← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

الله هذا الحكم الخاطئ. ٣ - قال تعالى في محور السورة: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وفي هاتين الآيتين بين أنه لا يتساوى عنده المجرمون والمسلمون فلا مساواة بينهما. ٤ - وبعد أن سفه الله هذا التصور- أن المجرمين والمسلمين سواء- خاطب المكذبين ثلاث خطابات: الخطاب الأول: أَمْ لَكُمْ كِتابٌ أي: من السماء فِيهِ تَدْرُسُونَ أي: تقرءون في ذلك الكتاب إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ أي: أن ما تختارونه وتشتهونه لكم. قال ابن كثير: يقول تعالى: أفبأيديكم كتاب منزل من السماء تدرسونه وتحفظونه وتتداولونه بنقل الخلف عن السلف يتضمن حكما مؤكدا تدعونه إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ وإذ لم يكن الأمر كذلك فلماذا تكذبون رسول الله ﷺ فيما أخبركم به عن الله، ولماذا لا تعملون، ولماذا لا تسلمون، ولماذا تتصورون أنكم والمسلمين سواء عند الله ، وأن لكم النتيجة الحسنة والنصر الأكيد؟ أقول: وما أكثر ما نسمع في عصرنا على لسان الكافرين أن النصر لهم، وأن المستقبل لهم، وأن الحتمية التاريخية بجانبهم، وأن وأن، وكل ذلك وهم، فهم محكومون بسنن الله التي بينها الله في هذا القرآن وجزاؤهم بعد ذلك النار. الخطاب الثاني: أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ أي: عهود مؤكدة بالأيمان عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أي: أنها تبلغ ذلك اليوم، وتنتهي إليه وافرة لم تبطل منها يمين إلى أن يحصل المقسم عليه من أخذ ما يحكمونه إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ به لأنفسكم. قال ابن كثير: أي: أمعكم عهود منا ومواثيق مؤكدة ... أنه سيحصل لكم ما تريدون وتشتهون سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ أي: قل لهم من هو المتضمن المتكفل بهذا، وإذ لم يكن لهم كفيل، وإذ لم يكن الأمر كذلك، فما بالهم يكذبون فلا يسلمون ولا يتقون ولا يعملون.

стр. 5777

الخطاب الثالث: أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ قال ابن كثير: أي: من الأصنام والأنداد، وقال النسفي: أي: ناس يشاركونهم في هذا القول ويذهبون مذهبهم فيه فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ في دعواهم أنهم على حق يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ أي: فليأتوا بشركائهم ذلك اليوم. قال النسفي: (والجمهور على أن الكشف عن الساق عبارة عن شدة الأمر وصعوبة الخطب). قال ابن كثير: يعني: يوم القيامة وما يكون فيه من الأهوال والزلازل والبلاء والامتحان والأمور العظام، ولنا عودة على هذا الموضوع في الفوائد وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ أي: ويدعى الكفار ثمة إلى السجود توبيخا لهم على تركهم السجود في الدنيا فَلا يَسْتَطِيعُونَ ذلك بصيرورة ظهورهم طبقا واحدا كما سنرى في الحديث الصحيح خاشِعَةً أي: ذليلة أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ أي: يغشاهم صغار وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ على ألسن الرسل إِلَى السُّجُودِ في الدنيا وَهُمْ سالِمُونَ أي: وهم أصحاء فلا يسجدون، فلذلك منعوا من السجود ثم. قال ابن كثير: (ولما دعوا إلى السجود في الدنيا فامتنعوا منه مع صحتهم وسلامتهم، كذلك عوقبوا بعدم قدرتهم عليه في الآخرة إذا تجلى الرب فيسجد له المؤمنون، ولا يستطيع أحد من الكافرين ولا المنافقين أن يسجد، بل يعود ظهر أحدهم طبقا واحدا، كلما أراد أحدهم أن يسجد خر لقفاه عكس السجود، كما كانوا في الدنيا بخلاف ما عليه المؤمنون). كلمة في السياق: ١ - بدأت الفقرة الخامسة بنفي المساواة بين المسلمين والمجرمين، وأن المجرمين حكمهم في ذلك حكم فاسد، ثم برهنت على ذلك فأثبتت أنه لا مستند لهم في زعمهم، فلا وعد من الله، ولا كتاب يشهد، وليس مع الله شريك، وهكذا أكدت الفقرة ما ورد في السورة من استحقاق الكافرين العذاب واستحقاق المؤمنين الثواب، وفي ذلك تفصيل لما ورد في المحور من وعد الله للمؤمنين، ووعيده للكافرين المكذبين. ٢ - وفي الفقرة السادسة يتوجه الخطاب إلى رسول الله ﷺ الذي أنزل الله عليه الهدى، ولذلك فإن الفقرة تبدأ بقوله تعالى: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ ... فالسورة تفصل في محورها من خلال توجيه الموحى إليه ﷺ ، فقد

стр. 5778

بدأت بخطابه بنفي تهمة الجنون عنه، والثناء على أخلاقه، ثم ثنت بنهيه عن طاعة المكذبين، ثم وصفت هؤلاء المكذبين، وضربت مثلا لحالهم، ثم أقامت عليهم الحجة، ثم عاد السياق لتوجيه رسول الله ﷺ بتحديد المواقف له. ٣ - في المحور ثلاث قضايا رئيسية: هدى ينزله الله على أصدق خلقه يقف الناس منه موقفين: مؤمنين ومكذبين. والسورة تخاطب المنزل عليه هدى الله- وهو محمد ﷺ في الرسالة الخاتمة في نفي ما يتهمه به المكذبون، فتقيم الحجة عليهم، وتحدد لرسول الله ﷺ مواقفه منهم، وتريه أخلاقهم وتصوراتهم، فلنر الفقرة السادسة والأخيرة في السورة وتبدأ بالكلام عن المكذبين، آمرة رسول الله ﷺ أن يتركهم لعقوبة الله . ***

стр. 5779

الفقرة السادسة وتمتد من الآية (٤٤) إلى نهاية السورة أي: إلى نهاية الآية (٥٢) وهذه هي: [سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٤ الى ٥٢] فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَما هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٥٢) التفسير: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ يعني: القرآن. قال النسفي: أي: كله إلي فإني أكفيكه، والمراد كل أمره إلي، وخل بيني وبينه، فإني عالم بما ينبغي أن يفعل به ومطيق له، فلا تشغل قلبك بشأنه، وتوكل علي في الانتقام منه سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ قال النسفي: (سندنيهم من العذاب درجة درجة، يقال: استدرجه إلى كذا أي: استنزله إليه درجة فدرجة، حتى يورطه فيه، واستدراج الله تعالى العصاة أن يرزقهم الصحة والنعمة، فيجعلون رزق الله ذريعة إلى ازدياد المعاصي مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ من الجهة التي لا يشعرون أنه استدراج، قيل: كلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة وأنسيناهم شكرها)، وقال ابن كثير في الآية: (وهذا تهديد شديد أي: دعني وإياه. أنا أعلم به كيف أستدرجه وأمده في غيه وأنظره، ثم آخذه أخذ عزيز مقتدر)، وفسر ابن كثير مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ

стр. 5780

فقال: أي: وهم لا يشعرون بل يعتقدون أن ذلك من الله كرامة، وهو في نفس الأمر إهانة، وفسرها النسفي بقوله: (أي: من الجهة التي لا يشعرون أنه استدراج قيل: كلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة وأنسيناهم شكرها) وَأُمْلِي لَهُمْ أي: وأمهلهم إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ أي: قوي شديد. قال ابن كثير: أي: عظيم لمن خالف أمري وكذب رسلي وأصر على معصيتي، وقال في الآية: أي: أؤخرهم وأنظرهم وأمدهم، وذلك من كيدي ومكري بهم. كلمة في السياق: ١ - جاء في محور السورة قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وجاء في الآيتين اللتين مرتا معنا قوله تعالى: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ فالآيتان توجهان رسول الله ﷺ كيف يكون موقفه من المكذبين، وتعده أن الله سيتولى أمر الانتقام منهم، وصلة ذلك بالمحور واضحة. ٢ - بعد أن ذكر الله موقف الكافرين من رسول الله ﷺ ، وكيف أنهم يتهمونه أنه مجنون، وبعد أن رد الله عليهم، ونهى رسوله صلى الله عليه وسلم عن طاعتهم، ومثل لحالهم وأقام الحجة عليهم، يأتي الأمر لرسول الله ﷺ أن يكل أمر المكذبين إلى الله ، ثم تتجه السورة مرة ثانية لحوار المكذبين كما سنرى. ٣ - لاحظ صلة المثل الذي ذكره الله في السورة بقوله تعالى فيها: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ففي قصة أصحاب الجنة نموذج لكيد الله المتين، ولنعد إلى سياق السورة. ... أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً على تبليغ الرسالة فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ أي: غرامة ودفع مال مُثْقَلُونَ فلا يؤمنون أي: لست تطلب أجرا على تبليغ الوحي فيثقل عليهم فيمتنعوا لذلك. قال ابن كثير: والمعنى: أنك يا محمد تدعوهم إلى الله بلا أجر تأخذه منهم، بل ترجو ثواب ذلك عند الله تعالى، وهم يكذبون بما جئتهم به لمجرد الجهل والكفر والعناد أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ قال النسفي: (أي: اللوح المحفوظ عند الجمهور) فَهُمْ يَكْتُبُونَ منه ما يحكمون به.

стр. 5781

كلمة في السياق: أقام الله الحجة على المكذبين هاهنا بتبيانه أنه لا صلة لهم بأمر الغيب حتى يكذبوا، وأن رسول الله ﷺ لا يطلب منهم أجرا حتى يستثقلوا الإيمان، وبهذا استكملت السورة نقاش المكذبين، فأقامت الحجة على أن محمدا رسول الله، وعلى أنهم يستأهلون العذاب، وعلى أنه لا مبرر لهم في عدم الإيمان، وإذ قامت الحجة عليهم يأتي الآن أمر لرسول الله ﷺ بالصبر. ... فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وهو إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم، لأنهم أمهلوا ولم يهملوا وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ أي: يونس- ﵇ حين ذهب مغاضبا على قومه دون إذن من ربه، فصار المعنى: فاصبر لحكمة ربك، ولا تتصرف تصرفا إلا بإذن منا؛ أن يصيبك ما أصاب يونس ﵇، إذ عوقب إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ أي: مغموم مكروب لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ أي: رحمة من الله. أي: لولا أن الله أنعم عليه بإجابة دعائه وقبول عذره لَنُبِذَ من بطن الحوت بِالْعَراءِ بالفضاء وَهُوَ مَذْمُومٌ أي: معاتب بزلته، لكنه رحم فنبذ غير مذموم فَاجْتَباهُ رَبُّهُ أي: فاصطفاه ربه لدعائه وعذره فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ أي: من المستكملين لصفات الصلاح. ... كلمة في السياق: وهكذا أدب الله رسوله ﷺ آمرا إياه أن يصبر على أذى المكذبين، وألا يتصرف تصرفا إلا بإذن، وإلا استحق عقابا كالعقاب الذي نزل بيونس ﵇، وحتى لا يتوهم متوهم في شأن يونس فقد ذكر الله من كمالاته وتكميل الله إياه في المحنة وبعد المحنة، ثم في سياق الأمر بالصبر يذكر الله موقفين للكافرين يقتضيان صبرا. ... وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ أي: قارب الكفار من شدة نظرهم إليك شزرا بعيون العداوة أن يزيلوك بأبصارهم عن مكانك، أو يهلكوك لشدة

стр. 5782

حنقهم عليك لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ أي: حين سمعوا القرآن وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ فهم ينظرون إليه شزرا بأعينهم، ويؤذونه بألسنتهم، ويقولون إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ أي: لمجيئه بالقرآن. كلمة في السياق: ١ - بينت هذه الآية نموذجين من مواقف الكفار يقتضيان من رسول الله ﷺ صبرا، نموذجا فعليا وهو نظرهم شزرا إلى رسول الله ﷺ إذا سمعوا القرآن، أو نظرهم الذي يريدون به هلاكه، ونموذجا قوليا وهو قولهم عن رسول الله ﷺ : إنه مجنون. ٢ - مما ذكره الله في آخر الآية وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ نعلم سبب ما جاء في أول السورة ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وهذا يرينا صلة أول السورة بنهايتها. ٣ - من الآية الأخيرة نعرف مظهرا جديدا من مظاهر الكفر والتكذيب، وهو الحقد الشديد على صاحب الدعوة والهدى، بدل الإيمان به والتسليم، وصلة ذلك بمحور السورة واضحة. ٤ - وكرد على موقف الكافرين من رسول الله ﷺ إذا سمعوا الذكر، تأتي الآية الأخيرة في السورة. ... وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ أي: وما القرآن إلا موعظة للجن والإنس. لقد حكموا على رسول الله ﷺ بالجنون، ونظروا إليه شزرا لأجل القرآن، وما القرآن إلا موعظة للعالمين، فكيف يحكم بالجنون على من جاء بمثله؟ وذكر النسفي وجها آخر للآية فقال: (وما هو- أي: محمد ﵇ إلا شرف للعالمين، فكيف ينسب إليه الجنون)، والوجه الأول أقوى. قال صاحب الظلال: (ولا بد قبل نهاية الحديث من لفتة إلى كلمة «للعالمين» ... هنا والدعوة في مكة تقابل بذلك الجحود، ويقابل رسولها بتلك النظرات المسمومة المحمومة، ويرصد المشركون لحربها كل ما يملكون ... وهي في هذا

стр. 5783

الوقت المبكر، وفي هذا الضيق المستحكم، تعلن عن عالميتها. كما هي طبيعتها وحقيقتها. فلم تكن هذه الصفة جديدة عليها حين انتصرت في المدينة- كما يدعي المفترون اليوم- إنما كانت صفة مبكرة في أيام مكة الأولى. لأنها حقيقة ثابتة في صلب هذه الدعوة منذ نشأتها. كذلك أرادها الله. وكذلك اتجهت منذ أيامها الأولى. وكذلك تتجه إلى آخر الزمان. والله الذي أرادها كما أرادها هو صاحبها وراعيها. وهو المدافع عنها وحاميها. وهو الذي يتولى المعركة مع المكذبين. وليس على أصحابها إلا الصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين). كلمة في السياق: رأينا محور السورة من قبل فلنر أجزاءه وما فصلت السورة في كل منها: ١ - فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً قد رأينا في السورة أن هذا القرآن هو هدى الله للعالمين، وأن محمدا ﷺ أنزل عليه هذا الهدى، وقد أثنت السورة على رسول الله ﷺ ، وأمرته بما ينبغي أن يفعله. ٢ - فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وقد بينت السورة أن المتقين لهم الجنات وأنهم هم المهتدون. ٣ - وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وقد فصلت السورة في مواقف المكذبين وأقوالهم، وكيف يستدرجهم الله ، وفصلت في استحقاقهم العذاب، وأقامت الحجة عليهم، وسفهت مواقفهم، لأنها لا تستند على أساس، وكل ذلك سار ضمن سياق خاص للسورة. الفوائد: ١ - في قوله تعالى: وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ اتجاه إلى أن المراد بالقلم، قلم القدرة، والمراد بالمسطرين الملائكة، وقد رجحنا غير هذا الاتجاه، ولكن بمناسبة هذا الاتجاه قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم ... عن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: دعاني أبي حين حضره الموت فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب قال يا رب وما أكتب؟ قال: اكتب القدر

стр. 5784

وما هو كائن إلى الأبد» وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد من طرق عن الوليد ابن عبادة عن أبيه به، وأخرجه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي به وقال: حسن صحيح غريب، ورواه أبو داود في كتاب السنة من سننه). ٢ - بمناسبة قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ قال ابن كثير: (وروى عبد الرزاق عن سعد بن هشام قال: سألت عائشة فقلت: أخبريني يا أم المؤمنين عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: أتقرأ القرآن؟ فقلت: نعم فقالت: كان خلقه القرآن. وهذا مختصر من حديث طويل. وقد رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث قتادة بطوله، وسيأتي في سورة المزمل إن شاء الله تعالى وبه الثقة. وروى الإمام أحمد عن الحسن قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: كان خلقه القرآن. وروى الإمام أحمد عن رجل من بني سواد قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: أما تقرأ القرآن! وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ قال: قلت: حدثيني عن ذاك قالت: صنعت له طعاما، وصنعت له حفصة طعاما، فقلت لجاريتي: اذهبي فإن جاءت هي بالطعام فوضعته قبل فاطرحي الطعام، قالت: فجاءت بالطعام، قالت: فألقت الجارية فوقعت القصعة فانكسرت، وكان نطع، قالت: فجمعه رسول الله ﷺ وقال: «اقتصوا- أو اقتصي، شك أسود- ظرفا مكان ظرفك» قالت: فما قال شيئا. وروى البخاري عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجها، وأحسن الناس خلقا، ليس بالطويل ولا بالقصير. والأحاديث في هذا كثيرة ولأبي عيسى الترمذي في هذا كتاب الشمائل. روى الإمام أحمد عن عائشة قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ بيده خادما له قط ولا ضرب امرأة ولا ضرب بيده شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا خير بين شيئين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما حتى يكون إثما، فإذا كان إثما كان أبعد الناس من الإثم، ولا انتقم لنفسه من شئ يؤتى إليه إلا أن تنتهك حرمات الله، فيكون هو ينتقم لله . وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما بعثت لأتمم صالح مكارم الأخلاق» تفرد به). وقال صاحب الظلال عند قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ: (ودلالة هذه الكلمة العظيمة على عظمة محمد ﷺ تبرز من نواح شتى:

стр. 5785

تبرز من كونها كلمة من الله الكبير المتعال، يسجلها ضمير الكون، وتثبت في كيانه، وتتردد في الملأ الأعلى إلى ما شاء الله. وتبرز من جانب آخر، من جانب إطاقة محمد ﷺ لتلقيها. وهو يعلم من ربه هذا- قائل هذه الكلمة- ما هو؟ ما عظمته؟ ما دلالة كلماته؟ ما مداها؟ ما صداها؟ ويعلم من هو إلى جانب هذه العظمة المطلقة، التي يدرك هو منها ما لا يدركه أحد من العالمين. إن إطاقة محمد ﷺ لتلقي هذه الكلمة. من هذا المصدر. وهو ثابت. لا ينسحق تحت ضغطها الهائل- ولو أنها ثناء- ولا تتأرجح شخصيته تحت وقعها وتضطرب ... تلقيه لها في طمأنينة وفي تماسك وفي توازن ... هو في ذاته دليل على عظمة شخصيته فوق كل دليل. ولقد رويت عن عظمة خلقه في السيرة، وعلى لسان أصحابه روايات منوعة كثيرة. وكان واقع سيرته أعظم شهادة من كل ما روي عنه. ولكن هذه الكلمة أعظم بدلالتها من كل شئ آخر. أعظم بصدورها عن العلي الكبير. وأعظم بتلقي محمد لها وهو يعلم من هو العلي الكبير. وبقائه بعدها ثابتا راسخا مطمئنا. لا يتكبر على العباد، ولا يتعاظم، وهو الذي سمع ما سمع من العلي الكبير! والله أعلم حيث يجعل رسالته. وما كان إلا محمد ﷺ بعظمة نفسه هذه- من يحمل هذه الرسالة الأخيرة بكل عظمتها الكونية الكبرى. فيكون كفئا لها، كما يكون صورة حية منها. إن هذه الرسالة من الكمال والجمال، والعظمة والشمول، والصدق والحق، بحيث لا يحملها إلا الرجل الذي يثني عليه الله هذا الثناء. فتطيق شخصيته كذلك تلقي هذا الثناء. في تماسك وفي توازن، وفي طمأنينة. طمأنينة القلب الكبير الذي يسع حقيقة تلك الرسالة وحقيقة هذا الثناء العظيم. ثم يتلقى- بعد ذلك- عتاب ربه له، ومؤاخذته إياه على بعض تصرفاته، بذات التماسك وذات التوازن وذات الطمأنينة. ويعلن هذه كما يعلن تلك، لا يكتم من هذه شيئا ولا تلك ... وهو هو في كلتا الحالتين النبي الكريم. والعبد الطائع. والمبلغ الأمين). ٣ - وبمناسبة قوله تعالى: مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ قال ابن كثير: (وقد ثبت في

стр. 5786

الصحيحين من حديث مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال: مر رسول الله ﷺ بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» الحديث وأخرجه بقية الجماعة في كتبهم من طرق عن مجاهد به. وروى الإمام أحمد عن همام أن حذيفة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل الجنة قتات» رواه الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن إبراهيم به. وروى عبد الرزاق- بسنده- عن حذيفة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل الجنة قتات» يعني نماما). ٤ - بمناسبة قوله تعالى: عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ قال ابن كثير: (أما العتل: فهو الفظ الغليظ الصحيح الجموع المنوع. وروى الإمام أحمد عن حارثة بن وهب قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أنبئكم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره، ألا أنبئكم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر» وقال وكيع: «كل جواظ جعظري مستكبر» أخرجاه في الصحيحين وبقية الجماعة إلا أبا داود من حديث سفيان. وروى الإمام أحمد أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال عند ذكر أهل النار: «كل جعظري جواظ مستكبر جماع مناع» تفرد به أحمد. قال أهل اللغة: الجعظري: الفظ الغليظ، والجواظ: الجموع المنوع. وروى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن غنم قال: سئل رسول الله ﷺ عن العتل الزنيم فقال: «هو الشديد الخلق المصحح الأكول الشروب الواجد للطعام والشراب الظلوم للناس رحيب الجوف» وبهذا الإسناد قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة الجواظ الجعظري العتل الزنيم» وقد أرسله أيضا غير واحد من التابعين. وروى ابن جرير عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله ﷺ : «تبكي السماء من عبد أصح الله جسمه، وأرحب جوفه وأعطاه من الدنيا هضما، فكان للناس ظلوما، قال فذلك العتل الزنيم» وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريقين مرسلين ونص عليه غير واحد من السلف منهم مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة وغيرهم أن العتل: هو المصحح الخلق، الشديد القوي في المأكل والمشرب والمنكح وغير ذلك). ٥ - وبمناسبة قوله تعالى: زَنِيمٍ قال ابن كثير: (وأما الزنيم فروى البخاري عن ابن عباس عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ قال: رجل من قريش له زنمة مثل زنمة الشاة، ومعنى هذا أنه كان مشهورا بالسوء كشهرة الشاة ذات الزنمة من بين

стр. 5787

أخواتها. وإنما الزنيم في لغة العرب هو الدعي في القوم، قاله ابن جرير وغير واحد من الأئمة قال: ومنه قول حسان بن ثابت يعني يذم بعض كفار قريش: وأنت زنيم نيط في آل هاشم ... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد وقال آخر: زنيم ليس يعرف من أبوه ... بغي الأم ذو حسب لئيم وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله زَنِيمٍ قال: الدعي الفاحش اللئيم، ثم قال ابن عباس: زنيم تداعاه الرجال زيادة ... كما زيد في عرض الأديم الأكارع ٦ - بمناسبة قوله تعالى: فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ قال ابن كثير: (وروى ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إياكم والمعاصي إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقا قد كان هيئ له، ثم تلا رسول الله ﷺ فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ* فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ قد حرموا خير جنتهم بذنبهم»). ٧ - بمناسبة قوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ قال ابن كثير: (وقد روى البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقا واحدا» وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وفي غيرهما من طرق وله ألفاظ وهو حديث طويل مشهور، وقد قال عبد الله بن المبارك عن أسامة بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ قال: هو يوم القيامة، يوم كرب وشدة رواه ابن جرير ثم روى عن ابن مسعود أو ابن عباس- الشك من ابن جرير- يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ قال: عن أمر عظيم كقول الشاعر: شالت الحرب عن ساق). ٨ - بمناسبة قوله تعالى: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ قال ابن كثير: (وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ

стр. 5788

شَدِيدٌ). ٩ - بمناسبة ذكر يونس ﵇، قال ابن كثير: (وقد روى الإمام أحمد عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس ابن متى» ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة). ١٠ - بمناسبة قوله تعالى: وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ قال ابن كثير: (وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله ، كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة ... روى أبو عبد الله ابن ماجه عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله ﷺ : «لا رقية إلا من عين أو حمة» هكذا رواه ابن ماجه وقد أخرجه مسلم في صحيحه عن بريدة موقوفا وفيه قصة. قال الترمذي: وروى هذا الحديث الإمام البخاري عن عمران ابن حصين موقوفا: «لا رقية إلا من عين أو حمة». (طريق أخرى) روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس عن النبي ﵌ قال: «العين حق، ولو كان شئ سابق القدر سبقت العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا» انفرد به دون البخاري. وروى عبد الرزاق عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﵌ يعوذ الحسن والحسين يقول: «أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة. ومن كل عين لامة» ويقول: هكذا كان إبراهيم يعوذ إسحاق وإسماعيل ﵉. أخرجه البخاري وأهل السنن من حديث المنهال به. (حديث أبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف ﵁ روى ابن ماجه عن أبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف قال: مر عامر بن ربيعة بسهل بن حنيف وهو يغتسل فقال: لم أر كاليوم ولا جلد مخبأة فما لبث أن لبط به فأتى به رسول الله ﷺ فقيل له: أدرك سهلا صريعا قال: «من تتهمون به» قالوا عامر بن ربيعة قال: «علام يقتل أحدكم أخاه؟. إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة» ثم دعا بماء، فأمر عامرا أن يتوضأ فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين وركبتيه وداخلة إزاره وأمره أن يصب عليه. قال سفيان قال معمر عن الزهري وأمر أن يكفأ الإناء من خلفه، وقد رواه النسائي من حديث سفيان بن عيينة ومالك بن أنس كلاهما عن

стр. 5789

الزهري به، ومن حديث سفيان بن عيينة به أيضا عن معمر عن الزهري عن أبي أمامة ويكفأ الاناء من خلفه. (حديث أبي سعيد الخدري) روى ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله ﷺ يتعوذ من أعين الجان وأعين الإنس، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سوى ذلك، ورواه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن. (حديث آخر عنه) روى الإمام أحمد عن أبي سعيد أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: اشتكيت يا محمد قال: «نعم» قال: باسم الله أرقيك، من كل شئ يؤذيك، من شر كل نفس وعين تشنيك والله يشفيك، باسم الله أرقيك. ورواه عن عفان عن عبد الوارث مثله، ورواه مسلم وأهل السنن إلا أبا داود من حديث عبد الوارث به). كلمة أخيرة في سورة (القلم) ومجموعتها: رأينا صلة سورة (ن) بمحورها وبالسورة قبلها وبالسورة الأولى من مجموعتها، ورأينا كيف أن المجموعة على أقوى رباط فيما بينها، وتوضحت لدينا خلال عرضنا للمجموعة فكرة هي: أن المعاني الإجمالية في القرآن عرضتها سورة البقرة في آياتها التسعة والثلاثين الأولى، ثم جاءت تتمة سورة البقرة لتخدم المعاني الواردة في الآيات الأولى هذه. وجاءت المجموعات تتوالى لتفصل كل مجموعة هذه الآيات بشكل أو بآخر مع امتداداتها في سورة البقرة نفسها، وقد تفصل بعض سور المجموعات محاور أخرى من سورة البقرة. وهذا التفصيل المستند إلى محاور ضمن ترتيب معين يذكرنا بالوحدة التي نراها في هذا الكون؛ إذ ترجع الأشياء كلها إلى أصل واحد، وإذ تتكامل الأشياء فيما بينها. فكما أنه في هذا الكون تجد أن الأشياء الكثيرة ترجع إلى أمهات، وأن كل شئ في هذا الكون يكمل الآخر، فكذلك هذا القرآن، وكما أنك تجد في أجزاء هذا الكون كل على حدة، معاني جديدة وعجائب كثيرة في الذرة والخلية والأعضاء والأجسام والكتل، فكذلك نجد هذا القرآن، فالقرآن كتاب الله المسطور، والكون كتاب الله المنظور، وكلاهما تظهر فيه نفس الخصائص التي تدل على الله وصفاته وأسمائه. ... وقد رأينا فيما مر معنا كيف أن المجموعات تفصل بعيدا أو قريبا من بداية سورة

стр. 5790

البقرة، وكيف أن هناك مجموعات تفصل آية فآية بلا فواصل، ومجموعات أخرى تفصل آية ثم تفصل آية بعيدة، ويربط بين الآيات رباط، وكل ذلك يرينا مظاهر من الإبداع تشهد على أن هذا القرآن كتاب الله . ... ومجموعة سورة (ن) التي مرت تمثل المجموعة الشاملة التذكير، فقد رأينا أنها فصلت في الآيات التسعة والثلاثين من سورة البقرة كلها، بينما نرى مجموعات تفصل في حدود العشرين آية الأول فقط، ومجموعات فصلت في الآيات السبع الأولى فقط. ... ومن الآن فصاعدا سنحاول أن نبرز معنى هو: أن المجموعات وهي تفصل في محورها تلفت النظر إلى كل ما له علاقة في هذا المحور في منطوقه ومفهومه، وعباراته وإشاراته وغير ذلك، وهي في الوقت نفسه تبني وتبين ما يترتب على كل معنى من آثار عملية، وأحيانا قد تفصل في الجانب العملي الذي يترتب على معنى ولو لم تذكر هذا المعنى. ونكتفي الآن بهذا القدر عن سورة (ن) ومجموعتها، وعما أوصلتنا إليه، وذكرتنا فيه من آفاق الوحدة القرآنية، ولننتقل إلى المجموعة السادسة من قسم المفصل. ***

стр. 5791

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 5792

المجموعة السادسة من القسم الرابع من أقسام القرآن المسمى بقسم المفصل وتشمل سور: الحاقة، والمعارج، ونوح، والجن، والمزمل، والمدثر

стр. 5793

كلمة في المجموعة السادسة من قسم المفصل ترددت كثيرا في تحديد حدود المجموعة السادسة بدايتها ونهايتها وعدد سورها، فمن القديم كان مستقرا في حسي وقلبي أن سورة الحاقة بداية مجموعة، إلا أنني لاحظت أن سورة الحاقة تشبه سورة الواقعة شبها عجيبا في مضمونها، وفي نهايتها؛ فسورة الواقعة تنتهي بقوله تعالى: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ وكذلك سورة الحاقة، ومضمون سورة الحاقة يشبه إلى حد بعيد مضمون سورة الواقعة، وقد رأينا أن سورة الواقعة كانت نهاية مجموعة، ولم تكن بداية مجموعة. وبعد التأمل الطويل رجحت أن سورة الحاقة بداية مجموعة، وأنها هي والسور الخمس بعدها مجموعة واحدة، ومن قبل قلنا إن المعاني وحدها هي التي لها الحكم النهائي، وقد رأيت أن المعاني توصل إلى هذه النتيجة. وإذن فمن خلال المعاني يتبين أن السور الست التي ذكرناها تشكل مجموعة واحدة، ومن خلال المعاني نرى أن الحاقة والمعارج ونوح والجن تفصل في مقدمة سورة البقرة، وأن سورتي المزمل والمدثر تفصلان في الآيات السبع بعد المقدمة، وسنرى أدلة ذلك أثناء الكلام عن هذه السور. والمجموعة وهي تفصل تكمل البناء، وتوضح الطريق، ويرافق فيها الإقناع الدعوة إلى بذل الجهد في كل جانب من الجوانب ولنبدأ عرض سور المجموعة.

стр. 5794

سورة الحاقة وهي السورة التاسعة والستون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الأولى من المجموعة السادسة من قسم المفصل، وهي اثنتان وخمسون آية وهي مكية

стр. 5795

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 5796

بين يدي سورة الحاقة: قال الألوسي ذاكرا وجه المناسبة بين سورة الحاقة ونون: (ولما وقع في نون ذكر يوم القيامة مجملا شرح سبحانه في هذه السورة الكريمة نبأ ذلك اليوم وشأنه العظيم، وضمنه ذكر أحوال أمم كذبوا الرسل ﵈، وما جرى عليهم؛ ليزدجر المكذبون المعاصرون له ﵊. وقال صاحب الظلال عن سورة الحاقة: (هذه سورة هائلة رهيبة؛ قل أن يتلقاها الحس إلا بهزة عميقة؛ وهي منذ افتتاحها إلى ختامها تقرع هذا الحس، وتطالعه بالهول القاصم، والجد الصارم، والمشهد تلو المشهد، كله إيقاع ملح على الحس، بالهول آنا وبالجلال آنا، وبالعذاب آنا، وبالحركة القوية في كل آن! والسورة بجملتها تلقي في الحس- بكل قوة وعمق- إحساسا واحدا بمعنى واحد ... أن هذا الأمر- أمر الدين والعقيدة- جد خالص حازم جازم. جد كله لا هزل فيه. ولا مجال فيه للهزل. جد في الدنيا وجد في الآخرة، وجد في ميزان الله وحسابه. جد لا يحتمل التلفت عنه هنا أو هناك كثيرا ولا قليلا. وأي تلفت عنه من أي أحد يستنزل غضب الله الصارم، وأخذه الحاسم). (إنها سورة هائلة رهيبة. قل أن يتلقاها الحس إلا بهزة عميقة. وهي بذاتها أقوى من كل استعراض ومن كل تحليل، ومن كل تعليق!). (ذلك المعنى الذي تتمحض السورة لإلقائه في الحس، يتكفل أسلوبها وإيقاعها ومشاهدها وصورها وظلالها بإلقائه وتقريره وتعميقه بشكل مؤثر حي عجيب: إن أسلوب السورة يحاصر الحس بالمشاهد الحية، المتناهية الحيوية، بحيث لا يملك منها فكاكا، ولا يتصور إلا أنها حية واقعة حاضرة، تطالعه بحيويتها وقوتها وفاعليتها بصورة عجيبة!). كلمة في سورة الحاقة ومحورها: جاءت سورة الحاقة بعد سورة (ن) التي ذكرنا أنها نهاية مجموعة، وهذا يجعلنا نستأنس أن سورة الحاقة بداية مجموعة، وإذا كانت سورة الحاقة بداية مجموعة فهي تفصل في مقدمة سورة البقرة، ولذلك فإنها تبدأ بالكلام عن اليوم الآخر، وصلة ذلك

стр. 5797

بقوله تعالى في الآيات الأولى من سورة البقرة: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ واضحة، ثم هي تتحدث عن مآل المسلمين ومآل الكافرين، وصلة ذلك بالكلام عن المتقين والكافرين في أوائل سورة البقرة واضحة، كما هي تتحدث عن سبب تعذيب الكافرين إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ* وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ وصلة ذلك بقوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ واضحة، وتتحدث عن القرآن: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ* وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ* وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ* تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ... وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ... وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ* وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ وصلة ذلك بقوله تعالى في مقدمة سورة البقرة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ واضحة، وهذا كله يؤكد أن سورة الحاقة بداية مجموعة. يبقى أن نتساءل عن سر التشابه بين سورة الحاقة وسورة الواقعة؟ أقول: إن اليوم الآخر يدفع للعمل كما يدفع للإيمان، وقد جاءت سورة الواقعة تفصل في ما بعد مقدمة سورة البقرة، وجاءت سورة الحاقة تفصل في مقدمة سورة البقرة وبين المقامين تداخل، فالكلام عن اليوم الآخر دافع للتحلي، كما هو دافع للتخلي، ودافع للإيمان كما أنه دافع للعمل، ومن ثم تقدم الحديث عن اليوم الآخر في السورتين للوصول إلى ما ينبغي أن يبنى عليه، على أن كلا من السورتين تخدم محورها بشكل رئيسي. ومع أن هناك تشابها في السورتين فإن لكل سورة روحها وسياقها الخاص بها، ومعانيها وألفاظها، وطريقة عرضها، وكل من السورتين على غاية من الكمال والبيان، مما يدلك على أن هذا القرآن من عند الله، فإن نرى معنى واحدا يعرض بعشرات الطرق، وفي كل مرة تجد عرضا على غاية من الكمال والعلو في موضوع لم يطرقه العرب أصلا فذلك شأن غير مستطاع للبشر. إن سورة الواقعة وسورة الحاقة نموذجان على السور التي تعرض اليوم الآخر، ثم تبني على ذلك ما ينبغي أن يبنى عليه من بناء، إن في مجال الإيمان، أو في مجال العمل.

стр. 5798

وسنرى سورا أخرى تشبههما في هذا المجال، ولعل في هذا الذي ذكرناه سر التشابه بين هذه السور وإن اختلفت المحاور. لقد رأينا سورا تعرفنا على الله، ثم تنطلق من خلال التعريف عليه ﷻ ، إلى البناء على ذلك ما ينبغي أن يبنى من إيمان وعمل. ولقد رأينا سورا تذكرنا بإعجاز القرآن، ثم تنطلق لتبني على كون هذا القرآن من عند الله ما ينبغي أن يبنى من إيمان وعمل. ورأينا سورا تعرفنا على رسول الله ﷺ ، ثم تنطلق لتبني على ذلك ما ينبغي أن يبنى من إيمان وعمل، وكل ذلك يأتي أحيانا بشكل دوري، وأحيانا بشكل متباعد، والإنسان أعجز من أن يحيط بأسرار هذا القرآن، فلو أن عقول الأولين والآخرين اجتمعت لتحيط بكل أسرار هذا القرآن لما كان لها إلى ذلك سبيل، فكما أن الله حدثنا عن ذاته فقال: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً فإن كتابه كذلك، لقد سمى الله كتابه روحا فقال: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا وقال عن الروح الإنسانية: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا وما يقال عن روح الإنسان يقال عن القرآن، مع ملاحظة أن كون القرآن روحا هو إحدى خصائصه التي بسببها مع غيره يعجز الإنسان عن أن يأتي بمثل هذا القرآن. فلنبدأ بعرض سورة الحاقة ولنعرضها على فقرتين: الفقرة الأولى تستمر حتى نهاية الآية (٣٧). الفقرة الثانية تستمر حتى نهاية الآية (٥٢). وتتألف الفقرة الأولى من مقدمة ومجموعتين.

стр. 5799

الفقرة الأولى وتمتد من الآية (١) حتى نهاية الآية (٣٧) وهذه هي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) المجموعة الأولى [سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤ الى ١٢] كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (٨) وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢) المجموعة الثانية [سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١٣ الى ٣٧] فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُها دانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ (٢٦) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (٢٧) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ (٣٧)

стр. 5800

تفسير مقدمة السورة: الْحَاقَّةُ هذه الكلمة مشتقة من حق يحق بالكسر أي: وجب، والمراد بها الساعة الواجبة الوقوع، الثابتة المجئ، التي هي آتية لا ريب فيها. قال ابن كثير: الحاقة من أسماء يوم القيامة لأن فيها يتحقق الوعد والوعيد، ولهذا عظم الله أمرها فقال: مَا الْحَاقَّةُ أي: الحاقة ما هي وأي شئ هي؟ تفخيما لشأنها وتعظيما لهولها، أي: حقها أن يستفهم عنها لعظمتها وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ قال النسفي: أي وأي شئ أعلمك ما الحاقة؟ يعني: أنك لا علم لك بكنهها ومدى عظمها لأنه من العظم والشدة بحيث لا تبلغه دراية المخلوقين. كلمة في السياق: ١ - هذه مقدمة السورة، وفيها ذكر ليوم القيامة وتفخيم له، يعقب ذلك

стр. 5801

المجموعة الأولى من الفقرة الأولى، وفيها ذكر لأمم كذبت بالساعة، فحل بهم ما حل، ثم تسير السورة في سياقها المبدع الرائع الذي يهز الكيان هزا. قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد ... عن عمر بن الخطاب أنه قال: خرجت أتعرض رسول الله ﷺ قبل أن أسلم فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه فاستفتح سورة الحاقة فجعلت أعجب من تأليف القرآن، قال: فقلت هذا والله شاعر كما قالت قريش، قال فقرأ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ* وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ قال: فقلت كاهن، قال فقرأ وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ* تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ* وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ* لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ* ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ* فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ إلى آخر السورة، قال: فوقع الإسلام في قلبي كل موقع، فهذا من جملة الأسباب التي جعلها الله تعالى مؤثرة في هداية عمر بن الخطاب ﵁. لاحظ كلمة عمر في جاهليته: فجعلت أعجب من تأليف القرآن، وكيف كانت هذه السورة من أسباب إيمانه، لتدرك روعة هذه السورة، وروعة الإعجاز القرآني. ٢ - قدمت السورة للكلام عن يوم القيامة بما هو الغاية في الفخامة والتعظيم، فقرعت الآذان والقلوب بهذا الجرس القوي، والاستفهام بعد الاستفهام عن شأنها وها هي ذي المجموعة الأولى من الفقرة الأولى تتحدث عن من كذب بها وما حل بهم بسبب التكذيب. تفسير المجموعة الأولى من الفقرة الأولى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ أي: بالحاقة فوضعت القارعة موضعها، لأنها من أسماء يوم القيامة، وسميت بالقارعة لأنها تقرع الناس بالأفزاع والأهوال، وثمود قوم صالح، وعاد قوم هود فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ قال النسفي: (أي: بالواقعة المجاوزة للحد في الشدة، واختلف فيها فقيل الرجفة، وقيل الصيحة ... ) وقال ابن كثير في تفسير الطاغية: وهي الصيحة التي أسكتتهم، والزلزلة التي أسكنتهم، هكذا قال قتادة: الطاغية الصيحة وهو اختيار ابن جرير وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ أي: شديدة الصوت أو باردة عاتِيَةٍ أي: شديدة العصف والهبوب. قال الضحاك: عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة سَخَّرَها أي: سلطها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ من الليالي سبعا ومن النهر ثمانية حُسُوماً قال ابن كثير: أي: كوامل متتابعات مشائيم أو مستأصلة استئصالا فَتَرَى الْقَوْمَ أيها

стр. 5802

المخاطب فِيها أي: في مهاب الريح أو في الأيام والليالي صَرْعى أي: هلكى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ أي: أصول نَخْلٍ خاوِيَةٍ أي: ساقطة أو بالية فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ أي: من نفس باقية أو من بقاء. قال ابن كثير: أي: هل تحس منهم من أحد من بقاياهم، أو ممن ينتسب إليهم؟ بل بادوا عن آخرهم ولم يجعل الله لهم خلفا وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ أي: ومن تقدمه من الأمم وَالْمُؤْتَفِكاتُ قال النسفي: (أي: قرى قوم لوط فهي ائتفكت أي: انقلبت بهم)، وقال ابن كثير: هم الأمم المكذبون بالرسل بِالْخاطِئَةِ أي: بالخطإ أو بالفعلة الخاطئة، أو بالأفعال ذات الخطأ العظيم فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ أي: فعصى قوم لوط رسول ربهم، أو فعصت كل أمة من الأمم المذكورة رسول ربها فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً أي: شديدة زائدة في الشدة، كما زادت قبائحهم في القبح إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ أي: زاد على الحد بإذن الله يوم طوفان نوح حَمَلْناكُمْ أيها البشر أي: حملنا آباءكم فِي الْجارِيَةِ أي: في سفينة نوح ﵇ لِنَجْعَلَها لَكُمْ أي: لنجعل لكم تلك الفعلة وهي إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين تَذْكِرَةً أي: عبرة وعظة، وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ أي: وتفهم هذه النعمة وتذكرها أذن واعية، أي: حافظة سامعة، أي: يحفظها ويفهمها كل من له سمع صحيح، وعقل رجيح. قال ابن كثير: (وهذا عام في كل من فهم ووعي). كلمة في السياق: بدأت السورة بذكر الحاقة، وتفخيم أمرها من خلال سؤالين عنها، ثم جاءت مجموعة تحدثت عن قوم عاد وثمود، وفرعون وقومه، وقوم لوط، وقوم نوح كأمم كذبت باليوم الآخر الذي سيأتي حديث عنه في المجموعة الثانية، وهي المجموعة التي ستذكر الجواب على السؤال عن الحاقة، وبهذا تكون المجموعة الأولى من الفقرة الأولى بمثابة التمهيد قبل التفصيل في أمر الحاقة، فقد جاءت المجموعة الأولى لتبين عاقبة من يكذب بالحاقة لتتلقى النفس البشرية البيان وهي عارفة عقوبة من يكذب بها. كانت مقدمة السورة الْحَاقَّةُ* مَا الْحَاقَّةُ* وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ؟ وفي المجموعة الثانية تفصيل الحديث عن الحاقة: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ... وجاءت المجموعة الأولى في الوسط إنذارا ووعظا وتذكيرا.

стр. 5803

تفسير المجموعة الثانية من الفقرة الأولى: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ المراد بهذه النفخة النفخة الأولى، وهي التي يموت بها الناس. قال ابن كثير: وقد أكدها هاهنا بأنها واحدة لأن أمر الله لا يخالف ولا يمانع، ولا يحتاج إلى تكرار ولا تأكيد وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً أي: دكتا حتى ترجع الجبال كثيبا مهيلا، وهباء منبثا، قال ابن كثير: أي: فمدت مد الأديم العكاظي وتبدلت الأرض غير الأرض فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ أي: قامت القيامة، أو نزلت النازلة، وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ قال النسفي: أي: مسترخية ساقطة القوة بعد ما كانت محكمة وَالْمَلَكُ أي: جثت الملائكة عَلى أَرْجائِها قال ابن كثير: أي: على أرجاء السماء، قال ابن عباس: على ما لم يه منها أي: حافاتها، وقال النسفي: أي: جوانبها لأنها إذا انشقت وهي مسكن الملائكة فيلجئون إلى أطرافها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ أي: فوق الملائكة الموجودين على الأرجاء يَوْمَئِذٍ أي: يوم القيامة ثَمانِيَةٌ أي: ثمانية ملائكة أو ثمانية أصناف، أو ثمانية صفوف، والقول الأقوى أنهم ثمانية ملائكة. قال النسفي: (اليوم تحمله أربعة وزيدت أربعة أخرى يوم القيامة) يَوْمَئِذٍ أي: يوم القيامة تُعْرَضُونَ أي: للحساب والسؤال لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ أي: سريرة وحال كانت تخفى على الخلق في الدنيا. قال ابن كثير: أي: تعرضون على عالم السر والنجوى الذي لا يخفى عليه شئ من أموركم، بل هو عالم بالظواهر والسرائر والضمائر فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ سرورا به لما يرى فيه من الخيرات خطابا لجماعته هاؤُمُ أي: خذوا اقْرَؤُا كِتابِيَهْ قال ابن كثير: لأنه يعلم أن الذي فيه خير، وحسنات محضة لأنه ممن بدل الله سيئاته حسنات إِنِّي ظَنَنْتُ أي: علمت وتيقنت أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ قال ابن كثير: أي: قد كنت مؤمنا في الدنيا أن هذا اليوم كائن لا محالة. قال النسفي: (وإنما أجرى الظن مجرى العلم لأن الظن الغالب يقوم مقام العلم في العادات والأحكام، ولأن ما يدرك بالاجتهاد قلما يخلو عن الوسواس والخواطر، وهي تفضي إلى الظنون، فجاز إطلاق لفظ الظن عليها لما لا يخلوا عنه). أقول: يفهم من كلام النسفي أن استعمال الظن بمعنى العلم في الآية، لأن كثيرا من أعمال الآخرة مبناها على غلبة الظن لكثير من الأحكام الفقهية والفرعيات، ومعنى مُلاقٍ حِسابِيَهْ أي:

стр. 5804

معاين حسابي فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ أي: ذات رضا يرضى بها صاحبها، أي: مرضية فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ أي: رفيعة قصورها، حسان حورها، مقيمة دورها، دائم حبورها، قال النسفي: أي: رفيعة المكان، أو رفيعة الدرجات، أو رفيعة المباني والقصور قُطُوفُها دانِيَةٌ أي: ثمارها قريبة من مريدها ينالها القائم والقاعد والمتكئ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً أي: أكلا وشربا هنيئا لا مكروه فيهما ولا أذى بِما أَسْلَفْتُمْ أي: بما قدمتم من الأعمال الصالحة فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ أي: الأيام الماضية من أيام الدنيا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ وهم الأشقياء الكفرة الفجرة فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ لما يرى فيه من الفضائح وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ أي: يا ليتني لم أعلم ما حسابي يا لَيْتَها أي: يا ليت الموتة التي متها كانَتِ الْقاضِيَةَ أي: القاطعة لأجلي فلم أبعث بعدها، ولم ألق ما ألقى ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ أي: لم ينفعني ما جمعته في الدنيا هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ قال الألوسي: أي: بطلت حجتي التي كنت أحتج بها في الدنيا ... أو ملكي وتسلطي على الناس، وبقيت فقيرا ذليلا، أو تسلطي على القوى والآلات التي خلقت لي فعجزت عن استعمالها في الطاعات يقول ذلك تحسرا وتأسفا. قال ابن كثير: أي: لم يدفع عني مالي ولا جاهي عذاب الله وبأسه، بل خلص الأمر إلي وحدي، فلا معين لي ولا مجير، فعندها يقول الله أي: لخزنة جهنم خُذُوهُ فَغُلُّوهُ أي: اجمعوا يديه إلى عنقه ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ أي: أدخلوه. قال النسفي: يعني: ثم لا تصلوه إلا الجحيم وهي النار العظمى. قال ابن كثير: أي: يأمر الزبانية أن تأخذه عنفا من المحشر فتغله، أي: تضع الأغلال في عنقه ثم تورده إلى جهنم فتصليه إياها، أي: تغمره فيها ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها أي: طولها سَبْعُونَ ذِراعاً قال النسفي: بذراع الملك، عن ابن جريج: وقيل لا يعرف قدرها إلا الله فَاسْلُكُوهُ أي: فأدخلوه. قال ابن كثير: (وقال ابن جرير: قال ابن عباس: تدخل في استه ثم تخرج من فيه، ثم ينظمون فيها كما ينظم الجراد في العود حين يشوى، وقال العوفي عن ابن عباس: يسلك في دبره حتى يخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه) ثم علل تعالى لاستحقاقه هذا العذاب الشديد فقال: إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ* وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ أي: على بذل طعام المسكين. قال ابن كثير: أي: لا يقوم بحق الله عليه من طاعته وعبادته، ولا ينفع خلقه ويؤدي حقهم، فإن الله على العباد أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا، وللعباد بعضهم على بعض حق الإحسان

стр. 5805

والمعاونة على البر والتقوى، ولهذا أمر الله بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وقبض النبي ﷺ وهو يقول: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» قال النسفي: (وفيه- أي: وفي قوله تعالى: وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ- إشارة إلى أنه لا يؤمن بالبعث؛ لأن الناس لا يطلبون من المساكين الجزاء فيما يطعمونهم، وإنما يطعمونهم لوجه الله، ورجاء الثواب في الآخرة، فإذا لم يؤمن بالبعث لم يكن له ما يحمله على إطعامهم، أي: أنه مع كفره لا يحرض غيره على إطعام المحتاجين، وفيه دليل قوي على عظم جرم حرمان المسكين، لأنه عطفه على الكفر، وجعله دليلا عليه وقرينة له، ولأنه ذكر الحض دون الفعل ليعلم أن تارك الحض إذا كان بهذه المنزلة فتارك الفعل أحق، وعن أبي الدرداء أنه كان يحض امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين ويقول: خلعنا نصف السلسلة بالإيمان فلنخلع نصفها بهذا، وهذه الآيات ناطقة على أن المؤمنين يرحمون جميعا، والكافرين لا يرحمون؛ لأنه قسم الخلق نصفين، فجعل صنفا منهم أهل اليمين، ووصفهم بالإيمان فحسب بقوله: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ وصنفا منهم أهل الشمال ووصفهم بالكفر بقوله: إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، ثم قال تعالى: فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ أي: قريب يرفع عنه ويحترق له قلبه وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ قال النسفي: (أي: غسالة أهل النار ... وأريد به هنا ما يسيل من أبدانهم من الصديد والدم). أقول: سنرى مجموعة الأقوال في الغسلين في الفوائد. قال ابن عباس: ما أدري ما الغسلين ولكني أظنه الزقوم لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ أي: الكافرون أصحاب الخطايا. كلمة في السياق: ١ - فصلت هذه المجموعة في ماهية الحاقة، وما يكون فيها، وانقسام الناس فيها إلى قسمين: أهل يمين، وأهل شمال، وما لأهل اليمين وما لأهل الشمال، والأسباب التي استحق بها أهل اليمين ما نالوه، والأسباب التي استحق بها أهل الشمال ما نالوه. ٢ - نال أهل اليمين ما نالوه بسبب يقينهم بالآخرة إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ وبسبب أعمالهم الصالحة كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ ونال أهل الشمال ما نالوه بسبب كفرهم بالله ومنعهم حقوق المساكين إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ* وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ وبسبب خطاياهم لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ وصلة ذلك بالمحور واضحة، فالمتقون يؤمنون بالغيب،

стр. 5806

ويوقنون بالآخرة، وينفقون مما رزقهم الله ، والكافرون ليسوا كذلك. ٣ - بدأت السورة بذكر الحاقة، وتفخيم أمرها، ثم ثنت بذكر المكذبين فيها وعذابهم، ثم ثلثت بذكر ماهيتها، ثم تأتي الفقرة الثانية في السورة، وفيها تأكيد على أن هذا القرآن من عند الله ، ومجئ هذا التأكيد في نهاية السورة يبرهن على أن اليوم الآخر حق لا مرية فيه، فما دام القرآن يذكر ذلك، وما دام هذا القرآن حقا خالصا من عند الله، فاليوم الآخر الذي تحدث عنه القرآن حق.

стр. 5807

الفقرة الثانية وتمتد من الآية (٣٨) إلى نهاية السورة أي: إلى نهاية الآية (٥٢) وهذه هي: [سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٨ الى ٥٢] فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢) التفسير: فَلا أُقْسِمُ أي: فأقسم بِما تُبْصِرُونَ أي: من الأشياء وَما لا تُبْصِرُونَ من الأشياء. قال النسفي: فالحاصل أنه أقسم بجميع الأشياء إِنَّهُ أي: إن القرآن لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ أي: محمد ﷺ أي: يقوله ويتكلم به على وجه الرسالة عن الله . قال ابن كثير: أضافه- أي: القرآن- إليه (أي: إلى رسول الله ﷺ على معنى التبليغ؛ لأن الرسول من شأنه أن يبلغ عن المرسل، وقال ابن كثير: (يقول تعالى مقسما لخلقه بما يشاهدونه من آياته في مخلوقاته الدالة على كماله في أسمائه وصفاته، وما غاب عنهم مما لا يشاهدونه من المغيبات عنهم، إن القرآن كلامه ووحيه وتنزيله على عبده ورسوله الذي اصطفاه لتبليغ الرسالة وأداء الأمانة)، وَما هُوَ أي: القرآن بِقَوْلِ شاعِرٍ كما تدعون قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ أي: تؤمنون إيمانا قليلا، والمراد هنا نفي الإيمان عنهم وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ كما تقولون قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ أي: تتذكرون قليلا، والمراد بالقلة نفي التذكر أصلا. قال ابن كثير: (والمعنى: لا تؤمنون ولا تذكرون البتة)،

стр. 5808

تَنْزِيلٌ أي: هذا القرآن تنزيل مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ هذا بيان لكون القرآن قول رسول الله، فهو قول رسول نزل عليه من رب العالمين، وبعد أن نفى أن يكون رسول الله ﷺ شاعرا أو كاهنا، وأثبت أنه رسول، وإذن فهذا القرآن ليس شعرا أو كهانة، فلم يبق إلا أن يكون منزلا من الله ، يذكر سنته فيمن كذب عليه مما يؤكد أن محمدا ﷺ لم يتقول هذا القرآن من عند نفسه فقال: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ أي: ولو ادعى علينا شيئا لم نقله لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ قال ابن كثير: (وقيل معناه: لانتقمنا منه باليمين لأنها أشد في البطش- أي: في تصور الناس- وقيل: لأخذنا بيمينه) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ قال ابن عباس: وهو نياط القلب، وهو العرق المعلق فيه القلب فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ أي: فما يقدر أحد منكم على أن يحجز بيننا وبينه إذا أردنا به شيئا من ذلك، وإذن فهو صادق بار راشد، لأن الله مقرر له ما يبلغه عنه، ومؤيد له بالمعجزات الباهرات، والدلالات القاطعات، والمعنى العام للآيات الأربعة: لو كان محمد ﷺ كما يزعمون مفتريا علينا فزاد في الرسالة أو نقص منها، أو قال شيئا من عنده فنسبه إلينا، وليس كذلك، لعاجلناه بالعقوبة، فإذ لم نفعل فذلك دليل صدقه فيما يقول عنا. كلمة في السياق: بدأت الفقرة بقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ* وَما لا تُبْصِرُونَ ثم جاء جواب القسم: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وبعد أن أثبت الله أن هذا القول قوله سبحانه، وأن رسوله ﷺ مبلغ عنه، يأتي معطوفان على جواب القسم يتحدثان عن القرآن. المعطوف الأول: وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ أي: وإن القرآن لعظة لمن اتصف بالتقوى، وهذه خصيصة من خصائص القرآن تدل على أنه من عند الله، فهو يذكر أهل التقوى بالله، وباليوم الآخر، وبما ينبغي أن يفعلوه طاعة الله، وإذا كان القرآن كذلك فالمفروض ألا يبقى إلا مصدق بهذا القرآن، ولكن الأمر ليس كذلك، ومن ثم قال تعالى: وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ أي: مع هذا البيان والوضوح سيوجد منكم من يكذب بالقرآن، ثم قال تعالى: وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ قال ابن جرير:

стр. 5809

(أي: وإن التكذيب لحسرة على الكافرين يوم القيامة)، وقال النسفي: (أي: وإن القرآن لحسرة على الكافرين به، المكذبين له، إذا رأوا ثواب المصدقين به). المعطوف الثاني: وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ قال النسفي: (أي: وإن القرآن لعين اليقين، ومحض اليقين)، وقال ابن كثير: (أي: الخبر الصدق الحق الذي لا مرية فيه ولا شك ولا ريب). أقول: أي: إن ما في هذا القرآن هو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فإذا كان مضمون القرآن حقا، وإذا كان من خصائص هذا القرآن أنه مذكر، وإذا كان محمد ﷺ هو البار الصادق، فلم يبق مجال لشبهة في أن هذا القرآن من عند الله ، وأن ما يقوله هو الحق الخالص، فإذا كان مما قاله الإخبار عن الحاقة فإن الحاقة حق خالص، وتأتي آية أخيرة في السورة تأمر رسول الله ﷺ بتسبيح الله مقابل جحود الجاحدين، وتكذيب المكذبين، وإلحاد الملحدين، وقياما بحق الشكر لله رب العالمين فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قال ابن كثير: أي: الذي أنزل هذا القرآن العظيم، وقد سن لنا رسول الله ﷺ أن نسبح الله العظيم في ركوعنا، فالأمر بالتسبيح هنا أمر بالصلاة ضمنا، قال الألوسي في تفسير الآية: (أي: فسبح الله بذكر اسمه العظيم، تنزيها له عن الرضا بالتقول عليه، وشكرا على ما أوحى إليك من هذا القرآن الجليل الشأن). كلمة في السياق: قلنا إن محور السورة هو الآيات الأولى من سورة البقرة فلنر هذه الآيات، وصلة ما ورد في السورة بها: ١ - الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وقد رأينا في السورة قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ* وَما لا تُبْصِرُونَ* إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ* وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ* وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ* تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ورأينا فيها: وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ورأينا فيها وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ وفي ذلك كله تأكيد لكون القرآن لا ريب فيه، وأن فيه الهدى للمتقين. ٢ - الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وقد عرضت علينا السورة قضايا من الغيب: الإيمان بالله- الإيمان باليوم الآخر- الإيمان بالملائكة ...

стр. 5810

٣ - وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ رأينا الأمر بالتسبيح وصلته بالصلاة. ٤ - وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ رأينا في السورة عاقبة الذين لا يحضون على طعام المسكين. ٥ - وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وقد رأينا في السورة دعوة إلى الإيمان بالقرآن، ورأينا قوله تعالى: فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ. ٦ - وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ وقد رأينا في السورة عرضا لليوم الآخر، وجزاء المكذبين به في الدنيا والآخرة، وجزاء المصدقين به، بل رأينا أن السورة في سياقها الرئيسي تتحدث عن اليوم الآخر. ٧ - أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وقد رأينا في السورة نموذجا من فلاح المتقين يوم القيامة، وخسران غيرهم، وعلى هذا فالسورة كانت نوع تفصيل للآيات الأولى من سورة البقرة. الفوائد: ١ - بمناسبة الكلام عن قوم عاد. قال ابن كثير: (وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور» وروى ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «ما فتح الله على عاد من الريح التي هلكوا بها إلا مثل موضع الخاتم، فمرت بأهل البادية فحملتهم ومواشيهم وأموالهم، فجعلتهم بين السماء والأرض، فلما رأى ذلك أهل الحاضرة من عاد الريح وما فيها قالوا: هذا عارض ممطرنا؛ فألقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضرة»). ٢ - بمناسبة قوله تعالى: فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ قال ابن كثير: (وهذا جنس، أي: كل كذب رسول الله إليهم كما قال تعالى: كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ومن كذب برسول فقد كذب بالجميع كما قال تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ، كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ، كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ وإنما جاء إلى كل أمة رسول واحد ولهذا قال هاهنا: فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً أي: عظيمة شديدة أليمة، قال مجاهد: رابية شديدة، وقال السدي: مهلكة).

стр. 5811

٣ - بمناسبة قوله تعالى: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ قال ابن كثير: (أي: يوم القيامة يحمل العرش ثمانية من الملائكة، ويحتمل أن يكون المراد بهذا العرش العرش العظيم، أو العرش الذي يوضع في الأرض يوم القيامة لفصل القضاء، والله أعلم بالصواب، وفي حديث عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب في ذكر حملة العرش أنهم ثمانية أوعال، وروى ابن أبي حاتم ... عن أبي قيل حيي بن هانئ أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: حملة العرش ثمانية، ما بين موق أحدهم إلى مؤخر عينه مسيرة مائة عام. وروى ابن أبي حاتم ... عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «أذن لي أن أحدثكم عن ملك من حملة العرش بعد ما بين شحمة أذنه وعنقه يخفق الطير سبعمائة عام» وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات، وقد رواه أبو داود في كتاب السنة من سننه ... عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام» هذا لفظ أبي داود. وروى ابن أبي حاتم ... عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ، قال: ثمانية صفوف من الملائكة قال: وروي عن الشعبي وعكرمة والضحاك وابن جريج مثل ذلك، وكذا روى السدي عن أبي مالك عن ابن عباس: ثمانية صفوف، وكذا روى العوفي عنه، وقال الضحاك عن ابن عباس: الكروبيون ثمانية أجزاء كل جزء منهم بعدة الإنس والجن والشياطين والملائكة). ٤ - بمناسبة قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ قال ابن كثير: (وقد روى ابن أبي الدنيا ... عن ثابت بن الحجاج قال: قال عمر ابن الخطاب ﵁: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، فإنه أخف عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ. روى الإمام أحمد ... عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله» ورواه ابن ماجه والترمذي، وقد رواه ابن جرير ... عن عبد الله قال: يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: عرضتان معاذير وخصومات، والعرضة الثالثة تطير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله. ورواه سعيد ابن أبي عروبة عن قتادة مرسلا مثله).

стр. 5812

٥ - بمناسبة قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ قال ابن كثير: (وقد روى ابن أبي حاتم ... عن أبي عثمان قال: المؤمن يعطى كتابه بيمينه في ستر من الله، فيقرأ سيئاته، فكلما قرأ سيئة تغير لونه، حتى يمر بحسناته فيقرؤها فيرجع إليه لونه، ثم ينظر فإذا سيئاته قد بدلت حسنات. قال: فعند ذلك يقول: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ. وعن عبد الله بن عبد الله بن حنظلة- غسيل الملائكة- قال: إن الله يوقف عبده يوم القيامة فيبدي- أي: يظهر- سيئاته في ظهر صحيفته، فيقول له: أنت عملت هذا؟ فيقول: نعم، أي رب، فيقول له: إني لم أفضحك به، وإني قد غفرت لك، فيقول عند ذلك: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ* إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ حين نجا من فضيحته يوم القيامة. وقد تقدم في الصحيح حديث ابن عمر حين سئل عن النجوى فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يدني الله العبد يوم القيامة فيقرره بذنوبه كلها حتى إذا رأى أنه قد هلك، قال الله تعالى: إني سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته بيمينه، وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين»). ٦ - بمناسبة قوله تعالى: فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم ... عن أبي سلام الأسود قال: سمعت أبا أمامة قال: سأل رجل رسول الله ﷺ هل يتزاور أهل الجنة؟ قال: «نعم، إنه ليهبط أهل الدرجة العليا إلى أهل الدرجة السفلى فيحيونهم ويسلمون عليهم، ولا يستطيع أهل الدرجة السفلى يصعدون إلى الأعلين، تقصر بهم أعمالهم» وقد ثبت في الصحيح: «إن الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض»). ٧ - بمناسبة قوله تعالى: قُطُوفُها دانِيَةٌ قال ابن كثير: (قال البراء ابن عازب: أي: قريبة يتناولها أحدهم وهو نائم على سريره، وكذا قال غير واحد. وروى الطبراني ... عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل أحد الجنة إلا بجواز: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله لفلان بن فلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية» وكذا رواه الضياء في صفة الجنة ... عن سليمان عن رسول الله ﷺ قال: «يعطى المؤمن جوازا على الصراط: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لفلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية»).

стр. 5813

٨ - بمناسبة قوله تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ قال ابن كثير: (أي يقال لهم ذلك تفضلا عليهم وامتنانا وإنعاما وإحسانا، وإلا فقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «اعملوا وسددوا وقاربوا واعلموا أن أحدا منكم لن يدخله عمله الجنة» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل»). ٩ - بمناسبة قوله تعالى: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ* ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم ... عن المنهال بن عمرو قال: إذا قال الله تعالى خُذُوهُ ابتدره سبعون ألف ملك، إن الملك منهم ليقول هكذا، فيلقي سبعين ألفا في النار. وروى ابن أبي الدنيا في الأهوال أنه يبتدره أربعمائة ألف ولا يبقى شئ إلا دقه فيقول: ما لي ولك فيقول: إن الرب عليك غضبان فكل شئ غضبان عليك، وقال الفضيل ابن عياض: إذا قال الرب : خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ابتدره سبعون ألف ملك أيهم يجعل الغل في عنقه). ١٠ - بمناسبة قوله تعالى: ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد ... عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «لو أن رضاضة مثل هذه- وأشار إلى جمجمة- أرسلت من السماء إلى الأرض وهي مسيرة الخمسمائة سنة لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل أن تبلغ قعرها أو أصلها» وأخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن). ١١ - وبمناسبة قوله تعالى: وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ قال ابن كثير: (ولا طعام له هاهنا إلا من غسلين. قال قتادة: هو شر طعام أهل النار. وقال الربيع والضحاك: هو شجرة في جهنم. وروى ابن أبي حاتم ... عن ابن عباس قال: ما أدري ما الغسلين، ولكني أظنه الزقوم، وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس قال: (الغسلين): الدم والماء يسيل من لحومهم. وقال علي بن أبي طلحة عنه: (الغسلين): صديد أهل النار). أقول: إن كلام ابن عباس فيه إشارة إلى قوله تعالى: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ إلى قوله تعالى: فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها أي: من شجرة الزقوم فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فالظاهر أن طعام أهل النار هو هذا،

стр. 5814

فلما قال تعالى: وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ علمنا أن المراد بذلك الزقوم. والله أعلم. ١٢ - بمناسبة قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ* وَما لا تُبْصِرُونَ قال صاحب الظلال: (بهذه الفخامة وبهذه الضخامة، وبهذا التهويل بالغيب المكنون، إلى جانب الحاضر المشهود ... والوجود أضخم بكثير مما يرى البشر. بل مما يدركون. وما يبصر البشر من الكون وما يدركون إلا أطرافا قليلة محصورة، تلبي حاجتهم إلى عمارة هذه الأرض والخلافة فيها- كما شاء الله لهم- والأرض كلها ليست سوى هباءة لا تكاد ترى أو تحس في ذلك الكون الكبير. والبشر لا يملكون أن يتجاوزوا ما هو مأذون لهم برؤيته وبإدراكه من هذا الملك العريض، ومن شئونه وأسراره ونواميسه التي أودعها إياه خالق الوجود ... فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ* وَما لا تُبْصِرُونَ. ومثل هذه الإشارة تفتح القلب وتنبه الوعي إلى أن هناك وراء مد البصر، ووراء حدود الإدراك جوانب وعوالم وأسرارا أخرى لا يبصرها ولا يدركها. وتوسع بذلك آفاق التصور الإنساني للكون والحقيقة. فلا يعيش الإنسان سجين ما تراه عيناه، ولا أسير ما يدركه وعيه المحدود. فالكون أرحب والحقيقة أكبر من ذلك الجهاز الإنساني المزود بقدر محدود من الطاقة يناسب وظيفته في هذا الكون. ووظيفته في الحياة الدنيا هي الخلافة في هذه الأرض ... ولكنه يملك أن يكبر ويرتفع إلى آماد وآفاق أكبر وأرفع حين يستيقن أن عينه ومداركه محدودة، وأن هناك وراء ما تدركه عينه ووعيه عوالم وحقائق أكبر- بما لا يقاس- مما وصل إليه ... عندئذ يتسامى على ذاته ويرتفع على نفسه، ويتصل بينابيع المعرفة الكلية التي تفيض على قلبه بالعلم والنور والاتصال المباشر بما وراء الستور! إن الذين يحصرون أنفسهم في حدود ما ترى العين ويدرك الوعي بأدواته الميسرة له ... مساكين؟ سجناء حسهم وإدراكهم المحدود. محصورون في عالم ضيق على سعته، صغير حين يقاس إلى ذلك الملك الكبير. وفي فترات مختلفة من تاريخ البشرية كان كثيرون أو قليلون يسجنون أنفسهم بأيديهم في سجن الحس المحدود، والحاضر المشهود؛ ويغلقون على أنفسهم نوافذ المعرفة والنور، والاتصال بالحق الكبير، عن طريق الإيمان والشعور. ويحاولون أن يغلقوا هذه النوافذ على الناس بعد ما أغلقوها على أنفسهم بأيديهم ... تارة باسم الجاهلية. وتارة

стр. 5815

باسم العلمانية! وهذه كتلك سجن كبير. وبؤس مرير، وانقطاع عن ينابيع المعرفة والنور! والعلم يتخلص في هذا القرن الأخير من تلك القضبان الحديدية التي صاغها- بحمق وغرور- حول نفسه في القرنين الماضيين ... يتخلص من تلك القضبان، ويتصل بالنور- عن طريق تجاربه ذاتها- بعد ما أفاق من سكرة الغرور والاندفاع من أسر الكنيسة الطاغية في أوربا؛ وعرف حدوده، وجرب أن أدواته المحدودة تقوده إلى غير المحدود في هذا الكون وفي حقيقته المكنونة. وعاد «العلم يدعو إلى الإيمان» في تواضع تبشر أوائله بالفرج! أي نعم بالفرج. فما يسجن الإنسان نفسه وراء قضبان المادة الموهومة إلا وقد قدر عليه الضيق!). ١٣ - وبمناسبة قوله تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ* وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ* وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ قال صاحب الظلال: (فالشعر قد يكون موسيقي الإيقاع، رائع الأخيلة، جميل الصور والظلال؛ ولكنه لا يختلط أبدا ولا يشتبه بهذا القرآن، إن هنالك فارقا فاصلا بينهما. إن هذا القرآن يقرر منهجا متكاملا للحياة يقوم على حق ثابت، ونظرة موحدة، ويصدر عن تصور للوجود الإلهي ثابت، وللكون والحياة كذلك. والشعر انفعالات متوالية وعواطف جياشة، قلما تثبت على نظرة واحدة للحياة في حالات الرضى والغضب، والانطلاق والانكماش، والحب والكره، والتأثرات المتغيرة على كل حال! هذا إلى أن التصور الثابت الذي جاء به القرآن قد أنشأه القرآن إنشاء من الأساس في كلياته وجزئياته، مع تعين مصدره الإلهي. فكل ما في هذا التصور يوحي بأنه ليس من عمل البشر، فليس من طبيعة البشر أن ينشئوا تصورا كونيا كاملا كهذا التصور ... لم يسبق لهم هذا ولم يلحق ... وهذا كل ما أبدعته قرائح البشر من تصورات للكون وللقوة المنشئة له، المدبرة لنظامه ... هذا هو معروضا مسجلا في الفلسفة وفي الشعر وفي غيرهما من المذاهب الفكرية؛ فإذا قرن إلى التصور القرآني وضح أن هذا التصور صادر من جهة غير تلك الجهة! وأنه متفرد بطابع معين يميزه من كل تصورات البشر. كذلك الأمر في الكهانة وما يصدر عنها. فلم يعرف التاريخ من قبل أو بعد كاهنا أنشأ منهجا متكاملا ثابتا كالمنهج الذي جاء به القرآن. وكل ما نقل عن الكهنة أسجاع
следующие страницы →