Полный текст (6 440 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.
стр. 5986
هذه الأقوال بالصواب قول من قال معنى ذلك من نطفة أمشاج: نطفة الرجل ونطفة المرأة، لأن الله تعالى وصف النطفة بأنها أمشاج ... وهي إذا انتقلت فصارت علقة فقد استحالت عن معنى النطفة، فكيف تكون نطفة أمشاجا وهي علقة.
تفسير ابن كثير للآية: يقول تعالى مخبرا عن الإنسان أنه وجد بعد أن لم يكن شيئا مذكورا، لضعفه وحقارته، فقال تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ثم بين ذلك فقال ﷻ : إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ أي: أخلاط، والمشج والمشيج الشئ المختلط بعضه على بعض.
وقال ابن عباس في قوله تعالى: مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ يعني: ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا، ثم ينتقل بعد من طور إلى طور، ومن حال إلى حال، ومن لون إلى لون، وهكذا قال عكرمة ومجاهد والحسن البصري والربيع بن أنس: الأمشاج هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة.
الأحاديث: أخرج الإمام أحمد في مسنده: أن يهوديا مر بالنبي ﷺ وهو يحدث أصحابه فقالت قريش: يا يهودي إن هذا يزعم أنه نبي فقال: لأسألنه عن شئ لا يعلمه إلا نبي فقال: يا محمد مم يخلق الإنسان؟ فقال رسول الله ﷺ :
«يا يهودي، من كل يخلق، من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة» فقال اليهودي: هكذا كان يقول من قبلك (أي: من الأنبياء).
مما تقدم يتضح بجلاء أن ما اكتشفته البشرية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين قد تحدث به القرآن الكريم بلا أدنى لبس أو مواربة، وقد وضحته الأحاديث النبوية الشريفة ... كما أن الصحابة والتابعين من أعلام المفسرين- وعلى رأسهم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄ قد فهموا من الآيات الكريمة ما نفهمه نحن اليوم بعد الاكتشافات العلمية، وقد نقلنا ذلك عنهم حسب ما رواه شيخ المفسرين ابن جرير الطبري، والحافظ ابن كثير الدمشقي، وغيرهم من أعلام التفسير في القديم والحديث، ولا أظن أحدا سيتهمنا بأننا نعتسف النصوص لنفسر بها الإعجاز العلمي في القرآن الكريم).
٣ - بمناسبة قوله تعالى: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً قال ابن كثير: (وروى الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال لكعب
стр. 5987
ابن عجرة: «أعاذك الله من إمارة السفهاء» قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: «أمراء يكونون من بعدي لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا يردون على حوضي، ومن لم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فأولئك مني وأنا منهم، وسيردون على حوضي، يا كعب بن عجرة: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، والصلاة قربان- أو قال: برهان- يا كعب بن عجرة: إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به، يا كعب: الناس غاديان فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها» ورواه عن غياث بن وهب عن عبد الله بن خثيم به وقد تقدم في سورة الروم عند قوله ﷻ : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها من رواية جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا».
وروى الإمام أحمد ... عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما من خارج يخرج إلا ببابه رايتان: راية بيد ملك، وراية بيد شيطان فإن خرج لما يحب الله اتبعه الملك برايته، فلم يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بيته، وإن خرج لما يسخط الله اتبعه الشيطان برايته فلم يزل تحت راية الشيطان حتى يرجع إلى بيته»).
٤ - بمناسبة قوله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ قال ابن كثير: (أي: يتعبدون لله فيما أوجبه عليهم من فعل الطاعات الواجبة بأصل الشرع، وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر. روى الإمام مالك عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال:
«من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» رواه البخاري من حديث مالك).
٥ - بمناسبة قوله تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ قال ابن كثير:
(وروى البيهقي من طريق الأعمش عن نافع قال: مرض ابن عمر فاشتهى عنبا أول ما جاء العنب، فأرسلت صفية- يعني: امرأته- فاشترت عنقودا بدرهم، فاتبع الرسول سائل فلما دخل به قال السائل: السائل، فقال ابن عمر: أعطوه إياه فأعطوه إياه، فأرسلت بدرهم آخر فاشترت عنقودا، فاتبع الرسول السائل فلما دخل قال السائل: السائل، فقال ابن عمر: أعطوه إياه، فأعطوه إياه، فأرسلت صفية إلى السائل فقالت: والله إن عدت لا تصيب منه خيرا أبدا ثم أرسلت بدرهم آخر فاشترت
стр. 5988
به، وفي الصحيح: «أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر» أي: في حال محبتك للمال وحرصك عليه وحاجتك إليه).
٦ - بمناسبة قوله تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً قال ابن كثير: (أما المسكين واليتيم فقد تقدم بيانهما وصفتهما، وأما الأسير فقال سعيد بن جبير والحسن والضحاك: الأسير من أهل القبلة، وقال ابن عباس: كان أسراؤهم يومئذ مشركين، ويشهد لهذا أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء، وقال عكرمة: هم العبيد، واختاره ابن جرير لعموم الآية للمسلم والمشرك، وهكذا قال سعيد بن جبير وعطاء والحسن وقتادة، وقد وصى رسول الله ﷺ بالإحسان إلى الأرقاء في غير ما حديث حتى إنه كان آخر ما أوصى أن جعل يقول: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» قال مجاهد: هو المحبوس أي: يطعمون الطعام لهؤلاء وهم يشتهونه ويحبونه، قائلين بلسان الحال: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ).
٧ - بمناسبة قوله تعالى: وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً قال ابن كثير:
(وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة هشام بن سليمان الداراني قال: قرئ على أبي سليمان الداراني سورة هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ فلما بلغ القارئ إلى قوله تعالى وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً قال: بما صبروا على ترك الشهوات في الدنيا ثم أنشد يقول:
كم قتيل لشهوة وأسير ... أف من مشته خلاف الجميل
شهوات الإنسان تورثه الذل ... وتلقيه في البلاء الطويل)
٨ - بمناسبة قوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً قال ابن كثير: (وقد قدمنا في الحديث المروي من طريق نوير بن أبي فاختة عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة، ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى أدناه» فإذا كان هذا عطاؤه تعالى لأدنى من يكون في الجنة فما ظنك بما هو أعلى منزلة وأحظى عنده تعالى).
٩ - في سورة الإنسان قال تعالى: وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وفي سورة فاطر قال تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وقد جمع ابن كثير بين
стр. 5989
الآيتين بأن: الفضة للأبرار، والذهب واللؤلؤ للمقربين، قال ابن كثير: (وهذه صفة الأبرار، وأما المقربون فكما قال تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ وأما النسفي فقال في الجمع بين الآيتين: (قال ابن المسيب:
لا أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أسورة، واحدة من فضة، وأخرى من ذهب، وأخرى من لؤلؤ) والله أعلم.
كلمة أخيرة في سورة الإنسان ومجموعتها:
رأينا أن رسول الله ﷺ كان يكرر سورة الإنسان في صلاة الصبح يوم الجمعة، وما ذلك إلا لما تضمنته من معان يستغرق التبشير منها حيزا كبيرا، ورسولنا ﷺ أمر أن يبشر المؤمنين، ولا شك أن من يصلي الصبح في جماعة فذلك مظنة الإيمان، فإن يسمعه رسول الله ﷺ صبيحة كل جمعة سورة الإنسان فذلك تحقيق للأمر بالتبشير، فالسورة وإن أنذرت إلا أنه يغلب عليها التبشير، وهي مع ذلك تدل على الطريق إلى الله، وتذكر بمكارم الأخلاق العليا.
وسورة الإنسان تكمل سورة القيامة، فسورة القيامة تبرهن على مجئ يوم القيامة، وسورة الإنسان تتحدث عما يكون يوم القيامة، وعما أعد الله لنوعي الناس الكفار والأبرار فيه، كما أنها تذكر الطريق للنجاة يوم القيامة، وبهذا تتكامل السورتان اللتان تشكلان مجموعة واحدة.
وسورة القيامة ناقشت أخطر قضيتين تبرزان بشكل حاد في الحياة البشرية وهما استبعاد البعث، وتصور أن الإنسان حر غير مسئول، وهاتان القضيتان هما محور أكثر ما يكتب في العالم اليوم، حتى إنك لو أردت أن تلخص الأفكار المطروحة في سوق الأدب والفكر لوجدتها تتلخص بالعناوين التالية: الإنسان حر غير مسئول أمام الله، الهزؤ من التكاليف الدينية، الإنسان صانع حياته وسلوكه وأفكاره ومجتمعه. كل هذه المعاني يدور حولها بشكل مباشر، أو بشكل غير مباشر التوجيه العام للأنظمة في العالم كله وتنبثق عنها كتب المدارس الفكرية والفلسفية والأدبية والفنية في العالم، حتى ليندر كتاب فكري لا تجد فيه مثل هذه المعاني، بل إن أجهزة الإعلام من راديو
стр. 5990
وتلفزيون وصحافة موجهة أو صحافة جرة تربي على هذا المعنى، ومن ثم تجد الإنسان العادي الذي لم تصل إليه التربية الإسلامية هذا شأنه، وهذا تفكيره، وهذا سلوكه، ولذلك تجده بعيد التفكير عن الشعور بمسئوليته أمام الله ، وعند ما تحدثه عن هذا الموضوع تجدك تتحدث مع إنسان يبعد عنك آلاف الأميال،
فتحتار كيف تسمعه ما تريد، وتقرب إليه ما تريد، ليستشعر أن نقطة البداية في السلوك البشري أن ينطلق الإنسان من كونه مسئولا أمام الله ، وأن عليه أن يصوغ حياته انطلاقا من هذه الحقيقة، لقد ناقشت سورة القيامة هذا الموضوع، ومن ثم فإن الوقوف عندها مهم.
وتأتي سورة الإنسان بعدها لتتحدث عن الطريق، فتكمل المعاني التي جاءت في سورة القيامة، ومن قبل قلنا: إن سور المجموعة الواحدة تتكامل مع بعضها لتؤدي دورا متكاملا في التوجيه والتفصيل، فبقدر ما يحدث انصهار بمعاني سورة القيامة، وبقدر ما يوجد عمل في ما توجه إليه سورة الإنسان، يكون الابتعاد عن التصورات الإنسانية الخاطئة في باب مسئولية الإنسان. ولننتقل إلى المجموعة الثامنة.
стр. 5991
المجموعة الثامنة من القسم الرابع من أقسام القرآن المسمى بقسم المفصل
وتشمل سورتي:
(المرسلات، والنبأ)
стр. 5992
كلمة في المجموعة الثامنة من قسم المفصل
دلنا على بداية هذه المجموعة ونهايتها أن سورة المرسلات مبدوءة بقسم كسورة الصافات والذاريات، وتلك علامة على بداية مجموعة، إذا لم يكن سبب مانع، وبعد سورة النبأ تأتي سورة النازعات المبدوءة بقسم، مما يشير إلى أنها بداية مجموعة جديدة، فتعين أن سورتي المرسلات والنبأ مجموعة واحدة، وقد مرت معنا حتى الآن أكثر من مجموعة ثنائية، فسورتا (الصافات) و (ص) شكلتا مجموعة واحدة، وسورتا الحشر والممتحنة شكلتا مجموعة واحدة، وسورتا القيامة والإنسان شكلتا مجموعة واحدة، وهاتان السورتان تشكلان مجموعة واحدة، ونحب هنا أن نسجل ملاحظة هي:
إن كلمة يوم الفصل تتكرر أكثر من مرة في سورة المرسلات، وترد مرة واحدة في سورة النبأ، وهذه الكلمة نفسها وردت في سورة الصافات من قبل في قوله تعالى:
هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ والملاحظ أن كلمة النبأ وردت في سورة (ص) في قوله تعالى: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ، وأن سورة النبأ تبدأ بقوله تعالى: عَمَّ يَتَساءَلُونَ* عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ. مما يوحي بالتشابه بين مجموعة الصافات ومجموعة المرسلات، ومما يشعرنا بوحدة المحاور، فالصافات وص فصلتا في مقدمة سورة البقرة، والظاهر أن سورتي المرسلات والنبأ تفصلان في مقدمة سورة البقرة، الأولى منهما كالصافات تفصل في الآيات الخمس الأولى التي تتحدث عن المتقين، والثانية منهما تفصل في الآيتين بعد ذلك على تداخل بينهما وتكامل.
والملاحظ أن سورة الإنسان تحدثت عما أعد الله للكافرين، وعما أعده للأبرار، وأن سورة المرسلات تبدأ بمجموعة أقسام جوابها إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ ثم تتحدث السورة عما يجري في ذلك اليوم، فالصلة بين سورتي الإنسان والمرسلات واضحة المعالم، وسورة الإنسان تنتهي بقوله تعالى: وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً، ولازمة سورة المرسلات هي وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ.* فالصلة بين نهاية سورة الإنسان وبين سورة المرسلات واضحة. فلنبدأ عرض سورتي المجموعة.
стр. 5993
سورة المرسلات
وهي السورة السابعة والسبعون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الأولى من المجموعة الثامنة من قسم المفصل، وهي خمسون آية وهي مكية
стр. 5994
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 5995
بين يدي سورة المرسلات:
قدم الألوسي لسورة المرسلات بقوله: (وتسمى سورة العرف. وهي مكية.
وآيها خمسون آية بلا خلاف. ومناسبتها لما قبلها أنه سبحانه لما قال فيما قبل يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ الخ افتتح هذه بالأقسام على ما يدل على تحقيقه، وذكر وقته وأشراطه، وقيل إنه سبحانه أقسم على تحقيق جميع ما تضمنته السورة قبل من وعيد الكافرين الفجار ووعد المؤمنين الأبرار).
وقال صاحب الظلال في تقديمه لهذه السورة: (هذه السورة حادة الملامح، عنيفة المشاهد، شديدة الإيقاع، كأنها سياط لاذعة من نار. وهي تقف القلب وقفة المحاكمة الرهيبة، حيث يواجه بسيل من الاستفهامات والاستنكارات والتهديدات، تنفذ إليها كالسهام المسنونة!
وتعرض السورة من مشاهد الدنيا والآخرة، وحقائق الكون والنفس، ومناظر الهول والعذاب ما تعرض. وعقب كل معرض ومشهد تلفح القلب المذنب لفحة كأنها من نار: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ! *
ويتكرر هذا التعقيب عشر مرات في السورة. وهو لازمة الإيقاع فيها. وهو أنسب تعقيب لملامحها الحادة، ومشاهدها العنيفة، وإيقاعها الشديد.
وهذه اللازمة تذكرنا باللازمة المكررة في سورة (الرحمن) عقب عرض كل نعمة من نعم الله على العباد: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟ ... * كما تذكرنا باللازمة المكررة في سورة (القمر) عقب كل حلقة من حلقات العذاب: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ؟ ... * وتكرارها هنا على هذا النحو يعطي السورة سمة خاصة، وطعما مميزا ... حادا.
وتتوالى مقاطع السورة وفواصلها قصيرة سريعة عنيفة، متعددة القوافي. كل مقطع بقافية. ويعود السياق أحيانا إلى بعض القوافي مرة بعد مرة. ويتلقى الحس هذه المقاطع والفواصل والقوافي بلذعها الخاص، وعنفها الخاص. واحدة إثر واحدة.
وما يكاد يفيق من إيقاع حتى يعاجله إيقاع آخر، بنفس العنف وبنفس الشدة).
وقال صاحب الظلال في ختام السورة: (إن السورة بذاتها، ببنائها التعبيري،
стр. 5996
وإيقاعها الموسيقي، ومشاهدها العنيفة، ولذعها الحاد ... إنها بذاتها حملة لا يثبت لها قلب، ولا يتماسك لها كيان.
فسبحان الله الذي نزل القرآن، وأودعه هذا السلطان!).
كلمة في سورة المرسلات ومحورها:
تبدأ سورة المرسلات بمقدمة توصل إلى فقرة، والفقرة توصل إلى فقرة أخرى، بتسلسل عجيب يناقش المكذبين وينذرهم، ليصل إلى الحديث عن المتقين ومآلهم، والمكذبين وحالهم، لتكون الحصيلة وصفا ضمنيا للمتقين وذلك يرتبط برباط وثيق بالآيات الأولى من سورة البقرة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. ومن ثم نجد في السورة قوله تعالى عن القرآن:
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ أي: بعد القرآن يُؤْمِنُونَ.
ونجد قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ.
ونجد قوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ.
ونجد قوله تعالى: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يتردد كثيرا، وفيه تهديد للذين لا يؤمنون بالغيب، والذين لا يؤمنون بما أنزل على رسول الله ﷺ والذين لا يؤمنون بالبعث، ومن هذه الملاحظات السريعة ندرك صلة السورة بما ذكرناه من الآيات الخمس الأولى من سورة البقرة.
تتألف السورة من مقدمة هي سبع آيات، ومن فقرتين:
الفقرة الأولى تستمر حتى الآية (٤٠)، والفقرة الثانية تستمر حتى نهاية السورة أي: حتى نهاية الآية (٥٠). فلنبدأ عرض السورة.
стр. 5997
مقدمة السورة
وتستمر حتى نهاية الآية (٧) وهذه هي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١ الى ٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (٢) وَالنَّاشِراتِ نَشْراً (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً (٤)
فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (٥) عُذْراً أَوْ نُذْراً (٦) إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧)
التفسير:
وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً أكثر المفسرين على أن المراد بها الملائكة، والعرف يحتمل أنه المعروف، ويحتمل أنه عرف الفرس، فعلى الأول يكون المعنى: والملائكة المرسلات بالإحسان والمعروف، وفي ذلك إشارة إلى أن الوحي كله معروف لا شر فيه، إذ به يرسل الله ملائكته إلى رسله، وعلى المعنى الثاني يكون المعنى: والملائكة المرسلات متتابعات كعرف الفرس يتبع بعضهم بعضا في مواكب تأتي مع الوحي، أو تأتي إلى الأرض لتقوم بوظائفها كحضور حلقات الذكر، وحضور الصلوات.
فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً جزم ابن جرير بأن المراد بالعاصفات الرياح، وهو قول ابن مسعود وعلي بن أبي طالب وكثيرين. قال ابن كثير: (العاصفات هي الرياح ويقال: عصفت الرياح إذا هبت بتصويت). أقول: إن بين ذكر الملائكة المرسلة والرياح العاصفة مناسبة واضحة. فالملائكة تأتي بالخير من وحي وبشارة ونصر وسكينة، والرياح تأتي بالخصب والمطر، ففيما بين القسم بالملائكة والقسم بالرياح مناسبة واضحة، والقسم بالرياح معطوف بالفاء على القسم بالملائكة، مما يشير إلى أن الخير الذي تأتي به الملائكة مقدم على الخير الذي تأتي به الرياح، فشتان بين الخير الذي هو غذاء الأرواح والعقول والقلوب، والخير الذي هو غذاء الأجسام، وجواب القسم سيأتي فيما بعد، والمعروف أن حرف القسم الرئيسي هو الواو الذي سيذكر
стр. 5998
مرتين فقط في الأقسام الخمسة، فيأتي قبل القسم الأول، ويأتي القسم الثاني معطوفا عليه بالفاء، ثم يأتي القسم الثالث مبدوءا بالواو، ويأتي القسمان الرابع والخامس معطوفين عليه بالفاء، فكأن عندنا مرحلتين في القسم، المرحلة الأولى قسمان، والمرحلة الثانية ثلاثة أقسام، وجواب الأقسام كلها واحد، ومن ثم فالمرحلة الأولى من
الأقسام انتهت بالقسمين السابقين، وقد رأينا المناسبة بينهما، فلنر الآن المرحلة الثانية من القسم.
وَالنَّاشِراتِ نَشْراً جزم النسفي القول أن المراد بهذا القسم الملائكة فقال:
(أقسم بطوائف من الملائكة أرسلهن بأمره- كما جاء في القسم الأول من السورة- وبطوائف منهم نشرن أجنحتهن في الجو عند انحطاطهن بالوحي، أو نشرن الشرائع في الأرض، أو نشرن النفوس الموتى بالكفر والجهل بما أو حين).
فَالْفارِقاتِ فَرْقاً* فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً* عُذْراً أَوْ نُذْراً قال ابن كثير: (يعني الملائكة: قاله ابن مسعود وابن عباس ومسروق ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس والسدي والثوري، ولا خلاف هاهنا، فإنها تنزل بأمر الله على الرسل تفرق بين الحق والباطل، والهدى والغي، والحلال والحرام، وتلقي إلى الرسل وحيا فيه إعذار إلى الخلق، وإنذار لهم بعقاب الله إن خالفوا أمره)، وفسر النسفي الآيات الثلاث بقوله عن الملائكة:
(ففرقن بين الحق والباطل، فألقين ذكرا إلى الأنبياء ﵈ عذرا للمحقين، أو نذرا للمبطلين)
إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ هذا جواب القسم. قال النسفي:
(أي: إن الذي توعدونه من مجئ يوم القيامة لواقع أي: لكائن نازل لا ريب فيه)، وقال ابن كثير في الآية: (هذا هو المقسم عليه بهذه الأقسام، أي: ما وعدتم به من قيام الساعة، والنفخ في الصور، وبعث الأجساد، وجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ومجازاة كل عامل بعمله، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، إن هذا كله لواقع. إنه لكائن لا محالة).
كلمة في السياق:
١ - الراجح أنه من بين الأقسام الخمسة لا يوجد إلا قوله تعالى: فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً في غير الملائكة ورأينا المناسبة بين هذا القسم والذي قبله، فهو نوع تشبيه
стр. 5999
لما تأتي به الملائكة بما تأتي به الرياح من خير، فإذا اتضح أن الأقسام الأربعة في الملائكة، عرفنا صلة ذلك بمحور السورة الذي فيه كلام عن الإيمان بالغيب، والملائكة غيب، فإن تذكر بعض وظائف الملائكة من خلال القسم فذلك نوع تفصيل لما يدخل في الإيمان بالغيب.
٢ - في الأقسام الأربعة بالملائكة ذكرت بعض خصائص الملائكة: أنهم يرسلون بالمعروف، وينشرون شريعة الله، ويفرقون بما يأتون به بين الحق والباطل، ويلقون الذكر الذي فيه تبشير وإنذار، وفي ذلك كلام ضمني عن خصائص الوحي، وبالتالي عن خصائص القرآن، فالقرآن عرف خالص وشريعة مبثوثة منتشرة، وفارق بين الحق والباطل، وذكر وتبشير وإنذار، وصلة ذلك بقوله تعالى في مقدمة سورة البقرة:
الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ واضحة.
٣ - جواب الأقسام الخمسة هو: إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ ولذلك صلته بالكلام عن الآخرة الذي جاء في مقدمة سورة البقرة، فعلاقة مقدمة سورة المرسلات بمحور السورة من سورة البقرة متعددة الجوانب.
٤ - أوصلتنا مقدمة سورة المرسلات إلى وعد الله، أو وعيده، وأنه كائن، وها هي الفقرة الأولى في سورة المرسلات تحدثنا عن يوم القيامة، وتقيم الحجة على الناس في شأنه فلنر الفقرة الأولى.
стр. 6000
الفقرة الأولى
وتستمر من الآية (٨) إلى نهاية الآية (٤٠) وهذه هي:
المجموعة الأولى
[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٨ الى ١٥]
فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢)
لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)
المجموعة الثانية
[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١٧ الى ١٩]
ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩)
المجموعة الثالثة
[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٢٠ الى ٢٤]
أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤)
المجموعة الرابعة
[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٢٥ الى ٢٨]
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)
стр. 6001
المجموعة الخامسة
[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٢٩ الى ٣٤]
انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤)
المجموعة السادسة
[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٣٥ الى ٤٠]
هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩)
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠)
ملاحظة في السياق:
يلاحظ أن هذه الفقرة تتألف من مجموعات، وما بين مجموعتها الأولى، ومجموعتها الأخيرة صلة، هي التي دلتنا على بداية المجموعة ونهايتها، ففي المجموعة الأولى يرد قوله تعالى: لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ* لِيَوْمِ الْفَصْلِ* وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ، وفي المجموعة الأخيرة منها يرد قوله تعالى: هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ* فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ.
فالسؤال عن يوم الفصل في المجموعة الأولى يأتي جوابه في المجموعة الأخيرة، ويأتي في الوسط الدليل عليه مع التحذير والإنذار.
تفسير المجموعة الأولى:
فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ أي: ذهب ضوؤها، وذلك بذهابها أصلا، يوم تطوى السماء كطي السجل للكتب
وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ. قال ابن كثير: أي:
стр. 6002
انفطرت وانشقت، وتدلت أرجاؤها، ووهت أطرافها. وقال النسفي: (أي:
فتحت فكانت أبوابا)
وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ. قال ابن كثير: أي: ذهب بها فلا يبقى لها عين ولا أثر
وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ. قال النسفي: أي: وقتت ومعنى توقيت الرسل تبيين وقتها الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم، وقال الألوسي:
(أي: بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره، وهو يوم القيامة، وجوز أن يكون المعنى:
عين لها الوقت الذي تحضر فيه للشهادة على الأمم)
لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ. قال ابن كثير: (أي: لأي يوم أجلت الرسل وأرجئ أمرها؟ حتى تقوم الساعة) وقال النسفي: (أي: أخرت وأمهلت، وفيه تعظيم لليوم وتعجيب من هوله). أقول:
هذا يفيد أن الرسل لا بد أن يؤدوا الشهادة، وتأجيل الشهادة لذلك اليوم لعظمة هذه الشهادة، ولعظمة ما يترتب عليها، فالآية فيها سؤال تعجيبي جوابه:
لِيَوْمِ الْفَصْلِ أي: أجلت الرسل لتأدية شهادتها على أممها ليوم الفصل، وهو اليوم الذي يفصل فيه بين الخلائق،
ثم قال تعالى معظما لشأن هذا اليوم: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ سؤال تعجيبي فيه تعظيم لشأن ذلك اليوم، ولا يأتي جواب مباشر عن يوم الفصل، وإنما تأتي آية تقول:
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ. قال ابن كثير: (أي:
ويل لهم من عذاب الله غدا، وقد قدمنا في الحديث أن (ويل) واد في جهنم ولا يصح). أقول: وفي الصيغة دلالة على أن ثبات العذاب ودوامه كائنان للمدعو عليهم، وسنرى أن هذه الآية ستتكرر مرات في السورة، وفي كل مرة تأتي في محلها لتؤدي دورا، وبها هنا انتهت المجموعة الأولى لتعرفنا على جزء مما يكون في يوم الفصل وهو استحقاق المكذبين بالرسل للعذاب الأليم.
كلمة في السياق:
١ - رأينا في هذه المجموعة صورة عما يكون يوم القيامة، وصلة ذلك بمقدمة سورة المرسلات واضحة، فالمقدمة تنتهي بقوله تعالى: إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ والمجموعة تحدثت عما يكون يوم يقع ذلك الوعد.
٢ - فصلت المجموعة في بعض ما له علاقة باليوم الآخر، وفي بعض ما له علاقة بالرسل، وأنذرت الذين لا يؤمنون بالرسل، وصلة ذلك بالآيات الأولى من سورة البقرة واضحة، فمن صفات المتقين أنهم يؤمنون بالغيب، وأنهم يؤمنون بما أنزل على محمد وإخوانه الأنبياء، وأنهم يوقنون بالآخرة، والمجموعة عرضت لجوانب تتعلق
стр. 6003
بالغيب والرسل واليوم الآخر، فهي تنذر لتحمل الناس على الإيمان والتقوى.
تفسير المجموعة الثانية:
أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ أي: الأمم الخالية المكذبة. قال ابن كثير: يعني: من المكذبين للرسل المخالفين لما جاءوهم به
ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ أي: ممن أشبههم وهو وعيد للمكذبين من هذه الأمة، فكأنه قال: ثم نفعل بأمثالهم من الآخرين مثل ما فعلنا بالأولين، لأنهم كذبوا مثل تكذيبهم فتلك سنتنا، ومن ثم قال:
كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ أي: مثل ذلك الفعل نفعل بكل من أجرم، فاحذروا، واستدلوا بذلك على مجئ اليوم الآخر، وتعذيب المكذبين فيه، ومن ثم قال تعالى بعد ذلك:
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ أي: يوم القيامة، أي: يوم الفصل الذي تحدثت عنه المجموعة الأولى لِلْمُكَذِّبِينَ قال النسفي: أي: بما أوعدنا. أقول: من كلمة النسفي هذه ندرك ربط النسفي لما ورد في هذه المجموعة مع ما سبقها.
كلمة في السياق:
١ - استقرت مقدمة سورة المرسلات على قوله تعالى: إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ واستقرت المجموعة الأولى على الكلام عن يوم الفصل لِيَوْمِ الْفَصْلِ* وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ وذكرت جزءا مما يحدث في يوم الفصل فقالت:
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ثم جاءت المجموعة الثانية ولفتت النظر إلى ما يستدل به على يوم الفصل، وكررت قوله تعالى: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ فكان في هذه الجملة في هذا السياق إنذار للمكذبين من هذه الأمة، ولفت نظر إلى اليوم الموعود.
٢ - يلاحظ أن المجموعة الأولى بدأت بالتقرير، وذكرت استفهامين في أواخرها: لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ؟ وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ؟ والملاحظ أن المجموعات الثلاث الآتية بعد المجموعة الأولى كل منها مبدوء بقوله تعالى: أَلَمْ* مما يشير إلى أن المجموعات الثلاث تؤدي خدمة واحدة في سياق السورة، وقد مرت معنا إحدى هذه المجموعات الثلاث فلنر أختيها.
стр. 6004
تفسير المجموعة الثالثة:
أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ أي: حقير، قال النسفي: وهو النطفة.
فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ أي: الرحم. والقرار: المقر، ووصفه بالمكين معجزة مستقلة، فمن علم مدى ما أحيط به الجنين من حماية يعرف دقة المعجزة
إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ أي: مؤخرا إلى مقدار من الوقت معلوم، قد علمه الله وحكم به وهو تسعة أشهر، أو ما فوقها، أو ما دونها. قال ابن كثير في تفسير القدر المعلوم: يعني:
إلى مدة معينة من ستة أشهر أو تسعة أشهر
فَقَدَرْنا من القدرة أو من التقدير فَنِعْمَ الْقادِرُونَ أي: نعم المقدرون نحن، أو نعم القادرون على ذلك نحن.
أقول: مجئ هذا المعنى في هذا السياق فيه إشارة إلى أن من قدر على ذلك فهو قادر على أن يحيي الإنسان مرة ثانية، وأن هذا مما ينبغي أن ينبه الإنسان فيصدق أن الله قادر على إعادته، ومن ثم ختمت المجموعة بقوله تعالى:
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ قال النسفي: (أي: بنعمة الفطرة).
تفسير المجموعة الرابعة:
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أي: ضامة جامعة
أَحْياءً وَأَمْواتاً أي: تضم أحياء على ظهرها، وأمواتا في بطنها، قال النسفي: والتنكير فيهما للتفخيم، أي:
تكفت أحياء لا يعدون وأمواتا لا يحصون، وقال الشعبي: بطنها لأمواتكم وظهرها لأحيائكم
وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ قال النسفي: أي: جبالا ثوابت شامِخاتٍ أي: عاليات وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً أي: عذبا، قال ابن كثير: أي: عذبا زلالا من السحاب، أو مما أنبعه من عيون الأرض
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ قال النسفي:
أي: بنعمة الفطرة، وقال ابن كثير: أي: ويل لمن تأمل هذه المخلوقات الدالة على عظمة. خالقها، ثم بعد هذا يستمر على تكذيبه وكفره.
كلمة في السياق:
١ - في ذكر مظاهر قدرة الله وإنعامه في هذه المجموعة دعوة للإيمان والشكر، فمن كذب ولم يشكر فويل له يوم الفصل، وفي ختم المجموعة بقوله تعالى: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ربط للمجموعة الرابعة بالمجموعة الأولى التي تتحدث عن يوم الفصل، فذكر مظاهر قدرته وإنعامه تذكير بأن من فعل هذا لا يعجزه أن يعيد خلق الإنسان،
стр. 6005
وتذكير بأن من فعل هذا فإن على الإنسان أن يشكره، والمطالبة بالشكر تقتضي حسابا وعقابا، أي: تقتضي يوم فصل، ولذلك ختمت المجموعة بقوله تعالى: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ
لِلْمُكَذِّبِينَ.
٢ - في المجموعة الأولى حديث عما يكون يوم القيامة من أحداث رئيسية. وفي المجموعات الثلاث التي جاءت بعد ذلك كان حديث عما يوصل إلى الإيمان باليوم الآخر، ثم يعود السياق إلى الحديث عن جزء مما يجري في ذلك اليوم للمكذبين.
تفسير المجموعة الخامسة:
انْطَلِقُوا أيها المكذبون إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ قال النسفي: أي:
يقال للكافرين يوم القيامة سيروا إلى النار التي كنتم بها تكذبون
انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ قال ابن كثير: يعني: لهب النار إذا ارتفع وصعد معه دخان، فمن شدته وقوته أن له ثلاث شعب
لا ظَلِيلٍ أي: لا يظل من حر ذلك اليوم ولا من حر النار وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ أي: وغير مغن لهم من حر اللهب شيئا، قال ابن كثير: أي: ظل الدخان المقابل للهب، ولا ظليل هو في نفسه، ولا يغني من اللهب يعني: ولا يقيهم حر اللهب
إِنَّها أي: النار تَرْمِي بِشَرَرٍ هو ما يتطاير من النار كَالْقَصْرِ أي: كالبناء المرتفع فالشرارة الواحدة كالقصر
كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ قال ابن كثير- وهو اختيار ابن جرير-: أي: كالإبل السود، والجمالات جمع الجمع فجمع جمل جمال، وجمع جمال جمالة، فالشرارات المقذوفة من النار شبهت بقصر يشبه مجموعات جمال سود مقذوفة، والجمل الأصفر هو الأسود الضارب إلى الصفرة، قال النسفي: وشبه الشرر بالقصر لعظمه وارتفاعه.
وبالجمال للعظم والطول واللون
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بالرسل وباليوم الآخر وبالنار.
كلمة في السياق:
بعد هذا الذكر المتعدد لليوم الآخر، في المجموعة الأولى لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ* لِيَوْمِ الْفَصْلِ* وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ* وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ، وفي المجموعة الثانية وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ وفي المجموعات الثالثة والرابعة والخامسة كذلك، بعد ذلك كله تأتي المجموعة السادسة والأخيرة، وفيها حديث مباشر عن ذلك اليوم.
стр. 6006
تفسير المجموعة السادسة من الفقرة الأولى:
هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ أي: لا يتكلمون، وذلك في موقف من مواقف القيامة إذ في بعضها يختصمون، أو أن المراد بالنطق هنا النطق النافع، فجعل نطقهم غير النافع كلا نطق، هذان اتجاهان ذكرهما النسفي
وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ أي:
ولا يؤذن لهم في الاعتذار فيعتذرون أي: لا يكون لهم إذن واعتذار. قال ابن كثير:
(أي: لا يقدرون على الكلام، ولا يؤذن لهم فيه ليعتذروا، بل قد قامت عليهم الحجة، ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون، وعرصات القيامة حالات، والرب تعالى يخبر عن هذه الحالة تارة، وعن هذه الحال تارة ليدل على شدة الأهوال والزلازل يومئذ،
ولهذا يقول بعد كل فصل من هذا الكلام: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)
هذا يَوْمُ الْفَصْلِ بين الحق والباطل، والحسن والسيئ بالجزاء جَمَعْناكُمْ يا مكذبي هذه الأمة وَالْأَوَّلِينَ أي: والمكذبين قبلكم
فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ أي: حيلة في دفع العذاب فَكِيدُونِ أي: فاحتالوا علي بتخليص أنفسكم من العذاب، قال ابن كثير: (هذا تهديد شديد ووعيد أكيد، أي: إن قدرتم على أن تتخلصوا من قبضتي وتنجوا من حكمي فافعلوا فإنكم لا تقدرون على ذلك)
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ قال النسفي: (أي: بالبعث).
كلمة في السياق:
عرفنا في المجموعة الأخيرة ماهية يوم الفصل، وهو اليوم الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين في صعيد واحد من المصدقين والمكذبين للرسل، ليحكم بينهم جميعا، وقد عرفنا مما مر حال المكذبين في ذلك اليوم، ثم يأتي كلام عن حال المتقين في ذلك اليوم، ثم يعود الحديث عن المكذبين ومواقفهم التي استحقوا بها ما استحقوا، وذلك كله في الفقرة الثانية من السورة.
стр. 6007
الفقرة الثانية
وتمتد من الآية (٤١) إلى نهاية الآية (٥٠) وهذه هي:
المجموعة الأولى
[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٤١ الى ٤٥]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥)
المجموعة الثانية
[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٤٦ الى ٤٧]
كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧)
المجموعة الثالثة
[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٤٨ الى ٥٠]
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)
تفسير المجموعة الأولى من الفقرة الثانية:
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ قال ابن كثير: يقول تعالى مخبرا عن عباده المتقين الذين عبدوه بأداء الواجبات وترك المحرمات، إنهم يوم القيامة يكونون في جنات وعيون. أي: بخلاف ما لأولئك الأشقياء من ظل اليحموم وهو الدخان الأسود المنتن،
ثم قال تعالى: وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ أي: لذيذة مشتهاة، قال ابن كثير:
أي: ومن سائر أنواع الثمار مهما طلبوا وجدوا
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قال ابن كثير: أي: يقال لهم ذلك على سبيل الإحسان إليهم،
ثم قال تعالى مخبرا خبرا مستأنفا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ أي: هذا جزاؤنا لمن أحسن العمل، فأحسنوا تجزوا بهذا
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ أي: بالجنة.
كلمة في السياق:
استقرت مقدمة السورة على قوله تعالى: إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ ثم جاءت
стр. 6008
الفقرة الأولى فبينت أن ذلك سيكون في يوم الفصل، وعرفنا من خلال لازمة السورة وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ومن خلال ما مر، ماذا سيكون في هذا اليوم للمتقين وللمكذبين؟ والآن تأتي مجموعة تهدد المكذبين فتقول:
تفسير المجموعة الثانية من الفقرة الثانية:
كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا أي: مدة قليلة قريبة قصيرة، لأن متاع الدنيا قليل إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ أي: كافرون، أي: إن كل مجرم يأكل ويتمتع أياما قلائل ثم يبقى في الهلاك الدائم، قال ابن كثير: في الآية خطاب للمكذبين بيوم الدين، وأمرهم أمر تهديد ووعيد
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بالله ورسله واليوم الآخر، ثم تأتي مجموعة تتحدث عن موقف المكذبين إذا أمروا بالصلاة.
تفسير المجموعة الثالثة من الفقرة الثانية:
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ أي: إذا قيل لهم: صلوا، لا يصلون، أو إذا قيل لهم: اخشعوا لله وتواضعوا إليه بقبول وحيه واتباع دينه، ودعوا هذا الاستكبار، لا يركعون، أي: لا يخشعون، ولا يقبلون ذلك ويصرون على استكبارهم. قال ابن كثير في الآية: أي: إذا أمر هؤلاء الجهلة من الكفار أن يكونوا من المصلين مع الجماعة امتنعوا عن ذلك واستكبروا عنه،
قال تعالى: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بالله ورسله واليوم الآخر وبالأمر وبالنهي،
ثم تأتي الآية الأخيرة فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ أي: فبأي حديث بعد القرآن يؤمنون؟ قال النسفي: أي:
إن لم يؤمنوا بهذا القرآن على أنه آية مبصرة، ومعجزة باهرة من بين الكتب السماوية، فبأي كتاب بعده يؤمنون؟ وقال ابن كثير: أي: إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن فبأي كلام يؤمنون به؟!. أقول: إن هذا القرآن لم يبق بعد بيانه بيان، ولا بعد حجته حجة، فإذا كانوا لم يصدقوا بعد هذا كله بالقرآن، وبما تحدث عنه القرآن، ولم يعملوا بما أمر به فلم يبق هناك شئ ينفعهم.
كلمة في السياق:
١ - عرفنا من الآيات الأخيرة أن المكذبين همهم الأكل والمتاع، وأنهم يرفضون الخضوع لله، والصلاة له، وأنهم لا يؤمنون بالقرآن ومن قبل عرفنا أنهم يكذبون بيوم الدين، ويكذبون بخلق الله الأشياء، ويكذبون الرسل عليهم الصلاة والسلام، وعرفنا
стр. 6009
من السورة أن ما يقابل المكذبين هم المتقون، وعرفنا ما لهؤلاء وهؤلاء، وعرفنا أن الحجة قائمة على المكذبين، وهكذا عرفنا أن وعد الله آت، وعرفنا ما يكون فيه، وعرفنا بما استوجب المكذبين ما استوجبوا، وبما نال المتقين ما نالوه.
٢ - ومن خلال ما مر معنا في السورة عرفنا أن التقوى والإحسان متلازمان، وفي أوائل سورة البقرة عرفنا من هم المتقون، وهاهنا عرفنا تفصيل ما أعد الله لهم، وعرفنا ما يقابل صفات المتقين، فالإيمان بالغيب عند المتقين يقابله التكذيب عند الكافرين، والإيمان باليوم الآخر عند المتقين يقابله التكذيب، وإقامة الصلاة عند المتقين يقابلها رفض الركوع عند الكافرين، والإيمان بالقرآن والاهتداء بهديه عند المتقين يقابله رفض الإيمان به عند الكافرين، ومن ثم فإن السورة فصلت في
الآيات الخمس من سورة البقرة بشكل جديد، وذلك من خلال ما يقابل قضية التقوى التي بدايتها الإيمان.
الفوائد:
١ - قدم ابن كثير لسورة المرسلات بهذه النصوص: (روى البخاري عن عبد الله- هو ابن مسعود- ﵁ قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في غار بمنى إذ نزلت عليه وَالْمُرْسَلاتِ فإنه ليتلوها وإني لأتلقاها من فيه، وإن فاه لرطب بها إذ وثبت علينا حية فقال النبي ﷺ : «اقتلوها» فابتدرناها فذهبت فقال النبي ﷺ : «وقيت شركم كما وقيتم شرها» وأخرجه مسلم أيضا من طريق الأعمش.
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس عن أمه سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفا. وفي رواية مالك عن الزهري عن عبيد الله بن عباس أن أم الفضل سمعته يقرأ وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً فقالت: يا بني أذكرتني بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعت من رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب. أخرجاه في الصحيحين من طريق مالك به).
٢ - قلنا: إن في قوله تعالى أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ* فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ معجزة علمية وممن تكلم عن هذا الموضوع الدكتور الطبيب خالص كنجو في كتابه (الطب محراب للإيمان) الجزء الثاني، وقد استغرق كلامه عن هذا الموضوع عشر صفحات من الصفحة (٢٤١) إلى الصفحة (٢٥١) وقد تحدث عن آيات
стр. 6010
سورة المرسلات التي تحدثت عن الجنين تحت عنوان (كيف يمكن اعتبار الرحم قرارا مكينا) فذكر عدة عناوين: تصفيح عظمي- حماية مشددة في أشهر الحمل الأولى- جسر معلق- سنادات عضلية من الأسفل- قرار هرموني ... ومن كلامه في هذا البحث:
(إن القرآن تحدث ببعد لغوي لم يكن في وقته في الواقع من التشريح والفيزيولوجيا وعلم النسج، وعلم التوليد الطبيعي والمرضي، وعلم النسائية، ومع تفتح الإمكانيات وكشف أسرار الجسم لوحظ أن الآية ذات تحليق خالد حقا على العديد من المستويات.
ولنحاول الآن أن نتناول وحدات من البحث، ونغوص في درجات البحث العلمي بهدوء.
تصفيح عظمي: لنحاول إلقاء نظرة تشريحية لنعرف قرار الرحم الفراغي، إن الرحم يمكن اعتباره من الوجهة الفراغية في منتصف الجسم تماما طولا وعرضا وعمقا، وهكذا فهو يتلقى الحماية من كافة الجهات، غير أن هناك حماية مهمة على مستوى الحوض، حيث إن مكونات الحوض هي عظم العجز والعصعص بالخلف، ومن الجانبين والأمام يوجد عظمان هما عظما الحرقفة هذا العظم هو حلقة الاتصال ما بين العمود الفقري في الأعلى والعجز بالخلف، وعظم الفخذ من الأسفل وهو ما يسمى بالزنار الحوضي، وهنا ملاحظتان: الأولى: أن هذا العظم يحمي الرحم تماما، ويكون جوفا يستقر الرحم فيه بحماية من كافة الجوانب، والثانية: أن هذه الحماية يجب أن تتلاءم مع وظيفة أخرى وهي التناسب مع شكل الجنين؛ لأن أية زيادة طفيفة في الطول أو الارتفاع أو العمق أو الثنيات والحفر يجعل دخول الجنين وخلاصه مستحيلا ... ).
٣ - بمناسبة قوله تعالى: هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ* فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ قال ابن كثير: (وروى ابن أبي حاتم عن أبي عبد الله الجدلي قال:
أتيت بيت المقدس فإذا عبادة بن الصامت، وعبد الله بن عمرو، وكعب الأحبار، يتحدثون في بيت المقدس فقال عبادة: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ينفذهم ويسمعهم الداعي ويقول الله: هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ* فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ اليوم لا ينجو مني جبار عنيد، ولا شيطان مريد، فقال عبد الله بن عمرو: فإنا نحدث يومئذ أنها تخرج عنق من النار فتنطلق حتى إذا كانت بين ظهراني الناس نادت: أيها الناس إني بعثت إلى ثلاثة أنا أعرف بهم من
стр. 6011
الأب بولده، ومن الأخ بأخيه، لا يغيبهم عني وزر، ولا تخفيهم عني خافية: الذي جعل مع الله إلها آخر، وكل جبار عنيد، وكل شيطان مريد، فتنطوي عليهم فتقذف بهم في النار قبل الحساب بأربعين سنة).
٤ - بمناسبة قوله تعالى: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ قال ابن كثير:
(روى ابن أبي حاتم عن إسماعيل بن أمية: سمعت رجلا أعرابيا يقول: سمعت أبا هريرة يرويه إذا قرأ والمرسلات عرفا- فقرأ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ؟ فليقل:
آمنت بالله وبما أنزل).
كلمة أخيرة في سورة المرسلات:
في مقدمة سورة البقرة كان حديث عن المتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة وينفقون، والذين يؤمنون بالقرآن، واليوم الآخر. وقد تحدثت سورة المرسلات عن النقيض هنا فعرفت بذلك التقوى، وعرف المتقون، وقد رأينا تسلسل المعاني في السورة، فاتضح السياق الخاص والعام للسورة، فلننتقل إلى أختها في المجموعة سورة النبأ.
стр. 6012
سورة النبأ
وهي السورة الثامنة والسبعون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثانية والأخيرة من المجموعة الثامنة من قسم المفصل، وهي أربعون آية وهي مكية
стр. 6013
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 6014
كلمة في سورة النبأ ومحورها:
قلنا إن محور سورة النبأ هو محور سورة (ص) أي: قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ، ومن ثم نجد السورة تبدأ بقوله تعالى: عَمَّ يَتَساءَلُونَ* عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ... فهي تبدأ بذكر تساؤل يطرحه الكافرون، وترد عليه، وتنتهي السورة بقوله تعالى: إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً* يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً فبداية السورة تتحدث عن تساؤل للكافرين، ونهاية السورة تتحدث عن الإنذار، ولذلك صلاته بمحور السورة، فسورة النبأ وسورة المرسلات كلاهما تفصل في مقدمة سورة البقرة.
رأينا أن سورة المرسلات ختمت بقوله تعالى: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ أي: فبأي حديث بعد القرآن يؤمنون، والملاحظ أن سورة النبأ تبدأ بقوله تعالى:
عَمَّ يَتَساءَلُونَ* عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ وقد فسر مجاهد النبأ العظيم بأنه القرآن، فالصلة بين نهاية سورة المرسلات وبداية سورة النبأ واضحة، وعلى القول بأن المراد بالنبإ العظيم اليوم الآخر، فإن الصلة كذلك قائمة، إذ الحديث عن اليوم الآخر يستغرق معظم سورة المرسلات.
ويلاحظ أن تعبير يوم الفصل ذكر في سورة المرسلات، وذكر كذلك في سورة النبأ ففي سورة المرسلات قال تعالى: لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ* لِيَوْمِ الْفَصْلِ* وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ؟ هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ، وفي سورة النبأ يأتي قوله تعالى: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً فإذا تذكرنا أن مقدمة سورة البقرة تتحدث عن المتقين والكافرين والمنافقين ندرك صلة السورتين اللتين تتحدثان عن يوم الفصل بهذه المقدمة، فهذه المجموعة تتحدث بشكل رئيسي عن يوم الفصل الذي يفصل الله به بين الكافرين والمتقين، وهذا المعنى وحده كاف لإدراك الصلة بين المجموعة وبين مقدمة سورة البقرة التي هي محور السورتين، ومن ثم فإن سورة المرسلات كان أكثر حديثها عن الكافرين، وإن كانت تفصل في الآيات الخمس الأولى، وسورة النبأ
стр. 6015
تتحدث عن المتقين، وإن كانت تفصل في الآيتين اللاحقتين، فذكر النقيض أحيانا يوضح النقيض، والكلام عن المتقين يقتضي الكلام عن الكافرين، والكلام عن الكافرين يقتضي الكلام عن المتقين.
تتألف السورة من مقدمة هي خمس آيات، ومن فقرتين، وخاتمة هي آية واحدة، الفقرة الأولى تمتد حتى الآية (١٦) والفقرة الثانية تمتد حتى الآية (٣٩).
بين يدي سورة النبأ:
قال الألوسي عن سورة النبأ: (وتسمى سورة عم، وعم يتساءلون، والتساؤل، والمعصرات، وهي مكية بالاتفاق. وآيها إحدى وأربعون في المكي والبصري، وأربعون في غيرهما؛ ووجه مناسبتها لما قبلها اشتمالها على إثبات القدرة على البعث الذي دل ما قبل على تكذيب الكفرة به وفي تناسق الدرر وجه اتصالها بما قبلها تناسبها معها في الجمل فإن في تلك أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ، أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ، أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً ... إلخ وفي هذه أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً الخ، مع اشتراكها والأربع قبلها في الاشتمال على وصف الجنة والنار وما وعد المدثر، وأيضا في سورة المرسلات لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ* لِيَوْمِ الْفَصْلِ* وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ وفي هذه إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً الخ، ففيها شرح يوم الفصل المجمل ذكره فيما قبلها. اهـ. وقيل: إنه تعالى لما ختم تلك بقوله سبحانه: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ وكان المراد بالحديث فيه القرآن، افتتح هذه بتهويل التساؤل عنه والاستهزاء به، وهو مبني على ما روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أن المراد بالنبإ العظيم:
القرآن، والجمهور على أنه البعث). وسنرى ما فيه.
ولنبدأ عرض السورة.
стр. 6016
مقدمة السورة
وتمتد من الآية (١) حتى نهاية الآية (٥) وهذه هي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة النبإ (٧٨): الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٤)
ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٥)
التفسير:
عَمَّ يَتَساءَلُونَ أي: عن ما يتساءلون أي: يتساءلون عن ماذا؟ قال النسفي: وهذا استفهام تفخيم للمستفهم عنه، لأنه تعالى لا تخفى عليه خافية
عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ هذا بيان للشأن المفخم، وما هو النبأ العظيم، قال قتادة وابن زيد: النبأ العظيم: البعث بعد الموت، وقال مجاهد: هو القرآن، قال ابن كثير: والأظهر الأول، قال ابن كثير في الآيتين بناء على ترجيحه: يقول تعالى منكرا على المشركين في تساؤلهم عن يوم القيامة، وإنكارهم لوقوعها عَمَّ يَتَساءَلُونَ* عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ أي: عن أي شئ يتساءلون؟، عن أمر القيامة، وهو النبأ العظيم، يعني: الخبر الهائل المفظع الباهر
الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ قال ابن كثير: يعني: الناس فيه على قولين:
مؤمن به وكافر، قال النسفي: منهم من يقطع بإنكاره، ومنهم من يشك،
قال ابن كثير: ثم قال تعالى متوعدا لمنكري القيامة: كَلَّا قال النسفي: ردع عن الاختلاف أو التساؤل هزءا سَيَعْلَمُونَ قال النسفي: وعيد لهم بأنهم سوف يعلمون عيانا أن ما يتساءلون عنه حق
ثُمَّ كَلَّا قال النسفي: كرر الردع للتشديد و (ثم) يشعر بأن الثاني أبلغ من الأول وأشد سَيَعْلَمُونَ. قال ابن كثير في الآيتين: وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد.
كلمة في السياق:
تبدأ السورة بسؤالين: عن أي شئ يتساءل المشركون والكافرون؟ وهل تساؤلهم
стр. 6017
عن النبأ العظيم المختلفين في شأنه؟، ثم تهدد وتنذر أنهم سيعلمون قطعا الحق في شأن هذا النبأ العظيم، فما هو النبأ العظيم؟ ابن كثير يذكر قولين في شأنه: إنه القرآن أو اليوم الآخر. وابن جرير يذكر قولا ثالثا أن النبأ العظيم هو بعث النبي ﷺ ، فإذا رجعت إلى قوله تعالى في سورة (ص) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ نجد أن ابن كثير ذكر هناك قولا واحدا فيه أنه القرآن، والنسفي ذكر قولا واحدا فيه أنه بعثة رسول الله ﷺ ، والذي نرجحه أن النبأ العظيم في المقامين واحد، وأنه القرآن العظيم، ولعل الشيخ عبد الله دراز أخذ اسم كتابه عن القرآن (النبأ العظيم) من هاتين الآيتين، مما يشير إلى ترجيحه هذا الرأي، وهو قول مجاهد ﵀، والذي جعلنا نرجح هذا الاتجاه هو قوله تعالى: الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ فالظاهر أن الكلام عن المتسائلين وهم الكافرون، والكافرون ليسوا مختلفين في شأن اليوم الآخر، إذ إنهم ينكرونه ولكنهم يختلفون في القرآن، فمنهم من يسميه شعرا، ومنهم من يسميه سحرا، ومنهم من يسميه أساطير الأولين، ومنهم من يسميه كهانة، وهو الذي عنه أعرضوا، كما قص الله علينا شأنهم في سورة (ص)، وعلى هذا يكون معنى المقدمة على الشكل التالي:
عن أي شئ يتساءل هؤلاء الكافرون، أيتساءلون عن هذا القرآن الذي يختلفون في شأنه، فبعضهم يعتبره سحرا، وبعضهم يعتبره شعرا، وبعضهم يعتبره أساطير الأولين، وبعضهم يعتبره كهانة، وقد رد الله عليهم: أن الأمر لا كما تتصورون ولا كما تزعمون، بل ستعلمون يقينا أنه حق لا مرية فيه، وأن ما أخبر عنه كائن وحق، وذلك يوم تبعثون، وذلك يوم الفصل، ولما كانوا يكذبون بيوم الفصل، فإن الفقرة الأولى في السورة تتحدث عن مظاهر قدرة الله ، لتقيم عليهم الحجة، أن البعث الذي سيرون فيه صدق القرآن كائن، ثم تأتي الفقرة الثانية لتحدثنا عن اليوم الذي سيعلمون فيه صدق القرآن، ثم تأتي الخاتمة لتبين لهم أن هذا القرآن الذي أنزله الله قد تم به الإنذار بيوم القيامة، فخاتمة السورة تشير إلى بدايتها فقوله تعالى في الخاتمة: إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ يشير إلى القرآن الذي به كان الإنذار، وذلك يجعلنا نستأنس لصحة ما اتجهنا إليه في أن النبأ العظيم هو القرآن.
قلنا: إن محور السورة هو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ
стр. 6018
وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ومقدمة سورة النبأ أرتنا موقفا للكافرين، وأشعرتنا أنهم لا يؤمنون، وأفهمتنا أن أمامهم عذابا عظيما كَلَّا سَيَعْلَمُونَ* ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ.
الفقرة الأولى
وتمتد من الآية (٦) إلى نهاية الآية (١٦) وهذه هي:
[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٦ الى ١٦]
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠)
وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥)
وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (١٦)
كلمة في السياق:
تأتي الفقرة بعد قوله تعالى: كَلَّا سَيَعْلَمُونَ* ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ إنهم سيعلمون يوم القيامة أن كل ما ذكره القرآن حق، ومن ثم فإن الفقرة تذكر من مظاهر قدرة الله ، ما به يتذكر الإنسان أن الله قادر على إنشائه مرة ثانية، كما تشير إلى الحكمة في صنع الله ، وهذا يقتضي أن يكون هناك بعث، وقد ذكر هاتين النقطتين النسفي مبينا حكمة مجئ هذه الفقرة بعد المقدمة فقال:
(لما أنكروا البعث قيل لهم: ألم يخلق من أضيف إليه البعث هذه الخلائق العجيبة؟
فلم تنكرون قدرته على البعث وما هو إلا اختراع كهذه الاختراعات؟ أو قيل لهم:
لم فعل هذه الأشياء؟ - والحكيم لا يفعل عبثا-، وإنكار البعث يؤدي إلى أنه عابث في كل ما فعل). أقول: إن ذكر هذه الفقرة في هذا السياق يشير إلى أن الله الذي خلق هذا كله لا يترك الإنسان بلا هداية، ولا تكليف، وهؤلاء الذين يكفرون
стр. 6019
بالقرآن لا يدركون هذا، فالله الذي خلق هذا هو الذي أنزل هذا القرآن، ذلك مقتضى حكمته وعظمته، فكيف يكفرون بهذا القرآن، وآثار قدرة الله تشير إلى
حكمته، وحكمته تقتضي هداية خلقه، وذلك يقتضي وحيا وبعثة رسول وهم ينكرون ذلك، ويتساءلون عنه، ويختلفون فيه، فالفقرة تؤدي مجموعة أهداف بآن واحد فلنر تفسيرها.
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً قال النسفي: (أي: فراشا فرشناها لكم حتى سكنتموها) أقول: أي: ممهدة للخلائق ذلولا لهم
وَالْجِبالَ أَوْتاداً قال النسفي:
(أي: للأرض لئلا تميد بكم) أقول: في الآية معجزة علمية سنراها
وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً قال ابن كثير: يعني: ذكرا وأنثى يتمتع كل منهما بالآخر، ويحصل التناسل بذلك
وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً قال النسفي: (أي: قطعا لأعمالكم وراحة لأبدانكم. والسبت: القطع) وقال ابن كثير: أي: قطعا للحركة لتحصل الراحة من كثرة الترداد والسعي في المعايش في عرض النهار
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً قال النسفي:
أي: سترا يستركم عن العيون إذا أردتم إخفاء ما لا تحبون الاطلاع عليه، وقال ابن كثير: أي: يغشى الناس ظلامه وسواده، وقال قتادة: أي: سكنا
وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً قال ابن كثير: أي: جعلناه مشرقا نيرا مضيئا؛ ليتمكن الناس من التصرف فيه، والذهاب والمجئ للمعاش والكسب والتجارات وغير ذلك. وقال النسفي: أي: وقت معاش تتقلبون في حوائجكم ومكاسبكم
وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً أي: سبع سماوات شديدة، أي: محكمة قوية، وقال ابن كثير: يعني:
السموات السبع في اتساعها وارتفاعها وإحكامها، وإتقانها وتزيينها ...
وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً قال النسفي: أي: مضيئا وقادا، أي: جامعا للنور والحرارة والمراد الشمس، وقال ابن كثير: يعني: الشمس المنيرة التي يتوهج ضوؤها لأهل الأرض
وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ قال النسفي: أي: السحائب إذا أعصرت أي: شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر، قال ابن كثير: والأظهر أن المراد بالمعصرات السحاب ماءً ثَجَّاجاً أي: منصبا بكثرة،
لِنُخْرِجَ بِهِ أي: بالماء حَبًّا كالبر والشعير وَنَباتاً قال ابن كثير: أي: خضرا يؤكل رطبا
وَجَنَّاتٍ أي:
بساتين أَلْفافاً أي: ملتفة الأشجار أو مجتمعتها، قال ابن كثير: أي: بساتين وحدائق من ثمرات متنوعة وألوان مختلفة الطعوم وروائح متفاوتة، وإن كان ذلك في بقعة واحدة من الأرض مجتمعا. وبهذا انتهت الفقرة.
стр. 6020
وقد علق صاحب الظلال على مضمون هذه الفقرة بقوله: (وهذا التناسق في تصميم الكون، لا يكون إلا ووراءه يد تنسقه، وحكمة تقدره، وإرادة تدبره. يدرك هذا بقلبه وحسه كل إنسان حين توجه مشاعره هذا التوجيه، فإذا ارتقى في العلم والمعرفة تكشفت له من هذا التناسق آفاق ودرجات تذهل العقول وتحير الألباب.
وتجعل القول بأن هذا كله مجرد مصادفة قولا تافها لا يستحق المناقشة. كما تجعل التهرب من مواجهة حقيقة القصد والتدبير في هذا الكون، مجرد تعنت لا يستحق الاحترام!
إن لهذا الكون خالقا، وإن وراء هذا الكون تدبيرا وتقديرا وتنسيقا. وتوالي هذه الحقائق والمشاهد في هذا النص القرآني على هذا النحو: من جعل الأرض مهادا والجبال أوتادا. وخلق الناس أزواجا. وجعل نومهم سباتا (بعد الحركة والوعي والنشاط) مع جعل الليل لباسا للستر والانزواء، وجعل النهار معاشا للوعي والنشاط. ثم بناء السبع الشداد. وجعل السراج الوهاج. وإنزال الماء الثجاج من المعصرات. لإنبات الحب والنبات والجنات ... توالي هذه الحقائق والمشاهد على هذا النحو يوحي بالتناسق الدقيق، ويشي بالتدبير والتقدير، ويشعر بالخالق الحكيم القدير. ويلمس القلب لمسات موقظة موحية بما وراء هذه الحياة من قصد وغاية ... ومن هنا يلتقي السياق بالنبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون!).
كلمة في السياق:
جاءت هذه الفقرة بعد قوله تعالى: ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ وقبل قوله تعالى: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً ومجيئها في هذا المقام يحوي ردا على تساؤلات الكافرين الواردة في المقدمة، وردا على اختلافهم في شأن النبأ العظيم، وتدليلا على اليوم الآخر الذي سيعلمون فيه أن ما قاله القرآن حق، وذلك من خلال التذكير بظاهرة العناية، وظاهرة الحكمة، ومن خلال عرض مظاهر القدرة الإلهية حتى إذا اتضح هذا كله تأتي الفقرة الثانية، وفيها كلام عما سيلقونه يوم القيامة، وعما سيلقاه المتقون فيها، أي: فيها كلام عن اليوم الذي سيعلمون فيه الحق فيما أخبرهم به القرآن فالسياق يقول كَلَّا سَيَعْلَمُونَ* ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ فإذا سأل سائل متى هذا؟ كان الجواب: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً ... وجاءت الفقرة الأولى فيما بين ذلك لتخدم ما قبلها وما بعدها بأن ترد على مواقف الكافرين المذكورة قبلها وتؤسس للكلام الذي يأتي بعدها فلنر الفقرة الثانية.
стр. 6021
الفقرة الثانية
وتمتد من الآية (١٧) إلى نهاية الآية (٣٩) وهذه هي:
المجموعة الأولى
[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١٧ الى ٣٠]
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (٢١)
لِلطَّاغِينَ مَآباً (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (٢٤) إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً (٢٥) جَزاءً وِفاقاً (٢٦)
إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذاباً (٣٠)
المجموعة الثانية
[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٣١ الى ٣٩]
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣) وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً (٣٥)
جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (٣٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (٣٨) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (٣٩)
تفسير المجموعة الأولى من الفقرة الثانية:
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ بين أهل الكفر والإيمان، بين المحسن والمسئ، والمحق
стр. 6022
والمبطل، كانَ مِيقاتاً قال النسفي: (أي: وقتا محدودا ومنتهى معلوما لوقوع الجزاء أو ميعادا للثواب والعقاب) وقال ابن كثير: يقول تعالى مخبرا عن يوم الفصل وهو يوم القيامة أنه مؤقت بأجل معدود، لا يزاد عليه ولا ينقص منه، ولا يعلم وقته على اليقين إلا الله ،
ثم بين الله هذا اليوم فقال: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً قال النسفي: أي: جماعات مختلفة، أو أمما كل أمة مع رسولها
وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً أي: وشقت السماء فكانت طرقا ومسالك لنزول الملائكة
وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً قال ابن كثير: أي: يخيل إلى الناظر أنها شئ وليست بشيء، وبعد هذا تذهب بالكلية، فلا عين ولا أثر،
إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً قال ابن كثير: أي: مرصدة معدة
لِلطَّاغِينَ وهم المردة العصاة المخالفون للرسل مَآباً أي: مرجعا ومنقلبا ومصيرا ونزلا
لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً قال ابن كثير: أي: ماكثين فيها أحقابا، وهو جمع حقب وهو المدة من الزمان. قال النسفي: وهو الدهر، ولم يرد به عدد محصور، بل الأبد، كلما مضى حقب تبعه آخر إلى غير نهاية، ولا يستعمل الحقب والحقبة إلا إذا أريد تتابع الأزمنة وتواليها
لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً أي: روحا ينفس عنهم حر النار وَلا شَراباً يسكن عطشهم
إِلَّا حَمِيماً قال النسفي: أي: ماء حارا يحرق ما يأتي عليه وَغَسَّاقاً قال النسفي: أي: ماء السيل من صديدهم، قال ابن كثير:
فأما الحميم: فهو الماء الذي قد انتهى حره وحموه، والغساق هو: ما اجتمع من صديد أهل النار، وعرقهم، ودموعهم وجروحهم، فهو بارد لا يستطاع من برده، ولا يواجه من نتنه. وفي الآيات الثلاث الأخيرة قال ابن كثير نقلا عن ابن جرير:
ويحتمل أن يكون قوله تعالى: لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً متعلقا بقوله تعالى:
لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً ثم يحدث الله لهم بعد ذلك عذابا من شكل آخر، ونوع آخر، وبعد أن عرض النسفي هذا القول قال: فإذا انقضت هذه الأحقاب التي عذبوا فيها بمنع البرد والشراب، بدلوا بأحقاب أخر، فيها عذاب آخر، وهي أحقاب بعد أحقاب، لا انقطاع لها. أقول: وعلى كل حال فلا يجوز أن نفهم بشكل من الأشكال أن عذاب الكافرين في النار إلى نهاية، بل ذلك هو الكفر كائنا من كان صاحبه، لأن الخلود الأبدي للكفار في النار من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة
جَزاءً وِفاقاً أي: جوزوا جزاء موافقا لأعمالهم، أو ذا وفاق لأعمالهم، أي:
هذا الذي صاروا إليه من هذه العقوبة وفق أعمالهم الفاسدة التي كانوا يعملونها في
стр. 6023
الدنيا،
ثم علل تعالى لاستحقاقهم ذلك بقوله: إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً أي: لا يخافون محاسبة الله إياهم، أو لم يؤمنوا بالبعث فيرجوا حسابا، قال ابن كثير:
أي: لم يكونوا يعتقدون أن ثم دارا يجازون فيها، ويحاسبون
وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أي:
بالقرآن كِذَّاباً أي: تكذيبا، قال ابن كثير: أي: وكانوا يكذبون بحجج الله ودلائله على خلقه التي أنزلها على رسله صلى الله عليهم وسلم فيقابلونها بالتكذيب والمعاندة
وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً أي: مكتوبا في اللوح أو المعنى: كتبناه كتابة، قال ابن كثير: أي: وقد علمنا أعمال العباد كلهم وكتبناها عليهم، وسنجزيهم على ذلك إن خيرا فخير، وإن شرا فشر
فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً قال ابن كثير: أي: يقال لأهل النار ذوقوا ما أنتم فيه فلن نزيدكم إلا عذابا من جنسه، وآخر من شكله أزواج.
كلمة في السياق:
١ - لقد علل الله لما استحق به الكافرون ما استحقوه بقوله: إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً* وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً فهما قضيتان: التكذيب بآيات الله، وعدم رجاء الحساب، ومن هاهنا نعلم ماهية النبأ العظيم، فالنبأ العظيم هو القرآن الذي تحدث عن اليوم الآخر، وهكذا عرفنا من هذه المجموعة ماهية النبأ العظيم، وعرفنا بماذا تهدد الله به الكافرين بقوله: كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ....
٢ - بعد أن عرض الله ما أعد للكافرين يحدثنا في المجموعة الثانية من الفقرة الثانية عما أعده للمتقين، وفي ذكر ما أعده الله للمتقين في هذا السياق إشارة إلى أن ما يعطاه المتقون يوم القيامة نوع عذاب للكافرين، وزيادة حسرة، أخذنا ذلك من مجئ هذه المجموعة في سياق السورة التي قالت مقدمتها ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ.
٣ - حدثنا محور السورة أن للكافرين عذابا عظيما: وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وقد فصلت المجموعة التي مرت معنا في ماهية هذا العذاب العظيم.
تفسير المجموعة الثانية من الفقرة الثانية:
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً أي: نجاة من كل مكروه، وظفرا بكل محبوب، قال ابن عباس: أي: متنزها
حَدائِقَ أي: بساتين فيها أنواع الشجر المثمر
стр. 6024
وَأَعْناباً قال النسفي: أي: كروما
وَكَواعِبَ أي: نواهد، والنواهد هن اللواتي أثداؤهن لم يتدلين أَتْراباً أي: في سن واحدة
وَكَأْساً دِهاقاً قال النسفي: أي: مملوءة
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً قال ابن كثير: أي:
ليس فيها كلام لاغ عار عن الفائدة، ولا إثم كذب، بل هي دار السلام، وكل ما فيها سالم من النقص
جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً قال النسفي: يعني: كافيا أو على حسب أعمالهم، وقال ابن كثير: أي: هذا الذي ذكرناه جازاهم الله به، وأعطاهموه بفضله، ومنه وإحسانه ورحمته عطاء حسابا أي: كافيا وافيا سالما كثيرا، تقول العرب: أعطاني فأحسبني، أي: كفاني، ومنه حسبي الله أي: كافي
رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ أي: من هذه صفته هو الذي يعطيهم هذا العطاء لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً قال النسفي: أي: لا يملكون الشفاعة من عذابه تعالى إلا بإذنه، أو لا يقدر أحد أن يخاطبه تعالى خوفا، قال ابن كثير: أي: لا يقدر أحد على ابتداء مخاطبته إلا بإذنه. أقول: هذا مع اتصافه بكمال الرحمة ﷻ
يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ قال النسفي: أي: جبريل عند الجمهور وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا أي: مصطفين لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ أي: في أمر الشفاعة وَقالَ صَواباً قال النسفي: حقا بأن قال المشفوع له: لا إله إلا الله في الدنيا، أو لا يؤذن إلا لمن يتكلم بالصواب في أمر الشفاعة
ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ أي: الكائن لا محالة، أي: الثابت وقوعه فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً أي: مرجعا وطريقا يهتدي إليه، ومنهجا يمر به عليه، وقال النسفي: أي: مرجعا بالعمل الصالح.
كلمة في السياق:
١ - بدأت الفقرة الثانية بقوله تعالى: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً وانتهت بقوله تعالى: ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً وفي ذلك ما يشير إلى وحدة الفقرة الثانية التي عرضناها على مجموعتين.
٢ - بدأت السورة بالإنكار على تساؤل الكافرين عن النبأ العظيم، المختلفين في شأنه، ثم هددتهم بيوم، ثم ذكرتهم بما يقتضي إيمانهم، ثم تحدثت عن هذا اليوم الذي هددوا فيه وهو يوم الفصل، وذكرت بعض ما يكون فيه مما سيعرفهم على أن كفرهم كان في غير محله، وأن الحق هو ما دل عليه هذا القرآن، وختمت الفقرة الثانية بما يهيج على السير إلى الله ، ثم تأتي الخاتمة لتبين أن الله قد أنذر الخلق- بهذا
стр. 6025
القرآن- ذلك اليوم، فليس لهم حجة في عدم السير، ولا في الكفر فلنر خاتمة السورة:
خاتمة السورة
وهي آية واحدة، وهي الآية الأربعون وهذه هي:
[سورة النبإ (٧٨): آية ٤٠]
إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (٤٠)
التفسير:
إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً قال ابن كثير: يعني: يوم القيامة لتأكد وقوعه صار قريبا، لأن كل ما هو آت آت يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ قال ابن كثير: أي: يعرض عليه جميع أعماله خيرها وشرها، قديمها وحديثها وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً قال النسفي: أي: في الدنيا فلم أخلق ولم أكلف، أو ليتني كنت ترابا في هذا اليوم، فلم أبعث. قال ابن كثير: (أي: يود الكافر يومئذ أنه كان في الدار الدنيا ترابا، ولم يكن خلق ولا خرج إلى الوجود، وذلك حين عاين عذاب الله ونظر إلى أعماله الفاسدة قد سطرت عليه بأيدي الملائكة السفرة الكرام البررة. وقيل: إنما يود ذلك حين يحكم الله بين الحيوانات التي كانت في الدنيا فيفصل بينها بحكمه العدل الذي لا يجور، حتى إنه ليقتص للشاة الجماء من القرناء، فإذا فرغ من الحكم بينها قال لها: كوني ترابا، فتصير ترابا، فعند ذلك يقول الكافر يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً أي: كنت حيوانا فأرجع إلى التراب، وقد ورد معنى هذا في حديث الصور المشهور وورد فيه آثار عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وغيرهما).
كلمة في السياق:
١ - بدأت السورة بالإنكار على من لم يؤمن بالقرآن، وختمت بذكر مضمون الإنذار، ولا شك أن وسيلة الإنذار هي القرآن، وفيما بين المقدمة والخاتمة ذكر الله
следующие страницы →