← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

كلمة في السياق: عرفنا في المجموعة السابقة أن الإنسان الكافر يظن أن الله لن يبعثه، وقد رد الله على هذا الظن، ثم بين أن السبب الحقيقي لموقف الإنسان هذا هو رغبته في الفجور، وحرصه على عدم التقيد، وعلى الفرار من التكليف، ولذلك فهو يستبعد مجئ يوم القيامة. وبعد ذلك حدثنا الله عن يوم القيامة الذي يكذب به المكذبون، وما يكون فيه، وكيف أن الكافر نفسه يعلم حقيقة ما كان عليه من ذنب وخطأ، وإن تظاهر بغير ذلك، وبعد أن انتهت هذه المجموعة تأتي مجموعة ثانية، تبدأ بقوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ أي: بالقرآن: هذا مع أنه لم يذكر القرآن قبل ذلك فما سر ذلك؟. ١ - لقد عرفنا في المجموعة الأولى أن السر الحقيقي في كفر الكافرين باليوم الآخر هو إرادة الإنسان في أن يفجر، وأن يستمر في فجوره، أي: في أن يبقى فارا من التكليف، وكتاب التكليف هو القرآن، ومن ثم تأتي المجموعة الثانية لتبين لرسول الله ﷺ كيف ينبغي أن يكون تلقيه لهذا القرآن ولتبين سنة الله في القرآن. ٢ - إن القرآن هو الكتاب الذي جعل الله فيه علم الساعة كما قال تعالى: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فإن تأتي في ثنايا الكلام عن الساعة مجموعة عن القرآن تؤكد أن هذا القرآن من عند الله، فذلك نوع توكيد لمجئ الساعة، ورد ضمني على الكافرين في إنكارهم لها، فلنر المجموعة الثانية من الفقرة الأولى. تفسير المجموعة الثانية: لا تُحَرِّكْ بِهِ أي: بالقرآن لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ أي: بالقرآن إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ أي: في صدرك وَقُرْآنَهُ أي: أن تقرأه، قال النسفي: (وكان ﷺ يأخذ في القراءة قبل فراغ جبريل ﵇ كراهة أن يتفلت منه فقيل له: لا تحرك لسانك بقراءة الوحي ما دام جبريل يقرأ لتأخذه على عجلة، ولئلا يتفلت منك، ثم علل النهي عن العجلة بقوله: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ في صدرك وَقُرْآنَهُ وإثبات قراءته في لسانك والقرآن: القراءة)، وقال ابن كثير: (هذا تعليم من الله لرسوله ﷺ في كيفية تلقيه الوحي من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه ويسابق

стр. 5952

الملك في قراءته، فأمره الله إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له، وتكفل الله له أن يجمعه في صدره وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه وأن يبينه له ويفسره ويوضحه، فالحالة الأولى جمعه في صدره، والثانية، تلاوته، والثالثة تفسيره وإيضاح معناه) فَإِذا قَرَأْناهُ أي: إذا تلاه عليك الملك عن الله فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ قال النسفي: أي: قراءته عليك، وقال ابن كثير: أي: فاستمع له ثم اقرأه كما أقرأك ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ قال النسفي: إذا أشكل عليك شئ من معانيه، وقال ابن عباس وعطية العوفي وقتادة: أي: تبين حلاله وحرامه. كلمة في السياق: ١ - بينت هذه المجموعة أن محمدا ﷺ يتلقى هذا القرآن تلقيا، وأنه كان حريصا على حفظه عند التلقي، حتى إنه ليكرر ما يلقى إليه خشية نسيانه إلى أن نهاه الله عن ذلك، وضمن له أن يجمع له هذا القرآن وأن يجعله يقرؤه دون نسيان، وأن يبين له معانيه، وكل ذلك يدل على أن هذا القرآن من عند الله، فإذا ثبت ذلك وكان القرآن يتحدث عن اليوم الآخر والتكليف، فالحجة قائمة على وجوب القيام بالتكليف، وعلى ضرورة الإيمان باليوم الآخر، ومن ثم يعود الحديث بعد هذه المجموعة إلى الكلام عن اليوم الآخر. ٢ - ثم تأتي المجموعة الثالثة وهي تتحدث عن الطبيعة البشرية التي تحب الدنيا وتترك الآخرة بالرغم من فضل الآخرة على الدنيا، وتأتي هذه المجموعة بعد ذكر القرآن، مما يشير إلى أن هذا سبب آخر من أسباب هجر القرآن والتكليف. تفسير المجموعة الثالثة من الفقرة الأولى: كَلَّا ردع عن إنكار البعث بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ أي: الدنيا وشهواتها وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ أي: الدار الآخرة ونعيمها فلا تعملون لها، قال ابن كثير: (أي: إنما يحملهم على التكذيب بيوم القيامة، ومخالفة ما أنزله الله على رسول الله ﷺ من الوحي الحق والقرآن العظيم أنهم إنما همتهم إلى الدار الدنيا العاجلة وهم لاهون متشاغلون عن الآخرة)، وبعد أن ذكر الله حب الإنسان للدنيا وتركه للآخرة ذكر ما يهيج على طلب الآخرة بذكر كرامة الله للمؤمنين فيها وإهانته للكافرين فقال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ أي: حسنة ناعمة، قال ابن كثير: أي: حسنة بهية

стр. 5953

مشرقة مسرورة إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ قال ابن كثير: أي: تراه عيانا، وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ أي: كالحة شديدة العبوسة وهي وجوه الكفار، قال ابن كثير: هذه وجوه الفجار تكون يوم القيامة باسرة تَظُنُّ أي: تستيقن أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ أي: داهية تقصم فقار الظهر. كلمة في السياق: ١ - ذكر في المجموعة الأولى سبب من أسباب الفرار من التكليف، وذكر في المجموعة الثالثة سبب آخر من أسباب الفرار من التكليف، وذكر في الوسط، كتاب التكليف. ٢ - وذكر في المجموعة الأولى تفصيل عن اليوم الآخر، وذكر في المجموعة الثالثة حال أهل الإيمان وأهل الكفر فيه، وذكر في الوسط الكتاب الذي يفصل في العلم والطريق الذي به تكون النجاة والكرامة، وبالإعراض عنه يكون الهلاك والإهانة. ٣ - أنكرت المجموعة الثالثة على من يحب الدنيا، وفي ذلك تربية على أصل من أصول التقوى، وبيان لكون الإيمان بالآخرة يقتضي محبتها وتفضيلها على الدنيا. ٤ - وبعد المجموعة الثالثة تأتي مجموعة تتحدث عن احتضار الكافر وموته وهي لحظة الانتقال من الدنيا إلى عوالم الآخرة، ومجئ المجموعة في هذا السياق تذكير للإنسان الذي يفضل الدنيا على الآخرة، وتذكير للإنسان الذي يفر من التكليف بالموت الذي هو الواعظ الكبير للغافلين والسادرين والفاجرين، وهكذا تعظ السورة أعظم الوعظ لتبعث الهمة على القيام بأمر الله والعمل للآخرة، فتذكر بالآخرة وتذكر بهذا القرآن، وتذكر بالموت. تفسير المجموعة الرابعة من الفقرة الأولى: كَلَّا إِذا بَلَغَتِ أي: الروح التَّراقِيَ وهي العظام المكتنفة لنقرة النحر عن يمين وشمال، والتراقي: جمع ترقوة. قال ابن كثير: يخبر تعالى عن حالة الاحتضار وما عنده من الأهوال- ثبتنا الله هنالك بالقول الثابت-: إن جعلنا كلا رادعة فمعناها: لست يا ابن آدم هناك تكذب بما أخبرت به، بل صار ذلك عندك عيانا، وإن جعلناها بمعنى: حقا فظاهر، أي: حقا إذا بلغت التراقي، أي: انتزعت روحك من جسدك وبلغت تراقيك وَقِيلَ مَنْ راقٍ قال النسفي: أي: قال حاضرو المحتضر بعضهم

стр. 5954

لبعض أيكم يرقيه مما به؟ من الرقية، أو هو من كلام الملائكة أيكم يرقى بروحه، أملائكة الرحمة، أم ملائكة العذاب؟ من الرقي، وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ قال النسفي: (أي: أيقن المحتضر أن هذا الذي نزل به هو فراق الدنيا المحبوبة) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ قال مجاهد: أي: الأمر العظيم بالأمر العظيم، أي: بلاء ببلاء، وقال الضحاك: اجتمع عليه أمران: الناس يجهزون جسده، والملائكة يجهزون روحه، وقال ابن عباس: التفت عليه الدنيا والآخرة، وقال: آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، فتلتقي الشدة بالشدة إلا من ﵀، وقال النسفي: التوت ساقاه عند موته، وعن سعيد بن المسيب: هما ساقاه حين تلفان في أكفانه، إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ قال ابن كثير: أي: المرجع والمآب، وذلك أن الروح ترفع إلى السموات فيقول الله : ردوا عبدي إلى الأرض؛ فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى. أقول: ذكر ابن كثير في أكثر من مكان من هذا التفسير أن الحديث الذي مضمونه: «روح المؤمن تكون في جوف طير تسرح في الجنة» ولعل الروح التي يأمر الله بردها هي روح الكافر؛ فإنها لا تفتح لها أبواب السماء، أما روح المؤمن فسيبقى لها تعلق في الجسد، ولكن لها مراحا في الجنة، ثم أخبر تعالى عن الكافر بماذا يستقبل آخرته فقال: فَلا صَدَّقَ أي: فلا آمن بالرسول والقرآن واليوم الآخر وَلا صَلَّى لله في حياته وَلكِنْ كَذَّبَ بالله ورسله وملائكته واليوم الآخر والقدر وَتَوَلَّى عن الصلاة والزكاة، والاهتداء بكتاب الله ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى قال ابن كثير: أي: جذلان أشرا بطرا كسلانا لا همة له ولا عمل، وفسر النسفي: التمطي بالتبختر، قال: وأصله: يتمطط أي: يتمدد. أقول: أي: غير مبال، غير مكترث بشيء كأنه لم يخلق لعبادة وتكليف وقيام بأمانة أَوْلى لَكَ فَأَوْلى * ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى هذا إما خطاب للكافر المتبختر في الدنيا، أو هو خطاب للكافر في الآخرة. فإن كان في الدنيا يكون المعنى: أولى لك أيها الكافر غير هذا، ثم أولى لك فأولى غير هذا من الإيمان والصلاة واتباع كتاب الله، وإن كان الخطاب في الآخرة يكون المعنى: أولى لك أيها الكافر فأولى أن تلقانا بغير هذا، ثم أولى لك فأولى أن تلقانا بغير ما لقيتنا به من التكذيب والإعراض عن الحق، وهكذا أرتنا المجموعة العاقبة المخزية للكافرين الذين لا يتقون الله، وفي ذلك دعوة للإنسان أن يكون من المؤمنين المصلين الملتزمين بما كلفهم الله به، وبهذا انتهت المجموعة الرابعة وبها انتهت الفقرة الأولى.

стр. 5955

كلمة في السياق: ١ - بدأت الفقرة الأولى بذكر ظن الكافرين أن الله لن يبعثهم، وردت على ذلك مرة ومرة، ووعظت مرة ومرة ومرة، وبينت الدوافع وراء هذه العقيدة وردتها، وفي ذلك تبيان للطريق الصحيح طريق المتقين، وتبيان للطريق الخاطئ طريق الكافرين، وصلة ذلك بمقدمة سورة البقرة واضحة. ٢ - وتأتي الفقرة الثانية وهي تبدأ بعرض ظن آخر للكافرين، وهو تصورهم أنهم متروكون مهملون لا يؤمرون ولا ينهون ولا يبعثون ولا يجازون، وهو التصور الموجود عند أكثر الخلق وترد عليه، فلنر الفقرة الثانية.

стр. 5956

الفقرة الثانية وتمتد من الآية (٣٦) إلى نهاية السورة أي: إلى نهاية الآية (٤٠) وهذه هي: [سورة القيامة (٧٥): الآيات ٣٦ الى ٤٠] أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩) أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠) التفسير: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً قال ابن كثير: (قال السدي يعني: لا يبعث، وقال مجاهد والشافعي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني: لا يؤمر ولا ينهى، والظاهر أن الآية تعم الحالتين، أي: ليس يترك في هذه الدنيا مهملا لا يؤمر ولا ينهى، ولا يترك في قبره سدى لا يبعث بل هو مأمور منهي في الدنيا، محشور إلى الله في الدار الآخرة، والمقصود هنا إثبات المعاد والرد على من أنكره من أهل الزيغ والجهل والعناد). أقول: أنكرت الآية على من يظن أنه لا تكليف ولا حساب، وهذا هو تصور عامة الخلق، وهو علة عصرنا، وقد رد الله على هذا التصور بقوله: أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى أي: من مني يراق في الرحم، قال ابن كثير: أي: أما كان الإنسان نطفة ضعيفة من ماء مهين يمنى، يراق من الأصلاب في الأرحام؟! ثُمَّ كانَ عَلَقَةً أي: ثم صار المني علقة في المرحلة الأولى من مراحل تكون الجنين فَخَلَقَ فَسَوَّى قال النسفي: فخلق الله منه بشرا سويا، ومن ثم قال تعالى: فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى بإذن الله وتقديره أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى قال النسفي: أليس الفعال لهذه الأشياء بقادر على الإعادة، قال ابن كثير: (أي: أليس هذا الذي أنشأ هذا الخلق السوي من هذه النطفة الضعيفة بقادر على أن يعيده كما بدأه) الجواب الحتمي: بلى، فإذا كان الأمر كذلك وقد أخبرنا الله أنه سيعيدنا فلا بد من الإعادة، وقد أخبرنا أنه سيحاسبنا فلا بد من الحساب، وإذا كان حساب فلا بد من تكليف في هذه الدار، والتكليف يقتضى إرسال رسول، وانزال وحى، وقد كان

стр. 5957

ذلك فعلى الإنسان أن يبدأ البداية الصحيحة، فيؤمن بالقرآن وبالرسول، ويقوم بحق الله فيصلي وينفق ويستعد للقاء الله . كلمة في السياق: ١ - وهكذا رأينا السورة ردت على التصورات الكافرة في شأن اليوم الآخر والتكليف؛ فعمقت ضرورة الإيمان والقيام بالتكليف، وتلك هي البديهيات الأولى التي تقوم عليها قضية التقوى، فلنر الآن السياق الخاص للسورة، وصلتها بمحور السورة العام. أ- السياق الخاص: بدأت السورة بالقسم بيوم القيامة، وبالنفس اللوامة، وبذلك أشعرتنا بموضوعها أنها تؤكد مجئ يوم القيامة، وضرورة أن تكون نفس الإنسان تقية، وإذا كان الكافرون لا يؤمنون باليوم الآخر، فقد ردت السورة على ذلك من خلال لفت النظر إلى قدرة الله، وإلى كون هذا القرآن الذي تحدث عن اليوم الآخر من عند الله، ومن خلال تصحيح نظرة الإنسان إلى الدنيا والآخرة، ومن خلال التذكير بالموت، ثم ردت على تصور الكافرين أنهم غير مسئولين أمام الله، وهو الداء الدوي الذي يظهر في عصرنا بأشكال متعددة: حرية الإنسان المطلقة في المذاهب الوجودية، وحرية الإنسان في التشريع في المذاهب السياسية، وأمثال ذلك. ب- السياق العام: قلنا إن السورة تفصل في مقدمة سورة البقرة التي تتحدث عن المتقين والكافرين والمنافقين. ولما كان المنافقون كافرين فمرجع الناس إذن إلى قسمين: كافرين ومتقين، فلنر ماذا فصلت السورة في هذا الشأن: - الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ذكرت السورة معنى يؤكد أن هذا القرآن من عند الله، ووجهت رسول الله ﷺ نحو الصيغة الصحيحة للتلقي، وذكرت سنة الله في شأن هذا القرآن، وبينت قضية التكليف، ومسئولية الإنسان، وصلة ذلك بالقرآن واضحة. - الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ذكرت السورة النتائج الخطيرة التي تترتب على عدم الإيمان وإقامة الصلاة: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى.

стр. 5958

- وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ فصلت السورة في شأن الآخرة كثيرا كما رأينا. - أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ذكرت السورة مظهرا من مظاهر الفلاح: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ* إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ. - إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ذكرت السورة علل الكفر الرئيسية وفندتها، وتعرضت لأنواع من العذاب تصيب أهلها. وهكذا نجد أن السورة فصلت في المحور، ولكن بشكل جديد كالعادة كلما جاءت مجموعة جديدة. ٢ - يلاحظ أن سورة المدثر جاء في أواخرها عن الكافرين كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ وتأتي سورة القيامة لتحدثنا عن الكافرين وموقفهم من يوم القيامة، ويلاحظ أن سورة القيامة انتهت بقوله تعالى: أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ... وتأتي سورة الدهر مبدوءة بقوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً وهكذا نجد أن للسورة صلاتها مع ما قبلها، ومع ما بعدها، وصلتها بمحورها من سورة البقرة، هذا مع أن لها سياقها الخاص، ووحدتها وجرسها وخواصها التي تكاد تتفرد بها، شأنها في ذلك شأن كل سورة في القرآن الكريم، إنه لا بد أن يكون في كل سورة من سور القرآن جديد، ومن ثم فلا يخطرن ببال أحد أن قراءة بعض القرآن تنوب عن قراءته كله، نعم كل سورة منه تذكر وتعظ، وكل مجموعة منه تذكر بكل المعاني الأساسية، ولكن معاني القرآن مبثوثة فيه كله وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ فليكن القرآن هجيرنا في أوقاتنا كلها إن استطعنا. الفوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ قال الألوسي: (وأكثر الصوفية على أن النفس اللوامة فوق الأمارة وتحت المطمئنة، وعرفوا الأمارة بأنها هي التي تميل إلى الطبيعة البدنية، وتأمر باللذات والشهوات الحسية، وتجذب القلب إلى الجهة السفلية، وقالوا: هي مأوى الشرور، ومنبع الأخلاق الذميمة، وعرفوا اللوامة بأنها هي التي تنورت بنور القلب قدر ما تنبهت عن سنة الغفلة. فكلما صدر عنها سيئة بحكم جبلتها الظلمانية أخذت تلوم نفسها ونفرت عنها، وعرفوا

стр. 5959

المطمئنة بأنها التي تم تنورها بنور القلب حتى انخلعت عن صفاتها الذميمة، وتخلقت بالأخلاق الحميدة وسكنت عن منازعة الطبيعة، ومنهم من قال في اللوامة: هي المطمئنة اللائمة للنفس الأمارة، ومنهم من قال: هي فوق المطمئنة وهي التي ترشحت لتأديب غيرها، إلى غير ذلك). ٢ - في الجزء الثاني من كتاب (الطب محراب للإيمان) بحث مستفيض تحت عنوان: (تفرد شخصية الإنسان والبصمة) أشار فيه صاحبه إلى الإعجاز في قوله تعالى: بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ ونحن ننقل هاهنا بعض عبارات المؤلف لندرك أهمية الإشارة القرآنية إلى البنان: (إن هوية الإنسان وشخصيته تكمن بشكل محدد ومنفرد في البصمة، فقد يتقارب الطول، أو يتشابه القد، أو يختلط لحن الصوت، ومزاج النفس، وأخلاط البدن، قد تضيع الفروق الفردية وتتشابه الوجوه، ولكن هناك شيئا محددا لا يتشابه، إنه البصمة، أو ختم الإنسان الخاص، المميز لشخصية إنسانية واحدة. ذكر الدكتور هنري فولدز أنه أخذ انطباعات مومياء مصرية قديمة، وأمعن النظر في أثر الخطوط الحليمية فوجدها كأنها بنت يومها، وعلى أتم جلاء ووضوح، وعثر في الدنمارك على جثة رجل في حفرة رطبة قدر المختصون عمرها بأكثر من ألفي سنة، والغريب أن الجسم لم يفن طوال هذه الحقبة الطويلة من الزمن، وظلت البصمات واضحة الخطوط، حتى إن بعض الخبراء تمكنوا من عمل قوالب لها. حاول عدد من المجرمين في الولايات المتحدة وفي مدينة شيكاغو بصورة خاصة محو هذا الخاتم الإلهي!! بمحو أو تغيير أو تحريف لأشكال الخطوط الحليمية في رءوس أصابعهم مستخدمين طرقا مختلفة، ولكن محاولاتهم باءت جميعها بالفشل. إن فرصة تكرر بصمتين بآن واحد هي نفس فرصة العثور على حبة معينة من الرمال تقبع بمكان ما في الصحراء الكبرى أو الربع الخالي. لقد قدر غالتون أن ثمة أقل من فرصة من أربع وستين مليارا لتكرار بصمة واحدة مرتين في وقت واحد). ٣ - بمناسبة قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك شفتيه قال: فقال لي ابن عباس: أنا أحرك شفتي كما كان

стр. 5960

رسول الله ﷺ يحرك شفتيه، وقال لي سعيد: وأنا أحرك شفتي كما رأيت ابن عباس يحرك شفتيه فأنزل الله لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ قال: جمعه في صدرك ثم تقرأه فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ أي: فاستمع له وأنصت ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ فكان بعد ذلك إذا انطلق جبريل قرأه كما أقرأه. وقد رواه البخاري ومسلم من غير وجه عن موسى بن أبي عائشة به. ولفظ البخاري: «فكان إذا أتاه جبريل أطرق فإذا ذهب قرأه كما وعده الله » وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا أنزل عليه الوحي يلقى منه شدة، وكان إذا نزل عليه عرف في تحريكه شفتيه يتلقى أوله ويحرك به شفتيه؛ خشية أن ينسى أوله قبل أن يفرغ من آخره، فأنزل الله تعالى لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ وهكذا قال الشعبي والحسن البصري وقتادة ومجاهد والضحاك وغير واحد: إن هذه الآية نزلت في ذلك). ٤ - بمناسبة قوله تعالى عن الروح: كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ وَقِيلَ مَنْ راقٍ قال الألوسي: (والذي عليه جمهور الأمة سلفا وخلفا أن النفس- وهي الروح الأمرية-: جسم لطيف جدا ألطف من الضوء عند القائل بجسميته، والنفس الحيوانية مركب لها، وهي سارية في البدن نحو سريان ماء الورد في الورد، والنار في الفحم، وسريان السيال الكهربائي عند القائل به في الأجسام، والأدلة على جسميتها كثيرة، وقد استوفاها الشيخ ابن القيم في كتاب الروح وأتى فيه بالعجب). أقول: هذا نموذج من كلام علمائنا الأقدمين على التفريق بين الحياة والروح، فالجنين قبل نفخ الروح فيه حي، وبعد نفخ الروح فيه تصبح شخصيته مستقلة فيها حياة ولها روح، والإنسان بعد وفاته قد تبقى بعض أجزائه حية إلى أمد ولكن لا روح فيها. ٥ - بمناسبة قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ* إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ قال ابن كثير: أي: تراه عيانا كما رواه البخاري ﵀ في صحيحه: «إنكم سترون ربكم عيانا». وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث لا يمكن دفعها ولا منعها، لحديث أبي سعيد وأبي هريرة وهما في الصحيحين: أن ناسا قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة! فقال: «هل تضارون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب؟» قالوا: لا، قال: «إنكم ترون ربكم كذلك». وفي الصحيحين عن جرير قال: نظر

стр. 5961

رسول الله ﷺ إلى القمر ليلة البدر فقال: «إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ولا قبل غروبها فافعلوا». وفي الصحيحين عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى الله إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن». وفي أفراد مسلم عن صهيب عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة- قال- يقول الله تعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا! ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار! قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم، وهي الزيادة» ثم تلا هذه الآية: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ. وفي أفراد مسلم عن جابر في حديثه: «إن الله يتجلى للمؤمنين يضحك» يعني: في عرصات القيامة ففي هذه الأحاديث أن المؤمنين ينظرون إلى ربهم في العرصات وفي روضات الجنات. وروى الإمام أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أدنى أهل الجنة منزلة لينظر في ملكه ألفي سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه، ينظر إلى أزواجه وخدمه، وإن أفضلهم منزلة لينظر في وجه الله كل يوم مرتين» ورواه الترمذي. ولولا خشية الإطالة لأوردنا الأحاديث بطرقها وألفاظها من الصحاح والحسان والمسانيد والسنن، ولكن ذكرنا ذلك مفرقا في مواضع من هذا التفسير وبالله التوفيق، وهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام، وهداة الأنام، ومن تأول ذلك المراد بإلى- مفرد الآلاء- وهي النعم كما قال الثوري عن منصور عن مجاهد إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ قال: تنتظر الثواب من ربها، رواه ابن جرير من غير وجه عن مجاهد وكذا قال أبو صالح أيضا: فقد أبعد هذا الناظر النجعة، وأبطل فيما ذهب إليه، وأين هو من قوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ؟ قال الشافعي رحمه الله تعالى: ما حجب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه ، ثم قد تواردت الأخبار عن رسول الله ﷺ بما دل عليه سياق الآية الكريمة وهي قوله تعالى: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ روى ابن جرير عن الحسن وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ قال: حسنة إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ قال: تنظر إلى الخالق وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق). وقال صاحب الظلال عند هاتين الآيتين: (إن روح الإنسان لتستمتع أحيانا بلمحة من جمال الإبداع الإلهي في الكون أو النفس، تراها في الليلة القمراء. أو الليل

стр. 5962

الساجي. أو الفجر الوليد. أو الظل المديد. أو البحر العباب. أو الصحراء المنسابة. أو الروض البهيج. أو الطلعة البهية. أو القلب النبيل. أو الإيمان الواثق. أو الصبر الجميل ... إلى آخر مطالع الجمال في هذا الوجود ... فتغمرها النشوة، وتفيض بالسعادة، وترف بأجنحة من نور في عوالم مجنحة طليقة. وتتوارى عنها أشواك الحياة، ما فيها من ألم وقبح، وثقلة طين وعرامة لحم ودم، وصراع شهوات وأهواء. فكيف؟ كيف بها وهي تنظر- لا إلى جمال صنع الله- ولكن إلى جمال ذات الله؟ ألا إنه مقام يحتاج أولا إلى مد من الله. ويحتاج ثانيا إلى تثبيت من الله. ليملك الإنسان نفسه، فيثبت، ويستمتع بالسعادة، التي لا يحيط بها وصف، ولا يتصور حقيقتها إدراك! وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ* إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ. وما لها لا تتنضر؛ وهي إلى جمال ربها تنظر؟ إن الإنسان لينظر إلى شئ من صنع الله في الأرض. من طلعة بهية، أو زهرة ندية، أو جناح رفاف، أو روح نبيل، أو فعل جميل. فإذا السعادة تفيض من قلبه على ملامحه، فيبدو فيها الوضاءة والنضارة. فكيف بها حين تنظر إلى جمال الكمال. مطلقا من كل ما في الوجود من شواغل عن السعادة بالجمال؟ فما تبلغ الكينونة الإنسانية ذلك المقام، إلا وقد خلصت من كل شائبة تصدها عن بلوغ ذلك المرتقى الذي يعز على الخيال! كل شائبة لا فيما حولها فقط، ولكن فيها هي ذاتها من دواعي النقص والحاجة إلى شئ ما سوى النظر إلى الله ... ). ٦ - بمناسبة قوله تعالى: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى * ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى قال ابن كثير: (وروى أبو عبد الله النسائي عن موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى * ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى؟ قال: قاله رسول الله ﷺ لأبي جهل ثم أنزله الله . ٧ - بمناسبة قوله تعالى: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً قال صاحب الظلال: (فلقد كانت الحياة في نظر القوم حركة لا علة لها ولا هدف ولا غاية ... أرحام تدفع وقبور تبلع ... وبين هاتين لهو ولعب، وزينة وتفاخر، ومتاع قريب من متاع الحيوان ... فأما أن يكون هناك ناموس، وراءه هدف، ووراء الهدف حكمة؛ وأن يكون قدوم الإنسان إلى هذه الحياة وفق قدر يجري إلى غاية مقدرة، وأن ينتهي إلى

стр. 5963

حساب وجزاء. وأن تكون رحلته على هذه الأرض ابتلاء ينتهي إلى الحساب والجزاء ... أما هذا التصور الدقيق المتناسق، والشعور بما وراءه من ألوهية قادرة مدبرة حكيمة، تفعل كل شئ بقدر، وتنهي كل شئ إلى نهاية ... أما هذا فكان أبعد شئ عن تصور الناس ومداركهم في ذلك الزمان. والذي يميز الإنسان عن الحيوان، هو شعوره باتصال الزمان والأحداث والغايات. وبوجود الهدف والغاية من وجوده الإنساني، ومن الوجود كله من حوله. وارتقاؤه في سلم الإنسانية يتبع نمو شعوره هذا وسعته، ودقة تصوره لوجود الناموس، وارتباط الأحداث والأشياء بهذا الناموس. فلا يعيش عمره لحظة لحظة، ولا حادثة حادثة، بل يرتبط في تصوره الزمان والمكان والماضي والحاضر والمستقبل. ثم يرتبط هذا كله بالوجود الكبير ونواميسه. ثم يرتبط هذا كله بإرادة عليا خالقة مدبرة لا تخلق الناس عبثا ولا تتركهم سدى. وهذا هو التصور الكبير الذي نقل القرآن الناس إليه منذ ذلك العهد البعيد، نقلة هائلة بالقياس إلى التصورات السائدة إذ ذاك، وما تزال هائلة بالقياس إلى سائر التصورات الكونية التي عرفتها الفلسفة قديما وحديثا). ٨ - بمناسبة قوله تعالى: أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى قال ابن كثير: (وروى أبو داود عن إسماعيل بن أمية قال: سمعت أعرابيا يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ منكم بالتين والزيتون فانتهى إلى آخرها أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، ومن قرأ: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ فانتهى إلى قوله: أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى فليقل: بلى، ومن قرأ: وَالْمُرْسَلاتِ فبلغ: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ فليقل آمنا بالله» ورواه أحمد عن سفيان بن عيينة ورواه الترمذي عن ابن أبي عمر عن سفيان بن عيينة به، وقد رواه شعبة عن إسماعيل بن أمية قال: قلت له: من حدثك: قال: رجل صدق عن أبي هريرة، وروى ابن جرير ... عن قتادة، قوله تعالى: أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأها قال: «سبحانك وبلى». ثم روى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه مر بهذه الآية أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى؟ قال: سبحانك فبلى).

стр. 5964

كلمة أخيرة في سورة القيامة: إن سورة القيامة تذكرنا بمعان عملية: منها: أن نعتاد على محاسبة النفس ولومها على المعصية أو التقصير، وأن ننوي أن نقوم بحق الله فيما يأتي، ومنها أن نتلقى هذا القرآن بالإنصات الكامل، ومنها أن نحب الآخرة ونزهد في الدنيا، ومنها أن نؤمن وأن نصلي، ومنها نعلم أننا مسئولون أمام الله ومحاسبون، فلنأخذ هذه المعاني بقوة.

стр. 5965

سورة الإنسان وهي السورة السادسة والسبعون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثانية والأخيرة من المجموعة السابعة من قسم المفصل، وهي إحدى وثلاثون آية وهي مكية

стр. 5966

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 5967

بين يدي سورة الإنسان: قدم الألوسي لسورة الإنسان بقوله: (وتسمى سورة الدهر، والأبرار، والأمشاج، وهل أتى. وهي: مكية عند الجمهور على ما في البحر، وقال مجاهد وقتادة: مدنية كلها، وقال الحسن وعكرمة والكلبي: مدنية إلا آية واحدة فمكية وهي: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً، وقيل: مدنية إلا من قوله تعالى: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ إلى آخرها فإنه مكي وعن ابن عادل حكاية مدنيتها على الإطلاق عن الجمهور، وعليه الشيعة، وآيها إحدى وثلاثون آية بلا خلاف. والمناسبة بينها وبين ما قبلها في غاية الوضوح). ومن تقديم صاحب الظلال لهذه السورة نقتطف ما يلي: (والسورة في مجموعها هتاف رخي ندي إلى الطاعة، والالتجاء إلى الله، وابتغاء رضاه، وتذكر نعمته، والإحساس بفضله، واتقاء عذابه، واليقظة لابتلائه، وإدراك حكمته في الخلق والإنعام والابتلاء والإملاء. وهي تبدأ بلمسة رفيقة للقلب البشري: أين كان قبل أن يكون؟ من الذي أوجده؟ ومن الذي جعله شيئا مذكورا في هذا الوجود؟ بعد أن لم يكن له ذكر ولا وجود: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً. تتلوها لمسة أخرى عن حقيقة أصله ونشأته، وحكمة الله في خلقه، وتزويده بطاقاته ومداركه: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً. ولمسة ثالثة عن هدايته إلى الطريق، وعونه على الهدى، وتركه بعد ذلك لمصيره الذي يختاره: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً. وبعد هذه اللمسات الثلاثة الموحية، وما تثيره في القلب من تفكير عميق، ونظرة إلى الوراء، ثم نظرة إلى الإمام، ثم التحرج والتدبر عند اختيار الطريق ... بعد هذه اللمسات الثلاثة تأخذ السورة في الهتاف للإنسان وهو على مفرق الطريق لتحذيره من طريق النار ... وترغيبه في الجنة، بكل صور الترغيب، وبكل هواتف الراحة والمتاع والنعيم والتكريم. فإذا انتهى معرض النعيم اللين الرغيد المطمئن الهانئ الودود، اتجه الخطاب إلى

стр. 5968

رسول الله ﷺ لتثبيته على الدعوة- في وجه الإعراض والكفر والتكذيب- وتوجيهه إلى الصبر وانتظار حكم الله في الأمر؛ والاتصال بربه والاستمداد منه كلما طال الطريق). كلمة في سورة الإنسان ومحورها: ختمت سورة القيامة بقوله تعالى: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً* أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى * ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى* فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى * أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى، وافتتحت سورة الإنسان بقوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً* إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً فالصلات قائمة بين نهاية سورة القيامة وبداية سورة الإنسان. وبعد مقدمة سورة البقرة التي فصلت فيها سورة القيامة يأتي قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، وتبدأ سورة الإنسان بقوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً* إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً وبعد آية من قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ يأتي قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا وبعد الآيتين الأوليين من سورة الإنسان يأتي قوله تعالى: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً وفي الآية اللاحقة من سورة البقرة يأتي قوله تعالى: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ وفي الآية اللاحقة من سورة الإنسان يأتي قوله تعالى: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيراً وبعد تلك الآية من سورة البقرة يأتي قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ ... وبعد تلك الآية من سورة الإنسان يرد قوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً ويأتي بعد ذلك بقليل كلام عن بعض الأعمال الصالحة التي استحقوا بها ما استحقوا: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً ... وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ ... ، وتختم السورة بتأكيد المعاني التي ذكرت في الآيات الخمس بعد المقدمة من سورة البقرة، فتقرر أن الله هو الذي أنزل القرآن، وتنهى عن طاعة الآثمين والكافرين، وتأمر بالذكر وقيام الليل، ولذلك صلاته

стр. 5969

بالآيات الآتية بعد مقدمة سورة البقرة. والملاحظ أنه بعد مقدمة سورة البقرة مباشرة يأتي قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ وفي الآية الأولى من سورة الإنسان يأتي قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ والسورة نفسها اسمها سورة الإنسان، وهذا يجعلنا نستأنس على أن محور السورة هو الآيات الآتية بعد المقدمة. والملاحظ أن سورة المزمل ورد فيها قوله تعالى: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا وورد فيها قوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا وورد فيها قوله تعالى: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا وأن سورة الإنسان ورد فيها قوله تعالى: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا* وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا وورد فيها قوله تعالى: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا والملاحظ أن سورتي المزمل والمدثر ورد في الأولى منهما قوله تعالى: وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وفي الثانية منهما وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ وورد في الثانية منهما أيضا كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ وورد في سورة الإنسان وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً، إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا وتختم سورة المدثر بقوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ* فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ* وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ وسورة الإنسان تختم بقوله تعالى: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا* وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً* يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ومثل هذا التشابه بين معان في سورة الإنسان، ومعان في سورتي المزمل والمدثر، يجعلنا نستأنس أن محور سورة الإنسان هو محور سورتي المزمل والمدثر، فسورة الإنسان تشرح الطريق، كما أن سورتي المزمل والمدثر تشرحان الطريق. تتألف السورة من مقدمة هي آيتان، ومن فقرتين واضحتي المعالم، كل منهما مبدوء بقوله تعالى: إِنَّا* الأولى مبدوءة بقوله تعالى: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ

стр. 5970

إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً، والفقرة الثانية مبدوءة بقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا. الأولى تستمر حتى نهاية الآية (٢٢) والثانية تستمر حتى نهاية السورة أي: حتى نهاية الآية (٣١)، ولنبدأ عرض السورة. المقدمة والفقرة الأولى المقدمة آيتان، والفقرة الأولى تنتهي بنهاية الآية (٢٢) وهذه هي الآيات: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١ الى ٢٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (٢) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (٣) إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً (٤) إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً (٥) عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (٨) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً (٩) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (١٠) فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (١١) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً (١٣) وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً (١٤) وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (١٥) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً (١٧) عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (١٩) وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (٢٠) عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (٢١) إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (٢٢)

стр. 5971

التفسير: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً قال ابن كثير: يقول تعالى مخبرا عن الإنسان أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئا يذكر لحقارته وضعفه، ثم بين ذلك فقال: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ أي: أخلاط، قال ابن عباس: يعني ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا، ثم ينتقل بعد من طور إلى طور، وحال إلى حال، ولون إلى لون وهكذا نَبْتَلِيهِ أي: نختبره، قال النسفي: أي: خلقناه مبتلين، أي: مريدين ابتلاءه بالأمر والنهي له فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً أي: ذا سمع وبصر. أقول: فعلى هذا الاتجاه تكون الآية الثانية مفسرة للآية الأولى، فيكون المراد بالحين الذي كان فيه الإنسان لا شئ يذكر أول مرحلة من مراحل خلقه، أي: ساعة أن أصبح علقة، ويمكن أن يكون المراد في الآية الأولى المرحلة السابقة على ذلك عند ما كان الإنسان بعد ذرات تراب، ثم أصبح غذاء، ثم تحول إلى حيوان منوي، ففي كل هذه الحالات كان الإنسان شيئا غير مذكور، وعلى هذا القول تكون الآية الثانية تتحدث عن مرحلة ثانية من مراحل خلق الإنسان، ويمكن أن يراد بالآية الأولى الحديث عن آدم قبل نفخ الروح فيه، وفي الآية الثانية نسله، وعلى كل حال فالآيتان تذكران الإنسان بأصل النشأة التي تذكره بعجزه، وأنه تحت القدرة والمشيئة، وأن هذا يقتضي منه اعترافا وشكرا وتحقيقا للحكمة من خلقه، وهي النجاح في الامتحان، وذلك بأن يعبد الله ويتقيه، وبذلك يكون شاكرا غير كافر.

стр. 5972

إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ قال النسفي: (أي: بينا له طريق الهدى بأدلة العقل والسمع)، وقال ابن كثير: (أي: بيناه له ووضحناه وبصرناه به) إِمَّا شاكِراً أي: مؤمنا عابدا تقيا وَإِمَّا كَفُوراً أي: كافرا. كلمة في السياق: ١ - ذكرت الآية الثانية حكمة خلق الإنسان بأنه الابتلاء أي: الاختبار، وذكرت الآية الثالثة انقسام الناس نتيجة الاختبار إلى شاكرين وكافرين، وفي الآيات الثلاث ذكر كل ما يستدعي من الإنسان أن يشكر من خلقه بعد إذ لم يكن، وخلقه وهو يملك آلات الفهم للوصول إلى النجاح في الاختبار، وهداية إلى الطريق الصحيح، فإذا اختار الكفر ولم يشكر فالحجة قائمة عليه. ٢ - قسمت الآية الأخيرة الناس إلى قسمين: شاكرين وكافرين، والشكر طريقه التقوى قال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ومن هاهنا ومما مر من قبل ندرك صلة الآيات بمحور السورة يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، بعد الآيات الثلاث تأتي مجموعة تتحدث عما أعد الله للكافرين والشاكرين، قال النسفي: لما ذكر الفريقين أتبعهما ما أعد لهما فقال: إِنَّا أَعْتَدْنا أي: هيأنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيراً أي: نارا موقدة، والسلاسل جمع سلسلة، والأغلال جمع غل، قال ابن كثير: يخبر تعالى عما أرصده للكافرين من خلقه من السلاسل والأغلال والسعير، وهو اللهب والحريق في نار جهنم. كلمة في السياق: ١ - بعد أن ذكر الله انقسام الناس إلى شاكرين وكافرين، بدأ بذكر ما أعد للكافرين، وثنى بما أعد للشاكرين، وسيستغرق ذلك تتمة آيات الفقرة الأولى. ٢ - لنتذكر محور السورة من سورة البقرة، بعد مقدمة سورة البقرة يأتي قوله

стр. 5973

تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وقد رأينا صلة الآيات الثلاث من السورة بهذا الجزء من سورة البقرة، وبعد هاتين الآيتين يأتي قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ لاحظ صلة مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا بقوله تعالى في سورة الإنسان: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ وصلة قوله تعالى: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ بقوله تعالى في سورة الإنسان: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيراً. ٣ - بعد قوله تعالى في سورة البقرة عن النار: أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ يأتي قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ ويأتي بعد قوله تعالى في سورة الإنسان: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيراً قوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ ... أي: يأتي كلام عما يبشر الله عباده المؤمنين، ويستمر هذا حتى نهاية الفقرة الأولى، ويرد خلال ذلك ذكر لبعض مضامين الإيمان، وذكر لبعض الأعمال الصالحة، فلنر إذن تتمة الفقرة بعد أن عرفنا محلها في السياق القرآني العام، أي: صلتها بمحور السورة من سورة البقرة، وأما محلها في سياق السورة الخاص فإنه بعد أن ذكر الله أن الناس قسمان كافر وشكور، وذكر ما أعده للأشقياء من السعير يذكر ﷻ ما أعده للسعداء الأبرار الشاكرين. إِنَّ الْأَبْرارَ فسر بعضهم الأبرار بأنهم الذين لا يؤذون الغير ولا يضمرون الشر، أقول: لقد فسر الله البر في آية البر من سورة البقرة، وفسر رسول الله ﷺ البر بقوله: «والبر ما اطمأنت إليه النفس» فالأبرار هم أصحاب هذه المقامات يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ قال النسفي: أي: من خمر، فنفس الخمر تسمى كأسا، وقيل: الكأس: الزجاجة إذا كان فيها خمر كانَ مِزاجُها أي: ما تمزج به كافُوراً

стр. 5974

قال النسفي: أي: ماء كافور، وهو اسم عين في الجنة، ماؤها في بياض الكافور، ورائحته وبرده عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً قال النسفي: (أي: يجرونها حيث شاءوا من منازلهم تفجيرا سهلا لا يمتنع عليهم، وقال ابن كثير: أي: يتصرفون فيها حيث شاءوا وأين شاءوا من قصورهم ودورهم، ومجالسهم ومحالهم، والتفجير هو الإنباع. وقال: وقد علم ما في الكافور من التبريد، والرائحة الطيبة، مع ما يضاف إلى ذلك من اللذاذة في الجنة، أقول: قد علم أنه ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء، فالاسم واحد والطعم مختلف، وقال ابن كثير في الآية: (أي: هذا الذي مزج لهؤلاء الأبرار من الكافور هو عين يشرب بها المقربون من عباد الله صرفا بلا مزج، ويروون بها، وقال بعضهم: هذا الشراب في طيبه كالكافور، وقال بعضهم: هو من عين كافور) ثم بين بما استحقوا ذلك فقال: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ قال النسفي: (أي: يوفون بما أوجبوا على أنفسهم ... ) والوفاء بالنذر مبالغة في وصفهم بالتوافر على أداء الواجبات؛ لأن من وفى بما أوجبه على نفسه لوجه الله كان بما أوجبه الله عليه أوفى وَيَخافُونَ يَوْماً هو يوم القيامة كانَ شَرُّهُ أي: شدائده مُسْتَطِيراً أي: منتشرا، قال ابن كثير: أي: منتشرا عاما إلا من رحم الله وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ أي: على حب الطعام من الاشتهاء والحاجة إليه، أو على حب الله مِسْكِيناً أي: فقيرا عاجزا عن الاكتساب وَيَتِيماً أي: صغيرا لا أب له وَأَسِيراً أي: مأسورا، وقد كان أسير المسلمين زمن نزول الوحي كافرا فعرفنا أن خيرهم يمتد إلى الكافر فضلا عن المسلم، ثم عللوا لإطعامهم فقالوا إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ أي: لطلب ثوابه لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً أي: مكافأة أو هدية على ذلك وَلا شُكُوراً أي: ثناء، وهذه علامة الإخلاص أن تفعل الخير لا تريد عليه جزاء ولا ثناء، وليس شرطا أن يقولوا هذا لمن يقدمون له الخير، وإنما المراد أن يكون ذلك قائما في أنفسهم، فالآية تحتمل أن تكون بيانا من الله عما في ضمائرهم؛ لأن الله تعالى علمه منهم فأثنى عليهم، وإن لم يقولوا شيئا. قال مجاهد وسعيد بن جبير: أما والله ما قالوه بألسنتهم، ولكن علم الله به من قلوبهم فأثنى عليهم به، ليرغب في ذلك راغب إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً القمطرير: الشديد العبوس الذي يجمع ما بين عينيه، وفسر ابن عباس العبوس بالضيق، والقمطرير بالطويل. قال ابن كثير في الآية: أي: إنما نفعل هذا لعل الله أن يرحمنا ويتلقانا بلطفه في اليوم العبوس القمطرير، وقال النسفي: أي: إنا

стр. 5975

لا نريد منكم المكافأة لخوف عقاب الله على طلب المكافأة بالصدقة، أو إنا نخاف من ربنا فنتصدق لوجهه حتى نأمن من ذلك الخوف (أي: في ذلك اليوم) قال تعالى مبشرا لهم أنه سيعطيهم ما أملوه: فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ أي: صانهم من شدائده وَلَقَّاهُمْ أي: أعطاهم بدل عبوس الكفار في ذلك اليوم نَضْرَةً أي: حسنا في الوجوه وَسُرُوراً أي: فرحا في القلوب، وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا أي: بسبب صبرهم جَنَّةً أي: بستانا فيه مأكل هنيء وَحَرِيراً أي: ملبسا بهيا، قال ابن كثير في الآية: أي: منزلا رحبا وعيشا رغدا ولباسا حسنا، أقول: دلت الآية على أنه بتحققهم بمقام الصبر نالوا ما نالوا بصبرهم على الطاعات، وصبرهم عن المعاصي، وصبرهم على مكارم الأخلاق، وصبرهم على الابتلاءات مُتَّكِئِينَ فِيها أي: في الجنة عَلَى الْأَرائِكِ جمع أريكة وهي متكآتهم على الأسرة لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً الزمهرير: البرد الشديد، وقيل: القمر، وعلى القول الأخير يكون معنى الآية: إن الجنة مضيئة لا يحتاج فيها إلى شمس ولا قمر، وعلى القول الأول يكون معنى الآية كما قال ابن كثير: أي: ليس عندهم حر مزعج، ولا برد مؤلم، بل هي مزاج واحد، دائم سرمدي لا يبغون عنها حولا، وقال النسفي في الآية: لأنه لا شمس فيها ولا زمهرير فظلها دائم، وهواؤها معتدل لا حر شمس يحمي، ولا شدة برد تؤذي وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها أي: قريبة منهم ظلال أشجارها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا قال النسفي: سخرت للقائم والقاعد، والمتكئ، وقال ابن كثير: (أي: متى تعاطاه دنا القطف إليه وتدلى من أعلى غصنه كأنه سامع طائع ... قال مجاهد: إن قام ارتفعت معه بقدر، وإن قعد تذللت له حتى ينالها، وإن اضطجع تذللت له حتى ينالها ... وقال قتادة: لا يرد أيديهم عنها شوك ولا بعد) وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ أي: من فضة، والكوب هو الكوز الذي لا عروة لها ولا خرطوم، قال ابن كثير: أي: يطوف عليهم الخدم بأواني الطعام، وهي من فضة، وأكواب الشراب، وهي من فضة كانَتْ أي: هذه الأكواب قَوارِيرَا قال ابن كثير: قال ابن عباس ومجاهد والحسن البصري وغير واحد: بياض الفضة في صفاء الزجاج، والقوارير لا تكون إلا من زجاج، فهذه الأكواب هي من فضة، وهي مع هذا شفافة بدا ما في باطنها من ظاهرها، وهذا مما لا نظير له في الدنيا، ثم فسر الله هذه القوارير بقوله: قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً أي: جعلها السقاة على قدر ري شاربها، فهي

стр. 5976

ألذ لهم وأخف عليهم، قال ابن كثير: أي: على قدر ريهم لا تزيد عنه ولا تنقص، بل هي معدة لذلك، مقدرة بحسب ري صاحبها ... وهذا أبلغ في الاعتناء والشرف والكرامة وَيُسْقَوْنَ فِيها قال ابن كثير: أي: ويسقون يعني: الأبرار أيضا في هذه الأكواب كَأْساً أي: خمرا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا قال ابن كثير: فتارة يمزج لهم الشراب بالكافور، وهو بارد وتارة بالزنجبيل وهو حار، ليعتدل الأمر، مع العلم أنه ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء، أما الماهية فشئ شبيه لكنه على حال غير حاله في الدنيا فهناك تقدم الأشياء مكتملة اللذة بلا تنغيص عَيْناً فِيها أي: في الجنة تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا قال ابن كثير: أي: الزنجبيل عين في الجنة تسمى سلسبيلا، وقال مجاهد: سميت بذلك لسلاسة مسيلها، وحدة جريها ... وحكى ابن جرير عن بعضهم: أنها سميت بذلك لسلاستها في الحلق، واختار هو أنها تعم ذلك كله، وهو كما قال. أقول: فخمرة الأبرار في الجنة تارة ممزوجة بماء عين الكافور، وتارة ممزوجة بماء عين الزنجبيل، ثم بين الله من يطوف على أهل الجنة بالخدمة فقال: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ أي: على أهل الجنة وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ أي: لا يموتون إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لحسنهم وصفاء ألوانهم، وانبثاثهم في مجالسهم لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً قال النسفي: وتخصيص المنثور لأنه أزين في النظر من المنظوم، وقال ابن كثير: (أي: إذا رأيتهم في انتشارهم في قضاء حوائج السادة، وكثرتهم، وصباحة وجوههم، وحسن ألوانهم، وثيابهم، وحليهم، حسبتهم لؤلؤا منثورا، ولا يكون في التشبيه أحسن من هذا، ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن. قال قتادة عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف خادم، كل خادم على عمل ما عليه صاحبه)، وفسر ابن كثير قوله تعالى: مُخَلَّدُونَ بقوله: (أي: على حالة واحدة مخلدون عليها لا يتغيرون عنها، لا تزيد أعمارهم عن تلك السن، ومن فسرهم بأنهم مخرصون في آذانهم الأقرطة فإنما عبر عن المعنى بذلك؛ لأن الصغير هو الذي يليق له ذلك دون الكبير). أقول: وهل هؤلاء الغلمان من أبناء الدنيا، أو خلقهم الله ابتداء لخدمة عباده: في الجنة؟ قولان: قال النسفي: غلمان ينشئهم الله لخدمة المؤمنين، أو ولدان الكفرة يجعلهم الله تعالى خدما لأهل الجنة وَإِذا رَأَيْتَ يا محمد أو أيها المخاطب ثَمَّ أي: هناك يعني: في الجنة نعيمها وسعتها وارتفاعها وما فيها من الحبرة والسرور، أي: إذا اكتسبت رؤية الجنة رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً فليس نعيما فقط ولا ملكا فقط، بل نعيم كثير

стр. 5977

وملك كبير، قال ابن كثير: (وثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول لآخر أهل النار خروجا منها، وآخر أهل الجنة دخولا إليها: إن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ قال ابن كثير: (أي: لباس أهل الجنة فيها الحرير ومنه سندس وهو رفيع الحرير كالقمصان ونحوها مما يلي أبدانهم، والإستبرق منه ما فيه بريق ولمعان وهو مما يلي الظاهر كما هو المعهود في اللباس) وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ أي: جعل لهم حلية أساور من فضة، أقول: يجمل اللباس إذا وافق مجموعة أمور، ويحلو إذا توافرت فيه شروط، وما يجمل في مكان وزمان وبيئة، وما يحلو على إنسان أو يناسبه قد لا يجمل ولا يحلو في مكان أو على إنسان، ولباس أهل الجنة وحليتهم هي في الكمال الأعلى بما يناسب مجموع ما في الجنة، وبما يتناسب مع الذوقية العامة فيها، كيف لا يكون ذلك وليس في الجنة إلا الكمال؟! ثم قال تعالى: وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ قال النسفي: أضيف إليه تعالى للتشريف والتخصيص شَراباً طَهُوراً قال ابن كثير: (أي: طهر بواطنهم من الحسد والحقد والغل والأذى وسائر الأخلاق الرديئة كما روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «إذا انتهى أهل الجنة إلى باب الجنة وجدوا هناك عينين، فكأنما ألهموا ذلك، فشربوا من إحداهما، فأذهب الله ما في بطونهم من أذى، ثم اغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم، فأخبر بحالهم الظاهر وجمالهم الباطن)، وفهم النسفي أن الآية يراد بها التذكير بالفارق بين خمر الدنيا النجسة، وخمر الآخرة الطهور، ليعلم أن خمر الآخرة تختلف عن خمر الدنيا، ثم قال تعالى: إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً قال النسفي: أي: محمودا مقبولا مرضيا عندنا حيث قلتم للمسكين واليتيم والأسير لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً أقول: السعي المشكور في الآية أعم من أن يكون المراد به هذا وحده، إذ يدخل فيه العمل الصالح كله، قال ابن كثير في الآية: أي: يقال لهم ذلك تكريما لهم وإحسانا إليهم. كلمة في السياق: بدأت الفقرة الأولى من السورة بالحديث عن هداية الإنسان فقالت: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً وتحدثت مباشرة عن جزاء الكافرين وجزاء الشاكرين، ثم تأتي الفقرة الثانية لتحدثنا عن طريق الهداية بعد أن فصلت الفقرة الأولى

стр. 5978

في الجزاء، فأوجدت الاستعداد الكامل للسير في طريق الهداية، ومن ثم نجد الفقرة الثانية مبدوءة بقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا ونجد في نهاية الفقرة قوله تعالى: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا ... وعلى هذا يكون التسلسل العام لسياق السورة على الشكل التالي: ١ - بدأت السورة بتذكير الإنسان بخلقه، وبحكمة الخلق، وأنها الابتلاء، وثنت بعلامة النجاح والخسران في هذا الابتلاء: الشكر أو الكفر، وذكرت عاقبة الكفر، وعاقبة الشكر، وثلثت بذكر الطريق للنجاح في الامتحان والترابط على أشده بين هذه المعاني وبين بداية السورة ونهايتها، بين أواسطها وبداياتها ونهاياتها. ٢ - إن هناك تلازما بين قوله تعالى: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ في بداية الفقرة الأولى، وبين قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا في بداية الفقرة الثانية، فهداية الله الإنسان السبيل إنما هي بهذا القرآن المنزل على محمد ﷺ ، والناس أمام ذلك قسمان: شاكر وكافر، والفقرة الثانية تحدد الطريق للرسول ﷺ وللمقتدين به أي: للشاكرين، فتأمر وتنهى وتعلل، ومما تنهى عنه أن يطاع الآثم الكفور الذي سقط في الامتحان. ٣ - لننظر الآن نظرة في محور السورة من سورة البقرة: مما جاء في محور السورة من سورة البقرة قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا ... وقد جاءت هذه الآية بعد الأمر بالعبادة، والنهي عن الشرك في سورة البقرة فبين الأمر بالعبادة والإيمان بأن هذا القرآن من عند الله تلازم، وهذه الفقرة الثانية من سورة الإنسان تؤكد أن إنزال القرآن من عند الله، وتفصل في أمور من العبادة تأمر بها وتحددها.

стр. 5979

الفقرة الثانية وتمتد من الآية (٢٣) إلى نهاية الآية (٣١) وهذه هي: المجموعة الأولى [سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٢٣ الى ٢٨] إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (٢٦) إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (٢٧) نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً (٢٨) المجموعة الثانية [سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٢٩ الى ٣١] إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (٢٩) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٣١) تفسير المجموعة الأولى من الفقرة الثانية: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا أكد الله في هذه الآية أنه هو منزل القرآن على عبده ورسوله محمد ﷺ بمجموعة مؤكدات، ومن هذه المؤكدات ذكر الضمير (نحن) بعد ذكر الضمير (إنا) وفي حكمة ذلك قال النسفي: (وتكرير الضمير بعد إيقاعه اسما ل (إن) تأكيد على تأكيد لمعنى اختصاص الله بالتنزيل؛ ليستقر في نفس النبي ﷺ أنه إذا كان هو المنزل لم يكن تنزيله مفرقا إلا حكمة وصوابا). أقول: إن كثرة المؤكدات في الآية تمحو أي ريب في النفس، وفي ذلك مقدمة مناسبة للتكاليف الآتية فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ قال ابن كثير: (أي: كما أكرمتك بما أنزلت عليك فاصبر على قضائه وقدره، واعلم أنه سيدبرك بحسن تدبيره)، وقال النسفي:

стр. 5980

فاصبر لحكم ربك عليك بتبليغ الرسالة، واحتمال الأذية، وتأخير نصرتك ... وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ قال النسفي: أي: من الكفرة للضجر من تأخير الظفر آثِماً أي: راكبا لما هو إثم، داعيا لك إليه أَوْ كَفُوراً قال النسفي: أي: (فاعلا لما هو كفر داعيا لك إليه؛ لأنهم إما أن يدعوه إلى مساعدتهم على فعل ما هو إثم أو كفر، أو غير إثم ولا كفر، فنهي أن يساعدهم على الأولين دون الثالث)، وقال ابن كثير: أي: لا تطع الكافرين والمنافقين إن أرادوا صدك عما أنزل إليك، بل بلغ ما نزل إليك من ربك وتوكل على الله، فإن الله يعصمك من الناس، فالآثم هو الفاجر في أفعاله، والكفور هو الكافر قلبه وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قال ابن كثير: أي: أول النهار وآخره، وقال النسفي: (أي: قيل له بكرة: صلاة الفجر، وأصيلا: صلاة الظهر والعصر) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ قال النسفي: (أي: وبعض الليل فصل العشاءين) وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا قال النسفي: أي: تهجد له هزيعا طويلا من الليل: ثلثيه أو نصفه أو ثلثه، قال ابن كثير: ثم قال تعالى منكرا على الكفار ومن أشبههم في حب الدنيا والإقبال عليها، والانصباب إليها، وترك الدار الآخرة وراء ظهورهم إِنَّ هؤُلاءِ الكفرة يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ أي: يؤثرونها على الآخرة وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ أي: قدامهم أو خلف ظهورهم يَوْماً ثَقِيلًا أي: شديدا لا يعبئون به، وهو يوم القيامة؛ لأن شدائده تثقل على الكفار، فإذا كان هؤلاء كذلك ومن ثم لا يعملون فلا ينبغي أن يكون المسلم كذلك نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أي: أحكمنا أَسْرَهُمْ أي: خلقهم وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا قال النسفي: (أي: إذا شئنا إهلاكهم أهلكناهم، وبدلنا أمثالهم في الخلقة ممن يطيع). كلمة في السياق: ١ - بدأت السورة بقوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً* إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً لاحظ كلمة (خلقنا) في الآية الثانية، ونلاحظ أنه قد ورد معنا في آخر آية عرضناها من الفقرة الثانية: نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا وهذا يشعرنا أن معاني متعانقة في السورة قد انتهى عرضها لوجود نهاية تشبه البداية، ولذلك فإن الآية اللاحقة تأتي وكأنها تعليق على ما مر: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ

стр. 5981

فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا. ٢ - أمرت المجموعة التي مرت معنا من هذه الفقرة بالصبر على قضاء الله ، وترك طاعة الآثمين والكافرين، وأمرت بالصلوات، ومن قبل ذكرت السورة بشكل ضمني: بالوفاء بالنذر، وبإطعام الطعام، وبالخوف من الله ، وبالصبر، وبالشكر، وحذرت من الكفر، وذكرت ما أعد الله للكفار، وما أعده للأبرار، وهذه معان تعتبر أمهات في الطريق إلى الله ، ومن ثم يأتي الآن مباشرة قوله تعالى عن السورة: إِنَّ هذِهِ أي: السورة تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا. ٣ - لنتذكر الآن محور السورة من سورة البقرة: بعد مقدمة سورة البقرة جاءت آيات تأمر بالعبادة للوصول إلى التقوى، وتذكر بمعان تستوجب الشكر من العبد، ثم أقامت الحجة على من يرتاب بالقرآن، وحذرت من النار، وأمرت رسول الله ﷺ بتبشير الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وقد فصلت سورة الإنسان حتى الآن في هذا كله، وبعد ذلك يأتي في سورة البقرة قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ والمجموعة الأخيرة من سورة الإنسان تتحدث عن معنى موجود في هذه الآية، وهو أن الهداية والضلال بمشيئة الله ، ولا شئ يخرج عن مشيئته تعالى، فالكافرون لم يكفروا ولم يضلوا إلا بمشيئته، وفي ذلك مظهر من مظاهر عزة الله ، فليس الكافر يعصي قهرا لله، بل يفعل ذلك بمشيئة الله، ولا يجني إلا على نفسه، هذا مع العلم أن الله لا يضل أحدا إلا بسبب، فكون الإضلال بمشيئة الله لا ينفي اختيار الإنسان، وهكذا نجد أن سورة الإنسان فصلت في الآيات السبع الآتية بعد مقدمة سورة البقرة، فلنر المجموعة الثانية من الفقرة الثانية. تفسير المجموعة الثانية . إِنَّ هذِهِ أي: السورة تَذْكِرَةٌ أي: عظة فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا قال النسفي: بالتقرب إليه بالطاعة له واتباع رسوله، وقال ابن كثير: أي: طريقا ومسلكا، أي: من شاء اهتدى بالقرآن وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ

стр. 5982

قال ابن كثير: أي: لا يقدر أحد أن يهدي نفسه، ولا يدخل في الإيمان، ولا يجر لنفسه منفعا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ قال النسفي: أي: إلا وقت مشيئة الله وإنما يشاء الله ذلك ممن علم منه اختياره ذلك، وقيل هو لعموم المشيئة في الطاعة والعصيان، والكفر والإيمان فيكون حجة لنا على المعتزلة إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً قال ابن كثير: أي: عليم بمن يستحق الهداية فييسر له، ويقيض له أسبابها، ومن يستحق الغواية فيصرفه عن الهدى، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ أي: جنته لأنها برحمته تنال وَالظَّالِمِينَ أي: الكافرين، وسموا بذلك لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً جزاء عدلا على ظلمهم، وهكذا أكد الله أن الهداية بمشيئته، والضلال بمشيئته، ولكنه يهدي فضلا، ويضل عدلا، وعموم المشيئة لا ينافي اختيار الإنسان، فالاختيار قائم والمشيئة عامة، وعموم المشيئة مظهر العزة والعظمة، وإلا يكون عصيانه مراغمة له سبحانه، ويكون نيل رضوانه بغير توفيق منه، ومن لا يعرف الله حق المعرفة تخرج منه الأعاجيب. كلمة في السياق: رأينا أثناء عرض السورة سياق السورة الخاص، وصلتها بمحورها من سورة البقرة، وواضح أنها فصلت في الطريق، فهي سورة تهيج على السير إلى الله فلنأخذ حظنا من العمل منها، ومن ثم فإن رسول الله ﷺ كان يقرؤها مع سورة (الم تنزيل السجدة) في صلاة الصبح يوم الجمعة كما سنرى في الفوائد . الفوائد: ١ - قدم ابن كثير لتفسير سورة الإنسان بما يلي: (قد تقدم في صحيح مسلم عن ابن عباس أن رسول الله ﵌ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة الم تَنْزِيلُ السجدة، وهَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ وقال عبد الله ابن وهب: أخبرنا ابن زيد أن رسول الله ﷺ قرأ هذه السورة هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ). ٢ - في مقال نشرته مجلة الأمان في عددها (٥٩) تحدث الدكتور الطبيب محمد علي البار عن النطفة الأمشاج، حاول فيه الدكتور أن يبين أبعاد قوله تعالى: إِنَّا

стр. 5983

خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ وكيف أن فيه معجزة علمية يدركها من عرف تدرج النظريات في شأن نشأة الجنين ومن كلامه في هذا المقال نقتطف ما يلي: (لم تكن البشرية تعرف شيئا عن النطفة الأمشاج ... فقد كان الاعتقاد السائد لدى الفلاسفة أن الجنين الإنساني إنما يتكون نتيجة ماء الرجل ... وأن رحم المرأة ليس إلا محضنا لنمو ذلك الجنين، وشبهوا ذلك بالذرة ترمى في الأرض فتأخذ منها الغذاء فتخرج منها شجرة يانعة ... فليس للمرأة دور في الجنين سوى رعايته وتغذيته ... أما أن يكون الولد نتيجة مشج ماء الرجل وماء المرأة فأمر لم تعرفه الإنسانية إلا على لسان أنبياء ... وكما قال ذلك اليهودي الذي استشهدت به قريش: كذلك كان يقول من كان قبلك من الأنبياء. أما خارج نطاق النبوة فقد ظلت الإنسانية في عمى كامل حتى العصور الحديثة. ولقد ظلت النظرية السائدة- والقائلة بأن الجنين الإنساني ليس إلا نتيجة للحيوان المنوي فحسب- ظلت هذه النظرية مسيطرة على الفكر البشري حتى بعد أن قام العالمان: هام، وليفن هوك عام ١٦٧٧ باكتشاف الحيوان المنوي، وبعد أن قام جراف باكتشاف البويضة عام ١٦٧٢. ومن ذلك التاريخ ظهرت نظرية أخرى تقول بأن البويضة تحتوى على الجنين الإنساني كاملا ... وأن دور الحيوان المنوي هو فقط في تنشيط البويضة. ولكن ليس له أي دور في تكوين الجنين. وظلت هاتان النظريتان تتصارعان حتى عام ١٧٤٥ م عند ما اكتشف العالم بونيه بأن بويضات بعض الحشرات تنمو إلى أجنة كاملة دون الحاجة مطلقا إلى الذكر (الولادة بدون ذكر أو أب). وعندئذ بدا أن أصحاب البويضة قد حققوا انتصارا دامغا على خصمائهم من أصحاب النظرية الأخرى التي تنسب الجنين إلى الحيوان المنوي فقط. واستمرت مع ذلك هذه المعارك حتى ظهر سبالانزاني الذي عاش ما بين ١٧٢٧ - ١٧٩٩، ووولف الذي عاش في الفترة ما بين ١٧٣٣ إلى ١٧٩٤، اللذان أظهرا بالتجارب أن كلا من البويضة والحيوان المنوي يساهمان في تكوين الجنين ... وقدم وولف نظريته القائلة بأن البويضة الملقحة تتكاثر وتنقسم لتكون الجنين طورا بعد طور، ومرحلة بعد مرحلة ... وقد كانت النظرية السائدة حتى ذلك الحين بأن الجنين موجود بصورة مصغرة في الحيوان المنوي كما يقول أصحاب نظرية الحيوان المنوي، أو موجود بصورة مصغرة في البويضة كما يقول أصحاب نظرية البويضة ... وأنه ليس هناك إلا النمو

стр. 5984

لهذا الجنين المصغر ... ورغم وجاهة نظرية وولف وقربها من الحقيقة إلا أنها أهملت لمدة نصف قرن من الزمان ... ولم ينفض عنها الغبار إلا بعد أن اكتشف شيلدن وشوال أسس تركيب الجسم الحيواني المكون من مجموعة من الخلايا ... وأن الخلية الحية هي وحدة بناء الجسم الحي ... وذلك في عام ١٨٣٩. وقد مهدت هذه المعلومات الطريق لمعرفة أن تكوين الجنين إنما يتم بالتزاوج والاختلاط بين خلية الذكر (الحيوان المنوي) وخلية الأنثى (البويضة) ... وقد تأكدت هذه المعلومات وأصبحت ضمن الحقائق العلمية في أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين. أطوار الجنين: لقد ظلت النظرية السائدة أن الجنين البشري موجود بصورة كاملة ومصغرة في البويضة، أو في الحيوان المنوي، حتى أظهر وولف في أواخر القرن الثامن عشر نظريته القائلة بأن البويضة الملقحة تنقسم وتتكاثر وتمر بعدة أطوار قبل أن تشبه الطور الإنساني. ولكن نظرية وولف هذه قوبلت بالإهمال لمدة نصف قرن من الزمان، ولم يكتب لها الظهور إلا بعد اكتشافات شوال وشيلدن حول الخلية الحية، وأنها لبنة البناء لجميع أنسجة الكائن الحي ... وذلك عام ١٨٣٩ ... ثم توالت الاكتشافات العلمية التي تؤيد نظرية وولف حتى أصبحت حقيقة في أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين. وقد تحدث القرآن الكريم عن أطوار الجنين في مواضع متعددة ... وكذلك فصلت في ذلك السنة المطهرة. قال تعالى: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً* وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً قال ابن عباس وعكرمة وقتادة والسدي وابن زيد: معناه من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة إلى آخر أطوار الإنسان. وقال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ، وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً. وقال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي

стр. 5985

قَرارٍ مَكِينٍ* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً* فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً* فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً* فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً* ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ* فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ. يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ. والقرآن الكريم والسنة المطهرة يكشفان عن الحقيقة العلمية قبل اكتشافها بألف وثلاثمائة عام. النطفة والأمشاج: الآيات: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً* إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (الإنسان: ١، ٢). قال ابن جرير الطبري في تفسيره: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ: إنا خلقنا ذرية آدم من نطفة، يعني: من ماء الرجل وماء المرأة. والنطفة كل ماء قليل في وعاء كان ذلك ركية أو قربة أو غير ذلك. وقوله أمشاج يعني: أخلاط واحدها مشج ومشيج، يقال فيه: إذا مشجت هذا بهذا خلطته، وهو ممشوج به، ومشيج أي مخلوطه ... وهو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة. وروى بسنده عن عكرمة قوله أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ قال: ماء الرجل مع ماء المرأة يمشج أحدهما الآخر، وروي عنه أيضا قوله: ماء الرجل وماء المرأة يختلطان. وروى بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: ماء المرأة وماء الرجل يختلطان، وقال الربيع ابن أنس: إذا اجتمع ماء المرأة وماء الرجل. وقال الحسن البصري: مشج (خلط) ماء المرأة مع ماء الرجل. قال مجاهد: خلق الله الولد من ماء الرجل وماء المرأة، وقد قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى. وذكر ابن جرير أقوالا أخرى مثل قول قتادة: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ أي: أطوار الخلق طورا نطفة، وطورا علقة، وطورا مضغة، وطورا عظاما، ثم كسا الله العظام لحما، ثم أنشأناه خلقا آخر ... وروى عنه أيضا: الأمشاج اختلاط الماء والدم بالنطفة، ثم كان علقة ثم كان مضغة ... وانتهى ابن جرير إلى ترجيح القول الأول وهو: أن النطفة الأمشاج هي اختلاط ماء الرجل بماء المرأة قال: وأشبه

стр. 5986

هذه الأقوال بالصواب قول من قال معنى ذلك من نطفة أمشاج: نطفة الرجل ونطفة المرأة، لأن الله تعالى وصف النطفة بأنها أمشاج ... وهي إذا انتقلت فصارت علقة فقد استحالت عن معنى النطفة، فكيف تكون نطفة أمشاجا وهي علقة. تفسير ابن كثير للآية: يقول تعالى مخبرا عن الإنسان أنه وجد بعد أن لم يكن شيئا مذكورا، لضعفه وحقارته، فقال تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ثم بين ذلك فقال ﷻ : إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ أي: أخلاط، والمشج والمشيج الشئ المختلط بعضه على بعض. وقال ابن عباس في قوله تعالى: مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ يعني: ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا، ثم ينتقل بعد من طور إلى طور، ومن حال إلى حال، ومن لون إلى لون، وهكذا قال عكرمة ومجاهد والحسن البصري والربيع بن أنس: الأمشاج هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة. الأحاديث: أخرج الإمام أحمد في مسنده: أن يهوديا مر بالنبي ﷺ وهو يحدث أصحابه فقالت قريش: يا يهودي إن هذا يزعم أنه نبي فقال: لأسألنه عن شئ لا يعلمه إلا نبي فقال: يا محمد مم يخلق الإنسان؟ فقال رسول الله ﷺ : «يا يهودي، من كل يخلق، من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة» فقال اليهودي: هكذا كان يقول من قبلك (أي: من الأنبياء). مما تقدم يتضح بجلاء أن ما اكتشفته البشرية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين قد تحدث به القرآن الكريم بلا أدنى لبس أو مواربة، وقد وضحته الأحاديث النبوية الشريفة ... كما أن الصحابة والتابعين من أعلام المفسرين- وعلى رأسهم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄ قد فهموا من الآيات الكريمة ما نفهمه نحن اليوم بعد الاكتشافات العلمية، وقد نقلنا ذلك عنهم حسب ما رواه شيخ المفسرين ابن جرير الطبري، والحافظ ابن كثير الدمشقي، وغيرهم من أعلام التفسير في القديم والحديث، ولا أظن أحدا سيتهمنا بأننا نعتسف النصوص لنفسر بها الإعجاز العلمي في القرآن الكريم). ٣ - بمناسبة قوله تعالى: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً قال ابن كثير: (وروى الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال لكعب

стр. 5987

ابن عجرة: «أعاذك الله من إمارة السفهاء» قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: «أمراء يكونون من بعدي لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا يردون على حوضي، ومن لم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فأولئك مني وأنا منهم، وسيردون على حوضي، يا كعب بن عجرة: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، والصلاة قربان- أو قال: برهان- يا كعب بن عجرة: إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به، يا كعب: الناس غاديان فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها» ورواه عن غياث بن وهب عن عبد الله بن خثيم به وقد تقدم في سورة الروم عند قوله ﷻ : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها من رواية جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا». وروى الإمام أحمد ... عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما من خارج يخرج إلا ببابه رايتان: راية بيد ملك، وراية بيد شيطان فإن خرج لما يحب الله اتبعه الملك برايته، فلم يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بيته، وإن خرج لما يسخط الله اتبعه الشيطان برايته فلم يزل تحت راية الشيطان حتى يرجع إلى بيته»). ٤ - بمناسبة قوله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ قال ابن كثير: (أي: يتعبدون لله فيما أوجبه عليهم من فعل الطاعات الواجبة بأصل الشرع، وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر. روى الإمام مالك عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» رواه البخاري من حديث مالك). ٥ - بمناسبة قوله تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ قال ابن كثير: (وروى البيهقي من طريق الأعمش عن نافع قال: مرض ابن عمر فاشتهى عنبا أول ما جاء العنب، فأرسلت صفية- يعني: امرأته- فاشترت عنقودا بدرهم، فاتبع الرسول سائل فلما دخل به قال السائل: السائل، فقال ابن عمر: أعطوه إياه فأعطوه إياه، فأرسلت بدرهم آخر فاشترت عنقودا، فاتبع الرسول السائل فلما دخل قال السائل: السائل، فقال ابن عمر: أعطوه إياه، فأعطوه إياه، فأرسلت صفية إلى السائل فقالت: والله إن عدت لا تصيب منه خيرا أبدا ثم أرسلت بدرهم آخر فاشترت

стр. 5988

به، وفي الصحيح: «أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر» أي: في حال محبتك للمال وحرصك عليه وحاجتك إليه). ٦ - بمناسبة قوله تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً قال ابن كثير: (أما المسكين واليتيم فقد تقدم بيانهما وصفتهما، وأما الأسير فقال سعيد بن جبير والحسن والضحاك: الأسير من أهل القبلة، وقال ابن عباس: كان أسراؤهم يومئذ مشركين، ويشهد لهذا أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء، وقال عكرمة: هم العبيد، واختاره ابن جرير لعموم الآية للمسلم والمشرك، وهكذا قال سعيد بن جبير وعطاء والحسن وقتادة، وقد وصى رسول الله ﷺ بالإحسان إلى الأرقاء في غير ما حديث حتى إنه كان آخر ما أوصى أن جعل يقول: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» قال مجاهد: هو المحبوس أي: يطعمون الطعام لهؤلاء وهم يشتهونه ويحبونه، قائلين بلسان الحال: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ). ٧ - بمناسبة قوله تعالى: وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً قال ابن كثير: (وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة هشام بن سليمان الداراني قال: قرئ على أبي سليمان الداراني سورة هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ فلما بلغ القارئ إلى قوله تعالى وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً قال: بما صبروا على ترك الشهوات في الدنيا ثم أنشد يقول: كم قتيل لشهوة وأسير ... أف من مشته خلاف الجميل شهوات الإنسان تورثه الذل ... وتلقيه في البلاء الطويل) ٨ - بمناسبة قوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً قال ابن كثير: (وقد قدمنا في الحديث المروي من طريق نوير بن أبي فاختة عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة، ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى أدناه» فإذا كان هذا عطاؤه تعالى لأدنى من يكون في الجنة فما ظنك بما هو أعلى منزلة وأحظى عنده تعالى). ٩ - في سورة الإنسان قال تعالى: وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وفي سورة فاطر قال تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وقد جمع ابن كثير بين

стр. 5989

الآيتين بأن: الفضة للأبرار، والذهب واللؤلؤ للمقربين، قال ابن كثير: (وهذه صفة الأبرار، وأما المقربون فكما قال تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ وأما النسفي فقال في الجمع بين الآيتين: (قال ابن المسيب: لا أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أسورة، واحدة من فضة، وأخرى من ذهب، وأخرى من لؤلؤ) والله أعلم. كلمة أخيرة في سورة الإنسان ومجموعتها: رأينا أن رسول الله ﷺ كان يكرر سورة الإنسان في صلاة الصبح يوم الجمعة، وما ذلك إلا لما تضمنته من معان يستغرق التبشير منها حيزا كبيرا، ورسولنا ﷺ أمر أن يبشر المؤمنين، ولا شك أن من يصلي الصبح في جماعة فذلك مظنة الإيمان، فإن يسمعه رسول الله ﷺ صبيحة كل جمعة سورة الإنسان فذلك تحقيق للأمر بالتبشير، فالسورة وإن أنذرت إلا أنه يغلب عليها التبشير، وهي مع ذلك تدل على الطريق إلى الله، وتذكر بمكارم الأخلاق العليا. وسورة الإنسان تكمل سورة القيامة، فسورة القيامة تبرهن على مجئ يوم القيامة، وسورة الإنسان تتحدث عما يكون يوم القيامة، وعما أعد الله لنوعي الناس الكفار والأبرار فيه، كما أنها تذكر الطريق للنجاة يوم القيامة، وبهذا تتكامل السورتان اللتان تشكلان مجموعة واحدة. وسورة القيامة ناقشت أخطر قضيتين تبرزان بشكل حاد في الحياة البشرية وهما استبعاد البعث، وتصور أن الإنسان حر غير مسئول، وهاتان القضيتان هما محور أكثر ما يكتب في العالم اليوم، حتى إنك لو أردت أن تلخص الأفكار المطروحة في سوق الأدب والفكر لوجدتها تتلخص بالعناوين التالية: الإنسان حر غير مسئول أمام الله، الهزؤ من التكاليف الدينية، الإنسان صانع حياته وسلوكه وأفكاره ومجتمعه. كل هذه المعاني يدور حولها بشكل مباشر، أو بشكل غير مباشر التوجيه العام للأنظمة في العالم كله وتنبثق عنها كتب المدارس الفكرية والفلسفية والأدبية والفنية في العالم، حتى ليندر كتاب فكري لا تجد فيه مثل هذه المعاني، بل إن أجهزة الإعلام من راديو

стр. 5990

وتلفزيون وصحافة موجهة أو صحافة جرة تربي على هذا المعنى، ومن ثم تجد الإنسان العادي الذي لم تصل إليه التربية الإسلامية هذا شأنه، وهذا تفكيره، وهذا سلوكه، ولذلك تجده بعيد التفكير عن الشعور بمسئوليته أمام الله ، وعند ما تحدثه عن هذا الموضوع تجدك تتحدث مع إنسان يبعد عنك آلاف الأميال، فتحتار كيف تسمعه ما تريد، وتقرب إليه ما تريد، ليستشعر أن نقطة البداية في السلوك البشري أن ينطلق الإنسان من كونه مسئولا أمام الله ، وأن عليه أن يصوغ حياته انطلاقا من هذه الحقيقة، لقد ناقشت سورة القيامة هذا الموضوع، ومن ثم فإن الوقوف عندها مهم. وتأتي سورة الإنسان بعدها لتتحدث عن الطريق، فتكمل المعاني التي جاءت في سورة القيامة، ومن قبل قلنا: إن سور المجموعة الواحدة تتكامل مع بعضها لتؤدي دورا متكاملا في التوجيه والتفصيل، فبقدر ما يحدث انصهار بمعاني سورة القيامة، وبقدر ما يوجد عمل في ما توجه إليه سورة الإنسان، يكون الابتعاد عن التصورات الإنسانية الخاطئة في باب مسئولية الإنسان. ولننتقل إلى المجموعة الثامنة.
следующие страницы →