفقرة الثانية. الفقرة الثانية من المقطع الثاني من القسم الثالث تمتد هذه الفقرة من الآية (٢٧٥) إلى نهاية الآية (٢٨١). وهذه هي: [سورة البقرة (٢): الآيات ٢٧٥ الى ٢٨١] الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١)

стр. 608

كلمة في هذه الفقرة: قلنا إن الملامح الرئيسية للنظام المالي في الإسلام قد تحدث عنها هذا المقطع وأن هذه الملامح هي: أن الإسلام نظام زكوي، لا ربوي. وأنه ذو معاملات منضبطة. وإذا كان هذا المقطع يعطينا هذا بشكل عام، فإنه يعرض ما يعرضه على تسلسل معين. إن الإنفاق يدلل على نفسية مؤمنة بالله، واليوم الآخر. فهو علم على نفسية مؤثرة. بينما يقف في الصف المقابل لذلك المرابون الذين لا يعطون أموالهم إلا بمقابل من الربح دون أن يتحملوا حتى احتمال الخسارة. فهم مصاصو دماء ومستغلون. وفي وسط آيات الربا، يذكر الله الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، لينتشل المرابي من حمأة ما هو فيه. وينتهي الحديث عن الربا بالتذكير باليوم الآخر. ومن عادة المدافعين عن الربا، أنهم دائما يتساءلون عن البديل. ومن ثم تأتي آية الدين، وهي آية السلم لتدل على البديل كما سنرى. وكل ذلك يأتي في سياق الأمر بالدخول في الإسلام كله، والنهي عن اتباع خطوات الشيطان. ولنقدم لتفسير آيات الربا بكلام لصاحب الظلال: «الوجه الآخر المقابل للصدقة التي عرض دستورها في الدرس الماضي .. الوجه الكالح الطالح هو الربا!

стр. 609

الصدقة عطاء وسماحة، وطهارة وزكاة، وتعاون وتكافل .. والربا شح وقذارة ودنس، وأثرة وفردية .. والصدقة نزول عن المال بلا عوض ولا رد. والربا استرداد للدين ومعه زيادة حرام مقتطعة من جهد المدين أو من لحمه. من جهده إن كان قد عمل بالمال الذي استدانه فربح نتيجة لعمله هو وكده، ومن لحمه إن كان لم يربح أو خسر، أو كان قد أخذ المال للنفقة منه على نفسه وأهله ولم يستربحه شيئا .. ومن ثم فهو- الربا- الوجه الآخر المقابل للصدقة .. الوجه الكالح الطالح، لهذا عرضه السياق مباشرة بعد عرض الوجه الطيب، السمح، الطاهر، الجميل، الودود! عرضه عرضا منفرا، يكشف عما في عملية الربا من قبح وشناعة، ومن جفاف في القلب وشر في المجتمع، وفساد في الأرض وهلاك للعباد. ولم يبلغ من تفظيع أمر أراد الإسلام إبطاله من أمور الجاهلية ما بلغ من تفظيع الربا. ولا بلغ من التهديد في اللفظ والمعنى ما بلغ التهديد في أمر الربا- في هذه الآيات وفي غيرها في مواضع أخرى- ولله الحكمة البالغة. فلقد كانت للربا في الجاهلية مفاسده وشروره. ولكن الجوانب الشائهة القبيحة من وجهه الكالح ما كانت كلها بادية في مجتمع الجاهلية كما بدت اليوم وتكشفت في عالمنا الحاضر، ولا كانت البثور والدمامل في ذلك الوجه الدميم مكشوفة كلها كما كشفت اليوم في مجتمعنا الحديث. فهذه الحملة المفزعة البادية في هذه الآيات على ذلك النظام المقيت، تتكشف اليوم حكمتها على ضوء الواقع الفاجع في حياة البشرية، أشد مما كانت متكشفة في الجاهلية الأولى. ويدرك- من يريد أن يتدبر حكمة الله، وعظمة هذا الدين، وكمال هذا المنهج، ودقة هذا النظام- يدرك اليوم من هذا كله ما لم يكن يدركه الذين واجهوا هذه النصوص أول مرة. وأمامه اليوم من واقع العالم ما يصدق كل كلمة تصديقا حيا مباشرا واقعا. والبشرية الضالة التي تأكل الربا وتؤكله تنصب عليها البلايا الماحقة الساحقة من جراء هذا النظام الربوي، في أخلاقها ودينها وصحتها واقتصادها .. وتتلقى- حقا- حربا من الله تصب عليها النقمة والعذاب .. أفرادا وجماعات، وأمما وشعوبا، وهي لا تعتبر ولا تفيق!. وحينما كان السياق يعرض في الدرس السابق دستور الصدقة كان يعرض قاعدة من قواعد النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي يريد الله للمجتمع المسلم أن يقوم عليه،

стр. 610

ويحب للبشرية أن تستمتع بما فيه من رحمة .. في مقابل ذلك النظام الآخر الذي يقوم على الأساس الربوي الشرير القاسي اللئيم. إنهما نظامان متقابلان: النظام الإسلامي. والنظام الربوي! وهما لا يلتقيان في تصور! ولا يتفقان في أساس؛ ولا يتوافقان في نتيجة .. إن كلا منهما يقوم على تصور للحياة والأهداف والغايات يناقض الآخر تمام المناقضة. وينتهي إلى ثمرة في حياة الناس تختلف عن الأخرى كل الاختلاف .. ومن ثم كانت هذه الحملة المفزعة، وكان هذا التهديد الرعيب!. إن الإسلام يقيم نظامه الاقتصادي- ونظام الحياة كلها- على تصور معين يمثل الحق الواقع في هذا الوجود. يقيمه على أساس أن الله سبحانه هو خالق هذا الكون. فهو خالق هذه الأرض وهو خالق هذا الإنسان .. هو الذي وهب كل موجود وجوده .. وأن الله- سبحانه- وهو مالك كل موجود- بما أنه هو موجده- قد استخلف الجنس الإنساني في هذه الأرض؛ ومكنه مما ادخر له فيها من أرزاق وأقوات ومن قوى وطاقات، على عهد منه وشرط. ولم يترك له هذا الملك العريض فوضى، يصنع فيه ما يشاء كيف شاء. وإنما استخلفه فيه في إطار من الحدود الواضحة. استخلفه فيه على شرط أن يقوم في الخلافة وفق منهج الله، وحسب شريعته، فما وقع منه من عقود، وأعمال، ومعاملات، وأخلاق، وعبادات، وفق التعاقد فهو صحيح نافذ، وما وقع منه مخالفا لشروط التعاقد فهو باطل. فإذا أنفذه قوة وقسرا فهو إذن ظلم واعتداء لا يقره الله ولا يقره المؤمنون بالله. فالحاكمية في الأرض- كما هي في الكون كله- لله وحده. والناس- حاكمهم ومحكومهم- إنما يستمدون سلطاتهم من تنفيذهم لشريعة الله ومنهجه، وليس لهم- في جملتهم- أن يخرجوا عنها، لأنهم إنما هم وكلاء مستخلفون في الأرض بشرط وعهد، وليسوا ملاكا خالقين لما في أيديهم من أرزاق. من بين بنود هذا العهد أن يقوم التكافل بين المؤمنين بالله، فيكون بعضهم أولياء بعض، وأن ينتفعوا برزق الله الذي أعطاهم على أساس هذا التكافل- لا على قاعدة

стр. 611

الشيوع المطلق كما تقول الماركسية. ولكن على أساس الملكية الفردية المقيدة- فمن وهبه الله منهم سعة أفاض من سعته على من قدر عليه رزقه. مع تكليف الجميع بالعمل كل حسب طاقته واستعداده وفيما يسره الله- فلا يكون أحدهم كلا على أخيه، أو على الجماعة وهو قادر كما بينا ذلك من قبل. وجعل الزكاة فريضة في المال محددة. والصدقة تطوعا غير محددة. وقد شرط عليهم كذلك أن يلتزموا جانب القصد والاعتدال، ويتجنبوا السرف والشطط فيما ينفقون من رزق الله الذي أعطاهم؛ وفيما يستمتعون به من الطيبات محدودة بحدود الاعتدال. وتظل فضلة من الرزق معرضة لفريضة الزكاة وتطوع الصدقة. وبخاصة أن المؤمن مطالب بتثمير ماله وتكثيره. وشرط عليهم أن يلتزموا في تنمية أموالهم وسائل لا ينشأ عنها الأذى للآخرين، ولا يكون من جرائها تعويق أو تعطيل لجريان الأرزاق بين العباد، ودوران المال في الأيدي على أوسع نطاق «كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم» ... وكتب عليهم الطهارة في النية والعمل، والنظافة في الوسيلة والغاية، وفرض عليهم قيودا في تنمية المال لا تجعلهم يسلكون إليها سبلا تؤذي ضمير الفرد وخلقه، أو تؤذي حياة الجماعة وكيانها. وأقام هذا كله على أساس التصور الممثل لحقيقة الواقع في هذا الوجود؛ وعلى أساس عهد الاستخلاف الذي يحكم كل تصرفات الإنسان المستخلف في هذا الملك العريض. ومن ثم فالربا عملية تصطدم ابتداء مع قواعد التصور الإيماني إطلاقا، ونظام يقوم على تصور آخر. تصور لا نظر فيه لله . ومن ثم لا رعاية فيه للمبادئ والغايات والأخلاق التي يريد الله للبشر أن تقوم حياتهم عليها. إنه يقوم ابتداء على أساس أن لا علاقة بين الله وحياة البشر. فالإنسان هو سيد هذه الأرض ابتداء، وهو غير مقيد بعهد من الله، وغير ملزم باتباع أوامر الله!! ثم إن الفرد حر فى وسائل حصوله على المال، وفى طرق تنميته، كما هو حر فى التمتع به. غير ملتزم في شئ من هذا بعهد من الله أو شرط، وغير مقيد كذلك بمصلحة الآخرين ومن ثم فلا اعتبار لأن يتأذى الملايين إذا هو أضاف إلى خزانته ورصيده ما يستطيع إضافته. وقد

стр. 612

تتدخل القوانين الوضعية أحيانا في الحد من حريته هذه- جزئيا- في تحديد سعر الفائدة مثلا، وفي منع أنواع من الاحتيال والنصب والغصب والنهب والغش والضرر. ولكن هذا التدخل يعود إلى ما يتواضع عليه الناس أنفسهم، وما تقودهم إليه أهواؤهم، لا إلى مبدأ ثابت مفروض من سلطة إلهية! كذلك يقوم على أساس تصور خاطئ فاسد. هو أن الغايات للوجود الإنساني هي تحصيله للمال- بأية وسيلة- واستمتاعه به على النحو الذي يهوى! ومن ثم يتكالب على جمع المال وعلى المتاع به، ويدوس في الطريق كل مبدأ وكل صالح للآخرين!! ثم ينشئ في النهاية نظاما يسحق البشرية سحقا، ويشقيها في حياتها أفرادا وجماعات ودولا وشعوبا، لمصلحة حفنة من المرابين، ويحطمها أخلاقيا ونفسيا وعصبيا، ويحدث الخلل في دورة المال، ونمو الاقتصاد البشري نموا سويا .. وينتهي- كما انتهى في العصر الحديث- إلى تركيز السلطة الحقيقة والنفوذ العملي على البشرية كلها في أيدي زمرة من أحط خلق الله، وأشدهم شرا، وشرذمة ممن لا يرعون في البشرية إلا ولا ذمة، ولا يراقبون فيها عهدا ولا حرمة .. وهؤلاء هم الذين يداينون الناس أفرادا، كما يداينون الحكومات والشعوب- في داخل بلادهم وفي خارجها- وترجع إليهم الحصيلة لجهد البشرية كلها، وكد الآدميين وعرقهم ودمائهم، في صورة فوائد ربوية لم يبذلوا هم فيها جهدا. وهم لا يملكون المال وحده .. إنما يملكون النفوذ .. ولما لم تكن لهم مبادئ، ولا أخلاق، ولا تصور ديني وأخلاقي على الإطلاق، بل لما كانوا يسخرون من حكاية الأديان، والأخلاق، والمثل والمبادئ، فإنهم بطبيعة الحال يستخدمون هذا النفوذ الهائل الذي يملكون في إنشاء الأوضاع والأفكار والمشروعات التي تمكنهم من زيادة الاستغلال، ولا تقف في طريق جشعهم وخسة أهدافهم .. وأقرب الوسائل هي تحطيم الأخلاق البشرية، وإسقاطها في مستنقع آسن من اللذائذ والشهوات، التي يدفع الكثيرون آخر فلس يملكونه، حيث تسقط الفلوس في المصائد والشباك المنصوبة! وذلك مع التحكم في جريان الاقتصاد العالمي وفق مصالحهم المحدودة، مهما أدى هذا إلى الأزمات الدورية المعروفة في عالم الاقتصاد، وإلى انحراف

стр. 613

الإنتاج الصناعي والاقتصادي كله عما فيه مصلحة المجموعة البشرية إلى مصلحة الممولين المراءين، الذين تتجمع في أيديهم خيوط الثروة العالمية!. والكارثة التي تمت في العصر الحديث- ولم تكن بهذه الصورة البشعة في الجاهلية- هي أن هؤلاء المراءين- الذين كانوا يتمثلون في الزمن الماضي في صورة أفراد أو بيوت مالية كما يتمثلون الآن في صورة مؤسسي المصارف العصرية- قد استطاعوا بما لديهم من سلطة هائلة مخيفة داخل أجهزة الحكم العالمية وخارجها، وبما يملكون من وسائل التوجيه والإعلام في الأرض كلها .. سواء في ذلك الصحف والكتب والجامعات والأساتذة ومحطات الإرسال ودور السينما وغيرها .. أن ينشئوا عقلية عامة بين جماهير البشر المساكين الذين يأكل أولئك المرابون عظامهم ولحومهم، ويشربون عرقهم ودمائهم في ظل النظام الربوي .. هذه العقلية العامة خاضعة للإيحاء الخبيث المسموم بأن الربا هو النظام الطبيعي المعقول، والأساس الصحيح الذي لا أساس غيره للنمو الاقتصادي، وأنه من بركات هذا النظام وحسناته كان هذا التقدم الحضاري في الغرب. وأن الذين يريدون إبطاله جماعة من الخياليين- غير العمليين- وأنهم إنما يعتمدون في نظرتهم هذه على مجرد نظريات أخلاقية ومثل خيالية لا رصيد لها من الواقع، وهي كفيلة بإفساد النظام الاقتصادي كله لو سمح لها أن تتدخل فيه! حتى ليتعرض الذين ينتقدون النظام الربوي من هذا الجانب للسخرية من البشر الذين هم في حقيقة الأمر ضحايا بائسة لهذا النظام ذاته! ضحايا شأنهم شأن الاقتصاد العالمي نفسه. الذي تضطره عصابات المراءين العالمية لأن يجري جريانا غير طبيعي ولا سوي. ويتعرض للهزات الدورية المنظمة! وينحرف على أن يكون نافعا للبشرية كلها، إلى أن يكون وقفا على حفنة من الذئاب قليلة. إن النظام الربوي نظام معيب من الوجهة الاقتصادية البحتة- وقد بلغ من سوئه أن تنبه لعيوبه بعض أساتذة الاقتصاد الغربيين أنفسهم، وهم قد نشئوا في ظله، وأشربت عقولهم وثقافتهم تلك السموم التي تبثها عصابات المال في كل فروع الثقافة والتصور والأخلاق. وفي مقدمة هؤلاء الأساتذة الذين يعيبون هذا النظام من الناحية الاقتصادية البحتة «دكتور شاخت» الألماني ومدير بنك الرايخ الألماني سابقا. وقد كان مما قاله في

стр. 614

محاضرة له في دمشق ١٩٥٣ أنه بعملية رياضية (غير متناهية) يتضح أن جميع المال في الأرض صائر إلى عدد قليل جدا من المرابين. ذلك أن الدائن المرابي يربح دائما في كل عملية، بينما المدين معرض للربح والخسارة. ومن ثم فإن المال كله في النهاية لا بد بالحساب الرياضي- أن يصير إلى الذي يربح دائما! وأن هذه النظرية في طريقها للتحقق الكامل. فإن معظم مال الأرض الآن يملكه- ملكا حقيقيا- بضعة ألوف! أما جميع الملاك، وأصحاب المصانع الذين يستدينون من البنوك، والعمال وغيرهم، فهم ليسوا سوى أجراء يعملون لحساب أصحاب المال، ويجني ثمرة كدهم أولئك الألوف. وليس هذا وحده كل ما للربا من جريرة. فإن قيام النظام الاقتصادي على الأساس الربوي يجعل العلاقة بين أصحاب الأموال وبين العاملين في التجارة والصناعة علاقة مقامرة ومشاكسة مستمرة. فإن المرابي يجتهد في الحصول على أكبر فائدة. ومن ثم يمسك المال حتى يزيد اضطرار التجارة والصناعة إليه فيرتفع سعر الفائدة؛ ويظل يرفع السعر حتى يجد العاملون في التجارة والصناعة أنه لا فائدة لهم من استخدام هذا المال، لأنه لا يدر عليهم ما يوفون به الفائدة ويفضل لهم منه شئ .. عندئذ ينكمش حجم المال المستخدم في هذه المجالات التي تشتغل فيها الملايين، وتضيق المصانع دائرة إنتاجها، ويتعطل العمال، فتقل القدرة على الشراء. وعند ما يصل الأمر إلى هذا الحد، ويجد المرابون أن الطلب على المال قد نقص أو توقف، يعودون إلى خفض سعر الفائدة اضطرارا. فيقبل عليه العاملون في الصناعة والتجارة من جديد، وتعود دورة الحياة إلى الرخاء .. وهكذا دواليك تقع الأزمات الاقتصادية الدورية العالمية. ويظل البشر هكذا يدورون فيها كالسائمة.! ثم إن جميع المستهلكين يؤدون ضريبة غير مباشرة للمرابين. فإن أصحاب الصناعات والتجار لا يدفعون فائدة الأموال التي يقترضونها بالربا إلا من جيوب المستهلكين، فهم يزيدونها في أثمان السلع الاستهلاكية فيتوزع عبؤها على أهل الأرض لتدخل في جيوب المرابين في النهاية. أما الديون التي تقترضها الحكومات من بيوت المال لتقوم بالإصلاحات والمشروعات العمرانية فإن رعاياها هم الذين يؤدون فائدتها للبيوت الربوية

стр. 615

كذلك. إذ إن هذه الحكومات تضطر إلى زيادة الضرائب المختلفة لتسدد منها هذه الديون وفوائدها. وبذلك يشترك كل فرد في دفع هذه الجزية للمرابين في نهاية المطاف .. وقلما ينتهي الأمر عند هذا الحد، ويكون الاستعمار هو نهاية الديون .. ثم تكون الحروب بسبب الاستعمار! ونحن هنا- في ظل القرآن- لا نستقصي كل عيوب النظام الربوي فهذا مجاله بحث مستقل- فنكتفي بهذا القدر لنخلص منه إلى تنبيه من يريدون أن يكونوا مسلمين إلى جملة حقائق أساسية بصدد كراهية الإسلام للنظام الربوي المقيت: الحقيقة الأولى: التي يجب أن تكون مستيقنة في نفوسهم أنه لا إسلام يبيح قيام نظام ربوي في مكان. وكل ما يمكن أن يقوله أصحاب الفتاوى من رجال الدين أو غيرهم سوى هذا دجل وخداع. فأساس التصور الإسلامي- كما بينا- يصطدم اصطداما مباشرا بالنظام الربوي، ونتائجه العملية في حياة الناس وتصوراتهم وأخلاقهم. والحقيقة الثانية: أن النظام الربوي بلاء على الإنسانية- لا في إيمانها وأخلاقها وتصورها للحياة فحسب- بل كذلك في صميم حياتها الاقتصادية والعملية. وأنه أبشع نظام يمحق سعادة البشرية محقا، ويعطل نموها الإنساني المتوازن، على الرغم من الطلاء الظاهري الخداع، الذي يبدو كأنه مساعدة من هذا النظام للنمو الاقتصادي العام!. والحقيقة الثالثة: أن النظام الأخلاقي والنظام العملي في الإسلام مترابطان تماما، وأن الإنسان في كل تصرفاته مرتبط بعهد الاستخلاف وشرطه، وأنه مختبر ومبتلى وممتحن في كل نشاط يقوم في حياته، ومحاسب عليه في آخرته. فليس هناك نظام أخلاقي وحده، ونظام عملي وحده، وإنما هما معا يؤلفان نشاط الإنسان، وكلاهما عبادة يؤجر عليها إن أحسن، وإثم يؤاخذ عليه إن أساء. وأن الاقتصاد الإسلامي الناجح لا يقوم بغير أخلاق، وأن الأخلاق ليست نافلة يمكن الاستغناء عنها ثم تنجح حياة الناس العملية. والحقيقة الرابعة: أن التعامل الربوي لا يمكن إلا أن يفسد ضمير الفرد وأخلاقه،

стр. 616

وشعوره تجاه أخيه في الجماعة، وإلا أن يفسد حياة الجماعة البشرية وتضامنها بما يبثه من روح الشر، والطمع والأثرة والمخاتلة والمقامرة بصفة عامة. أما في العصر الحديث فإنه يعد الدافع الأول لتوجيه رأس المال إلى أحط وجوه الاستثمار. كي يستطيع رأس المال المستدان بالربا أن يربح ربحا مضمونا، فيؤدي الفائدة الربوية ويفضل منه شئ للمستدين، ومن ثم فهو الدافع المباشر لاستثمار المال في الأفلام القذرة والصحافة القذرة، والمراقص والملاهي والرقيق الأبيض وسائر الحرف والاتجاهات التي تحطم أخلاق البشرية تحطيما .. والمال المستدان بالربا ليس همه أن ينشئ أنفع المشروعات للبشرية، بل همه أن ينشئ أكثرها ربحا. ولو كان الربح إنما يجئ من استثارة أحط الغرائز وأقذر الميول .. وهذا هو المشاهد اليوم في أنحاء الأرض. وسببه الأول هو التعامل الربوي!! .. والحقيقة الخامسة: أن الإسلام نظام متكامل. فهو حين يحرم التعامل الربوي يقيم نظمه كلها على أساس الاستغناء عن الحاجة إليه، وينظم جوانب الحياة الاجتماعية بحيث تنتفي منها الحاجة إلى هذا النوع من التعامل، بدون مساس بالنمو الاقتصادي والاجتماعي والإنساني المطرد. والحقيقة السادسة: أن الإسلام- حين يتاح له أن ينظم الحياة وفق تصوره ومنهجه الخاص- لن يحتاج عند إلغاء التعامل الربوي؛ إلى إلغاء المؤسسات والأجهزة لنمو الحياة الاقتصادية العصرية نموها الطبيعي السليم. ولكنه فقط سيطهرها من لوثة الربا ودنسه. ثم يتركها تعمل وفق قواعد أخرى سليمة. وفى أول هذه المؤسسات والأجهزة: المصارف والشركات وما إليها من مؤسسات الاقتصاد الحديث. والحقيقة السابعة:- وهي الأهم- ضرورة اعتقاد من يريد أن يكون مسلما بأن هناك استحالة اعتقادية في أن يحرم الله أمرا لا تقوم الحياة البشرية ولا تتقدم بدونه! كما أن هناك استحالة اعتقادية كذلك في أن يكون هناك أمر خبيث ويكون في نفس الوقت ذاته حتميا لقيام الحياة وتقدمها .. فالله سبحانه هو خالق هذه الحياة، وهو مستخلف الإنسان فيها، وهو الآمر بتنميتها وترقيتها؛ وهو المريد لهذا كله الموفق إليه. فهناك

стр. 617

استحالة إذن في تصور المسلم أن يكون فيما حرمه الله شئ لا تقوم الحياة البشرية ولا تتقدم بدونه. وأن يكون هناك شئ خبيث هو حتمي لقيام الحياة ورقيها .. وإنما هو سوء التصور، وسوء الفهم والدعاية المسمومة الخبيثة الطاغية التي دأبت أجيالا على بث فكرة: أن الربا ضرورة للنمو الاقتصادي والعمراني، وأن النظام الربوي هو النظام الطبيعي. وبث هذا التصور الخادع في مناهل الثقافة العامة، ومنابع المعرفة الإنسانية في مشارق الأرض ومغاربها .. ثم قيام الحياة الحديثة على هذا الأساس فعلا بسعي بيوت المال والمرابين. وصعوبة تصور قيامها على أساس آخر. وهي صعوبة تنشأ أولا من عدم الإيمان. كما تنشأ ثانيا من ضعف التفكير وعجزه عن التحرر من ذلك الوهم الذي اجتهد المرابون في بثه وتمكينه بما لهم من قدرة على التوجيه، وملكية للنفوذ داخل الحكومات العالمية، وملكية لأدوات الإعلام العامة والخاصة. والحقيقة الثامنة: أن استحالة قيام الاقتصاد العالمي اليوم وغدا على أساس غير الأساس الربوي .. ليست سوى خرافة، أو هي أكذوبة ضخمة تعيش لأن الأجهزة التي يستخدمها أصحاب المصلحة في بقائها أجهزة ضخمة فعلا! وأنه حين تصح النية، وتعزم البشرية- أو تعزم الأمم المسلمة- أن تسترد حريتها من قبضة العصابات الربوية العالمية، وتريد لنفسها الخير والسعادة والبركة، مع نظافة الخلق وطهارة المجتمع، فإن المجال مفتوح لإقامة النظام الآخر الرشيد، الذي أراده الله للبشرية، والذي طبق فعلا، ونمت الحياة في ظله فعلا، وما تزال قابلة للنمو تحت إشرافه وفي ظلاله، لو عقل الناس ورشدوا!!. وليس هناك مجال تفصيل القول في كيفيات التطبيق ووسائله .. فحسبنا هذه الإشارات المجملة. وقد تبين أن شناعة العملية الربوية ليست ضرورة من ضرورات الحياة الاقتصادية، وأن الإنسانية التي انحرفت عن النهج قديما حتى ردها الإسلام إليه، هي الإنسانية التي تنحرف اليوم الانحراف ذاته، ولا تفيء إلى النهج القويم الرحيم السليم.

стр. 618

المعنى العام للمجموعة الأولى في فقرة الربا: لما ذكر الله تعالى، الأبرار المؤدين النفقات، المخرجين الزكوات، المتفضلين بالبر، والصدقات لذوي الحاجات، والقرابات، في جميع الأحوال، والأوقات، شرع في ذكر أكلة الربا، وأموال الناس بالباطل. وأنواع الشبهات. فأخبر في الآية الأولى من هذه الفقرة كيف أن أكلة الربا لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلى بعثهم، ونشورهم، إلا كما يقوم المصروع حال صرعه، وتخبط الشيطان له. ذلك التخبط المعرف، المنكر. وإنما جوزوا بذلك لاعتراضهم على أحكام الله في شرعه. إذ اعترضوا على الله في تحريمه الربا، من أنه- في زعمهم- شبيه بالبيع. وهذا اعتراض منهم على شرع الله مع علمهم بتفريق الله بين هذا، وهذا. إذ هذا محرم، أفظع تحريم. وهذا مباح. والله هو العليم الحكيم الذي لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل، وهم يسألون. وهو العالم بحقائق الأمور، ومصالحها. وما ينفع عباده فيبيحه لهم. وما يضرهم فينهاهم عنه. وهو أرحم بهم من الوالدة بطفلها. ثم بين الله أنه من بلغه نهي الله عن الربا، فانتهى، فله ما كان أكل من الربا قبل التحريم. أي: قبل نزول هذا النص. ومن فعل الربا بعد بلوغه نهي الله عنه، فقد استوجب العقوبة، وقامت عليه الحجة، واستحق الخلود في النار. وفي الآية الثانية من هذا المقطع يخبر تعالى أنه يمحق الربا. أي: يذهبه، إما بأن يذهبه بالكلية من يد صاحبه، أو يحرمه بركة ماله. فلا ينتفع به. بل يعدمه في الدنيا، ويعاقبه عليه يوم القيامة. بينما هو ﷻ ، يبارك وينمي، ويكثر الصدقات، بأن يضاعف لأصحابها أجورهم. وإنما ذكر بركة الصدقة يوم القيامة، ولم يذكر تنمية الأموال المزكاة في الدنيا- مع أنه كائن- تبيانا لقصد أصحابها، وإشعارا بأن الدنيا هينة، وأن الآخرة هي الهدف. ثم ختم الله هذه الآية بتبيان أنه لا يحب كل كفور القلب، أثيم القول والفعل. والمناسبة بين بداية الآية وخاتمتها، هي: أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من الكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل بأنواع المكاسب الخبيثة. فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل.

стр. 619

ثم جاءت الآية الثالثة التي أثنى بها الله على المؤمنين بربهم، المطيعين أمره، المؤدين شكره، المحسنين إلى خلقه، المقيمين الصلاة، والمؤدين الزكاة، ثم أخبر عما أعدلهم من الكرامة. وأنهم يوم القيامة من التبعات آمنون. وقد ختمت الآية الثالثة بقوله تعالى: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ كما ختمت الفقرة السابقة، إشارة إلى أن هذه الفقرة امتداد لما قبلها. فالمقطع واحد. وقبل أن نتحدث عن المعنى الحرفي للآيات، نحب أن نعرف الربا، وحكمة تحريمه. الربا هو فضل مال، خال عن العوض في معاوضة مال بمال، وأنواعه كثيرة. روى الحاكم عن ابن مسعود رسول الله ﷺ : «الربا ثلاثة وسبعون بابا أيسرها أن ينكح الرجل أمه. وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم». قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين. وروى ابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الربا سبعون جزءا. أيسرها أن ينكح الرجل أمه». ولا شك أنه يدخل في هذه الأنواع الكثيرة، أنواع من الربا معنوية. كالاستطالة في عرض المسلم. قال ابن كثير: وباب الربا من أشكل الأبواب على كثير من أهل العلم. وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: (ثلاث، وددت أن رسول الله ﷺ عهد إلينا فيهن عهدا، ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب من الربا) يفهم من هذا أن هناك أبوابا من الربا تحتاج إلى فقه أهل الاجتهاد حتى تعرف على ضوء نصوص الكتاب والسنة. ولا ننسى أن ما أدى إلى الحرام، فهو محرم. وكما حرم الله الربا، حرم المسالك المفضية إليه، والوسائل الموصلة إليه. وتتفاوت أنظار المجتهدين بحسب ما وهب الله لكل منهم من العلم. فأدخل بعضهم في أبواب الربا، ما لم يدخله غيره. والذي يدل على أن الوسائل التي تفضي إلى الربا محرمة، ما رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والإمام أحمد أن رسول الله ﷺ قال: «يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا». قال: قيل له الناس كلهم؟. قال: «من لم يأكله منهم ناله من

стр. 620

غباره». ومن أبواب الربا: ربا الفضل. ومن أبوابه ربا النساء. ومن أبوابه بيع العينة. ومن أبوابه ما كان ظاهره بيعا، وحقيقته ربا. فالعبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ والمباني. ومن أبوابه المخابرة. وهي المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض. والمزابنة. وهي: اشتراء الرطب في رءوس النخل، بالتمر على وجه الأرض. والمحاقلة وهي: اشتراء الحب في سنبله في الحقل، بالحب على وجه الأرض. وأدخل الحنفية في الربا، كل ما كان من أنواع البيوع الفاسدة. وأما البيع، فإنه معاوضة مال بمال. وله أنواع كثيرة. والفارق بينه، وبين الربا، واضح. فالربا أعلى مظاهر الاستغلال والجشع. والبيع ضرورة، لا بد منها للحياة الاقتصادية ولنضرب مثالين، لنرى نتائج الربا الخبيثة. والحكمة في تحريمه. المثال الأول: يستقرض المزارع بالربا، ليشتري بذرا، يبذره في أرضه البعل وقد يأتي ذلك العام، عام جدب. فيخسر البذر، ويخسر ثمنه، ويجب عليه وفاء الدين والربا. ولما كان لا يستطيع أن يدفع شيئا، فإن عليه أن يؤجل الدين مع ربا العام القادم. وعليه أن يستقرض للبذار من جديد، بربا كذلك. فإذا ما جاء عام جدب آخر تضاعف عليه، ربا السنة الأولى ثلاث مرات. وربا السنة الثانية مرتين، وعليه أن يستقرض بربا من أجل أن يبذر للسنة الثالثة. ويستغل المرابون احتياجه، فيرفعون سعر الربا فإلى أي حد- لو جاء موسم جيد- يستطيع أن يفي بما استقرض، وبرباه، وبنفقات عياله. إن ثمرات جهده، خلال السنين تذهب إلى صندوق المرابي دون مقابل من جهد شخصي، ودون أن يتحمل رأس المال في مقابل ربحه، أي شيء من الخسارة. والمثال الثاني: نفرض أن مرابيا واحدا كان موجودا ببلد، واحتاج الناس أن يستقرضوا من هذا المرابي بالربا. ولنفرض أنه يملك عشرين مليونا. وأقرض بالربا بأرخص الأسعار. وليكن بخمسة بالمائة. فإذا ما أقرض العشرين مليونا، فإن العشرين تصبح خلال سنة واحدا وعشرين مليونا، وفي سنة ثانية، وثالثة .. وكل ذلك وهو جالس. ورأس المال مضمون الربح. ولا يتحمل أي خسارة. والجميع يجهدون. فإذا استمر الأمر. فلا بد أن يأتي يوم، تصبح فيه كل رءوس الأموال في البلد في صندوق المرابي، والجميع مدينون له.

стр. 621

ولا يستطيعون وفاء. فإما أن يثوروا، ويقتلوه، وينهبوا ماله. وإما أن يصبحوا أجراء، عبيدا عنده. وفي كل حالة فإن المسألة، هكذا. المستدينون بالربا يكدحون، ويشقون، ليملئوا خزينة المرابي، فإذا ما طبقنا هذا على مستوى عالمي كبير، أو على مستوى صغير نجد أن مآل الربا خطير، عدا عن كونه يمثل تصرفا وحشيا من قبل المرابي إذ لا يستقرض الإنسان بالربا إلا وهو محتاج. وقد استغل المرابي احتياج هذا الإنسان بوحشية وجشع وطمع، بدلا من أن يرحمه فيساعده، أو يقرضه. أو على الأقل أن يتعامل معه بمنطق المضاربة، أو السلم كما سنرى. ومن ثم فقد حرم الربا في الإسلام تحريما قطعيا. وقد رأينا أن أدنى أبوابه، كأن يزني الرجل بأمه. وفي الحديث: «درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم، أشد من ستة وثلاثين زنية». أخرجه الإمام أحمد والطبراني في الكبير. المعنى الحرفي للمجموعة الأولى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إذا بعثوا من قبورهم. إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ: المس: الجنون. والخبط: هو الضرب على غير استواء، كخبط العشواء. والمعنى: أنهم يقومون يوم القيامة مختلين كالمصروعين. تلك سيماهم، يعرفون بها عند أهل الموقف. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا أي: ذلك العقاب بسبب أنهم قالوا إنما البيع مثل الربا. ولم يقل إنما الربا مثل البيع، مع أن الكلام في الربا لا في البيع، لأنه جئ به على طريقة المبالغة. وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا، أنهم جعلوه أصلا، وقانونا في البيع، حتى شبهوا به البيع. وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ، وَحَرَّمَ الرِّبا: هذا إنكار لتسويتهم بينهما. إذ الحل مع الحرمة ضدان. فأنى يتماثلان. وفي هذا النص دليل على أن القياس يهدمه النص. لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم، إحلال الله وتحريمه. فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ أي: فمن بلغه وعظ من الله، وزجر بالنهي عن الربا، فتبع النهي وانتهى، فلا يؤاخذ بما مضى منه. لأنه أخذ قبل نزول التحريم. وأمره إلى الله، يحكم في شأنه يوم القيامة. وليس من أمره إليكم من شئ، فلا تطالبوه به. وفي هذا بعث لهمة هؤلاء كي ينفقوا. وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ أي: ومن عاد إلى الربا

стр. 622

مستحلا له، فأولئك أصحاب النار خالدون فيها لأنهم بالاستحلال صاروا كافرين. لأن من أحل ما حرم الله عليه فهو كافر. فلذا استحق الخلود. أما من لم يستحل، وتاب، فأرجع ما أخذه من ربا إلى أهله، أو أنفقه- لا بنية القربة- إن لم يعلم أصحابه. فالمرجو أن يتوب الله عليه. ومن لم يستحل، ولم يتب، فأمره إلى الله. إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه. يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا أي: يذهب ببركته، ويهلك المال الذي يدخل فيه. وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ. أي: ينميها، ويزيدها. أي يزيد المال الذي أخرجت منه الصدقة، ويبارك فيه. وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ. أي: لا يحب كل عظيم الكفر، باستحلال الربا، متماد بالإثم بأكله. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ أي: إذا اجتمعت لهم هذه المعاني كلها. لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. فوائد: ١ - روى البخاري عن ابن عباس قال: «آخر ما نزل على رسول الله ﷺ آية الربا». وروى البخاري عن عائشة قالت: «لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا، قرأها رسول الله ﷺ على الناس ثم حرم التجارة في الخمر». وما الصلة بين الربا، وتحريم التجارة في الخمر؟. قالوا: لما حرم الربا ووسائله، حرم الخمر وما يفضي إليه. ٢ - قال ﵊ يوم فتح مكة: «وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين. وأول ربا أضع، ربا العباس». قال ابن كثير: ولم يأمرهم برد الزيادات المأخوذة في حل الجاهلية بل عفا عما سلف. وبهذه المناسبة نتساءل: هل الحكم اللاحق، مسئول عن رد المظالم التي حدثت في عهد سابق، ومحاسبة من خالفوا أمر الله في عهد سابق؟. يبدو أن الدولة الإسلامية أمامها خيارات واسعة في هذا الشأن. ٣ - روى الإمام أحمد، وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الربا وإن كثر فإن عاقبته

стр. 623

تصير إلى قل». ٤ - روى مسلم، والترمذي، والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب- ولا يصعد إلى الله إلا الطيب- فإن الله يقبلها بيمينه، فيربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى يكون مثل أحد». ولننتقل إلى المجموعة الثانية في فقرة الربا: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ* وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ* وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ. المعنى العام: في الآية الأولى يأمر الله المؤمنين بتقواه، وينهاهم عما يقربهم من سخطه ويبعدهم عن رضاه، بأن يخافوه، ويراقبوه فيما يفعلون. وأن يتركوا ما لهم على الناس من زيادة على رءوس الأموال في حالة ابتلائهم بالربا، ومخالطتهم له إن كانوا مؤمنين بما شرع الله لهم من تحليل البيع وتحريم الربا، وغير ذلك. وفي الآية الثانية تهديد شديد، ووعيد أكيد لمن استمر على تعاطي الربا بعد الإنذار، بأن أعلن على أصحاب ذلك الحرب من الله ورسوله، والحرب من رسول الله، حرب عقوبة دنيوية، ولذلك قال ابن عباس: فمن كان مقيما على الربا لا ينزع عنه، كان حقا على إمام المسلمين أن يستتيبه. فإن نزع، وإلا ضرب عنقه. والحرب من الله، مظهرها العقوبة الربانية في الدنيا، والعقوبة الأخروية. قال ابن عباس: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب. ثم بين الله أن من تاب فله رأس ماله فقط. لا يظلم بأخذ زيادة، ولا يظلم بأن ينقص من رأس ماله. وفي الآية الثالثة يأمر تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء. لا كما كان أهل الجاهلية يفعلون. يقول أحدهم لمدينه إذا حل عليه الدين: إما أن تقضي، وإما أن تربي.

стр. 624

ثم ندب الله إلى أكثر من ذلك. وهو أن يترك الدائن رأس المال بالكلية. ووعد على الوضع عنه، الخير والثواب الجزيل. وفي الآية الأخيرة في الفقرة، يعظ الله عباده ويذكرهم زوال الدنيا، وفناء ما فيها من الأموال، وغيرها. والمصير إلى الآخرة والرجوع إليه تعالى، ومحاسبته تعالى خلقه على ما عملوا، ومجازاته إياهم بما كسبوا من خير وشر، ويحذرهم عقوبته. المعنى الحرفي: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا أي: يا أيها الذين آمنوا، خافوا الله، واتركوا بقايا الربا، ولا تطالبوا بها. فإذا كانت بقايا الربا قبل التحريم يجب أن تترك. فمن باب أولى أن تستأصل معاني الربا، وألا تستأنف أبدا. إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي: إن كنتم مؤمنين، كاملي الإيمان، فإن دليل كماله، امتثال المأمور به. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا. أي: فإن لم تتركوا بقايا الربا. فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: أي: فاعملوا مستيقنين بحرب الله، ورسوله. وإنما قال بحرب من الله ورسوله، ولم يقل بحرب الله ورسوله، لأن الأول أبلغ. لأن المعنى: فأذنوا بنوع من الحرب عظيم من عند الله ورسوله. وَإِنْ تُبْتُمْ: من ممارسة الربا. فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ المديونين بطلب الزيادة عليها. وَلا تُظْلَمُونَ: بالنقصان منها. فوائد: ١ - ذكر زيد بن أسلم أن هذا السياق نزل في بني عمرو بن عمير بن ثقيف، وبني المغيرة، من بني مخزوم. كان بينهم ربا في الجاهلية. فلما جاء الإسلام، ودخلوا فيه، طلبت ثقيف أن تأخذه منهم. فتشاوروا، وقالت بنو المغيرة: لا نؤدي الربا في الإسلام بكسب الإسلام. فكتب في ذلك عتاب بن أسيد نائب مكة إلى رسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية. فكتب بها رسول الله ﷺ إليه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. فقالوا: نتوب إلى الله، ونذر ما بقي من الربا. وذكر هذا ابن جريج ومقاتل وابن حبان والسدي.

стр. 625

٢ - قال الحسن وابن سيرين: «والله إن هؤلاء الصيارفة، لأكلة الربا، وإنهم قد أوذنوا بحرب من الله ورسوله. ولو كان على الناس إمام عادل لاستتابهم. فإن تابوا، وإلا وضع فيهم السلاح» أقول: اجعل هذا الكلام في عصرنا في أصحاب البنوك الربوية، والأنظمة التي تحميها. ٣ - قال قتادة تعليقا على آية: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: أوعدهم الله بالقتل كما يسمعون. وجعلهم بهرجا أين ما كانوا، فإياكم ومخالطة هذه البيوع من الربا. فإن الله قد أوسع الحلال وأطابه. فلا يلجئنكم إلى معصية فاقة. ٤ - من روايات خطبة الوداع أن رسول الله ﷺ قال: «ألا إن كل ربا كان في الجاهلية موضوع عنكم كله. لكم رءوس أموالكم، لا تظلمون، ولا تظلمون. وأول ربا موضوع، ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله». وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ ذو العسرة أي: ذو الإعسار. أي: وإن وقع غريم من غرمائكم في الإعسار. فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ أي: فالحكم إنظاره إلى يساره. وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ أي: وإن تتصدقوا برءوس أموالكم، أو ببعضها على من أعسر من غرمائكم خير لكم يوم القيامة. إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ للعلم هنا مدلول أوسع من مدلوله النظري. المراد به هنا: العلم الذي يرافقه العمل. فصار التقدير: وتصدقكم خير لكم إن كان عندكم علم بخيرية هذا عند الله، فتعملون به. فوائد: ١ - روى الطبراني عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سره أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظله، فلييسر على معسر، أو ليضع عنه». وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة. ٢ - روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «كان تاجر يداين الناس

стр. 626

فإذا رأى معسرا، قال لفتيانه، تجاوزوا عنه، لعل الله يتجاوز عنا. فتجاوز الله عنه». ٣ - روى الإمام أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من أراد أن تستجاب دعوته، وأن تكشف كربته، فليفرج عن معسر». ٤ - روي الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «من انظر معسرا إلى ميسرته، أنظره الله بذنبه إلى توبته». ومن حديث رواه ابن عباس، وأخرجه الإمام أحمد قوله ﷺ : «من انظر معسرا، أو وضع عنه، وقاه الله من فيح جهنم». ٥ - روى الإمام أحمد عن بريدة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «من انظر معسرا فله بكل يوم مثله صدقة». قال: ثم سمعته يقول: «من انظر معسرا فله بكل يوم مثلاه صدقة». قلت: سمعتك يا رسول الله تقول: من انظر معسرا فله بكل يوم مثله صدقة. ثم سمعتك تقول: من انظر معسرا فله بكل يوم مثلاه صدقة، قال له بكل يوم مثله صدقة قبل أن يحل الدين. فإذا حل الدين فأنظره، فله بكل يوم مثلاه صدقة» وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ. أي: توفى جزاء ما عملت. وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ. أي: بنقصان الحسنات، وزيادة السيئات. فائدة: القول الراجح عند العلماء، أن هذه الآية آخر آية نزلت من كتاب الله. قال ابن جريج: يقولون إن النبي ﷺ عاش بعدها تسع ليال، وبدئ يوم السبت، ومات يوم الاثنين. وروي مثله عن سعيد بن جبير وفي رواية عن ابن عباس بعد أن ذكر أنها آخر ما نزل أن بين نزولها، وموت النبي ﷺ واحدا وثلاثين يوما. فوائد من الظلال حول فقرة الربا: - ١ - إن الربا الذي كان معروفا في الجاهلية والذي نزلت هذه الآيات وغيرها لإبطاله ابتداء كانت له صورتان رئيسيتان: ربا النسيئة، وربا الفضل.

стр. 627

فأما ربا النسيئة فقد قال عنه قتادة: «إن ربا أهل الجاهلية يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى، فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء زاده وأخر عنه». وقال مجاهد: «كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدين، فيقول: لك كذا وكذا وتؤخر عني. فيؤخر عنه». وقال أبو بكر الجصاص: «إنه معلوم أن ربا الجاهلية إنما كان قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة. فكانت الزيادة بدلا من الأجل. فأبطله الله تعالى». وقال الإمام الرازي في تفسيره: «إن ربا النسيئة هو الذي كان مشهورا في الجاهلية لأن الواحد منهم كان يدفع ماله لغيره إلى أجل، على أن يأخذ منه كل شهر قدرا معينا، ورأس المال باق بحاله. فإذا حل طالبه برأس ماله. فإن تعذر عليه الأداء زاده في الحق والأجل». وقد ورد في حديث أسامة بن زيد- ﵄ أن النبي- ﷺ قال: «لا ربا إلا في النسيئة» (رواه البخاري ومسلم). أما ربا الفضل فهو أن يبيع الرجل الشئ بالشئ من نوعه مع زيادة. كبيع الذهب بالذهب. والدراهم بالدراهم. والقمح بالقمح. والشعير بالشعير .. وهكذا .. وقد ألحق هذا النوع بالربا لما فيه من شبه به؛ ولما يصاحبه من مشاعر مشابهة للمشاعر المصاحبة لعملية الربا .. وهذه النقطة شديدة الأهمية لنا في الكلام عن العمليات الحاضرة .. عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح .. مثلا بمثل .. يدا بيد .. فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» ... (رواه الشيخان) وعن أبي سعيد الخدري أيضا قال: جاء بلال إلى النبي ﷺ بتمر برني فقال له النبي ﷺ «من أين هذا؟» قال: كان عندنا تمر ردئ فبعت منه صاعين بصاع. فقال: «أوه! عين الربا. عين الربا. لا تفعل. ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر، ثم اشتر به». (متفق عليه) فأما النوع الأول فالربا ظاهر فيه لا يحتاج إلى بيان، إذ تتوافر فيه العناصر الأساسية لكل عملية ربوية. وهي: الزيادة على أصل المال. والأجل الذي من أجله تؤدى هذه الزيادة. وكون هذه الفائدة شرطا مضمونا

стр. 628

في التعاقد. أي ولادة المال للمال بسبب المدة ليس إلا .. وأما النوع الثاني، فمما لا شك فيه أن هناك فروقا أساسية في الشيئين المتماثلين هي التي تقتضي الزيادة. وذلك واضح في حادثة بلال حين أعطى صاعين من تمره الردئ وأخذ صاعا من التمر الجيد .. ولكن لأن تماثل النوعين في الجنس يخلق شبهة أن هناك عملية ربوية إذ يلد التمر التمر، فقد وصفه ﷺ بالربا، ونهى عنه. وأمر ببيع الصنف المراد استبداله بالنقد. ثم شراء الصنف المطلوب بالنقد أيضا. إبعادا لشبح الربا من العملية تماما! .. وكذلك شرط القبض: «يدا بيد» .. كيلا يكون التأجيل في بيع المثل بالمثل، ولو من غير زيادة، فيه شبح من الربا، وعنصر من عناصره! إلى هذا بلغت حساسية الرسول ﷺ بشبح الربا في أية عملية. وبلغت حكمته في علاج عقلية الربا التي كانت سائدة في الجاهلية. فأما اليوم فيريد بعض المهزومين أمام التصورات الرأسمالية الغربية والنظم الرأسمالية الغربية أن يقصروا التحريم على صورة واحدة من صور الربا- ربا النسيئة- بالاستناد إلى حديث أسامة ﵁، وإلى وصف السلف للعمليات الربوية في الجاهلية وأن يحلوا- دينيا- وباسم الإسلام! - الصور الأخرى المستحدثة التي لا تنطبق في حرفية منها على ربا الجاهلية! ولكن هذه المحاولة لا تزيد على أن تكون ظاهرة من ظواهر الهزيمة الروحية والعقلية .. فالإسلام ليس نظام شكليات. إنما هو نظام يقوم على تصور أصيل. فهو حين حرم الربا لم يكن يحرم صورة منه دون صورة. إنما كان يناهض تصورا يخالف تصوره، ويحارب عقلية لا تتمشى مع (أحكامه). وكان شديد الحساسية في هذا إلى حد تحريم ربا الفضل إبعادا لشبح العقلية الربوية والمشاعر الربوية من بعيد جدا. ومن ثم فإن كل عملية ربوية حرام. سواء جاءت في الصور التي عرفتها الجاهلية أم استحدثت لها أشكال جديدة. ما دامت تتضمن العناصر الأساسية للعملية الربوية، أو تتسم بسمة العقلية الربوية .. وهي عقلية الأثرة والجشع والفردية والمقامرة. وما دام يتلبس بها ذلك الشعور الخبيث. شعور الحصول على الربح بأية وسيلة! (٢) وبمناسبة قوله تعالى فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يقول

стр. 629

صاحب الظلال: «فهذه الحرب معلنة- كما قال أصدق القائلين- على كل مجتمع يجعل الربا قاعدة نظامه الاقتصادي والاجتماعي. هذه الحرب معلنة في صورتها الشاملة الداهمة الغامرة. وهي حرب على الأعصاب والقلوب. وحرب على البركة والرخاء. وحرب على السعادة والطمأنينة .. حرب يسلط الله فيها بعض العصاة لنظامه ومنهجه على بعض. حرب المطاردة والمشاكسة. حرب الغبن والظلم. حرب القلق والخوف .. وأخيرا حرب السلاح بين الأمم والجيوش والدول. الحرب الساحقة الماحقة التي تنشأ من جرائم النظام الربوي المقيت. فالمرابون أصحاب رءوس الأموال العالمية هم الذين يوقدون هذه الحروب مباشرة أو عن طريق غير مباشر. وهم يلقون شباكهم فتقع فيها الشركات والصناعات. ثم تقع فيها الشعوب والحكومات. ثم يتزاحمون على الفرائس فتقوم الحرب! أو يزحفون وراء أموالهم بقوة حكوماتهم وجيوشها فتقوم الحرب، أو يثقل عبء الضرائب والتكاليف لسداد فوائد ديونهم، فيعم الفقر والسخط بين الكادحين والمنتجين، فيفتحون قلوبهم للدعوات الهدامة فتقوم الحرب! وأيسر ما يقع- إن لم يقع هذا كله- هو خراب النفوس، وانهيار الأخلاق، وانطلاق سعار الشهوات، وتحطيم الكيان البشري من أساسه، وتدميره بما لا تبلغه أفظع الحروب الذرية الرهيبة. إنها الحرب المشبوبة دائما. وقد أعلنها الله على المتعاملين بالربا .. وهي مسعرة الآن؛ تأكل الأخضر واليابس في حياة البشرية الضالة؛ وهي غافلة تحسب أنها تكسب وتتقدم كلما رأت الإنتاج المادي الذي تخرجه المصانع .. وكانت هذه التلال حرية بأن تسعد البشر لو أنها نشأت من منبت زكي طاهر؛ ولكنها- وهي تخرج من منبت الربا الملوث- لا تمثل سوى ركام يخنق أنفاس البشرية، ويسحقها سحقا، في حين تجلس فوقه شرذمة المرابين العالميين، لا تحس آلام البشرية المسحوقة تحت هذا الركام الملعون! .. - ٣ - فأما تنمية المال فلها وسائلها الأخرى البريئة النظيفة. لها وسيلة الجهد الفردي، ووسيلة المشاركة على طريقة المضاربة وهي إعطاء المال لمن يعمل فيه، ومقاسمته الربح والخسارة، ووسيلة الشركات التى تطرح أسهمها مباشرة في السوق- بدون سندات

стр. 630

تأسيس تستأثر بمعظم الربح- وتناول الأرباح الحلال من هذا الوجه، ووسيلة إيداعها في المصارف بدون فائدة- على أن تساهم بها المصارف في الشركات والصناعات والأعمال التجارية مباشرة أو غير مباشرة- ولا تعطيها بالفائدة الثابتة- ثم مقاسمة المودعين الربح على نظام معين أو الخسارة إذا فرض ووقعت .. وللمصارف أن تتناول قدرا من الأجر في نظير إدارتها لهذه الأموال .. ووسائل أخرى كثيرة ليس هنا مجال تفصيلها .. وهي ممكنة وميسرة حين تؤمن القلوب، وتصح النيات على ورود المورد النظيف الطاهر، وتجنب المورد العفن النتن الآسن.

стр. 631

الفقرة الثالثة من المقطع الثاني من القسم الثالث إذ حرم الله الربا، فقد فتح أبوابا، تحل محل الربا المحرم. من ذلك بيع السلم. ومن ذلك القرض المضمون بالرهن، أو بالكفيل، أو بذمة الدولة. ومن ذلك شركة المضاربة. والذين يفرضون الربا على هذه الأمة، المحاربون لله ورسوله هؤلاء- زيادة على كونهم يثبتون إثمهم، وحربهم لله ورسوله بذلك- فإنهم يثبتون عجزهم كذلك عن التفكير. فلو أن حكومة من الحكومات، انطلقت من خلال مصارف شركة المضاربة. ومن خلال مصارف السلم. ومن خلال مصارف القرض الحسن. ثم لو حاولت أن توجد صيغ التعامل مع العالم الخارجي على أسس إسلامية مستمدة من كل المدارس الفقهية لكان الوضع مختلفا. لكن العجز عن التفكير، والعجز عن التنفيذ، والجهل والتقليد، وأشياء أخرى، كلها حالت دون قيام ذلك. ونرجو أن يتم ذلك كله في المستقبل. تأتي هذه الفقرة بعد آيات الربا لتذكر البديل عن الربا من ناحية، ولتذكر نموذجا على المعاملات المنضبطة في النظام الإسلامي من ناحية. وهي تكمل موضوع الدخول في الإسلام كله من خلال تبيان أحكام الإسلام، والتربية على الالتزام. تتألف الفقرة من آيتين في الدين وآية فيها إعلان المالكية لله والمحاسبة. والآية الأخيرة بمثابة درس الختام للفقرة، وللمقطع، وللقسم. فهي خاتمة الفقرة من حيث إن الفقرة توجيه في أمر المال الذي هو ملك الله. ومن حيث إن الدين مظنة الهلاك. فالتذكير بمحاسبة الله، يناسب ذلك. وهي بمثابة درس الختام في المقطع. إذ إن المقطع بدأ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ. فإن يختم المقطع بالتذكير بمالكية الله، فذلك هو المناسب. وهي بمثابة درس الختام في القسم الذي يدعو إلى الدخول في الإسلام كله، لتذكر بمالكية الله لنا وحسابه إيانا، فنقيم شرعه، ودينه كاملا.

стр. 632

الفقرة الثالثة: تمتد الفقرة بآياتها الثلاث من الآية (٢٨٢) إلى نهاية (٢٨٤). وهذه هي: [سورة البقرة (٢): الآيات ٢٨٢ الى ٢٨٤] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣) لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)

стр. 633

كلمة في هذه الفقرة: بهذه الآيات ينتهي القسم الأخير من سورة البقرة. ولم يبق إلا خاتمتها والصلة بين هذه الفقرة وما قبلها واضحة. هي صلة القضايا المالية ببعضها. فالفقرة الأولى في الإنفاق، والفقرة الثانية فيما يقابله وهو الربا. وهذه الفقرة في ضبط التعامل بين الناس في الديون والبيوع. ويختم هذا القسم بالإعلان أن الله هو مالك ما في السموات وما في الأرض. فيتصرف الإنسان في ملكه ضمن ما أمر. وليكون ظاهر الإنسان وباطنه مستقيما على أمر الله. لأن الله سيحاسبه على الظاهر والباطن. وقدرة الله محيطة بكل شئ المعنى العام: - الآية الأولى هي آية الدين وهي أطول آية في كتاب الله. وفي الآية إرشاد لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها، وأضبط للشاهد فيها. ومما يدخل في المعاملات المؤجلة بيع السلف، أو السلم المشهور. حتى إن ابن عباس اعتبر الآية فيه. والأمر بكتابة الدين أمر إرشاد لا أمر إيجاب كما ذهب إليه بعضهم. وأمر أن يتولى الكتابة كاتب. وأمر لهذا الكاتب أن يكتب بالعدل. والقسط، والحق. ولا يجور في كتابته على أحد. ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه من غير زيادة ولا نقصان. ثم أمر من يعرف الكتابة ألا يمتنع من الكتابة إذا سئل أن يكتب للناس، إذا لم يترتب على ذلك ضرر يصيبه. فكما علمه الله ما لم يعلم، فليتصدق على غيره ممن لا يحسن الكتابة. ثم أعطي حق الإملاء على الكاتب للمدين، وأمر المدين أن يذكر ما في ذمته من الدين كاملا فلا ينقص منه شيئا وليتق الله في ذلك. وفي الحالات التي يكون فيها المدين محجورا عليه، أو صغيرا، أو مجنونا، أو عيا، أو جاهلا لا يعرف الخطأ من الصواب، فقد أعطي حق الإملاء لوليه، وأمر وليه أن يملي

стр. 634

بالعدل والقسط. ثم أمر بالإشهاد مع الكتابة لزيادة التوثيق. وأمر أن يكون الشهود إما رجلين، أو رجلا وامرأتين. وهذا النوع من الشهود، إنما يكون في الأموال، وما يقصد به الأموال. وأقيمت المرأتان مقام الرجل في هذا الباب لاحتمال نسيان إحداهما، فتحتاج إلى أخرى من جنسها، تذكرها. إذ قد لا يتاح دائما للرجل أن يخلو بها. ليذكرها، لعدم كونه محرما، والمرأة أقدر على تذكير المرأة، ثم أمر الله أن يكون الشهود عدولا، وطالب المسلمين إذا دعوا لتحمل الشهادة أن يستجيبوا ومن ثم قال الجمهور إن تحمل الشهادة فرض كفاية. ومن شهد ودعي لأداء الشهادة، فقد فرض عليه أداؤها وتكون الشهادة فرض عين على إنسان إذا تعين لإثبات الحق. ثم أتم الله إرشاده بأن أمر بكتابة الحق صغيرا كان أو كبيرا إلى الأجل المحدد. ونهانا عن السآمة والملل في ذلك. ثم بين الحكمة من الأمر بالكتابة والإشهاد، وغير ذلك مما مر بأن هذا أعدل، وأثبت للشاهد. إذ إنه حين يرى خطة يتذكر فلا ينسى. وأن هذا أقرب إلى عدم الريبة. ثم إن الأمر بالكتابة لا يدخل فيه بيع الحاضر يدا بيد. فلا بأس بعدم الكتابة، لانتفاء المحذور في تركها. وفي هذا دليل على أن بيع السلم يدخل في الأمر بالكتابة. ثم أمر الله على سبيل الندب، والإرشاد بالإشهاد على كل بيع. وليست المسألة من باب الوجوب. ثم نهى الكاتب والشاهد أن يضرا أحدا. بأن يكتب الأول خلاف ما أملي عليه. وأن يشهد الثاني بخلاف ما سمع. أو يكتم الحق. أو أن المراد بالنهي، عدم الإضرار بالكاتب، والشهيد بأن يحملا على الكتابة، أو الشهادة في وقت، أو في حال يضر بهما. ثم بين تعالى أنه إن وقعنا في مخالفة ما أمرنا به، أو نهينا عنه، فإنه فسق كائن بنا، ولازم لنا، لا نحيد عنه، ولا ننفك عنه، ثم أمر بتقواه. وذلك بالخوف منه، ومراقبته، واتباع أوامره. ووعدنا على التقوى أن يعلمنا، وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها، وعواقبها. فلا يخفى عليه شئ من الأشياء. بل علمه محيط بجميع الكائنات. فإذا تولى تعليمنا، فذلك الخير كل الخير لنا. وفي الآية الثانية. أرشدنا الله- إلى أنه في حالة كوننا مسافرين، وتداينا إلى أجل مسمى، ولم نجد كاتبا يكتب لنا، أو لم نجد أدوات الكتابة، فليكن بدل الكتابة، رهان مقبوضة في يد صاحب الحق، ثم بين الله- حكما عاما، وهو أنه في حالة ائتمان بعضنا بعضا، فلا بأس ألا نكتب، وألا نشهد. ولكن على من اؤتمن، أن يؤدي الأمانة، وأن يخشى الله ويتقيه. ثم نهانا أن نخفي الشهادة،

стр. 635

فلا نظهرها عند الاحتياج إليها، أو عند الطلب منا أن نؤديها. ثم بين أن من يكتم الشهادة فذلك دليل فجور قلبه، ثم هددنا بأن الله يعلم أعمالنا كلها. فلنحرر أعمالنا على مقتضى شرعه. ثم يختتم هذا القسم كله بالآية الثالثة. فيخبر الله تعالى فيها أن له ملك السموات والأرض وما فيهن، وما بينهن. وأنه المطلع على ما فيهن، لا تخفى عليه الظواهر ولا السرائر، والضمائر، وإن دقت وخفيت. وأخبر أنه سيحاسب عباده على ما فعلوه، وما أخفوه في صدورهم فيعذب من يشاء، ويغفر لمن يشاء وأنه على هذا وغيره قادر. فإذا عرفنا أن هذه الآية ختام هذا المقطع، عرفنا صلتها بفقراته كلها. فما بين قوله تعالى في أول هذا المقطع: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ ... وبين قوله تعالى في هذه الآية: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ صلة واضحة. وما بين أمره تعالى بالإنفاق في سبيله، وعدم المن والأذى صلة واضحة مع: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ .... وما بين النهي عن الربا، وبين الآية صلة واضحة. فمالك السموات والأرض له أن يحرم، أو يحل. وما بين آية الدين، وما بعدها، وهذه الآية كذلك صلة واضحة. إذ كتمان الشهادة، أو مضارة الشهيد، وأمثال ذلك مرتبط بإبداء ما في الأنفس، أو إخفائه. فائدة حول السياق في هذا المقطع: نستطيع الآن، بعد ذكر المعنى العام لهذه الفقرة- وقبل ذكر المعنى الحرفي- أن نذكر مزيدا من الصلة بين فقرات هذا المقطع فنقول: ١ - إن هذا المقطع يمثل التوجيهات الربانية الرئيسية في موضوع الاقتصاد الإسلامي الذي يقوم على مبدأ الصدقات الإجبارية والطوعية، والذي يقوم على أساس غير ربوي، والذي يقوم على أسس ضبط التعامل بين الناس على مبادئ العدل والحق، والذي يقوم على أساس الاعتراف لله بمالكيته لكل شئ. هذا الاقتصاد الذي يقوم على أساس تربية الضمير والوجدان. ٢ - إن ذكر فقرة عن الربا بين آيات الإنفاق وآية الدين ذو مغزى كبير إذ من هذا السياق ندرك البديل عن النظام الربوي. إن الله الذي حرم الربا، فتح للمسلمين طرق الخلاص منه. هذه الطرق إذا وجدت بشكل عفوي قضت على الربا،
следующие страницы →