← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.

стр. 5706

فقال ابن عباس: آخر الأجلين قلت أنا: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي- يعني أبا سلمة- فأرسل ابن عباس غلامه كريبا إلى أم سلمة يسألها فقالت: قتل زوج سبيعة الأسلمية وهي حبلى فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت فأنكحها رسول الله ﷺ ، وكان أبو السنابل فيمن خطبها، هكذا أورد البخاري هذا الحديث ههنا مختصرا وقد رواه هو ومسلم وأصحاب الكتب مطولا من وجوه أخر، وروى الإمام أحمد عن المسور بن مخرمة أن سبيعة الأسلمية توفي عنها زوجها وهي حامل، فلم تمكث إلا ليالي حتى وضعت، فلما تعلت من نفاسها خطبت، فاستأذنت رسول الله ﷺ في النكاح فأذن لها أن تنكح فنكحت، ورواه البخاري في صحيحه ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه من طرق عنها كما روى مسلم بن الحجاج عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن أباه كتب إلى عمر بن عبد الله الأرقم الزهري يأمره أن يدخل على سبيعة بنت الحارث الأسلمية فيسألها عن حديثها، وعما قال لها رسول الله ﷺ حين استفتته، فكتب عمر بن عبد الله يخبره أن سبيعة أخبرته أنها كانت تحت سعد بن خولة، وكان ممن شهد بدرا فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك فقال لها: مالي أراك متجملة؟ لعلك ترجين النكاح، إنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر، قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي حين أمسيت فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي. هذا لفظ مسلم ورواه البخاري مختصرا). ٦ - بمناسبة قوله تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ قال ابن كثير: (روى ابن جرير عن أبي سنان قال سأل عمر ابن الخطاب عن أبي عبيدة فقيل: إنه يلبس الغليظ من الثياب، ويأكل أخشن الطعام، فبعث إليه بألف دينار، وقال للرسول: انظر ما يصنع بها إذا هو أخذها؟ فما لبث أن لبس اللين من الثياب، وأكل أطيب الطعام، فجاءه الرسول فأخبره فقال: رحمه الله تعالى تأول هذه الآية لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ). ٧ - بمناسبة قوله تعالى: سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً قال ابن كثير:

стр. 5707

(وقد روى الإمام أحمد حديثا يحسن أن نذكره ههنا فروى عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما رجل وامرأة له في السلف الخالي لا يقدرون على شئ، فجاء الرجل من سفره فدخل على امرأته جائعا قد أصابته مسبغة شديدة، فقال لامرأته: عندك شئ؟ قالت: نعم أبشر أتانا رزق الله، فاستحثها فقال: ويحك ابتغي إن كان عندك شئ، قالت: نعم، هنيهة، ترجو رحمة الله، حتى إذا طال عليه الطول، قال: ويحك قومي فابتغي إن كان عندك شئ فائتني به؛ فإني قد بلغت وجهدت، فقالت: نعم، الآن نفتح التنور فلا تعجل، فلما أن سكت عنها ساعة، وتحينت أن يقول لها قالت: من عند نفسها لو قمت فنظرت إلى تنوري، فقامت فنظرت إلى تنورها ملآن من جنوب الغنم، ورحييها تطحنان، فقامت إلى الرحى فنفضتها، واستخرجت ما في تنورها من جنوب الغنم، قال أبو هريرة: فو الذي نفس أبي القاسم بيده هو قول محمد ﷺ : «لو أخذت ما في رحييها ولم تنفضها لطحنتا إلى يوم القيامة». وروى في موضع آخر ... عن أبي هريرة قال: دخل رجل على أهله فلما رأى ما بهم من الحاجة خرج إلى البرية، فلما رأت امرأته قامت إلى الرحى فوضعتها، وإلى التنور فسجرته، ثم قالت: اللهم ارزقنا، فنظرت، فإذا الجفنة قد امتلأت، قال: وذهبت إلى التنور فوجدته ممتلئا، قال فرجع الزوج فقال: أصبتم بعدي شيئا؟ قالت امرأته: نعم من ربنا، فأم إلى الرحى فذكر للنبي ﷺ فقال النبي ﷺ : «أما إنه لو لم ترفعها لم تزل تدور إلى يوم القيامة»). ٨ - بمناسبة قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَ قال صاحب الظلال: (وبين هذه السماوات السبع والأرض أو الأرضين السبع يتنزل أمر الله- ومنه هذا الأمر الذي هم بصدده في هذا السياق. فهو أمر هائل إذن، حتى بمقاييس البشر وتصوراتهم في المكان والزمان بقدر ما يطيقون التصور. والمخالفة عنه مخالفة عن أمر تتجاوب به أقطار السماوات والأرضين، ويتسامع به الملأ الأعلى وخلق الله الآخرون في السماوات والأرضين. فهي مخالفة بلقاء شنعاء، لا يقدم عليها ذو عقل مؤمن، جاءه رسول يتلو عليه آيات الله مبينات، ويبين له هذا الأمر، ليخرجه من الظلمات إلى النور). ***

стр. 5708

كلمة أخيرة في سورة الطلاق: إن الشئ الذي نلفت إليه النظر في هذه الكلمة عن سورة الطلاق هو ما نجده في هذه السورة من إعجاز واضح، فالسورة تحدثت عن أحكام شرعية غزيرة، وعبرت عنها بما رأيناه، فليتأمل المتأملون هل بإمكان بشر أن يصوغ هذه المعاني كلها بمثل هذه الصياغة الدقيقة الجامعة الواسعة المعاني، وبهذا الأسلوب، وبهذه السلاسة، وبهذا الجرس، وبهذا التسلسل، وبهذا البيان، وبما يتفق مع روح القرآن كله، وبما يؤدي دوره ضمن الوحدة القرآنية، هل بإمكان بشر- كائنا من كان- أن يفعل هذا؟ أغنى الصباح عن المصباح، متى احتاج النهار إلى دليل. ولننتقل إلى سورة التحريم. ***

стр. 5709

سورة التحريم وهي السورة السادسة والستون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثالثة من المجموعة الخامسة من قسم المفصل، وهي اثنتا عشرة آية وهي مدنية

стр. 5710

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 5711

بين يدي سورة التحريم: قدم الألوسي لسورة التحريم بقوله: (ويقال لها: سورة المتحرم، وسورة (لم تحرم)، وسورة النبي ﷺ ، وعن ابن الزبير: سورة النساء. والمشهور أنها مدنية، وعن قتادة أن المدني منها إلى رأس العشر، والباقي مكي، وآيها اثنتا عشرة آية بالاتفاق، وهي متواخية مع التي قبلها في الافتتاح بخطاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وتلك مشتملة على طلاق النساء، وهذه على تحريم الإماء، وبينهما من الملابسة ما لا يخفى، ولما كانت تلك في خصام نساء الأمة، ذكر في هذه خصومة نساء المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم إعظاما لمنصبهن أن يذكرن مع سائر النسوة، فأفردن بسورة خاصة، ولذا ختمت بذكر زوجيه صلى الله تعالى عليه وسلم في الجنة آسية امرأة فرعون. ومريم بنت عمران قاله الجلال السيوطي عليه الرحمة). ومن تقديم صاحب الظلال لهذه السورة نقتطف ما يلي: (وهذه السورة تعرض في صدرها صفحة من الحياة البيتية لرسول الله ﷺ وصورة من الانفعالات والاستجابات الإنسانية بين بعض نسائه وبعض، وبينهن وبينه! وانعكاس هذه الانفعالات والاستجابات في حياته ﷺ وفي حياة الجماعة المسلمة كذلك ... ثم في التوجيهات العامة للأمة على ضوء ما وقع في بيوت رسول الله وبين أزواجه). (وهذا الحادث الذي نزل بشأنه صدر هذه السورة هو واحد من تلك الأمثلة التي كانت تقع في حياة الرسول ﷺ وفي حياة أزواجه. وقد وردت بشأنه روايات متعددة ومختلفة سنعرض لها عند استعراض النصوص القرآنية في السورة. بمناسبة هذا الحادث وما ورد فيه من توجيهات. وبخاصة دعوة الزوجتين المتآمرتين فيه إلى التوبة. أعقبه في السورة دعوة إلى التوبة وإلى قيام أصحاب البيوت على بيوتهم بالتربية، ووقاية أنفسهم وأهليهم من النار. كما ورد مشهد الكافرين في هذه النار. واختتمت السورة بالحديث عن امرأة نوح وامرأة لوط، كمثل للكفر في بيت مؤمن. وعن امرأة فرعون كمثل للإيمان في بيت كافر، وكذلك عن مريم ابنة عمران التي تطهرت فتلقت النفخة من روح الله، وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين). ***

стр. 5712

كلمة في سورة التحريم ومحورها: قلنا إن محور سورة التحريم هو محور سورة المائدة أي قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ لاحظ أن سورة المائدة يرد فيها قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ... لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وهذه سورة التحريم تبدأ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ* قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وتأمر سورة التحريم بالتوبة النصوح، وجهاد الكافرين والمنافقين، وصلة ذلك بنقض الميثاق، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، والإفساد في الأرض واضحة، والملاحظ أن آيتي سورة البقرة اللتين قلنا إنهما محور سورة التحريم تبدآن بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا وأن سورة التحريم يرد فيها قوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا* وههنا نحب أن نسجل ملاحظة. في هذه المجموعة وردت سورتان مبدوءتان ب (يا أيها)، وفي المجموعة القادمة سترد سورتان مبدوءتان ب (يا أيها) سورتا المزمل والمدثر، وفي القسم الأول من أقسام القرآن وردت سورتان مبدوءتان بقوله تعالى: يا أَيُّهَا* هما سورتا النساء والمائدة، وقلنا إن محور السورة الأولى من كل هذه السور هو يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... وقلنا إن محور السورة الثانية من كل هذه السور هو إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا والملاحظ أن سورة التحريم يرد فيها ذكر المثل بقوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا ... * وأن سورة المدثر يرد فيها قوله تعالى: وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ لاحظ ذكر المثل ولاحظ المطابقة الحرفية بين قوله تعالى في سورة البقرة عن المثل: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً أليس في وجود مثل هذه المعاني دليل على صحة ما اتجهنا إليه في فهم السياق الكلي للقرآن والوحدة القرآنية، ولنعد إلى الكلام عن سورة التحريم.

стр. 5713

إن لسورة التحريم سياقها الخاص ككل سورة، كما أنها تفصل في محورها، وسنرى ذلك كله بالتفصيل أثناء عرضها. تنقسم السورة إلى فقرتين واضحتين: تبدأ الفقرة الأولى ب يا أَيُّهَا النَّبِيُّ وتنتهي ب يا أَيُّهَا النَّبِيُّ وتبدأ الفقرة الثانية بقوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا. تنتهي الفقرة الأولى بنهاية الآية (٩)، وتنتهي الفقرة الثانية بنهاية السورة. ***

стр. 5714

الفقرة الأولى وتستمر من الآية (١) حتى نهاية الآية (٩) وهذه هي. المجموعة الأولى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة التحريم (٦٦): الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً (٥) المجموعة الثانية [سورة التحريم (٦٦): الآيات ٦ الى ٩] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)

стр. 5715

ملاحظة: لفهم السورة فهما دقيقا يحسن أن نذكر رواية في أسباب النزول تعين على الفهم: قال ابن كثير: (روى ابن جرير عن ابن عباس ﵄ قال: قلت لعمر بن الخطاب: من المرأتان؟ قال: عائشة وحفصة، وكان بدء الحديث في شأن أم إبراهيم مارية، أصابها النبي ﷺ في بيت حفصة في نوبتها فوجدت حفصة فقالت: يا نبي الله لقد جئت إلي شيئا ما جئت إلى أحد من أزواجك في يومي وفي دوري وعلى فراشي قال: «ألا ترضين أحرمها فلا أقربها» قالت: بلى، فحرمها وقال لها: «لا تذكري ذلك لأحد» فذكرته لعائشة فأظهره الله عليه فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ الآيات كلها، فبلغنا أن رسول الله ﵌ كفر عن يمينه وأصاب جاريته، وروى الهيثم بن كليب في مسنده عن ابن عمر عن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ لحفصة: «لا تخبري أحدا وإن أم إبراهيم علي حرام» فقالت: أتحرم ما أحل الله لك؟ قال: «فو الله لا أقربها» قال: فلم يقربها حتى أخبرت عائشة قال: فأنزل الله تعالى قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وهذا إسناد صحيح ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد اختاره الضياء المقدسي في كتابه المستخرج)، وسنرى في الفوائد روايات أخرى في سبب النزول يفيد بعضها أن الذي حرمه الرسول ﷺ على نفسه هو شربه العسل عند زينب بنت جحش زوجته ﵂.

стр. 5716

تفسير المجموعة الأولى من الفقرة الأولى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ من ملك اليمين على حسب الرواية التي نقلناها، أو من شرب العسل عند زينب بنت جحش زوجته ﵊ تَبْتَغِي بالتحريم مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وفي هذا ما فيه، قال النسفي: لأنه ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله وَاللَّهُ غَفُورٌ أي: قد غفر لك فعلتك رَحِيمٌ أي: قد رحمك فلم يؤاخذك به قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ قال النسفي: أي: قد قدر الله لكم ما تحللون به أيمانكم وهي الكفارة، أو قد شرع لكم تحليلها بالكفارة وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ أي: سيدكم ومتولي أموركم. قال النسفي: وقيل: مولاكم أولى بكم من أنفسكم، فكانت نصيحته أنفع لكم من نصائحكم أنفسكم وَهُوَ الْعَلِيمُ بما يصلحكم فيشرعه لكم الْحَكِيمُ فيما أحل وحرم وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ وهي حفصة حَدِيثاً هو تحريمه مارية، أو تحريمه شرب العسل على نفسه عند زينب ﵂ فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ أي: فحين أخبرت به، والتي أخبرتها به هي عائشة ﵂ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ أي: وأطلع الله نبيه ﷺ على إفشائها الحديث على لسان جبريل عَرَّفَ بَعْضَهُ أي: أعلم ببعض الحديث وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فلم يخبر تكرما، قال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ أي: فلما نبأ النبي ﷺ حفصة بما أفشت من السر إلى عائشة قالَتْ حفصة مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ بالسرائر الْخَبِيرُ بالضمائر إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ قال النسفي: خطاب لحفصة وعائشة على طريقة الالتفات ليكون أبلغ في معاتبتهما فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما أي: إن تتوبا إلى الله فقد استمعت قلوبكما لأمر الله استماع قبول وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ أي: وإن تتعاونا عليه بما يسوؤه من الإفراط في الغيرة وإفشاء سره أو في الاستمرار على حاليكما في صنع ما لا يحبه فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ أي: وليه وناصره، وفي ذكر الضمير (هو) إيذان بأنه سبحانه يتولى ذلك بذاته وَجِبْرِيلُ أي: أيضا وليه وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ أي: كذلك أولياؤه، وصالح المؤمنين: هو كل من آمن وعمل صالحا وَالْمَلائِكَةُ على تكاثر عددهم بَعْدَ ذلِكَ أي: بعد نصرة الله وجبريل وصالحي المؤمنين ظَهِيرٌ أي: مظاهرين له، فما يبلغ تظاهر امرأتين على من هؤلاء ظهراؤه عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ قال النسفي: (فإن قلت

стр. 5717

كيف تكون المبدلات خيرا منهن ولم يكن على وجه الأرض نساء خير من أمهات المؤمنين؟ قلت: إذا طلقهن رسول الله ﷺ لإيذائهن إياه لم يبقين على تلك الصفة، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف خيرا منهن) مُسْلِماتٍ أي: داخلات في الإسلام، ومتصفات به، أو مستسلمات لله ورسوله مُؤْمِناتٍ أي: مقرات مخلصات قانِتاتٍ أي: مطيعات تائِباتٍ من الذنوب أو راجعات إلى أمر الله وإلى أمر رسوله ﷺ ، أي: أصبحت التوبة لهن خلقا عابِداتٍ أي: لله بأصناف العبادة من صلاة وذكر سائِحاتٍ أي: صائمات، قال النسفي: (وقيل للصائم سائح لأن السائح لا زاد معه فلا يزال ممسكا إلى أن يجد ما يطعمه فشبه به الصائم في إمساكه إلى أن يجئ وقت إفطاره) أقول: وفي هذه الأوصاف جماع الخيرية في المرأة، فمن ربى امرأة فليحققها بهذه الأوصاف، ومن اختار امرأة فليختر من تجمعت بها هذه الأوصاف؛ فإنها الأوصاف التي حددها الله فيمن يختارها لرسوله ﷺ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً أي: منهن ثيبات ومنهن أبكار، وفي ذلك إشارة إلى أن العبرة في الخصائص لا في الثيوبة والبكارة، هذه الخصائص التي ينبغي أن تفطن لها كل مسلمة فتتحقق بها، وهي كما قال صاحب الظلال: (الإسلام الذي تدل عليه الطاعة والقيام بأوامر الدين. والإيمان الذي يعمر القلب، وعنه ينبثق الإسلام حين يصح ويتكامل. والقنوت وهو الطاعة القلبية. والتوبة وهي الندم على ما وقع من معصية والاتجاه إلى الطاعة. والعبادة وهي أداة الاتصال بالله والتعبير عن العبودية له. والسياحة وهي التأمل والتدبر والتفكر في إبداع الله والسياحة بالقلب في ملكوته). ... كلمة في السياق: ١ - مجئ هذه الآيات بعد سورة الطلاق واضح الدلالة ففي الآيات نموذج على حالة يحسن معها الطلاق حتى من أعظم الناس، وأكملهم رسول الله ﷺ ، ومجئ هذه الآيات في المجموعة التي مقدمتها سورة التغابن- السورة التي نصت على قوله تعالى: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ- واضح الحكمة، إذ الآيات هنا تشير إلى مظهر من مظاهر الخطأ ترتكبه حتى أعظم النساء، وأكرمهن في حق الزوج حتى ولو كان هو رسول الله ﷺ . ٢ - رأينا في الآيات فظاعة أن تفشي المرأة سر زوجها، مهما كان هذا السر،

стр. 5718

ورأينا تأديب الله لمن يفعل ذلك، ورأينا الخصائص العليا التي ينبغي أن تتحقق بها الزوجة المثلى، وفي ذلك درس لأزواج رسول الله ﷺ أن يكن كذلك، ولفت نظر لكل مسلم أن يربي على هذا، وأن يختار مثل هؤلاء، والتسلسل على الشكل التالي: حادثة حدثت رتب عليها رسول الله ﷺ ما رتب واستكتم، فعاتبه الله على ما رتبه، وعاتب من أفشى سره، وشدد في العقاب، وطالب بالتوبة، ورفع الهمة إلى معان، كل ذلك مع غيره رأيناه في المجموعة. ٣ - ما صلة هذه المجموعة بمحور السورة؟ في المجموعة عتاب على تحريم الحلال، وتبيان للمخرج منه بأن يعتبر يمينا ويكفر عنه، وفي ذلك إنكار على صيغة من صيغ التوثيق، وإنكار على أي عملية إرضاء لأي جهة بتحريم ما أحل الله، وتبيان المخرج بأن تعتبر الصيغة يمينا، وعلى صاحبها الكفارة، وصلة ذلك بالمواثيق واضحة، إذ فيها تبيان أن التكفير عن اليمين، أو ما له صفة اليمين في موافقة أمر الله لا يعتبر نقضا لميثاق الله. وفي المجموعة عتاب على إفشاء السر، والسر أمانة، وصلة ذلك بمحور السورة واضحة، فخيانة الأمانة نقض للعهد، وإفساد في الأرض، وفي المجموعة عتاب على التظاهر على رسول الله ﷺ ، والتظاهر على رسول الله قطع لما أمر الله به أن يوصل، ونقض للمواثيق مع الله ، وإفساد في الأرض، فالمجموعة تربي وتقرر وتحرر وتفتح الطريق للأوبة، وفي المجموعة بيان لخصائص المرأة التي إن تحققت بها فإنها تخرج عن كونها فاسقة، هذه الخصائص هي الإسلام، والطاعة، والإيمان، والتوبة، والعبادة، والصوم، ولذلك صلاته بمحور السورة من سورة البقرة. ٤ - وبعد أن ذكر الله الخصائص العليا للمرأة المسلمة في آخر آية من المجموعة الأولى تأتي أول آية في المجموعة الثانية لتقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً ... وهذا يشير إلى أن المجموعة الأولى كانت مقدمة للمجموعة الثانية. *** تفسير المجموعة الثانية من الفقرة الأولى النداء الأول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً قال النسفي: (أي: قوا

стр. 5719

أنفسكم بترك المعاصي، وفعل الطاعات، وأهليكم بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم: نارا) وقال علي ﵁: أي: أدبوهم وعلموهم، وقال ابن عباس: أي: اعملوا بطاعة الله واتقوا معاصي الله، وأمروا أهليكم بتقوى الله، وقال قتادة: تأمرهم بطاعة الله، وتنهاهم عن معصية الله، وأن تقوم عليهم بأمر الله، وتأمرهم به، وتساعدهم عليه فإذا رأيت لله معصية قذعتهم عنها، وزجرتهم عنها، وهكذا قال الضحاك ومقاتل: حق على المسلم أن يعلم أهله من قرابته وإمائه وعبيده ما فرض الله عليهم وما نهاهم الله عنه. ثم وصف الله هذه النار التي أمرنا أن نقي أنفسنا وأهلينا إياها فقال: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ قال النسفي: (أي: نوعا من النار لا تتقد إلا بالناس والحجارة كما يتقد غيرها من النيران بالحطب). قال ابن كثير في تفسير هذه الحجارة: (قيل المراد بها الأصنام التي تعبد لقوله تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ وقال ابن مسعود ومجاهد وأبو جعفر الباقر والسدي: هي حجارة من كبريت، زاد مجاهد: أنتن من الجيفة) عَلَيْها أي: على هذه النار، أي: يلي أمرها وتعذيب أهلها مَلائِكَةٌ قال النسفي: يعني: الزبانية التسعة عشر وأعوانهم غِلاظٌ شِدادٌ قال النسفي: (أي: في أجرامهم غلظة وشدة، أو غلاظ الأقوال شداد الأفعال) قال ابن كثير: (أي: طباعهم غليظة وقد نزعت من قلوبهم الرحمة بالكافرين بالله، تركيبهم في غاية الشدة والكثافة والمنظر) لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ قال النسفي: وليست الجملتان في معنى واحد، إذ معنى الأولى: أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها، ومعنى الثانية: أنهم يؤدون ما يؤمرون به ولا يتثاقلون عنه، ولا يتوانون فيه)، وقال ابن كثير في الآية: (أي: مهما أمرهم به تعالى يبادروا إليه لا يتأخرون عنه طرفة عين، وهم قادرون على فعله، ليس بهم عجز عنه، وهؤلاء هم الزبانية) ثم أخبر تعالى عما يقال للكافرين عند دخولهم النار يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ أي: لأنه لا عذر لهم، أو لأنه لا ينفعهم الاعتذار إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي: في الدنيا فلا ظلم، قال النسفي: أي: يقال لهم ذلك عند دخولهم النار، وقال ابن كثير: أي: يقال للكفرة يوم القيامة لا تعتذروا فإنه لا يقبل منكم، وإنما تجزون اليوم بأعمالكم. كلمة في السياق: ١ - بعد أن عاتب الله رسوله ﷺ ذلك العتاب، وعاتب زوجيته

стр. 5720

ذلك العتاب، وعرف كل مؤمن أن الأمر جد، والحساب دقيق، جاء النداء آمرا كل مؤمن بوقاية نفسه وأهله من عذاب الله. ٢ - قبيل آيتي محور سورة التحريم ورد قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ لاحظ قوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ، ثم نذكر أن آية المحور الأولى قد ورد فيها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا فبناء على الموقف من القرآن يحكم بالكفر أو بالإيمان، ويستحق الإنسان الجنة أو النار التي وقودها الناس والحجارة. ومن رؤية معاني سورة البقرة، وصلة النداء هاهنا فيها نستطيع أن نقدر ما يدخل في هذا النداء: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا بالإيقان بهذا القرآن، وبأنه منزل من عند الله على رسول الله، وبالتسليم له، وبالعلم بأنه الحق من عند الله، ولا تكونوا كالكافرين في شكهم وارتيابهم واعتراضهم وأخلاقهم التي بسببها أضلهم الله؛ بما نقضوا من مواثيق، وبما قطعوا من أرحام، وبما أفسدوا في الأرض إن الأمر بوقاية النفس والأهلين من النار إنما يكون بالوفاء، وبالصلة، وبالإصلاح. ٣ - ولما كان الإنسان لا يخلو من ذنب فإن النداء الثاني يأتي مطالبا بالتوبة النصوح كبداية طريق للسير في الوقاية من النار. النداء الثاني: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً أي: صادقة أو خالصة، قال النسفي: أي: توبة ترفو خروقك في دينك، وترم خللك، ويجوز أن يراد توبة تنصح الناس أي: تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها، واستعماله الجد والعزيمة في العمل على مقتضياتها، وقال ابن كثير: أي: توبة صادقة جازمة تمحو ما قبلها من السيئات، وتلم شعث التائب وتجمعه وتكفر عما كان يتعاطاه من الدناءات عَسى رَبُّكُمْ قال ابن كثير: (وعسى من الله موجبة) ولذا قالوا: لم يزل الملوك والرؤساء والأمراء يجيبون بعسى، ولعل، ويقع منهم ذلك- عادة- موقع القطع والبت، فكيف لا تكون (عسى) من ملك الملوك موجبة، ومن ثم فتكفير السيئات بالتوبة النصوح

стр. 5721

محقق أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ أي: بمحوها وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وذلك إن تبتم توبة نصوحا يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ أي: يوم لا يذل الله النبي والمؤمنين، وذلك يوم القيامة، قال النسفي: فيه تعريض بمن أخزاهم الله من أهل الكفر نُورُهُمْ أي: نور المؤمنين يوم القيامة يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يضئ لهم طريق الوصول إلى الجنة يَقُولُونَ إذا انطفأ نور المنافقين يوم القيامة كما ورد في سورة الحديد رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا يخشون مغبة ذنوبهم في تلك اللحظة الهائلة إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ومن ذلك قدرتك على إتمام النور، وغفران الذنب، وفي ختم الآية بالدعاء بالمغفرة يوم القيامة تذكير للمؤمن أن يتوب في الدنيا، ويستغفر لينفعه ذلك إذا طلب المغفرة يوم القيامة، وهكذا تجد بداية الآية ونهايتها تصبان في موضوع واحد، وهو تهييج المؤمن على التوبة والاستغفار. كلمة في السياق: ١ - بعد أن ذكر الله في المجموعة الأولى ما يعلم به أن الأمر جد، وطالب في النداء الأول من الفقرة الأولى أن يقي الإنسان نفسه وأهله من النار، دل في النداء الثاني على بداية الطريق للسير الجاد بالخلاص من الذنب كله صغيره وكبيره، وذلك بالتوبة النصوح، وصلة ذلك بالنداء الأول واضحة، وصلة ذلك بالمجموعة الأولى أيضا واضحة، فالمجموعة الأولى ورد فيها قوله تعالى: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وهاهنا بين أن المراد بالتوبة التوبة النصوح، وكان النداء عاما ليشمل كل المؤمنين، لأنه ما من مؤمن يخلو من ذنب فإذا كانت أمهات المؤمنين يؤمرن بالتوبة فبقية الخلق أولى. ٢ - لم يحدد النداء الأول أو الثاني ما به تتحقق وقاية النفس والأهل من النار، ولا ما ينبغي أن يتاب منه، ومن المحور نعلم أن ذلك محدد بقوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ فالوفاء بعهود الله، ووصل ما أمر به أن يوصل، والإصلاح في الأرض، هي طريق الوقاية من النار، والتوبة واجبة من كل ما يناقض ذلك، ودليل هذا هو مجئ النداء الثالث آمرا رسول الله ﷺ بجهاد الكفار والمنافقين، وقد رأينا من قبل أن قوله تعالى: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ

стр. 5722

اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ينتظم الكافرين والمنافقين، فالسياق يتوجه لخطاب رسول الله ﷺ ، آمرا إياه بمجاهدة الذين يرفضون وقاية أنفسهم وأهليهم من النار، والذين يرفضون التوبة، فلنر النداء الثالث الذي تختم به المجموعة الثانية من الفقرة الأولى من سورة التحريم. النداء الثالث: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ قال النسفي: بالسيف وَالْمُنافِقِينَ قال النسفي: بالقول الغليظ والوعد البليغ، وقيل بإقامة الحدود عليهم، وقال ابن كثير: يقول تعالى آمرا رسوله ﷺ بجهاد الكفار والمنافقين، هؤلاء بالسلاح والقتال، وهؤلاء بإقامة الحدود عليهم وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ أي: في الدنيا فيما تجاهدهما به من القتال، والمحاجة باللسان وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ أي: في الآخرة وَبِئْسَ الْمَصِيرُ أي: المآل جهنم. كلمة في السياق: ١ - اعتدنا كثيرا أن نرى بداية مقطع تشبه نهايته، وهاهنا نرى أن الفقرة الأولى من سورة التحريم بدأت بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ وانتهت بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ بدأت المجموعة بعتاب رسول الله ﷺ على تحريمه ما أحل الله، وانتهت بأمره بمجاهدة الكفار والمنافقين، مبينة في الوسط أخلاق المؤمنين: أنهم يتوبون إذا أذنبوا، وأنهم يقون أنفسهم وأهليهم نارا، وفي الفقرة ورد قوله تعالى: وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ وصلة ذلك بالأمر بالجهاد واضحة. ففي حادثة جزئية يذكر الله أنه ينصر رسوله، فكيف في الصراع الكبير بين الإيمان وبين الكفر والنفاق. ٢ - سياق السورة الرئيسي ينصب على معاتبة زوجتي رسول الله ﷺ بدليل أن المجموعة الأخيرة تضرب مثلين لامرأتين مسلمتين وامرأتين كافرتين، وذكر زوجتين كافرتين في المثل- في الوقت الذي تظاهرت فيه زوجتان على رسول الله ﷺ دليل على أن السياق الرئيسي ينصب على تأديب زوجتي رسول الله ﷺ تارة من خلال الخطاب المباشر، وتارة من خلال الخطاب العام، ومن كل ذلك يأخذ المسلمون رجالا

стр. 5723

ونساء درسا كبيرا في وجوب الوقوف عند الحدود. ٣ - إن محور سورة التحريم هو الذي حدد الصفات المشتركة للكافرين والمنافقين. وهاهنا يأتي الأمر بجهادهم، فهذا مظهر من مظاهر ارتباط السورة بمحورها، ولعله اتضح لك بما ذكرناه حتى الآن السياق الخاص للسورة، وصلة أجزائها ببعضها، وصلة السورة بمحورها، ولعل ما سيأتي يزيد هذا كله وضوحا، فلننتقل الآن إلى عرض الفقرة الثانية في السورة. ***

стр. 5724

الفقرة الثانية وتستمر من الآية (١٠) إلى نهاية السورة أي: إلى الآية (١٢) وهذه هي: [سورة التحريم (٦٦): الآيات ١٠ الى ١٢] ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢) ملاحظة على السياق: لاحظ صلة هذه الآيات بأوائل السورة: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ... ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ... وهذا يشير- كما قلنا- إلى أن السياق الرئيسي يصب في تأديب زوجتي الرسول ﷺ ؛ ليكون في ذلك درس كبير لكل مؤمن ومؤمنة على مدى العصور، وسنرى في كلام النسفي ما يشير إلى ما ذكرناه، فليتأمله القارئ إذا وصل إليه. التفسير: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا قال ابن كثير: (أي: في مخالطتهم المسلمين ومعاشرتهم لهم أن ذلك لا يجدي عنهم شيئا ولا ينفعهم عند الله إن لم يكن الإيمان حاصلا في قلوبهم، ثم ذكر المثل فقال: امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ أي: نبيين رسولين عندهما في صحبتهما ليلا ونهارا، يؤاكلانهما ويضاجعانهما، ويعاشرانهما أشد المعاشرة والاختلاط فَخانَتاهُما أي: في الإيمان،

стр. 5725

لم يوافقاهما على الإيمان، ولا صدقاهما في الرسالة، فلم يجد ذلك كله شيئا، ولا دفع عنهما محذورا، ولهذا قال تعالى: فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي: لكفرهما)، قال النسفي: أي: فلم يغن الرسولان عنهما أي: عن المرأتين بحق ما بينهما وبينهما من الزواج إغناء ما من عذاب الله وَقِيلَ للمرأتين عند موتهما أو يوم القيامة ادْخُلَا النَّارَ مَعَ سائر الدَّاخِلِينَ الذين لا صلة بينهم وبين الأنبياء، أو مع داخليها من إخوانكما من قوم نوح وقوم لوط وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا قال ابن كثير: وهذا مثل ضربه الله للمؤمنين، أنهم لا تضرهم مخالطة الكافرين إذا كانوا محتاجين إليهم امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ قال قتادة: كان فرعون أعتى أهل الأرض وأكفرهم، فو الله ما ضر امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربها، ليعلموا أن الله تعالى حكم عدل، لا يؤاخذ أحدا إلا بذنبه. إِذْ قالَتْ امرأة فرعون رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ قال ابن كثير: (قال العلماء: اختارت الجار قبل الدار) أي: لأنها قالت (عندك) قبل أن تذكر (بيتا في الجنة) وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ قال ابن كثير: أي: خلصني منه فإني أبرأ إليك من عمله. أقول: الظاهر أنها طلبت الخلاص من فرعون بالموت وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي: من قوم فرعون جميعا، قال النسفي: وفيه دليل على أن الاستعاذة بالله والالتجاء إليه، ومسألة الخلاص منه عند المحن والنوازل من سير الصالحين وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ أي: وضرب الله مثلا مريم ابنة عمران الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها أي: حفظته وصانته، قال ابن كثير: الإحصان هو العفاف والحرية، وقال النسفي: (أي: من الرجال) فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا أي: فنفخ جبريل من روح الله في الفرج، أي: من روح خلقها الله، وأضافها لنفسه تشريفا، وأضاف ﷻ النفخ لذاته الشريفة لأنه الآمر به وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ قال ابن كثير: أي: بقدره وشرعه وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ أي: من الطائعين. قال النسفي: لما كان القنوت صفة تشمل من قنت من القبيلين (الذكور والإناث) غلب ذكوره على إناثه، قال النسفي عن الفقرة الثانية: (مثل الله حال الكفار في أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين بلا محاباة، ولا ينفعهم مع عداوتهم لهم ما كان بينهم وبينهم من النسب والمصاهرة، وإن كان المؤمن الذي يتصل به الكافر نبيا بحال امرأة نوح وامرأة لوط لما نافقتا وخانتا الرسولين بإفشاء أسرارهما، فلم يغن الرسولان عنهما- أي: عن المرأتين بحق ما بينهما وبينهما من الزواج- إغناء ما من عذاب الله، وقيل لهما عند موتهما أو يوم القيامة ادخلا النار مع سائر الداخلين

стр. 5726

الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء، أو مع داخليها من إخوانكما من قوم نوح وقوم لوط، ومثل حال المؤمنين في أن صلة الكافرين لا تضرهم، ولا تنقص شيئا من ثوابهم وزلفاهم عند الله بحال امرأة فرعون ومنزلتها عند الله مع كونها زوجة أعدى أعداء الله، ومريم ابنة عمران وما أوتيت من كرامة الدنيا والآخرة، والاصطفاء على نساء العالمين مع أن قومها كانوا كفارا. وفي طي هذين التمثيلين تعريض بأمي المؤمنين المذكورتين في أول السورة، وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله ﷺ بما كرهه، وتحذير لهما على أغلظ وجه، وإشارة إلى أن من حقهما أن يكونا في الإخلاص كهاتين المؤمنتين، وأن لا يتكلا على أنهما زوجا رسول الله ﷺ . ... كلمة في السياق: ١ - عرفنا من خلال كلام النسفي صلة الفقرة الأخيرة ببداية السورة، ورأينا من قبل صلة ضرب هذين المثلين بمحور السورة الذي فيه إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا .... ٢ - في محور السورة ورد قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا وفي الفقرة الأخيرة رأينا أن مدار النجاح عند الله على الإيمان، ومدار الخسران على الكفر، ورأينا أن مما وصف الله به مريم وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وصلة ذلك بقوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ في المحور واضحة. ٣ - وفي السورة دروس للأسرة المسلمة ألا يرضي الزوج زوجته بمخالفة شرعية، وألا تفشي المرأة سر زوجها، وألا تعاديه وتظاهر عليه، وأن تكون الزوجة مسلمة مؤمنة قانتة عابدة تائبة صائمة، وأن على الرجال أن يقوا أنفسهم وأهليهم النار، وأن على الجميع أن يتوبوا إلى الله، وأن على المرأة أن تحقق إيمانها بنفسها، ولا تغتر بأنها زوجة رجل صالح، ومن تلاحم هذه المعاني ندرك جوانب من السياق الخاص للسورة. ٤ - ولعل القارئ يدرك صلة آيات السورة ببعضها لأول نظرة إلا آية يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ فإن صلتها بما قبلها وبما بعدها تحتاج إلى تأمل.

стр. 5727

أ- بدأت السورة بعتاب الرسول ﷺ لأنه حرم ما أحل الله ابتغاء مرضاة أزواجه، وقد رأينا أن سياق السورة انصب على تأديب الأزواج، ولما كان إرضاء الأزواج قد يترتب عليه ترك الجهاد لأنه كثيرا ما تجاول المرأة أن تصرف زوجها عن شئون الجهاد، ليلتفت إلى شئون العيال، فجاءت الآية تأمر بالجهاد في سياق السورة. ب- مما يراه كل عامل في الدعوة إلى الله تأثير الزوجة على زوجها، حتى ليبلغ الأمر ببعضهم أن يكون الزواج في حقه هو نقطة الانعطاف من الإيمان إلى الكفر، وكل ذلك مرده إرضاء الزوجة، فإن تأتي سورة في القرآن تحذر من هذا المنعطف نحو الفسوق، وتحمل على بذل الجهد للتقويم من خلال مخاطبة أعظم الخلق شأنا في عتابه ﷺ على حادثة جزئية، وإعطائها هذا الحجم الكبير، فذلك مظهر من مظاهر حكمة هذا القرآن، ومظهر من مظاهر إحاطة الله علما بكل شئ، ولعله بهذا الذي ذكرناه، قد اتضح صلة الأمر بالجهاد في سياق هذه السورة، ولعله بذلك قد اكتملت لنا معرفة السياق الخاص للسورة، وصلتها بمحورها. الفوائد: ١ - تذكر بعض الروايات أن سبب نزول صدر سورة التحريم هو حادثة تحريمه ﵊ على نفسه مارية القبطية، وهناك روايات تذكر أن سبب النزول هو تحريمه ﷺ شرب العسل على نفسه عند زينب، وهناك روايات أخرى ولا يبعد أن يكون ذلك كله قد كان في زمن واحد، وقد كنا ذكرنا في ابتداء تفسير السورة بعض الروايات التي تذكر أن سبب النزول هو تحريمه مارية ﵂، وهاهنا نذكر إحدى الروايات التي تذكر أن سبب النزول هو تحريمه شرب العسل على نفسه عند زوجته زينب ﵂. (روى البخاري عند هذه الآية ... عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يشرب عسلا عند زينب بنت جحش، ويمكث عندها، فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل له: أكلت مغافير، إني أجد منك ريح مغافير. قال: «لا ولكني كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جحش فلن أعود له وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدا»)، ومن أجل التوفيق بين هذه الرواية والرواية الأخرى قال الألوسي: (يحتمل أن يكون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قد شرب عسلا عند زينب كما هو عادته، وجاء إلى حفصة فقالت له ما قالت

стр. 5728

فحرم العسل، واتفق له ﵊ قبيل ذلك أو بعيده أن وطئ جاريته مارية في بيتها في يومها على فراشها فوجدت، فحرم صلى الله تعالى عليه وسلم مارية، وقال لحفصة ما قال تطييبا لخاطرها واستكتمها ذلك، فكان منها ما كان، ونزلت الآية بعد القصتين فاقتصر بعض الرواة على إحداهما. والبعض الآخر على نقل الأخرى، وقال كل: فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ الخ، وهو كلام صادق، إذ ليس فيه دعوى كل حصر علة النزول فيما نقله، فإن صح هذا هان أمر الاختلاف). ٢ - بمناسبة قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ ... قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ قال ابن كثير: (وروى الطبراني ... عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ قال: حرم رسول الله ﷺ سريته، ومن هاهنا ذهب من ذهب من الفقهاء ممن قال بوجوب الكفارة على من حرم جاريته، أو زوجته، أو طعاما، أو شرابا، أو ملبسا، أو شيئا من المباحات وهو مذهب الإمام أحمد وطائفة، وذهب الشافعي إلى أنه لا تجب الكفارة فيما عدا الزوجة والجارية إذا حرم عينيهما، أو أطلق التحريم فيهما في قول، فأما إذا نوى بالتحريم طلاق الزوجة أو عتق الأمة نفذ فيهما). ٣ - بمناسبة قوله تعالى: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ قال ابن كثير: (وروى البخاري عن أنس قال: قال عمر: اجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة عليه فقلت لهن: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ فنزلت هذه الآية، وقد تقدم أنه وافق القرآن في أماكن منها في نزول الحجاب، ومنها في أسارى بدر، ومنها قوله: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فأنزل الله تعالى وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى، وروى ابن أبي حاتم عن أنس قال: قال عمر بن الخطاب: بلغني شئ كان بين أمهات المؤمنين وبين النبي ﷺ فاستقريتهن أقول: لتكفن عن رسول الله ﷺ أو ليبدلنه الله أزواجا خيرا منكن، حتى أتيت على آخر أمهات المؤمنين فقالت: يا عمر أما في رسول الله ما يعظ نساءه حتى تعظهن؟. فأمسكت، فأنزل الله عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً وهذه المرأة التي ردته عما كان فيه من وعظ النساء هي أم سلمة كما ثبت ذلك في صحيح البخاري). ٤ - بمناسبة قوله تعالى: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً قال ابن كثير:

стр. 5729

(وفي معنى هذه الآية الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي من حديث عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها» هذا لفظ أبي داود وقال الترمذي هذا حديث حسن، وروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ مثل ذلك. قال الفقهاء: وهكذا في الصوم ليكون ذلك تمرينا له على العبادة، لكي يبلغ وهو مستمر على العبادة والطاعة، ومجانبة المعاصي وترك المنكر، والله الموفق). وقال الألوسي بمناسبة هذه الآية: (وروي أن عمر قال حين نزلت: يا رسول الله نقي أنفسنا فكيف لنا بأهلينا؟ فقال ﵊: «تنهوهن عما نهاكم الله عنه، وتأمروهن بما أمركم الله به، فيكون ذلك وقاية بينهن وبين النار»، وأخرج ابن المنذر، والحاكم وصححه، وجماعة عن علي كرم الله وجهه أنه قال في الآية: علموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدبوهم، والمراد بالأهل على ما قيل: ما يشمل الزوجة والولد والعبد والأمة. واستدل بها على أنه يجب على الرجل تعلم ما يجب من الفرائض وتعليمه لهؤلاء، وأدخل بعضهم الأولاد في الأنفس، لأن الولد بعض من أبيه، وفي الحديث: «رحم الله رجلا قال: يا أهلاه صلاتكم صيامكم زكاتكم مسكينكم يتيمكم جيرانكم لعل الله يجمعكم معه في الجنة»، وقيل: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة من جهل أهله). وقال صاحب الظلال بمناسبة هذه الآية: (هذا أمر ينبغي أن يعيه الدعاة إلى الإسلام وأن يدركوه جيدا. إن أول الجهد ينبغي أن يوجه إلى البيت. إلى الزوجة. إلى الأم. ثم إلى الأولاد؛ وإلى الأهل بعامة. ويجب الاهتمام البالغ بتكوين المسلمة لتنشئ البيت المسلم. وينبغي لمن يريد بناء بيت مسلم أن يبحث له أولا عن الزوجة المسلمة. وإلا فسيتأخر طويلا بناء الجماعة الإسلامية. وسيظل البنيان متخاذلا كثير الثغرات). ٥ - بمناسبة قوله تعالى: تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً قال ابن كثير: (روى ابن جرير عن سماك بن حرب سمعت النعمان بن بشير يخطب سمعت عمر ابن الخطاب ﵁ يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً قال: يذنب الذنب ثم لا يرجع فيه، وروى الثوري ... عن عمر ﵁ قال: التوبة النصوح أن يتوب من الذنب ثم لا يعود فيه، أو لا يريد أن يعود فيه، وقال

стр. 5730

أبو الأحوص وغيره ... عن النعمان سئل عمر عن التوبة النصوح فقال: أن يتوب الرجل من العمل السيئ ثم لا يعود إليه أبدا. وقال الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله تَوْبَةً نَصُوحاً قال: يتوب ثم لا يعود. وقد روي هذا مرفوعا فروى الإمام أحمد عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «التوبة من الذنب: يتوب منه ثم لا يعود فيه» تفرد به أحمد من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف والموقوف أصح والله أعلم، ولهذا قال العلماء: التوبة النصوح هو أن يقلع عن الذنب في الحاضر، ويندم على ما سلف منه في الماضي، ويعزم على أن لا يفعل في المستقبل، ثم إن كان الحق لآدمي رده إليه بطريقه. وروى ابن أبي حاتم ... عن الحسن يقول: التوبة النصوح أن تبغض الذنب كما أحببته، وتستغفر منه إذا ذكرته، فأما إذا جزم بالتوبة وصمم عليها فإنها تجب ما قبلها من الخطيئات، كما ثبت في الصحيح: «الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها» وهل من شرط التوبة النصوح الاستمرار على ذلك إلى الممات- كما تقدم في الحديث وفي الأثر- ثم لا يعود فيه أبدا. أو يكفي العزم على أن لا يعود في تكفير الماضي بحيث لو وقع منه ذلك الذنب بعد ذلك، لا يكون ذلك ضارا في تكفير ما تقدم لعموم قوله ﵇: «التوبة تجب ما قبلها»؟ وللأول أن يحتج بما ثبت في الصحيح أيضا «من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر» فإذا كان هذا في الإسلام الذي هو أقوى من التوبة فالتوبة بطريق الأولى والله أعلم). ٦ - بمناسبة قوله تعالى: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ قال ابن كثير: (وروى الإمام أحمد عن رجل من بني كنانة قال: صليت خلف رسول الله ﷺ عام الفتح فسمعته يقول: «اللهم لا تخزني يوم القيامة»، وقال محمد بن نصر المروزي: عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير أنه سمع أبا ذر وأبا الدرداء قالا: قال رسول الله ﷺ : «أنا أول من يؤذن له في السجود يوم القيامة، وأول من يؤذن له برفع رأسه، فأنظر بين يدي فأعرف أمتى من بين الأمم، وانظر عن يميني فأعرف أمتي من بين الأمم، وانظر عن شمالي فأعرف أمتي من بين الأمم» فقال رجل يا رسول الله كيف تعرف أمتك من بين الأمم؟ قال: «غر محجلون من آثار الطهور، ولا يكون أحد من الأمم كذلك غيرهم، وأعرفهم يؤتون كتبهم

стр. 5731

بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم من أثر السجود، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم»). ٧ - بمناسبة قوله تعالى عن زوجتي نوح ولوط: فَخانَتاهُما قال ابن كثير: (وليس المراد بقوله: فَخانَتاهُما في فاحشة؛ بل الدين، فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة لحرمة الأنبياء كما قدمنا في سورة النور، قال سفيان الثوري ... سمعت ابن عباس ﵄ يقول في هذه الآية فَخانَتاهُما قال: ما زنتا، أما خيانة امرأة نوح فكانت تخبر أنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدل قومها على أضيافه، وقال العوفي عن ابن عباس قال: كانت خيانتهما أنهما كانتا على غير دينهما، فكانت امرأة نوح تطلع على سر نوح، فإذا آمن مع نوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به، وأما امرأة لوط فكانت إذا أضاف لوط أحدا أخبرت به أهل المدينة ممن يعمل السوء. وقال الضحاك عن ابن عباس ﵄: ما بغت امرأة نبي قط، إنما كانت خيانتهما في الدين). ٨ - بمناسبة الكلام عن زوجة فرعون ومريم عليهما الرضوان في السورة، قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: خط رسول الله ﷺ في الأرض أربعة خطوط وقال: «أتدرون ما هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله ﷺ : «أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون» وقد ثبت في الصحيحين من حديث شعبة ... عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﵌ قال: «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام»). وقال صاحب الظلال: (ودعاء امرأة فرعون وموقفها مثل للاستعلاء على عرض الحياة الدنيا في أزهى صوره. فقد كانت امرأة فرعون أعظم ملوك الأرض يومئذ. في قصر فرعون أمتع مكان تجد فيه امرأة ما تشتهي ... ولكنها استعلت على هذا بالإيمان. ولم تعرض عن هذا العرض فحسب، بل اعتبرته شرا ودنسا وبلاء تستعيذ بالله منه، وتتفلت من عقابيله، وتطلب النجاة منه! وهي امرأة واحدة في مملكة عريضة قوية ... وهذا فضل آخر عظيم. فالمرأة

стр. 5732

- كما أسلفنا- أشد شعورا وحساسية بوطأة المجتمع وتصوراته. ولكن هذه المرأة ... وحدها ... في وسط ضغط المجتمع، وضغط القصر، وضغط الملك، وضغط الحاشية، والمقام الملوكي ... في وسط هذا كله رفعت رأسها إلى السماء ... وحدها ... في خضم هذا الكفر الطاغي! وهي نموذج عال في التجرد لله من كل هذه المؤثرات، وكل هذه الأواصر، وكل هذه المعوقات، وكل هذه الهواتف. ومن ثم استحقت هذه الإشارة في كتاب الله الخالد. الذي تتردد كلماته في جنبات الكون وهي تتنزل من الملأ الأعلى). (وإفراد امرأة فرعون بالذكر هنا مع مريم ابنة عمران يدل على المكانة العالية التي جعلتها قرينة مريم في الذكر. بسبب ملابسات حياتها التي أشرنا إليها ... وهما الاثنتان نموذجان للمرأة المتطهرة المؤمنة المصدقة القانتة يضربهما الله لأزواج النبي ﷺ بمناسبة الحادث الذي نزلت فيه آيات صدر السورة، ويضربهما للمؤمنات من بعد في كل جيل). كلمة أخيرة في سورة التحريم: بدأت سورة التحريم بعتاب رسول الله ﷺ على تحريم ما أحل الله ، ثم ثنت بعتابه زوجيته على التظاهر عليه وإفشاء سره، ثم جاء الأمر العام لأهل الإيمان بوقاية الأنفس والأهلين من النار، ومن سياق السورة نفهم أن عملية الوقاية تقتضي عدم الرضوخ لرغبات الزوجات، وتقتضي تأديب الزوجات، وحمل الأنفس والأهل على الطاعة الكاملة، ثم جاء الأمر لكل المؤمنين بالتوبة النصوح، كبداية طريق إلى الجنة، ثم جاء أمر للنبي ﷺ بالجهاد، مما يشير في سياق السورة إلى أن أدب المسلم الجهاد الدائم، وذلك يقتضي منه عدم الرضوخ لأي معنى يصرفه عن هذا الجهاد، سواء كان مانعا أسريا أو غيره، كما أن مجئ هذا الأمر في هذا السياق يشير إلى أن كل من تحقق بصفة الكفر أو النفاق فقد وجبت مجاهدته كائنا من كان قريبا أو بعيدا، ثم ضرب الله مثلين لامرأتين كافرتين لم ينجهما كونهما تحت رسولين من العذاب، وضرب مثلين لامرأتين صالحتين إحداهما كانت زوجة كافر لم يضرها كفره عند الله، والثانية لم تتزوج أصلا، وكانت في القمة من الصلاح والولاية، وفي ذلك درس لزوجات رسول الله ﷺ ولكل مؤمنة في هذا العالم. ...

стр. 5733

مما مر ندرك أن السورة حذرت من منزلقات خطرة في الطريق، وحررت من معان خطرة في الطريق، ووضعت المعالم التي من سار عليها من الرجال والنساء تحرر من السير في طريق الضلال. ... وقد رأينا صلة السورة- بفقرتيها- بالمحور. فالسورة فيها مثلان من أمثال القرآن، وفيها إخراج لقضية عن أن تعتبر نقضا لميثاق الله، وفيها ذكر لمعان تدخل في نقض الميثاق، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، والإفساد في الأرض، وفيها دعوة للسير في الطريق الموصل إلى رضوان الله، وفيها أمر بجهاد الفاسقين كفارا ومنافقين. وصلة ذلك كله بمحور السورة واضحة، وقد رأيناها. ... وقد ختم صاحب الظلال الكلام عن سورة التحريم بقوله: (وأخيرا فإن هذه السورة قطعة حية من السيرة، رسمها القرآن بأسلوبه الموحي. لا تملك روايات البشر التاريخية عن تلك الفترة أن ترسمها. فالتعبير القرآني أكثر إيحاء، وأبعد آمادا، وهو يستخدم الحادثة المفردة لتصوير الحقيقة المجردة، الباقية وراء الحادثة ووراء الزمان والمكان ... كما هو شأن القرآن). ***

стр. 5734

سورة الملك وهي السورة السابعة والستون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الرابعة من المجموعة الخامسة من قسم المفصل، وهي ثلاثون آية وهي مكية

стр. 5735

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 5736

بين يدي سورة الملك: قال الألوسي في تقديمه لهذه السورة: (ووجه مناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما ضرب مثلا للكفار بتينك المرأتين المحتوم لهما بالشقاوة وإن كانتا تحت نبيين عظيمين، ومثلا للمؤمنين بآسية ومريم، وهما محتوم لهما بالسعادة، وأن أكثر قومهما كفار افتتح هذه بما يدل على إحاطته وقهره وتصرفه في ملكه على ما سبق به قضاؤه، وقيل إن أول هذه متصل بقوله تعالى في آخر سورة الطلاق: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ لما فيه من مزيد البسط لما يتعلق بذلك، وفصل بسورة التحريم لأنها كالقطعة من سورة الطلاق والتتمة لها، وقد جاء في فضلها أخبار كثيرة منها ما مر آنفا، ومنها ما أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه وغيرهم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «إن سورة من كتاب الله ما هي إلا ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له: تبارك الذي بيده الملك» ومنها ما جاء في حديث رواه الطبراني وابن مردويه بسند جيد عن ابن مسعود، وآخر رواه عنه جماعة وصححه الحاكم: من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطيب، وأخرج ابن مردويه عن عائشة ﵂ أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقرأ الم تنزيل السجدة وتبارك الذي بيده الملك كل ليلة لا يدعهما في سفر ولا حضر، ولهذا ونحوه قيل يندب قراءتها كل ليلة). وقال صاحب الظلال عن هذه السورة: (وهذه السورة- سورة تبارك- تعالج إنشاء تصور جديد للوجود وعلاقاته بخالق الوجود. تصور واسع شامل يتجاوز عالم الأرض الضيق وحيز الدنيا المحدود، إلى عوالم في السماوات، وإلى حياة في الآخرة. وإلى خلائق أخرى غير الإنسان في عالم الأرض كالجن والطير، وفي العالم الآخر كالجن وخزنتها، وإلى عوالم في الغيب غير عالم الظاهر تعلق بها قلوب الناس ومشاعرهم، فلا تستغرق في الحياة الحاضرة الظاهرة، في هذه الأرض. كما أنها تثير في حسهم التأمل فيما بين أيديهم وفي واقع حياتهم وذواتهم مما يمرون به غافلين. وهي تهز في النفوس جميع الصور والانطباعات والرواسب الجامدة الهامدة المتخلفة من تصور الجاهلية وركودها؛ وتفتح المنافذ هنا وهناك، وتنفض الغبار، وتطلق الحواس والعقل والبصيرة ترتاد آفاق الكون، وأغوار النفس، وطباق الجو، ومسارب الماء، وخفايا العيوب، فترى هناك يد الله المبدعة، وتحس حركة الوجود المنبعثة من

стр. 5737

قدرة الله. وتؤوب من الرحلة وقد شعرت أن الأمر أكبر، وأن المجال أوسع. وتحولت من الأرض- على سعتها- إلى السماء. ومن الظواهر إلى الحقائق. ومن الجمود إلى الحركة. مع حركة القدر، وحركة الحياة، وحركة الأحياء. ... إنها سورة ضخمة. سورة أكبر من حجمها وحيزها وعدد آياتها. وكأنما هي سهام تشير إلى بعيد، ويكاد كل سهم يستقل بكشف عالم جديد! وهي تبني من قواعد التصور الإسلامي جوانب رئيسية هامة؛ فهي تقر في الضمير حقيقة القدرة المطلقة، وحقيقة الهيمنة المطلقة. وحقيقة الابتلاء بالموت والحياة تمهيدا للحشر والجزاء. وحقيقة الكمال والجمال في صنعة الله. وحقيقة العلم المطلق بالسر والنجوى. وحقيقة مصدر الرزق. وحقيقة حفظ الله للخلائق، وحضوره- سبحانه- مع كل مخلوق ... وجملة من هذه الحقائق التي يقوم عليها تصور المسلم. هذا التصور الذي ينبثق منه منهج حياة المؤمن كله. مع ربه. ومع نفسه. ومع الناس. ومع الأحياء. ومع الكون كله من أحياء وأشياء. والذي يتكيف به شعوره وضميره وشخصيته وقيمه وموازينه، واستقباله للحياة ... ). كلمة في سورة الملك ومحورها: قلنا من قبل إن محور سورة الملك هو محور سورة الأنعام أي: هو قوله تعالى من سورة البقرة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وذلك واضح من أدنى تأمل للسورة: تبدأ السورة بقوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ* الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً وصلة هذا المعنى بالآيتين المذكورتين من سورة البقرة لا تخفى، وفي السورة نجد قوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ... وصلة ذلك بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً لا تخفى. وفي السورة نجد قوله تعالى: قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ* قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ

стр. 5738

تُحْشَرُونَ وصلة ذلك بقوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ لا تخفى، فكون السورة تفصيلا للآيتين المذكورتين في سورة البقرة واضحة جدا. ... فسورة التغابن فصلت في محور سورة آل عمران، وسورة الطلاق فصلت في محور سورة النساء، وسورة التحريم فصلت في محور سورة المائدة، وسورة الملك فصلت في محور سورة الأنعام، وسنرى أن سورة القلم فصلت في محور سورة الأعراف، وهكذا تجد كيف أن هذا القرآن يسير على نسق واحد من أوله إلى آخره، وعلى تسلسل معين. ونلاحظ أن سورة التغابن بدأت بقوله تعالى: يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وأن سورة الملك تبدأ بقوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ فالصلات واضحة بين السورتين مما يؤكد أن سورة التغابن هي مقدمة لسور مجموعتها. ... وسورة التحريم انتهت بمثلين لكافرتين، ومؤمنتين، وسورة الملك تأتي لتقيم الحجة على الكفر وأهله، فالسورة تأخذ محلها في مجموعتها وفي تفصيلها لمحورها، كما أن لها سياقها الخاص ووحدتها. وسنعرض السورة على أنها فقرتان: الفقرة الأولى حتى نهاية الآية (١٤)، والفقرة الثانية حتى نهاية السورة، ولنبدأ عرض السورة. ***

стр. 5739

الفقرة الأولى وتمتد من الآية (١) إلى نهاية الآية (١٤) وهذه هي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الملك (٦٧): الآيات ١ الى ١٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (٥) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (١١) إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)

стр. 5740

التفسير: تَبارَكَ أي: تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ قال النسفي: أي: بتصرفه في الملك والاستيلاء على كل موجود، وهو مالك الملك يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء، قال ابن كثير: يمجد تعالى نفسه الكريمة، ويخبر أنه بيده الملك أي: هو المتصرف في جميع المخلوقات بما يشاء لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل؛ لقهره وحكمته وعدله وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من المقدورات أو من الإنعام والانتقام قَدِيرٌ أي: قادر على الكمال والتمام الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا قال النسفي: والمعنى: خلق موتكم وحياتكم أيها المكلفون ليمتحنكم بأمره ونهيه فيما بين الموت الذي يعم الأمير والأسير، فيظهر منكم ما علم أنه يكون منكم؛ فيجازيكم على عملكم لا على علمه بكم أَحْسَنُ عَمَلًا أي: أخلصه وأصوبه، فالخالص أن يكون لوجه الله، والصواب أن يكون على السنة، والمراد أنه أعطاكم الحياة التي تقدرون بها على العمل، وسلط عليكم الموت الذي هو داعيكم إلى اختيار العمل الحسن على القبيح، فما وراءه إلا البعث والجزاء الذي لا بد منه، وقدم الموت على الحياة، لأن أقوى الناس داعيا إلى العمل من نصب موته بين عينيه، فقدم لأنه فيما يرجع إلى ما سيقت له الآية أهم. ولما قدم الموت الذي هو أثر صفة القهر على الحياة التي هي أثر اللطف قدم صفة القهر على صفة اللطف بقوله: وَهُوَ الْعَزِيزُ أي: الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل الْغَفُورُ أي: الذي يمحو ذنوب أهل الإساءة والزلل إذا تابوا الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً أي: طبقة بعد طبقة، ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ أي: من اختلاف واضطراب، وعن السدي: من عيب، وحقيقة التفاوت عدم التناسب، كأن بعض الشئ يفوت بعضا ولا يلائمه، وفي ذكر اسم الرحمن في قوله تعالى: ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ تعظيم لخلقهن، وتنبيه على سبب سلامتهن من التفاوت وهو أنه خلق الرحمن، وأنه بباهر قدرته هو الذي يخلق مثل ذلك الخلق المتناسب. قال ابن كثير: أي: بل هو (أي: الخلق) مصطحب مستو ليس فيه اختلاف، ولا تنافر، ولا مخالفة، ولا نقص، ولا عيب، ولا خلل فَارْجِعِ الْبَصَرَ أي: رده إلى السماء حتى يصح عندك ما أخبرت به بالمعاينة فلا تبقى معك شبهة فيه. قال ابن كثير: أي: انظر إلى السماء فتأملها هل ترى فيها عيبا أو نقصا أو خللا أو فطورا هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ قال قتادة: أي: هل ترى خللا يا ابن آدم. أقول:

стр. 5741

والفطور جمع فطر وهو في الأصل: بمعنى الشق والصدع واستعمل هنا بمعنى الخلل ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ أي: كرر النظر كَرَّتَيْنِ أي: مرتين، أي: مرة مع الأولى، وقيل سوى الأولى فتكون ثلاث مرات، وقيل لم يرد الاقتصار على مرتين، بل أراد به التكرير بكثرة، أي: كرر نظرك ودققه هل ترى خللا أو عيبا، وجواب الأمر: يَنْقَلِبْ أي: يرجع إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً أي: ذليلا صاغرا، أو بعيدا عن أن يرى عيبا وَهُوَ حَسِيرٌ أي: كليل قد انقطع من الإعياء من كثرة التكرر، ولا يرى نقصا. قال ابن كثير: ولما نفى عنها في خلقها النقص بين كمالها وزينتها فقال: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ قال النسفي: أي: بكواكب مضيئة كإضاءة الصبح، والمصابيح: السرج فسميت بها الكواكب. أقول: ولعل المراد بهذه المصابيح الكواكب السيارة وحدها كما سنرى في الفوائد وَجَعَلْناها رُجُوماً قال النسفي: والرجوم جمع رجم أو هو مصدر سمي به ما يرجم به لِلشَّياطِينِ قال النسفي: ومعنى كونها رجوما للشياطين أي: ينفصل عنها شهاب قبس يؤخذ من نار فيقتل الجني أو يخبله. قال ابن كثير: عاد الضمير في قوله: وجعلناها على جنس المصابيح لا على عينها، لأنه لا يرمى بالكواكب التي في السماء بل بشهب من دونها، وقد تكون مستمدة منها. أقول: وليس شرطا أن يكون الانفصال آنيا بل قد يكون الانفصال قد تم من قبل، ومن المعلوم أنه في هذا الفضاء تسبح أشياء كثيرة سوى النجوم والكواكب، كما أنه من المعلوم أن كوكبا سيارا سوى التسعة قد انفجر منذ زمن بعيد، وخلف وراءه كويكبات، وعلى كل فالنيازك التي تدخل جو الأرض ويصل بعضها إلى الأرض أحيانا هي من مادة الأرض والكواكب؛ لأن المادة واحدة، ولنا عودة على هذا الموضوع وَأَعْتَدْنا لَهُمْ أي: للشياطين عَذابَ السَّعِيرِ أي: في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا. قال ابن كثير: أي: جعلنا للشياطين هذا الخزي في الدنيا، وأعتدنا لهم عذاب السعير في الأخرى وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا أي: وأعتدنا للذين كفروا بِرَبِّهِمْ من الشياطين ومن الإنس عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ أي: المآل والمنقلب إِذا أُلْقُوا فِيها أي: إذا طرحوا في جهنم كما يطرح الحطب في النار العظيمة سَمِعُوا لَها أي: لجهنم شَهِيقاً قال ابن جرير يعني: الصياح. وقال النسفي: أي: صوتا منكرا، شبه حسيسها المنكر الفظيع بالشهيق وَهِيَ تَفُورُ أي: تغلي بهم غليان المرجل بما فيه تَكادُ تَمَيَّزُ أي: تتميز يعني: تتقطع وتتفرق مِنَ الْغَيْظِ على الكفار. قال النسفي: فجعلت

стр. 5742

كالمغتاظة عليهم استعارة لشدة غليانها بهم، وقال ابن كثير: أي: تكاد ينفصل بعضها عن بعض من شدة غيظها وحنقها بهم كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ أي: جماعة من الكفار سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أي: مالك وأعوانه من الزبانية توبيخا لهم: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ أي: رسول يخوفكم من هذا العذاب قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ هذا اعتراف منهم بعدل الله، وإقرار بأنه تعالى أزاح عللهم ببعث الرسل وإنذارهم ما وقعوا فيه فَكَذَّبْنا أي: فكذبناهم وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ أي: مما تقولون أيها الرسل من وعد ووعيد وغير ذلك إِنْ أي: ما أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ هل هذا من كلام الكفار لرسلهم، أو من كلام الخزنة للكفار؟ قولان للمفسرين. قال النسفي: (قال الكفار للمنذرين: ما أنتم إلا في خطأ عظيم، فالنذير بمعنى الإنذار، ثم وصف به منذروهم لغلوهم في الإنذار كأنهم ليسوا إلا إنذارا، وجاز أن يكون هذا كلام الخزنة للكفار على إرادة القول، ومرادهم بالضلال: الهلاك، أو سموا جزاء الضلال باسمه كما سمى جزاء السيئة والاعتداء سيئة واعتداء، ويسمى المشاكلة في علم البيان، أو كلام الرسل لهم حكوه للخزنة، أي: قالوا لنا هذا فلم نقبله). ذكر تعالى في الآية عدله في خلقه، وأنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه، وإرسال الرسول إليه وَقالُوا أي: الكفار لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ الإنذار سماع طالب الحق أَوْ نَعْقِلُ أي: نعقله عقل تأمل ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ أي: في جملة أهل النار. قال النسفي: وفيه دليل على أن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل، وأنهما حجتان ملزمتان. قال ابن كثير: (أي: لو كانت لنا عقول ننتفع بها، أو نسمع ما أنزل الله من الحق لما كنا على ما كنا عليه من الكفر بالله والاغترار به، ولكن لم يكن لنا فهم نعي به ما جاءت به الرسل، ولا كان لنا عقل يرشدنا إلى اتباعهم) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ أي: بكفرهم في تكذيبهم الرسل فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ أي: فبعدا لهم عن رضى الله وكرامته، اعترفوا أو جحدوا، فإن ذلك لا ينفعهم إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ قال النسفي: أي: قبل معاينة العذاب لَهُمْ مَغْفِرَةٌ للذنوب وَأَجْرٌ كَبِيرٌ أي: الجنة. قال ابن كثير في الآية: (يقول تعالى مخبرا عمن يخاف مقام ربه فيما بينه وبينه، إذا كان غائبا عن الناس فينكف عن المعاصي، ويقوم بالطاعات حيث لا يراه أحد إلا الله تعالى، بأنه له مغفرة وأجر كبير، أي: تكفر عنه ذنوبه ويجازى بالثواب الجزيل) ثم قال تعالى منبها على أنه مطلع على الضمائر والسرائر وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ أي: ليستو عندكم

стр. 5743

إسراركم وجهركم في علم الله بهما ثم علل ذلك بقوله: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ قال النسفي: (أي: بضمائرها قبل أن تترجم الألسنة عنها، فكيف لا يعلم ما تكلمتم به). وقال ابن كثير: أي: بما يخطر في القلوب أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ أي: ألا يعلم الخالق للقول القول وَهُوَ اللَّطِيفُ أي: العالم بدقائق الأشياء الْخَبِيرُ أي: العالم بحقائق الأشياء. قال النسفي: وفيه إثبات خلق الأقوال فيكون دليلا على خلق أفعال العباد. كلمة في السياق: ١ - قلنا إن محور السورة هو محور سورة الأنعام كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فلنر كيف فصلت الفقرة الأولى من سورة الملك في هذا المحور: أما قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فقد فصل فيه قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا إذ علل لحكمة خلق الموت والحياة. وأما قوله تعالى: فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فنلاحظ أن قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ تفصيل له، إذ لفت النظر إلى كيفية الاستدلال به على وجود الله والإيمان به. وأقامت الفقرة الحجة على الكافرين بدقة هذا الكون وتحدثت عن ما أعد الله للكافرين من عذاب، وكيف أن الكافرين يوم القيامة يندمون على كفرهم وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ فالفقرة أقامت الحجة على الكافرين بظاهرة الخلق وظاهرة العناية، وتحدثت عما يقع للكافرين يوم القيامة، وتحدثت الفقرة عن مقتضى من مقتضيات الإيمان الحقيقي بالله وهو الخشية من الله إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ ... فمن تأمل الفقرة التي مرت معنا وجد أنها كلها تصب في تفصيل آيتي المحور ومعانيها، وما ذكرناه كاف للتدليل على ذلك. ٢ - بدأت السورة بالكلام عن الله ، ومالكيته، وقدرته، وخلقه

стр. 5744

الموت والحياة، وحكمة ذلك، ثم تحدثت عن خلقه السموات ودقة الخلق، وأمرت بتكرار النظر للوصول من خلاله إلى اليقين الكامل، ثم تحدثت عن تزيين السماء الدنيا بالكواكب، ورجم الشياطين بها؛ ليصل النص إلى الكلام عن عذاب الشياطين والكافرين يوم القيامة، ودخولهم النار، وتوبيخ الملائكة لهم، واعتراف الكافرين بمواقفهم التي استحقوا بها العقاب، واعترافهم أنهم كانوا بلا سمع ولا عقل، وفي هذا السياق يحدثنا الله عن الذين يستحقون مغفرته وجنته، وهم الذين يخشون ربهم بالغيب، ومجئ هذا المعنى في سياق إقامة الحجة على الكافرين يوحي بأن المظهر الحقيقي للإيمان بالله هو خشية الله ، وهاهنا يذكرنا الله بما يستثير في قلوبنا الخشية منه، وهو علمه بسرنا وجهرنا، ويذكر لنا الدليل على ذلك أنه هو الذي خلق هذا السر والجهر، ومن تأمل هذه المعاني وجدها على صلة كاملة بقوله تعالى في المحور: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. ٣ - يلاحظ أن الفقرة الثانية من سورة الملك تبدأ بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ وهي كما ترى شديدة الصلة بالآية الثانية من المحور هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وكذلك بقية الفقرة، فكأن الفقرة الأولى أشد لصوقا بمعاني الآية الأولى من المحور، والفقرة الثانية أشد لصوقا بمعاني الآية الثانية. ***

стр. 5745

الفقرة الثانية وتمتد من الآية (١٥) إلى نهاية السورة أي: إلى نهاية الآية (٣٠) وهذه هي مقدمة الفقرة [سورة الملك (٦٧): آية ١٥] هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) المجموعة الأولى [سورة الملك (٦٧): الآيات ١٦ الى ٢٢] أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩) أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) المجموعة الثانية [سورة الملك (٦٧): الآيات ٢٣ الى ٣٠] قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠)
следующие страницы →