← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

ممن غفل عن أمر الله ومتع بمال وأولاد وهي في نفس الأمر استدراج وإنظار لا إكرام)، وَمَكَرُوا أي: الرؤساء، قال النسفي: ومكرهم احتيالهم في الدين، وكيدهم لنوح وتحريش الناس على أذاه، وصدهم عن الميل إليه مَكْراً كُبَّاراً أي: مكرا عظيما بأتباعهم في تسويلهم لهم أنهم على الحق والهدى، وَقالُوا أي: الرؤساء للأتباع لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ على العموم أي: لا تتركوا عبادتها، وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً قال ابن كثير: وهذه أسماء أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله وَقَدْ أَضَلُّوا أي: الأصنام أو الرؤساء كَثِيراً أي: من الناس وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا ختم نوح ﵇ عرض حاله على الله بهذا الدعاء، وفي ختمه عرض الحال على الله بهذا الدعاء أدب منه ﵇، فكأنه قال هذا موقفهم يا رب، وأنت سنتك ألا تزيد الظالمين إلا ضلالا وهؤلاء ظالمون، وأنا لا أذكر هذا معترضا؛ بل أنا أدعوك أن تحقق سنتك فيهم؛ تسليما لك في سنتك، وإعلانا عن براءتي منهم. كلمة في السياق: بالدعاء الأخير ختم نوح ﵇ عرض ما فعله على الله والله أعلم- بما فعل وبعد أن قص الله علينا هذا كله يخبرنا الله في الجزء الرابع من المجموعة الثانية عن فعله بهؤلاء. تفسير الجزء الرابع من المجموعة الثانية: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أي: من خطيئاتهم أي: من ذنوبهم أُغْرِقُوا أي: بالطوفان فَأُدْخِلُوا ناراً قال ابن كثير: أي: نقلوا من تيار البحار إلى حرارة النار، وقال النسفي: (وتقديم مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ لبيان أن لم يكن إغراقهم بالطوفان وإدخالهم في النيران إلا من أجل خطيئاتهم، وأكد على هذا المعنى بزيادة ما، وكفى بها مزجرة لمرتكب الخطايا، فإن كفر قوم نوح كان واحدة من خطيئاتهم، وإن كانت كبراهن، والفاء في (فأدخلوا) للإيذان بأنهم عذبوا بالإحراق عقيب الإغراق فيكون دليلا على إثبات عذاب القبر)، قال الألوسي في قوله تعالى: فَأُدْخِلُوا ناراً: (هي نار البرزخ، والمراد عذاب القبر، ومن مات في ماء أو نار أو أكلته السباع أو الطير مثلا أصابه ما يصيب المقبور من العذاب) فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ

стр. 5847

أَنْصاراً ينصرونهم ويمنعونهم من عذاب الله، قال ابن كثير: أي: لم يكن لهم معين ولا مغيث ولا مجير ينقذهم من عذاب الله. كلمة في السياق: ١ - بدأت السورة بمقدمة ذكرت تكليف الله نوحا بالرسالة والإنذار، ثم جاءت الفقرة الأولى على مجموعتين: الأولى حدثنا الله فيها عن فعل نوح ﵇، ثم جاءت المجموعة الثانية وفيها رفع نوح ﵇ إلى الله ما فعله في صيغة دعاء وشكوى، وجاءت هذه المجموعة على أجزاء، الجزء الأول أجمل فيها نوحا ﵇ فعله، وموقف قومه منه، ثم جاء الجزءان الآخران، وقد فصل فيهما نوع فعله، وموقف قومه، ثم جاء الجزء الأخير وفيه بيان ما عاقب الله به قوم نوح، ثم تأتي الفقرة الثانية وفيها دعاء نوح ﵇ على قومه الكافرين، ودعاؤه للمؤمنين من قومه. والملاحظ أن الله قدم ذكر عقوبة قوم نوح على دعائه، ليعلم ابتداء أن الله عاقب انتقاما لنوح، وانتصارا له، واستجابة لنوح، واستجابة لشكواه. ٢ - عرضت السورة نموذجا على أمة كفرت ورفضت الإنذار فعوقبت عقابا عظيما في الدنيا والآخرة، وصلة ذلك بمحور السورة واضحة.

стр. 5848

الفقرة الثانية من السورة وتمتد من الآية (٢٦) إلى نهاية السورة وهذه هي: [سورة نوح (٧١): الآيات ٢٦ الى ٢٨] وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِراً كَفَّاراً (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَباراً (٢٨) التفسير: وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً أي: لا تترك على وجه الأرض منهم أحدا، والديار: هو الذي يدور في الأرض، وهو من الأسماء المستعملة في النفي العام، ثم علل لدعائه إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ أي: تتركهم ولا تهلكهم يُضِلُّوا عِبادَكَ أي: يدعونهم إلى الضلال، قال ابن كثير: أي: إنك إن أبقيت منهم أحدا أضلوا عبادك، أي: الذي تخلفهم بعدهم، وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً قال ابن كثير: أي: فاجرا في الأعمال كافر القلب وذلك لخبرته بهم ومكثه بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عاما، قال النسفي: وإنما قال ذلك لأن الله تعالى أخبره بقوله لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ ثم قال نوح ﵇: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ قال النسفي: وكانا مسلمين وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ أي: منزلي أو مسجدي أو سفينتي مُؤْمِناً قال النسفي: لأنه علم أن من دخل بيته مؤمنا لا يعود إلى الكفر وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ أي: إلى يوم القيامة، قال النسفي: خص أولا من يتصل به لأنهم أولى وأحق بدعائه، ثم عم المؤمنين والمؤمنات، قال ابن كثير: دعاء لجميع المؤمنين والمؤمنات وذلك يعم الأحياء منهم والأموات، ولهذا يستحب مثل هذا الدعاء اقتداء بنوح ﵇ (كما يستحب) بما جاء في الآثار والأدعية المشهورة المشروعة وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ أي: الكافرين إِلَّا تَباراً أي: هلاكا وقد أهلكوا.

стр. 5849

كلمة في السياق: وهكذا عرضت السورة قصة أمة ورسول، فكانت نموذجا على أمة ترفض الإنذار، ورسول قام بكامل جهده في الإنذار، ورأينا خلال ذلك دروسا كثيرة في الإنذار وأساليبه ومضامينه، وقد رأينا أثناء عرضنا للسورة سياقها الخاص وصلتها بمحورها ومضامينه. الفوائد: ١ - عند قوله تعالى: وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قال ابن كثير: (أي: يمد في أعماركم ويدرأ عنكم العذاب الذي إن لم تجتنبوا ما نهاكم عنه أوقعه بكم. وقد يستدل بهذه الآية من يقول إن الطاعة والبر وصلة الرحم يزاد بها في العمر حقيقة كما ورد به الحديث: «صلة الرحم تزيد في العمر»). ٢ - بمناسبة قوله تعالى: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً* يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً قال ابن كثير: (ولهذا تستحب قراءة هذه السورة في صلاة الاستسقاء لأجل هذه الآية. وهكذا روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه صعد المنبر ليستسقي، فلم يزد على الاستغفار وقراءة الآيات في الاستغفار ومنها هذه الآية فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً* يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ثم قال: «لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر»)، وقال النسفي: (وعن الحسن أن رجلا شكا إليه الجدب فقال: استغفر الله، وشكا إليه آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة ريع أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار، فقال له الربيع بن صبيح: أتاك رجال يشكون أبوابا فأمرتهم كلهم بالاستغفار؟ فتلا الآيات)، وقال الألوسي: (قال قتادة: كانوا أهل حب للدنيا فاستدعاهم إلى الآخرة من الطريق التي يحبونها) أقول: وفي ذلك درس من دروس الدعوة. ٣ - بمناسبة قوله تعالى: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً* وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً قال الألوسي: (أي: خلقكم مدرجا لكم في حالات: عناصر، ثم أغذية، ثم أخلاطا، ثم نطفا، ثم علقا، ثم مضغا، ثم عظاما ولحوما، ثم خلقا آخر، فإن التقصير في توقير من هذا شأنه في القدرة القاهرة والإحسان التام مع العلم

стр. 5850

بذلك مما لا يكاد يصدر عن العاقل، وقيل: المراد بها الأحوال المختلفة بعد الولادة إلى الموت، من الصبا، والشباب، والكهولة، والشيخوخة، والقوة، والضعف. وقيل: من الألوان، والهيئات، والأخلاق، والملل المختلفة، وقيل: من الصحة والسقم، وكمال الأعضاء ونقصانها، والغنى والفقر ونحوها). أقول: ذهبت بعض فرق الباطنية في فهم هذه الآية مذاهب لا يشهد لها عقل ولا نقل، فاعتبرتها دليلا على التناسخ الذي تقول به بعض ديانات الهند، وذلك من عمى القلب، وانطماس البصيرة، فالتناسخ تنقضه بديهيات العقول والعلوم، كما سنرى ذلك، وهذا الفهم الممسوخ نموذج لا على ترك المحكم إلى المتشابه، بل على ترك المحكم إلى الكفر الذي لا يستند إلى دليل. ٤ - بمناسبة قوله تعالى: وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً نحب أن ننقل كلام النسفي وابن كثير والألوسي في هذا النص ثم نعلق على ذلك. قال النسفي: (وعن ابن عباس وابن عمر ﵃ أن الشمس والقمر وجوههما مما يلي السموات، وظهورهما مما يلي الأرض، فيكون نور القمر محيطا بجميع السموات لأنها لطيفة لا تحجب نوره). وقال ابن كثير: (وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً؟ أي: واحدة فوق واحدة، وهل هذا يتلقى من جهة السمع فقط؟ أو هو من الأمور المدركة بالحس مما علم من التسيير والكسوفات، فإن الكواكب السبعة السيارة يكشف بعضها بعضا، فأدناها القمر في السماء الدنيا، وهو يكشف ما فوقه، وعطارد في الثانية، والزهرة في الثالثة، والشمس في الرابعة، والمريخ في الخامسة، والمشترى في السادسة، وزحل في السابعة، وأما بقية الكواكب وهي الثوابت ففي فلك ثامن يسمونه فلك الثوابت، والمتشرعون منهم يقولون: هو الكرسي، والفلك التاسع وهو الأطلس، والأثير عندهم الذي حركته على خلاف حركة سائر الأفلاك، وذلك أن حركته مبدأ الحركات وهي من المغرب إلى المشرق، وسائر الأفلاك عكسه من المشرق إلى المغرب، ومعها يدور سائر الكواكب تبعا، ولكن للسيارة حركة معاكسة لحركة أفلاكها؛ فإنها تسير من المغرب إلى المشرق، وكل يقطع فلكه بحسبه، فالقمر يقطع فلكه في كل شهر مرة، والشمس في كل سنة مرة، وزحل في كل ثلاثين سنة مرة، ذلك بحسب اتساع أفلاكها، وإن كانت حركة الجميع في السرعة متناسبة. هذا ملخص ما يقولونه في هذا المقام، على اختلاف بينهم في مواضع كثيرة لسنا بصدد بيانها، وإنما المقصود أن الله خَلَقَ سَبْعَ

стр. 5851

سَماواتٍ طِباقاً وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً أي: فاوت بينهما في الاستنارة، فجعل كلا منهما أنموذجا على حدة؛ ليعرف الليل والنهار بمطلع الشمس ومغيبها، وقدر القمر منازل وبروجا، وفاوت نوره فتارة يزداد حتى يتناهى، ثم يشرع في النقص حتى يستسر ليدل على مضي الشهور والأعوام كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. وقال الألوسي: (ولعل في تشبيهها (أي: الشمس) بالسراج القائم لا بطريق الانعكاس رمزا إلى أن ضياءها ليس منعكسا إليها من كوكب آخر، كما أن نور القمر منعكس عليه من الشمس). أقول: هذه نماذج في التفسير تبين تأثر المفسرين بثقافات عصرهم، التي قد تقرب أو تبعد من الصواب، والذي أراه في فهم الآية: أن الشمس والقمر والكواكب السيارة كلها في جوف السماء الدنيا، وأن السماء الدنيا واحدة من سبع سماوات، وأن هذه السموات السبع مغيبة عنا، فهي من عالم الغيب الذي أمرنا أن نؤمن به دون أن نراه، وهذا موضوع يحتاج إلى تحقيق واسع، وهذا ما عندي فيه، والملاحظ أن نوحا ﵇ خاطب قومه بقوله: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً مما يشير إلى أنه كان في حكم البديهة عندهم وجود سماوات سبع، والدارس لحضارات وادي الرافدين يعلم أن لأهل الوادي في حضاراتهم المتعاقبة ولعا في الفلك والسماء والنجوم، وأن للرقم (سبعة) محلا خاصا في فلسفتهم ولا زال صابئة العراق الآن وهم من بقايا دين قديم هناك يربطون بين كثير من عقائدهم وبين النجوم. ٥ - بمناسبة قوله تعالى: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً قال صاحب الظلال: (والتعبير عن نشأة الإنسان من الأرض بالإنبات تعبير عجيب موح. وهو يكرر في القرآن في صور شتى. كقوله تعالى: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً. وهو يشير في هذا إلى نشأة الناس كنشأة النبات. كما يقرن نشأة الإنسان بنشأة النبات في مواضع متفرقة: ففي سورة الحج يجمع بينهما في آية واحدة في صدد البرهنة على حقيقة البعث فيقول: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ، لِنُبَيِّنَ لَكُمْ، وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا، ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ، وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ

стр. 5852

عِلْمٍ شَيْئاً* وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً، فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ... وفي سورة (المؤمنون) يذكر أطوار النشأة الجنينية قريبا مما ذكرت في سورة الحج ويجئ بعدها: فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ ... وهكذا. وهي ظاهرة تستدعي النظر ولا ريب. فهي توحي بالوحدة بين أصول الحياة على وجه الأرض، وأن نشأة الإنسان من الأرض كنشأة النبات. من عناصرها الأولية يتكون. ومن عناصرها الأولية يتغذى وينمو، فهو نبات من نباتها. وهبه الله هذا اللون من الحياة كما وهب النبات ذلك اللون من الحياة. وكلاهما من نتاج الأرض، وكلاهما يرضع من هذه الأم!). ٦ - بمناسبة قوله تعالى: وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً قال ابن كثير: (قال مجاهد: كبارا أي: عظيما، وقال ابن زيد: كبارا أي: كبيرا، والعرب تقول: أمر عجيب وعجاب وعجاب، ورجل حسان وحسان، وجمال وجمال بالتخفيف والتشديد بمعنى واحد، والمعنى في قوله تعالى: وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً أي: بأتباعهم في تسويلهم لهم أنهم على الحق والهدى، كما يقولون لهم يوم القيامة: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً). ٧ - بمناسبة قوله تعالى على لسان قوم نوح: وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً قال ابن كثير: (روى البخاري ... عن ابن عباس: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد: أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي كلاع، وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح ﵇، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونسخ العلم عبدت. وكذا روي عن عكرمة والضحاك وقتادة وابن إسحاق نحو هذا، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذه أصنام كانت تعبد في زمن نوح، وروى ابن جرير ... عن محمد بن قيس يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً قال: كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى

стр. 5853

العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم). أقول: هذا المقام من المقامات التي تقتضي تحقيقا واسعا، فحفريات ما بين الرافدين قدمت لنا الكثير عن التاريخ القديم، وقدمت لنا فيما قدمت كلاما عن نوح، وتصورا عن الأصنام التي عبدتها أقوام بلاد الرافدين جيلا بعد جيل، ومن الملاحظ أن الصنم الذي على هيئة النسر كان يظهر مرة بعد مرة في عبادة الأجيال، ولا أستبعد أن يكون ابن عباس فهم من الآية أن لكل صنم شكلا، وهذه الأشكال وجدت في بلاد العرب وعبدت، لا أن عين الصنم الذي عبده قوم نوح عبدته العرب ويشهد لذلك بعض ما ذكره الألوسي. قال الألوسي: (وأخرج ابن المنذر وغيره عن أبي عثمان النهدي أنه قال: رأيت يغوث وكان من رصاص يحمل على جمل أجرد، ويسيرون معه لا يهيجونه حتى يكون هو الذي يبرك، فإذا برك نزلوا وقالوا: قد رضي لكم المنزل فينزلون حوله، ويضربون عليه بناء، وقيل: يبعد بقاء أعيان تلك الأصنام وانتقالها إلى العرب، فالظاهر أنه لم يبق إلا الأسماء، فاتخذت العرب أصناما، وسموها بها، وقالوا أيضا: عبد ود وعبد يغوث يعنون أصنامهم، وما رآه أبو عثمان منها مسمى باسم ما سلف، ويحكى أن ودا كان على صورة رجل، وسواعا كان على صورة امرأة، ويغوث كان على صورة أسد، ويعوق كان على صورة فرس، ونسرا كان على صورة نسر). أقول: قد يوصل التحقيق في هذا الموضوع إلى أشياء كثيرة تكون بمثابة المعجزات فحبذا لو انتدب إنسان نفسه لهذا الموضوع، فبحث عن أصول هذه الكلمات الخمس في لغات بلاد الرافدين، وبحث عن أصولها في لغة العرب، ومن المعروف أن كثيرا من الأقوام التي استوطنت بلاد الرافدين جاءت من جزيرة العرب، ثم بحث في كل ما قدمته الحفريات القديمة والروايات عن الأصنام، فلربما قدم جديدا مفيدا. ٨ - بمناسبة قوله تعالى: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً قال ابن كثير: (وروى ابن أبي حاتم ... عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «لو رحم الله من قوم نوح أحدا لرحم امرأة لما رأت الماء حملت ولدها ثم صعدت الجبل، فلما بلغها الماء صعدت به منكبها، فلما بلغ الماء منكبها وضعت ولدها على رأسها، فلما بلغ الماء رأسها رفعت ولدها بيدها، فلو رحم الله منهم أحدا لرحم هذه المرأة» هذا حديث غريب ورجاله ثقات).

стр. 5854

٩ - بمناسبة دعاء نوح ﵇ لمن دخل بيته مؤمنا قال ابن كثير: (وقد روى الإمام أحمد ... عن أبي سعيد أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا تصحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي» ورواه أبو داود والترمذي). كلمة أخيرة في سورة نوح: رأينا السياق الخاص لسورة نوح وصلتها بمحورها، وتحدثنا من قبل عن محلها في مجموعتها وكل ذلك بيناه وفصلناه، ثم تأتي معنا سورة الجن، وهي تكمل سورة نوح. فسورة نوح كانت نموذجا لأمة لم ينفع بها الإنذار، وسورة الجن تعرض علينا نموذجا لخلق من خلق الله قبلوا الإنذار بمجرد سماعهم له، وفي ذلك تهييج للمكلفين أن يقبلوا دعوة الله وهكذا نرى أن السور الأربع التي تفصل في مقدمة سورة البقرة من المجموعة السادسة تكمل إحداهما الأخرى، فلننتقل إلى سورة الجن.

стр. 5855

سورة الجن وهي السورة الثانية والسبعون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الرابعة من المجموعة السادسة من قسم المفصل، وهي ثمان وعشرون آية وهي مكية

стр. 5856

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 5857

بين يدي سورة الجن: قدم الألوسي لسورة الجن بقوله: (وتسمى قل أوحي إلي. وهي مكية بالاتفاق. وآيها بلا خلاف ثمان وعشرون آية. ووجه اتصالها، قال الجلال السيوطي: فكرت فيه مدة فلم يظهر لي سوى أنه سبحانه قال في سورة نوح: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً* يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وقال في هذه السورة لكفار مكة: وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً وهذا وجه بين في الارتباط انتهى. وفي قوله لكفار مكة شئ ستعلمه إن شاء الله تعالى، ويجوز أن يضم إلى ذلك اشتمال هذه السورة على شئ مما يتعلق بالسماء كالسورة السابقة، وذكر العذاب لمن يعصي الله في قوله سبحانه: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً فإنه يناسب قوله تعالى: أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً على وجه، وقال أبو حيان في ذلك: إنه تعالى لما حكى تمادي قوم نوح في الكفر والعكوف على عبادة الأصنام وكان أول رسول إلى أهل الأرض، كما أن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم آخر رسول إلى أهل الأرض، والعرب الذين هو منهم صلى الله تعالى عليه وسلم كانوا عباد أصنام كقوم نوح، حتى إنهم عبدوا أصناما مثل أصنام أولئك في الأسماء، أي: أو عينها، وكان ما جاء به ﵊ هاديا إلى الرشد، وقد سمعته العرب، وتوقف عن الإيمان به أكثرهم، أنزل الله تعالى سورة الجن وجعلها أثر سورة نوح تبكيتا لقريش والعرب في كونهم تباطئوا عن الإيمان، وكانت الجن خيرا منهم إذ أقبل للإيمان من أقبل منهم، وهم من غير جنس الرسول ﵊، حتى كادوا يكونون عليه لبدا، ومع ذلك التباطي فهم مكذبون له، ولما جاء به حسدا وبغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده). وقال صاحب الظلال: (هذه السورة تبده الحس- قبل أن ينظر إلى المعاني والحقائق الواردة فيها- بشيء آخر واضح كل الوضوح فيها ... إنها قطعة موسيقية مطردة الإيقاع، قوية التنغيم، ظاهرة الرنين. يساند هذه الظاهرة ويتناسق معها صور السورة وظلالها ومشاهدها، ثم روح الإيحاء فيها. وبخاصة في الشطر الأخير منها بعد انتهاء حكاية قول الجن، والاتجاه بالخطاب إلى رسول الله ﷺ هذا الخطاب الذي يثير العطف على شخص الرسول في قلب المستمع لهذه السورة، عطفا مصحوبا بالحب وهو يؤمر أن يعلن تجرده من كل شئ في أمر هذه الدعوة إلا البلاغ، والرقابة الإلهية

стр. 5858

المضروبة حوله وهو يقوم بهذا البلاغ). (فإذا تجاوزنا هذه الظاهرة التي تبده الحس؛ إلى موضوع السورة ومعانيها واتجاهها فإننا نجدها حافلة بشتى الدلالات والإيحاءات. إنها ابتداء شهادة من عالم آخر بكثير من قضايا العقيدة التي كان المشركون يجحدونها ويجادلون فيها أشد الجدل، ويرجمون في أمرها رجما لا يستندون فيه إلى حجة، ويزعمون أحيانا أن محمدا ﷺ يتلقى من الجن ما يقوله لهم عنها! فتجئ الشهادة من الجن أنفسهم بهذه القضايا التي يجحدونها ويجادلون فيها؛ وبتكذيب دعواهم في استمداد محمد من الجن شيئا. والجن لم يعلموا بهذا القرآن إلا حين سمعوه من محمد ﷺ فهالهم وراعهم ومسهم منه ما يدهش ويذهل، وملأ نفوسهم وفاض حتى ما يملكون السكوت على ما سمعوا، ولا الإجمال فيما عرفوا، ولا الاختصار فيما شعروا. فانطلقوا يحدثون في روعة المأخوذ، ووهلة المشدوه، عن هذا الحدث العظيم، الذي شغل السماء والأرض والإنس والجن والملائكة والكواكب. وترك آثاره ونتائجه في الكون كله! ... وهي شهادة لها قيمتها في النفس البشرية حتما. ثم إنها تصحيح لأوهام كثيرة عن عالم الجن في نفوس المخاطبين ابتداء بهذه السورة، وفي نفوس الناس جميعا من قبل ومن بعد؛ ووضع حقيقة هذا الخلق المغيب في موضعها بلا غلو ولا اعتساف. فقد كان العرب المخاطبون بهذا القرآن أول مرة يعتقدون أن للجن سلطانا في الأرض، فكان الواحد منهم إذا أمسى بواد أو قفر، لجأ إلى الاستعاذة بعظيم الجن الحاكم لما نزل فيه من الأرض، فقال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه ... ثم بات آمنا! كذلك كانوا يعتقدون أن الجن تعلم الغيب وتخبر به الكهان فيتنبئون بما يتنبئون. وفيهم من عبد الجن وجعل بينهم وبين الله نسبا، وزعم له زوجة منهم تلد له الملائكة! والاعتقاد في الجن على هذا النحو أو شبهه كان فاشيا في كل جاهلية، ولا تزال الأوهام والأساطير من هذا النوع تسود بيئات كثيرة إلى يومنا هذا!!!). (وقد تكفلت هذه السورة بتصحيح ما كان مشركو العرب وغيرهم يظنونه عن قدرة الجن ودورهم في هذا الكون. أما الذين ينكرون وجود هذا الخلق إطلاقا،

стр. 5859

فلا أدري علام يبنون هذا الإنكار، بصيغة الجزم والقطع، والسخرية من الاعتقاد بوجوده، وتسميته خرافة! ألأنهم عرفوا كل ما في هذا الكون من خلائق فلم يجدوا الجن من بينها؟! إن أحدا من العلماء لا يزعم هذا حتى اليوم. وإن في هذه الأرض وحدها من الخلائق الحية لكثيرا مما يكشف وجوده يوما بعد يوم، ولم يقل أحد إن سلسلة الكشوف للأحياء في الأرض وقفت أو ستقف في يوم من الأيام! ألأنهم عرفوا كل القوى المكنونة في هذا الكون فلم يجدوا الجن من بينها؟! إن أحدا لا يدعي هذه الدعوى. فهناك قوى مكنونة تكشف كل يوم؛ وهي كانت مجهولة بالأمس. والعلماء جادون في التعرف إلى القوى الكونية، وهم يعلنون في تواضع- قادتهم إليه كشوفهم العلمية ذاتها- أنهم يقفون على حافة المجهول في هذا الكون، وأنهم لم يكادوا يبدءون بعد! ألأنهم رأوا كل القوى التي استخدموها. فلم يروا الجن من بينها؟! ولا هذه. فإنهم يتحدثون عن الكهرب بوصفه حقيقة علمية منذ توصلوا إلى تحطيم الذرة. ولكن أحدا منهم لم ير الكهرب قط. وليس في معاملهم من الأجهزة ما يفرزون به كهربا من هذه الكهارب التي يتحدثون عنها! ففيم إذن هذا الجزم بنفي وجود الجن؟ ومعلومات البشر عن هذا الكون وقواه وسكانه من الضآلة بحيث لا تسمح لإنسان يحترم عقله أن يجزم بشيء؟ ألأن هذا الخلق المسمى الجن تعلقت به خرافات شتى وأساطير كثيرة؟ إن طريقنا في هذه الحالة هو إبطال هذه الخرافات والأساطير كما صنع القرآن الكريم، لا التبجح بنفي وجود هذا الخلق من الأساس، بلا حجة ولا دليل! ومثل هذا الغيب ينبغي تلقي نبئه من المصدر الوحيد الموثوق بصحته، وعدم معارضة هذا المصدر بتصورات سابقة لم تستمد منه. فما يقوله هو كلمة الفصل). كلمة في سورة الجن ومحورها: ١ - سورة الجن تعرض نموذجا للموقف الصحيح من إنذار النذير، وتعلم النذير كيف ينذر، ومن ثم تبدأ بكلمة (قل) وتتكرر فيها، ولذلك صلته بقوله تعالى:

стр. 5860

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ فالسورة تأمر النذير أن يذكر قصة الجن الذين استمعوا فآمنوا، ثم تأمره أن يعلن مجموعة إعلانات تجدد مهمته وتؤكد عبوديته وبشريته ورسالته، وفي ذلك إقامة حجة على الكافرين. ٢ - قلنا إن محور سورة الجن هو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ومما يرجح أن هذا هو محورها شئ من التشابه بينها وبين سورة الأنبياء التي هذا محورها، ففي أواخر سورة الأنبياء يرد قوله تعالى: قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وتبدأ سورة الجن بقوله تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ ... ويرد فيها قوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً، وفي أواخر سورة الأنبياء يرد قوله تعالى: وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ وفي أواخر سورة الجن يرد قوله تعالى: قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً إن مثل هذا التشابه يجعلنا نستأنس في أن ما ذهبنا إليه من كون محور سورة الجن هو محور سورة الأنبياء صحيح. وكما أنه بعد سورة الأنبياء تأتي سورة الحج، وهي مبدوءة ب (يا أيها) فإنه بعد سورة الجن تأتي سورة المزمل وهي مبدوءة ب (يا أيها) وهذا كذلك يرجح أن سورة الجن تفصل في مقدمة سورة البقرة، وأن السورة بعدها تفصل فيما بعد المقدمة. وصلة سورة الجن بما قبلها من مجموعتها واضحة، فسورة الجن تقدم نموذجا على القبول الراقي للإنذار، بعد أن أرتنا سورة نوح النموذج السيئ للأمة الكافرة الرافضة للإنذار، وهي وما قبلها من مجموعتها مقدمة لسورتي المزمل والمدثر اللتين تحددان الطريق في السلوك والعمل. وواضح أن السورة تتألف من فقرتين: الفقرة الأولى تنتهي بنهاية الآية (١٩) والفقرة الثانية تنتهي بنهاية الآية (٢٨) وأن بين الفقرتين كمال اتصال كما سنرى.

стр. 5861

والجن الذين تحدثت عنهم سورة الجن هم المذكورون في سورة الأحقاف، وقد ذكرنا هناك خبرهم كما ذكره ونقله ابن كثير هناك، وخلاصة ذلك: أنهم سبعة نفر من جن نصيبين، قدموا مكة في عملية بحث عن أسباب كثرة الشهب التي حالت بين الجن وبين خبر السماء، فوجدوا نبي الله ﷺ قائما يصلي في المسجد الحرام، يقرأ القرآن، فدنوا منه حرصا على القرآن حتى كادت كلاكلهم تصيبه ثم أسلموا، فأنزل الله تعالى على رسوله ﷺ ما أنزل من خبرهم في سورة الأحقاف، وفي سورة الجن. ولنبدأ عرض السورة.

стр. 5862

الفقرة الأولى وتمتد من الآية (١) حتى نهاية الآية (١٩) وهذه هي: المجموعة الأولى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الجن (٧٢): الآيات ١ الى ١٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (٢) وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً (٣) وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (٥) وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (٩) وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (١٠) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (١٤) وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (١٥)

стр. 5863

المجموعة الثانية [سورة الجن (٧٢): الآيات ١٦ الى ١٩] وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً (١٧) وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (١٩) ملاحظة في السياق: تجد في هذه الفقرة مضمون كلام الجن، وتجد فيها معاني أوحاها الله إلى رسوله ﷺ بهذه المناسبة، وقد جاء هذا كله في سياق قوله تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ ونحن سنعرض الوحي الذي قص الله فيه كلام الجن كمجموعة واحدة، والمعاني الأخرى التي ذكرها الله وأوحاها إلى رسوله ﷺ بهذه المناسبة كمجموعة ثانية وسنعرض المجموعة الأولى من الفقرة الأولى على أجزاء. تفسير المجموعة الأولى: قُلْ يا محمد لأمتك أُوحِيَ إِلَيَّ من الله أَنَّهُ أي: أن الأمر والشأن اسْتَمَعَ نَفَرٌ النفر: الجماعة من الثلاثة إلى العشرة، والمراد بهم جن نصيبين، وذكر ابن كثير أنهم سبعة مِنَ الْجِنِّ أي: من عالم الجن، وهو العالم الغيبي الوحيد المكلف، فقد كلف الله من العالم المشاهد الإنسان، ومن العالم الغيبي الجن فَقالُوا أي: لقومهم حين رجعوا إليهم من استماع قراءة النبي ﷺ : ١ - إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً أي: عجيبا بديعا مباينا لسائر الكتب في حسن نظمه وصحة معانيه، قال النسفي: والعجب ما يكون خارجا عن العادة، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ أي: يدعو إلى الصواب والسداد والنجاح. أقول: لقد فطن الجن أن الخلق لا يرشدون إلا بهذا القرآن، وأن دعوة القرآن رشد خالص فَآمَنَّا بِهِ أي: بالقرآن، ولما كان الإيمان به إيمانا بوحدانية الله وبراءة من الشرك، قالوا وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً أي: من خلقه كائنا من كان، أقول: إن هذا الربط المطلق بين القرآن والتوحيد والذي عرفه الجن ببداهتهم فات بعض ذراري المسلمين فأشركوا حتى

стр. 5864

أصبحت طوائف منهم تؤله الإنسان. ٢ - وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا أي: عظمته، قال النسفي: ومنه قول عمر أو أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا: أي عظم في عيوننا، وفسر ابن كثير الجد بالفعل والأمر والقدرة، وقال الضحاك عن ابن عباس: جد الله آلاؤه وقدرته ونعمته على خلقه مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً أي: زوجة وَلا وَلَداً أي: تعالى عن اتخاذ الصاحبة والأولاد، أقول: هذا الكلام من الجن يدل على أنهم كانوا من بيئة نصرانية، وهذا واضح، ففي قصة سلمان الفارسي ما يشير إلى أن نصيبين بلد عريق في النصرانية، وقد عرف الجن بالبداهة تنزيه الله عن الصاحبة والولد بمجرد سماعهم هذا القرآن. ٣ - وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا أي: جاهلنا أو إبليس، إذ ليس فوقه سفيه عَلَى اللَّهِ شَطَطاً أي: كفرا، لبعده عن الصواب، أو قولا جائرا باطلا وزورا يجوز فيه عن الحق، قال النسفي: (والشطط: مجاوزة الحد في الظلم وغيره)، أقول: ربط الجن بين السفه والشطط في القول على الله وذلك فهم دقيق منهم، فما أحد يتجاوز الحق في شأن الله إلا وهو سفيه، ومنه نفهم أن السفه ينبثق عن القول الشطط في حق الله . ٤ - وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً أي: قولا كذبا أو قولا مكذوبا فيه، أي: كان في ظننا أن أحدا لن يكذب على الله بنسبة الصاحبة والولد إليه، فكنا نصدقهم فيما أضافوا إليه حتى تبين لنا بالقرآن كذبهم، أقول: ما ذكره الجن في هذه المقولة يعتبر من أشد أسباب الضلال في تاريخ البشرية: أن يعطي الإنسان العصمة لغير أهلها، وأن يتجاوز بالثقة حدودها، وقد عرفوا بهذا القرآن أنه لا ثقة إلا بما وافق القرآن، إن هذه البديهية من أهم بديهيات الإسلام، وكثير من الطوائف التي آباؤها مسلمون فاتتهم هذه البديهيات فأعطوا الثقة لأنواع من البشر حتى غمسوهم في الكذب على الله إلى آذانهم، سواء في تصوراتهم الخبيثة عن الذات الإلهية، أو عن اليوم الآخر، أو عن الرسول، أو عن الصحابة، أو عن القرآن، في زعمهم أن له ظاهرا وباطنا، وأن الظاهر ليس مرادا، وأمثال هذه القضايا الغريبة العجيبة. ٥ - وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ أي: فزاد الإنس الجن باستعاذتهم بهم رَهَقاً أي: طغيانا وسفها وكبرا، أو فزاد الجن

стр. 5865

الإنس رهقا أي: إثما لاستعاذتهم بهم، وأصل الرهق غشيان المحظور وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا أي: وأن الإنس ظنوا كَما ظَنَنْتُمْ أيها الجن أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً أي: بعد الموت فالإنس كانوا ينكرون البعث كإنكار الجن، دلت الآيتان على أن من أخلاق الكفر والجاهلية الاستعاذة بغير الله وإنكار اليوم الآخر. ٦ - وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ قال النسفي: (أي: طلبنا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها واللمس: المس، فاستعير للطلب لأن الماس طالب متعرف)، أقول: تفسير اللمس بالطلب في هذا المقام هو تفسير عامة المفسرين، مما يشير إلى أن الوصول إلى السماء نفسها ومسها ليس مرادا بالآية، كل ما في الأمر أن الجن قبل الإسلام كانوا يصعدون إلى طبقات من الجو يتاح لهم فيها سماع الملائكة، وهم نازلون إلى الأرض يتحدثون مع بعضهم، فمنعوا حتى من مثل هذا، ومن قبل لم يكونوا ممنوعين منه، ومن ثم قالوا: فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً أي: أقوياء، والمراد بذلك الملائكة، وَشُهُباً جمع شهاب، وهي النيازك وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها أي: من السماء قبل هذا مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ أي: لاستماع أخبار السماء، قال النسفي: (يعني: كنا نجد بعض السماء خالية من الحرس والشهب قبل البعث) فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ أي: فمن يرد الاستماع بعد البعث يَجِدْ لَهُ أي: لنفسه شِهاباً رَصَداً أي: شهابا راصدا له ولأجله، قال ابن كثير: أي: من يروم أن يسترق السمع اليوم يجد له شهابا مرصدا له لا يتخطاه ولا يتعداه، بل يمحقه ويهلكه، وقال ابن كثير: (يخبر تعالى عن الجن حين بعث الله رسوله محمدا ﷺ وأنزل عليه القرآن، وكان من حفظه له أن السماء ملئت حرسا شديدا، وحفظت من سائر أرجائها، وطردت الشياطين عن مقاعدها التي كانت تقعد فيها قبل ذلك لئلا يسترقوا شيئا من القرآن فيلقوه على ألسنة الكهنة، فيلتبس الأمر ويختلط ولا يدرى من الصادق، وهذا من لطف الله تعالى بخلقه، ورحمته بعباده، وحفظه لكتابه العزيز)، وهكذا عرف الجن أنهم قد انقطعوا عن أي خبر من أخبار السماء حتى لا يختلط على أحد أمر النبوة والرسالة بغيرها، وكل ذلك حفظ لجناب النبوة والرسالة. ٧ - وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أي: عذاب أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ يلاحظ أنهم أسندوا الشر إلى غير فاعل أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً أي: خيرا ورحمة، والملاحظ أنهم نسبوا الخير إلى الله ، قال ابن كثير: (وهذا من أدبهم في العبارة

стр. 5866

حيث أسندوا الشر إلى غير فاعل، والخير أضافوه إلى الله ، وقد ورد في الصحيح: «والشر ليس إليك»)، أقول: عرفوا ما يترتب على إرسال الرسول من سعادة لمن اتبعه، وعذاب لمن خالفه، ولم يعرفوا كيف يكون موقف البشرية من الرسالة الجديدة فقالوا ما قالوه، مراعين كمال الأدب، والعجيب أنهم أدركوا ببداهة الفطرة ما لا يدركه الآن كثيرون ممن يعيشون في أرض الإسلام. ٨ - وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ أي: الأبرار المتقون وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ أي: وهم المقتصدون في الصلاح غير الكاملين فيه، أو أرادوا غير الصالحين كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً أي: كنا ذوي مذاهب متفرقة، أو أديان مختلفة، أقول: هذا يشير إلى أن من الجن من أدركهم عصر النبوة وهم على الدين الصحيح دين عيسى ﵇، وأن منهم منحرفين مرتدين، وقد أدركوا هذه الحقيقة من سماعهم للقرآن فعرفوا بميزان القرآن من هم الصالحون ومن ليسوا كذلك، والعجيب أنهم عرفوا خلال فترة وجيزة ميزان الصلاح وغيره، وكثير من المسلمين الآن يلتبس عليهم الأمر فيعطون لقب الصلاح لمن ليس صالحا أو العكس. ٩ - وَأَنَّا ظَنَنَّا أي: أيقنا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ أي: لن نفوته كائنين في الأرض، أينما كنا فيها وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً قال النسفي: أي: ولن نعجزه هاربين منها إلى السماء، قال ابن كثير: أي: نعلم أن قدرة الله حاكمة علينا، وأنا لا نعجزه في الأرض، ولو أمعنا في الهرب، فإنه علينا قادر لا يعجزه أحد منا. أقول: لقد عرفوا الله حق المعرفة، وعرفوا أنه لا ملجأ من الله إلا إليه. ١٠ - وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى أي: القرآن آمَنَّا بِهِ أي: بالقرآن، قال ابن كثير: يفتخرون بذلك وهو مفخر لهم وشرف رفيع وصفة حسنة، أقول: في قولهم هذا إعلام لقومهم بوصفهم الجديد، وتشجيع لقومهم في الدخول فيما دخلوا به، بدليل ما بعده فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً أي: نقصا من ثوابه وَلا رَهَقاً أي: ولا ترهقه ذلة فهو لا يخاف أن ينقص من حسناته، أو يحمل عليه غير سيئاته، فالرهق هنا الحمل. ١١ - وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ أي: المؤمنون المستسلمون لله ورسوله، الداخلون في دين الإسلام، وَمِنَّا الْقاسِطُونَ وهم الجائرون عن الحق الناكبون عنه بخلاف المقسطين، فإنهم العادلون، قال النسفي: (قسط: جار، وأقسط:

стр. 5867

عدل)، أقول: لعلهم يتحدثون عما سيئول إليه أمر الجن بعد البلاغ والدعوة المحمدية، ومن ثم قالوا: فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً أي: طلبوا هدى، قال النسفي: والتحري: طلب الأحرى أي: الأولى، قال ابن كثير: أي: طلبوا لأنفسهم النجاة وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً أي: وقودا تسعر بهم، قال النسفي: وفيه دليل على أن الجني الكافر يعذب في النار. كلمة في السياق: بهذه الآية تنتهي المجموعة الأولى من الفقرة الأولى، وبها ينتهي كلام الجن في السورة، وهو تلخيص لما استوعبوه في جلستهم من رسول الله ﷺ وهم يسمعون القرآن دون أن يراهم، وتأتي المجموعة الثانية وهي امتداد للمجموعة الأولى، ولذلك تجد في بداية الآية اللاحقة حديثا عن القاسطين، وفي وسطها كلاما مباشرا من الله ، فالمجموعة الثانية تكمل كلام الجن ليتم استيفاء التلخيص لمقاصد القرآن، ومن ثم فإن المجموعة الثانية ينصب عليها قول الله قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ فيكون التقدير: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ، وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً ف (وأن) في بداية المجموعة الثانية معطوفة على قوله تعالى: أَنَّهُ في بداية السورة فالتقدير: قل أوحي إلي أنه ... وأن لو استقاموا على الطريقة. قال النسفي في قوله تعالى: وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا: أن مخففة من الثقيلة يعني: وأنه، وهي من جملة الوحي، أي: أوحي إلي أن الشأن. وقال في أول السورة: (أجمعوا على فتح أنه- أي: الواردة في أول السورة- لأنه فاعل أوحي و (أن لو استقاموا، وأن المساجد) للعطف على أنه استمع فإن مخففة من الثقيلة. تفسير المجموعة الثانية من الفقرة الأولى: ١ - وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا أي: القاسطون، أي: قل أوحي إلي: وأنه لو استقام القاسطون عَلَى الطَّرِيقَةِ أي: طريقة الإسلام لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً أي: كثيرا والمعنى: لوسعنا عليهم الرزق لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ أي: لنختبرهم فيه كيف يشكرون ما خولوا منه وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ أي: عن القرآن أو التوحيد أو العبادة يَسْلُكْهُ أي: يدخله عَذاباً صَعَداً أي: شاقا، ومنه قول عمر ﵁: ما تصعدني شئ ما تصعدتني خطبة النكاح، أي: ما شق

стр. 5868

علي. دل هذا الجزء من المجموعة على أن الاستقامة لا تعني الحرمان من الرزق، بل تعني التوسعة فيه، وفي ذلك درس للذين ينحرفون عن أمر الله ابتغاء الرزق في زعمهم، وهو معنى مكمل للمعاني التي ذكرها الجن، ولذلك جاء في صيغة تكاد تكون استمرار لكلام الجن، ومن ناحية أخرى جاءت بشكل خطاب مباشر من الله . ٢ - وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ أي: أوحي إلي: وأن المساجد لله والمساجد: البيوت المبنية للصلاة فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً أي: في المساجد؛ لأنها خالصة لله ولعبادته، قال ابن كثير: (يقول تعالى آمرا عباده أن يوحده في محال عبادته، ولا يدعى معه أحد ولا يشرك به، وقال سعيد بن جبير: نزلت في أعضاء السجود أي: هي لله فلا تسجدوا بها لغيره) أقول: والمعنى الأول أقوى، والأمر بالتوحيد في المساجد لا يعني أن توحيد الله في غيرها غير مطلوب، بل لتبيان أن مراعاة التوحيد فيها آكد، وفي ذلك درس كبير لكل من يدعو مع الله غيره في مسجد، وللأسف فإنه حتى حلقات الذكر لا تخلو من دعاء غير الله، وهو موضوع لا يصح أن يستمر أبدا مهما كانت تأويلات فاعليه. ٣ - وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ أي: محمد ﵊ يَدْعُوهُ أي: يعبده ويقرأ القرآن ويوحد الله كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً أي: جماعات جماعات، قال قتادة في الآية: تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه، فأبى الله إلا أن ينصره ويمضيه ويظهره على من ناوأه، قال ابن كثير: وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير، وقول ابن زيد، وهو اختيار ابن جرير، وهو الأظهر لقوله بعده قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً وبهذا انتهت المجموعة الثانية وانتهت بانتهائها الفقرة الأولى. كلمة في السياق: ١ - عرضت هذه الفقرة في المجموعة الأولى لنموذج من الخلق آمنوا بالله ورسوله ﷺ والقرآن، بمجرد السماع، جاء ذلك في السورة التي جاءت بعد سورة نوح ﵇، لترينا نموذجا مقابلا لنموذج أمة نوح ﵇، وصلة ذلك بمحور السورة من سورة البقرة واضحة، وليرينا الله أن هذا النموذج كان إيمانه أثرا عن فهم شامل، واقتناع عميق، قص لنا على لسانهم ما قالوه لقومهم، مما يدل على الفهم

стр. 5869

والاستيعاب والمعرفة، وفي ذلك إقامة حجة على الرافضين لدعوة الله. ٢ - بعد أن عرض الله علينا ما قال الجن لقومهم في شأن الدعوة الجديدة، أتم الله ما فاتهم من معان لها علاقة بهذه الدعوة والتي قدمت الفقرة بمجموعها تلخيصا لها بما به تقوم الحجة على الكافرين، وتتضح به خصائص هذه الدعوة. ٣ - رأينا أن محور السورة هو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وقد جاءت سورة الجن مبدوءة بقوله تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ ثم قصت علينا ماذا قال الجن عند ما سمعوا القرآن، وذكرت مضامين من الوحي الذي أوحي إلى رسول الله ﷺ ثم تأتي فقرة تتكرر فيها كلمة (قل) أربع مرات. ٤ - في الفقرة الأولى جاء تلخيص لأمهات المعاني المتعلقة بالدعوة الإسلامية والآن تأتي الفقرة الثانية لتأمر رسول الله ﷺ أن يعلن مجموعة إعلانات تكمل الإيضاح، وتعرف على شخصية الذي نزل عليه الوحي وخصائصها وواجباتها، وفي ذلك إقامة حجة من ناحية ودعوة للاستجابة من ناحية أخرى.

стр. 5870

الفقرة الثانية وتمتد من الآية (٢٠) إلى نهاية الآية (٢٨) وهذه هي: [سورة الجن (٧٢): الآيات ٢٠ الى ٢٨] قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (٢٠) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٢) إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً (٢٣) حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً (٢٤) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (٢٥) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً (٢٨) التفسير الأمر الأول: قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وحده وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً في العبادة وغيرها، قال ابن كثير: أي: قال لهم الرسول ﷺ لما آذوه وخالفوه وكذبوه وتظاهروا عليه ليبطلوا ما جاء به من الحق، واجتمعوا على عداوته إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي أي: إنما أعبد ربي وحده لا شريك له وأستجير به، وأتوكل عليه ولا أشرك به أحدا. كلمة في السياق: جاء هذا الأمر بهذا الإعلان بعد أن أوصلنا السياق في نهاية الفقرة السابقة أن كفار

стр. 5871

الإنس والجن تضافروا على إبطال هذه الدعوة، ومعاداة رسول الله ﷺ ، فجاء هذا الأمر بهذا الإعلان ليبين أن هذا التمالؤ والتواطؤ على العداء ليس له ما يبرره، إذ إن رسول الله ﷺ لم يفعل سوى عبادة الله وحده فكيف يستحق أن يوقف معه هذا الموقف؟. الأمر الثاني: قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا أي: مضرة وَلا رَشَداً أي: نفعا، قال النسفي: يعني لا أستطيع أن أضركم، ولا أنفعكم؛ لأن الضار والنافع هو الله، أقول: ويحتمل أن يكون المراد بالضر ما يقابل الرشد وهو الغي، فيكون المعنى: إني لا أملك لكم غواية أو هداية، وإنما علي البلاغ، ويؤيد هذا ذكر البلاغ في مضمون الأمر الثالث، قال ابن كثير في الآية: أي: إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي، وعبد من عباد الله، ليس إلي من الأمر شئ في هدايتكم ولا غوايتكم بل المرجع في ذلك كله إلى الله . كلمة في السياق: ١ - يأتي هذا الأمر بهذا الإعلان ليبين للكافرين أن رسول الله ﷺ لا يدعي فوق مقامه، ولا يدعي أنه يملك نفعا أو ضرا، أو هداية أو ضلالا، فإذا كان الأمر كذلك فكيف يحارب من هذا شأنه، ولا يفكر في مضمون دعوته، وفي ذلك درس بليغ لبعض الذين يتصدرون للدعوة إلى الله، فيشعرون مريديهم وتلاميذهم أن بيدهم الهداية والضلال، والنفع والضر، فكيف يفعلون ذلك وهذا رسول الله ﷺ يؤمر أن يعلن هذا الإعلان الذي ذكرناه. ٢ - بالتأمل في صلة السورة بمحورها ندرك أن مضمون الآية يخدم محور السورة، فالمحور يقص علينا قصة إصرار الكافرين على الكفر، وعدم قبولهم الإنذار سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ فأمام هذا الموقف يأمر الله رسوله ﷺ أن يقول لهؤلاء قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً فإذا اخترتم لأنفسكم الكفر فأنتم تتحملون مسئولية ذلك، والله الذي بيده الضر والرشد هو الذي سيتولى أمركم، والأمر إليه، فأنا لا أستطيع الانتقام منكم إلا بإذنه، ولا أستطيع نفعكم إلا بإذنه، فصححوا علاقتكم به.

стр. 5872

٣ - ولكي لا يربطوا بين كونه لا يملك ضرا ولا رشدا، وبين التبليغ فقد أمره الله أن يبين أنه مأمور بالتبليغ، أمرا جازما حاسما، ومن ثم فإنه يقوم بالتبليغ والأمر إلى الله، فهو يتولى شأنهم، وإنما عليه البلاغ. الأمر الثالث: قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ أي: لن يدفع عني عذابه أحد إن عصيته وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً أي: ملتجأ إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ قال ابن كثير: أي: لا يجيرني منه، ويخلصني إلا إبلاغي الرسالة التي أوجب أداءها علي، والبلاغ في الآية بمعنى التبليغ، والرسالات معطوفة على التبليغ، أي: إلا التبليغ والرسالات، قال النسفي: (أي: إلا أن أبلغ عن الله فأقول: قال الله كذا ناسبا لقوله إليه، وأن أبلغ رسالته التي أرسلني بها بلا زيادة ولا نقصان) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في ترك القبول لما أنزل على الرسول فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قال ابن كثير: أي: أنا أبلغكم رسالة الله فمن يعص بعد ذلك فله جزاء على ذلك نار جهنم خالدين فيها أبدا، أي: لا محيد لهم عنها ولا خروج لهم منها حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ من العذاب فَسَيَعْلَمُونَ عند حلول العذاب بهم مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً قال النسفي: أهم أم المؤمنون؟ أي: الكافر لا ناصر له يومئذ، والمؤمن ينصره الله وملائكته وأنبياؤه، قال ابن كثير: أي: بل المشركين لا ناصر لهم بالكلية، وهم أقل عددا من جنود الله . كلمة في السياق: ١ - بين هذا الأمر أن رسول الله ﷺ لا ينجيه عند الله إلا أن يبلغ، وإلا أن ينفذ رسالات الله، ومن ثم فإنه يبلغ نجاة لنفسه، وإقامة للحجة على الخلق، وأن الذين يخالفون رسالات الله لهم نار جهنم خالدين فيها أبدا، وعند ما سيرونها وقتئذ سيعلمون من الأضعف ناصرا والأقل عددا، وفي ذلك إشارة إلى أن الكافرين في الدنيا تغرهم قوتهم ونصراؤهم وأعدادهم، وفي مجئ هذه المعاني في هذا الجزء تبيان لحكمة التبليغ، ثم في ذلك رد على مواقفهم المتحدة ضده ﵇، فإذا كان ﵇ عبدا مكلفا من الله بالتبليغ، فكيف يتألب عليه المتألبون، وما هو إلا مأمور من الله ومكلف!.

стр. 5873

٢ - وأما صلة هذا الجزء بما قبله مباشرة فإنه زيادة على ما ذكرناه من قبل نذكر رابطتين جديدتين: الرابطة الأولى: هي أنه لما أمر الله رسوله ﷺ أن يقول لهم: قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً أمر كذلك أن يعلن أنه حتى لنفسه لا يملك شيئا فقال: قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً قال ابن كثير بعد أن فسر الآية السابقة على هذه الآية: أخبر عن نفسه أيضا أنه لا يجيره من الله أحدا. الرابطة الثانية: هناك اتجاه عند المفسرين يربط بين قوله تعالى: قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً وبين إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ أي: لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات وتكون في هذه الحالة آية قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً معترضة بين الآيتين. ٣ - فصل الأمر الثالث في محور السورة في أكثر من جانب، فقد فصل في نوع العذاب العظيم للكافرين، وذكر بعض أسباب الإصرار على الكفر، وهي كثرة الجند وقوة الناصر في الدنيا، كما فصل في أن الإنذار وإن كان لا يؤثر في الكافرين فإنه فريضة على رسول الله ﷺ لا ينجو من عذاب الله إلا إذا قام به، فمعرفة عدم استفادة الكافرين من الإنذار شئ والقيام بالتبليغ شئ آخر. ٤ - وبعد أن ذكر الله (ما يوعدون) في قوله: حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ يأتي الأمر الرابع . الأمر الرابع: قُلْ إِنْ أي: ما أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ من العذاب أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً أي: غاية بعيدة، قال النسفي: يعني إنكم تعذبون قطعا ولكن لا أدري أهو حال أم مؤجل، وقال ابن كثير: (يقول تعالى آمرا رسوله ﷺ أن يقول للناس إنه لا علم له بوقت الساعة، ولا يدري أقريب وقتها أم بعيد) عالِمُ الْغَيْبِ أي: الله وحده عالم الغيب، ومن ثم فهو وحده عالم متى تقوم الساعة، ومتى يعذب هؤلاء الكافرون فَلا يُظْهِرُ أي: فلا يطلع عَلى غَيْبِهِ أَحَداً من خلقه إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ أي: إلا رسولا ارتضاه، فيعلمه بعض الغيب؛ ليكون إخباره عن الغيب معجزة له، والرسول هنا يعم الرسول الملكي والبشري، كما قال ابن كثير:

стр. 5874

فإذا كان الأمر كذلك وكان محمد رسول الله ﷺ ، ومع ذلك فقد أمر أن يعلن أنه لا يعرف موعد قيام الساعة، فلم يبق أحد في الخلق يعرفها، ثم بين ما يحيط به الرسول من رعاية خاصة يعصمه بها من كل تلبيس أو تخليط في أمر الغيب وغيره، فقال: فَإِنَّهُ أي: فإن الله يَسْئَلُكَ* أي: يدخل أو يجعل مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ أي: من أمام الرسول وَمِنْ خَلْفِهِ أي: من خلف الرسول رَصَداً قال النسفي: أي: حفظة من الملائكة يحفظونه من الشياطين، ويعصمونه من وساوسهم وتخاليطهم حتى يبلغ الوحي، وقال ابن كثير: (أي: يخصه بمزيد معقبات من الملائكة يحفظونه من أمر الله). أقول: وفي هذا دليل على أن قلب الرسول وحده هو المعصوم، وقلب غيره ليس معصوما، والعجيب العجيب أن كثيرا من طبقات هذه الأمة تعامل كثيرا من أفرادها وكأنهم معصومو القلوب، حتى إنهم ليتركون حكم الشرع العظيم بسبب ذلك، ويؤولون الكتاب والسنة بسبب ذلك، بل يتركون الكتاب والسنة بسبب ذلك، ثم قال تعالى مبينا الحكمة في سلكه الرصد من بين يدي الرسول ومن خلفه فقال: لِيَعْلَمَ على ماذا يعود الضمير هنا؟ قال بعضهم: على الله، وقال بعضهم: على الرسول، وقال بعضهم: على المكلف، ويؤيد القول الأخير قراءة يعقوب بضم الياء في (ليعلم) فيكون المعنى: ليعلم الناس أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ أي: ليعلم المكلفون من خلال رؤيتهم عصمة الوحي عند ما يرون صدق إخبارات الرسل في أمر الغيب أن الرسل قد بلغوا رسالات الله ليس إلا وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ أي: وأحاط الله بما لدى الخلق، أي: وليعلم المكلفون من خلال مشاهدة عصمة الوحي إحاطة علم الله بما عندهم وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً أي: معدودا محصورا أو إحصاء، أي: وليعلم المكلفون من خلال صدق إخبارات الرسل أن الله أحصى كل شئ عددا، فينعكس هذا إيمانا في قلوبهم، أن الله محيط علمه بأفعالهم، ومحص كل شئ، فيؤمنون بالله وصفاته وأسمائه وكمالاته، ويؤمنون باليوم الآخر والحساب فهذه حكمة اطلاع الله رسله على بعض الغيب، وحكمة جعله الرصد بين أيديهم ومن خلفهم، فإذا كان هذا هو الشأن، ومع ذلك إنه لم يطلع رسوله محمدا ﷺ على أمر الساعة، فلا يطمعن أحد أن يعرفها، وبالتالي فالسؤال عنها ليس في محله، هذا ما أتجه إليه في فهم هذه الآيات، وهو اتجاه قريب لاتجاه مجاهد ﵀، وابن كثير يضعف هذا الاتجاه، وقد اتجه النسفي اتجاها آخر؛ فأعاد النسفي الضمير في قوله تعالى: لِيَعْلَمَ على الله قال (أي: ليعلم الله ذلك موجودا حال

стр. 5875

وجوده كما كان يعلم ذلك قبل وجوده أنه يوجد) وعلى هذا يكون المعنى أن الله حفظ رسله بواسطة الملائكة من التخليطات والتلبيسات؛ ليعلم الله الذي لا يغيب عنه شئ، وهو المحيط علما والمحصي عددا لكل شئ أن الرسل بلغوا رسالاته، وإذا علم الله ذلك منهم- وعلمه لا يخطئ- يكون الرسل قد أدوا رسالة الله على الكمال والتمام، ولنا عودة على هذا الموضوع في الفوائد. وقد ختم صاحب الظلال الكلام عن سورة الجن بقوله: (وتقرر السورة التي لا تتجاوز الثماني والعشرين آية، هذا الحشد من الحقائق الأساسية التي تدخل في تكوين عقيدة المسلم، وفي إنشاء تصوره الواضح المتزن المستقيم، الذي لا يغلو ولا يفرط، ولا يغلق على نفسه نوافذ المعرفة، ولا يجري- مع هذا- خلف الأساطير والأوهام. وصدق النفر الذي آمن حين سمع القرآن، وهو يقول: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ). كلمة في السياق: ١ - في محور السورة من سورة البقرة أوعد الله الكافرين أن يعذبهم، وفي الجزء الأخير من سورة الجن بيان بأن هذا الوعد لا يعلم توقيته إلا الله ، حتى ولا رسل الله، حتى ولا أكرمهم على الله محمد ﷺ ، إلا أن الله لفت النظر إلى صدق نبوءات الرسل عليهم الصلاة والسلام، ليعلم من خلالها أن وعد الله آت، وبذلك تقوم الحجة على الخلق. ٢ - انتهت الفقرة الأولى بذكر تألب الكافرين على رسول الله ﷺ ، وهددتهم الفقرة الثانية بجزئها الثالث أن من يعصي الله ورسوله فإنه سيعذب في نار جهنم أبدا، ثم جاء الجزء الرابع ليلفت النظر إلى صحة رسالة محمد ﷺ من خلال صدقه في نبوءاته، ومن خلال الأمر لرسول الله ﷺ أن يعلن عن عدم معرفته بموعد يوم القيامة ففي هذا الإعلان علامة على صدق رسول الله ﷺ إذ الكذاب ما أسهل أن يخترع من عنده جوابا عن قضية تأتي في المستقبل لا يستطيع معاصروه أن يعرفوا صدقها من كذبها. ٣ - يلاحظ أن سورة نوح ركزت على العذاب الدنيوي لمن لم يقبل إنذار الرسل، بينما ركزت سورة الجن على العذاب الأخروي، وتلك تحدثت عن رسول سابق، وهذه تحدثت عن رسول الله محمد ﷺ ، فالتكامل بين سورة نوح وسورة

стр. 5876

الجن ليس في جانب واحد بل في جوانب متعددة فكلاهما يخدم محورا واحدا، كما أنهما من مجموعة واحدة. الفوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ قال الألوسي: (والآية ظاهرة في أنه صلى الله تعالى عليه وسلم علم استماعهم له بالوحي لا بالمشاهدة، وقد وقع في الأحاديث أنه ﵊ رآهم، وجمع ذلك بتعدد القصة قال في (آكام المرجان) ما محصله: في الصحيحين في حديث ابن عباس ما قرأ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على الجن ولا رآهم وإنما انطلق بطائفة من الصحابة لسوق عكاظ، وقد حيل بين الجن والسماء بالشهب، فقالوا: ما ذاك إلا لشئ حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فمر من ذهب لتهامة منهم به ﵊ وهو يصلي الفجر بأصحابه بنخلة، فلما استمعوا له قالوا: هذا الذي حال بيننا وبين السماء، ورجعوا إلى قومهم وقالوا: يا قومنا الخ، فأنزل الله تعالى عليه قُلْ أُوحِيَ الخ، ثم قال: ونفي ابن عباس إنما هو في هذه القصة، واستماعهم تلاوته صلى الله تعالى عليه وسلم في الفجر في هذه القصة لا مطلقا، ويدل عليه قوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ الخ، فإنها تدل على أنه ﵊ كلمهم ودعاهم وجعلهم رسلا لمن عداهم كما قاله البيهقي، وروى أبو داود عن علقمة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «أتاني داعي الجن فذهبت معه وقرأت عليهم القرآن، قال: وانطلق بنا وأرانا آثارهم وآثار نيرانهم» الخ. وقد دلت الأحاديث على أن وفادة الجن كانت ست مرات، وقال ابن تيمية: إن ابن عباس علم ما دل عليه القرآن، ولم يعلم ما علمه ابن مسعود وأبو هريرة من إتيان الجن له صلى الله تعالى عليه وسلم ومكالمتهم إياه ﵊، وقصة الجن كانت قبل الهجرة بثلاث سنين، وقال الواقدي: كانت سنة إحدى عشرة من النبوة، وابن عباس ناهز الحلم في حجة الوداع، فقد علمت أن قصة الجن وقعت ست مرات، وفي شرح البيهقي من طرق شتى عن ابن مسعود أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم صلى العشاء ثم انصرف فأخذ بيدي حتى أتينا مكان كذا، فأجلسني وخط علي خطا ثم قال: لا تبرحن خطك، فبينما أنا جالس إذ أتاني رجال منهم كأنهم الزط، فذكر حديثا طويلا، وأنه صلى الله تعالى عليه وسلم ما جاءه إلى السحر، قال: وجعلت أسمع

стр. 5877

الأصوات، ثم جاء ﵊ فقلت: أين كنت يا رسول الله؟ فقال: «أرسلت إلى الجن» فقلت: ما هذه الأصوات التي سمعت؟ قال: «هي أصواتهم حين ودعوني وسلموا علي». وقد يجمع الاختلاف في القلة والكثرة بأن ذلك لتعدد القصة أيضا والله تعالى أعلم، واختلف فيما استمعوه فقال عكرمة: اقرأ باسم ربك، وقيل: سورة الرحمن). ٢ - بمناسبة قوله تعالى: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً قال ابن كثير: (أي: كنا نرى أن لنا فضلا على الإنس لأنهم كانوا يعوذون بنا إذا نزلوا واديا أو مكانا موحشا من البراري وغيرها، كما كانت عادة العرب في جاهليتها يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان أن يصيبهم بشيء يسوؤهم، كما كان أحدهم يدخل بلاد أعدائه في جوار رجل كبير، وذمامه وخفارته، فلما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم زادوهم رهقا، أي: خوفا وإرهابا وذعرا، حتى بقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذا بهم كما قال قتادة فَزادُوهُمْ رَهَقاً: أي: إثما وازدادت الجن عليهم بذلك جراءة، وقال الثوري عن منصور عن إبراهيم: فَزادُوهُمْ رَهَقاً: أي: ازدادت الجن عليهم جرأة. وقال السدي: كان الرجل يخرج بأهله فيأتي الأرض فينزلها فيقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من الجن أن أضر أنا فيه، أو مالي أو ولدي أو ماشيتي، قال قتادة: فإذا عاذ بهم من دون الله رهقتهم الجن الأذى عند ذلك، وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: كان الجن يفرقون من الإنس كما يفرق الإنس منهم أو أشد، فكان الإنس إذا نزلوا واديا هرب الجن فيقول سيد القوم: نعوذ بسيد أهل هذا الوادي، فقال الجن: نراهم يفرقون منا كما نفرق منهم، فدنوا من الإنس فأصابوهم بالخبل والجنون، فذلك قول الله : وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً أي: إثما. وقال أبو العالية والربيع وزيد بن أسلم: (رهقا) أي: خوفا. وقال العوفي عن ابن عباس: فَزادُوهُمْ رَهَقاً أي: إثما، وكذا قال قتادة. وقال مجاهد: زاد الكفار طغيانا). ٣ - بمناسبة قوله تعالى: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً* وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً قال ابن كثير: (وقد كانت الكواكب يرمى بها قبل ذلك، ولكن ليس بكثير، بل في الأحيان بعد الأحيان كما في حديث العباس: بينما نحن جلوس مع رسول الله ﷺ إذ

стр. 5878

رمي بنجم فاستنار، فقال: «ما كنتم تقولون في هذا؟» فقلنا: كنا نقول يولد عظيم يموت عظيم فقال: «ليس كذلك، ولكن الله إذا قضى الأمر في السماء» وذكر تمام الحديث وقد أوردناه في سورة سبأ بتمامه، وهذا هو السبب الذي حملهم على تطلب السبب في ذلك فأخذوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها فوجدوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقرأ بأصحابه في الصلاة؛ فعرفوا أن هذا هو الذي حفظت من أجله السماء، فآمن من آمن منهم، وتمرد في طغيانه من بقى، كما تقدم في حديث ابن عباس في ذلك عند قوله في سورة الأحقاف: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ الآية). وبمناسبة النص نفسه قال صاحب الظلال: (وهذه الوقائع التي حكاها القرآن عن الجن من قولهم، توحي بأنهم قبل هذه الرسالة الأخيرة كانوا يحاولون الاتصال بالملإ الأعلى، واستراق شئ مما يدور فيه، بين الملائكة، عن شئون الخلائق في الأرض، مما يكلفون قضاءه تنفيذا لمشيئة الله وقدره. ثم يوحون بما التقطوه لأوليائهم من الكهان والعرافين، ليقوم هؤلاء بفتنة الناس وفق خطة إبليس! على أيدي هؤلاء الكهان والعرافين الذين يستغلون القليل من الحق فيمزجونه بالكثير من الباطل، ويروجونه بين جماهير الناس في الفترة بين الرسالتين، وخلو الأرض من رسول ... أما كيفية هذا وصورته فلم يقل لنا عنها شيئا، ولا ضرورة لتقصيها. إنما هذه هي جملة هذه الحقيقة وفحواها. وهذا النفر من الجن يقول: إن استراق السمع لم يعد ممكنا، وإنهم حين حاولوه الآن- وهو ما يعبرون عنه بلمس السماء- وجدوا الطريق إليه محروسا بحرس شديد، يرجمهم بالشهب، فتنقض عليهم وتقتل من توجه إليه منهم. ويعلنون أنهم لا يدرون شيئا عن الغيب المقدر للبشر: وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً فهذا الغيب موكول لعلم الله لا يعلمه سواه. فأما نحن فلا نعلم ماذا قدر الله لعباده في الأرض: قدر أن ينزل بهم الشر. فهم متروكون للضلال. أم قدر لهم الرشد- وهو الهداية- وقد جعلوها مقابلة للشر. فهي الخير، وعاقبتها هي الخير. وإذا كان المصدر الذي يزعم الكهان أنهم يستقون منه معلوماتهم عن الغيب، يقرر أنه هو لا يدري عن ذلك شيئا، فقد انقطع كل قول، وبطل كل زعم، وانتهى أمر الكهانة والعرافة. وتمحض الغيب لله، لا يجترئ أحد على القول بمعرفته، ولا على

стр. 5879

التنبؤ به. وأعلن القرآن تحرير العقل البشري من كل وهم وكل زعم من هذا القبيل! وأعلن رشد البشرية منذ ذلك اليوم وتحررها من الخرافات والأساطير!). ٤ - بمناسبة قوله تعالى: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ قال ابن كثير: (وروى أحمد بن سليمان النجاد في أماليه: ... عن أبي معاوية قال: سمعت الأعمش يقول: تروح إلينا جني فقلت له: ما أحب الطعام إليكم؟ فقال: الأرز، قال: فأتيناهم به فجعلت أرى اللقم ترفع ولا أرى أحدا، فقلت: فيكم من هذه الأهواء التي فينا؟ قال: نعم، فقلت: فما الرافضة فيكم؟ قال: شرنا. عرضت هذا الإسناد على شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي فقال: هذا إسناد صحيح إلى الأعمش). أقول: لم يزل عدول في هذه الأمة جيلا بعد جيل يخبروننا عن صلة للجن المؤمنين بهم، وما أكثر الوقائع التي يحسها الناس في أمر الجن، فإن تجد بعد النصوص، وبعد الوقائع من يتأول النصوص الواردة في هذا الشأن فذلك علامة على انطماس البصيرة. ٥ - بمناسبة قوله تعالى: وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ذكر صاحب الظلال بعض الحقائق التي يدلنا عليها النص فقال: (والحقيقة الأولى: هي الارتباط بين استقامة الأمم والجماعات على الطريقة الواحدة الواصلة إلى الله، وبين إغداق الرخاء وأسبابه؛ وأول أسبابه توافر الماء واغدوداقه. وما تزال الحياة تجري على خطوات الماء في كل بقعة. وما يزال الرخاء يتبع هذه الخطوات المباركة حتى هذا العصر الذي انتشرت فيه الصناعة، ولم تعد الزراعة هي المصدر الوحيد للرزق والرخاء. ولكن الماء هو الماء في أهميته العمرانية. وهذا الارتباط بين الاستقامة على الطريقة وبين الرخاء والتمكين في الأرض حقيقة قائمة. وقد كان العرب في جوف الصحراء يعيشون في شظف، حتى استقاموا على الطريقة، ففتحت لهم الأرض التي يغدودق فيها الماء، وتتدفق فيها الأرزاق. ثم حادوا عن الطريقة فاستلبت منهم خيراتهم استلابا. وما يزالون في نكد وشظف، حتى يفيئوا إلى الطريقة، فيتحقق فيهم وعد الله. وإذا كانت هناك أمم لا تستقيم على طريقة الله، ثم تنال الوفر والغنى، فإنها تعذب بآفات أخرى في إنسانيتها أو أمنها أو قيمة الإنسان وكرامته فيها، تسلب عن ذلك الغنى والوفر معنى الرخاء. وتحيل الحياة فيها لعنة مشئومة على إنسانية الإنسان وخلقه وكرامته وأمنه وطمأنينته.

стр. 5880

والحقيقة الثانية التي تنبثق من نص هذه الآية: هي أن الرخاء ابتلاء من الله للعباد وفتنة وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً، والصبر على الرخاء والقيام بواجب الشكر عليه والإحسان فيه أشق وأندر من الصبر على الشدة! على عكس ما يلوح للنظرة العجلى ... فكثيرون هم الذين يصبرون على الشدة ويتماسكون لها، بحكم ما تثيره في النفس من تجمع ويقظة ومقاومة؛ ومن ذكر لله والتجاء إليه واستعانة به، حين تسقط الأسناد في الشدة فلا يبقى إلا ستره. فأما الرخاء فينسي ويلهي، ويرخي الأعضاء وينيم عناصر المقاومة في النفس، ويهيئ الفرصة للغرور بالنعمة والاستنامة للشيطان! إن الابتلاء بالنعمة في حاجة ملحة إلى يقظة دائمة تعصم من الفتنة ... نعمة المال والرزق كثيرا ما تقود إلى فتنة البطر وقلة الشكر، مع السرف أو مع البخل، وكلاهما آفة للنفس والحياة ... ونعمة القوة كثيرا ما تقود إلى فتنة البطر وقلة الشكر مع الطغيان والجور، والتطاول بالقوة على الحق وعلى الناس والتهجم على حرمات الله، ونعمة الجمال كثيرا ما تقود إلى فتنة الخيلاء والتيه وتتردى في مدارك الإثم والغواية ... ونعمة الذكاء كثيرا ما تقود إلى فتنة الغرور والاستخفاف بالآخرين وبالقيم والموازين ... وما تكاد تخلو نعمة من الفتنة إلا من ذكر الله فعصمه الله ... ). ٦ - وبمناسبة قوله تعالى: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً قال ابن كثير: (قال قتادة في قوله تعالى: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً قال: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله فأمر الله نبيه ﷺ أن يوحدوه وحده). ٧ - هناك ثلاثة أقوال في قوله تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً وقد أخذنا ما رجحه ابن كثير منها وهاهنا نذكر الأقوال الثلاثة، قال ابن كثير: (قال العوفي: عن ابن عباس يقول: لما سمعوا النبي ﷺ يتلو القرآن كادوا يركبونه من الحرص لما سمعوه يتلو القرآن، ودنوا منه فلم يعلم بهم حتى أتاه الرسول فجعل يقرئه: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ يستمعون القرآن. هذا قول، وهو مروي عن الزبير بن العوام ﵁، وروى ابن جرير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال الجن لقومهم: لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً قال: لما رأوه يصلي وأصحابه يركعون بركوعه، ويسجدون بسجوده، قال: عجبوا من طواعية أصحابه له، قال: فقالوا لقومهم:

стр. 5881

لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً وهذا قول ثان، وهو مروي عن سعيد بن جبير أيضا، وقال الحسن: لما قام رسول الله ﷺ يقول لا إله إلا الله، ويدعو الناس إلى ربهم كادت العرب تلبد عليه جميعا. وقال قتادة في قوله تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً قال: تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه فأبى الله إلا أن ينصره ويمضيه ويظهره على من ناوأه، وهذا قول ثالث، وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير، وقول ابن زيد، وهو اختيار ابن جرير، وهو الأظهر). ٨ - بمناسبة قوله تعالى: قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً قال ابن كثير: (في هذه الآية الكريمة دليل على أن الحديث الذي يتداوله كثير من الجهلة من أنه ﵊ لا يؤلف تحت الأرض كذب لا أصل له، ولم نره في شئ من الكتب، وقد كان ﷺ يسأل عن وقت الساعة فلا يجيب عنها، ولما تبدى له جبريل في صورة أعرابي كان فيما سأله أن قال: يا محمد فأخبرني عن الساعة؟ قال: «ما المسئول عنها بأعلم من السائل» ولما ناداه ذلك الأعرابي بصوت جهوري فقال: يا محمد متى الساعة؟ قال: «ويحك إنها كائنة فما أعددت لها؟» قال: أما إني لم أعد لها كثير صلاة ولا صيام ولكني أحب الله ورسوله قال: «فأنت مع من أحببت» قال أنس: فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث. وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «يا بني آدم إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى، والذي نفسي بيده إنما توعدون لآت»). ٩ - بمناسبة قوله تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً* إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ نحب أن نقرر أن كل ما دخل في عالم الأسباب لا تعتبر معرفته من أمر الغيب، فتوقع الخسوف والكسوف، وتوقع هطول المطر من خلال معرفة بعض الظواهر الجوية، ومعرفة بعض الحوادث الواقعة من خلال الجن وأمثال هذه المعاني لا تدخل في علم الغيب، وبمناسبة هذا النص قال النسفي: (والولي إذا أخبر بشيء فظهر فهو غير جازم عليه ولكنه أخبر بناء على رؤياه أو بالفراسة، على أن كل كرامة للولي فهي معجزة للرسول، وذكر في التأويلات: قال بعضهم في هذه الآية بدلالة تكذيب المنجمة، وليس كذلك، فإن فيهم من يصدق خبره، وكذلك المتطببة يعرفون طبائع النبات). أقول: ما يعرف بالتجربة البشرية لا يدخل في علم الغيب، إلا إذا كان الإخبار به على وجه معجز، والجن قد يخبرون بالأمر الواقع وليس ذلك من علم

стр. 5882

الغيب، وهذا معنى قول النسفي: فإن فيهم أي في المنجمين من يصدق خبره، كما لو كان له صلة بعالم الجن فيخبرونه عن وقائع حادثة. ١٠ - بمناسبة قوله تعالى: لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ قال ابن كثير: (وقد اختلف المفسرون في الضمير في قوله (ليعلم) إلى من يعود؟ فقيل إنه عائد إلى النبي ﷺ . روى ابن جرير ... عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً قال: أربعة حفظة من الملائكة مع جبريل لِيَعْلَمَ محمد ﷺ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ورواه ابن أبي حاتم من حديث يعقوب القمي به. وهكذا رواه الضحاك والسدي ويزيد ابن أبي حبيب. وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ قال: ليعلم نبي الله أن الرسل قد بلغت عن الله، وأن الملائكة حفظتها ورفعتها عن الله، وكذا رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة واختاره ابن جرير، وقيل غير ذلك، كما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً قال: هي معقبات من الملائكة يحفظون النبي ﷺ من الشيطان، حتى يتبين الذين أرسل إليهم وذلك حين يقول؛ ليعلم أهل الشرك أن قد أبلغوا رسالات ربهم. وكذا قال ابن أبي نجيح عن مجاهد لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ قال: ليعلم من كذب الرسل أن قد أبلغوا رسالات ربهم وفي هذا نظر. وقال البغوي: قرأ يعقوب (ليعلم) بالضم أي: ليعلم الناس أن الرسل قد بلغوا، ويحتمل أن يكون الضمير عائدا إلى الله وهو قول حكاه ابن الجوزي في زاد المسير، ويكون المعنى في ذلك أنه يحفظ رسله بملائكته ليتمكنوا من أداء رسالاته، ويحفظ ما ينزله إليهم من الوحي ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم، ويكون ذلك كقوله تعالى: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وكقوله تعالى: وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ إلى أمثال ذلك من العلم بأنه تعالى يعلم الأشياء قبل كونها قطعا لا محالة؛ ولهذا قال بعد هذا: وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً).

стр. 5883

كلمة أخيرة في سورة الجن: رأينا أن سور: الحاقة والمعارج ونوح ﵇ والجن كلها تفصل في مقدمة سورة البقرة وقلنا: إن سورتي المزمل والمدثر تفصلان مباشرة فيما بعد مقدمة سورة البقرة، وقد رأينا أن سورة الجن عرضت لخصائص هذه الدعوة، وبعد ذكر هذه الخصائص تأتي سورتا المزمل والمدثر لتأمرا رسول الله ﷺ وتفصلا فيما ينبغي فعله في أمر العبادة لله ، والملاحظ أن سورة الجن كان الخطاب فيها متوجها لرسول الله ﷺ بكلمة (قل) وها هما سورتا المزمل والمدثر تتوجهان كذلك بالخطاب لرسول الله ﷺ يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ وهكذا نجد أن المجموعة السادسة كل سورة منها تصل إلى أختها بسبب مع قيام كل منها بتفصيل ما يقابلها من محورها.

стр. 5884

سورة المزمل وهي السورة الثالثة والسبعون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الخامسة من المجموعة السادسة من قسم المفصل، وهي عشرون آية وهي مكية

стр. 5885

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
следующие страницы →