Полный текст (6 440 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.
стр. 5811
٣ - بمناسبة قوله تعالى: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ قال ابن كثير: (أي: يوم القيامة يحمل العرش ثمانية من الملائكة، ويحتمل أن يكون المراد بهذا العرش العرش العظيم، أو العرش الذي يوضع في الأرض يوم القيامة لفصل القضاء، والله أعلم بالصواب، وفي حديث عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب في ذكر حملة العرش أنهم ثمانية أوعال، وروى ابن أبي حاتم ...
عن أبي قيل حيي بن هانئ أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: حملة العرش ثمانية، ما بين موق أحدهم إلى مؤخر عينه مسيرة مائة عام. وروى ابن أبي حاتم ... عن جابر قال:
قال رسول الله ﷺ : «أذن لي أن أحدثكم عن ملك من حملة العرش بعد ما بين شحمة أذنه وعنقه يخفق الطير سبعمائة عام» وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات، وقد رواه أبو داود في كتاب السنة من سننه ... عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال:
«أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام» هذا لفظ أبي داود.
وروى ابن أبي حاتم ... عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ، قال: ثمانية صفوف من الملائكة قال: وروي عن الشعبي وعكرمة والضحاك وابن جريج مثل ذلك، وكذا روى السدي عن أبي مالك عن ابن عباس: ثمانية صفوف، وكذا روى العوفي عنه، وقال الضحاك عن ابن عباس:
الكروبيون ثمانية أجزاء كل جزء منهم بعدة الإنس والجن والشياطين والملائكة).
٤ - بمناسبة قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ قال ابن كثير: (وقد روى ابن أبي الدنيا ... عن ثابت بن الحجاج قال: قال عمر ابن الخطاب ﵁: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، فإنه أخف عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ. روى الإمام أحمد ... عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله» ورواه ابن ماجه والترمذي، وقد رواه ابن جرير ... عن عبد الله قال: يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: عرضتان معاذير وخصومات، والعرضة الثالثة تطير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله. ورواه سعيد ابن أبي عروبة عن قتادة مرسلا مثله).
стр. 5812
٥ - بمناسبة قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ قال ابن كثير: (وقد روى ابن أبي حاتم ... عن أبي عثمان قال: المؤمن يعطى كتابه بيمينه في ستر من الله، فيقرأ سيئاته، فكلما قرأ سيئة تغير لونه، حتى يمر بحسناته فيقرؤها فيرجع إليه لونه، ثم ينظر فإذا سيئاته قد بدلت حسنات. قال: فعند ذلك يقول: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ. وعن عبد الله بن عبد الله بن حنظلة- غسيل الملائكة- قال: إن الله يوقف عبده يوم القيامة فيبدي- أي: يظهر- سيئاته في ظهر صحيفته، فيقول له: أنت عملت هذا؟ فيقول: نعم، أي رب، فيقول له: إني لم أفضحك به، وإني قد غفرت لك، فيقول عند ذلك: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ* إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ حين نجا من فضيحته يوم القيامة. وقد تقدم في الصحيح حديث ابن عمر حين سئل عن النجوى فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يدني الله العبد يوم القيامة فيقرره بذنوبه كلها حتى إذا رأى أنه قد هلك، قال الله تعالى: إني سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته بيمينه، وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين»).
٦ - بمناسبة قوله تعالى: فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم ... عن أبي سلام الأسود قال: سمعت أبا أمامة قال: سأل رجل رسول الله ﷺ هل يتزاور أهل الجنة؟ قال: «نعم، إنه ليهبط أهل الدرجة العليا إلى أهل الدرجة السفلى فيحيونهم ويسلمون عليهم، ولا يستطيع أهل الدرجة السفلى يصعدون إلى الأعلين، تقصر بهم أعمالهم» وقد ثبت في الصحيح: «إن الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض»).
٧ - بمناسبة قوله تعالى: قُطُوفُها دانِيَةٌ قال ابن كثير: (قال البراء ابن عازب: أي: قريبة يتناولها أحدهم وهو نائم على سريره، وكذا قال غير واحد.
وروى الطبراني ... عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل أحد الجنة إلا بجواز: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله لفلان بن فلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية» وكذا رواه الضياء في صفة الجنة ... عن سليمان عن رسول الله ﷺ قال: «يعطى المؤمن جوازا على الصراط: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لفلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية»).
стр. 5813
٨ - بمناسبة قوله تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ قال ابن كثير: (أي يقال لهم ذلك تفضلا عليهم وامتنانا وإنعاما وإحسانا، وإلا فقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «اعملوا وسددوا وقاربوا واعلموا أن أحدا منكم لن يدخله عمله الجنة» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل»).
٩ - بمناسبة قوله تعالى: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ* ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ قال ابن كثير:
(روى ابن أبي حاتم ... عن المنهال بن عمرو قال: إذا قال الله تعالى خُذُوهُ ابتدره سبعون ألف ملك، إن الملك منهم ليقول هكذا، فيلقي سبعين ألفا في النار.
وروى ابن أبي الدنيا في الأهوال أنه يبتدره أربعمائة ألف ولا يبقى شئ إلا دقه فيقول:
ما لي ولك فيقول: إن الرب عليك غضبان فكل شئ غضبان عليك، وقال الفضيل ابن عياض: إذا قال الرب : خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ابتدره سبعون ألف ملك أيهم يجعل الغل في عنقه).
١٠ - بمناسبة قوله تعالى: ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد ... عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «لو أن رضاضة مثل هذه- وأشار إلى جمجمة- أرسلت من السماء إلى الأرض وهي مسيرة الخمسمائة سنة لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل أن تبلغ قعرها أو أصلها» وأخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن).
١١ - وبمناسبة قوله تعالى: وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ قال ابن كثير:
(ولا طعام له هاهنا إلا من غسلين. قال قتادة: هو شر طعام أهل النار. وقال الربيع والضحاك: هو شجرة في جهنم. وروى ابن أبي حاتم ... عن ابن عباس قال:
ما أدري ما الغسلين، ولكني أظنه الزقوم، وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس قال: (الغسلين): الدم والماء يسيل من لحومهم. وقال علي بن أبي طلحة عنه: (الغسلين): صديد أهل النار). أقول: إن كلام ابن عباس فيه إشارة إلى قوله تعالى: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ إلى قوله تعالى: فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها أي: من شجرة الزقوم فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فالظاهر أن طعام أهل النار هو هذا،
стр. 5814
فلما قال تعالى: وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ علمنا أن المراد بذلك الزقوم. والله أعلم.
١٢ - بمناسبة قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ* وَما لا تُبْصِرُونَ قال صاحب الظلال: (بهذه الفخامة وبهذه الضخامة، وبهذا التهويل بالغيب المكنون، إلى جانب الحاضر المشهود ... والوجود أضخم بكثير مما يرى البشر. بل مما يدركون.
وما يبصر البشر من الكون وما يدركون إلا أطرافا قليلة محصورة، تلبي حاجتهم إلى عمارة هذه الأرض والخلافة فيها- كما شاء الله لهم- والأرض كلها ليست سوى هباءة لا تكاد ترى أو تحس في ذلك الكون الكبير. والبشر لا يملكون أن يتجاوزوا ما هو مأذون لهم برؤيته وبإدراكه من هذا الملك العريض، ومن شئونه وأسراره ونواميسه التي أودعها إياه خالق الوجود ... فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ* وَما لا تُبْصِرُونَ.
ومثل هذه الإشارة تفتح القلب وتنبه الوعي إلى أن هناك وراء مد البصر، ووراء حدود الإدراك جوانب وعوالم وأسرارا أخرى لا يبصرها ولا يدركها. وتوسع بذلك آفاق التصور الإنساني للكون والحقيقة. فلا يعيش الإنسان سجين ما تراه عيناه، ولا أسير ما يدركه وعيه المحدود. فالكون أرحب والحقيقة أكبر من ذلك الجهاز الإنساني المزود بقدر محدود من الطاقة يناسب وظيفته في هذا الكون. ووظيفته في الحياة الدنيا هي الخلافة في هذه الأرض ... ولكنه يملك أن يكبر ويرتفع إلى آماد وآفاق أكبر وأرفع حين يستيقن أن عينه ومداركه محدودة، وأن هناك وراء ما تدركه عينه ووعيه عوالم وحقائق أكبر- بما لا يقاس- مما وصل إليه ... عندئذ يتسامى على ذاته ويرتفع على نفسه، ويتصل بينابيع المعرفة الكلية التي تفيض على قلبه بالعلم والنور والاتصال المباشر بما وراء الستور!
إن الذين يحصرون أنفسهم في حدود ما ترى العين ويدرك الوعي بأدواته الميسرة له ... مساكين؟ سجناء حسهم وإدراكهم المحدود. محصورون في عالم ضيق على سعته، صغير حين يقاس إلى ذلك الملك الكبير.
وفي فترات مختلفة من تاريخ البشرية كان كثيرون أو قليلون يسجنون أنفسهم بأيديهم في سجن الحس المحدود، والحاضر المشهود؛ ويغلقون على أنفسهم نوافذ المعرفة والنور، والاتصال بالحق الكبير، عن طريق الإيمان والشعور. ويحاولون أن يغلقوا هذه النوافذ على الناس بعد ما أغلقوها على أنفسهم بأيديهم ... تارة باسم الجاهلية. وتارة
стр. 5815
باسم العلمانية! وهذه كتلك سجن كبير. وبؤس مرير، وانقطاع عن ينابيع المعرفة والنور!
والعلم يتخلص في هذا القرن الأخير من تلك القضبان الحديدية التي صاغها- بحمق وغرور- حول نفسه في القرنين الماضيين ... يتخلص من تلك القضبان، ويتصل بالنور- عن طريق تجاربه ذاتها- بعد ما أفاق من سكرة الغرور والاندفاع من أسر الكنيسة الطاغية في أوربا؛ وعرف حدوده، وجرب أن أدواته المحدودة تقوده إلى غير المحدود في هذا الكون وفي حقيقته المكنونة. وعاد «العلم يدعو إلى الإيمان» في تواضع تبشر أوائله بالفرج! أي نعم بالفرج. فما يسجن الإنسان نفسه وراء قضبان المادة الموهومة إلا وقد قدر عليه الضيق!).
١٣ - وبمناسبة قوله تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ* وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ* وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ قال صاحب الظلال:
(فالشعر قد يكون موسيقي الإيقاع، رائع الأخيلة، جميل الصور والظلال؛ ولكنه لا يختلط أبدا ولا يشتبه بهذا القرآن، إن هنالك فارقا فاصلا بينهما. إن هذا القرآن يقرر منهجا متكاملا للحياة يقوم على حق ثابت، ونظرة موحدة، ويصدر عن تصور للوجود الإلهي ثابت، وللكون والحياة كذلك. والشعر انفعالات متوالية وعواطف جياشة، قلما تثبت على نظرة واحدة للحياة في حالات الرضى والغضب، والانطلاق والانكماش، والحب والكره، والتأثرات المتغيرة على كل حال!
هذا إلى أن التصور الثابت الذي جاء به القرآن قد أنشأه القرآن إنشاء من الأساس في كلياته وجزئياته، مع تعين مصدره الإلهي. فكل ما في هذا التصور يوحي بأنه ليس من عمل البشر، فليس من طبيعة البشر أن ينشئوا تصورا كونيا كاملا كهذا التصور ... لم يسبق لهم هذا ولم يلحق ... وهذا كل ما أبدعته قرائح البشر من تصورات للكون وللقوة المنشئة له، المدبرة لنظامه ... هذا هو معروضا مسجلا في الفلسفة وفي الشعر وفي غيرهما من المذاهب الفكرية؛ فإذا قرن إلى التصور القرآني وضح أن هذا التصور صادر من جهة غير تلك الجهة! وأنه متفرد بطابع معين يميزه من كل تصورات البشر.
كذلك الأمر في الكهانة وما يصدر عنها. فلم يعرف التاريخ من قبل أو بعد كاهنا أنشأ منهجا متكاملا ثابتا كالمنهج الذي جاء به القرآن. وكل ما نقل عن الكهنة أسجاع
стр. 5816
لفظية أو حكمة مفردة، أو إشارة ملغزة!).
كلمة أخيرة في السورة:
لقد رأينا تسلسل السورة الخاص، ورأينا صلتها بمحورها، وهاهنا نذكر أن هذه السورة مقدمة لمجموعتها، ومن ثم فقد ذكرت ووعظت وأنذرت ودللت، ومن المعلوم أن التأكيد على كون هذا القرآن من عند الله هو المقدمة الكبرى لكل قضية قرآنية، ومن ثم بدأت سورة البقرة بهذا التأكيد، ورأينا أن الفقرة الثانية من هذه
السورة أكدت نفس المضمون، فلننتقل إلى سورة المعارج.
стр. 5817
سورة المعارج
وهي السورة السبعون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثانية من المجموعة السادسة من قسم المفصل، وهي أربع وأربعون آية وهي مكية
стр. 5818
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 5819
بين يدي سورة المعارج:
قدم الألوسي لسورة المعارج بقوله: (وتسمى سورة المواقع، وسورة سأل.
وهي مكية بالاتفاق، على ما قال القرطبي. وآيها ثلاث وأربعون في الشامي، واثنتان وأربعون في غيره. وهي كالتتمة لسورة الحاقة في بقية وصف القيامة والنار، وقد قال ابن عباس: إنها نزلت عقيب سورة الحاقة).
وقال صاحب الظلال في معرض حديثه عن سورة المعارج: (ظاهرة أخرى في الإيقاع الموسيقي للسورة، الناشئ من بنائها التعبيري ... فقد كان التنوع الإيقاعي في الحاقة ناشئا من تغير القافية في السياق من فقرة لفقرة. وفق المعنى والجو فيه ...
فأما هنا في سورة المعارج فالتنوع أبعد نطاقا، لأنه يشمل تنوع الجملة الموسيقية كلها لا إيقاع القافية وحدها. والجملة الموسيقية هنا أعمق وأعرض وأشد تركيبا. ويكثر هذا التنوع في شطر السورة الأول بشكل ملحوظ.
والتنويع الإيقاعي في مطلع السورة عميق وشديد التعقيد في الصياغة الموسيقية بشكل يلفت الأذن الموسيقية إلى ما في هذا التنويع المعقد الراقي- موسيقيا- من جمال غريب على البيئة العربية وعلى الإيقاع الموسيقي العربي. ولكن الأسلوب القرآني يطوعه ويمنحه اليسر الذي يدخل به إلى الأذن العربية فتقبل عليه، وإن كان فنا إبداعيا عميقا جديدا على مألوفها الموسيقي).
كلمة في سورة المعارج ومحورها:
قلنا من قبل إن سورة المعارج تفصل في مقدمة سورة البقرة، وبالتحديد فإنها تفصل في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ فبداية السورة سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ* لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ ثم بعد آيات يأتي قوله تعالى: كَلَّا إِنَّها لَظى * نَزَّاعَةً لِلشَّوى * تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى ثم بعد آيات يأتي قوله تعالى: فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ ثم بعد آيات يأتي قوله تعالى: فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ فأنت ترى مما نقلناه أن الكلام في السورة ينصب انصبابا رئيسيا على الكافرين وعذابهم وأحوالهم.
стр. 5820
فإذا تذكرنا أن سورة الحاقة تحدثت عن أصحاب الشمال، وتحدثت عن المكذبين باليوم الآخر، وتحدثت عن المكذبين بالقرآن في أواخرها، ندرك صلة سورة الحاقة بسورة المعارج، وصلة نهايتها ببداية سورة المعارج، وندرك كيف كانت سورة الحاقة مقدمة لمجموعتها، ولنكتف بهذا القدر.
تتألف السورة من مقدمة وفقرتين: المقدمة أربع آيات.
والفقرة الأولى وتمتد من الآية (٥) إلى نهاية الآية (٤١).
والفقرة الثانية وتمتد من الآية (٤٢) إلى نهاية الآية (٤٤).
ولنبدأ عرض السورة.
المقدمة
وتمتد من بداية السورة حتى الآية (٤) وهذه هي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة المعارج (٧٠): الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (١) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)
التفسير:
سَأَلَ سائِلٌ أي: دعا داع بِعَذابٍ واقِعٍ أي: كائن لا محالة، والمعنى: استعجل سائل بعذاب واقع لا محالة بالكافرين
لِلْكافِرينَ أي: العذاب مرصد معد للكافرين لَيْسَ لَهُ دافِعٌ أي: لا دافع له إذا أراد الله كونه
مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ قال النسفي في تفسير المعارج: (أي: مصاعد السماء للملائكة، جمع
стр. 5821
معرج، وهو موضع العروج)
تَعْرُجُ أي: تصعد الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ قال ابن كثير: (وأما الروح، فقال أبو صالح: هم خلق من خلق الله يشبهون الناس وليسوا أناسا. قلت: ويحتمل أن يكون المراد به جبريل، ويكون من باب عطف الخاص على العام. ويحتمل أن يكون اسم جنس لأرواح بني آدم، فإنها إذا قبضت يصعد بها إلى السماء، كما دل حديث البراء، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه ... عن البراء مرفوعا الحديث بطوله في قبض الروح الطيبة قال فيه: «فلا يزال يصعد بها من سماء إلى سماء حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة» والله أعلم بصحته؛ فقد تكلم في بعض رواته، ولكنه مشهور، وله شاهد في حديث أبي هريرة فيما تقدم من رواية الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من طريق ابن أبي الدنيا بإسناده، وهو إسناد رجاله على شرط الجماعة). فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قال النسفي: (أي: من سني الدنيا لو صعد فيه الملك) وقال ابن كثير في هذا اليوم: (فيه أربعة أقوال: أحدها: أن المراد بذلك مسافة ما بين العرش العظيم إلى أسفل سافلين.
القول الثاني: أن المراد بذلك مدة بقاء الدنيا منذ خلق الله هذا العالم إلى قيام الساعة.
القول الثالث: أنه الفاصل بين الدنيا والآخرة، وهو قول غريب جدا.
القول الرابع: أن المراد بذلك يوم القيامة). أقول: وأقوى الأقوال التي تشهد لها السنة هو القول الأخير، وسنرى أدلة كل من الأقوال في الفوائد.
كلمة في السياق:
مرت معنا مقدمة السورة، وقد عرضت لاستعجال الكافرين بعذاب الله الذي أوعد الله به الكافرين، كما مر في محور السورة وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وقد بينت المقدمة أن عذاب الله واقع لا محالة، وأنه لا يدفعه أحد عنهم، وأن هذا العذاب من الله ذي العظمة والجلال، وقد ذكرت المقدمة بعض مظاهر عظمته . وبعد أن قدمت السورة هذه المقدمة، تأتي الفقرة الأولى آمرة في ابتدائها رسول الله ﷺ بالصبر الجميل على مواقف الكافرين، ثم تسير متحدثة عن يوم القيامة، وعن عذاب الكافرين فيه، مبينة ماهية الأخلاق التي ينبثق عنها الصبر، ذاكرة مواقف للكافرين تقتضي صبرا.
стр. 5822
الفقرة الأولى
وتمتد من الآية (٥) إلى نهاية الآية (٤١) وهذه هي:
المجموعة الأولى
[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٥ الى ١٨]
فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (٦) وَنَراهُ قَرِيباً (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (٩)
وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤)
كَلاَّ إِنَّها لَظى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوى (١٦) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعى (١٨)
المجموعة الثانية
[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١٩ الى ٣١]
إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (٢٣)
وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨)
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٣١)
стр. 5823
[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٣٢ الى ٣٥]
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٣٤) أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)
المجموعة الثالثة
[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٣٦ الى ٤١]
فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلاَّ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (٤٠)
عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١)
تفسير المجموعة الأولى:
فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا أي: بلا جزع ولا شكوى، وقد جاء الأمر بالصبر في سياق استعجال الكافرين بعذاب الله؛ ليفيد أن على الداعية أن يتحلى بالصبر أمام مثل هذه
المواقف. قال ابن كثير: (أي: اصبر يا محمد على تكذيب قومك لك، واستعجالهم العذاب استبعادا لوقوعه)
ثم علل تعالى لاستعجالهم العذاب، ولوجوب الصبر بقوله: إِنَّهُمْ أي: إن الكافرين يَرَوْنَهُ أي: يرون وقوع العذاب بَعِيداً أي: مستحيلا، قال ابن كثير: وقيام الساعة يراه الكفرة بعيد الوقوع بمعنى: مستحيل الوقوع
وَنَراهُ قَرِيباً أي: كائنا لا محالة، قال ابن كثير: أي:
المؤمنون يعتقدون كونه قريبا وإن كان له أمد لا يعلمه إلا الله ، لكن كل ما هو آت فهو قريب وواقع لا محالة. قال النسفي: (فالمراد بالبعيد في الآية الأولى البعيد من الإمكان، وبالقريب القريب منه)
ثم حدثنا الله عن اليوم الذي يراه الكافرون بعيدا، ويراه المؤمنون قريبا يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ أي: كعكر الزيت، أو كالفضة المذابة في تلونها
وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ أي: كالصوف المنفوش المصبوغ ألوانا؛ لأن الجبال ذات ألوان، فإذا بثت وطيرت في الجو أشبهت
стр. 5824
العهن المنفوش إذا طيرته الريح
وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً أي: ولا يسأل قريب عن قريب؛ لاشتغاله بنفسه، وقال ابن كثير: أي: لا يسأل القريب قريبه عن حاله، وهو يراه في أسوأ الأحوال فتشغله نفسه عن غيره
يُبَصَّرُونَهُمْ فهم مع رؤيتهم إياهم، ومعرفتهم لهم لا يسأل القريب عن القريب يَوَدُّ الْمُجْرِمُ أي: يتمنى الكافر لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ
وَصاحِبَتِهِ أي: زوجته وَأَخِيهِ
وَفَصِيلَتِهِ أي: وعشيرته الأدنين الَّتِي تُؤْوِيهِ أي: تضمه انتماء إليها
وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً من الناس، أي: يود الكافر أن يفتدي بأبنائه وزوجته وعشيرته وقومه والبشرية جميعا ثُمَّ يُنْجِيهِ أي: الافتداء،
قال تعالى: كَلَّا أي: لا يقبل منه فداء ولو جاء بكل ذلك وأنى له ذلك إِنَّها لَظى ليس له منها مفر، ولا له عنها معدل، ولظى: اسم علم للنار، كما قال النسفي
نَزَّاعَةً لِلشَّوى الشوى:
إما أطراف الإنسان، وإما جلدة رأسه، وقال قتادة جامعا بين القولين: أي: نزاعة لهامته ومكارم وجهه وخلقه وأطرافه
تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ عن الحق، وَتَوَلَّى عن الطاعة
وَجَمَعَ المال فَأَوْعى أي: فجعله في وعاء ولم يؤد حق الله منه. قال ابن كثير: (أي: تدعو النار إليها أبناءها الذين خلقهم الله لها، وقدر لهم أنهم في الدار الدنيا يعملون عملها، فتدعوهم يوم القيامة بلسان طلق زلق، ثم تلتقطهم من بين أهل المحشر كما يلتقط الطير الحب).
كلمة في السياق:
١ - أمر الله رسوله ﷺ في هذه المجموعة بالصبر الجميل على مواقف الكفار، ومما مر معنا في السورة نعرف بعض أخلاق الكافرين التي تقتضي صبرا، كاستعجالهم بالعذاب، ورؤيتهم استحالة اليوم الآخر، وإجرامهم، وإدبارهم عن الحق، وتوليهم، وبخلهم.
٢ - رأينا في المجموعة الأولى نموذجا من العذاب العظيم الذي أعده الله للكافرين في المحشر أو في النار، ولذلك صلته بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.
٣ - ثم تأتي المجموعة الثانية لتتحدث عن الإنسان وهلعه وجزعه ومنعه، إلا إذا كان متصفا بصفات محددة، ومجئ هذه المجموعة في هذا السياق يؤدي عدة خدمات،
стр. 5825
فالصبر الذي أمر الله به في المجموعة السابقة لا يطيقه إلا من اتصف بصفات معينة، وهذا ما سنراه في هذه المجموعة إن شاء الله تعالى.
تفسير المجموعة الثانية:
إِنَّ الْإِنْسانَ أي: جنس الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً الهلع: هو سرعة الجزع عند مس المكروه، وسرعة المنع عند مس الخير
إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً قال ابن كثير: أي: إذا مسه الضر فزع وجزع، وانخلع قلبه من شدة الرعب، وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير
وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً أي: إذا حصلت له نعمة من الله بخل بها على غيره، ومنع حق الله تعالى فيها، ويدخل في الشر هنا الضر والفقر والمرض، ويدخل في الخير السعة والغنى والصحة،
ثم استثنى الله من جنس الإنسان من اتصفوا بالخصائص الآتية، فهؤلاء ليسوا كذلك، قال تعالى: إِلَّا الْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ التي فرضها الله عليهم وهي الصلوات الخمس دائِمُونَ أي:
يحافظون عليها في مواقيتها. قال ابن كثير: أي: الإنسان من حيث هو متصف بصفات الذم إلا من عصمه الله، ووفقه وهداه إلى الخير، ويسر له أسبابه، وهم المصلون
وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ قال النسفي: يعني الزكاة؛ لأنها مقدرة معلومة، أو صدقة يوظفها الرجل على نفسه يؤديها في أوقات معلومة
لِلسَّائِلِ الذي يسأل وَالْمَحْرُومِ أي: الذي يتعفف عن السؤال فيحسب غنيا فيحرم. قال ابن كثير:
أي: في أموالهم نصيب مقرر لذوي الحاجات
وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ أي:
يوم الجزاء والحساب وهو يوم القيامة، قال ابن كثير: أي: يوقنون بالمعاد والحساب والجزاء، فهم يعملون عمل من يرجو الثواب ويخاف العقاب
وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ أي: خائفون وجلون
إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ قال ابن كثير: أي: لا يأمنه أحد ممن عقل عن الله أمره، إلا بأمان من الله ﵎، قال النسفي: أي: لا ينبغي لأحد- وإن بالغ في الاجتهاد والطاعة- أن يأمنه، وينبغي أن يكون مؤرجحا بين الخوف والرجاء،
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ قال ابن كثير: أي: يكفونها عن الحرام، ويمنعونها أن توضع في غير ما أذن الله فيه،
ولهذا قال تعالى: إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أي: نسائهم أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ أي: من الإماء فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ أي: على ترك الحفظ
فَمَنِ ابْتَغى أي:
طلب منكحا وَراءَ ذلِكَ أي: غير الزوجات والمملوكات فَأُولئِكَ هُمُ
стр. 5826
العادُونَ أي: المتجاوزون عن الحلال إلى الحرام، قال النسفي: وهذه الآية تدل على حرمة المتعة ووطء الذكران والبهائم والاستمناء بالكف،
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ قال النسفي: وهي تتناول أمانات الشرع وأمانات العباد وَعَهْدِهِمْ أي:
عهودهم، قال النسفي: ويدخل فيها عهود الخلق والنذور والأيمان راعُونَ أي:
حافظون غير خائنين ولا ناقضين، قال ابن كثير في الآية: أي: إذا اؤتمنوا لم يخونوا، وإذا عاهدوا لم يغدروا
وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ قال النسفي: (أي:
يقيمونها عند الحكام بلا ميل إلى قريب وشريف، وبلا ترجيح للقوي على الضعيف؛ إظهارا للصلابة في الدين، ورغبة في إحياء حقوق المسلمين)، وقال ابن كثير:
(أي: محافظون عليها لا يزيدون فيها ولا ينقصون منها ولا يكتمونها)
وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ قال ابن كثير: أي: على مواقيتها وأركانها وواجباتها ومستحباتها، افتتح الكلام بذكر الصلاة، واختتمه بذكرها، فدل على الاعتناء بها، والتنويه بشرفها. وقال النسفي: (كرر ذكر الصلاة لبيان أنها أهم، أو لأن إحداهما للفرائض والأخرى للنوافل، وقيل الدوام عليها: الاستكثار منها، والمحافظة عليها: أن لا تضيع عن مواقيتها. أو الدوام عليها: أداؤها في أوقاتها، والمحافظة عليها: حفظ أركانها، وواجباتها، وسننها وآدابها)،
أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ أي:
أصحاب هذه الصفات في جنات مكرمون، قال ابن كثير: أي: مكرمون بأنواع الملاذ والمسار.
كلمة في السياق:
١ - جاءت هذه المجموعة في سياق السورة لتبين خصائص الإنسان الذي خرج عن صفة الهلع إلى صفة الصبر، ومجئ هذه الآيات في سياق قوله تعالى: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا واضح الدلالة، فالمجموعة تذكر الخصائص التي عنها ينبثق خلق الصبر:
الدوام على الصلاة، والإنفاق، والإيمان باليوم الآخر، والإشفاق من عذاب الله، وإحصان الفروج، وحفظ الأمانات، والوفاء بالعهود، والقيام بالشهادات، والمحافظة على الصلوات، هذه الأخلاق هي التي ينبثق عنها خلق الصبر، ويتحرر بها الإنسان من خلق الهلع، وذلك درس كبير في التربية ينبغي أن يعرفه حملة الإسلام فيتحققوا به، يربوا عليه، وكأن المجموعة تقول: تحقق بهذا كي تصبر على ما تلقاه من أخلاق الكافرين وأقوالهم وأفعالهم.
стр. 5827
٢ - ذكرت المجموعة خلقين للكافرين: الهلع، والجزع، ومن قبل ذكرت السورة بعض أخلاق الكافرين: استعجال العذاب، واستبعاد وقوع اليوم الآخر، والإدبار، والتولي، وستذكر أخلاقا أخرى، وبذلك تعرفنا السورة على أخلاق الكافرين، ولذلك صلاته بمحور السورة.
تفسير المجموعة الثالثة:
فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ أي: عندك مُهْطِعِينَ أي: مسرعين، قال ابن كثير: أي: فما لهؤلاء الكفار الذين عندك يا محمد مهطعين، أي: مسرعين نافرين منك
عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ أي: عن يمين النبي ﷺ ، وعن شماله عِزِينَ أي: فرقا شتى. قال ابن كثير: (أي: متفرقين) وعزين واحدها عزة أي: فرقة. قال ابن كثير في الآيتين: (يقول تعالى منكرا على الكفار الذين كانوا في زمن النبي ﷺ وهم مشاهدون له ولما أرسله الله به من الهدى وما أيده الله به من المعجزات الباهرات، ثم هم مع هذا كله فارون منه متفرقون عنه، شاردون يمينا وشمالا فرقا فرقا، وشيعا شيعا). وقال قتادة في تفسير عزين: أي: فرقا حول النبي ﷺ ، لا يرغبون في كتاب الله ولا في نبيه. أقول: دلت الآيتان على أن الكافرين منهمكون في أعمال الحياة الدنيا، معرضون عن التلقي عن رسول الله ﷺ ، زاهدون في ذلك. ودلتا على أن أدب المسلم الاطمئنان عند رسول الله ﷺ ، والالتفاف حوله
أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ مع إعراضهم عن تلقي الهدى من رسول الله ﷺ
كَلَّا قال ابن كثير: أي: أيطمع هؤلاء- والحالة هذه من فرارهم عن الرسول ﷺ ونفارهم عن الحق- أن يدخلوا جنات النعيم؟ كلا، بل مأواهم جهنم، ثم قال تعالى مقررا لوقوع المعاد الذي أنكروا كونه، واستبعدوا وجوده مستدلا عليهم بالبداءة: إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ أي: من المني الضعيف، أي: إنا خلقناهم من نطفة كما خلقنا بني آدم كلهم، ومن حكمنا ألا يدخل أحد الجنة إلا بالإيمان، فلم يطمع أن يدخلها من لا إيمان له!
فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ أي:
مشارق الشمس ومغاربها إِنَّا لَقادِرُونَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ أي: على أن نهلكهم ونأتي بخلق أمثل منهم وأطوع لله وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ أي: بعاجزين، فإذا كان الأمر كذلك فما لهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر والرسول خضوعا لله وإخباتا له.
стр. 5828
كلمة في السياق:
دلت المجموعة الأخيرة على أن الكافرين مستغرقون في شئونهم استغراقا شغلهم عن رسول الله ﷺ ، وأنهم مستغرقون في باطلهم استغراقا جعلهم لا يلتفون حوله، ولذلك صلته بمحور السورة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، ثم تأتي الفقرة الأخيرة من السورة، آمرة رسول الله ﷺ بالإعراض عن هؤلاء الكافرين فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا ... وصلة ذلك بمحور السورة واضحة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ فلنر الفقرة الأخيرة في السورة وهي تبني على كل ما تقدم عليها.
الفقرة الثانية
وتمتد من الآية (٤٢) إلى نهاية السورة أي: إلى نهاية الآية (٤٤) وهذه هي:
[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٤٢ الى ٤٤]
فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)
التفسير:
فَذَرْهُمْ أي: فدع هؤلاء الكافرين يا محمد يَخُوضُوا أي: في باطلهم وَيَلْعَبُوا متمتعين في دنياهم، قال ابن كثير: أي: دعهم في تكذيبهم وكفرهم وعنادهم حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ به العذاب أي: فسيعلمون غير ذلك ويذوقون وبال أمرهم،
ثم فسر هذا اليوم بقوله: يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ أي: من القبور سِراعاً أي: مسرعين إلى الداعي كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ النصب: كل ما نصب وعبد من دون الله، أي: إلى أوثانهم وأصنامهم
стр. 5829
يُوفِضُونَ أي: يسرعون أي: إن إسراعهم إلى الموقف يشبه إسراعهم إلى آلهتهم في الدنيا؛ إذ كانوا يبتدرون إليها أيهم يستلمها أولا، قال ابن كثير: أي: يقومون من القبور إذا دعاهم الرب ﵎ لموقف الحساب ينهضون سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون
خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ أي: خاضعة ذليلة، قال النسفي: يعني لا يرفعونها لذلتهم تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ أي: يغشاهم هوان، قال ابن كثير: أي: في مقابلة ما استكبروا في الدنيا عن الطاعة ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ في الدنيا، وهم يكذبون به.
كلمة في السياق:
١ - يلاحظ أن الفقرة الأولى بدأت بالأمر لرسول الله ﷺ فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا ثم جاءت الفقرة الثانية مبدوءة بالأمر لرسول الله ﷺ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا وما بين الأمرين كان تفصيل لما يكون في اليوم الآخر، وتبيان لطريق التحقق بالصبر، وما بعد الأمر الثاني كان تفصيل لما يكون في اليوم الآخر كذلك، ومن هذا ومما ذكرناه من قبل يتضح السياق الخاص للسورة؛ فالكافرون يستعجلون بالعذاب لأنهم يستبعدون مجيئه، وفي مقابل ذلك فعلى رسول الله ﷺ أن يصبر على أذاهم وأن يتركهم.
٢ - رأينا ما هو محور السورة فلنر كيف فصلت السورة في هذا المحور:
أ- إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وقد رأينا في السورة مظاهر من هذا الكفر الذي لا فائدة من معالجته، ورأينا ما أمر الله به رسوله ﷺ في مقابل هذا الكفر، وما هي الأخلاق التي ينبغي أن يتحقق بها ليقوم بهذا الأمر.
ب- خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وقد رأينا في السورة تفصيلات عن هذا العذاب العظيم الذي سيصيبهم، والذي يستبعدون مجيئه ووجوده. وهكذا رأينا أن للسورة سياقها الخاص، كما لها صلتها بمحورها.
الفوائد:
١ - في سبب نزول قوله تعالى: سَأَلَ سائِلٌ قال ابن كثير: (روى
стр. 5830
النسائي ... عن ابن عباس في قوله تعالى: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ قال:
النضر بن الحارث بن كلدة، وقال العوفي عن ابن عباس سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ قال: ذلك سؤال الكفار عن عذاب الله، وهو واقع بهم، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى سَأَلَ سائِلٌ: دعا داع بعذاب واقع يقع في الآخرة قال:
وهو قولهم اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ).
٢ - هناك أكثر من قول في تفسير كلمة (المعارج) من قوله تعالى ذِي الْمَعارِجِ قال ابن كثير: (روى الثوري ... عن ابن عباس في قوله تعالى ذِي الْمَعارِجِ قال: ذو الدرجات، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس:
(ذي المعارج) يعني: العلو والفواضل، وقال مجاهد: (ذي المعارج): معارج السماء، وقال قتادة: ذو الفواضل والنعم).
٣ - في قوله تعالى فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قال ابن كثير:
(فيه أربعة أقوال: (أحدها): أن المراد بذلك: مسافة ما بين العرش إلى أسفل السافلين، وهو قرار الأرض السابعة، وذلك مسيرة خمسين ألف سنة- هذا ارتفاع العرش عن المركز الذي في وسط الأرض السابعة- وكذلك اتساع العرش من قطر إلى قطر مسيرة خمسين ألف سنة. (القول الثاني): أن المراد بذلك مدة بقاء الدنيا منذ خلق الله هذا العالم إلى قيام الساعة. روى ابن أبي حاتم ... عن مجاهد في قوله تعالى:
فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قال: الدنيا عمرها خمسون ألف سنة، وذلك عمرها يوم سماها الله يوما. (القول الثالث): أنه اليوم الفاصل بين الدنيا والآخرة، وهو قول غريب جدا. روى ابن أبي حاتم ... عن محمد بن كعب:
فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قال: هو يوم الفصل بين الدنيا والآخرة.
(القول الرابع): أن المراد بذلك يوم القيامة. روى ابن أبي حاتم ... عن عكرمة عن ابن عباس: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قال: يوم القيامة، وإسناده صحيح، ورواه الثوري عن سماك بن حرب عن عكرمة فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ: يوم القيامة، وكذا قال الضحاك وابن زيد. وقال علي بن أبي طلحة
стр. 5831
عن ابن عباس في قوله تعالى: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قال: هو يوم القيامة جعله الله تعالى على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة، وقد وردت أحاديث في معنى ذلك، وروى الإمام أحمد ... عن أبي سعيد قال: قيل لرسول الله ﷺ : فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ما أطول هذا اليوم! فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا» ورواه ابن جرير ... عن دراج به- إلا أن دراجا وشيخه أبا الهيثم ضعيفان- والله أعلم، وروى الإمام أحمد ... عن أبي عمر العدني قال: كنت عند أبي هريرة فمر رجل من بني عامر بن صعصعة فقيل له:
هذا أكثر عامري مالا، فقال أبو هريرة: ردوه إلي فردوه، فقال: نبئت أنك ذو مال كثير، فقال العامري: إي والله؛ إن لي لمائة حمراء أو مائة أدماء، حتى عد من ألوان الإبل وأفنان الرقيق ورباط الخيل، فقال أبو هريرة: إياك وأخفاف الإبل، وأظلاف الغنم- يردد ذلك عليه- حتى جعل لون العامري يتغير فقال: ما ذاك يا أبا هريرة؟
قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كانت له إبل لا يعطي حقها في نجدتها ورسلها» قلنا: يا رسول الله ما نجدتها ورسلها؟ قال: «في عسرها ويسرها فإنها تأتي يوم القيامة كأغذ ما كانت وأكثره وأسمنه وآشره، حتى يبطح لها بقاع قرقر فتطؤه بأخفافها، فإذا جاوزته أخراها أعيدت أولاها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله، وإذا كانت له بقر لا يعطيها حقها في نجدتها ورسلها فإنها تأتي يوم القيامة كأغذ ما كانت وأكثره وأسمنه وآشره، ثم يبطح لها بقاع قرقر، فتطؤه كل ذات ظلف بظلفها، وتنطحه كل ذات قرن بقرنها، ليس فيها عقصاء ولا عضباء، إذا جاوزته أخراها أعيدت عليه أولاها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله، وإذا كانت له غنم لا يعطي حقها في نجدتها ورسلها فإنها تأتي يوم القيامة كأغذ ما كانت وأسمنه وآشره، حتى يبطح لها بقاع قرقر فتطؤه كل ذات ظلف بظلفها، وتنطحه كل ذات قرن بقرنها، ليس فيها عقصاء ولا عضباء، إذا جاوزته أخراها أعيدت عليه أولاها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله» قال العامري: وما حق الإبل يا أبا هريرة؟
قال: أن تعطي الكريمة، وتمنح الغزيرة، وتفقر الظهر، وتسقي الإبل، وتطرق الفحل، وقد رواه أبو داود من حديث شعبة، والنسائي من حديث سعيد ابن أبي عروبة كلاهما عن قتادة به.
стр. 5832
(طريق أخرى لهذا الحديث) روى الإمام أحمد ... عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من صاحب كنز لا يؤدي حقه إلا جعل صفائح يحمى عليها في نار جهنم، فتكوى بها جبهته وجنبه وظهره، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» وذكر بقية الحديث في الغنم والإبل كما تقدم وفيه «الخيل الثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر» إلى آخره ورواه مسلم في صحيحه بتمامه منفردا به دون البخاري من حديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة وموضع استقصاء طرقه وألفاظه في كتاب الزكاة من كتاب الأحكام، والغرض من إيراده هاهنا قوله حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة).
٤ - بمناسبة قوله تعالى: وَجَمَعَ فَأَوْعى قال ابن كثير: (وقد ورد في الحديث: «ولا توع فيوعي الله عليك» وكان عبد الله بن عكيم لا يربط له كيسا، ويقول: سمعت الله
يقول: وَجَمَعَ فَأَوْعى. وقال الحسن البصري: يا ابن آدم سمعت وعيد الله ثم أوعيت الدنيا، وقال قتادة في قوله: وَجَمَعَ فَأَوْعى قال: كان جموعا نموما للحديث).
٥ - بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً قال ابن كثير:
(وروى الإمام أحمد ... عن عبد العزيز بن مروان بن الحكم قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : «شر ما في رجل: شح هالع، وجبن خالع» رواه أبو داود ... وليس لعبد العزيز عنده سواه). وقال النسفي: (والهلع: سرعة الجزع عند مس المكروه، وسرعة المنع عند مس الخير. وسأل محمد بن عبد الله بن طاهر ثعلبا عن الهلع فقال: قد فسره الله تعالى ولا يكون تفسير أبين من تفسيره، وهو الذي إذا ناله شر أظهر شدة الجزع، وإذا ناله خير بخل به ومنعه الناس، وهذا طبعه وهو مأمور بمخالفة طبعه، وموافقة شرعه، والشر: الضر والفقر، والخير: السعة والغنى أو المرض والصحة).
٦ - بمناسبة قوله تعالى واصفا المصلين: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ قال ابن كثير: (أي: إذا اؤتمنوا لم يخونوا، وإذا عاهدوا لم يغدروا، وهذه صفات المؤمنين وضدها صفات المنافقين كما ورد في الحديث الصحيح: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» وفي رواية: «إذا
стр. 5833
حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر»).
٧ - بمناسبة قوله تعالى في الكافرين: فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ* عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ قال ابن كثير: كما قال الإمام أحمد في أهل الأهواء:
فهم مخالفون للكتاب، مختلفون في الكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب. أقول:
فالكافرون معرضون عن الحق، فارون من الالتفاف حول رسول الله ﷺ ، متفرقون فيما بينهم فرقا شتى كل فرقة تجتمع على شئ من الباطل.
٨ - بمناسبة قوله تعالى: عِزِينَ قال ابن كثير: (وقال الثوري وشعبة وعبثر بن القاسم وعيسى بن يونس ومحمد بن فضيل ووكيع ويحيى القطان وأبو معاوية كلهم ... عن جابر بن سمرة أن رسول الله ﷺ خرج عليهم وهم حلق فقال: «ما لي أراكم عزين؟» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير من حديث الأعمش به.
وروى ابن جرير ... عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج على أصحابه وهم حلق حلق فقال: «ما لي أراكم عزين؟» وهذا إسناده جيد، ولم أره في شئ من الكتب الستة من هذا الوجه). أقول: هذا يشير إلى أن الأصل في الإسلام هو الاجتماع.
كلمة أخيرة في سورة المعارج:
تحدثت سورة الحاقة عن القيامة، وجزاء المكذبين بها، وحال الناس فيها، وأكدت أن القرآن حق، وجاءت سورة المعارج لتبين أن هناك مكذبين باليوم الآخر، وحددت لرسول الله ﷺ الموقف من هؤلاء، وكل ذلك رأيناه، فصلة سورة المعارج على هذا بسورة الحاقة- التي هي مقدمة هذه المجموعة- واضحة. والملاحظ أن سورة الحاقة حدثتنا عن عذاب المكذبين باليوم الآخر في الدنيا والآخرة، وجاءت سورة المعارج لتحدثنا عن عذاب المكذبين باليوم الآخر في الآخرة فقط، ثم تأتي سورة نوح لتحدثنا عما أصاب أمة مكذبة من عذاب في الدنيا. والملاحظ أن سورة الحاقة والمعارج ونوح، وكذلك سورة الجن كلها تفصل في مقدمة سورة البقرة كما رأينا وسنرى.
فسورة المعارج تأخذ محلها في مجموعتها، ومحلها من تفصيل مقدمة سورة البقرة، فلننتقل إلى الكلام عن سورة نوح.
стр. 5834
سورة نوح
وهي السورة الحادية والسبعون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثالثة من المجموعة السادسة من قسم المفصل، وهي ثمان وعشرون آية وهي مكية
стр. 5835
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 5836
بين يدي سورة نوح:
قال الألوسي: (مكية بالاتفاق. وهي ثمان وعشرون آية في الكوفي، وتسع في البصري والشامي، وثلاثون فيما عدا ذلك، ووجه اتصالها بما قبلها على ما قال السيوطي وأشار إليه غيره أنه سبحانه لما قال في سورة المعارج: إِنَّا لَقادِرُونَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ عقبه تعالى بقصة قوم نوح ﵇ المشتملة على إغراقهم عن آخرهم بحيث لم يبق منهم في الأرض ديار، وبدل خيرا منهم، فوقعت موقع الاستدلال والاستظهار لتلك الدعوى، كما وقعت قصة أصحاب الجنة في سورة ن موقع الاستظهار لما ختم به تبارك، هذا مع تواخي مطلع السورتين في ذكر العذاب الموعد به الكافرون، ووجه الاتصال على قول من زعم أن السائل هو نوح ﵇ ظاهر، وفي بعض الآثار ما يدل على أن النبي ﷺ يقرؤها على قوم نوح ﵇ يوم القيامة، أخرج الحاكم عن ابن عباس مرفوعا قال: «إن الله تعالى يدعو نوحا وقومه يوم القيامة أول الناس فيقول: ماذا أجبتم نوحا؟ فيقولون: ما دعانا وما بلغنا ولا نصحنا ولا أمرنا ولا نهانا، فيقول نوح ﵇: دعوتهم يا رب دعاء فاشيا في الأولين والآخرين، أمة بعد أمة، حتى انتهى إلى خاتم النبيين أحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، فانتسخه وقرأه وآمن به وصدقه، فيقول الله للملائكة ﵈: ادعوا أحمد وأمته، فيدعونهم فيأتي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأمته يسعى نورهم بين أيديهم، فيقول نوح ﵇ لمحمد صلى الله تعالى عليه
وسلم وأمته: هل تعلمون أني بلغت قومي الرسالة، واجتهدت لهم النصيحة، وجهدت أن أستنقذهم من النار سرا وجهارا، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا؟ فيقول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأمته: فإنا نشهد بما أنشدتنا أنك في جميع ما قلت من الصادقين، فيقول قوم نوح ﵇: وأنى علمت هذا أنت وأمتك ونحن أول الأمم وأنت آخر الأمم؟ فيقول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم إنا أرسلنا نوحا إلى قومه حتى يختم السورة فإذا ختمها قالت أمته: نشهد إن هذا لهو القصص الحق، وما من إله إلا الله وأن الله لهو العزيز الحكيم فيقول الله عند ذلك: امتازوا اليوم أيها المجرمون»).
وقال صاحب الظلال: (هذه السورة كلها تقص قصة نوح- ﵇ مع قومه؛ وتصف تجربة من تجارب الدعوة في الأرض، وتمثل دورة من دورات العلاج
стр. 5837
الدائم الثابت المتكرر للبشرية، وشوطا من أشواط المعركة الخالدة بين الخير والشر، والهدى والضلال، والحق والباطل.
هذه التجربة تكشف عن صورة من صور البشرية العنيدة، الضالة، الذاهبة وراء القيادات المضللة، المستكبرة عن الحق، المعرضة عن دلائل الهدى وموجبات الإيمان، المعروضة أمامها في الأنفس والآفاق، المرقومة في كتاب الكون المفتوح، وكتاب النفس المكنون.
وهي في الوقت ذاته تكشف عن صورة من صور الرحمة الإلهية تتجلى في رعاية الله لهذا الكائن الإنساني، وعنايته بأن يهتدي. تتجلى هذه العناية في إرسال الرسل تترى إلى هذه البشرية العنيدة الضالة الذاهبة وراء القيادات المضللة المستكبرة عن الحق والهدى.
ثم هي بعد هذا وذلك تعرض صورة من صور الجهد المضني، والعناء المرهق، والصبر الجميل، والإصرار الكريم من جانب الرسل- صلوات الله عليهم- لهداية هذه البشرية الضالة العنيدة العصية الجامحة. وهم لا مصلحة لهم في القضية ولا أجر يتقاضونه من المهتدين على الهداية، ولا مكافأة ولا جعل يحصلونه على حصول الإيمان! كالمكافأة أو النفقة التي تتقاضاها المدارس والجامعات والمعاهد والمعلمون، في زماننا هذا وفي كل زمان في صورة نفقات للتعليم!).
(ومن خلال عرض هذه الحلقة من حلقات الدعوة الإلهية على البشرية تتجلى حقيقة وحدة العقيدة وثبات أصولها، وتأصل جذورها. كما يتجلى ارتباطها بالكون وبإرادة الله وقدره، وأحداث الحياة الواقعة وفق قدر الله).
كلمة في سورة نوح ومحورها:
١ - أجملت سورة الحاقة الحديث عن تعذيب المكذبين باليوم الآخر في الدنيا، وذكرت عذاب الكافرين في الآخرة، وجاءت سورة المعارج لتحدثنا عن عذاب المكذبين باليوم الآخر في الآخرة، ثم تأتي سورة نوح لتعرض علينا قصة قوم نوح الذين ذكروا في سورة الحاقة، لترينا كيف عذب هؤلاء في الدنيا، وكيف أن الله لم يهلكهم إلا بعد أن استنفد رسولهم ﷺ كافة الوسائل وأقام عليهم الحجة.
٢ - تأتي سورة نوح بعد سورة المعارج التي حدثتنا عن موقف كافري هذه الأمة من رسولها لتعرض سورة نوح موقف أمة من رسولها، وما عاقبها الله في الدنيا، وفي
стр. 5838
ذلك تحذير لهذه الأمة.
٣ - في مقدمة سورة البقرة كلام عن الكافرين أنهم سواء في حقهم الإنذار وعدمه، وتأتي سورة نوح لترينا أن رسولا لله ﷺ هو نوح دعا إلى ما دعا إليه رسولنا من التقوى، وترينا قصة أمة بذل معها رسولها كل جهد ممكن، وأقام عليها كل حجة، ومع ذلك أصرت على الإنكار ورفض الإنذار، فسورة نوح إذن تقدم نموذجا على نوع من الكفار يتساوى الإنذار وعدمه في حقهم، ولذلك صلته بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وهكذا فسورة نوح تفصل في محورها من مقدمة سورة البقرة، وتؤدي دورها في مجموعتها، وكل ذلك ضمن سياقها الخاص.
٤ - وفي سورة نوح درس للنذير، ودروس في الإنذار: كيف يكون، وما هي وسائله، وما هو مضمونه، ولذلك صلته بمحور السورة كذلك.
٥ - تتألف السورة من مقدمة وفقرتين:
المقدمة آية واحدة تتحدث عن تكليف نوح بالإنذار.
والفقرة الأولى تستمر حتى نهاية الآية (٢٥) وفيها حديث عما فعل نوح قياما بحق الدعوة.
والفقرة الثانية وتستمر حتى نهاية السورة، وفيها دعاء نوح على قومه الذين لم يستجيبوا له ودعاؤه لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات.
стр. 5839
مقدمة السورة
وهي آية واحدة هي الآية الأولى وهذه هي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة نوح (٧١): آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١)
التفسير:
إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فالمرسل الله ، والمرسل نوح ﵇ والمرسل إليهم قوم نوح، كما أن كل رسول قبل رسولنا ﵇ كان يبعث إلى قومه
خاصة، وهذا يرجح أن الطوفان لم يكن شاملا للأرض كلها، وإنما كان شاملا للمنطقة التي كان فيها قوم نوح، هذا مع أن عامة المفسرين يرجحون القول الذي يقول بشمول الطوفان كما سنرى، وهو أحد اتجاهين عند المفسرين أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ أي: بأن أنذر قومك مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي: عذاب الآخرة أو الطوفان، والظاهر من كلام ابن كثير أن المراد بالعذاب في الآية عذاب الدنيا قبل الآخرة، قال ابن كثير: (يقول تعالى مخبرا عن نوح ﵇ أنه أرسله إلى قومه آمرا له أن ينذرهم بأس الله قبل حلوله بهم، فإن تابوا وأنابوا رفع عنهم).
كلمة في السياق:
يلاحظ أن مضمون الرسالة التي أمر الله بها نوحا كان هو الإنذار بعذاب الله، وهذا يجعلنا ندرك أهمية الإنذار الصحيح السليم الذي تعطينا السورة صورة مفصلة عنه في فقرتها الأولى، فلنر هذه الفقرة.
стр. 5840
الفقرة الأولى
وتمتد من الآية (٢) حتى نهاية الآية (٢٥) وهذه هي:
المجموعة الأولى
[سورة نوح (٧١): الآيات ٢ الى ٤]
قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)
المجموعة الثانية
[سورة نوح (٧١): الآيات ٥ الى ٢٥]
قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاَّ فِراراً (٦) وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً (٩)
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً (١٠) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً (١٢) ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (١٤)
أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً (١٩)
لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً (٢٠) قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَساراً (٢١) وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً (٢٢) وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالاً (٢٤)
مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً (٢٥)
стр. 5841
تفسير المجموعة الأولى:
قالَ يا قَوْمِ ناداهم هذا النداء بأن أضافهم إلى نفسه إظهارا للشفقة، وإيذانا بالحرص عليهم، وهذا أول دروس الإنذار إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ أي: مخوف مُبِينٌ أي: أبين لكم رسالة الله بلغة تعرفونها، قال ابن كثير: أي: بين النذارة، ظاهر الأمر واضحه. أقول: وهذا ثاني درس في الإنذار أن يعرف الداعية إلى الله على مهمته وطبيعتها فلا يترك مجالا لأحد يعطي الآخرين تصورا خاطئا عنه،
ثم إن نوحا ﵇ حدد مضمون دعوته التي إذا قبلوها فقد حققوا الحكمة من إرساله وإنذاره، وتجنبوا سخط الله عليهم في الدنيا والآخرة فقال: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي: وحدوه وَاتَّقُوهُ قال ابن كثير: أي: اتركوا محارمه واجتنبوا مآثمه وَأَطِيعُونِ فيما آمركم به وأنهاكم عنه، وهكذا حدد نوح ﵇ مضمون دعوته: العبادة والتقوى والطاعة، وباجتماعها ينتقل المجتمع من طور إلى طور، وكثير ممن يشتغلون بالدعوة إلى الله يفرطون في التربية على هذه المعاني الثلاثة مجتمعة، فينتج عن ذلك قصور في العبادة أو في التقوى، أو في الطاعة، والملاحظ أن كثيرين من الدعاة في عصرنا يهملون قضية الطاعة، فتبقى طاعة المسلم للكافرين يستخدمونها حتى في تهديم الإسلام، فالدعوة الكاملة، والدعاة الكاملون، هم الذين يربون ويدعون للمعاني الثلاثة مجتمعة، ضمن صيغة قرآنية إسلامية، تجعل واجب الطاعة من الأدنى إلى الأعلى في المجتمع الإسلامي بديهية، وهذا درس ثالث في الإنذار،
ثم بين نوح ﵇ ما لهم إن فعلوا ذلك فقال: يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ أي: إذا فعلتم ما آمركم به
стр. 5842
وصدقتم ما أرسلت به إليكم، غفر الله لكم ذنوبكم، هذا إذا اعتبرنا (من) في الآية زائدة، وإذا اعتبرناها بمعنى (عن) كما رجح ذلك ابن كثير يكون المعنى: يصفح لكم عن
ذنوبكم، وإذا اعتبرناها بمعنى (بعض) يكون المعنى: يغفر لكم الذنوب العظيمة التي أوعدكم على ارتكابكم إياها الانتقام وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قال النسفي:
هو وقت موتكم، قال ابن كثير: أي: يمد من أعماركم، ويدرأ عنكم العذاب الذي إن لم تجتنبوا ما نهاكم عنه أوقعه بكم إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ أي: الموت إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قال النسفي: أي: لو كنتم تعلمون ما يحل بكم من الندامة عند انقضاء أجلكم لآمنتم، وقال ابن كثير في الآية: أي: بادروا بالطاعة قبل حلول النقمة، فإنه إذا أمر تعالى بكون ذلك لا يرد ولا يمانع فإنه العظيم الذي قد قهر كل شئ، العزيز الذي دانت لعزته جميع المخلوقات، والملاحظ أن نوحا ﵇ وعدهم على قبول دعوته أن يغفر الله لهم ذنوبهم، وأن يجنبهم عذابه الذي ينزله بالأقوام الفاسقين، وهذا درس رابع في الدعوة، أن الداعية إلى الله ليست طريقته كطريقة دعاة الدنيا يغرقون الناس بالوعود الدنيوية فقط، وبهذا انتهت المجموعة الأولى من الفقرة الأولى.
كلمة في السياق:
بعد أن قص الله علينا ما قاله نوح ﵇ لقومه في المجموعة السابقة، يقص علينا ربنا شكوى نوح إلى الله من مواقف قومه، ومن هذه الشكوى نعلم أن قومه رفضوا نذارته، ومنها نعرف ماذا فعل نوح ﵇، وهذا يستغرق المجموعة الثانية من الفقرة الأولى.
[المجموعة الثانية]
تفسير الجزء الأول من المجموعة الثانية:
قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً أي: دائبا بلا فتور في كل الأوقات فلم أترك وقتا إلا ودعوتهم فيه، قال ابن كثير: أي: لم أترك دعاءهم في ليل ولا نهار امتثالا لأمرك وابتغاء لطاعتك، وفي ذلك درس خامس للدعاة، وهو ألا يبقوا وقتا إلا ويمارسون فيه الدعوة، فإن بعض الأوقات أنسب للدعوة لبعض الطبقات من بعض، كما أنه درس للداعية في الدأب الدائم على الدعوة
فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً أي: عن طاعتك. قال النسفي: (ونسب ذلك- أي: الفرار- إلى
стр. 5843
دعائه لحصوله عنده، وإن لم يكن الدعاء سببا للفرار في الحقيقة) وقال ابن كثير:
أي: كلما دعوتهم ليقتربوا من الحق فروا منه وحادوا عنه
وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ إلى الإيمان بك وعبادتك وتقواك لِتَغْفِرَ لَهُمْ أي: ليؤمنوا فتغفر لهم جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ أي: سدوا مسامعهم لئلا يسمعوا كلامي وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ أي: وتغطوا بثيابهم لئلا يبصروني كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في دين الله، قال ابن عباس: تنكروا له لئلا يعرفهم، وقال سعيد بن جبير: أي: غطوا رءوسهم لئلا بسمعوا ما يقول وَأَصَرُّوا أي: وأقاموا على كفرهم، أي:
استمروا على ما هم فيه من الشرك والكفر العظيم الفظيع وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً أي: تعظموا عن إجابتي، واستنكفوا عن اتباع الحق والانقياد له
ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً أي: مجاهرا، أي: جهرة بين الناس. قال النسفي: يعني: أظهرت لهم الدعوة في المحافل
ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ أي: كلاما ظاهرا بصوت عال وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً قال ابن كثير: أي: فيما بيني وبينهم، فنوع عليهم الدعوة لتكون أنجع فيهم، وقال النسفي: (أي: خلطت دعاءهم بالعلانية بدعاء السر فالحاصل أنه دعاهم ليلا ونهارا في السر، ثم دعاهم جهارا ثم دعاهم في السر والعلن، وهكذا يفعل الآمر بالمعروف يبتدئ بالأهون، ثم بالأشد فالأشد، فافتتح بالمناصحة في السر، فلما لم يقبلوا ثنى بالمجاهرة، فلما لم تؤثر ثلث بالجمع بين الإسرار والإعلان، و (ثم) تدل على تباعد الأحوال، لأن الجهار أغلظ من الإسرار، والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما). أقول: وفي ذلك كله درس جديد من دروس الدعوة أن يلجأ الداعية إلى كل الوسائل العلنية والسرية لتبليغ دعوته بالمحاضرة والخطاب المنفرد والجهر والسر.
كلمة في السياق:
١ - عرض نوح ﵇ في هذا الجزء من المجموعة الثانية مجمل ما فعل وتصرف، وسيأتي الجزء الثاني من المجموعة ليعرض نوح ﵇ فيه تفصيل ما كان يقوله لهم في دعوته كما سنرى.
٢ - نلاحظ أن نوحا لم يترك وسيلة إلا سلكها، وكانت الحصيلة زيادة العناد والإصرار، وفي ذلك نموذج على أن الكفر إذا تأصل لا ينفع معه إنذار، وصلة ذلك بمحور السورة واضحة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ فهذه أمة لم يترك رسولها وسيلة لهدايتها إلا سلكها، ولم ينتج عن ذلك
стр. 5844
شئ، ولننتقل إلى الجزء الثاني من المجموعة الثانية لنرى تفصيل ما قاله نوح ﵇ لقومه.
تفسير الجزء الثاني من المجموعة الثانية:
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً قال ابن كثير: أي: ارجعوا إليه، وارجعوا عما أنتم فيه، وتوبوا إليه من قريب؛ فإنه من تاب إليه تاب عليه، مهما كانت ذنوبه في الكفر والشرك
يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ أي: بالمطر مِدْراراً أي:
كثيرة الدرور، قال ابن كثير: أي: متواصلة الأمطار
وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ أي: ويزدكم أموالا وبنين وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ أي: بساتين وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً أي: جارية لمزارعكم وبساتينكم، قال ابن كثير: (أي: إذا تبتم إلى الله واستغفرتموه وأطعتموه كثر الرزق عليكم، وأسقاكم من بركات السماء، وأنبت لكم من بركات الأرض، وأنبت لكم الزرع، وأدر لكم الضرع، وأمدكم بأموال وبنين، أي: أعطاكم الأموال والأولاد، وجعل لكم جنات فيها أنواع الثمار، وخللها بالأنهار الجارية بينها، هذا مقام الدعوة والترغيب،
ثم عدل بهم إلى دعوتهم بالترهيب) فقال:
ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً أي: عظمة، أي: لم لا تعظمون الله حق عظمته، أي: لا تخافون من بأسه ونقمته
وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً قال ابن كثير: قيل:
معناه: من نطفة، ثم علقة، ثم من مضغة، قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة ويحيى بن رافع والسدي وابن زيد، قال النسفي: (عن الأخفش قال: والرجاء هنا الخوف لأن مع الرجاء طرفا من الخوف ومن اليأس، والوقار العظمة، أو لا تأملون له توقيرا أي:
تعظيما. والمعنى: ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً في موضع الحال، أي: ما لكم لا تؤمنون بالله والحال هذه- وهي حال موجبة للإيمان به- لأنه خلقكم أطوارا أي: تارات وكرات، خلقكم أولا نطفا، ثم خلقكم علقا، ثم خلقكم مضغا، ثم خلقكم عظاما). أقول: وهكذا نجد نوحا ﵇ يركز على نقطتين الاستغفار وتعظيم الله ، وفي ذلك درس جديد من دروس الدعوة، وفي عملية الدعوة إلى تعظيم الله لفت نظرهم أولا إلى الأطوار التي مروا عليها بقدرة الله ،
ثم يتابع لفت أنظارهم إلى معان أخرى، كلها توصل إلى تعظيم الله ، ومن ثم قال:
أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً أي: واحدة فوق واحدة، قال
стр. 5845
النسفي: (أي: بعضا على بعض، نبههم أولا- أي: في قوله وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً- على النظر في أنفسهم لأنها أقرب، ثم على النظر في العالم وما سوى فيه من العجائب الدالة على الصانع)
وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ أي: في السموات نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً أي: مصباحا منيرا، وهذا يفيد أن الشمس والقمر تحيط بهما السموات السبع كلها لأنه إذا لم تكن الشمس والقمر في وسط الفضاء الموجود في باطن السماء الدنيا لا يكون الشمس والقمر في السموات كلها، ولنا عودة على هذا الموضوع في الفوائد
وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً أي: والله أنشأكم من الأرض فأنبتكم نباتا
ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها أي: إذا متم وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً أي: يوم القيامة يعيدكم كما بدأكم أول مرة
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً أي: مبسوطة ممهدة صالحة لسكنى الإنسان
لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا أي: طرقا فِجاجاً أي:
واسعة أو مختلفة، قال النسفي: أي: لتتقلبوا عليها كما يتقلب الرجل على بساطه، وقال ابن كثير: أي: خلقها لكم لتستقروا عليها وتسلكوا فيها أين شئتم من نواحيها وأرجائها وأقطارها، وبهذا أتم نوح ﵇ عملية لفت النظر إلى عظمة الله .
كلمة في السياق:
عرض نوح ﵇ في المجموعة الأولى عمله وإنذاره بشكل إجمالي، ثم فصل في الجزأين الأولين من المجموعة الثانية ما قاله لقومه تفصيلا، وذلك يعود إلى نقطتين اثنتين: الاستغفار، وتعظيم الله ، والملاحظ أن المعاني التي ذكرها نوح ﵇ هي المعاني نفسها التي عرفنا الله بها على ذاته في أوائل سورة البقرة، فدعوى الرسل واحدة، وبعد أن ذكر نوح ﵇ لله ﷻ ما فعله إجمالا وتفصيلا يأتي الجزء الثالث من المجموعة الثانية وفيه تفصيل لموقف قومه منه.
تفسير الجزء الثالث من المجموعة الثانية:
قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي فيما أمرتهم به من العبادة والتقوى والطاعة، ومن الاستغفار والتعظيم وَاتَّبَعُوا أي: السفلة والأتباع والفقراء مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ أي: الرؤساء وأصحاب الأموال والأولاد إِلَّا خَساراً أي: في الآخرة. قال ابن كثير: (يقول تعالى مخبرا عن نوح ﵇ أنه أنهى إليه- وهو العليم الذي لا يعزب عنه شئ- أنه مع البيان المتقدم ذكره، والدعوة المتنوعة المشتملة على الترغيب تارة والترهيب أخرى أنهم عصوه وخالفوه وكذبوه، واتبعوا أبناء الدنيا
стр. 5846
ممن غفل عن أمر الله ومتع بمال وأولاد وهي في نفس الأمر استدراج وإنظار لا إكرام)،
وَمَكَرُوا أي: الرؤساء، قال النسفي: ومكرهم احتيالهم في الدين، وكيدهم لنوح وتحريش الناس على أذاه، وصدهم عن الميل إليه مَكْراً كُبَّاراً أي: مكرا عظيما بأتباعهم في تسويلهم لهم أنهم على الحق والهدى،
وَقالُوا أي: الرؤساء للأتباع لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ على العموم أي: لا تتركوا عبادتها، وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً قال ابن كثير:
وهذه أسماء أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله
وَقَدْ أَضَلُّوا أي: الأصنام أو الرؤساء كَثِيراً أي: من الناس وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا ختم نوح ﵇ عرض حاله على الله بهذا الدعاء، وفي ختمه عرض الحال على الله بهذا الدعاء أدب منه ﵇، فكأنه قال هذا موقفهم يا رب، وأنت سنتك ألا تزيد الظالمين إلا ضلالا وهؤلاء ظالمون، وأنا لا أذكر هذا معترضا؛ بل أنا أدعوك أن تحقق سنتك فيهم؛ تسليما لك في سنتك، وإعلانا عن براءتي منهم.
كلمة في السياق:
بالدعاء الأخير ختم نوح ﵇ عرض ما فعله على الله والله أعلم- بما فعل وبعد أن قص الله علينا هذا كله يخبرنا الله في الجزء الرابع من المجموعة الثانية عن فعله بهؤلاء.
تفسير الجزء الرابع من المجموعة الثانية:
مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أي: من خطيئاتهم أي: من ذنوبهم أُغْرِقُوا أي:
بالطوفان فَأُدْخِلُوا ناراً قال ابن كثير: أي: نقلوا من تيار البحار إلى حرارة النار، وقال النسفي: (وتقديم مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ لبيان أن لم يكن إغراقهم بالطوفان وإدخالهم في النيران إلا من أجل خطيئاتهم، وأكد على هذا المعنى بزيادة ما، وكفى بها مزجرة لمرتكب الخطايا، فإن كفر قوم نوح كان واحدة من خطيئاتهم، وإن كانت كبراهن، والفاء في (فأدخلوا) للإيذان بأنهم عذبوا بالإحراق عقيب الإغراق فيكون دليلا على إثبات عذاب القبر)، قال الألوسي في قوله تعالى: فَأُدْخِلُوا ناراً:
(هي نار البرزخ، والمراد عذاب القبر، ومن مات في ماء أو نار أو أكلته السباع أو الطير مثلا أصابه ما يصيب المقبور من العذاب) فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ
стр. 5847
أَنْصاراً ينصرونهم ويمنعونهم من عذاب الله، قال ابن كثير: أي: لم يكن لهم معين ولا مغيث ولا مجير ينقذهم من عذاب الله.
كلمة في السياق:
١ - بدأت السورة بمقدمة ذكرت تكليف الله نوحا بالرسالة والإنذار، ثم جاءت الفقرة الأولى على مجموعتين: الأولى حدثنا الله فيها عن فعل نوح ﵇، ثم جاءت المجموعة الثانية وفيها رفع نوح ﵇ إلى الله ما فعله في صيغة دعاء وشكوى، وجاءت هذه المجموعة على أجزاء، الجزء الأول أجمل فيها نوحا ﵇ فعله، وموقف قومه منه، ثم جاء الجزءان الآخران، وقد فصل فيهما نوع فعله، وموقف قومه، ثم جاء الجزء الأخير وفيه بيان ما عاقب الله به قوم نوح، ثم تأتي الفقرة الثانية وفيها دعاء نوح ﵇ على قومه الكافرين، ودعاؤه للمؤمنين من قومه. والملاحظ أن الله قدم ذكر عقوبة قوم نوح على دعائه، ليعلم ابتداء أن الله عاقب انتقاما لنوح، وانتصارا له، واستجابة لنوح، واستجابة لشكواه.
٢ - عرضت السورة نموذجا على أمة كفرت ورفضت الإنذار فعوقبت عقابا عظيما في الدنيا والآخرة، وصلة ذلك بمحور السورة واضحة.
стр. 5848
الفقرة الثانية من السورة
وتمتد من الآية (٢٦) إلى نهاية السورة وهذه هي:
[سورة نوح (٧١): الآيات ٢٦ الى ٢٨]
وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِراً كَفَّاراً (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَباراً (٢٨)
التفسير:
وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً أي: لا تترك على وجه الأرض منهم أحدا، والديار: هو الذي يدور في الأرض، وهو من الأسماء المستعملة في النفي العام، ثم علل لدعائه
إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ أي: تتركهم ولا تهلكهم يُضِلُّوا عِبادَكَ أي: يدعونهم إلى الضلال، قال ابن كثير: أي:
إنك إن أبقيت منهم أحدا أضلوا عبادك، أي: الذي تخلفهم بعدهم، وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً قال ابن كثير: أي: فاجرا في الأعمال كافر القلب وذلك لخبرته بهم ومكثه بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عاما، قال النسفي: وإنما قال ذلك لأن الله تعالى أخبره بقوله لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ
ثم قال نوح ﵇: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ قال النسفي: وكانا مسلمين وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ أي: منزلي أو مسجدي أو سفينتي مُؤْمِناً قال النسفي: لأنه علم أن من دخل بيته مؤمنا لا يعود إلى الكفر وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ أي: إلى يوم القيامة، قال النسفي: خص أولا من يتصل به لأنهم أولى وأحق بدعائه، ثم عم المؤمنين والمؤمنات، قال ابن كثير: دعاء لجميع المؤمنين والمؤمنات وذلك يعم الأحياء منهم والأموات، ولهذا يستحب مثل هذا الدعاء اقتداء بنوح ﵇ (كما يستحب) بما جاء في الآثار والأدعية المشهورة المشروعة وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ أي: الكافرين إِلَّا تَباراً أي: هلاكا وقد أهلكوا.
стр. 5849
كلمة في السياق:
وهكذا عرضت السورة قصة أمة ورسول، فكانت نموذجا على أمة ترفض الإنذار، ورسول قام بكامل جهده في الإنذار، ورأينا خلال ذلك دروسا كثيرة في الإنذار وأساليبه ومضامينه، وقد رأينا أثناء عرضنا للسورة سياقها الخاص وصلتها بمحورها ومضامينه.
الفوائد:
١ - عند قوله تعالى: وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قال ابن كثير: (أي:
يمد في أعماركم ويدرأ عنكم العذاب الذي إن لم تجتنبوا ما نهاكم عنه أوقعه بكم. وقد يستدل بهذه الآية من يقول إن الطاعة والبر وصلة الرحم يزاد بها في العمر حقيقة كما ورد به الحديث: «صلة الرحم تزيد في العمر»).
٢ - بمناسبة قوله تعالى: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً* يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً قال ابن كثير: (ولهذا تستحب قراءة هذه السورة في صلاة الاستسقاء لأجل هذه الآية.
وهكذا روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه صعد المنبر ليستسقي، فلم يزد على الاستغفار وقراءة الآيات في الاستغفار ومنها هذه الآية فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً* يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ثم قال: «لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر»)، وقال النسفي: (وعن الحسن أن رجلا شكا إليه الجدب فقال: استغفر الله، وشكا إليه آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة ريع أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار، فقال له الربيع بن صبيح: أتاك رجال يشكون أبوابا فأمرتهم كلهم بالاستغفار؟ فتلا الآيات)، وقال الألوسي: (قال قتادة: كانوا أهل حب للدنيا فاستدعاهم إلى الآخرة من الطريق التي يحبونها) أقول:
وفي ذلك درس من دروس الدعوة.
٣ - بمناسبة قوله تعالى: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً* وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً قال الألوسي: (أي: خلقكم مدرجا لكم في حالات: عناصر، ثم أغذية، ثم أخلاطا، ثم نطفا، ثم علقا، ثم مضغا، ثم عظاما ولحوما، ثم خلقا آخر، فإن التقصير في توقير من هذا شأنه في القدرة القاهرة والإحسان التام مع العلم
стр. 5850
بذلك مما لا يكاد يصدر عن العاقل، وقيل: المراد بها الأحوال المختلفة بعد الولادة إلى الموت، من الصبا، والشباب، والكهولة، والشيخوخة، والقوة، والضعف.
وقيل: من الألوان، والهيئات، والأخلاق، والملل المختلفة، وقيل: من الصحة والسقم، وكمال الأعضاء ونقصانها، والغنى والفقر ونحوها). أقول: ذهبت بعض فرق الباطنية في فهم هذه الآية مذاهب لا يشهد لها عقل ولا نقل، فاعتبرتها دليلا على التناسخ الذي تقول به بعض ديانات الهند، وذلك من عمى القلب، وانطماس البصيرة، فالتناسخ تنقضه بديهيات العقول والعلوم، كما سنرى ذلك، وهذا الفهم الممسوخ نموذج لا على ترك المحكم إلى المتشابه، بل على ترك المحكم إلى الكفر الذي لا يستند إلى دليل.
٤ - بمناسبة قوله تعالى: وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً نحب أن ننقل كلام النسفي وابن كثير والألوسي في هذا النص ثم نعلق على ذلك. قال النسفي: (وعن ابن عباس وابن عمر ﵃ أن الشمس والقمر وجوههما مما يلي السموات، وظهورهما مما يلي الأرض، فيكون نور القمر محيطا بجميع السموات لأنها لطيفة لا تحجب نوره). وقال ابن كثير: (وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً؟ أي: واحدة فوق واحدة، وهل هذا يتلقى من جهة السمع فقط؟ أو هو من الأمور المدركة بالحس مما علم من التسيير والكسوفات، فإن الكواكب السبعة السيارة يكشف بعضها بعضا، فأدناها القمر في السماء الدنيا، وهو يكشف ما فوقه، وعطارد في الثانية، والزهرة في الثالثة، والشمس في الرابعة، والمريخ في الخامسة، والمشترى في السادسة، وزحل في السابعة، وأما بقية الكواكب وهي الثوابت ففي فلك ثامن يسمونه فلك الثوابت، والمتشرعون منهم يقولون: هو الكرسي، والفلك التاسع وهو الأطلس، والأثير عندهم الذي حركته على خلاف حركة سائر الأفلاك، وذلك أن حركته مبدأ الحركات وهي من المغرب إلى المشرق، وسائر الأفلاك عكسه من المشرق إلى المغرب، ومعها يدور سائر الكواكب تبعا، ولكن للسيارة حركة معاكسة لحركة أفلاكها؛ فإنها تسير من المغرب إلى المشرق، وكل يقطع فلكه بحسبه، فالقمر يقطع فلكه في كل شهر مرة، والشمس في كل سنة مرة، وزحل في كل ثلاثين سنة مرة، ذلك بحسب اتساع أفلاكها، وإن كانت حركة الجميع في السرعة متناسبة. هذا ملخص ما يقولونه في هذا المقام، على اختلاف بينهم في مواضع كثيرة لسنا بصدد بيانها، وإنما المقصود أن الله خَلَقَ سَبْعَ
следующие страницы →