← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً وهذا قول ثان، وهو مروي عن سعيد بن جبير أيضا، وقال الحسن: لما قام رسول الله ﷺ يقول لا إله إلا الله، ويدعو الناس إلى ربهم كادت العرب تلبد عليه جميعا. وقال قتادة في قوله تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً قال: تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه فأبى الله إلا أن ينصره ويمضيه ويظهره على من ناوأه، وهذا قول ثالث، وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير، وقول ابن زيد، وهو اختيار ابن جرير، وهو الأظهر). ٨ - بمناسبة قوله تعالى: قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً قال ابن كثير: (في هذه الآية الكريمة دليل على أن الحديث الذي يتداوله كثير من الجهلة من أنه ﵊ لا يؤلف تحت الأرض كذب لا أصل له، ولم نره في شئ من الكتب، وقد كان ﷺ يسأل عن وقت الساعة فلا يجيب عنها، ولما تبدى له جبريل في صورة أعرابي كان فيما سأله أن قال: يا محمد فأخبرني عن الساعة؟ قال: «ما المسئول عنها بأعلم من السائل» ولما ناداه ذلك الأعرابي بصوت جهوري فقال: يا محمد متى الساعة؟ قال: «ويحك إنها كائنة فما أعددت لها؟» قال: أما إني لم أعد لها كثير صلاة ولا صيام ولكني أحب الله ورسوله قال: «فأنت مع من أحببت» قال أنس: فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث. وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «يا بني آدم إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى، والذي نفسي بيده إنما توعدون لآت»). ٩ - بمناسبة قوله تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً* إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ نحب أن نقرر أن كل ما دخل في عالم الأسباب لا تعتبر معرفته من أمر الغيب، فتوقع الخسوف والكسوف، وتوقع هطول المطر من خلال معرفة بعض الظواهر الجوية، ومعرفة بعض الحوادث الواقعة من خلال الجن وأمثال هذه المعاني لا تدخل في علم الغيب، وبمناسبة هذا النص قال النسفي: (والولي إذا أخبر بشيء فظهر فهو غير جازم عليه ولكنه أخبر بناء على رؤياه أو بالفراسة، على أن كل كرامة للولي فهي معجزة للرسول، وذكر في التأويلات: قال بعضهم في هذه الآية بدلالة تكذيب المنجمة، وليس كذلك، فإن فيهم من يصدق خبره، وكذلك المتطببة يعرفون طبائع النبات). أقول: ما يعرف بالتجربة البشرية لا يدخل في علم الغيب، إلا إذا كان الإخبار به على وجه معجز، والجن قد يخبرون بالأمر الواقع وليس ذلك من علم

стр. 5882

الغيب، وهذا معنى قول النسفي: فإن فيهم أي في المنجمين من يصدق خبره، كما لو كان له صلة بعالم الجن فيخبرونه عن وقائع حادثة. ١٠ - بمناسبة قوله تعالى: لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ قال ابن كثير: (وقد اختلف المفسرون في الضمير في قوله (ليعلم) إلى من يعود؟ فقيل إنه عائد إلى النبي ﷺ . روى ابن جرير ... عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً قال: أربعة حفظة من الملائكة مع جبريل لِيَعْلَمَ محمد ﷺ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ورواه ابن أبي حاتم من حديث يعقوب القمي به. وهكذا رواه الضحاك والسدي ويزيد ابن أبي حبيب. وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ قال: ليعلم نبي الله أن الرسل قد بلغت عن الله، وأن الملائكة حفظتها ورفعتها عن الله، وكذا رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة واختاره ابن جرير، وقيل غير ذلك، كما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً قال: هي معقبات من الملائكة يحفظون النبي ﷺ من الشيطان، حتى يتبين الذين أرسل إليهم وذلك حين يقول؛ ليعلم أهل الشرك أن قد أبلغوا رسالات ربهم. وكذا قال ابن أبي نجيح عن مجاهد لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ قال: ليعلم من كذب الرسل أن قد أبلغوا رسالات ربهم وفي هذا نظر. وقال البغوي: قرأ يعقوب (ليعلم) بالضم أي: ليعلم الناس أن الرسل قد بلغوا، ويحتمل أن يكون الضمير عائدا إلى الله وهو قول حكاه ابن الجوزي في زاد المسير، ويكون المعنى في ذلك أنه يحفظ رسله بملائكته ليتمكنوا من أداء رسالاته، ويحفظ ما ينزله إليهم من الوحي ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم، ويكون ذلك كقوله تعالى: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وكقوله تعالى: وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ إلى أمثال ذلك من العلم بأنه تعالى يعلم الأشياء قبل كونها قطعا لا محالة؛ ولهذا قال بعد هذا: وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً).

стр. 5883

كلمة أخيرة في سورة الجن: رأينا أن سور: الحاقة والمعارج ونوح ﵇ والجن كلها تفصل في مقدمة سورة البقرة وقلنا: إن سورتي المزمل والمدثر تفصلان مباشرة فيما بعد مقدمة سورة البقرة، وقد رأينا أن سورة الجن عرضت لخصائص هذه الدعوة، وبعد ذكر هذه الخصائص تأتي سورتا المزمل والمدثر لتأمرا رسول الله ﷺ وتفصلا فيما ينبغي فعله في أمر العبادة لله ، والملاحظ أن سورة الجن كان الخطاب فيها متوجها لرسول الله ﷺ بكلمة (قل) وها هما سورتا المزمل والمدثر تتوجهان كذلك بالخطاب لرسول الله ﷺ يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ وهكذا نجد أن المجموعة السادسة كل سورة منها تصل إلى أختها بسبب مع قيام كل منها بتفصيل ما يقابلها من محورها.

стр. 5884

سورة المزمل وهي السورة الثالثة والسبعون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الخامسة من المجموعة السادسة من قسم المفصل، وهي عشرون آية وهي مكية

стр. 5885

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 5886

بين يدي سورة المزمل: قدم الألوسي لسورة المزمل بقوله: (مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس وقتادة كما ذكر الماوردي: إلا الآيتين منها وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ والتي تليها، وحكى في البحر عن الجمهور أنها مكية إلا قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ إلى آخرها، وتعقبه الجلال السيوطي بعد أن نقل الاستثناء عن حكاية ابن الفرس بقوله: ويرده ما أخرجه الحاكم عن عائشة أن ذلك نزل بعد نزول صدر السورة بسنة، وذلك حين فرض قيام الليل في أول الإسلام قبل فرض الصلوات الخمس، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يتعلق بذلك. وآيها: ثماني عشرة آية في المدني الأخير، وتسع عشرة في البصري، وعشرون فيما عداهما. ولما ختم سبحانه سورة الجن بذكر الرسل عليهم الصلاة والسلام افتتح هذه بما يتعلق بخاتمهم عليه وعليهم الصلاة والسلام، وهو وجه في المناسبة، وفي تناسق الدرر لا يخفى اتصال أولها قُمِ اللَّيْلَ الخ بقوله تعالى في آخر تلك: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ وبقوله سبحانه: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ الآية). وقال صاحب الظلال في تقديمه لهذه السورة: (وشطر السورة الأول يمضي على إيقاع موسيقي واحد. ويكاد يكون على روي واحد. هو اللام المطلقة الممدودة. وهو إيقاع رخي وقور جليل؛ يتمشى مع جلال التكليف، وجدية الأمر، ومع الأهوال المتتابعة التي يعرضها السياق). (فأما الآية الأخيرة الطويلة التي تمثل شطر السورة الثاني؛ فقد نزلت بعد عام من قيام الليل حتى ورمت أقدام الرسول ﷺ وطائفة من الذين معه. والله يعده ويعدهم بهذا القيام لما يعدهم له! فنزل التخفيف، ومعه التطمين بأنه اختار الله لهم وفق علمه وحكمته بأعبائهم وتكاليفهم التي قدرها في علمه عليهم ... أما هذه الآية فذات نسق خاص. فهي طويلة وموسيقاها متموجة عريضة، وفيها هدوء واستقرار، وقافية تناسب هذا الاستقرار وهي الميم وقبلها مد الياء: «غفور رحيم». والسورة بشطريها تعرض صفحة من تاريخ هذه الدعوة. تبدأ بالنداء العلوي الكريم بالتكليف العظيم. وتصور الإعداد له والتهيئة بقيام الليل، والصلاة، وترتيل القرآن، والذكر الخاشع المتبتل. والاتكال على الله وحده، والصبر على الأذى، والهجر الجميل

стр. 5887

للمكذبين، والتخلية بينهم وبين الجبار القهار صاحب الدعوة وصاحب المعركة!. وتنتهي بلمسة الرفق والرحمة والتخفيف والتيسير. والتوجيه للطاعات والقربات، والتلويح برحمة الله ومغفرته: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وهي تمثل بشطريها صفحة من صفحات ذلك الجهد الكريم النبيل الذي بذله ذلك الرهط المختار من البشرية- البشرية الضالة- ليردها إلى ربها، ويصبر على أذاها، ويجاهد في ضمائرها؛ وهو متجرد من كل ما في الحياة من عرض يغري، ولذاذة تلهي، وراحة ينعم بها الخليون، ونوم يلتذه الفارغون!). كلمة في سورة المزمل ومحورها: بعد مقدمة سورة البقرة مباشرة يأتي قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وهي في محلها هناك تشرح الطريق إلى التقوى، وهاهنا نجد سورة المزمل تأتي مبتدئة بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ... فهي تفصل في موضوع العبادة كطريق للتقوى، وتذكر أنواعا من العبادات ينبغي أن تؤدى. وكنا ذكرنا من قبل أن السورة التي تأتي لتفصل في مثل هذا المقام تفصل بما يخدم المعاني التي ذكرت قبلها في مجموعتها، ومن ثم فسورة المزمل تدل على الطريق الذي يؤدي إلى القيام بحق المعاني المذكورة في السور الأربع قبلها. وكنا ذكرنا من قبل أن سورتي المزمل والمدثر تفصلان في محوري سورتي النساء والمائدة، فسورة المزمل تفصل في محور سورة النساء، وسورة المدثر تفصل في محور سورة المائدة، وسنرى برهان ذلك أثناء عرض السورتين. تتألف سورة المزمل من فقرتين: فقرة طالبت بالحد الأعلى من السير إلى الله ، والقيام بحقوق عبوديته، وفقرة طالبت بالحد الأدنى الذي لا يسع أحدا أن ينقص منه، والملاحظ أن الحد الأعلى خوطب به رسول الله ﷺ ، وأن الحد الأدنى كان ترخيصا لرسول الله ﷺ والمسلمين، وفي توجيه الخطاب لرسول الله ﷺ وحده

стр. 5888

في الفقرة الأولى إشارة إلى أن من يقوم بشأن الدعوة إلى الله يطالب بما لا يطالب به غيره، ويتأكد الطلب في حقه أكثر منه في حق غيره. تستمر الفقرة الأولى من السورة حتى نهاية الآية (١٩) وتتألف الفقرة الثانية من آية واحدة فلنبدأ عرض السورة.

стр. 5889

الفقرة الأولى وتمتد من الآية (١) حتى نهاية الآية (١٩) وهذه هي: المجموعة الأولى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة المزمل (٧٣): الآيات ١ الى ٩] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (٥) إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً (٩) المجموعة الثانية [سورة المزمل (٧٣): الآيات ١٠ الى ١٩] وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً (١١) إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً (١٢) وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً (١٤) إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (١٥) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (١٧) السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً (١٨) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (١٩)

стр. 5890

قدم ابن كثير لتفسير هذه السورة بقوله: (روى الحافظ أبو بكر البزار عن جابر قال: اجتمعت قريش في دار الندوة، فقالوا: سموا هذا الرجل اسما يصدر الناس عنه، فقالوا: كاهن، قالوا: ليس بكاهن، فقالوا: مجنون، قالوا: ليس بمجنون، قالوا: ساحر، قالوا: ليس بساحر، فتفرق المشركون على ذلك، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فتزمل في ثيابه وتدثر فيهما فنزل جبريل ﵇ فقال: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قال البزار: معلى بن عبد الرحمن- وهو من رجال سند الحديث- قد حدث عنه جماعة من أهل العلم واحتملوا حديثه لكن تفرد بأحاديث لا يتابع عليها). أقول: من هذه الرواية يفهم أن التآمر العنيف على رسول الله ﷺ ، والذي أهمه هما أقعده جاءت سورتا المزمل والمدثر لتعالجاه، وهذا معنى مهم ينبغي أن يفطن له، فإذا تذكرنا قوله تعالى في سورة الجن: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ندرك صلة سورتي المزمل والمدثر بما قبلهما من سور مجموعتهما، ومن ثم فإن ما ورد في هاتين السورتين ينبغي أن يعطيه كل من يشتغل بالدعوة إلى الله مداه التطبيقي. وقد نقل صاحب الظلال الرواية التي ذكرها ابن كثير، ثم ذكر الرواية الأخرى التي تذكر كسبب نزول، وعلق عليها وهذا كلامه: (وتروى رواية أخرى تتكرر بالنسبة لسورة المدثر كذلك- كما سيجئ في عرض سورة المدثر إن شاء الله. وخلاصتها أن رسول الله ﷺ كان يتحنث في غار حراء- قبل البعثة بثلاث سنوات- أي: يتطهر ويتعبد- وكان تحنثه- ﵊ شهرا من كل سنة- وهو شهر رمضان- يذهب فيه إلى غار حراء على مبعدة نحو ميلين من مكة، ومعه أهله قريبا منه. فيقيم فيه هذا الشهر، يطعم من جاءه من المساكين، ويقضي وقته في العبادة والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون، وفيما وراءها من قدرة مبدعة ... وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد الشرك المهلهلة، وتصوراتها الواهية، ولكن ليس بين يديه طريق واضح، ولا منهج محدد، ولا طريق قاصد يطمئن إليه ويرضاه. وكان اختياره ﷺ لهذه العزلة طرفا من تدبير الله له ليعده لما ينتظره من الأمر

стр. 5891

العظيم. ففي هذه العزلة كان يخلو إلى نفسه، ويخلص من زحمة الحياة وشواغلها الصغيرة؛ ويفرغ لموحيات الكون، ودلائل الإبداع؛ وتسبح روحه مع روح الوجود؛ وتتعانق مع هذا الجمال وهذا الكمال؛ وتتعامل مع الحقيقة الكبرى وتمرن على التعامل معها في إدراك وفهم. ولا بد لأي روح يراد لها أن تؤثر في واقع الحياة البشرية فتحولها وجهة أخرى ... لا بد لهذه الروح من خلوة وعزلة بعض الوقت، وانقطاع عن شواغل الأرض، وضجة الحياة، وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة. لا بد من فترة للتأمل والتدبر والتعامل مع الكون الكبير وحقائقه الطليقة. فالاستغراق في واقع الحياة يجعل النفس تألفه وتستنيم له، فلا تحاول تغييره. أما الانخلاع منه فترة، والانعزال عنه، والحياة في طلاقة كاملة من أسر الواقع الصغير، ومن الشواغل التافهة فهو الذي يؤهل الروح الكبير لرؤية ما هو أكبر، ويدربه على الشعور بتكامل ذاته بدون حاجة إلى عرف الناس، والاستمداد من مصدر آخر غير هذا العرف الشائع! وهكذا دبر الله لمحمد ﷺ وهو يعده لحمل الأمانة الكبرى، وتغيير وجه الأرض، وتعديل خط التاريخ ... دبر له هذه العزلة قبل تكليفه بالرسالة بثلاث سنوات). تفسير المجموعة الأولى من الفقرة الأولى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ أي: المتزمل وهو الذي تزمل في ثيابه، أي: تلفف بها، قال ابن كثير: يأمر تعالى رسوله ﷺ أن يترك التزمل: وهو التغطي في الليل، وينهض إلى القيام لربه ... وقد كان واجبا عليه وحده ... وهاهنا بين له مقدار ما يقوم قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ أي: من النصف قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ أي: على النصف، قال ابن كثير: أي: أمرناك أن تقوم نصف الليل بزيادة قليلة أو نقصان قليل، لا حرج عليك في ذلك وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا قال ابن كثير: أي: اقرأه على تمهل فإنه يكون عونا على فهم القرآن وتدبره، قال النسفي: أي: بين وفصل القرآن تبيانا وتفصيلا، أو اقرأ على تؤدة بتبيين الحروف، وحفظ الوقوف، وإشباع الحركات إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا قال ابن كثير: قال الحسن وقتادة: أي: العمل به وقيل: ثقيل وقت نزوله من عظمته، وقال النسفي: (أي:

стр. 5892

سننزل عليك قولا ثقيلا أي: القرآن لما فيه من الأوامر والنواهي، التي هي تكاليف شاقة، ثقيلة على المكلفين، أو ثقيلا على المنافقين، أو كلام له وزن ورجحان، ليس السفساف الخفيف). أقول: إن التخلق بالقرآن والقيام بأوامره وتعليم ذلك للناس، وتبليغهم إياه، وتربيتهم عليه، كل ذلك ثقيل على النفس البشرية، ولا يخفف عبء هذا الحمل إلا صلة عظيمة بالله ، ولذلك جاء قوله تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا، وكأنه تعليل للأمر بقيام الليل، وترتيل القرآن فيه، فعلى كل من يتصدر للدعوة إلى الله وتربية الخلق أن يكون له حظ من قيام الليل، ثم قال تعالى: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ أي: قيام الليل، أو العبادة التي تنشأ بالليل، أي: تحدث أو ساعات الليل، وأوقاته لأنها تنشأ ساعة فساعة، قال ابن كثير: وكل ساعة منه تسمى ناشئة، وهي الآنات هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً أي: أثقل على المصلي من صلاة النهار لطرد النوم في وقته وَأَقْوَمُ قِيلًا أي: وأشد مقالا وأثبت قراءة لهدوء الأصوات، وانقطاع الحركات، قال ابن كثير: أي: أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهمها من قيام النهار، لأنه وقت انتشار الناس، ولغط الأصوات، وأوقات المعاش، وقال: والمقصود أن قيام الليل هو أشد مواطأة بين القلب واللسان وأجمع على التلاوة. أقول: في الآية تعليل ثان للأمر بقيام الليل، وهو ثقله على النفس، وكونه أجمع للقلب على الله ، وبالتالي فهو أكثر تأثيرا وتقويما للنفس، ثم قال تعالى: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا أي: فراغا طويلا لنومك وراحتك، أو تصرفا وتقلبا في مهماتك وشواغلك، ففرغ نفسك في الليل لعبادة ربك، أقول: في هذه الآية تعليل ثالث للأمر بقيام الليل، وحض على هذا القيام، فالنهار كاف لقضاء الحاجات، وهو محلها العادي، فاجعله لقضاء حاجتك ولراحتك، وخل الليل الله وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ قال النسفي: (أي: ودم على ذكره في الليل والنهار) وذكر الله يتناول التسبيح والتهليل والتكبير والصلاة وتلاوة القرآن ودراسة العلم، وقال ابن كثير: (أي: أكثر من ذكره، وانقطع إليه، وتفرغ لعبادته إذا فرغت من أشغالك، وما تحتاج إليه من أمور دنياك). أقول: أي: اجمع بين قيام الليل والاشتغال بذكر اسم الله ، ثم قال تعالى: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا قال النسفي: (انقطع إلى عبادته عن كل شئ، والتبتل: الانقطاع إلى الله تعالى بتأميل الخير منه دون غيره، وقيل رفض الدنيا وما فيها، والتماس ما عند الله، وما ذكره ابن كثير في تفسير التبتل يدور بين الإخلاص

стр. 5893

والانقطاع لعبادة الله، والاجتهاد فيها، فصار معنى الآية: اذكر اسم ربك، وانقطع إلى الله انقطاعا، وهذا يفيد أن رجل الدعوة عليه أن يكرس ليله لقيام الليل، وأن يجتمع له في ليله ونهاره ذكر، وأن يكون له انقطاع إلى الله ، ويعطي لأمور الدنيا بالقدر الذي لا بد منه، ثم قال تعالى معللا للأمر بالذكر والانقطاع إلى الله : رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا قال النسفي: (أي: وليا وكفيلا بما وعدك من النصر، وإذا علمت أنه ملك المشرق والمغرب، وأن لا إله إلا هو فاتخذه كافيا لأمورك، وفائدة الفاء، أن لا تتلبث بعد أن عرفت في تفويض الأمور إلى الواحد القهار إذ لا عذر لك في الانتظار بعد الإقرار)، وقال ابن كثير: (أي: هو المالك المتصرف في المشارق والمغارب، الذي لا إله إلا هو، وكما أفردته بالعبادة فأفرده بالتوكل، فاتخذه وكيلا). أقول: بعد الأمر بقيام الليل، والذكر والانقطاع إلى الله، ذكر الله رسوله ﷺ بربوبيته للمشرق والمغرب، وبوحدانيته ليبني على ذلك الأمر بالتوكل، فصار مجموع الأوامر في هذه الفقرة خمسة: قيام الليل، وترتيل القرآن، والذكر، والانقطاع إلى الله ، والتوكل عليه. كلمة في السياق: ١ - قلنا إن محور السورة من سورة البقرة هو قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ والملاحظ أن المجموعة التي مرت معنا طالبت رسول الله ﷺ بأنواع من العبادة، وفي ذلك تحديد لسلوك الطريق إلى الله ، فمن ليس له قيام ليل، وترتيل قرآن، وذكر وانقطاع إلى الله ، وتوكل عليه، فإنه لا حظ له من السلوك الكامل إلى الله ، وإنما يتفاوت السالكون بقدر حظوظهم من هذه المعاني. ٢ - رأينا أن الأمر بقيام الليل كانت إحدى حكمه أن الله سينزل على رسوله ﷺ قولا ثقيلا، ورأينا في سورة الجن كيف تألب الجن والإنس على رسول الله ﷺ ، ورأينا أن سورة المزمل أنزلت بمناسبة التآمر على رسول الله ﷺ ، ومن ثم تأتي المجموعة الثانية في هذه الفقرة لتوجه رسول الله ﷺ في أمر هؤلاء بعد أن وجهته إلى ما ينبغي فعله ليقوم بحمل عبء الدعوة.

стр. 5894

تفسير المجموعة الثانية من الفقرة الأولى: وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ قال النسفي: (أي: في من الصاحبة والولد، وفيك من الساحر والشاعر) وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا قال النسفي: (أي: جانبهم بقلبك وخالفهم مع حسن المحافظة وترك المكافأة) قال ابن كثير: (يقول تعالى آمرا رسوله ﷺ بالصبر على ما يقوله من كذبه من سفهاء قومه، وأن يهجرهم هجرا جميلا، وهو الذي لا عتاب معه وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ قال ابن كثير: أي: دعني والمكذبين المترفين أصحاب الأموال، فإنهم على الطاعة أقدر من غيرهم، وهم يطالبون من الحقوق بما ليس عند غيرهم) وقال النسفي: أي: كلهم إلي فأنا كافيهم وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا أي: ومهلهم إمهالا قليلا، ثم علل لهذين الأمرين بقوله: إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا أي: قيودا ثقالا للكافرين في الآخرة وَجَحِيماً أي: نارا محرقة وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ قال النسفي: أي: الذي ينشب في الحلوق فلا ينساغ، قال ابن كثير: قال ابن عباس: ينشب في الحلق فلا يدخل ولا يخرج وَعَذاباً أَلِيماً أي: شديد الألم، ثم بين متى يكون ذلك كله فقال يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ أي: تتحرك حركة شديدة أي: تتزلزل وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً أي: رملا مجتمعا مَهِيلًا أي: سائلا بعد اجتماعه، قال ابن كثير: أي: تصير ككثبان الرمال بعد ما كانت حجارة صماء، ثم إنها تنسف نسفا، فلا يبقى منها شئ إلا ذهب حتى تصير الأرض (قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا) أي: واديا (ولا أمتا) أي: رابية ومعناها: لا شئ منخفض، ولا شئ يرتفع، ثم خاطب الله سائر الناس، ومجئ هذا الخطاب في هذا السياق بمثابة التعليل لاستحقاق الكافرين العذاب، إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا يعني: محمدا ﵊ شاهِداً عَلَيْكُمْ قال ابن كثير: أي: بأعمالكم، وقال النسفي: (أي: يشهد عليكم يوم القيامة بكفركم وتكذيبكم) كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا يعني: موسى ﵇ فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ أي: موسى ﵇ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا أي: شديدا غليظا، قال ابن كثير: (أي: فاحذروا أنتم أن تكذبوا هذا الرسول فيصيبكم ما أصاب فرعون، حيث أخذه الله أخذ عزيز مقتدر ... وأنتم أولى بالهلاك والدمار إن كذبتم رسولكم؛ لأن رسولكم أشرف وأعظم من موسى بن عمران) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً من شدة أهواله وزلازله

стр. 5895

وبلابله، أي: كيف يحصل لكم أمان من يوم هذا الفزع العظيم إن كفرتم، أو كيف يحصل لكم تقوى إن كفرتم يوم القيامة وجحدتموه، أو كيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة، والجزاء؛ لأن تقوى الله أثر عن خوف عقابه، ثم وصف الله هول ذلك اليوم فقال: السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ قال النسفي: أي: السماء على عظمها وإحكامها تتفطر به، أي: تنشق فما ظنك بغيرها من الخلائق ... يعني أنها تتفطر لشدة ذلك اليوم وهوله كما ينفطر الشئ بما يفطر به كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا أي: كان وعد هذا اليوم مفعولا، أو كان وعد الله بهذا اليوم مفعولا، قال ابن كثير: أي: واقعا لا محالة، وكائنا لا محيد عنه، ثم ختم الله هذه الفقرة بقوله إِنَّ هذِهِ قال ابن كثير: أي: السورة تَذْكِرَةٌ أي: موعظة فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا قال النسفي: أي: فمن شاء اتعظ بها، واتخذ سبيلا إلى الله بالتقوى والخشية. كلمة في السياق: ١ - أمرت المجموعة الأخيرة رسول الله ﷺ بالصبر على أقوال الكافرين، وهجرهم وتركهم الله ينتقم منهم، ثم أنذرت المجموعة الكافرين العاصين بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وختمت المجموعة بتبيان أن هذه السورة تذكرة، وحثت على السير في سبيل الله، مما يشير إلى أن هذه السورة حددت السبيل إلى الله، وقد ذكرت الفقرة الأولى من هذا السبيل: قيام الليل، ترتيل القرآن، ذكر الله، الانقطاع إلى الله، التوكل عليه، الصبر على أقوال الكافرين، هجر هؤلاء الكافرين، تركهم لله ينتقم منهم. ٢ - ذكر في نهاية المجموعة الأولى قوله تعالى: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا وصلة ذلك بقوله تعالى في المحور: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ واضحة. ٣ - ورد في المجموعة الثانية قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا* فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا* فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً* السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا ولذلك صلته بقوله تعالى في محور السورة: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ

стр. 5896

لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ فالسورة تبين الطريق، وتنذر من انحرف عنه. ٤ - إنهاء الفقرة الأولى من هذه السورة بقوله تعالى: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا يوحي بأن ما ذكر في السورة حتى هذه الآية هو الطريق الكامل الخالص، وستأتي الفقرة الثانية في السورة وفيها تخفيف عن رسول الله وعن أصحابه، مما يشير إلى أن الأوامر السابقة كما طولب بها رسول الله ﷺ يطالب بها المسلمون بالتبع، والفقرة الثانية مع أنها تخفف بعض الأحكام فإنها تذكر بعض المعاني التي تكمل شرح الطريق.

стр. 5897

الفقرة الثانية من السورة وهي آية واحدة وهذه هي: [سورة المزمل (٧٣): آية ٢٠] إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠) التفسير: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى أي: أقل مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ أي: ويقوم ذلك المقدار جماعة من أصحابك، قال ابن كثير: أي: تارة هكذا وتارة هكذا، وذلك كله من غير قصد منكم، ولكن لا تقدرون على المواظبة على ما أمركم به من قيام الليل لأنه يشق عليكم وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ قال ابن كثير: أي: تارة يعتدلان، وتارة يأخذ هذا من هذا، وهذا من هذا عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ قال النسفي: (أي: لن تطيقوا قيامه على هذه المقادير إلا بشدة ومشقة وفي ذلك حرج) فَتابَ عَلَيْكُمْ أي: فخفف عليكم، وأسقط عنكم فرض قيام الليل فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ قال ابن كثير: أي: من غير تحديد لوقت، ولكن قوموا من الليل ما تيسر، وعبر عن الصلاة بالقراءة كما في سورة سبحان وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ أي: بقراءتك وَلا تُخافِتْ بِها ثم بين

стр. 5898

الحكمة في التخفيف وهي تعذر القيام على المرضى والمسافرين والمجاهدين عَلِمَ الله إِنَّ أي: أنه سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى فيشق عليهم قيام الليل وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ أي: يسافرون يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أي: من رزقه بالتجارة أو طلب العلم وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فلا يستطيعون الجمع بين مثل ذلك القيام وشئون القتال فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ قال النسفي: كرر الأمر بالتيسير لشدة احتياطهم. أقول: وفي ذكر حكمة التخفيف، أنها مراعاة لأحوال هذه الطوائف الثلاث إشعار بأن من لم يكن حاله كذلك، فإن عليه أن يبذل جهدا في قيام الليل، فإن سقطت الفرضية فقد بقي الندب، ثم قال تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أي: الواجبة عليكم، ومجئ هذا الأمر في ختام السورة يشير إلى أن الإكثار من قيام الليل شئ، وإقامة الصلاة المفروضة شئ آخر وَآتُوا الزَّكاةَ أي: الواجبة، قال ابن كثير: وهذا يدل لمن قال بأن فرض الزكاة نزل بمكة، لكن مقادير النصب والمخرج لم يتبين إلا في المدنية وَأَقْرِضُوا اللَّهَ بالنوافل قَرْضاً حَسَناً قال ابن كثير: يعني من الصدقات، فإن الله يجازي على ذلك أحسن الجزاء وأوفره، وفسر النسفي القرض الحسن لله بأن يكون من الحلال بالإخلاص وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ أي: تجدوا ثوابه عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً أي: مما خلفتم وتركتم وَأَعْظَمَ أَجْراً أي: وأجزل ثوابا، قال ابن كثير: أي: جميع ما تقدمونه بين أيديكم، فهو لكم حاصل وهو خير مما أبقيتموه لأنفسكم في الدنيا، ثم ختم الله السورة- الدالة على الطريق بقوله: وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ من السيئات والتقصير في الحسنات إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ يستر على أهل الذنب والتقصير رَحِيمٌ يخفف عن أهل الجهد والتوفير، وقال ابن كثير: أي: أكثروا من ذكره واستغفاره في أموركم كلها فإنه غفور رحيم لمن استغفره. كلمة في السياق: هذه السورة رسمت طريق السير إلى الله، وبينت الطريق إلى التقوى في حده الأدنى وحده الأعلى، فحده الأدنى صلاة مفروضة، وزكاة، واستغفار، وقيام ما تيسر من الليل، وحده الأعلى: صلاة، وإنفاق، واستغفار، وقيام من الليل، وترتيل قرآن، وذكر، انقطاع إلى الله ، وصبر على أقوال الكافرين، وهجر لهم، وانتظار فعل الله فيهم إذا لم يكن جهاد مأمور به، وصلة ذلك بقضية العبادة والتقوى- التي

стр. 5899

هي محور السورة- واضحة المعالم. الفوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قال الألوسي: (والجمهور على أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لما جاءه الملك في غار حراء وحاوره بما حاوره رجع إلى خديجة رضي الله تعالى عنها فقال: زملوني زملوني فنزلت يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ وعلى أثرها نزلت يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، وأخرج البزار والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: لما اجتمعت قريش في دار الندوة فقالوا: سموا هذا الرجل اسما تصدر الناس عنه، فقالوا: كاهن، قالوا: ليس بكاهن، قالوا: مجنون، قالوا: ليس بمجنون، قالوا: ساحر، قالوا: ليس بساحر، قالوا: يفرق بين الحبيب وحبيبه، فتفرق المشركون على ذلك، فبلغ ذلك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فتزمل في ثيابه وتدثر فيها فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا أيها المزمل يا أيها المدثر، ونداؤه ﵊ بذلك تأنيس له وملاطفة على عادة العرب في اشتقاق اسم للمخاطب من صفته التي هو عليها، كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم لعلي كرم الله وجهه حين غاضب فاطمة ﵂ فأتاه وهو نائم وقد لصق بجنبه التراب: قم أبا تراب، قصدا لرفع الحجاب وطي بساط العتاب وتنشيطا له ليتلقى ما يرد عليه بلا كسل، وكل ما يفعل المحبوب محبوب). ٢ - بمناسبة قوله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا قال ابن كثير: (وكذلك كان يقرأ صلوات الله وسلامه عليه، قالت عائشة ﵂: كان يقرأ السورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها. وفي صحيح البخاري عن أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله ﷺ فقال: كانت مدا ثم قرأ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) يمدبسم الله ويمد الرحمن، ويمد الرحيم، وقال ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة ﵂ أنها سئلت عن قراءة رسول الله ﷺ فقالت: كان يقطع قراءته آية آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ* الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «يقال لقارئ القرآن: اقرأ وارق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث سفيان الثوري به وقال الترمذي: حسن صحيح، وقد قدمنا في أول التفسير الأحاديث الدالة على

стр. 5900

استحباب الترتيل، وتحسين الصوت بالقراءة كما جاء في الحديث: «زينوا القرآن بأصواتكم» و «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» و «لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود» يعني: أبا موسى، فقال أبو موسى: لو كنت أعلم أنك كنت تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيرا، وعن ابن مسعود أنه قال: لا تنثروه نثر الدقل، ولا تهذوه هذ الشعر قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة. رواه البغوي وروى البخاري ... عن أبي وائل قال: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: قرأت المفصل الليلة في ركعة. فقال هذا كهذ الشعر، لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن فذكر عشرين سورة من المفصل سورتين في ركعة). أقول: نزل القرآن على رسول الله ﷺ مرتلا، وكان رسول الله ﷺ يقرؤه ويقرئه مرتلا، وقد توارثت الأمة كيفية ترتيله ﵊، واستخلص القراء قواعد الترتيل، وألفوا في ذلك الكتب، واعتبر العلماء علم الترتيل من العلوم المفروضة فرض عين على كل مسلم، وهذا يستدعي من كل مسلم أن يقرأ رسالة في علم التجويد، وأن يأخذ القرآن من أهله، ليسقط فرض عين عن نفسه، وفرض كفاية عن المسلمين. ٣ - بمناسبة قوله تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا قال صاحب الظلال: (هو هذا القرآن وما وراءه من التكليف ... والقرآن في مبناه ليس ثقيلا فهو ميسر للذكر. ولكنه ثقيل في ميزان الحق، ثقيل في أثره في القلب: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ فأنزله الله على قلب أثبت من الجبل يتلقاه. وإن تلقي هذا الفيض من النور والمعرفة واستيعابه، لثقيل، يحتاج إلى استعداد طويل. وإن التعامل مع الحقائق الكونية الكبرى المجردة، لثقيل، يحتاج إلى استعداد طويل. وإن الاتصال بالملإ الأعلى ... وأرواح الخلائق الحية والجامدة على هذا النحو الذي تهيأ لرسول الله ﷺ لثقيل، يحتاج إلى استعداد طويل. وإن الاستقامة على هذا الأمر بلا تردد ولا ارتياب، ولا تلفت هنا أو هناك لآراء

стр. 5901

الهواتف والجواذب والمعوقات لثقيل، يحتاج إلى استعداد طويل. وإن قيام الليل والناس نيام، والانقطاع عن غبش الحياة اليومية وسفسافها؛ والاتصال بالله، وتلقي فيضه ونوره، والأنس بالوحدة معه والخلوة إليه، وترتيل القرآن والكون ساكن، وكأنما هو يتنزل من الملأ الأعلى وتتجاوب به أرجاء الوجود في لحظة الترتيل بلا لفظ بشري ولا عبارة؛ واستقبال إشعاعاته وإيحاءاته وإيقاعاته في الليل الساجي ... إن هذا كله هو الزاد لاحتمال القول الثقيل، والعبء الباهظ والجهد المرير الذي ينتظر الرسول وينتظر من يدعو بهذه الدعوة في كل جيل! وينير للقلب في الطريق الشاق الطويل، ويعصمه من وسوسة الشيطان، ومن التيه في الظلمات الحافة بهذا الطريق المنير). أقول: قد رأينا أن من جملة ما فسر به القول الثقيل في قوله تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا أن المراد به ثقله وقت نزوله من عظمته، وهو قول مرجوح ليس بالقوي، وإن كان ثقل الوحي في حد ذاته كبيرا ولكن ليس هذا هو المعنى المراد بالآية غير أنه بمناسبة ذلك القول، قال ابن كثير: (كما قال زيد بن ثابت ﵁ أنزل على رسول الله وفخذه على فخذي فكادت ترض فخذي. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: سألت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله هل تحس بالوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : «أسمع صلاصل ثم أسكت عند ذلك فما من مرة يوحى إلي إلا ظننت أن نفسي تقبض» تفرد به أحمد. وفي أول صحيح البخاري ... عن عائشة ﵂ أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ : كيف يأتيك الوحي؟ فقال: «أحيانا يأتي في مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول» قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي ﷺ في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقا، هذا لفظه. وروى الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: إن كان ليوحى إلى رسول الله ﷺ وهو على راحلته فتضرب بجرانها. وروى ابن جرير عن هشام ابن عروة عن أبيه أن النبي ﷺ كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها فما تستطيع أن تحرك حتى يسرى عنه، وهذا مرسل، الجران: هو باطن العنق، واختار ابن جرير أنه ثقيل من الوجهين معا كما قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم كما ثقل في الدنيا ثقل يوم القيامة في الموازين).

стр. 5902

٤ - بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا قال صاحب الظلال: (ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي: ما ينشأ منه بعد العشاء؛ والآية تقول: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً أي: أجهد للبدن، وَأَقْوَمُ قِيلًا أي: أثبت في الخير- كما قال مجاهد- فإن مغالبة هتاف النوم وجاذبية الفراش، بعد كد النهار، أشد وطأ وأجهد للبدن؛ ولكنها إعلان لسيطرة الروح، واستجابة لدعوة الله، وإيثار للأنس به؛ ومن ثم فإنها أقوم قيلا، لأن للذكر فيها حلاوته، وللصلاة فيها خشوعها، وللمناجاة فيها شفافيتها. وإنها لتسكب في القلب أنسا وراحة وشفافية ونورا، قد لا يجدها في صلاة النهار وذكره ... والله الذي خلق هذا القلب يعلم مداخله وأوتاره، ويعلم ما يتسرب إليه وما يوقع عليه، وأي الأوقات يكون فيها أكثر تفتحا واستعدادا وتهيئوا، وأي الأسباب أعلق به وأشد تأثيرا فيه). ٥ - عند قوله تعالى: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا قال ابن كثير: (قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا قال: لحوائجك فأفرغ لدينك الليل، قال: وهذا حين كانت صلاة الليل فريضة، ثم إن الله ﵎ من على عباده فخففها ووضعها وقرأ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا إلى آخر الآية ثم قرأ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ حتى بلغ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وقال تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً وهذا الذي قاله كما قاله، والدليل عليه ما رواه الإمام أحمد في مسنده ... عن سعيد بن هشام أنه طلق امرأته ثم ارتحل إلى المدينة ليبيع عقارا له بها، ويجعله في الكراع والسلاح، ثم يجاهد الروم حتى يموت، فلقي رهطا من قومه فحدثوه أن رهطا من قومه- ستة- أرادوا ذلك على عهد رسول الله ﷺ فقال: «أليس لكم في أسوة حسنة؟» فنهاهم عن ذلك، فأشهدهم على رجعتها ثم رجع إلينا، فأخبرنا أنه أتى ابن عباس فسأله عن الوتر، فقال: ألا أنبئك بأعلم أهل الأرض بوتر رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، قال: ائت عائشة فسلها ثم ارجع إلي فأخبرني بردها عليك، قال: فأتيت على حكيم بن أفلح فاستلحقته إليها فقال: ما أنا بقاربها إني نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين شيئا، فأبت فيهما إلا مضيا، فأقسمت عليه فجاء معي، فدخلنا عليها فقالت: حكيم؟ - وعرفته- قال: نعم، قالت: من هذا معك؟ قال: سعيد ابن هشام، قالت: من هشام؟ قال: ابن عامر، قال: فترحمت عليه، وقالت: نعم

стр. 5903

المرء كان عامرا، قلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله ﷺ ؟ قالت ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى قالت: فإن خلق رسول الله ﷺ كان القرآن، فهممت أن أقوم، ثم بدا لي قيام رسول الله ﷺ قلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن قيام رسول الله ﵌ قالت: ألست تقرأ هذه السورة يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ؟ قلت: بلى قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة فقام رسول الله ﵌ وأصحابه حولا، حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهرا، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعا من بعد فريضة. فهممت أن أقوم ثم بدا لي وتر رسول الله ﷺ ، فقلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ ، قالت: كنا نعد له سواكه وطهوره فيبعثه الله لما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ثم يتوضأ ثم يصلي ثمان ركعات، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيجلس ويذكر ربه تعالى ويدعو ثم ينهض وما يسلم، ثم يقوم ليصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله وحده، ثم يدعوه، ثم يسلم تسليما يسمعنا، ثم يصلى ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني فلما أسن رسول الله ﷺ وأخذ اللحم أوتر بسبع ثم صلى ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم، فتلك تسع يا بني، وكان رسول الله ﵌ إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها، وكان إذا شغله عن قيام الليل نوم أو وجع أو مرض صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم نبي الله ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة حتى أصبح، ولا صام شهرا كاملا غير رمضان، فأتيت ابن عباس فحدثته بحديثها فقال: صدقت، أما لو كنت أدخل عليها لأتيتها حتى تشافهني مشافهة، هكذا رواه الإمام أحمد بتمامه، وقد أخرجه مسلم في صحيحه من حديث قتادة بنحوه). ٦ - عند قوله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ قال ابن كثير: (وقد استدل أصحاب الإمام أبي حنيفة ﵀ بهذه الآية وهي قوله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ على أنه لا يجب تعين قراءة الفاتحة في الصلاة، بل لو قرأ بها أو بغيرها من القرآن، ولو بآية أجزأه، واعتضدوا بحديث المسئ صلاته الذي في الصحيحين: «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن» وقد أجابهم الجمهور بحديث عبادة ابن الصامت وهو في الصحيحين أيضا أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج فهي خداج فهي خداج غير تمام» وفي

стр. 5904

صحيح ابن خزيمة عن أبي هريرة مرفوعا: «لا تجزئ صلاة من لم يقرأ بأم القرآن»). أقول: هذه القضية خلافية، وكل ما استدل به غير الحنفية عليهم جعله الحنفية حجة لهم على من خالفهم، وليس هاهنا محل بسط هذه الأقوال، وإنما ذكرت هذا هاهنا ليعلم أن ما قاله ابن كثير ليس هو القول الفصل. ٧ - عند قوله تعالى: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال النسفي: (سوى بين المجاهد والمكتسب؛ لأن كسب الحلال جهاد، قال ابن مسعود ﵁: أيما رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرا محتسبا، فباعه بسعر يومه كان عند الله من الشهداء، وقال ابن عمر ﵄: ما خلق الله موتة أموتها بعد القتل في سبيل الله أحب إلي من أن أموت بين شعبتي رحل، أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله). وقال ابن كثير: (أي: علم أن سيكون من هذه الأمة ذوو أعذار في ترك قيام الليل، من مرضى لا يستطيعون ذلك، ومسافرين في الأرض يبتغون من فضل الله في المكاسب والمتاجر، وآخرين مشغولين بما هو الأهم في حقهم من الغزو في سبيل الله، وهذه الآية- بل السورة كلها- مكية، ولم يكن القتال شرع بعد، فهي من أكبر دلائل النبوة لأنه من باب الإخبار بالمغيبات المستقبلة). ٨ - عند قوله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ الثانية قال ابن كثير: (أي: قوموا بما تيسر عليكم منه، روى ابن جرير عن أبي رجاء محمد قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد، ما تقول في رجل قد استظهر القرآن كله عن ظهر قلبه، ولا يقوم به إنما يصلي المكتوبة؟ قال: يتوسد القرآن لعن الله ذلك، قال الله تعالى للعبد الصالح: وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قلت: يا أبا سعيد، قال الله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ قال: نعم ولو خمس آيات، وهذا ظاهر من مذهب الحسن البصري أنه كان يرى حقا واجبا على حملة القرآن أن يقوموا ولو بشيء منه في الليل، ولهذا جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ سئل عن رجل نام حتى أصبح فقال: «ذاك رجل بال الشيطان في أذنه» فقيل معناه نام عن المكتوبة، وقيل عن قيام الليل: وفي السنن: «أوتروا يا أهل القرآن» وفي الحديث الآخر: «من لم يوتر فليس منا» وأغرب من هذا ما حكي عن أبي بكر بن عبد العزيز

стр. 5905

- من الحنابلة- من إيجابه قيام شهر رمضان فالله أعلم). أقول: الذي عليه جماهير الأمة سلفا وخلفا أن قيام الليل مندوب في رمضان وغيره. ٩ - عند قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ قال ابن كثير: (وقد قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد من السلف: إن هذه الآية نسخت الذي كان الله قد أوجبه على المسلمين أولا من قيام الليل، واختلفوا في المدة التي بينهما على أقوال كما تقدم، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لذلك الرجل: «خمس صلوات في اليوم والليلة» قال: هل علي غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع»). أقول: وقد بقي قيام الليل في حق رسول الله ﷺ واجبا لقوله تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ. ١٠ - عند قوله تعالى: وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً قال النسفي: (والقرض لغة: القطع، فالمقرض يقطع ذلك القدر من ماله فيدفعه إلى غيره، وكذا المتصدق يقطع ذلك القدر من ماله فيجعله لله تعالى، وإنما أضافه إلى نفسه لئلا يمن على الفقير فيما تصدق به عليه، وهذا لأن الفقير معاون له في تلك القربة، فلا يكون له عليه منة بل المنة للفقير عليه). ١١ - بمناسبة قوله تعالى: وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً قال ابن كثير: (روى الحافظ أبو يعلى الموصلي عن الحارث ابن سويد قال: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ : «أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه؟» قالوا: يا رسول الله ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: «اعلموا ما تقولون» قالوا: ما نعلم إلا ذلك يا رسول الله! قال: «إنما مال أحدكم ما قدم ومال وارثه ما أخر» ورواه البخاري من حديث حفص بن غياث، والنسائي من طريق أبي معاوية كلاهما عن الأعمش أيضا به).

стр. 5906

كلمة أخيرة في سورة المزمل: إن هذه السورة ينبغي أن يضعها القائمون بأمر الدعوة إلى الله نصب أعينهم فيلتزموا بما ندبت إليه من معان، وما فرضته من معان، ويرفعوا الأمة إلى الكمالات التي تحدثت عنها فذلك هو الطريق، لقد وضحت هذه السورة الطريق إلى التقوى، ولذلك فإن علينا أن نأخذ حظنا منها، بإلزام أنفسنا وتعويدها على القيام بكل ما فيها، وتربية أنفس المسلمين على ذلك من خلال التذكير والقدوة والبيئة والاحتيال لذلك؛ بتعويد الأنفس شيئا فشيئا، فالصلاة والزكاة والاستغفار، وشئ من القرآن، وشئ من الذكر، وشئ من قيام الليل، وشئ من الانقطاع إلى الله ، ثم وثم حتى تصبح معاني السورة خلقا للمسلم، ومتى أصبحت خلقا له فقد أصبح على الطريق الواضح الموصل إلى الجنة، إذا اجتمع له مع ذلك علم، وتأتي سورة المدثر لتكمل تبيان الطريق بذكر المواقف من الكفر والكافرين، فلننتقل إلى الحديث عن سورة المدثر.

стр. 5907

سورة المدثر وهي السورة الرابعة والسبعون بحسب الرسم القرآني وهي السورة السادسة والأخيرة من المجموعة السادسة من قسم المفصل، وهي ست وخمسون آية وهي مكية

стр. 5908

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 5909

بين يدي سورة المدثر: قال الألوسي عن هذه السورة: (مكية، قال ابن عطية: بإجماع إلا آية فهي محل خلاف. وهي متواخية مع السورة قبلها في الافتتاح بنداء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وصدر كليهما نازل على المشهور في قصة واحدة، وبدئت بالأمر بقيام الليل وهو عبادة خاصة، وهذه بالأمر بالإنذار وفيه من تكميل الغير ما فيه). وقال صاحب الظلال: (وهذه السورة قصيرة الآيات. سريعة الجريان. منوعة الفواصل والقوافي. يتئد إيقاعها أحيانا، ويجري متدفقا أحيانا! وبخاصة عند تصوير مشهد هذا المكذب وهو يفكر ويقدر ويعبس ويبسر ... وتصوير مشهد سقر. لا تبقي ولا تذر. لواحة للبشر ... ومشهد فرارهم كأنهم حمر مستنفرة. فرت من قسورة! وهذا التنوع في الإيقاع والقافية بتنوع المشاهد والظلال يجعل للسورة مذاقا خاصا؛ ولا سيما عند رد بعض القوافي ورجعها بعد انتهائها كقافية الراء الساكنة: المدثر، أنذر، فكبر ... وعودتها بعد فترة: قدر، بسر، استكبر، سقر ... وكذلك الانتقال من قافية إلى قافية في الفقرة الواحدة مفاجأة ولكن لهدف خاص. عند قوله: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ؟ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ* فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ!). تحقيق: حول أي من القرآن نزل أولا ؟ قال ابن كثير: (ثبت في صحيح البخاري عن جابر أنه كان يقول: أول شئ نزل من القرآن يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ وخالفه الجمهور فذهبوا إلى أن أول القرآن نزولا قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ كما سيأتي ذلك هنالك إن شاء الله تعالى. روى البخاري عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن فقال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قلت يقولون: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذلك وقلت له مثل ما قلت لي فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا به رسول الله ﷺ قال: «جاورت بحراء فلما قضيت جواري هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا، ونظرت أمامي فلم أر شيئا، ونظرت خلفي فلم أر شيئا، فرفعت رأسي فرأيت شيئا فأتيت خديجة فقلت دثروني وصبوا علي ماء باردا- قال:- فدثروني وصبوا علي ماء باردا، قال: فنزلت يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ* وَرَبَّكَ

стр. 5910

فَكَبِّرْ» هكذا ساقه من هذا الوجه. وقد رواه مسلم ... عن أبي سلمة قال: أخبرني جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه: «فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري قبل السماء، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجثيت منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت إلى أهلي فقلت: «زملوني زملوني فدثروني فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ إلى فَاهْجُرْ قال أبو سلمة (والرجز) الأوثان ثم حمي الوحي وتتابع» هذا لفظ البخاري، وهذا السياق هو المحفوظ، وهو يقتضي أنه قد نزل الوحي قبل هذا لقوله: «فإذا الملك الذي جاءني بحراء» وهو جبريل حين أتاه بقوله اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ثم إنه حصل بعد هذا فترة ثم نزل الملك بعد هذا. ووجه الجمع أن أول شئ نزل بعد فترة الوحي هذه السورة، كما روى الإمام أحمد ... عن ابن شهاب قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: أخبرني جابر ابن عبد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ثم فتر الوحي عني فترة، فبينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجثيت منه فرقا حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت لهم: زملوني زملوني، فزملوني، فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ* وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ* وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ثم حمي الوحي وتتابع» أخرجاه من حديث الزهري به). قال الألوسي: ولصحة الخبرين (خبر جابر وخبر عائشة ﵄ احتاجوا للجواب فنقل في الإتقان خمسة أجوبة، الأول: أن السؤال في حديث جابر كان عن نزول سورة كاملة، فبين أن سورة المدثر نزلت بكمالها قبل تمام سورة اقرأ، فإن أول ما نزل منها صدرها. الثاني: إن مراد جابر بالأولية أولية مخصوصة بما بعد فترة الوحي لا أولية مطلقة. الثالث: إن المراد أولية مخصوصة بالأمر بالإنذار، وعبر بعضهم عن هذا بقوله أول ما نزل للنبوة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ وأول ما نزل للرسالة يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. الرابع: إن المراد أول ما نزل بسبب متقدم وهو ما وقع من التدثر الناشئ عن الرعب، وأما اقرأ فنزلت ابتداء بغير سبب متقدم. الخامس: إن جابر استخرج ذلك باجتهاده وليس هو من روايته فيقدم عليه ما روت عائشة رضي الله تعالى عنها).

стр. 5911

نقل في سبب النزول: بمناسبة الكلام عن سورة المزمل نقلنا نقولا عن أسباب نزول سورتي المزمل والمدثر وقد رأينا في الفترة السابقة بعض الروايات التي يفهم منها بعض أسباب النزول، وقد ذكر ابن كثير بمناسبة الكلام عن سورة المدثر رواية أخرى تشبه الرواية التي ذكرها بمناسبة الكلام عن سورة المزمل وهذه هي: (وروى الطبراني عن إبراهيم بن يزيد سمعت ابن أبي مليكة يقول: سمعت ابن عباس يقول: إن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاما فلما أكلوا منه قال: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم: ساحر، وقال بعضهم: ليس بساحر، وقال بعضهم: كاهن، وقال بعضهم: ليس بكاهن، وقال بعضهم: شاعر، وقال بعضهم: ليس بشاعر، وقال بعضهم: بل سحر يؤثر، فأجمع رأيهم على أنه سحر يؤثر، فبلغ ذلك النبي ﷺ فحزن وقنع رأسه وتدثر فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ* وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ* وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ* وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ* وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ). كلمة في سورة المدثر ومحورها: بعد الآيات الأربع التي جاءت بعد مقدمة سورة البقرة والتي فصلت فيها سورة المزمل يأتي قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ، ويلاحظ أن سورة المدثر بدأت بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ* وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ... فهناك أمر بالتبشير، وهاهنا أمر بالإنذار، وهما شيئان متكاملان. وقبل قوله تعالى في سورة البقرة: وَبَشِّرِ ورد قوله تعالى في سورة البقرة: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ وصلة ذلك بالإنذار واضحة. وبعد آية (وبشر) يرد قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا ويلاحظ أنه في سورة المدثر يرد قوله تعالى: وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا، ويأتي في تتمة آية سورة البقرة قوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ، ويرد في تتمة آية المدثر قوله تعالى: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ

стр. 5912

رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ. ويأتي بعد تلك الآية في سورة البقرة قوله تعالى في وصف الفاسقين: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ويأتي في سورة المدثر: يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ* ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ* وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ* وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ* وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ والصلة بين هذه الآيات وبين ما ورد في سورة البقرة من حيث إنها تذكر مظاهر الخسران واضحة، ولهذا وذاك قلنا: إن محور سورة المدثر هو محور سورة المائدة، كما أن محور سورة المزمل هو محور سورة النساء. ولا نعرف تعليلا يعلل لمثل ما ذكرناه هنا سوى هذا التعليل الذي اتجهنا إليه في هذا التفسير، فهذا التشابه الحرفي بين ما ورد في محور هذه السورة من سورة البقرة، وبين ما ورد في سورة المدثر، ووجود مثل سورتي النساء والمائدة وراء بعضهما مبدوءتين ب (يا أيها) وسورتين مثل سورتي الطلاق والتحريم وراء بعضهما مبدوءتين ب (يا أيها)، وسورتين مثل سورتي المزمل والمدثر وراء بعضهما مبدوءتين ب (يا أيها) له سر، وله تعليل، وهذا التفسير هو الذي قدم لمثل هذا تعليلا يقوم عليه الدليل ولله الحمد والمنة. لقد رأينا أن سورة التحريم تفصل في محور سورة المائدة، وسورة المدثر تفصل في محور سورة المائدة، وكلتاهما ذكرت (المثل) ومحور سورة المائدة من سورة البقرة مذكور فيه المثل، أليس لهذا صلته ببعضه بعضا؟. لقد رأينا من قبل سورة الأحزاب يتعاقب فيها قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وأثبتنا هناك أن المقطع الذي بدايته (يا أيها النبي) يفصل في محور سورة النساء من سورة البقرة، وأن المقطع الذي بدايته (يا أيها الذين آمنوا) يفصل في محور سورة المائدة، أليس من العجيب أن محور سورة المائدة موجود فيه قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا وأنك تجد في سورة الأحزاب بعد مقطع مبدوء ب (يا أيها الذين آمنوا) وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ

стр. 5913

قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ ... إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ أو ليس من العجيب أن يتصور متصور أن مثل هذه المعاني لا تخضع لقاعدة عامة شاملة، فإذا استطعنا أن نقيم الدليل على هذه القاعدة الشاملة فإن ذلك هو الذي يتفق مع التصور الصحيح عن أفعال الله ، وعن كلماته، أن يكون فيها من الانتظام ومن النظام، ومن الضوابط ما لا يتناهى جماله، ولا يحاط بكمالاته، ولنعد إلى سورة المدثر. في محور سورة المدثر من سورة البقرة كلام عن موقف الكافرين من الأمثال القرآنية وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً، وفي سورة المدثر أمر رسول الله ﷺ أن ينذر أمثال هؤلاء، كما أن سورة المدثر قدمت لنا تفصيلا عن نفسية هؤلاء وتفكيرهم، وتبيانا للأسباب النفسية التي تجعلهم يقفون مثل هذه المواقف من القرآن، وفيها تفصيل لما يستحقونه، وفي السورة تربية للمؤمنين، وتعريف لرسول الله ﷺ على أدب الإنذار والتبشير، وفي السورة تعريف على القرآن وتعريف على الله ، ولذلك كله صلة في المحور كما سنرى. تتألف السورة من مقدمة وفقرتين: المقدمة وتستمر حتى نهاية الآية (١٠). الفقرة الأولى وتستمر حتى نهاية الآية (٣١). الفقرة الثانية وتستمر حتى نهاية السورة أي: حتى نهاية الآية (٥٦). رأينا في مقدمة تفسير سورة المزمل أن سبب نزول سورتي المزمل والمدثر كان ما قابل به رسول الله ﷺ تآمر قريش، واتهاماتها من التزمل والتدثر، وأن هناك روايات أخرى ذكرت أن سبب النزول كان لفرق رسول الله ﷺ من رؤية جبريل مرة ثانية بعد المرة الأولى التي كان فيها بدء الوحي، وللجمع بين الروايتين يمكن أن يقال: إن رسول الله ﷺ قابل ظهور جبريل في المرة الثانية بفرق تدثر وتزمل معه، فنزلت

стр. 5914

عليه السورتان، وقابل تآمر قريش بنفس الوضع فذكر بالسورتين. والملاحظ أن سورة المزمل ورد فيها قوله تعالى: وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا وأن سورة المدثر ورد فيها قوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً* وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً ... فكأن في سورة المدثر نموذجا للمكذبين أولي النعمة ومواقفهم التي تقتضي أن يترك رسول الله ﷺ أمرهم لله ، وفي بدء سورة المدثر يقول تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ مع وجود قوله تعالى في السورة: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ... ما يفيد أن الإنذار هو الأصل، وأن من اتصف بخصائص معينة هذا الذي وحده لا ينفع معه الإنذار، ويترك أمره لله يعذبه الله بيده أو بيد المؤمنين أثناء إقامتهم أمر الله بالجهاد والعدل. نلاحظ أن سورة الحاقة تحدثت عن أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، وتحدثت عن المكذبين باليوم الآخر، وأن سورة المعارج تحدثت عن الكافرين وموقف من مواقفهم، وأن سورة نوح حدثتنا عن أمة رفضت الإنذار، وأن سورة الجن حدثتنا عن نفر قبلوا الإنذار، وأن سورة المزمل حددت للنذير ما ينبغي فعله في علاقته مع الله، وفي مواقفه من نوع من الكافرين، وتأتي سورة المدثر لتحدد للنذير أخلاقه التي تقتضيها عملية الإنذار، وموقفه من أنواع من المكذبين، وعرض لحال أهل اليمين ولحال المجرمين في الآخرة، مما يذكرنا بسورة الحاقة، فسورة المدثر تكمل دور سورة المزمل، وهي ترتبط بمجموعتها كلها برباط وثيق، وهكذا نجد المجموعة تتكامل مع بعضها في معانيها، وتتكامل مع بعضها في تفصيلها لمحاورها من سورة البقرة لتفصل في الأساس والطريق.

стр. 5915

مقدمة السورة وتستمر من الآية (١١) إلى نهاية الآية (٣١) وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة المدثر (٧٤): الآيات ١ الى ١٠] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) التفسير: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ أي: المتدثر فأدغمت التاء بالدال، والمتدثر: هو المتلفف بثيابه من الدثار، وهو كل ما كان من الثياب فوق الشعار، والشعار: هو الثوب الذي يلي الجسد قُمْ فَأَنْذِرْ أي: قم من مضجعك، أو قم قيام عزم وتصميم فأنذر، أي: فحذر قومك من عذاب الله، إن لم يؤمنوا، أو فافعل الإنذار من غير تخصيص له بأحد. قال النسفي: قيل سمع من قريش ما كرهه فتغطى بثوبه مفكرا كما يفعل المغموم، فقيل له يا أيها الصارف أذى الكفار عن نفسك بالدثار قم فاشتغل بالإنذار وإن آذاك الفجار، وقال ابن كثير في الآية: أي: شمر عن ساعد العزم وأنذر الناس، وبهذا حصل الإرسال كما حصل بالأول- أي: بقوله تعالى: اقرأ- النبوة. أقول: وإذن فهذه أول آية أمرته ﷺ بالإنذار، ومن ثم بدأت بهذه الآية رسالته إلى الناس، كما بدأت بالآية الأولى نبوته وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ قال ابن كثير: أي: عظم، وقال النسفي: أي: واختص ربك بالتكبير وهو التعظيم أي: لا يكبر في عينك غيره، وقل عند ما يوعدك غير الله: الله أكبر ... وقد يحمل على تكبير الصلاة، ودخلت الفاء (أي: على قوله تعالى: فكبر) لمعنى الشرط كأنه قيل: ومهما كان فلا تدع تكبيره. أقول: إن الأمر بالتعظيم في سياق الأمر بالإنذار إشعار بأنه بدون تعظيم كامل لله في

стр. 5916

القلب لا تتأتى عملية الإنذار وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ أي: فليكن ما يظهر منك للناس من فعل أو مظهر طاهرا حتى لا يؤثر ذلك على عملية الإنذار، فإن الناس إذا رأوا أي شين في الداعية كرهوا لذلك دعوته، وعابوه، فرفضوا قبول دعوته، وسنرى في الفوائد أن أقوال المفسرين كلها تدور حول أن المراد بذلك إما طهارة النفس، أو طهارة اللباس، أو كلاهما، ومجئ هذا الأمر في سياق الإنذار يشير إلى هذا الذي ذكرناه، حتى قال الحسن البصري في الآية: أي: وخلقك فحسن، فما لم يكن الداعية نقي الظاهر والباطن، دقيق الأخذ والعطاء، سلوكه فوق النقد في كل الأمور، فإن إنذاره لا يكون مجديا كل الجدوى وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ الرجز: هو العذاب الذي يأتي أثرا عن المعصية، أي: فاهجر ما يؤدي إلى العذاب من شرك ومعصية، قال ابن كثير: وعلى كل تقدير (أي: في تفسير كلمة الرجز سواء فسرت بالأوثان أو بالمعصية) فلا يلزم تلبسه بشيء من ذلك. أقول: ومجئ هذا الأمر في سياق الأمر بالإنذار يشعر أن الداعية المتلبس بالمعاصي لا تنجح دعوته وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ في هذه الآية أربعة أقوال ذكرها ابن كثير: الأول: لا تعط العطية تلتمس أكثر منها، والثاني: لا تمنن بعملك على ربك تستكثره، والثالث: لا تضعف أن تستكثر من الخير، وهذا على القول بأن تمنن في لغة العرب تأتي بمعنى تضعف، والرابع: لا تمنن بالنبوة على الناس تستكثرهم بها فتأخذ عليها عوضا من الدنيا. فهذه أقوال أربعة وقد رجح ابن كثير الأول، واختار ابن جرير الثاني، وعلى كل حال ففي قوله تعالى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ توجيه لرسول الله ﷺ في مقام الإنذار فكل ما يدخل تحت اللفظ- مما له علاقة بالإنذار- مراد به، فالاستشراف للمكافأة والزيادة والاستشراف لما في أيدي الناس، واستكثار العمل لله والمنة على الله به والمنة على الناس بسبب النبوة لمعنى دنيوي، كل هذه المعاني مما ينبغي أن يلاحظها الداعية وهو يقوم بعملية الإنذار، ثم قال تعالى: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ قال ابن كثير: أي: اجعل صبرك على أذاهم لوجه ربك ، وقال النسفي: (أي: ولوجه الله فاستعمل الصبر على أوامره ونواهيه، وكل مصبور عليه ومصبور عنه) ثم علل تعالى لوجوب الأمر بالإنذار بقوله: فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ أي: فإذا نفخ في الصور فَذلِكَ أي: وقت النقر يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ قال النسفي: (فكأنه قيل: فيوم النقر يوم عسير) والعسير: الشديد عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ أي: غير سهل عليهم، وقد آذن التعبير أن ذلك يوم يسير على المؤمنين، كما آذن أن ذلك اليوم لا يرجى أن يرجع يسيرا مثلما يرجى تيسير العسير من أمور

стр. 5917

الدنيا، وقد ربط النسفي الفاء في الآية بالآية التي قبلها، فصار المعنى عنده: كأنه قيل: اصبر على أذاهم؛ فبين أيديهم يوم عسير يلقون فيه عاقبة أذاهم، وتلقى عاقبة صبرك عليه، والذي أرجحه أن ما بعد الفاء في الآية تعليل للأمر بالإنذار فإن شدة ذلك اليوم تقتضي الإنذار، وما يقتضيه الإنذار من تعظيم لله، وتطهير للنفس، وهجر للمعاصي، وترك للمنة، وعزوف عن الاستكثار، وصبر على القيام بأوامر الله. كلمة في السياق: ١ - بدأت السورة بالأمر بالإنذار وما يقتضيه الإنذار من أخلاق، وعللت لذلك بمجيء يوم القيامة وشدته على الكافرين مما يقتضي أن ينذر الناس جميعا ليعرفوا ما أمامهم. ٢ - بعد الآيتين اللتين جاءتا مباشرة بعد مقدمة سورة البقرة ورد قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ* وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ لو تأملنا هذه الآيات منطوقها، ومفهومها، ونصها، وإشارتها لوجدناها ترتبط برباط مع مقدمة سورة المدثر، فسورة المدثر تأمر من أنزل عليه القرآن أن يقوم بواجب الإنذار، والقيام بواجب الإنذار يقتضي القيام بالتبشير، ولكن التبشير إنما يكون إذا وجد مؤمنون، وسورة المدثر نزلت ولما يوجد مؤمنون بعد. ٣ - بعد الآيات المذكورة من سورة البقرة يأتي قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وتأتي فقرة في سورة المدثر تعطينا نموذجا على هؤلاء الخاسرين الذين ضلوا ولا ينفع معهم إنذار، وتعطينا نموذجا على اعتراض المعترضين على أمثال القرآن، ونموذجا لأمثال القرآن التي

стр. 5918

يضل بسببها من ضل، ويهتدي بها من يهتدي، وكما تفصل الفقرة في هذه المعاني التي لها صلة بمحور السورة فإنها تنذر أشد الإنذار ولذلك صلته بسياق السورة. الفقرة الأولى وتستمر من الآية (١) إلى نهاية الآية (١٠) وهذه هي [سورة المدثر (٧٤): الآيات ١١ الى ٣١] ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلاَّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَما هِيَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١)

стр. 5919

التفسير: ذَرْنِي أي: دعني وَمَنْ خَلَقْتُ أي: كله إلي وَحِيداً أي: ذرني وحدي معه فإني أكفيك أمره، أو ذرني ومن خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد، أو ذرني ومن خلقته منفردا بلا أهل ولا مال ثم أنعمت عليه، وكل من الأقوال الثلاثة ذكره النسفي وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً أي: واسعا كثيرا، أي: مبسوطا كثيرا، أو ممدودا بالنماء وَبَنِينَ شُهُوداً أي: حضورا لا يغيبون عنه. قال ابن كثير: أي: حضورا عنده لا يسافرون بالتجارات بل مواليهم وأجراؤهم يتولون ذلك عنهم وهم قعود عند أبيهم يتمتع بهم ويتملى بهم وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً أي: مكنته من صنوف المال، وأسباب الجاه، قال النسفي: (أي: وبسطت له الجاه والرئاسة فأتممت عليه نعمتي الجاه والمال، واجتماعهما هو الكمال عند أهل الدنيا) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ مع أنه لم يشكر ولم يقابل تلك النعم بالشكر الذي هو الدخول في الإسلام والقيام بتكاليفه، قال النسفي: (هذا استبعاد واستنكار لطمعه وحرصه، فيرجو أن أزيد في ماله وولده من غير شكر) كَلَّا قال النسفي: (هذا ردع له وقطع لرجائه) ثم علل تعالى لقطع رجائه وإبعاد طمعه من المزيد بقوله إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا أي: للقرآن عَنِيداً أي: معاندا جاحدا، قال النسفي: وهو تعليل للردع على وجه الاستئناف كأن قائلا قال: لم لا يزاد؟ فقيل: إنه جحد آيات المنعم، وكفر بذلك نعمته، والكافر لا يستحق المزيد سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً قال مجاهد: أي: مشقة من العذاب. وقال قتادة: عذابا لا راحة فيه واختاره ابن جرير، وقال النسفي: أي: سأغشيه عقبة شاقة المصعد، ثم بين ماهية عناده فقال: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ أي: فكر ماذا يقول في القرآن، وقدر في نفسه ما يقوله وهيأه، قال النسفي: (هذا تعليل للوعيد) كأن الله تعالى عاجله بالفقر والذل بعد الغنى والعز لفساده، ويعاقبه في الآخرة بأشد العذاب لبلوغه بالعناد غايته، وتسميته القرآن سحرا، وقال ابن كثير: أي: إنما أرهقناه صعودا أي: قربناه من العذاب الشاق لبعده عن الإيمان لأنه فكر وقدر، أي: تروى ماذا يقول في القرآن حين سئل عن القرآن، ففكر ماذا يختلق من المقال، وقدر، أي: تروى فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ* ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ

стр. 5920

قَدَّرَ قال ابن كثير: دعاء عليه، وفسر النسفي: (قتل) بمعنى لعن، وعلل لمجئ ثم بين الدعاءين بأن ذلك يشعر أن الدعاء الثاني أبلغ من الأول ثُمَّ نَظَرَ قال ابن كثير: أي: أعاد النظرة والتروي ثُمَّ عَبَسَ أي: قبض بين عينيه وقطب وَبَسَرَ أي: كلح وكره، قال النسفي: أي: زاد في التقبض والكلوح ثُمَّ أَدْبَرَ أي: عن الحق وَاسْتَكْبَرَ عن مقامه وفي مقاله، قال ابن كثير: أي: صرف عن الحق ورجع القهقرى مستكبرا عن الانقياد للقرآن فَقالَ إِنْ أي: ما هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ أي: هذا سحر ينقله محمد ﷺ عن غيره ممن قبله ويحكيه عنهم ولهذا قال: إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ أي: ليس بكلام الله سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ قال ابن كثير: أي سأغمره فيها من جميع جهاته، وسقر اسم علم لجهنم لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ قال ابن كثير: أي تأكل لحومهم وعروقهم وعصبهم وجلودهم، ثم تبدل غير ذلك وهم في ذلك لا يموتون ولا يحيون، وقال النسفي: (أي: هي لا تبقي لحما ولا تذر عظما) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ قال النسفي: (أي: هي لواحة للبشر، جمع بشرة وهي ظاهر الجلد، أي: مسودة للجلود ومحرقة لها)، قال ابن كثير: (قال أبو رزين: تلفح الجلد لفحة فتدعه أسود من الليل) عَلَيْها أي: على سقر، أي: يلي أمرها تِسْعَةَ عَشَرَ ملكا عند الجمهور، قال النسفي: وقيل: صنفا من الملائكة، وقيل صفا وقيل نقيبا وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً أي: وما جعلنا خزان النار إلا ملائكة، أي: زبانية غلاظا شدادا، أي: شديدي الخلق لا يقاومون ولا يغالبون. قال النسفي: لأنهم خلاف جنس المعذبين فلا تأخذهم الرأفة والرقة لأنهم أشد الخلق بأسا، فللواحد منهم قوة الثقلين وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ تسعة عشر إِلَّا فِتْنَةً أي: ابتلاء واختبارا لِلَّذِينَ كَفَرُوا وكما أن في ذكر عددهم فتنة للكافرين فإن في هذا الذكر زيادة يقين للمؤمنين، قال ابن كثير: أي: إنما ذكرنا عدتهم أنهم تسعة عشر اختبارا منا للناس لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ قال ابن كثير: أي: يعلمون أن هذا الرسول حق، فإنه نطق بمطابقة ما بأيديهم من الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء قبله وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً قال ابن كثير: أي: إلى إيمانهم بما يشهدون من صدق أخبار نبيهم محمد ﷺ وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ في شأن هذا القرآن؛ لأنهم يرون أن كل ما فيه حق وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي: نفاق وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا قال النسفي: (والمعنى: أي شئ أراد
следующие страницы →