Полный текст (6 440 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.
стр. 5916
القلب لا تتأتى عملية الإنذار
وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ أي: فليكن ما يظهر منك للناس من فعل أو مظهر طاهرا حتى لا يؤثر ذلك على عملية الإنذار، فإن الناس إذا رأوا أي شين في الداعية كرهوا لذلك دعوته، وعابوه، فرفضوا قبول دعوته، وسنرى في الفوائد أن أقوال المفسرين كلها تدور حول أن المراد بذلك إما طهارة النفس، أو طهارة اللباس، أو كلاهما، ومجئ هذا الأمر في سياق الإنذار يشير إلى هذا الذي ذكرناه، حتى قال الحسن البصري في الآية: أي: وخلقك فحسن، فما لم يكن الداعية نقي الظاهر والباطن، دقيق الأخذ والعطاء، سلوكه فوق النقد في كل الأمور، فإن إنذاره لا يكون مجديا كل الجدوى
وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ الرجز: هو العذاب الذي يأتي أثرا عن المعصية، أي: فاهجر ما يؤدي إلى العذاب من شرك ومعصية، قال ابن كثير: وعلى كل تقدير (أي: في تفسير كلمة الرجز سواء فسرت بالأوثان أو بالمعصية) فلا يلزم تلبسه بشيء من ذلك. أقول: ومجئ هذا الأمر في سياق الأمر بالإنذار يشعر أن الداعية المتلبس بالمعاصي لا تنجح دعوته
وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ في هذه الآية أربعة أقوال ذكرها ابن كثير: الأول: لا تعط العطية تلتمس أكثر منها، والثاني: لا تمنن بعملك على ربك تستكثره، والثالث: لا تضعف أن تستكثر من الخير، وهذا على القول بأن تمنن في لغة العرب تأتي بمعنى تضعف، والرابع: لا تمنن بالنبوة على الناس تستكثرهم بها فتأخذ عليها عوضا من الدنيا. فهذه أقوال أربعة وقد رجح ابن كثير الأول، واختار ابن جرير الثاني، وعلى كل حال ففي قوله تعالى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ توجيه لرسول الله ﷺ في مقام الإنذار فكل ما يدخل تحت اللفظ- مما له علاقة بالإنذار- مراد به، فالاستشراف للمكافأة والزيادة والاستشراف لما في أيدي الناس، واستكثار العمل لله والمنة على الله به والمنة على الناس بسبب النبوة لمعنى دنيوي، كل هذه المعاني مما ينبغي أن يلاحظها الداعية وهو يقوم بعملية الإنذار،
ثم قال تعالى: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ قال ابن كثير: أي: اجعل صبرك على أذاهم لوجه ربك ، وقال النسفي: (أي: ولوجه الله فاستعمل الصبر على أوامره ونواهيه، وكل مصبور عليه ومصبور عنه)
ثم علل تعالى لوجوب الأمر بالإنذار بقوله: فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ أي: فإذا نفخ في الصور
فَذلِكَ أي: وقت النقر يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ قال النسفي: (فكأنه قيل: فيوم النقر يوم عسير) والعسير: الشديد
عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ أي: غير سهل عليهم، وقد آذن التعبير أن ذلك يوم يسير على المؤمنين، كما آذن أن ذلك اليوم لا يرجى أن يرجع يسيرا مثلما يرجى تيسير العسير من أمور
стр. 5917
الدنيا، وقد ربط النسفي الفاء في الآية بالآية التي قبلها، فصار المعنى عنده: كأنه قيل: اصبر على أذاهم؛ فبين أيديهم يوم عسير يلقون فيه عاقبة أذاهم، وتلقى عاقبة صبرك عليه، والذي أرجحه أن ما بعد الفاء في الآية تعليل للأمر بالإنذار فإن شدة ذلك اليوم تقتضي الإنذار، وما يقتضيه الإنذار من تعظيم لله، وتطهير للنفس، وهجر للمعاصي، وترك للمنة، وعزوف عن الاستكثار، وصبر على القيام بأوامر الله.
كلمة في السياق:
١ - بدأت السورة بالأمر بالإنذار وما يقتضيه الإنذار من أخلاق، وعللت لذلك بمجيء يوم القيامة وشدته على الكافرين مما يقتضي أن ينذر الناس جميعا ليعرفوا ما أمامهم.
٢ - بعد الآيتين اللتين جاءتا مباشرة بعد مقدمة سورة البقرة ورد قوله تعالى:
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ* وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ لو تأملنا هذه الآيات منطوقها، ومفهومها، ونصها، وإشارتها لوجدناها ترتبط برباط مع مقدمة سورة المدثر،
فسورة المدثر تأمر من أنزل عليه القرآن أن يقوم بواجب الإنذار، والقيام بواجب الإنذار يقتضي القيام بالتبشير، ولكن التبشير إنما يكون إذا وجد مؤمنون، وسورة المدثر نزلت ولما يوجد مؤمنون بعد.
٣ - بعد الآيات المذكورة من سورة البقرة يأتي قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وتأتي فقرة في سورة المدثر تعطينا نموذجا على هؤلاء الخاسرين الذين ضلوا ولا ينفع معهم إنذار، وتعطينا نموذجا على اعتراض المعترضين على أمثال القرآن، ونموذجا لأمثال القرآن التي
стр. 5918
يضل بسببها من ضل، ويهتدي بها من يهتدي، وكما تفصل الفقرة في هذه المعاني التي لها صلة بمحور السورة فإنها تنذر أشد الإنذار ولذلك صلته بسياق السورة.
الفقرة الأولى
وتستمر من الآية (١) إلى نهاية الآية (١٠) وهذه هي
[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١١ الى ٣١]
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥)
كَلاَّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠)
ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)
سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)
وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَما هِيَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١)
стр. 5919
التفسير:
ذَرْنِي أي: دعني وَمَنْ خَلَقْتُ أي: كله إلي وَحِيداً أي:
ذرني وحدي معه فإني أكفيك أمره، أو ذرني ومن خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد، أو ذرني ومن خلقته منفردا بلا أهل ولا مال ثم أنعمت عليه، وكل من الأقوال الثلاثة ذكره النسفي
وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً أي: واسعا كثيرا، أي: مبسوطا كثيرا، أو ممدودا بالنماء
وَبَنِينَ شُهُوداً أي: حضورا لا يغيبون عنه. قال ابن كثير: أي: حضورا عنده لا يسافرون بالتجارات بل مواليهم وأجراؤهم يتولون ذلك عنهم وهم قعود عند أبيهم يتمتع بهم ويتملى بهم
وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً أي:
مكنته من صنوف المال، وأسباب الجاه، قال النسفي: (أي: وبسطت له الجاه والرئاسة فأتممت عليه نعمتي الجاه والمال، واجتماعهما هو الكمال عند أهل الدنيا)
ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ مع أنه لم يشكر ولم يقابل تلك النعم بالشكر الذي هو الدخول في الإسلام والقيام بتكاليفه، قال النسفي: (هذا استبعاد واستنكار لطمعه وحرصه، فيرجو أن أزيد في ماله وولده من غير شكر)
كَلَّا قال النسفي: (هذا ردع له وقطع لرجائه) ثم علل تعالى لقطع رجائه وإبعاد طمعه من المزيد بقوله إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا أي: للقرآن عَنِيداً أي: معاندا جاحدا، قال النسفي: وهو تعليل للردع على وجه الاستئناف كأن قائلا قال: لم لا يزاد؟ فقيل: إنه جحد آيات المنعم، وكفر بذلك نعمته، والكافر لا يستحق المزيد
سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً قال مجاهد:
أي: مشقة من العذاب. وقال قتادة: عذابا لا راحة فيه واختاره ابن جرير، وقال النسفي: أي: سأغشيه عقبة شاقة المصعد،
ثم بين ماهية عناده فقال: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ أي: فكر ماذا يقول في القرآن، وقدر في نفسه ما يقوله وهيأه، قال النسفي: (هذا تعليل للوعيد) كأن الله تعالى عاجله بالفقر والذل بعد الغنى والعز لفساده، ويعاقبه في الآخرة بأشد العذاب لبلوغه بالعناد غايته، وتسميته القرآن سحرا، وقال ابن كثير: أي: إنما أرهقناه صعودا أي: قربناه من العذاب الشاق لبعده عن الإيمان لأنه فكر وقدر، أي: تروى ماذا يقول في القرآن حين سئل عن القرآن، ففكر ماذا يختلق من المقال، وقدر، أي: تروى
فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ* ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ
стр. 5920
قَدَّرَ قال ابن كثير: دعاء عليه، وفسر النسفي: (قتل) بمعنى لعن، وعلل لمجئ
ثم بين الدعاءين بأن ذلك يشعر أن الدعاء الثاني أبلغ من الأول ثُمَّ نَظَرَ قال ابن كثير: أي: أعاد النظرة والتروي
ثُمَّ عَبَسَ أي: قبض بين عينيه وقطب وَبَسَرَ أي: كلح وكره، قال النسفي: أي: زاد في التقبض والكلوح
ثُمَّ أَدْبَرَ أي: عن الحق وَاسْتَكْبَرَ عن مقامه وفي مقاله، قال ابن كثير: أي:
صرف عن الحق ورجع القهقرى مستكبرا عن الانقياد للقرآن
فَقالَ إِنْ أي: ما هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ أي: هذا سحر ينقله محمد ﷺ عن غيره ممن قبله ويحكيه عنهم ولهذا قال:
إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ أي: ليس بكلام الله
سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ قال ابن كثير: أي سأغمره فيها من جميع جهاته، وسقر اسم علم لجهنم
لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ قال ابن كثير: أي تأكل لحومهم وعروقهم وعصبهم وجلودهم، ثم تبدل غير ذلك وهم في ذلك لا يموتون ولا يحيون، وقال النسفي:
(أي: هي لا تبقي لحما ولا تذر عظما)
لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ قال النسفي: (أي:
هي لواحة للبشر، جمع بشرة وهي ظاهر الجلد، أي: مسودة للجلود ومحرقة لها)، قال ابن كثير: (قال أبو رزين: تلفح الجلد لفحة فتدعه أسود من الليل)
عَلَيْها أي: على سقر، أي: يلي أمرها تِسْعَةَ عَشَرَ ملكا عند الجمهور، قال النسفي:
وقيل: صنفا من الملائكة، وقيل صفا وقيل نقيبا
وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً أي: وما جعلنا خزان النار إلا ملائكة، أي: زبانية غلاظا شدادا، أي: شديدي الخلق لا يقاومون ولا يغالبون. قال النسفي: لأنهم خلاف جنس المعذبين فلا تأخذهم الرأفة والرقة لأنهم أشد الخلق بأسا، فللواحد منهم قوة الثقلين وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ تسعة عشر إِلَّا فِتْنَةً أي: ابتلاء واختبارا لِلَّذِينَ كَفَرُوا وكما أن في ذكر عددهم فتنة للكافرين فإن في هذا الذكر زيادة يقين للمؤمنين، قال ابن كثير: أي: إنما ذكرنا عدتهم أنهم تسعة عشر اختبارا منا للناس لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ قال ابن كثير: أي: يعلمون أن هذا الرسول حق، فإنه نطق بمطابقة ما بأيديهم من الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء قبله وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً قال ابن كثير: أي: إلى إيمانهم بما يشهدون من صدق أخبار نبيهم محمد ﷺ وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ في شأن هذا القرآن؛ لأنهم يرون أن كل ما فيه حق وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي:
نفاق وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا قال النسفي: (والمعنى: أي شئ أراد
стр. 5921
الله بهذا العدد العجيب؟ وأي معنى أراد في أن جعل الملائكة تسعة عشر لا عشرين؟
وغرضهم إنكاره أصلا، وأنه ليس من عند الله، وأنه لو كان من عند الله لما جاء بهذا العدد الناقص) وقال: (فإن قلت: النفاق ظهر في المدينة والسورة مكية، قلت:
معناه: وليقول المنافقون الذين يظهرون في المستقبل بالمدينة بعد الهجرة والكافرون بمكة ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا وهذا إخبار بما سيكون كسائر الإخبارات بالغيوب وذا لا يخالف كون السورة مكية، وقيل: المراد بالمرض: الشك والارتياب؛ لأن أهل مكة كان أكثرهم شاكين، و (مثلا) تمييز لهذا أو حال منه كقوله: هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً* ولما كان ذكر العدد في غاية الغرابة، وأن مثله حقيق بأن تسير به الركبان سيرها بالأمثال سمي مثلا) كَذلِكَ قال النسفي: أي: مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى يعني إضلال المنافقين والمشركين حتى قالوا ما قالوا، وهدى المؤمنين لتصديقه، ورؤية الحكمة في ذلك يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ من عباده وهو الذي علم منه اختيار الضلال وسار في طرائقه وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وهو الذي علم منه اختيار الاهتداء، وسار في طرائقه، وقال النسفي: وفيه دليل خلق الأفعال، ووصف الله بالهداية والإضلال، وقال ابن كثير في النص: أي: من مثل هذا وأشباهه يتأكد الإيمان في قلوب أقوام، ويتزلزل عند آخرين، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ لفرط كثرتها إِلَّا هُوَ قال النسفي: فلا يعز عليه تتميم الخزنة عشرين، ولكن له في هذا العدد الخاص حكمة لا تعلمونها، وقال ابن كثير: أي:
ما يعلم عددهم وكثرتهم إلا هو تعالى؛ لئلا يتوهم متوهم أنهم تسعة عشر فقط وَما هِيَ قال ابن كثير: أي: النار التي وصفت، وقال النسفي: أي: ما سقر وصفتها إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ أي: تذكرة للبشر، وذكر النسفي وجها آخر للآية معناه: أي: وما هذه الآيات إلا ذكرى للبشر، وبهذا انتهت الفقرة الأولى.
كلمة في السياق:
١ - رأينا في هذه الفقرة نموذجا من الكافرين ذا صفات محددة:
أ- أنه لا يقابل العطاء المتزايد من الله بالشكر. ب- أنه يعاند القرآن الكريم ويحاربه ويخطط لإبطال أمره فيفكر ويقدر لذلك. ج- أنه مدبر عن الحق مستكبر عن قبوله. د- أنه يشكك بأمثال القرآن ومعاني القرآن.
стр. 5922
هذا النوع من الناس لا ينفع معه إنذار، ويستحق الإضلال، ومن ثم أمر الله رسوله ﷺ أن يكل أمر هذا النوع من الناس إليه، ولو تأملنا الصفات
التي ذكرناها فإننا نجد فيها نقض ميثاق، وقطعا لما أمر الله به أن يوصل، وإفسادا في الأرض، ومن ثم استحق صاحبه الخسارة في الدنيا والآخرة، ولذلك صلته بمحور السورة: وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ.
٢ - رأينا في الفقرة ماذا يستحق هذا النوع من الناس من قطع ورود النعمة عنه، ومن استحقاقه العذاب الشاق يوم القيامة، ومن إدخاله النار، وفي ذلك إنذار للخلق من أن يسيروا على طريق مثل هذا، وصلة ذلك بسياق السورة الخاص وهو الإنذار وما يتعلق به واضحة، ومن ثم ختمت الفقرة بقوله تعالى: وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ.
٣ - النموذج الذي توافرت فيه هذه الصفات كلها في زمن النبوة هو الوليد ابن المغيرة، كما سنرى في أسباب النزول، ولكنه نموذج يتكرر في الحياة البشرية دائما، وإذ يذكر الله هذا النموذج إبان نزول القرآن، فذلك معجزة قرآنية إذ تذكر هذه الآيات عن هذا الإنسان أنه سيموت على الكفر، وقد كان ذلك، وكم من إنسان كان في الظاهر مثله في الكفر ثم آمن.
٤ - في محور السورة من سورة البقرة ورد قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها وفي سورة الحج المبدوءة ب (يا أيها) ضرب الله مثلا بالذباب في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وفي سورة المدثر ضرب الله مثلا بزبانية جهنم وعددهم، فمثال سورة الحج صاحبه غاية في الحقارة، ومثال سورة المدثر أصحابه غاية في العظمة والشدة، وشأن الله أن يضرب في كتابه المثل بهذا وهذا وغيرهما مما شاء، وفي كل مرة يضرب الله مثلا بشيء تكون المسألة على الشكل التالي:
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا وكما قال تعالى في سورة المدثر: لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً* وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ
стр. 5923
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا فمن الموقف من المثل يعرف المستحقون للإضلال من المستحقين للهداية، ومن ثم قال تعالى في سورة البقرة:
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ وقال تعالى هنا في سورة المدثر: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وفي سورة البقرة فصل الله في صفات من يستحقون الإضلال وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وفي سورة المدثر ذكر الله نموذجا لإنسان متصف بهذه الصفات.
٥ - مما مر ندرك صلة الفقرة بمحور السورة وقد آن لنا أن نذكر شيئا عن سياق السورة الخاص، بدأت السورة بالأمر بالإنذار وما يقتضيه ذلك من خصائص ينبغي أن يلتزم بها النذير، ثم ذكرت السورة نموذجا من الناس لا ينتفع بالإنذار، وقد بين الله لرسوله ﷺ أن يترك هذا النوع من الناس لله، فإنه سيعاقبه بأنواع العذاب الدنيوي والأخروي، ولننتقل إلى الفقرة الثانية في السورة.
стр. 5924
الفقرة الثانية
وتمتد من الآية (٣٢) إلى نهاية السورة أي إلى نهاية الآية (٥٦) وهذه هي:
[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣٢ الى ٥٦]
كَلاَّ وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيراً لِلْبَشَرِ (٣٦)
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلاَّ أَصْحابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١)
ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)
حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)
بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلاَّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَما يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)
ملاحظة على السياق:
بدأت السورة بأمر رسول الله ﷺ بالإنذار، وجاءت الفقرة الأولى لتنذر من خلال العرض لمآل نموذج يرفض الإنذار، ثم تأتي الفقرة الأخيرة في السورة، فتبدأ بذكر معان تمهد لقبول إنذار النذير، وتبين قيمة بعثة النذير في تاريخ البشرية وأهميتها بالنسبة للإنسان، ثم تحض على قبول الإنذار، والفقرة مع أدائها لهذا المعنى وغيره هي في نفسها إنذار.
стр. 5925
التفسير:
كَلَّا قال النسفي في صلة هذا الحرف بما قبله مباشرة أي: بقوله تعالى:
وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ قال: هي إنكار بعد أن جعلها ذكرى أن تكون لهم ذكرى؛ لأنهم لا يتذكرون. أقول: (كلا) حرف ردع وزجر، وهي هنا في هذا السياق ردع
وزجر للكافرين والمنافقين في شكهم وارتيابهم، وتشكيكهم بمضمون هذه الرسالة، ورد عليهم، ومن ثم جاءت بعد ذلك هذه الأقسام وجوابها وَالْقَمَرِ قال النسفي: أقسم به لعظم منافعه
وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ أي: ولى وذهب
وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ أي: أضاء وأشرق
إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ أي: إن سقر لمن إحدى العظائم، قال النسفي: ومعنى: إنها إحداهن: أنها من بينهن واحدة في العظم لا نظير لها، كما تقول: هو أحد الرجال، وهي إحدى النساء. أقول: أرجع الضمير إلى سقر في هذه الآية على القول بأن آخر المجموعة السابقة وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ يراد به سقر، إلا أننا رأينا أن هناك اتجاها آخر في الضمير ذكره النسفي أرجع فيه الضمير على الآيات، فليس شرطا أن نرجع الضمير إلى النار بل يمكن أن يكون التقدير: إن أعظم حادثة في الوجود هي أن يرسل الله تعالى نذيرا للبشر،
ومن ثم فسرت الآية اللاحقة هذه الواحدة التي لا أعظم منها، فقالت نَذِيراً لِلْبَشَرِ
ثم قال تعالى: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ قال ابن كثير:
(أي: لمن شاء أن يقبل النذارة ويهتدي للحق، أو يتأخر عنها ويتولى ويردها)، وقال النسفي: (أي: لمن شاء منكم أن يتقدم إلى الخير أو يتأخر عنه)، وعن الزجاج:
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلى ما أمر أَوْ يَتَأَخَّرَ عما نهي. أقول: أقسم الله بما أقسم به أن النار من أعظم ما ينذر به الكافر والمؤمن على السواء، أو أقسم الله بما أقسم به أن من أعظم الأشياء الكبيرة أن يرسل الله نذيرا للبشر لمن يختار الهداية، أو يختار الضلال على السواء،
ثم بين الله ، لم كانت هذه القضية أعظم الأشياء، بأن ذكر حال الناس يوم القيامة حيث لا ينجو إلا من قبل دعوة النذير فصلى وأنفق وآمن فقال: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ أي: رهن، قال النسفي: والمعنى: كل نفس رهن بكسبها عند الله غير مفكوك، وقال ابن كثير في تفسير (رهينة): أي: معتقلة بعملها يوم القيامة
إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ أي:
إلا المسلمين الذين قبلوا الإنذار وعملوا بمقتضاه، فإنهم فكوا رقابهم بالطاعة كما يخلص
стр. 5926
الراهن رهنه بأداء الحق فهؤلاء
فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ* عَنِ الْمُجْرِمِينَ أي: يسأل بعضهم بعضا، أو يتساءلون فيسألون المجرمين
ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ أي:
ما أدخلكم فيها، والصيغة تفيد أنه بعد التساؤل عنهم صار سؤال لهم
قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ* وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ أي: لم نكن مسلمين نصلي كما يصلون، ونطعم كما يطعمون. قال ابن كثير: أي: ما عبدنا ربنا ولا أحسنا إلى خلقه من جنسنا
وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ قال النسفي: (الخوض: الشروع في الباطل، أي:
نقول الباطل والزور في آيات الله) وقال ابن كثير: أي: نتكلم فيما لا نعلم، وقال قتادة: كلما غوى غاو غوينا معه
وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ أي: بالحساب والجزاء أي: باليوم الآخر
حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ أي: الموت
فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ أي: من الملائكة والنبيين والصالحين؛ لأنها للمؤمنين دون الكافرين، وفي الآية دليل لثبوت الشفاعة للمؤمنين. قال ابن كثير: أي: من كان متصفا بمثل هذه الصفات فإنه لا تنفعه يوم القيامة شفاعة شافع فيه؛ لأن الشفاعة إنما تنجح إذا كان المحل قابلا، فأما من وافى الله كافرا يوم القيامة فإن له النار لا محالة خالدا فيها
فَما لَهُمْ أي: فما لهؤلاء الكفرة والأمر كذلك عَنِ التَّذْكِرَةِ قال النسفي: أي: عن التذكير وهو العظة أي: القرآن مُعْرِضِينَ أي: مولين، وقال ابن كثير: أي:
فما لهؤلاء الكفرة الذين قبلك عما تدعوهم إليه وتذكرهم به معرضين. أقول: وهذا دليل على أن المراد بقوله تعالى: وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ وقوله تعالى:
إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ نَذِيراً لِلْبَشَرِ المراد به ما رجحناه وهو القرآن،
ثم بين الله شدة نفورهم من التذكرة كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ الحمر: جمع حمار، ومستنفرة أي: شديدة النفار، كأنها تطلب النفار من نفوسها
فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ أي: من رماة أو أسد، قال النسفي: شبهوا في إعراضهم عن القرآن واستماع الذكر بحمر جرت في نفارها، وقال ابن كثير: أي: كأنهم في نفارهم عن الحق وإعراضهم عنه، حمر من حمر الوحش، إذا فرت ممن يريد صيدها من أسد.
أقول: فأصبح المعنى: ما لهم والعذاب أمامهم يفرون من النذير هذا الفرار الشديد؟!، وبعد أن بينت الفقرة خطورة أن يبعث الله نذيرا للبشر وعجبت من حال المعرضين عن النذير ووصفت شدة نفارهم، فإنها تتجه لتبيان ماهية المعاني المستقرة في أنفسهم، والتي تحول بينهم وبين قبول الإنذار والاستجابة للنذير.
стр. 5927
بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً أي: تنشر وتقرأ. قال ابن كثير: أي: بل يريد كل واحد من هؤلاء المشركين أن ينزل عليه كتاب كما أنزل الله على النبي ﷺ
كَلَّا ردع لهم عن تلك الإرادة وزجر لهم، وبيان أن سنة الله ليست كذلك بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ قال ابن كثير: (أي: إنما أفسدهم عدم إيمانهم بها وتكذيبهم بوقوعها)، أقول: هاتان هما علتا الإعراض عن قبول الإنذار:
حسد للنذير وكفر بالآخرة.
كلمة في السياق:
رأينا أن الفقرة الأولى ختمت بقوله تعالى: وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ ورجحنا أن المعنى: وما آيات القرآن إلا ذكرى للبشر، ثم رأينا في بداية الفقرة الثانية قوله تعالى: إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ* نَذِيراً لِلْبَشَرِ ثم رأينا قوله تعالى: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ثم تأتي ثلاث آيات تقرر أن هذا القرآن موعظة كافية، وتبين أن الله أهل لأن يتقى، وأهل لأن يغفر، فهي تعرف على الله والقرآن لتأخذ بيد الإنسان ليقبل الإنذار، قال تعالى:
كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ قال ابن كثير: أي: حقا إن القرآن تذكرة، وقال النسفي: ردعهم عن إعراضهم عن التذكرة، وقال: إن القرآن تذكرة مبينة كافية
فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ قال الفخر الرازي: (أي: جعله نصب عينه، فإن نفع ذلك عائد عليه) وقال النسفي: (أي: فمن شاء أن يذكره ولا ينساه فعل فإن نفع ذلك عائد إليه).
أقول: فعلى المسلم ألا يغفل عن القرآن
وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ قال النسفي: أي: إلا وقت مشيئة الله، أو إلا بمشيئة الله هُوَ أَهْلُ التَّقْوى أي: أهل لأن يتقى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ أي: أهل لأن يغفر لمن اتقاه.
كلمة في السياق:
١ - بدأت السورة بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ وختمت الفقرة الأولى بقوله تعالى: وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ والذي نراه أن الضمير يعود على الآيات المذكورة في قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً ثم جاءت الفقرة الثانية،
стр. 5928
وختمت بقوله تعالى عن القرآن: كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ وهذا يفيد أن الإنذار الذي أمر به رسول الله ﷺ هو تبليغ هذا القرآن، وتبيان مضامينه، وهكذا نجد أن السورة في سياقها الرئيسي انصبت على الإنذار وأداته التي هي القرآن.
٢ - في مقدمة السورة رأينا قوله تعالى: فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ* فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ... وفي الفقرة الأولى رأينا قوله تعالى: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ... وفي الفقرة الثانية رأينا قوله تعالى: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ... وهكذا نجد أن السورة في سياقها الرئيسي صبت على التذكير باليوم الآخر في البداية والوسط والنهاية، مما يشير إلى أن الإنذار مرتبط ارتباطا كاملا بموضوع اليوم الآخر، ومن غفل عن هذا فاته الإنذار والتذكير، وليس كالقرآن مذكرا باليوم الآخر، ومن ثم فعلى الدعاة أن يكثروا من التفسير، وأن يربطوا الناس بهذا القرآن.
٣ - عرضت لنا الفقرة الأولى صفات من يستحقون الإضلال ومن لا ينفعهم التذكير، وعرضت لنا الفقرة الثانية صفات من دخلوا النار: ١ - ترك الصلاة.
٢ - ترك إطعام المساكين. ٣ - الخوض مع الخائضين. ٤ - التكذيب بيوم الدين.
٥ - الإعراض عن التذكرة. وهذه كلها مظاهر لنقض الميثاق ولقطع ما أمر الله به أن يوصل، وللإفساد في الأرض، وصلة ذلك بمحور السورة واضحة وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ.
٤ - في آخر السورة ورد قوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ* فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ* وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ولذلك صلته بقوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وعلينا أن ننتبه إلى تتمة الآية من سورة البقرة وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ... مما يشير إلى أن الله إذا شاء إضلال إنسان فلأن هذا الإنسان يستحق ذلك بسبب من أعماله، ومن ثم ختمت سورة المدثر بقوله تعالى:
هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ فكما أنه أهل لأن يتقى فإنه أهل لأن يغفر، ولا يهلك على الله إلا هالك، فمن تنكب التقوى، وتنكب طريق المغفرة، فإنه هو الذي يهلك نفسه.
٥ - وقد سارت السورة في سياقها الخاص على المسار التالي: بدأت السورة بأمر رسول الله ﷺ بالإنذار، وبينت له أدب النذير، وسبب الإنذار، وهو مجئ يوم
стр. 5929
القيامة، ثم بينت له أن نوعا من الناس لا يقبل الإنذار فليدعه لله، وبينت له ما أعده الله لهذا من عذاب، ثم استأنفت لتحدثنا عن موقف الكافرين والمؤمنين من المثل القرآني، ثم سارت السورة لتبين أهمية أن يبعث الله نذيرا للبشر، ثم عجبت من موقف الكافرين من الإنذار، ثم بينت العلة الرئيسية لهذا الموقف، ثم ختمت بالتذكير بهذا القرآن المنزل على النذير، وحضت على التذكر، وعلقت التذكر على مشيئة الله؛ ليقبل العبد بقلبه على الله تائبا طالبا.
٦ - يلاحظ أن السورة ختمت بقوله تعالى: هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ وفي هذا المقام سر لطيف، فالسورة أنذرت من خلال التذكير باليوم الآخر حتى استغرق ذلك كثيرا من السورة، ثم ختمت بالتذكير بأن الله حري أن يتقيه المتقون، لأنه أهل التقوى، حري أن يستغفره المستغفرون؛ لأنه أهل المغفرة، فأصل أصيل في
التذكير أن يذكر بجلال الله وجماله وكماله في إنهاض الهمم إليه، والتذكير باليوم الآخر طريق لذلك.
الفوائد:
١ - هناك أقوال كثيرة في قوله تعالى: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ذكرنا مآلها في صلب التفسير وهاهنا ننقل بعض عبارات المفسرين في ذلك: قال الأجلح الكندي عن عكرمة عن ابن عباس أنه أتاه رجل فسأله عن هذه الآية وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ قال:
لا تلبسها على معصية ولا على غدرة ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن مسلمة الثقفي:
فإني بحمد الله لا ثوب فاجر ... لبست ولا من غدرة أتقنع
وقال ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في هذه الآية وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ قال:
في كلام العرب نقي الثياب، وفي رواية بهذا الإسناد: فطهر من الذنوب، وكذا قال إبراهيم والشعبي وعطاء، وقال الثوري عن رجل عن عطاء عن ابن عباس في هذه الآية وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ قال: من الإثم، وكذا قال إبراهيم النخعي، وقال مجاهد وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ قال: نفسك، ليس ثيابه، وفي رواية عنه: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ: أي: عملك فأصلح، وكذا قال أبو رزين وفي رواية أخرى: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ: أي: لست بكاهن ولا ساحر فأعرض عما قالوا، وقال قتادة: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ: أي: طهرها من المعاصي، وكانت العرب تسمي الرجل إذا نكث ولم يف
стр. 5930
بعهد الله: إنه لدنس الثياب، وإذا وفى وأصلح: إنه لمطهر الثياب، وقال عكرمة والضحاك: لا تلبسها على معصية. وقال الشاعر:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل
(وقال العوفي عن ابن عباس: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ يعني: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طائل، ويقال: لا تلبس ثيابك على معصية، وقال محمد ابن سيرين: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ أي: اغسلها بالماء، وقال ابن زيد: كان المشركون لا يتطهرون فأمره الله أن يتطهر وأن يطهر ثيابه، وهذا القول اختاره ابن جرير، وقد تشمل الآية جميع ذلك مع طهارة القلب، فإن العرب تطلق الثياب عليه كما قال امرؤ القيس:
أفاطم مهلا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت هجري فأجملي
وإن تك قد ساءتك مني خليقة ... فسلي ثيابي من ثيابك تنسل
وقال سعيد بن جبير وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ: وقلبك ونيتك فطهر، وقال محمد ابن كعب القرظي والحسن البصري: وخلقك حسن).
أقول: وبعضهم فسر تطهير الثياب بتقصيرها؛ لأن من أطالها فقد عرضها للإصابة، وبعد كلام طويل عن هذه الآية قال الألوسي: (وجوز أن يراد بالتطهير إزالة ما يستقذر مطلقا، سواء النجس أو غيره من المستقذر الطاهر، ومنه الأوساخ، فيكون ذلك أمرا له صلى الله تعالى عليه وسلم بتنظيف ثيابه، وإزالة ما يكون فيها من وسخ وغيره من كل ما يستقذر، فإنه منفر لا يليق بمقام البعثة، ويستلزم هذا بالأولى تنظيف البدن من ذلك، ولذا كان صلى الله تعالى عليه وسلم أنظف الناس ثوبا وبدنا، وربما يقال باستلزام ذلك بالأولى- أيضا- الأمر بالتنزه عن المنفر القولي والفعلي، كالفحش والفظاظة والغلظة إلى غير ذلك فلا تغفل).
٢ - بمناسبة قوله تعالى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ قال صاحب الظلال: (وهو سيقدم الكثير، وسيبذل الكثير، وسيلقى الكثير من الجهد والتضحية والعناء. ولكن ربه يريد منه ألا يظل يستعظم ما يقدمه ويستكثره ويمنن به ... وهذه الدعوة لا تستقيم في نفس تحس بما تبذل فيها. فالبذل فيها من الضخامة بحيث لا تحتمله النفس إلا حين تنساه. بل حين لا تستشعره من الأصل لأنها مستغرقة في الشعور بالله؛ شاعرة بأن
стр. 5931
كل ما تقدمه هو من فضله ومن عطاياه. فهو فضل يمنحها إياه، وعطاء يختارها له، ويوفقها لنيله. وهو اختيار واصطفاء وتكريم يستحق الشكر لله. لا المن والاستكثار).
٣ - بمناسبة قوله تعالى: فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ قال ابن كثير: (وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فقال: قال رسول الله ﷺ :
«كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ؟» فقال أصحاب رسول الله ﷺ : فما تأمرنا يا رسول الله، قال: «قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا» وهكذا رواه الإمام أحمد عن أسباط به.
٤ - بمناسبة قوله تعالى حكاية عن قول الوليد بن المغيرة عن القرآن: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ قال ابن كثير: (وهذا المذكور في هذا السياق هو الوليد بن المغيرة المخزومي أحد رؤساء قريش- لعنه الله- وكان من خبره في هذا ما رواه العوفي عن ابن عباس قال: دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر بن أبي قحافة، فسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش فقال: يا عجبا لما يقول ابن أبي كبشة، فو الله ما هو بشعر ولا بسحر ولا من الجنون، وإن قوله لمن كلام الله، فلما سمع بذلك النفر من قريش ائتمروا وقالوا: والله لئن صبأ الوليد لتصبأ قريش، فلما سمع بذلك أبو جهل ابن هشام قال: أنا والله أكفيكم شأنه، فانطلق حتى دخل عليه بيته فقال للوليد: ألم تر إلى قومك قد جمعوا لك الصدقة؟ فقال: ألست أكثرهم مالا وولدا؟ فقال له أبو جهل: يتحدثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قحافة لتصيب من طعامه، فقال الوليد: أقد تحدث به عشيرتي! فلا والله لا أقرب ابن أبي قحافة ولا عمر ولا ابن أبي كبشة، وما قوله إلا سحر يؤثر، فأنزل الله على رسوله ﷺ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً إلى قوله: لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ وقال قتادة: زعموا أنه قال: والله لقد نظرت فيما قال الرجل فإذا هو ليس بشعر وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يعلى عليه، وما
أشك أنه سحر، فأنزل الله: فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ الآية، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ قبض ما بين عينيه وكلح، وروى ابن جرير عن عكرمة أن الوليد ابن المغيرة جاء إلى النبي ﷺ فقرأ عليه القرآن فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل ابن هشام، فأتاه فقال: أي عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا. قال: لم؟، قال: يعطونكه؛ فإنك أتيت محمدا تعرض لما قبله، قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالا، قال: فقل فيه قولا يعلم قومك أنك منكر لما قال وأنك كاره له، قال: فماذا
стр. 5932
أقول فيه؟ فو الله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، والله إن لقوله لحلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو وما يعلى، وقال: والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أتفكر فيه، فلما فكر قال: إن هذا إلا سحر يؤثر عن غيره فنزلت:
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً حتى بلغ تِسْعَةَ عَشَرَ وقد ذكر محمد بن إسحاق وغير واحد نحوا من هذا).
٥ - بمناسبة قوله تعالى: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ قال ابن كثير: (أي: من مقدمي الزبانية عظيم خلقهم غليظ خلقهم، وقد روى ابن أبي حاتم عن البراء في قوله تعالى: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ قال: إن رهطا من اليهود سألوا رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ عن خزنة جهنم فقال: الله ورسوله أعلم، فجاء رجل فأخبر النبي ﷺ فأنزل الله تعالى عليه ساعتئذ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ فأخبر أصحابه وقال:
«ادعهم أما إني سائلهم عن تربة الجنة إن أتوني، أما إنها درمكة بيضاء» فجاءوه فسألوه عن خزنة جهنم فأهوى بأصابع كفيه مرتين، وأمسك الإبهام في الثانية ثم قال:
«أخبروني عن تربة الجنة» فقالوا: أخبرهم يا ابن سلام، فقال: كأنها خبزة بيضاء، فقال رسول الله ﷺ : «أما إن الخبز إنما يكون من الدرمك» هكذا وقع عند ابن أبي حاتم عن البراء، والمشهور عن جابر بن عبد الله كما روى الحافظ أبو بكر البزار في مسنده عن الشعبي عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد غلب أصحابك اليوم، فقال: «بأي شئ؟» قال: سألتهم يهود: هل أعلمكم نبيكم عدة خزنة أهل النار؟ قالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا ﵌، قال رسول الله ﷺ : «أفغلب قوم يسألون عما لا يعلمون فقالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا ﷺ ؟ علي بأعداء الله، لكنهم قد سألوا نبيهم أن يريهم الله جهرة» فأرسل إليهم فدعاهم، قالوا: يا أبا القاسم كم عدة خزنة أهل النار؟
قال: «هكذا» وطبق كفيه، ثم طبق كفيه مرتين وعقد واحدة وقال لأصحابه: «إن سئلتم عن تربة الجنة فهي الدرمك» فلما سألوه، فأخبرهم بعدة خزنة أهل النار، قال لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «ما تربة الجنة؟» فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: خبزة يا أبا القاسم، فقال: «الخبزة من الدرمك» وهكذا رواه الترمذي عند هذه الآية عن ابن أبي عمر عن سفيان به، وقال هو والبزار: لا يعرف إلا من حديث مجالد).
стр. 5933
قال صاحب الظلال: (وهذا العدد كغيره من الأعداد. والذي يبغي الجدل يمكنه أن يجادل، وأن يعترض على أي عدد آخر وعلى أي أمر آخر بنفس الاعتراض ... لماذا كانت السماوات سبعا؟ لماذا كان خلق الإنسان من صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار؟ لماذا كان حمل الجنين تسعة أشهر؟ لماذا تعيش السلاحف آلاف السنين؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ والجواب: لأن صاحب الخلق والأمر يريد ويفعل ما يريد! هذا هو فصل الخطاب في مثل هذه الأمور).
٦ - بمناسبة قوله تعالى: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً قال ابن كثير: (وذلك رد على مشركي قريش حين ذكروا عدد الخزنة فقال أبو جهل:
يا معشر قريش أما يستطيع كل عشرة منكم لواحد منهم فتغلبونهم؟ فقال الله تعالى: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً أي شديدي الخلق لا يقاومون ولا يغالبون، وقد قيل إن أبا الأسدين- واسمه كلدة بن أسيد بن خلف- قال:
يا معشر قريش اكفوني منهم اثنين، وأنا أكفيكم منهم سبعة عشر إعجابا منه بنفسه، وكان قد بلغ من القوة- فيما يزعمون- أنه كان يقف على جلد البقرة ويجاذبه عشرة لينزعوه من تحت قدميه فيتمزق الجلد ولا يتزحزح عنه، قال السهيلي: وهو الذي دعا رسول الله ﷺ إلى مصارعته، وقال: إذا صرعتني آمنت بك، فصرعه النبي ﷺ مرارا فلم يؤمن، قال وقد نسب ابن إسحاق خبر المصارعة إلى ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب (قلت) ولا منافاة بين ما ذكراه والله أعلم).
٧ - بمناسبة قوله تعالى: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ قال ابن كثير:
(وقد ثبت في حديث الإسراء المروي في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله ﷺ أنه قال في صفة البيت المعمور الذي في السماء السابعة: «فإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم».
وروى الإمام أحمد عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع إصبع إلا عليه ملك ساجد، لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، ولا تلذذتم بالنساء على الفرشات، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى» فقال أبو ذر: والله لوددت أني شجرة تعضد، ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث إسرائيل، وقال الترمذي: حديث حسن غريب ويروى عن أبي ذر موقوفا. وروى
стр. 5934
الحافظ أبو القاسم الطبراني عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «ما في السماوات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف إلا وفيه ملك قائم أو ملك ساجد، أو ملك راكع، فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك إلا أنا لم نشرك بك شيئا». وروى محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة عن حكيم ابن حزام قال: بينما رسول الله ﵌ مع أصحابه إذ قال لهم: «هل تسمعون ما أسمع؟» قالوا: ما نسمع من شئ، فقال رسول الله ﷺ : «أسمع أطيط السماء وما تلام أن تئط، ما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك راكع أو ساجد».
وروى أيضا ... عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «ما في السماء الدنيا موضع قدم إلا وعليه ملك ساجد، أو قائم» وذلك قول الملائكة وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ* وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ* وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وهذا مرفوع غريب جدا ثم رواه عن ابن مسعود أنه قال: إن من السماوات سماء ما فيها موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك أو قدماه قائم ثم قرأ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ* وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ).
٨ - بمناسبة قوله تعالى: حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ قال ابن كثير: (يعني الموت كقوله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ وقال رسول الله ﷺ : «أما هو- يعني عثمان بن مظعون- فقد جاءه اليقين من ربه»).
٩ - بمناسبة قوله تعالى: وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ قال صاحب الظلال: (والذي يريد القرآن أن يطبعه في حس المسلم هو طلاقة هذه المشيئة، وإحاطتها بكل مشيئة، حتى يكون التوجه إليها من العبد خالصا، والاستسلام لها ممحضا ... فهذه هي حقيقة الإسلام القلبية التي لا يستقر في قلب بدونها. وإذا استقرت فيه كيفته تكييفا خاصا من داخله، وأنشأت فيه تصورا خاصا يحتكم إليه في كل أحداث الحياة ... وهذا هو المقصود ابتداء من تقرير طلاقة المشيئة الإلهية وشمولها عقب الحديث عن كل وعد بجنة أو نار، وبهدى أو ضلال).
١٠ - بمناسبة قوله تعالى: هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ قال ابن كثير:
(أي: هو أهل أن يخاف منه، وهو أهل أن يغفر ذنب من تاب إليه وأناب، قاله قتادة. وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك ﵁ قال: قرأ رسول الله ﵌ هذه الآية هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ وقال: «قال ربكم:
стр. 5935
أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي إله، فمن اتقى أن يجعل معي إلها كان أهلا أن أغفر له» ورواه الترمذي وابن ماجه والنسائي، وقال الترمذي: حسن غريب، وسهيل- أحد رواته- ليس بالقوي، ورواه ابن أبي حاتم وأبو يعلى، والبزار، والبغوي، وغيرهم).
تعليقات بمناسبة انتهاء عرض المجموعة السادسة
١ - نحب أن نبدأ بتسجيل مجموعة قضايا عملية أخذناها من هذه المجموعة:
أ- إن التربية العليا التي ربى الله عليها رسوله ﷺ هي التربية التي بها يتحقق وجود الإنسان الكامل، فرسول الله ﷺ جعله الله أعظم الخلق استعدادا، وجعله أكمل الخلق تحققا وتخلقا؛ ليكون قدوة الخلق أجمعين، وقد ختم الله به النبوة والرسالة، وإنما رباه الله بهذا القرآن، وفرض التأسي به، فمن أراد أن يأخذ حظه الكامل من وراثة النبوة فعليه أن يأخذ حظه من هذا القرآن، وعليه أن يلاحظ الخطابات التي خوطب بها رسول الله ﷺ ليأخذ حظه منها، ما لم تكن خاصة به ﷺ خصوصية تشريعية لا تحل لغيره، ومن ثم فعلينا أن نأخذ حظنا مما ورد في سورة المعارج من خصائص، ومما ورد في سورة الجن، ومما ورد في سورتي المزمل والمدثر وخاصة من قيام الليل، وتلاوة القرآن، والذكر، والصبر ومرتكزاته الأخلاقية، والدعوة والتبليغ وأخلاقهما.
ب- أمر الله رسوله ﷺ في سورة الأنعام أن يقتدي بكل الرسل، قال تعالى:
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ فكل ما قصه الله علينا من أخبار الرسل وأعمالهم فإنه محل القدوة لرسولنا ﵊. وبالتالي فهو محل القدوة لنا، ومن ثم فعلينا أن نأخذ حظنا من هذه القدوة، فعند ما يقص الله علينا قصة نوح ﵇ في سورة كاملة فإن ذلك يقتضي منا أن نأخذ دروسها، وأن نعمل بها.
ج- وكما ينبغي أن نلاحظ الأخلاق التي هي محل التكليف، ومحل الطلب، فإن علينا أن نتجنب الأخلاق التي هي محل المؤاخذة والنهي، ولذلك فإن علينا أن نلاحظ ما يقصه الله علينا من أخلاق الكافرين والمنافقين لنتحرر منها، ولئن كان العرض قد صرفنا عن إفراد مثل هذه المعاني بالذكر في هذا التفسير، لظننا أن في إبرازها أثناء التفسير كفاية فإن المربي والراغب في الوراثة،- والمسلم بشكل عام- عليه أن ينتبه لهذه الأخلاق فيجتنبها، ويركز عليها عند الآخرين فيستأصلها، وهذا باب واسع في
стр. 5936
العلم والعمل والتربية والسلوك، والمجموعة التي مرت معنا ذكرت المنافقين في مكان واحد، وركزت على أخلاق الكافرين، فعلينا أن ننتبه إلى ما ذكرناه في القرآن كله.
٢ - المجموعة التي مرت معنا ركزت على الأساس والطريق، وقد رأينا فيها الجديد الكثير، فمع أن مجموعات كثيرة فصلت فيما فصلت به هذه المجموعة فإن الكثير مما ذكرته كان جديدا، ومن هنا نحب أن نؤكد ما ذكرناه من قبل في هذا التفسير وهو:
لئن كانت المعاني القرآنية ترجع إلى أصول، والأصول ترجع إلى أصول أقل، فإن فروع هذه الأصول لا تتناهى، وتفصيلات هذه الأصول وحيثياتها كثيرة، ولذلك فلا ينبغي أن يتصور متصور أن بعض القرآن يغني عن بعض. نعم كل جزء من القرآن كاف للتذكير، وكل جزء منه فيه خصائص القرآن كله، ولكن للمعاني القرآنية أصولا وفروعا مبثوثة في القرآن كله. إن فاتحة القرآن قد استوعبت المعاني القرآنية، وإن سورة البقرة كما قال رسول الله ﷺ : «إن كادت لتستحصي الدين كله» وإن المجموعات القرآنية تفصل في معان مذكورة في سورة البقرة على ترتيب معين، ولكن في كل سورة جديد، إن في الأصول أو في الفروع التي تنبثق عن هذه الأصول، أو في صلة الأصول بالفروع، أو في صلة الفروع بالفروع والأصول بالأصول، وهذا يعني أن على الراغب في القرآن ألا يستغني ببعضه عن بعض، إلا لعجز عن
الكل فعندئذ يتخير في الحفظ والدراسة أما في التلاوة فعليه أن يضرب من أول القرآن إلى خاتمته، نقول هذا بمناسبة قوله تعالى في سورة المزمل: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا وبمناسبة ما تعطينا إياه هذه المجموعة بوضوح: أن في كل مجموعة في القرآن جديدا.
٣ - عند عرض المجموعة السابقة استقصينا بقدر استطاعتنا أن نبرز سياق السورة الخاص، وأن نبرز صلة كل سورة بما قبلها وما بعدها، وصلة كل سورة بمحورها من سورة البقرة، وقد أخذت سورة المدثر حظها من ذلك، ولذلك فلا نجد ما نضيفه هنا سوى أن نذكر بجانب عملي، هو أنك تجد في آية من الآيات مجموعة أقوال كآية وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وهذه الأقوال يحتملها النص، وكلها عملية، أي: إن كل قول يعطينا جانبا عمليا تطبيقيا، فعلينا في مثل هذه الأحوال أن نأخذ حظنا من الالتزام بالجميع، فإن ذلك من حكمة مجئ النص على هذه الشاكلة، وذلك يجعل أمام المسلمين مجالات يتفاوتون فيها في التقوى والكمال، فالأكمل من يعطي التطبيق أوسع مداه.
стр. 5937
٤ - نلاحظ من خلال ما مر معنا في المجموعة السابقة أن السورة عند ما تفصل في محور من المحاور قد تفصل في كلمة من آية، وقد تفصل في المضمون المباشر للمحور، وقد تفصل في المضمون غير المباشر، وقد تفصل فيما يقابل المضمون ليتضح المضمون، وأن المجموعة وهي تفصل قطاعا من معاني سورة البقرة على ترتيب معين تبقى في ترابطها مع بعضها، تشكل كلا متكاملا يخدم بعضه بعضا ويبني بعضه على بعض.
٥ - إن مما تراه بوضوح في القرآن أنك تجد الخطاب القرآني مظهرا للعزة الإلهية، ومظهرا للربوبية الكاملة، فهو مثلا عند ما يخاطب رسول الله ﷺ يخاطبه خطابا تظهر فيه عزة الربوبية، وعبودية المربوب، وهو موضوع يحسه كل عاقل يتأمل في هذا القرآن وإنك لتجد المجموعة السابقة نموذجا كاملا على هذا الموضوع، وهذا وحده كاف ليعرف المنصف أن هذا القرآن من عند الله ، إن مما تراه بشكل واضح في هذا القرآن أنه خال من كل مظهر من مظاهر الضعف البشري الذي لا بد أن يظهر في كل أثر من آثار البشر، إن في الأسلوب أو في التعبير، أو في المعاني، فعلم البشر ما دام غير محيط بالزمان والمكان، والكون، والإنسان، ومفردات اللغة وطرق تركيبها، وأساليب العرض التي لا تتناهى، إن الإنسان ما دام غير محيط بهذا كله أو ببعضه، فإن آثار ذلك لا بد ظاهرة في كل أثر يصدر عنه، فإن تجد النص القرآني خاليا من القصور فذلك وحده دليل على أنه من عند الله، فليتفطن قارئ القرآن لهذا، تأمل السور الست التي مرت معنا كيف أن لكل واحدة منها جرسا وأسلوبا وبداية ونهاية، وتجد في كل واحدة منها من المعاني ما لا يمكن أن يصدر شئ منه من بشر، ألا إن هذا القرآن لا يكفر به إلا جاهل أو غبي أو عديم الذوق اللغوي أو متكبر أعمى الكبر قلبه، فلم يعد يرى شيئا.
٦ - جرينا في تدارسنا للقرآن مع إخواننا أن نقرأ السورة أو القدر الذي نريد تدارسه ثم نتعرف على مفردات السورة، ثم نقف عند الأوامر والنواهي، ثم نقف وقفة عند الأحكام الفقهية إن كان في السورة آيات أحكام، ثم نبحث عن الأخلاق التي تعرضت لها السورة، أخلاق كافرين أو منافقين أو متقين، فنقف عندها الوقفات الطوال، فكنا نخرج من السورة أو من المكان الذي تمت فيه المذاكرة بالكثير من العلم والعمل، ثم نتواصى بالجانب العملي، ولم يمنعنا أن نعرض هذا التفسير على هذه الشاكلة
стр. 5938
إلا خشية الإطالة، وإننا لنوصي أنفسنا وإخواننا بمثل هذه المدارسة وهذا الأخذ فبدون مدارسة للقرآن، وبدون التزام لا تنمو التقوى، ويضعف السير.
٧ - نلاحظ أن قضية النموذج تأخذ محلها في القرآن، فأحيانا يعرض عليك القرآن المعنى بشكل تقريري، وأحيانا يعرض عليك بشكل تصويري، ويرى سيد قطب ﵀ أن الأسلوب المفضل في القرآن هو الأسلوب التصويري، ومن ثم كتب كتابه (التصوير الفني في القرآن) ليبرز هذا الجانب، وهو عرض لخاصية من خواص هذا القرآن التي ذكرها الله بقوله: وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ، وذكر النموذج يدخل تحت هذا الأصل، فعند ما ترى نموذجا يذكره القرآن فلا يخطرن ببالك أن هذه الظاهرة حادثة فرد مضى وانقضى، بل هي نموذج لشخصية تتكرر في كل عصر، دروسها كثيرة والعبر منها لا تتناهى.
стр. 5939
المجموعة السابعة من القسم الرابع من أقسام القرآن المسمى بقسم المفصل
وتشمل سورتي:
(القيامة، والإنسان)
стр. 5940
كلمة في المجموعة السابعة
المجموعة السابعة سورتان فقط، السورة الأولى تفصل في مقدمة سورة البقرة، والسورة الثانية تفصل فيما بعد المقدمة، وتتكامل السورتان مع بعضهما، والتفصيل هنا جديد ذو طابع خاص، فسورة القيامة تناقش أصل فكرة التكليف، والأسباب التي تدعو الإنسان إلى الفرار من التكليف، فالله كلف الناس أن يكونوا من المتقين، ولكن كثيرين يفرون من ذلك، إن معالجة هذا الموضوع هو الشئ الرئيسي في سورة القيامة، ثم تأتي سورة الدهر لتفصل فيما بعد المقدمة، فتذكر أنواعا من العبادة، وتفصل فيما أعد الله للكافرين وللمؤمنين، وتفصل في موضوع إنزال القرآن، وهي المعاني التي تحدثت عنها الآيات التي جاءت مباشرة بعد مقدمة سورة البقرة، وإذا كانت سورة الدهر تفصل فيما بعد مقدمة سورة البقرة أي: فيما فصلت فيه سورتا المزمل والمدثر، فإن معاني مشتركة نجدها بين سورة الدهر وبين سورتي المزمل والمدثر، والذي دلنا على أن سورة القيامة بداية مجموعة ابتداؤها بالقسم، والذي دلنا على أن سورة الدهر نهاية مجموعة، أن ما بعدها هو سورة
المرسلات المبدوءة بقسم، فهي بداية مجموعة جديدة، والملاحظ أن سورة الدهر مبدوءة بقوله تعالى: أَهْلُ كأختها سورة الغاشية، وسنرى أن سورة الغاشية هي نهاية مجموعتها، فلنبدأ عرض السورتين.
стр. 5941
سورة القيامة
وهي السورة الخامسة والسبعون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الأولى من المجموعة السابعة من قسم المفصل، وهي أربعون آية وهي مكية
стр. 5942
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 5943
بين يدي سورة القيامة:
قال الألوسي: (ويقال لها سورة لا أقسم، وهي مكية من غير حكاية خلاف ولا استثناء، واختلف في عدد آيها ففي الكوفي أربعون، وفي غيره تسع وثلاثون، والخلاف في لِتَعْجَلَ بِهِ. ولما قال في آخر المدثر: كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ بعد ذكر الجنة والنار، وكان عدم خوفهم إياها لإنكارهم البعث، ذكر جل وعلا في هذه السورة الدليل عليه بأتم وجه، ووصف يوم القيامة وأهواله وأحواله، ثم ذكر ما قبل ذلك من خروج الروح من البدن، ثم ما قبل من مبدأ الخلق على عكس الترتيب الواقعي).
وقال صاحب الظلال: (هذه السورة الصغيرة تحشد على القلب البشري من الحقائق والمؤثرات والصور والمشاهد، والإيقاعات واللمسات، ما لا قبل له بمواجهته ولا التفلت منه ... تحشدها بقوة، في أسلوب خاص، يجعل لها طابعا قرآنيا مميزا، سواء في أسلوب الأداء التعبيري، أو أسلوب الأداء الموسيقي، حيث يجتمع هذا وذاك على إيقاع تأثير شعوري قوي، تصعب مواجهته ويصعب التفلت منه أيضا!).
(من تلك الحقائق الكبيرة التي تحشدها هذه السورة في مواجهة القلب البشري، وتضرب بها عليه حصارا لا مهرب منه ... حقيقة الموت القاسية الرهيبة التي تواجه كل حي، فلا يملك لها ردا، ولا يملك لها أحد ممن حوله دفعا. وهي تتكرر في كل لحظة، ويواجهها الكبار والصغار، والأغنياء والفقراء، والأقوياء والضعاف؛ ويقف الجميع منها موقفا واحدا ... لا حيلة. ولا وسيلة. ولا قوة.
ولا شفاعة. ولا دفع. ولا تأجيل ... مما يوحي بأنها قادمة من جهة عليا لا يملك البشر معها شيئا. ولا مفر من الاستسلام لها، والاستسلام لإرادة تلك الجهة العليا).
(ومن تلك الحقائق الكبيرة التي تعرضها السورة، حقيقة النشأة الأولى، ودلالتها على صدق الخبر بالنشأة الأخرى، وعلى أن هناك تدبيرا في خلق هذا الإنسان وتقديرا ... وهي حقيقة يكشف الله للناس عن دقة أدوارها وتتابعها في صنعة مبدعة،
стр. 5944
لا يقدر عليها إلا الله، ولا يدعيها أحد ممن يكذبون بالآخرة ويتمارون فيها. فهي قاطعة في أن هناك إلها واحدا يدبر هذا الأمر ويقدره؛ كما أنها بينة لا ترد على يسر النشأة الآخرة، وإيحاء قوي بضرورة النشأة الآخرة. تمشيا مع التقدير والتدبير الذي لا يترك هذا الإنسان سدى، ولا يدع حياته وعمله بلا وزن ولا حساب).
(ومن المشاهد المؤثرة التي تحشدها السورة، وتواجه بها القلب البشري مواجهة قوية ... مشهد يوم القيامة وما يجري فيه من انقلابات كونية، ومن اضطرابات نفسية، ومن حيرة في مواجهة الأحداث الغالبة حيث يتجلى الهول في صميم الكون، وفي أغوار النفس).
(وهكذا يشعر القلب- وهو يواجه هذه السورة- أنه محاصر لا يهرب.
مأخوذ بعمله لا يفلت. لا ملجأ له من الله ولا عاصم. مقدرة نشأته وخطواته بعلم الله وتدبيره. في النشأة الأولى وفي النشأة الآخرة سواء. بينما هو يلهو ويلعب ويغتر ويتبطر).
(وهكذا تعالج السورة عناد هذا القلب وإعراضه وإصراره ولهوه. وتشعره بالجد الصارم الحازم في هذا الشأن. شأن القيامة. وشأن النفس. وشأن الحياة المقدرة بحساب دقيق. ثم شأن هذا القرآن الذي لا يخرم منه حرف، لأنه من كلام العظيم الجليل، الذي تتجاوب جنبات الوجود بكلماته، وتثبت في سجل الكون الثابت، وفي صلب هذا الكتاب الكريم).
كلمة في سورة القيامة ومحورها:
تبدأ سورة القيامة بقسمين لا تجيب عليهما، لأن الجواب مفهوم من سياق السورة، وبعد القسمين يأتي قوله تعالى: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ ... ثم تسير السورة حتى تصل إلى قوله تعالى: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ... مما يشير إلى أن السورة ترد على ظنين اثنين للكافرين كل منهما له علاقة باليوم الآخر، وله علاقة برفض التكليف. وفي وسط السورة توجيه لرسول الله ﷺ في كيفية تلقي القرآن، وكلام عن موت الكافر، وكيف يلقى الله بلا إيمان ولا صلاة بل بتكذيب وإعراض، فلنتذكر مقدمة سورة البقرة:
تتحدث مقدمة سورة البقرة عن المتقين والكافرين والمنافقين. والمنافقون كافرون،
стр. 5945
وكل من الكافرين والمتقين يقف على طرفي نقيض بالنسبة للآخرة، فالكافرون لا يؤمنون ولا يصلون ولا يلتزمون بالقرآن؛ لأنهم لا يؤمنون باليوم الآخر، ويتصورون أن الإنسان متروك سدى، بينما المتقون يلتزمون بالقرآن، ويؤمنون، ويصلون، وينفقون؛ لأنهم يؤمنون باليوم الآخر، ويعلمون أنهم غير متروكين.
فلمعاني سورة القيامة ارتباط مباشر بمعاني مقدمة سورة البقرة كما سنرى.
تتألف السورة من مقدمة هي آيتان، ومن فقرتين كل منهما يبدأ بقوله تعالى:
أَيَحْسَبُ*.
الفقرة الأولى: تبدأ من الآية (٣) وتنتهي بالآية (٣٥) وهي تتألف من عدة مجموعات.
الفقرة الثانية: وتبدأ بالآية (٣٦) وتنتهي بالآية (٤٠). فلنبدأ عرض السورة.
стр. 5946
مقدمة السورة
وهي آيتان وهاتان هما:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة القيامة (٧٥): الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)
التفسير:
لا يراد بها مجرد التوكيد، فهي التي تسمى في غير القرآن زائدة، ويسمونها- أدبا مع القرآن- صلة؛ لأنها لا تفيد نهيا، والذي سوغ مجيئها هنا هكذا أنها جاءت قبل كلام فيه معنى النفي، إذ الكافرون ينفون مجئ يوم القيامة، قال ابن كثير: قد تقدم غير مرة أن المقسم عليه إذا كان منتفيا جاز الإتيان بلا قبل القسم لتأكيد النفي لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ* وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ قال قتادة: أقسم بهما (أي:
بيوم القيامة، وبالنفس اللوامة) جميعا، وقال ابن كثير: (والصحيح أنه أقسم بهما جميعا معا) وعلى هذا ف (لا) في الآيتين صلة لا تفيد النفي، وإنما تفيد مجرد التوكيد، فأما يوم القيامة فمعروف، وأما النفس اللوامة فهي النفس التقية التي تلوم على التقصير في التقوى، فهي صفة مدح، قال الحسن البصري في الآية التي فيها ذكر النفس اللوامة: إن المؤمن والله ما نراه إلا يلوم نفسه، ما أردت بكلمتي، ما أردت بأكلتي، ما أردت بحديث نفسي، وإن الفاجر يمضي قدما قدما ما يعاتب نفسه. قال ابن جرير بعد أن عرض أقوال المفسرين في النفس اللوامة: والأشبه بظاهر التنزيل أنها التي تلوم صاحبها على الخير والشر، وتندم على ما فات. قال النسفي: وجواب القسم محذوف أي: لتبعثن، دليله: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أي: إن المعاني التي ذكرت بعد هي التي تحدد الجواب، قال ابن كثير: (والمقسم عليه هاهنا هو إثبات المعاد، والرد على ما يزعمه الجهلة من العباد، من عدم بعث الأجساد). أقول: أن تبدأ السورة التي تتحدث عن المعاد والتكليف بالقسم بيوم القيامة، وبالنفس اللوامة، تلك مقدمة تدل على المقصود، وتدل على موضوع السورة.
стр. 5947
كلمة في السياق:
النفس اللوامة هي النفس التقية إذ لا لوم إلا مع وجود التقوى، فالقسم بالنفس اللوامة قسم بالنفس التقية، وصلة ذلك بالكلام عن المتقين في أول سورة البقرة واضحة، والصلة واضحة كذلك ما بين القسم بيوم القيامة، وبين ما ورد في الكلام عن الإيمان باليوم الآخر في الآيات الخمس الأولى من سورة البقرة، وكما أن مقدمة سورة البقرة بدأت بالحديث عن المتقين، ثم انتقلت إلى الحديث عن الكافرين، فكذلك بدأت سورة القيامة بالإشارة إلى المتقين، ثم تنتقل إلى الكلام عن الكافرين.
стр. 5948
الفقرة الأولى
وتمتد من الآية (٣) إلى نهاية الآية (٣٥) وهذه هي:
المجموعة الأولى
[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٣ الى ١٥]
أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (٥) يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (٦) فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧)
وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلاَّ لا وَزَرَ (١١) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢)
يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ (١٥)
المجموعة الثانية
[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١٦ الى ١٩]
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩)
المجموعة الثالثة
[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٠ الى ٢٥]
كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (٢٤)
تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٢٥)
стр. 5949
المجموعة الرابعة
[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٦ الى ٣٥]
كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (٣٠)
فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥)
تفسير المجموعة الأولى:
أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ قال النسفي: أي: الكافر المنكر للبعث أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ أي: يوم القيامة بعد تفرقها ورجوعها رفاتا مختلطا بالتراب، ولذلك فهو لا يؤمن بيوم القيامة، ولا يتقي ولا يلوم نفسه إذا أخطأ، قال ابن كثير: (أي: أيظن أنا لا نقدر على إعادة عظامه وجمعها من أماكنها).
كلمة في السياق:
مجئ هذا الاستفهام بعد القسم بيوم القيامة، وبالنفس اللوامة، يوحي بشيئين:
أولا: بمضمون جواب القسم، وثانيا: بالسبب الذي يحمل الإنسان على الكفر بيوم القيامة، وعلى عدم لوم النفس على الخطأ، فالعلة هي تصور الإنسان أن الله لن يجمعه بعد تفرق أجزائه ويحييه، وهو جهل بقدرة الله ولذلك قال تعالى:
بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ أي: بلى نجمعها، قادرين على أن نسوي أصابعه كما كانت في الدنيا بلا نقصان وتفاوت، مع دقة تركيب البنان، فكيف لا نجمع عظامه عامة، والبنان: هو طرف الإصبع، وقد آمن بعضهم بالقرآن لهذه الآية بسبب ذكر البنان الذي فيه بصمات الإنسان التي تختلف من إنسان لآخر في العالم، حتى لو بلغ الناس مليارات كثيرة ما تشابهت بصمات أحدهم مع غيره،
ثم قال تعالى: بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ قال النسفي: (أي: ليدوم على فجوره
стр. 5950
فيما يستقبله من الزمان)، وقال الألوسي: (كأنه قيل: دع تعنيفه فإنه أشط من ذلك وأنى يرتدع، وهو يريد ليدوم على فجوره فيما بين يديه من الأوقات، وفيما يستقبله من الزمان لا ينزع عنه)، أقول: هذه هي العلة الحقيقية للكفر بيوم القيامة، وإنكار الحساب أن الإنسان يرغب ألا يقيد أهواءه قيد، ومن ثم فإنه ينكر اليوم الآخر لما يترتب على إيمانه به من قيود وضوابط يقتضيها قبول التكليف الإلهي،
ثم قال تعالى:
يَسْئَلُ أَيَّانَ أي: متى يَوْمُ الْقِيامَةِ، قال ابن كثير: (أي: يقول متى يكون يوم القيامة؟! وإنما سؤاله سؤال استبعاد لوقوعه، وتكذيب لوجوده)
قال تعالى مبينا حال هذا اليوم الذي يستبعدون وقوعه: فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ أي: تحير فزعا، قال ابن كثير: والمقصود أن الأبصار تنبهر يوم القيامة، وتخشع وتحار، وتذل من شدة الأهوال، ومن عظم ما تشاهده يوم القيامة من الأمور
وَخَسَفَ الْقَمَرُ قال النسفي: (أي: ذهب ضوؤه أو غاب)
وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ قال مجاهد:
أي: كورا، فأصبحتا كتلة واحدة. أقول: لعل ذلك يكون عند ما تطوى السماء كطي السجل للكتب، فيجمع عند ذلك كل شئ كما قال تعالى: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ.
يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ قال ابن كثير: أي: إذا عاين ابن آدم هذه الأهوال يوم القيامة حينئذ يريد أن يفر، ويقول أين المفر؟ أي: هل من ملجأ أو موئل،
قال الله تعالى: كَلَّا ردع عن طلب المفر لا وَزَرَ أي: لا ملجأ ولا نجاة، أي: ليس لكم مكان تعتصمون فيه
إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ قال ابن كثير: أي: المرجع والمصير، وقال النسفي: (أي: مستقر العباد، أو موضع قرارهم من جنة أو نار مفوض ذلك لمشيئة من شاء أدخله الجنة، ومن شاء أدخله النار)
يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أي: يخبر بِما قَدَّمَ من عمل عمله وَأَخَّرَ ما لم يعمله، قال ابن كثير: أي: يخبر بجميع أعماله قديمها وحديثها، أولها وآخرها، صغيرها وكبيرها
بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ* وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ قال ابن كثير: أي: هو شهيد على نفسه عالم بما فعله، ولو اعتذر وأنكر، قال النسفي: والبصيرة: الحجة. أقول: والمعاذير: اسم جمع للمعذرة، والمعنى: أن الإنسان يوم القيامة ينبأ بما قدم وأخر، وهو وإن كان ينبأ لكنه هو نفسه يعلم حقيقة نفسه وعمله، ولو اعتذر بلسانه بما
اعتذر، ذلك هو شأن يوم القيامة الذي يستبعده الكافر رغبة منه في الفجور عن أمر الله .
стр. 5951
كلمة في السياق:
عرفنا في المجموعة السابقة أن الإنسان الكافر يظن أن الله لن يبعثه، وقد رد الله على هذا الظن، ثم بين أن السبب الحقيقي لموقف الإنسان هذا هو رغبته في الفجور، وحرصه على عدم التقيد، وعلى الفرار من التكليف، ولذلك فهو يستبعد مجئ يوم القيامة.
وبعد ذلك حدثنا الله عن يوم القيامة الذي يكذب به المكذبون، وما يكون فيه، وكيف أن الكافر نفسه يعلم حقيقة ما كان عليه من ذنب وخطأ، وإن تظاهر بغير ذلك، وبعد أن انتهت هذه المجموعة تأتي مجموعة ثانية، تبدأ بقوله تعالى:
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ أي: بالقرآن: هذا مع أنه لم يذكر القرآن قبل ذلك فما سر ذلك؟.
١ - لقد عرفنا في المجموعة الأولى أن السر الحقيقي في كفر الكافرين باليوم الآخر هو إرادة الإنسان في أن يفجر، وأن يستمر في فجوره، أي: في أن يبقى فارا من التكليف، وكتاب التكليف هو القرآن، ومن ثم تأتي المجموعة الثانية لتبين لرسول الله ﷺ كيف ينبغي أن يكون تلقيه لهذا القرآن ولتبين سنة الله في القرآن.
٢ - إن القرآن هو الكتاب الذي جعل الله فيه علم الساعة كما قال تعالى:
وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فإن تأتي في ثنايا الكلام عن الساعة مجموعة عن القرآن تؤكد أن هذا القرآن من عند الله، فذلك نوع توكيد لمجئ الساعة، ورد ضمني على الكافرين في إنكارهم لها، فلنر المجموعة الثانية من الفقرة الأولى.
تفسير المجموعة الثانية:
لا تُحَرِّكْ بِهِ أي: بالقرآن لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ أي: بالقرآن
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ أي: في صدرك وَقُرْآنَهُ أي: أن تقرأه، قال النسفي: (وكان ﷺ يأخذ في القراءة قبل فراغ جبريل ﵇ كراهة أن يتفلت منه فقيل له:
لا تحرك لسانك بقراءة الوحي ما دام جبريل يقرأ لتأخذه على عجلة، ولئلا يتفلت منك، ثم علل النهي عن العجلة بقوله: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ في صدرك وَقُرْآنَهُ وإثبات قراءته في لسانك والقرآن: القراءة)، وقال ابن كثير: (هذا تعليم من الله لرسوله ﷺ في كيفية تلقيه الوحي من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه ويسابق
стр. 5952
الملك في قراءته، فأمره الله إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له، وتكفل الله له أن يجمعه في صدره وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه وأن يبينه له ويفسره ويوضحه، فالحالة الأولى جمعه في صدره، والثانية، تلاوته، والثالثة تفسيره وإيضاح معناه)
فَإِذا قَرَأْناهُ أي: إذا تلاه عليك الملك عن الله فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ قال النسفي: أي: قراءته عليك، وقال ابن كثير: أي: فاستمع له ثم اقرأه كما أقرأك
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ قال النسفي: إذا أشكل عليك شئ من معانيه، وقال ابن عباس وعطية العوفي وقتادة: أي: تبين حلاله وحرامه.
كلمة في السياق:
١ - بينت هذه المجموعة أن محمدا ﷺ يتلقى هذا القرآن تلقيا، وأنه كان حريصا على حفظه عند التلقي، حتى إنه ليكرر ما يلقى إليه خشية نسيانه إلى أن نهاه الله عن ذلك، وضمن له أن يجمع له هذا القرآن وأن يجعله يقرؤه دون نسيان، وأن يبين له معانيه، وكل ذلك يدل على أن هذا القرآن من عند الله، فإذا ثبت ذلك وكان القرآن يتحدث عن اليوم الآخر والتكليف، فالحجة قائمة على وجوب القيام بالتكليف، وعلى ضرورة الإيمان باليوم الآخر، ومن ثم يعود الحديث بعد هذه المجموعة إلى الكلام عن اليوم الآخر.
٢ - ثم تأتي المجموعة الثالثة وهي تتحدث عن الطبيعة البشرية التي تحب الدنيا وتترك الآخرة بالرغم من فضل الآخرة على الدنيا، وتأتي هذه المجموعة بعد ذكر القرآن، مما يشير إلى أن هذا سبب آخر من أسباب هجر القرآن والتكليف.
تفسير المجموعة الثالثة من الفقرة الأولى:
كَلَّا ردع عن إنكار البعث بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ أي: الدنيا وشهواتها
وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ أي: الدار الآخرة ونعيمها فلا تعملون لها، قال ابن كثير:
(أي: إنما يحملهم على التكذيب بيوم القيامة، ومخالفة ما أنزله الله على رسول الله ﷺ من الوحي الحق والقرآن العظيم أنهم إنما همتهم إلى الدار الدنيا العاجلة وهم لاهون متشاغلون عن الآخرة)،
وبعد أن ذكر الله حب الإنسان للدنيا وتركه للآخرة ذكر ما يهيج على طلب الآخرة بذكر كرامة الله للمؤمنين فيها وإهانته للكافرين فقال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ أي: حسنة ناعمة، قال ابن كثير: أي: حسنة بهية
стр. 5953
مشرقة مسرورة
إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ قال ابن كثير: أي: تراه عيانا،
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ أي: كالحة شديدة العبوسة وهي وجوه الكفار، قال ابن كثير: هذه وجوه الفجار تكون يوم القيامة باسرة
تَظُنُّ أي: تستيقن أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ أي: داهية تقصم فقار الظهر.
كلمة في السياق:
١ - ذكر في المجموعة الأولى سبب من أسباب الفرار من التكليف، وذكر في المجموعة الثالثة سبب آخر من أسباب الفرار من التكليف، وذكر في الوسط، كتاب التكليف.
٢ - وذكر في المجموعة الأولى تفصيل عن اليوم الآخر، وذكر في المجموعة الثالثة حال أهل الإيمان وأهل الكفر فيه، وذكر في الوسط الكتاب الذي يفصل في العلم والطريق الذي به تكون النجاة والكرامة، وبالإعراض عنه يكون الهلاك والإهانة.
٣ - أنكرت المجموعة الثالثة على من يحب الدنيا، وفي ذلك تربية على أصل من أصول التقوى، وبيان لكون الإيمان بالآخرة يقتضي محبتها وتفضيلها على الدنيا.
٤ - وبعد المجموعة الثالثة تأتي مجموعة تتحدث عن احتضار الكافر وموته وهي لحظة الانتقال من الدنيا إلى عوالم الآخرة، ومجئ المجموعة في هذا السياق تذكير للإنسان الذي يفضل الدنيا على الآخرة، وتذكير للإنسان الذي يفر من التكليف بالموت الذي هو الواعظ الكبير للغافلين والسادرين والفاجرين، وهكذا تعظ السورة أعظم الوعظ لتبعث الهمة على القيام بأمر الله والعمل للآخرة، فتذكر بالآخرة وتذكر بهذا القرآن، وتذكر بالموت.
تفسير المجموعة الرابعة من الفقرة الأولى:
كَلَّا إِذا بَلَغَتِ أي: الروح التَّراقِيَ وهي العظام المكتنفة لنقرة النحر عن يمين وشمال، والتراقي: جمع ترقوة. قال ابن كثير: يخبر تعالى عن حالة الاحتضار وما عنده من الأهوال- ثبتنا الله هنالك بالقول الثابت-: إن جعلنا كلا رادعة فمعناها:
لست يا ابن آدم هناك تكذب بما أخبرت به، بل صار ذلك عندك عيانا، وإن جعلناها بمعنى: حقا فظاهر، أي: حقا إذا بلغت التراقي، أي: انتزعت روحك من جسدك وبلغت تراقيك
وَقِيلَ مَنْ راقٍ قال النسفي: أي: قال حاضرو المحتضر بعضهم
стр. 5954
لبعض أيكم يرقيه مما به؟ من الرقية، أو هو من كلام الملائكة أيكم يرقى بروحه، أملائكة الرحمة، أم ملائكة العذاب؟ من الرقي،
وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ قال النسفي:
(أي: أيقن المحتضر أن هذا الذي نزل به هو فراق الدنيا المحبوبة)
وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ قال مجاهد: أي: الأمر العظيم بالأمر العظيم، أي: بلاء ببلاء، وقال الضحاك: اجتمع عليه أمران: الناس يجهزون جسده، والملائكة يجهزون روحه، وقال ابن عباس: التفت عليه الدنيا والآخرة، وقال: آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، فتلتقي الشدة بالشدة إلا من ﵀، وقال النسفي: التوت ساقاه عند موته، وعن سعيد بن المسيب: هما ساقاه حين تلفان في أكفانه،
إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ قال ابن كثير: أي: المرجع والمآب، وذلك أن الروح ترفع إلى السموات فيقول الله : ردوا عبدي إلى الأرض؛ فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى. أقول: ذكر ابن كثير في أكثر من مكان من هذا التفسير أن الحديث الذي مضمونه: «روح المؤمن تكون في جوف طير تسرح في الجنة» ولعل الروح التي يأمر الله بردها هي روح الكافر؛ فإنها لا تفتح لها أبواب السماء، أما روح المؤمن فسيبقى لها تعلق في الجسد، ولكن لها مراحا في الجنة،
ثم أخبر تعالى عن الكافر بماذا يستقبل آخرته فقال: فَلا صَدَّقَ أي: فلا آمن بالرسول والقرآن واليوم الآخر وَلا صَلَّى لله في حياته
وَلكِنْ كَذَّبَ بالله ورسله وملائكته واليوم الآخر والقدر وَتَوَلَّى عن الصلاة والزكاة، والاهتداء بكتاب الله
ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى قال ابن كثير: أي: جذلان أشرا بطرا كسلانا لا همة له ولا عمل، وفسر النسفي: التمطي بالتبختر، قال: وأصله: يتمطط أي: يتمدد.
أقول: أي: غير مبال، غير مكترث بشيء كأنه لم يخلق لعبادة وتكليف وقيام بأمانة
أَوْلى لَكَ فَأَوْلى * ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى هذا إما خطاب للكافر المتبختر في الدنيا، أو هو خطاب للكافر في الآخرة. فإن كان في الدنيا يكون المعنى: أولى لك أيها الكافر غير هذا، ثم أولى لك فأولى غير هذا من الإيمان والصلاة واتباع كتاب الله، وإن كان الخطاب في الآخرة يكون المعنى: أولى لك أيها الكافر فأولى أن تلقانا بغير هذا، ثم أولى لك فأولى أن تلقانا بغير ما لقيتنا به من التكذيب والإعراض عن الحق، وهكذا أرتنا المجموعة العاقبة المخزية للكافرين الذين لا يتقون الله، وفي ذلك دعوة للإنسان أن يكون من المؤمنين المصلين الملتزمين بما كلفهم الله به، وبهذا انتهت المجموعة الرابعة وبها انتهت الفقرة الأولى.
стр. 5955
كلمة في السياق:
١ - بدأت الفقرة الأولى بذكر ظن الكافرين أن الله لن يبعثهم، وردت على ذلك مرة ومرة، ووعظت مرة ومرة ومرة، وبينت الدوافع وراء هذه العقيدة
وردتها، وفي ذلك تبيان للطريق الصحيح طريق المتقين، وتبيان للطريق الخاطئ طريق الكافرين، وصلة ذلك بمقدمة سورة البقرة واضحة.
٢ - وتأتي الفقرة الثانية وهي تبدأ بعرض ظن آخر للكافرين، وهو تصورهم أنهم متروكون مهملون لا يؤمرون ولا ينهون ولا يبعثون ولا يجازون، وهو التصور الموجود عند أكثر الخلق وترد عليه، فلنر الفقرة الثانية.
следующие страницы →