← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

والفطور جمع فطر وهو في الأصل: بمعنى الشق والصدع واستعمل هنا بمعنى الخلل ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ أي: كرر النظر كَرَّتَيْنِ أي: مرتين، أي: مرة مع الأولى، وقيل سوى الأولى فتكون ثلاث مرات، وقيل لم يرد الاقتصار على مرتين، بل أراد به التكرير بكثرة، أي: كرر نظرك ودققه هل ترى خللا أو عيبا، وجواب الأمر: يَنْقَلِبْ أي: يرجع إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً أي: ذليلا صاغرا، أو بعيدا عن أن يرى عيبا وَهُوَ حَسِيرٌ أي: كليل قد انقطع من الإعياء من كثرة التكرر، ولا يرى نقصا. قال ابن كثير: ولما نفى عنها في خلقها النقص بين كمالها وزينتها فقال: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ قال النسفي: أي: بكواكب مضيئة كإضاءة الصبح، والمصابيح: السرج فسميت بها الكواكب. أقول: ولعل المراد بهذه المصابيح الكواكب السيارة وحدها كما سنرى في الفوائد وَجَعَلْناها رُجُوماً قال النسفي: والرجوم جمع رجم أو هو مصدر سمي به ما يرجم به لِلشَّياطِينِ قال النسفي: ومعنى كونها رجوما للشياطين أي: ينفصل عنها شهاب قبس يؤخذ من نار فيقتل الجني أو يخبله. قال ابن كثير: عاد الضمير في قوله: وجعلناها على جنس المصابيح لا على عينها، لأنه لا يرمى بالكواكب التي في السماء بل بشهب من دونها، وقد تكون مستمدة منها. أقول: وليس شرطا أن يكون الانفصال آنيا بل قد يكون الانفصال قد تم من قبل، ومن المعلوم أنه في هذا الفضاء تسبح أشياء كثيرة سوى النجوم والكواكب، كما أنه من المعلوم أن كوكبا سيارا سوى التسعة قد انفجر منذ زمن بعيد، وخلف وراءه كويكبات، وعلى كل فالنيازك التي تدخل جو الأرض ويصل بعضها إلى الأرض أحيانا هي من مادة الأرض والكواكب؛ لأن المادة واحدة، ولنا عودة على هذا الموضوع وَأَعْتَدْنا لَهُمْ أي: للشياطين عَذابَ السَّعِيرِ أي: في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا. قال ابن كثير: أي: جعلنا للشياطين هذا الخزي في الدنيا، وأعتدنا لهم عذاب السعير في الأخرى وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا أي: وأعتدنا للذين كفروا بِرَبِّهِمْ من الشياطين ومن الإنس عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ أي: المآل والمنقلب إِذا أُلْقُوا فِيها أي: إذا طرحوا في جهنم كما يطرح الحطب في النار العظيمة سَمِعُوا لَها أي: لجهنم شَهِيقاً قال ابن جرير يعني: الصياح. وقال النسفي: أي: صوتا منكرا، شبه حسيسها المنكر الفظيع بالشهيق وَهِيَ تَفُورُ أي: تغلي بهم غليان المرجل بما فيه تَكادُ تَمَيَّزُ أي: تتميز يعني: تتقطع وتتفرق مِنَ الْغَيْظِ على الكفار. قال النسفي: فجعلت

стр. 5742

كالمغتاظة عليهم استعارة لشدة غليانها بهم، وقال ابن كثير: أي: تكاد ينفصل بعضها عن بعض من شدة غيظها وحنقها بهم كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ أي: جماعة من الكفار سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أي: مالك وأعوانه من الزبانية توبيخا لهم: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ أي: رسول يخوفكم من هذا العذاب قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ هذا اعتراف منهم بعدل الله، وإقرار بأنه تعالى أزاح عللهم ببعث الرسل وإنذارهم ما وقعوا فيه فَكَذَّبْنا أي: فكذبناهم وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ أي: مما تقولون أيها الرسل من وعد ووعيد وغير ذلك إِنْ أي: ما أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ هل هذا من كلام الكفار لرسلهم، أو من كلام الخزنة للكفار؟ قولان للمفسرين. قال النسفي: (قال الكفار للمنذرين: ما أنتم إلا في خطأ عظيم، فالنذير بمعنى الإنذار، ثم وصف به منذروهم لغلوهم في الإنذار كأنهم ليسوا إلا إنذارا، وجاز أن يكون هذا كلام الخزنة للكفار على إرادة القول، ومرادهم بالضلال: الهلاك، أو سموا جزاء الضلال باسمه كما سمى جزاء السيئة والاعتداء سيئة واعتداء، ويسمى المشاكلة في علم البيان، أو كلام الرسل لهم حكوه للخزنة، أي: قالوا لنا هذا فلم نقبله). ذكر تعالى في الآية عدله في خلقه، وأنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه، وإرسال الرسول إليه وَقالُوا أي: الكفار لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ الإنذار سماع طالب الحق أَوْ نَعْقِلُ أي: نعقله عقل تأمل ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ أي: في جملة أهل النار. قال النسفي: وفيه دليل على أن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل، وأنهما حجتان ملزمتان. قال ابن كثير: (أي: لو كانت لنا عقول ننتفع بها، أو نسمع ما أنزل الله من الحق لما كنا على ما كنا عليه من الكفر بالله والاغترار به، ولكن لم يكن لنا فهم نعي به ما جاءت به الرسل، ولا كان لنا عقل يرشدنا إلى اتباعهم) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ أي: بكفرهم في تكذيبهم الرسل فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ أي: فبعدا لهم عن رضى الله وكرامته، اعترفوا أو جحدوا، فإن ذلك لا ينفعهم إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ قال النسفي: أي: قبل معاينة العذاب لَهُمْ مَغْفِرَةٌ للذنوب وَأَجْرٌ كَبِيرٌ أي: الجنة. قال ابن كثير في الآية: (يقول تعالى مخبرا عمن يخاف مقام ربه فيما بينه وبينه، إذا كان غائبا عن الناس فينكف عن المعاصي، ويقوم بالطاعات حيث لا يراه أحد إلا الله تعالى، بأنه له مغفرة وأجر كبير، أي: تكفر عنه ذنوبه ويجازى بالثواب الجزيل) ثم قال تعالى منبها على أنه مطلع على الضمائر والسرائر وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ أي: ليستو عندكم

стр. 5743

إسراركم وجهركم في علم الله بهما ثم علل ذلك بقوله: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ قال النسفي: (أي: بضمائرها قبل أن تترجم الألسنة عنها، فكيف لا يعلم ما تكلمتم به). وقال ابن كثير: أي: بما يخطر في القلوب أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ أي: ألا يعلم الخالق للقول القول وَهُوَ اللَّطِيفُ أي: العالم بدقائق الأشياء الْخَبِيرُ أي: العالم بحقائق الأشياء. قال النسفي: وفيه إثبات خلق الأقوال فيكون دليلا على خلق أفعال العباد. كلمة في السياق: ١ - قلنا إن محور السورة هو محور سورة الأنعام كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فلنر كيف فصلت الفقرة الأولى من سورة الملك في هذا المحور: أما قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فقد فصل فيه قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا إذ علل لحكمة خلق الموت والحياة. وأما قوله تعالى: فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فنلاحظ أن قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ تفصيل له، إذ لفت النظر إلى كيفية الاستدلال به على وجود الله والإيمان به. وأقامت الفقرة الحجة على الكافرين بدقة هذا الكون وتحدثت عن ما أعد الله للكافرين من عذاب، وكيف أن الكافرين يوم القيامة يندمون على كفرهم وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ فالفقرة أقامت الحجة على الكافرين بظاهرة الخلق وظاهرة العناية، وتحدثت عما يقع للكافرين يوم القيامة، وتحدثت الفقرة عن مقتضى من مقتضيات الإيمان الحقيقي بالله وهو الخشية من الله إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ ... فمن تأمل الفقرة التي مرت معنا وجد أنها كلها تصب في تفصيل آيتي المحور ومعانيها، وما ذكرناه كاف للتدليل على ذلك. ٢ - بدأت السورة بالكلام عن الله ، ومالكيته، وقدرته، وخلقه

стр. 5744

الموت والحياة، وحكمة ذلك، ثم تحدثت عن خلقه السموات ودقة الخلق، وأمرت بتكرار النظر للوصول من خلاله إلى اليقين الكامل، ثم تحدثت عن تزيين السماء الدنيا بالكواكب، ورجم الشياطين بها؛ ليصل النص إلى الكلام عن عذاب الشياطين والكافرين يوم القيامة، ودخولهم النار، وتوبيخ الملائكة لهم، واعتراف الكافرين بمواقفهم التي استحقوا بها العقاب، واعترافهم أنهم كانوا بلا سمع ولا عقل، وفي هذا السياق يحدثنا الله عن الذين يستحقون مغفرته وجنته، وهم الذين يخشون ربهم بالغيب، ومجئ هذا المعنى في سياق إقامة الحجة على الكافرين يوحي بأن المظهر الحقيقي للإيمان بالله هو خشية الله ، وهاهنا يذكرنا الله بما يستثير في قلوبنا الخشية منه، وهو علمه بسرنا وجهرنا، ويذكر لنا الدليل على ذلك أنه هو الذي خلق هذا السر والجهر، ومن تأمل هذه المعاني وجدها على صلة كاملة بقوله تعالى في المحور: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. ٣ - يلاحظ أن الفقرة الثانية من سورة الملك تبدأ بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ وهي كما ترى شديدة الصلة بالآية الثانية من المحور هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وكذلك بقية الفقرة، فكأن الفقرة الأولى أشد لصوقا بمعاني الآية الأولى من المحور، والفقرة الثانية أشد لصوقا بمعاني الآية الثانية. ***

стр. 5745

الفقرة الثانية وتمتد من الآية (١٥) إلى نهاية السورة أي: إلى نهاية الآية (٣٠) وهذه هي مقدمة الفقرة [سورة الملك (٦٧): آية ١٥] هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) المجموعة الأولى [سورة الملك (٦٧): الآيات ١٦ الى ٢٢] أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩) أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) المجموعة الثانية [سورة الملك (٦٧): الآيات ٢٣ الى ٣٠] قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠)

стр. 5746

التفسير: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا أي: لينة سهلة، مذللة مسخرة معبدة للإنسان يستطيع أن يستفيد منها ويطمئن فيها فَامْشُوا فِي مَناكِبِها أي: في جوانبها استدلالا واسترزاقا، أو في جبالها وطرقها. قال ابن كثير: أي: فسافروا حيث شئتم من أقطارها، وترددوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات. أقول: وهذا مظهر من مظاهر تذليلها وتسخيرها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ أي: من رزق الله فيها، وهذا مظهر ثان من مظاهر تسخيرها أن أوجد فيها كل ما يحتاجه الإنسان لرزقه وَإِلَيْهِ النُّشُورُ أي: المرجع يوم القيامة. قال النسفي: أي: وإليه نشوركم فهو سائلكم عن شكر ما أنعم به عليكم. كلمة في السياق: ١ - يلاحظ أن الرجوع إلى الله قد ذكر في الآية الأولى من آيتي المحور: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ثم جاءت الآية الثانية في المحور وهي كالدليل على ما ورد في الآية الأولى من خلق الموت والحياة والرجوع إلى الله فقالت: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ونلاحظ أن الرجوع إلى الله في السورة ذكر هنا بجانب تذليل الله الأرض للإنسان هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ فالرجوع إلى الله ذكر هاهنا بجانب المعنى الذي يرجع إلى آية المحور الثانية

стр. 5747

فما فهمناه هناك من السياق نراه هاهنا صراحة. ٢ - بدأت السورة بالكلام عن خلق الموت والحياة، وحكمة ذلك، وسارت في سياقها الرئيسي في عرض مظاهر الخلق، حتى استقرت على الآية الأخيرة لتبدأ حوارا مع الكافرين بالله واليوم الآخر، فبعد أن أقامت الحجة على الكافرين، وبعد أن لفتت نظر الإنسان إلى وجوب الشكر، تبدأ السورة في الخطاب المباشر للإنسان لتقتلع جذور الكفر بالله واليوم الآخر في مجموعتين متلاحقتين: الأولى عمادها الاستفهام، والثانية عمادها الأمر (قل). ٣ - لاحظ أن محور السورة يبدأ بهذا الخطاب كَيْفَ تَكْفُرُونَ ... وأن الآية الأولى من المجموعة القادمة تقول: أَأَمِنْتُمْ لاحظ التشابه، فآية المحور فيها خطاب للإنسان الكافر، وآية المجموعة الأولى وما بعدها فيها خطاب مباشر للإنسان الكافر، وآية المحور تبدأ باستفهام، والمجموعة تبدأ باستفهام، وفي الاستفهام هنا تعجيب وإنكار كما أنه هناك كذلك. تفسير المجموعة الأولى من الفقرة الثانية أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أي: أأمنتم الله أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ من تحتكم فَإِذا هِيَ تَمُورُ أي: تضطرب وتتزلزل بكم جزاء لكم على كفركم، أو ليس هو الذي جعلها لكم ذلولا، أو ليس القادر على خلقها كما هي قادرا على أن يفعل فيها هذا أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً أي: حجارة. قال ابن كثير: أي: ريحا فيها حصباء تدمغكم فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ أي: إذا رأيتم المنذر به علمتم كيف إنذاري حين لا ينفعكم العلم. قال ابن كثير: أي: كيف يكون إنذاري وعاقبة من تخلف عنه وكذب به وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ أي: فكيف كان إنكاري عليهم ومعاقبتي لهم؟ لقد كان عظيما شديدا أليما، فكيف يأمن هؤلاء تعذيبي لهم على كفرهم. قال النسفي: ثم نبه الله على قدرته على الخسف وإرسال الحاصب بقوله: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ أي: باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانهن وَيَقْبِضْنَ ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن ما يُمْسِكُهُنَّ أي: في الجو إِلَّا الرَّحْمنُ قال ابن كثير: أي: بما سخر لهن من الهواء من رحمته ولطفه. وقال النسفي: أي: ما يمسكهن عن الوقوع عند القبض

стр. 5748

والبسط إلا الرحمن بقدرته إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ قال ابن كثير: أي: بما يصلح كل شئ من مخلوقاته. وقال النسفي: أي: يعلم كيف يخلق وكيف يدبر العجائب. أقول: لفت الله النظر إلى بديع صنعه في خلقه الطير على ما هو عليه، وجعله سنن الكون تخدمه، إلى بصارته تعالى في الأشياء وخلقها، وهذا يقتضي من الإنسان إيمانا وخشية، لا كفرا وأمنا، ثم قال تعالى منكرا عليهم أمنهم، وحاملا لهم على خشيته: أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ قال ابن كثير: أي: ليس لكم من دونه من ولي ولا واق ولا ناصر لكم، وقال النسفي: والمعنى: من المشار إليه بالنصر غير الله؟ أقول: وإذ كان الجواب بالنفي فإن الله يقول: إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ أي: ما هم إلا في غرور عند ما يأمنون عذابه أو يتكلون على غيره، أو يكفرون به، أو يعبدون سواه، ثم قال تعالى: أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ قال ابن كثير: (أي: من هذا الذي إذا قطع الله عنكم رزقه يرزقكم بعده أي: لا أحد يعطي ويمنع ويخلق ويرزق وينصر إلا الله وحده لا شريك له) يعلمون ذلك، ويعبدون غيره. وفي الصيغة إنكار عليهم في كفرهم، ومطالبة لهم أن يؤمنوا ولكن لما كانوا قد وصلوا إلى حالة من الكفر لم يعد لهم معها رجعة إلى الإيمان قال: بَلْ لَجُّوا أي: تمادوا فِي عُتُوٍّ أي: استكبار عن الحق وَنُفُورٍ أي: وشراد عنه لثقله عليهم فلم يتبعوه. قال ابن كثير: أي: استمروا في طغيانهم وإفكهم، وضلالهم ... في معاندة واستكبار، ونفور على أدبارهم عن الحق لا يسمعون له، ولا يتبعونه. أقول: ثم ضرب الله مثلا لحال الكافر والمؤمن، منه يفهم أن هؤلاء الكافرين في غاية الضلال. فقال: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أي: ساقطا على وجهه يعثر كل ساعة ويمشي معتسفا أَهْدى أي: أرشد أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا أي: مستويا منتصبا سالما من العثور والخرور عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ على طريق مستو. قال ابن كثير: (وهذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، فالكافر مثله فيما هو فيه كمثل من يمشي مكبا على وجهه، منحنيا لا مستويا على وجهه، أي: لا يدري أين يسلك، ولا كيف يذهب، بل تائه ضال. أهذا أهدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا أي: منتصب القامة عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي: على طريق واضح بين، وهو في نفسه مستقيم وطريقه مستقيمة، وهذا مثلهم في الدنيا، وكذلك يكونون في الآخرة، فالمؤمن يحشر يمشي سويا على صراط مستقيم، مفض به إلى الجنة الفيحاء، وأما الكافر فإنه يحشر يمشي على وجهه إلى نار جهنم). وبهذا انتهت

стр. 5749

المجموعة الأولى من الفقرة الثانية. كلمة في السياق: ١ - استثارت المجموعة كوامن النفس البشرية لإيصالها إلى خشية الله ، وبإدراكنا لهذا المعنى ندرك صلة المجموعة بما قبلها من سياق السورة إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ* وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ* أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ* هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ* أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ* أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ* وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ* أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ* أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ* أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ* أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. ٢ - أنذرت المجموعة الكافرين بأنواع من الإنذارات، ثم مثلت لحالهم وعجبت من حالهم، وأنكرت عليهم هذا الحال، وصلة ذلك بمحور السورة كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ... واضحة. ٣ - يلاحظ أن سورة سبأ محورها هو نفس محور سورة الملك، ومن ثم فقد ورد في سورة سبأ قوله تعالى: أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، وأن المجموعة التي مرت معنا بدأت بقوله تعالى: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ* أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ. ٤ - من سياق السورة عرفنا أن هناك صنفين من البشر: صنفا يخشى الله وهو الذي يمشي سويا على صراط مستقيم، وصنفا لا يخشى الله وهو الذي يمشي مكبا على وجهه، ومن السورة عرفنا أن الصنف الأول هو المهتدي، وأن كل الحجج العقلية والنقلية بجانبه، وأن الصنف الثاني هو الضال، ولا عقل ولا سمع

стр. 5750

بجانبه، وبذلك عرفنا الآثار العملية للكفر بالله، والآثار العملية للإيمان بالله ، فخشية الله هي الأثر الصحيح للإيمان بالله، والأمن من عذاب الله في الدنيا والآخرة هو الأثر اللعين للكفر بالله، فالسورة إذن تفصل في المحور من حيث إنها توضح حجج المحور وتبين تفصيلات فيها، ومن حيث إنها تلفت النظر إلى آثار الكفر بالله ، لقد عرفتنا السورة على الله ، ودلتنا عليه، وأقامت الحجة على الكافرين به، وعنفتهم على أمنهم من عقابه، وبشرت المؤمنين الخائفين من عذابه، ومثلت لحال هؤلاء وهؤلاء. ٥ - ولقد استقرت المجموعة التي مرت معنا على تبيان حال الكافرين والمؤمنين، ومن ثم تأتي المجموعة الثانية في الفقرة الثانية آمرة رسول الله ﷺ أن يقول لهؤلاء الكافرين معاني محددة؛ ولذلك تتكرر كلمة (قل) في المجموعة التالية. تفسير المجموعة الثانية من الفقرة الثانية الأمر الأول: قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ قال ابن كثير: أي: ابتدأ خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ أي: العقول والإدراك، قال النسفي في علة تخصيص السمع والبصر والفؤاد بالذكر: خصها (أي: بالذكر) لأنها آلات العلم قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ أي: تشكرون شكرا قليلا هذه النعم لأنكم تشركون بالله ولا تخلصون له العبادة. قال ابن كثير: أي: قلما تستعملون هذه القوى التي أنعم الله بها عليكم في طاعته وامتثال أوامره وترك زواجره. كلمة في السياق: ١ - ذكر الله في هذه الآية الإنسان بابتداء خلقه، وبما أنعم عليه من أمهات النعم، وبين له أن ذلك يقتضي منه الشكر، وفي ذلك إنكار على الكافرين الذين لجوا في عتو ونفور، وإقامة حجة عليهم، واستخراج للشكر من المؤمنين، وهكذا عرفنا صفة ثالثة من صفات أهل الإيمان: الأولى: خشية الله، والثانية: المشي المستقيم على الصراط المستقيم، والثالثة: الشكر على ما أنعم الله به، وهي كلها لوازم الإيمان بالله.

стр. 5751

٢ - يلاحظ أن آية المحور الأولى قالت: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وأن الأمر الأول هاهنا كان قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ لاحظ صلة ذلك بقوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ويلاحظ أن الأمر الثاني في هذه المجموعة يقول: قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ لاحظ صلة ذلك بقوله تعالى في المحور: فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فكلمة (ترجعون) في المحور، وكلمة (تحشرون) في الآية التي ستأتي معنا الآن متلازمتان، فالصلة على أتم الوضوح بين المحور والسورة، فلنر الأمر الثاني. الأمر الثاني: قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ قال النسفي: أي: خلقكم، وقال ابن كثير: أي: بثكم ونشركم في أقطار الأرض وأرجائها مع اختلاف ألسنتكم في لغاتكم وألوانكم، وحلاكم وأشكالكم وصوركم وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي: للحساب والجزاء. قال ابن كثير: (أي: تجمعون بعد هذا التفرق والشتات يجمعكم كما فرقكم، ويعيدكم كما بدأكم) ولما كان الكفار ينكرون الحشر أصلا- كأثر عن كفرهم بالله فقد أخبرنا الله عن هذا الإنكار للمعاد واستبعاد الكافرين له. فقال: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ أي: الذي تعدوننا به من أننا سنحشر إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي: في كونه، فأعلمونا زمانه، قال ابن كثير: أي: متى يقع هذا الذي تخبرنا بكونه من الاجتماع بعد هذا التفرق. أقول: علامة صدق الرسول والمؤمنين عندهم تتمثل في قدرتهم على تحديد الزمن الذي يجئ فيه اليوم الآخر، وليس الأمر كذلك، فمجيء اليوم الآخر قضية عقلية نقلية، هي أثر عن الإيمان بالله، وقد شاء الله ألا يعلم أحد بزمنها لحكمة؛ ولذلك قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ قال ابن كثير: أي: لا يعلم وقت ذلك على اليقين إلا الله ، لكنه أمرني أن أخبركم أن هذا كائن وواقع لا محالة فاحذروه وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ أي: منذر مُبِينٌ قال النسفي: أي: أبين لكم الشرائع، وقال ابن كثير: أي: وإنما علي البلاغ وقد أديته إليكم فَلَمَّا رَأَوْهُ أي: الوعد يعني: العذاب في اليوم الموعود زُلْفَةً أي: قريبا منهم سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي: ساءت رؤية الوعد وجوههم، بأن علتها الكآبة والمساءة، وغشيتها القترة

стр. 5752

والسواد. قال ابن كثير: أي: لما قامت القيامة، وشاهدها الكفار، ورأوا أن الأمر كان قريبا لأن كل ما هو آت آت وإن طال زمنه، فلما وقع ما كذبوا به ساءهم ذلك لما يعلمون ما لهم هناك من الشر، أي: فأحاط بهم ذلك وجاءهم من أمر الله ما لم يكن لهم في بال ولا حساب ... ولهذا يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ أي: تستعجلون. قال النسفي: من الدعاء أي: تسألون تعجيله، وتقولون: ائتنا بما تعدنا، أو هو من الدعوى أي: كنتم بسببه تدعون أنكم لا تبعثون. كلمة في السياق: ١ - في قوله تعالى: قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ دليل ضمني على مجئ اليوم الآخر، فمتى ثبت أن الله هو الذي خلق البشر وبثهم في الأرض، لم يعد مستغربا أن يحشرهم، فمن بدأهم لا يعجزه أن يخلقهم مرة ثانية ويحشرهم، وهكذا نجد أن الأمر الثاني يؤكد مضمون الأمر الأول، ويزيد عليه. ٢ - ولما كان الكافرون منهمكين في الكفر، ومستمرين عليه، ومستكبرين ونافرين بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ فإنهم يتضايقون من الإنذار باليوم الآخر، ومن التذكير بالله، ومن المنذرين والمذكرين، ولذلك يتمنون لهم الهلاك، ومن ثم أمر الله رسوله ﷺ أن يبين لهم أنه سواء هلك المؤمنون أو لم يهلكوا، فالأمر سواء بالنسبة لتعذيب الكافرين، وليس لهم مفر من التعذيب، فليفكروا في صلب ما هم فيه، وفي ذلك إرجاع للكافر إلى أصل الموضوع. وتعليم لنا أن نبقي الكافر في النقطة الرئيسية فلا يصرفنا عنها إلى فرعيات. ... الأمر الثالث: قُلْ قال ابن كثير: قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله الجاحدين لنعمه أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ أي: إن أماتني الله وَمَنْ مَعِيَ من أصحابي أَوْ رَحِمَنا أي: أو أخر آجالنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ أي: من ينجيهم من عذاب النار. قال ابن كثير: (أي: خلصوا أنفسكم فإنه لا منقذ لكم من الله إلا التوبة والإنابة والرجوع إلى دينه، ولا ينفعكم وقوع ما تتمنون لنا من العذاب

стр. 5753

والنكال، فسواء عذبنا الله أو رحمنا، فلا مناص لكم من نكاله وعذابه الأليم الواقع بكم). كلمة في السياق: في الآية التي مرت معنا دعوة للكافرين أن يؤمنوا، وأن يتركوا ما هم عليه من كفر، وألا تنسيهم أمانيهم الفاجرة الظالمة في حق المؤمنين حقيقة ما أمامهم، والآن يأتي أمر رابع يأمر الله به رسوله ﷺ أن يعلن هو والمؤمنون عن إيمانهم بالله، وتوكلهم عليه، في مقابل كفر هؤلاء الكافرين، وتمنيهم أن يهلك رسول الله والمؤمنون، وصلة هذا الأمر بما قبله لا تخفى. الأمر الرابع: قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ في ذكر الرحمن هنا إشارة إلى أن أهل الإيمان مرحومون، وأن ما يتمناه الكافرون لهم هو محض ضلال، ففعل الله بالمؤمنين دائما محفوف بالرحمة آمَنَّا بِهِ أي: صدقنا به ولم نكفر به كما كفرتم، فنحن محل ظهور آثار رحمته وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا في جميع أمورنا، أي: فوضنا إليه أمورنا، فمهما فعل فينا فنحن راضون مستسلمون، وهو ﷻ حسبنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ نحن المؤمنين به المتوكلين عليه، أم أنتم الكافرين به المعتمدين على الأسباب. قال ابن كثير: أي: منا ومنكم، ولمن تكون العاقبة في الدنيا والآخرة. كلمة في السياق: في هذه الآية رد على رغبة الكافرين بهلاك رسول الله ﷺ والمؤمنين، وفيها تبيان لأثر جديد من آثار الإيمان بالله وهو التوكل عليه، وفيها بيان لكون الكافرين بالله الذين لا يتوكلون عليه في ضلال واضح، ثم تأتي آية أخيرة فيها دليل على أن الله وحده هو أهل للإيمان به وأهل للتوكل عليه، وفيها دليل على افتقار خلقه إليه، ومن ثم ففيها إنكار على من يكفر به وهذه هي: الأمر الخامس: قُلْ أَرَأَيْتُمْ أي: أخبروني إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً أي: غائرا ذاهبا في الأرض، فلا نهر ولا عين ولا بئر، بل يذهبه الله في باطن الأرض حيث

стр. 5754

لا تستفيدون منه فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ قال ابن كثير: أي: نابع سائح جار على وجه الأرض، أي: لا يقدر على ذلك إلا الله ، فمن فضله وكرمه أن أنبع لكم المياه، وأجراها في سائر أقطار الأرض بحسب ما يحتاج العباد إليه من القلة والكثرة فلله الحمد والمنة. كلمة في السياق: ١ - رأينا صلة الآية الأخيرة بما قبلها مباشرة، وأما صلتها ببداية فقرتها- أي: بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ- فمن حيث إن للماء المعين صلة كبيرة بتذليل الأرض، والأكل من أرزاقها. وأما صلة الآية الأخيرة بمحور السورة- أي: بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً- فمن حيث إن مما خلقه الله في هذه الأرض للإنسان هذه المياه التي لولاها لتعذرت الحياة. ٢ - واضح أن السورة آخذة آياتها برقاب بعضها، ومتعانقة ضمن سياق واضح المعالم، يبدأ بالتعريف على الله، ثم ينذر الكافرين، ثم يأمر الرسول ﷺ أن يخاطب هؤلاء الكافرين الخطاب، تلو الخطاب حتى تنتهي السورة، وقد رأينا ذلك كله وصلته بالمحور، ولنا عودة على سياق السورة في الكلمة الأخيرة عنها. ... الفوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا قال ابن كثير: (وروى ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «إن الله أذل بني آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت، وجعل الآخرة دار جزاء، ثم دار بقاء» ورواه معمر عن قتادة). ٢ - بمناسبة قوله تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ أقول: الذي أميل إليه أن المراد بالمصابيح الكواكب السيارة، والذي رجح ذلك عندي هو ما يلي: أ- يلاحظ أن القرآن عبر عن الشمس بالسراج، ومن المعلوم أن النجوم في هذا

стр. 5755

الكون كلها من نوع الشمس، والكواكب السيارة وحدها ليست من هذا القبيل، والله تعالى قال في سورة الصافات: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وهاهنا قال: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ. ب- من المعلوم أن الأحاديث النبوية تشير إلى أن بعد السماء الدنيا عن الأرض خمسمائة سنة، ومن المعلوم أن النجوم تبعد عن الأرض كثيرا، حتى إن أقرب نجم يبعد عن الأرض أربع سنين ضوئية، وعلى هذا فليس بين الأرض والسماء إلا الكواكب السيارة فهي المصابيح. (ج) من المستبعد أن تكون الشهب آتية من نجوم هذا الكون، فالأقرب أنها أجزاء من الكواكب السيارة، والله حدثنا أن هذه الشهب من هذه المصابيح، وهذا يرجح أن المراد بالمصابيح الكواكب السيارة، وهذا موضوع شائك لا أجزم فيه، ولكني أذكر رأيا لعله يفيد الباحثين. ٣ - بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ قال ابن كثير: (كما ثبت في الصحيحين: «سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله» فذكر منهم رجلا دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجلا تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه). ٤ - بمناسبة قوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا قال صاحب الظلال: (فمما يقوله العلم في مدلول الأرض الذلول: إن هذا الوصف: ذَلُولًا ... الذي يطلق عادة على الدابة، مقصود في إطلاقه على الأرض! فالأرض هذه التي نراها ثابتة مستقرة ساكنة، هي دابة متحركة ... بل رامحة راكضة مهطعة!! وهي في الوقت ذاته ذلول لا تلقي براكبها عن ظهرها، ولا تتعثر خطاها، ولا تخضه وتهزه وترهقه كالدابة غير الذلول! ثم هي دابة حلوب مثلما هي ذلول! إن هذه الدابة التي نركبها تدور حول نفسها بسرعة ألف ميل في الساعة، ثم تدور مع هذا حول الشمس بسرعة حوالي خمسة وستين ألف ميل في الساعة، ثم تركض هي والشمس والمجموعة الشمسية كلها بمعدل عشرين ألف ميل في الساعة، مبتعدة نحو برج الجبار في السماء ... ومع هذا الركض كله يبقى الإنسان على ظهرها آمنا مستريحا مطمئنا معافى لا تتمزق أوصاله، ولا تتناثر أشلاؤه، بل لا يرتج مخه، ولا يدوخ،

стр. 5756

ولا يقع مرة عن ظهر هذه الدابة الذلول! وهذه الحركات الثلاث لها حكمة. وقد عرفنا أثر اثنتين منها في حياة هذا الإنسان، بل في الحياة كلها على ظهر هذه الأرض. فدورة الأرض حول نفسها هي التي تنشأ عنها الليل والنهار، ولو كان الليل سرمدا لجمدت الحياة كلها من البرد، ولو كان النهار سرمدا لاحترقت الحياة كلها من الحر ... ودورتها حول الشمس هي التي ينشأ عنها الفصول. ولو دام فصل واحد على الأرض ما قامت الحياة في شكلها هذا كما أرادها الله ... أما الحركة الثالثة- فلم يكشف ستار الغيب عن حكمتها بعد. ولا بد أن لها ارتباطا بالتناسق الكوني الكبير. والناس لطول ألفتهم لحياتهم على هذه الأرض، وسهولة استقرارهم عليها، وسيرهم فيها، واستغلالهم لتربتها ومائها وهوائها وكنوزها وقواها وأرزاقها جميعا ... ينسون نعمة الله في تذليلها لهم وتسخيرها. والقرآن يذكرهم هذه النعمة الهائلة، ويبصرهم بها، في هذا التعبير الذي يدرك منه كل أحد وكل جيل بقدر ما ينكشف له من علم هذه الأرض الذلول. والأرض الذلول كانت تعني في أذهان المخاطبين القدامى تلك الأرض المذللة للسير فيها، كما جعل لها ضغطا جويا يسمح بسهولة الحركة فوقها. ولو كان الضغط الجوي أثقل من هذا لتعذر أو تعسر على الإنسان أن يسير وينتقل- حسب درجة ثقل الضغط- فإما أن يسحقه أو يعوقه. ولو كان أخف لاضطربت خطى الإنسان، أو لانفجرت تجاويفه لزيادة ضغطه الذاتي على ضغط الهواء حوله، كما يقع لمن يرتفعون في طبقات الجو العليا بدون تكييف لضغط الهواء! والله جعل الأرض ذلولا ببسط سطحها وتكوين هذه التربة اللينة فوق السطح. ولو كانت صخورا صلدة- كما يفترض العلم بعد برودها وتجمدها- لتعذر السير فيها، ولتعذر الإنبات. ولكن العوامل الجوية من هواء وأمطار وغيرها هي التي فتتت هذه الصخور الصلدة، وأنشأ الله بها هذه التربة الخصبة الصالحة للحياة. وأنشأ ما فيها من النبات والأرزاق التي يحلبها راكبو هذه الدابة الذلول! والله جعل الأرض ذلولا بأن جعل الهواء المحيط بها محتويا على العناصر التي تحتاج الحياة إليها. بالنسب الدقيقة التي لو اختلت ما قامت الحياة، وما عاشت إن قدر لها أن تقوم من الأساس. فنسبة الأكسجين فيه هي ٢١% تقريبا، ونسبة الأزوت أو النتروجين هي ٧٨% تقريبا، والبقية من ثاني أكسيد الكربون بنسبة ثلاثة أجزاء من

стр. 5757

عشرة آلاف وعناصر أخرى. وهذه النسب هي اللازمة بالضبط لقيام الحياة على الأرض! والله جعل الأرض ذلولا بآلاف من هذه الموافقات الضرورية لقيام الحياة ... ومنها حجم الأرض وحجم الشمس والقمر، وبعد الأرض عن الشمس والقمر. ودرجة حرارة الشمس. وسمك قشرة الأرض. ودرجة سرعتها. وميل محورها. ونسبة توزيع الماء واليابس فيها. وكثافة الهواء المحيط بها ... إلى آخره ... إلى آخره. وهذه الموافقات مجتمعة هي التي جعلت الأرض ذلولا. وهي التي جعلت فيها رزقا وهي التي سمحت بوجود الحياة. وبحياة هذا الإنسان على وجه خاص. والنص القرآني يشير إلى هذه الحقائق ليعيها كل فرد وكل جيل بالقدر الذي يطيق، وبالقدر الذي يبلغ إليه علمه وملاحظته. ليشعر بيد الله- الذي بيده الملك- وهي تتولاه وتتولى كل شئ حوله، وتذلل له الأرض، وتحفظه وتحفظها. ولو تراخت لحظة واحدة عن الحفظ لاختل هذا الكون كله وتحطم بمن عليه وما عليه!). ٥ - بمناسبة قوله تعالى: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قال ابن كثير: (هذا مثلهم في الدنيا، وكذلك يكون في الآخرة، فالمؤمن يحشر يمشي سويا على صراط مستقيم مفض به إلى الجنة الفيحاء، وأما الكافر فإنه يحشر يمشي على وجهه إلى نار جهنم احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ الآيات أزواجهم أشباههم. روى الإمام أحمد ﵀ عن نفيع قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قيل يا رسول الله كيف يحشر الناس على وجوههم؟ فقال: «أليس الذي أمشاهم على أرجلهم قادرا على أن يمشيهم على وجوههم» وهذا الحديث مخرج في الصحيحين). ٦ - بمناسبة قوله تعالى: قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ قال صاحب الظلال: (والسمع والأبصار معجزتان كبيرتان عرف عنهما بعض خواصهما العجيبة. والأفئدة التي يعبر بها القرآن عن قوة الإدراك والمعرفة، معجزة أعجب وأغرب. ولم يعرف بعد عنها إلا القليل. وهي سر الله في هذا المخلوق الفريد.

стр. 5758

وللعلم الحديث محاولات في معرفة شئ عن معجزتي السمع والبصر نذكر منها لمحة: «تبدأ حاسة السمع بالأذن الخارجية، ولا يعلم إلا الله أين تنتهي. ويقول العلم: إن الاهتزاز الذي يحدثه الصوت في الهواء ينقل إلى الأذن، التي تنظم دخوله، ليقع على طبلة الأذن. وهذه تنقلها إلى التيه داخل الأذن. والتيه يشتمل على نوع من الأقنية بين لولبية ونصف مستديرة. وفي القسم اللولبي وحده أربعة آلاف قوس صغيرة متصلة بعصب السمع في الرأس». «فما طول القوس منها وحجمها؟ وكيف ركبت هذه الأقواس- التي تبلغ عدة آلاف كل منها- تركيبا خاصا؟ وما الحيز الذي وضعت فيه؟ ناهيك عن العظام الأخرى الدقيقة المتماوجة. هذا كله في التيه الذي لا يكاد يرى! وفي الأذن مائة ألف خلية سمعية. وتنتهي الأعصاب بأهداب دقيقة. دقة وعظمة تحير الألباب». «ومركز حاسة الإبصار العين، التي تحتوي على مائة وثلاثين مليونا من مستقبلات الضوء، وهي أطراف أعصاب الإبصار. وتتكون العين من الصلبة والقرنية والمشيمة والشبكية ... وذلك بخلاف العدد الهائل من الأعصاب والأوعية». «وتتكون الشبكية من تسع طبقات منفصلة، والطبقة التي في أقصى الداخل تتكون من أعواد ومخروطات. ويقال: إن عدد الأولى ثلاثون مليون عود، وعدد الثانية ثلاثة ملايين مخروط. وقد نظمت كلها في تناسب محكم بالنسبة لبعضها البعض، وبالنسبة للعدسات ... وعدسة عينيك تختلف في الكثافة، ولذا تجمع كل الأشعة في بؤرة، ولا يحصل الإنسان على مثل ذلك في أية مادة من جنس واحد كالزجاج مثلا». فأما الأفئدة فهي هذه الخاصية التي صار بها الإنسان إنسانا. وهي قوة الإدراك والتمييز والمعرفة التي استخلف بها الإنسان في هذا الملك العريض). كلمة أخيرة في سورة الملك: إن محور سورة الملك قد أنكر على من يكفر بالله، مقيما عليه الحجة من خلال ظاهرتي الحياة والعناية، مقررا موضوع الرجوع إلى الله كبديهية، متحدثا عن خلق الله السموات السبع، وقد جاءت سورة الملك مفصلة في ذلك كله ضمن سياقها الخاص بها، تحدثت عن الله وعن حكمته في خلق الموت والحياة، وعن خلق السموات السبع، وعن تزيينها بالكواكب، وعن حكمة وجود الكواكب لتصل إلى

стр. 5759

الكلام عن عذاب الشياطين والكافرين في نار جهنم، لتذكر بعد ذلك جزاء الذين يخشون ربهم، ثم تذكر معاني تستثير فيها الخشية، ثم تأمر بعد ذلك رسول الله ﷺ أن يقول للكافرين معاني محددة، وبهذا أقامت السورة الحجة تلو الحجة على الكافرين، وأنكرت عليهم الكفر وما يتفرع عنه، وبينت ما يستدعيه الإيمان بالله وفصلته، فكانت بمجموعها تفصيلا لمحورها وبيانا لحكمة الخلق التي تعرض لها المحور، وكنا ذكرنا من قبل أن محور سورة الملك هو محور سورة الأنعام، وكما أنه بعد سورة الأنعام سورة الأعراف فبعد سورة الملك سورة القلم التي تفصل في محور سورة الأعراف. فلننتقل إلى الكلام عن سورة (القلم). ***

стр. 5760

سورة القلم وهي السورة الثامنة والستون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الخامسة والأخيرة من المجموعة الخامسة من قسم المفصل، وهي اثنتان وخمسون آية وهي مكية

стр. 5761

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 5762

بين يدي السورة: قدم الألوسي لسورة القلم بقوله: (هي من أوائل ما نزل من القرآن بمكة فقد نزلت- على ما روي عن ابن عباس- اقرأ باسم ربك ثم هذه ثم المزمل ثم المدثر، وفي البحر إنها مكية بلا خلاف فيها بين أهل التأويل، وفي الإتقان استثنى منها إِنَّا بَلَوْناهُمْ إلى يَعْلَمُونَ ومن فَاصْبِرْ إلى الصَّالِحِينَ فإنه مدني حكاه السخاوي، وفي جمال القراء وآيها ثنتان وخمسون آية بالإجماع، ومناسبتها لسورة الملك على ما قيل من جهة ختم تلك بالوعيد، وافتتاح هذه به، وقال الجلال السيوطي في ذلك: أنه تعالى لما ذكر في آخر الملك التهديد بتغوير الماء، استظهر عليه في هذه بإذهاب ثمر أصحاب البستان في ليلة بطائف طاف عليها وهم نائمون، فأصبحوا ولم يجدوا له أثرا حتى ظنوا أنهم ضلوا الطريق، وإذا كان هذا في الثمار- وهي أجرام كثيفة- فالماء الذي هو لطيف أقرب إلى الإذهاب؛ ولهذا قال سبحانه هنا: وَهُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ وقال جل وعلا هناك: إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً إشارة إلى أنه يسري عليه في ليلة كما أسرى على الثمر في ليلة. انتهى، ولا يخلو عن حسن، وقال أبو حيان فيه: إنه ذكر فيما قبل أشياء من أحوال السعداء والأشقياء، وذكر قدرته الباهرة وعلمه تعالى الواسع، وأنه لو شاء لخسف بهم الأرض، أو لأرسل عليهم حاصبا، وكان ما أخبر به سبحانه هو ما أوحى به إلى رسوله ﷺ فتلاه ﵊ وكان الكفار ينسبونه في ذلك مرة إلى الشعر، ومرة إلى السحر، ومرة إلى الجنون، فبدأ جل شأنه هذه السورة الكريمة ببراءته صلى الله تعالى عليه وسلم مما كانوا ينسبونه إليه من الجنون وتعظيم أجره على صبره على أذاهم وبالثناء على خلقه). ... كلمة في سورة القلم ومحورها: قلنا إن محور سورة القلم هو محور سورة الأعراف، ومحور سورة الأعراف هو القاعدة الكلية التي ختمت بها قصة آدم ﵇ في سورة البقرة، وهي قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ودليل ذلك واضح من معاني السورة، ومن التشابه بين آيات فيها وبين سورة الأعراف ففي السورة

стр. 5763

نجد قوله تعالى: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ وفي السورة نجد قوله تعالى: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ لاحظ صلة الآيتين بقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا ولاحظ صلة الآية الثانية بقوله تعالى في سورة الأعراف: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ونكتفي بهذه الإشارة في هذا المقام فسنرى تفصيلات ذلك أثناء عرض السورة. ... والملاحظ أن سورة (ن) وسورة (ق) وسورة (ص) كل منها مبدوء بحرف واحد، وتنتهي نهاية متشابهة. فسورة (ص) تنتهي بقوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ* وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ. وسورة (ق) تنتهي بقوله تعالى: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ. وسورة (ن) تنتهي بقوله تعالى: وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ. ومن قبل رأينا أن سورة (ص) نهاية مجموعة، وسورة (ق) نهاية مجموعة، وهذا يجعلنا نستأنس بأن سورة (ن) نهاية مجموعة، وإن اختلفت محاور هذه السور الثلاث بحسب النهاية التي تستقر عليها المجموعة التي وردت فيها. ... ونلاحظ أن سورة الملك انتهت بقوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ* قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ* قُلْ أَرَأَيْتُمْ ... فسورة الملك منتهية بآيات تخاطب رسول الله ﷺ وسورة (ن) تبدأ بخطاب رسول الله ﷺ : ن* وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ* ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ* وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ* وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ* فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ* بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ فالصلة واضحة بين نهاية سورة الملك وبداية سورة (ن). ...

стр. 5764

وفي سورة التغابن نجد قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ* ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ وصلة ذلك بمضمون سورة (ن) واضحة. فمما ورد في سورة (ن) قوله تعالى: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ* بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ومما ورد فيها قوله تعالى: وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ وذلك يؤكد صلة سورة (ن) بسورة التغابن، ومن قبل قلنا إن سورة التغابن هي مقدمة مجموعتها. ... ولنبدأ عرض السورة على فقرات. ***

стр. 5765

الفقرة الأولى وهي المقدمة للسورة وتمتد من الآية (١) إلى نهاية الآية (٧) وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة القلم (٦٨): الآيات ١ الى ٧] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) التفسير: ن قال النسفي: الظاهر أن المراد به هذا الحرف من حروف المعجم، وقال ابن كثير: قد تقدم الكلام على حروف الهجاء في أول سورة البقرة، وأن قوله تعالى: ن كقوله: ص، ق ونحو ذلك من الحروف المقطعة في أوائل السور، وتحرير القول في ذلك بما أغنى عن إعادته هنا. أقول: وفي ترجيح هذين الإمامين هذا القول، دليل على أنه لم يثبت شئ عن رسولنا ﵊ في هذا الشأن، ومن ثم فكل كلام غير هذا الكلام لا يصلح أن يلتفت إليه أو يعول عليه؛ ولذلك فإننا لا نذكره ولا نشير إليه وَالْقَلَمِ قال ابن كثير: الظاهر أنه جنس القلم الذي يكتب به، فهو قسم منه تعالى، وتنبيه لخلقه على ما أنعم به عليهم من تعليم الكتابة التي بها تنال العلوم، وقال النسفي: أقسم به لما فيه من المنافع والفوائد التي لا يحيط بها الوصف وَما يَسْطُرُونَ قال ابن كثير: يعني: وما يكتبون. وهل الضمير يعود على كل كاتب، أو على الملائكة، أو على الكاتبين الخير من البشر؟ وأرجح الأخير فصار المعنى: والقلم وكتابة الكاتبين به من أولئك الذين يحققون الحكمة من خلقه إذ يستعملونه في الخير، وجواب القسم: ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ أي: ما أنت بإنعام الله عليك بالنبوة وغيرها بِمَجْنُونٍ قال ابن كثير: أي: لست ولله

стр. 5766

الحمد بمجنون كما يقول الجهلة من قومك، المكذبين بما جئتهم به من الهدى والحق المبين، فنسبوك فيه إلى الجنون. قال النسفي: وهو جواب قولهم يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ أقول: إن اتهام رسول الله ﷺ بالجنون هو المفر الذي يفر إليه كل مكذب برسول الله ﷺ ، ومن ثم نسمع في عصرنا اتهام الرسول ﷺ بالصرع وغيره كتعليل لما يحدث له ﵊ عند الوحي- وحاشاه-، وفي عرض الله هذه الشبهة بهذا الشكل رد لها فإن الرسول ﷺ قد أنعم عليه بأعظم نعمة في الوجود، فكيف تجتمع هذه النعمة مع الجنون؟ إن مثل هذا الكلام لا يقوله إلا إنسان حرم نعمة التفكير، ثم قال تعالى: وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً أي: ثوابا غَيْرَ مَمْنُونٍ أي: غير منقطع. قال ابن كثير: أي: بل إن لك الأجر العظيم، والثواب الجزيل الذي لا ينقطع ولا يبيد على إبلاغك رسالة ربك إلى الخلق، وصبرك على أذاهم. أقول: نفى الله عن رسوله ﷺ تهمة الجنون، وذكره بنعمته عليه بالنبوة، وبما أعده له في الآخرة؛ ردا عنه وتسلية له، ثم أثنى الله على رسوله الثناء الأعلى فقال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ قال عطية: أي: لعلى أدب عظيم، وقال معمر عن قتادة: سئلت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ قالت: كان خلقه القرآن، قال ابن كثير: ومعنى هذا أنه ﵊ صار امتثال القرآن أمرا ونهيا سجية له، وخلقا وتطبعه وترك طبعه الجبلي، فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه، هذا مع ما جبله الله عليه من الخلق العظيم من الحياء والكرم والشجاعة والصفح والحلم، وكل خلق جميل. أقول: في الثناء على رسول الله ﷺ هذا الثناء الكريم رد على من اتهمه بالجنون، فمن رأى مضمون ما أنعم الله على رسوله من الوحي، ومن عرف كمالات أخلاقه لا يشك أنه ما عرف تاريخ البشرية إنسانا كمحمد ﷺ ، فهل يصح في العقول بعد ذلك أن يتهم الرسول ﷺ بالجنون؟ ثم وعد الله رسوله ﷺ وأوعد أعداءه فقال فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ* بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ أي فستعلم يا محمد وسيعلم مخالفوك ومكذبوك من المفتون الضال منك ومنهم. والمفتون هو الذي قد افتتن عن الحق وضل عنه، وفسر ابن عباس والنسفي المفتون بالمجنون لأنه فتن- أي: محن- بالجنون إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ قال ابن كثير: أي: هو يعلم تعالى أي الفريقين منكم ومنهم هو المهتدي، ويعلم الحزب الضال عن الحق، وقال النسفي: أي هو أعلم بالمجانين على الحقيقة، وهم الذين ضلوا عن سبيله، وهو أعلم بالعقلاء وهم المهتدون. أقول: وقد شهد الله وهو الأعلم أن رسوله هو العاقل المهتدي

стр. 5767

وهم المفتونون الضالون عن صراط الله . كلمة في السياق: ١ - بعد هذه المقدمة يأتي قوله تعالى في الفقرة اللاحقة كما سنرى: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ مما يشير إلى أن الذين اتهموا رسول الله ﷺ بالجنون هم المكذبون، ولذلك صلته بمحور السورة من سورة البقرة فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ فالمقدمة تحدثت عما يفر إليه الكافرون المكذبون بآيات الله، فاتهام الرسول ﷺ بالجنون هو مستندهم في الكفر والتكذيب، وقد رد الله عليهم. ٢ - محور السورة من سورة البقرة فيه قوله تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ومقدمة سورة (ن) تحدثت عمن أنزل عليه الهدى، وأفهمتنا أنه محل نعمة الله ، وأنه على كمال الأخلاق، وبهذا عرفنا بماذا يتصف من يختاره الله لرسالته، كما عرفنا من المقدمة أن من اتهم الرسول ﷺ فإنه مفتون ضال. ٣ - بعد هذا التأسيس الذي مر معنا في المقدمة، والذي عرفنا فيه خصائص الرسول ﷺ ، وعرفنا فيه الرد على الاتهام الرئيسي الموجه له ﷺ ، تأتي فقرة تنهى رسول الله- وهو القدوة- عن طاعة المكذبين، وعن طاعة من اتصف ببعض الصفات، ومن الفقرة الثانية تعرف مواقف أخرى للمكذبين، وتعرف صفاتهم، وتعرف أنهم هم المفتونون، وأنهم هم الضالون، يشهد على ذلك أخلاقهم نفسها، فلنر الفقرة الثانية. ***

стр. 5768

الفقرة الثانية وتمتد من الآية (٨) إلى نهاية الآية (١٦) وهذه هي: [سورة القلم (٦٨): الآيات ٨ الى ١٦] فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) التفسير: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ قال ابن كثير رابطا بين هذه الآية وما قبلها: (يقول تعالى كما أنعمنا عليك وأعطيناك الشرع المستقيم، والخلق العظيم فلا تطع المكذبين) وقال النسفي: (في الآية تهييج على معاصاتهم) ثم علل الله للنهي بقوله: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ أي: ودوا لو تلين لهم فيلينون لك. دل هذا على أن أهل الكفر والتكذيب تنصب محاولاتهم على أن يتخلى صاحب الدعوة عن شئ من دعوته، وهم في مقابل ذلك مستعدون لأن يلينوا في دعوتهم، ولكن شتان بين إدهانهم وإدهان صاحب الحق، فصاحب الدعوة إذا لان فذلك على حساب الحق، وأما هم فإذا لانوا فذلك على حساب الباطل، وما أرخص الباطل وأغلى الحق، وكما نهى الله رسوله عن طاعة المكذبين، فإنه ينهاه بعد ذلك عن طاعة كل من اتصف بخصال حددها له: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ أي: كثير الحلف في الحق والباطل. قال النسفي: وكفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف مَهِينٍ أي: حقير في الرأي والتمييز والكلمة مشتقة من المهانة وهي القلة والحقارة، وفسر ابن عباس المهين بالكذاب، وإنما ذم الحلاف لأن كثرة حلفه دليل على اجترائه على أسماء الله تعالى، واستعمالها في كل وقت في غير محلها هَمَّازٍ أي: عياب طعان مغتاب مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ أي: نقال للحديث من قوم إلى قوم على وجه السعاية والإفساد بينهم، والنميم والنميمة بمعنى

стр. 5769

واحد: وهي السعاية بين الناس بالإفساد مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ الخير هو المال هنا، أو للإسلام مُعْتَدٍ أي: مجاوز في الظلم حده، أو معتد في تناول ما أحل الله له يتجاوز فيها الحد المشروع أَثِيمٍ أي: كثير الآثام، أي: يتناول المحرمات عُتُلٍّ أي: غليظ جاف بَعْدَ ذلِكَ أي: بعد كل ما مر من المثالب فهو غليظ جاف زَنِيمٍ أي: دعي ينتسب إلى غير أهله، وفسر ابن عباس الزنيم بأنه الدعي الفاحش اللئيم أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ هذه الآية تحتمل تقديرين: التقدير الأول: ولا تطع من كانت هذه صفاته لكونه ذا مال وبنين، أي: لا تطعه ليساره وحظه في الدنيا. والتقدير الثاني: أن الآية متعلقة بما بعدها وهي: إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي: خرافاتهم. فصار التقدير: ألأنه كان ذا مال وبنين كذب وقال عن آياتنا أساطير الأولين، ولم يذكر ابن كثير إلا التقدير الثاني. قال: (مقابلة ما أنعم الله عليه من المال والبنين كفر بآيات الله ، وأعرض عنها، وزعم أنها كذب مأخوذ من أساطير الأولين). ثم قال تعالى مهددا من هذه صفاته: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ الخرطوم: الأنف، قال النسفي: وتخصيص الأنف بالذكر لأن الوسم عليه أبشع. قال ابن جرير: أي: سنبين أمره بيانا واضحا حتى يعرفوه، ولا يخفى عليهم، كما لا تخفى عليهم السمة على الخراطيم، وقال آخرون: أي: سنسمه سمة أهل النار، يعني: بسوء وجهه يوم القيامة، وعبر عن الوجه بالخرطوم، ونموذج هذا الصنف في زمن رسول الله ﷺ الوليد بن المغيرة كما قال الجمهور. كلمة في السياق: ١ - نهى رسول الله ﷺ في هذه الفقرة عن طاعة صنفين هما المكذبون ومن اتصف بالصفات العشر المذكورة: الحلف، والمهانة، والهمز، والنميمة، ومنع الخير، والاعتداء، وارتكاب الإثم، ومقابلة نعمة الله بكفرانها، وقوله تعالى في الصنف الثاني: إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يشير إلى أن كلا من الصنفين مكذب، إلا أن العرض أشعر أنه يمكن أن يوجد إنسان متصف بهذه الصفات حتى ولو لم يعلن تكذيبه، فالمكذبون هذه أخلاقهم، ولذلك صلته بمحور السورة وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. فالفقرة عرفتنا على صفات الكافرين والمكذبين، وذكرت لنا بعض ما يعذبون به سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ. ٢ - وهكذا عرفنا من السورة أن لله رسولا أنعم الله عليه بالوحي والخلق

стр. 5770

العظيم، وأن هناك مكذبين متصفين بأخس الأخلاق يتهمون الرسول ﷺ بالجنون وحاشاه، وبهذا يستأهلون العذاب، وعرفنا أن أدب المسلم ألا يطيع هؤلاء، وصلة ذلك كله بمحور السورة واضحة فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. ٣ - لاحظنا أن من صفات المكذبين أنهم أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ* إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ فهؤلاء من صفاتهم مقابلة النعمة بالكفر، ومحاربة آيات الله ووصفها بالأساطير، ثم تأتي فقرة تبين أن الله يعطي هؤلاء ما يعطيهم امتحانا واستدراجا، وأن أمامهم العذاب في الدنيا والعذاب في الآخرة، وهذا كله نراه من خلال مثل يضربه الله لهؤلاء في الفقرة الثالثة . *** الفقرة الثالثة وتمتد من الآية (١٧) إلى نهاية الآية (٣٣) وهذه هي: [سورة القلم (٦٨): الآيات ١٧ الى ٣٣] إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (٣١) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (٣٢) كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)

стр. 5771

التفسير: إِنَّا بَلَوْناهُمْ أي: إنا اختبرنا هؤلاء المكذبين كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ الجنة: هي البستان المشتمل على أنواع الثمار والفواكه إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ أي: حلفوا فيما بينهم ليجذن ثمرها ليلا لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل ليتوفر ثمرها عليهم، ولا يتصدقوا منه بشيء، وقال النسفي: أي: حلفوا ليقطعن ثمرها داخلين في الصبح قبل انتشار الفقراء وَلا يَسْتَثْنُونَ قال النسفي: (أي: ولا يقولون إن شاء الله، وسمي استثناء- وإن كان شرطا صورة- لأنه يؤدي مؤدى الاستثناء من حيث إن معنى قولك لأخرجن إن شاء الله ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد)، وقال ابن كثير: ولا يستثنون أي: فيما حلفوا به، ولهذا حنثهم الله في أيمانهم فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ أي: نزل عليها بلاء من عند الله. قال ابن كثير: أي: أصابتها آفة سماوية وَهُمْ نائِمُونَ أي: في حال نومهم. فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ أي: فصارت الجنة كالليل المظلم، أي: احترقت فاسودت، أو كالصبح أي: صارت أرضا بيضاء بلا شجر، وقيل كالمصرومة، أي: كأنها صرمت لهلاك ثمرها. قال ابن كثير: قد حرموا خير جنتهم بذنبهم فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ أي: لما كان وقت الصبح نادى بعضهم بعضا ليذهبوا إلى الجذاذ أي: القطع قائلين: أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ أي: إن كنتم مريدين صرامه فَانْطَلَقُوا أي: ذهبوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ أي: يتسارون فيما بينهم لئلا يسمع المساكين. قال ابن كثير: أي: يتناجون فيما بينهم بحيث لا يسمعون أحدا كلامهم، ثم فسر الله تعالى عالم السر والنجوى ما كانوا يتخافتون به أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ أي: يقول بعضهم لبعض لا تمكنوا اليوم فقيرا يدخلها عليكم، ثم قال الله تعالى واصفا حالهم في ذهابهم وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ أي: قوة وشدة، أو جد أو غيظ، أو حرد على المساكين قادِرِينَ أي: عند أنفسهم على

стр. 5772

المنع، أي: قادرين عليها وعلى منع منفعتها عن المساكين فيما يزعمون ويرومون فَلَمَّا رَأَوْها أي: فلما رأوا جنتهم محرقة قالُوا في بديهة وصولهم إِنَّا لَضَالُّونَ أي: ضللنا جنتنا، وليست هذه هي؛ لما رأوا من هلاكها، فلما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أي: حرمنا خيرها لجنايتنا على أنفسنا. قال ابن كثير: (أي: فلما وصلوا إليها وأشرفوا عليها، وهي على الحالة التي قال الله- قد استحالت عن تلك النضارة والزهرة وكثرة الثمار، إلى أن صارت سوداء مدلهمة، لا ينتفع بشيء منها فاعتقدوا أنهم قد أخطئوا الطريق ولهذا قالوا: إِنَّا لَضَالُّونَ أي: قد سلكنا إليها غير الطريق فتهنا عنها، قاله ابن عباس وغيره، ثم رجعوا عما كانوا فيه، وتيقنوا أنها هي فقالوا: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أي: بل هي هذه ولكن نحن لا حظ لنا ولا نصيب). قالَ أَوْسَطُهُمْ أي: أعدلهم وخيرهم أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ قال النسفي: (أي: هلا تستثنون؛ إذ الاستثناء التسبيح لالتقائهما في معنى التعظيم لله؛ لأن الاستثناء تفويض إليه والتسبيح تنزيه له، وكل واحد من التفويض والتنزيه تعظيم، أو لولا تذكرون الله وتتوبون إليه من خبث نيتكم، كأن أوسطهم قال لهم حين عزموا على ذلك: اذكروا الله وانتقامه من المجرمين، وتوبوا عن هذه العزيمة الخبيثة، فعصوه فعيرهم ولهذا قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ. فتكلموا بعد ما حدث الذي حدث بما كان يدعوهم إلى التكلم به أولا، وأقروا على أنفسهم بالظلم في منع المعروف وترك الاستثناء ونزهوه عن أن يكون ظالما. قال ابن كثير: أتوا بالطاعة حيث لا تنفع، وندموا واعترفوا حيث لا ينجع فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ أي: يلوم بعضهم بعضا على ما كانوا أصروا عليه من منع المساكين من حق الجذاذ، ويحيل كل واحد منهم اللائمة على الآخر، ثم اعترفوا جميعا بأنهم تجاوزوا الحد قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ أي: بمنع حق الفقراء وترك الاستثناء. قال ابن كثير: أي: اعتدينا وبغينا وطغينا وجاوزنا الحد حتى أصابنا ما أصابنا عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها أي: خيرا من هذه الجنة، قيل رغبوا بدلها في الدنيا، وقيل احتسبوا ثوابها في الدار الآخرة إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ أي: طالبون منه الخير راجون لعفوه كَذلِكَ الْعَذابُ قال ابن كثير: أي: هكذا عذاب من خالف أمر الله، وبخل بما آتاه الله وأنعم به عليه، ومنع حق المسكين والفقير وذوي الحاجات، وبدل نعمة الله كفرا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ أي: أعظم منه. قال ابن كثير: أي: هذه عقوبة الدنيا كما سمعتم وعذاب الآخرة أشق لَوْ كانُوا

стр. 5773

يَعْلَمُونَ ولكنهم لا يعلمون، ومن ثم يفعلون ما يفضي إلى هذا العذاب. كلمة في السياق: ما محل هذا المثل في سياق السورة، وما هو الشبه بين اختبار المكذبين بهذا القرآن واختبار أصحاب الجنة بجنتهم؟ ١ - المكذبون بالإسلام يتصورون أن هذا التكذيب أكثر ربحا لهم في الدنيا، كما تصور أصحاب البستان أن منع المساكين أكثر ربحا، والواقع أن الأمر ليس كذلك، وكما كان مآل أهل البستان الخسارة، فالخسارة- أيضا- هي مآل هؤلاء المكذبين، ولقد رأينا أناسا تركوا الإسلام ودعوا إلى غيره طلبا لزعامة وجاه، وإذا بالأمر ينقلب عليهم، فأصبحوا وقد خسروا الزعامة والجاه، بل ماتوا مقهورين. ولعذاب الآخرة أشق. ٢ - المكذبون أبطرتهم النعمة فكفروا، وأصحاب الجنة أبطرتهم النعمة فقرروا المنع ونسوا الله ، ففي المثل تهديد للمكذبين بزوال المال، وموت العيال، ومن هنا نفهم أن دنيا المكذبين شبهت بالقصة بجنة أصحاب الجنة، وكما أن أصحاب الجنة نسوا الله ، وقرروا الاستيلاء عليها كاملة دون مراعاة أي حق، فإن المكذبين نسوا الله ، وقرروا الاستيلاء على دنياهم كاملة دون مراعاة أي حق، وعاقبة الجميع واحدة في الدنيا، وعذاب الآخرة أشق لمن لم يتب. ٣ - في ختم قصة أصحاب الجنة بقوله تعالى- حكاية عنهم-: إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ بيان لكون أصحاب الجنة تابوا وأنابوا، وفي ذلك فتح باب لهؤلاء المكذبين أن يعترفوا بخطئهم، ويتوبوا وينيبوا، ثم تأتي فقرة رابعة هي آية واحدة تبين ما أعد الله للمتقين. ***

стр. 5774

الفقرة الرابعة وهي آية واحدة هي الآية (٣٤) وهذه هي: [سورة القلم (٦٨): آية ٣٤] إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) التفسير: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي: في الآخرة جَنَّاتِ النَّعِيمِ أي: جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص بخلاف جنات الدنيا. قال ابن كثير: لما ذكر تعالى حال أهل الجنة الدنيوية وما أصابهم فيها من النقمة حين عصوا الله وخالفوا أمره، بين أن لمن اتقاه وأطاعه في الدار الآخرة جنات النعيم التي لا تبيد ولا تفرغ ولا ينقضي نعيمها. كلمة في السياق: قلنا إن محور السورة هو قوله تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وهؤلاء هم المتقون الذين رأينا في السورة ما أعد الله لهم في الآخرة، والدليل على أن هؤلاء هم المتقون قوله تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ وكما رأينا في السورة جزاء المتقين، فقد رأينا فيها جزاء المكذبين وما يستحقونه في الدنيا من عذاب. وهكذا فإن السورة تحدثت عن الرسول المنزل عليه الهدى، وردت عنه أقوال المكذبين، وبينت أخلاق هؤلاء المكذبين، وضربت لحالهم ودوافعهم مثلا عرفنا فيه خسارتهم، ثم عقبت على ذلك بذكر ربح المتقين، ولكل ذلك صلاته بمحور السورة، وكما أن للسورة صلاتها بمحورها فلها سياقها الخاص ووحدتها وتسلسلها. فالسورة بدأت بنفي تهمة الجنون عن رسول الله ﷺ ، وأوعدت وأنذرت المتهمين، ثم أمرت رسول الله ﷺ ألا يطيع هؤلاء المكذبين، ثم ضربت مثلا عرفتنا به على دوافع التكذيب وخسارة أهله في الدنيا والآخرة، ثم بينت ربح المصدقين، ثم تأتي فقرة جديدة تبين سنة الله في عدم مساواة الكافرين بالمسلمين، وتناقش هؤلاء المكذبين، فلنر الفقرة الخامسة.

стр. 5775

الفقرة الخامسة وتمتد من الآية (٣٥) إلى نهاية الآية (٤٣) وهذه هي: [سورة القلم (٦٨): الآيات ٣٥ الى ٤٣] أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٤١) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ (٤٣) التفسير: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ أي: أفنساوي بين هؤلاء وهؤلاء في الجزاء ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ هذا الحكم الأعوج، وهو التسوية بين المطيع والعاصي. كلمة في السياق: ١ - جاءت هاتان الآيتان بعد أن ذكر الله جزاء المكذبين، وجزاء المتقين فبينتا أن عدل الله يقتضي ذلك، فكأنهما قالتا: إذا كنا لا نعذب العاصي المكذب المجرم، ولا نكافئ المصدق المتقي المسلم، فإننا نكون قد سوينا بين الجميع، وهذا ينافي عدلنا، فكيف مثل هذا الظن بنا؟! فالآيتان أفهمتا الكافرين المكذبين المجرمين أنه لا بد من عقاب وثواب. ٢ - أفهمتنا الآيتان أن عند الكافرين المكذبين تصورا هو: استواء الكافرين والمؤمنين عند الله ، وهو واقع نراه، إذ نرى الكثيرين لا يعبئون بما يعملون من شر، ولا بما يعمل المسلمون من خير، ويرون أنفسهم والمسلمين سواء، وقد فند

стр. 5776

الله هذا الحكم الخاطئ. ٣ - قال تعالى في محور السورة: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وفي هاتين الآيتين بين أنه لا يتساوى عنده المجرمون والمسلمون فلا مساواة بينهما. ٤ - وبعد أن سفه الله هذا التصور- أن المجرمين والمسلمين سواء- خاطب المكذبين ثلاث خطابات: الخطاب الأول: أَمْ لَكُمْ كِتابٌ أي: من السماء فِيهِ تَدْرُسُونَ أي: تقرءون في ذلك الكتاب إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ أي: أن ما تختارونه وتشتهونه لكم. قال ابن كثير: يقول تعالى: أفبأيديكم كتاب منزل من السماء تدرسونه وتحفظونه وتتداولونه بنقل الخلف عن السلف يتضمن حكما مؤكدا تدعونه إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ وإذ لم يكن الأمر كذلك فلماذا تكذبون رسول الله ﷺ فيما أخبركم به عن الله، ولماذا لا تعملون، ولماذا لا تسلمون، ولماذا تتصورون أنكم والمسلمين سواء عند الله ، وأن لكم النتيجة الحسنة والنصر الأكيد؟ أقول: وما أكثر ما نسمع في عصرنا على لسان الكافرين أن النصر لهم، وأن المستقبل لهم، وأن الحتمية التاريخية بجانبهم، وأن وأن، وكل ذلك وهم، فهم محكومون بسنن الله التي بينها الله في هذا القرآن وجزاؤهم بعد ذلك النار. الخطاب الثاني: أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ أي: عهود مؤكدة بالأيمان عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أي: أنها تبلغ ذلك اليوم، وتنتهي إليه وافرة لم تبطل منها يمين إلى أن يحصل المقسم عليه من أخذ ما يحكمونه إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ به لأنفسكم. قال ابن كثير: أي: أمعكم عهود منا ومواثيق مؤكدة ... أنه سيحصل لكم ما تريدون وتشتهون سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ أي: قل لهم من هو المتضمن المتكفل بهذا، وإذ لم يكن لهم كفيل، وإذ لم يكن الأمر كذلك، فما بالهم يكذبون فلا يسلمون ولا يتقون ولا يعملون.

стр. 5777

الخطاب الثالث: أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ قال ابن كثير: أي: من الأصنام والأنداد، وقال النسفي: أي: ناس يشاركونهم في هذا القول ويذهبون مذهبهم فيه فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ في دعواهم أنهم على حق يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ أي: فليأتوا بشركائهم ذلك اليوم. قال النسفي: (والجمهور على أن الكشف عن الساق عبارة عن شدة الأمر وصعوبة الخطب). قال ابن كثير: يعني: يوم القيامة وما يكون فيه من الأهوال والزلازل والبلاء والامتحان والأمور العظام، ولنا عودة على هذا الموضوع في الفوائد وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ أي: ويدعى الكفار ثمة إلى السجود توبيخا لهم على تركهم السجود في الدنيا فَلا يَسْتَطِيعُونَ ذلك بصيرورة ظهورهم طبقا واحدا كما سنرى في الحديث الصحيح خاشِعَةً أي: ذليلة أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ أي: يغشاهم صغار وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ على ألسن الرسل إِلَى السُّجُودِ في الدنيا وَهُمْ سالِمُونَ أي: وهم أصحاء فلا يسجدون، فلذلك منعوا من السجود ثم. قال ابن كثير: (ولما دعوا إلى السجود في الدنيا فامتنعوا منه مع صحتهم وسلامتهم، كذلك عوقبوا بعدم قدرتهم عليه في الآخرة إذا تجلى الرب فيسجد له المؤمنون، ولا يستطيع أحد من الكافرين ولا المنافقين أن يسجد، بل يعود ظهر أحدهم طبقا واحدا، كلما أراد أحدهم أن يسجد خر لقفاه عكس السجود، كما كانوا في الدنيا بخلاف ما عليه المؤمنون). كلمة في السياق: ١ - بدأت الفقرة الخامسة بنفي المساواة بين المسلمين والمجرمين، وأن المجرمين حكمهم في ذلك حكم فاسد، ثم برهنت على ذلك فأثبتت أنه لا مستند لهم في زعمهم، فلا وعد من الله، ولا كتاب يشهد، وليس مع الله شريك، وهكذا أكدت الفقرة ما ورد في السورة من استحقاق الكافرين العذاب واستحقاق المؤمنين الثواب، وفي ذلك تفصيل لما ورد في المحور من وعد الله للمؤمنين، ووعيده للكافرين المكذبين. ٢ - وفي الفقرة السادسة يتوجه الخطاب إلى رسول الله ﷺ الذي أنزل الله عليه الهدى، ولذلك فإن الفقرة تبدأ بقوله تعالى: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ ... فالسورة تفصل في محورها من خلال توجيه الموحى إليه ﷺ ، فقد

стр. 5778

بدأت بخطابه بنفي تهمة الجنون عنه، والثناء على أخلاقه، ثم ثنت بنهيه عن طاعة المكذبين، ثم وصفت هؤلاء المكذبين، وضربت مثلا لحالهم، ثم أقامت عليهم الحجة، ثم عاد السياق لتوجيه رسول الله ﷺ بتحديد المواقف له. ٣ - في المحور ثلاث قضايا رئيسية: هدى ينزله الله على أصدق خلقه يقف الناس منه موقفين: مؤمنين ومكذبين. والسورة تخاطب المنزل عليه هدى الله- وهو محمد ﷺ في الرسالة الخاتمة في نفي ما يتهمه به المكذبون، فتقيم الحجة عليهم، وتحدد لرسول الله ﷺ مواقفه منهم، وتريه أخلاقهم وتصوراتهم، فلنر الفقرة السادسة والأخيرة في السورة وتبدأ بالكلام عن المكذبين، آمرة رسول الله ﷺ أن يتركهم لعقوبة الله . ***

стр. 5779

الفقرة السادسة وتمتد من الآية (٤٤) إلى نهاية السورة أي: إلى نهاية الآية (٥٢) وهذه هي: [سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٤ الى ٥٢] فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَما هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٥٢) التفسير: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ يعني: القرآن. قال النسفي: أي: كله إلي فإني أكفيكه، والمراد كل أمره إلي، وخل بيني وبينه، فإني عالم بما ينبغي أن يفعل به ومطيق له، فلا تشغل قلبك بشأنه، وتوكل علي في الانتقام منه سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ قال النسفي: (سندنيهم من العذاب درجة درجة، يقال: استدرجه إلى كذا أي: استنزله إليه درجة فدرجة، حتى يورطه فيه، واستدراج الله تعالى العصاة أن يرزقهم الصحة والنعمة، فيجعلون رزق الله ذريعة إلى ازدياد المعاصي مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ من الجهة التي لا يشعرون أنه استدراج، قيل: كلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة وأنسيناهم شكرها)، وقال ابن كثير في الآية: (وهذا تهديد شديد أي: دعني وإياه. أنا أعلم به كيف أستدرجه وأمده في غيه وأنظره، ثم آخذه أخذ عزيز مقتدر)، وفسر ابن كثير مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ

стр. 5780

فقال: أي: وهم لا يشعرون بل يعتقدون أن ذلك من الله كرامة، وهو في نفس الأمر إهانة، وفسرها النسفي بقوله: (أي: من الجهة التي لا يشعرون أنه استدراج قيل: كلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة وأنسيناهم شكرها) وَأُمْلِي لَهُمْ أي: وأمهلهم إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ أي: قوي شديد. قال ابن كثير: أي: عظيم لمن خالف أمري وكذب رسلي وأصر على معصيتي، وقال في الآية: أي: أؤخرهم وأنظرهم وأمدهم، وذلك من كيدي ومكري بهم. كلمة في السياق: ١ - جاء في محور السورة قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وجاء في الآيتين اللتين مرتا معنا قوله تعالى: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ فالآيتان توجهان رسول الله ﷺ كيف يكون موقفه من المكذبين، وتعده أن الله سيتولى أمر الانتقام منهم، وصلة ذلك بالمحور واضحة. ٢ - بعد أن ذكر الله موقف الكافرين من رسول الله ﷺ ، وكيف أنهم يتهمونه أنه مجنون، وبعد أن رد الله عليهم، ونهى رسوله صلى الله عليه وسلم عن طاعتهم، ومثل لحالهم وأقام الحجة عليهم، يأتي الأمر لرسول الله ﷺ أن يكل أمر المكذبين إلى الله ، ثم تتجه السورة مرة ثانية لحوار المكذبين كما سنرى. ٣ - لاحظ صلة المثل الذي ذكره الله في السورة بقوله تعالى فيها: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ففي قصة أصحاب الجنة نموذج لكيد الله المتين، ولنعد إلى سياق السورة. ... أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً على تبليغ الرسالة فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ أي: غرامة ودفع مال مُثْقَلُونَ فلا يؤمنون أي: لست تطلب أجرا على تبليغ الوحي فيثقل عليهم فيمتنعوا لذلك. قال ابن كثير: والمعنى: أنك يا محمد تدعوهم إلى الله بلا أجر تأخذه منهم، بل ترجو ثواب ذلك عند الله تعالى، وهم يكذبون بما جئتهم به لمجرد الجهل والكفر والعناد أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ قال النسفي: (أي: اللوح المحفوظ عند الجمهور) فَهُمْ يَكْتُبُونَ منه ما يحكمون به.
следующие страницы →