← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.

стр. 6021

الفقرة الثانية وتمتد من الآية (١٧) إلى نهاية الآية (٣٩) وهذه هي: المجموعة الأولى [سورة النبإ (٧٨): الآيات ١٧ الى ٣٠] إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآباً (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (٢٤) إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً (٢٥) جَزاءً وِفاقاً (٢٦) إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذاباً (٣٠) المجموعة الثانية [سورة النبإ (٧٨): الآيات ٣١ الى ٣٩] إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣) وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً (٣٥) جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (٣٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (٣٨) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (٣٩) تفسير المجموعة الأولى من الفقرة الثانية: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ بين أهل الكفر والإيمان، بين المحسن والمسئ، والمحق

стр. 6022

والمبطل، كانَ مِيقاتاً قال النسفي: (أي: وقتا محدودا ومنتهى معلوما لوقوع الجزاء أو ميعادا للثواب والعقاب) وقال ابن كثير: يقول تعالى مخبرا عن يوم الفصل وهو يوم القيامة أنه مؤقت بأجل معدود، لا يزاد عليه ولا ينقص منه، ولا يعلم وقته على اليقين إلا الله ، ثم بين الله هذا اليوم فقال: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً قال النسفي: أي: جماعات مختلفة، أو أمما كل أمة مع رسولها وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً أي: وشقت السماء فكانت طرقا ومسالك لنزول الملائكة وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً قال ابن كثير: أي: يخيل إلى الناظر أنها شئ وليست بشيء، وبعد هذا تذهب بالكلية، فلا عين ولا أثر، إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً قال ابن كثير: أي: مرصدة معدة لِلطَّاغِينَ وهم المردة العصاة المخالفون للرسل مَآباً أي: مرجعا ومنقلبا ومصيرا ونزلا لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً قال ابن كثير: أي: ماكثين فيها أحقابا، وهو جمع حقب وهو المدة من الزمان. قال النسفي: وهو الدهر، ولم يرد به عدد محصور، بل الأبد، كلما مضى حقب تبعه آخر إلى غير نهاية، ولا يستعمل الحقب والحقبة إلا إذا أريد تتابع الأزمنة وتواليها لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً أي: روحا ينفس عنهم حر النار وَلا شَراباً يسكن عطشهم إِلَّا حَمِيماً قال النسفي: أي: ماء حارا يحرق ما يأتي عليه وَغَسَّاقاً قال النسفي: أي: ماء السيل من صديدهم، قال ابن كثير: فأما الحميم: فهو الماء الذي قد انتهى حره وحموه، والغساق هو: ما اجتمع من صديد أهل النار، وعرقهم، ودموعهم وجروحهم، فهو بارد لا يستطاع من برده، ولا يواجه من نتنه. وفي الآيات الثلاث الأخيرة قال ابن كثير نقلا عن ابن جرير: ويحتمل أن يكون قوله تعالى: لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً متعلقا بقوله تعالى: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً ثم يحدث الله لهم بعد ذلك عذابا من شكل آخر، ونوع آخر، وبعد أن عرض النسفي هذا القول قال: فإذا انقضت هذه الأحقاب التي عذبوا فيها بمنع البرد والشراب، بدلوا بأحقاب أخر، فيها عذاب آخر، وهي أحقاب بعد أحقاب، لا انقطاع لها. أقول: وعلى كل حال فلا يجوز أن نفهم بشكل من الأشكال أن عذاب الكافرين في النار إلى نهاية، بل ذلك هو الكفر كائنا من كان صاحبه، لأن الخلود الأبدي للكفار في النار من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة جَزاءً وِفاقاً أي: جوزوا جزاء موافقا لأعمالهم، أو ذا وفاق لأعمالهم، أي: هذا الذي صاروا إليه من هذه العقوبة وفق أعمالهم الفاسدة التي كانوا يعملونها في

стр. 6023

الدنيا، ثم علل تعالى لاستحقاقهم ذلك بقوله: إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً أي: لا يخافون محاسبة الله إياهم، أو لم يؤمنوا بالبعث فيرجوا حسابا، قال ابن كثير: أي: لم يكونوا يعتقدون أن ثم دارا يجازون فيها، ويحاسبون وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أي: بالقرآن كِذَّاباً أي: تكذيبا، قال ابن كثير: أي: وكانوا يكذبون بحجج الله ودلائله على خلقه التي أنزلها على رسله صلى الله عليهم وسلم فيقابلونها بالتكذيب والمعاندة وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً أي: مكتوبا في اللوح أو المعنى: كتبناه كتابة، قال ابن كثير: أي: وقد علمنا أعمال العباد كلهم وكتبناها عليهم، وسنجزيهم على ذلك إن خيرا فخير، وإن شرا فشر فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً قال ابن كثير: أي: يقال لأهل النار ذوقوا ما أنتم فيه فلن نزيدكم إلا عذابا من جنسه، وآخر من شكله أزواج. كلمة في السياق: ١ - لقد علل الله لما استحق به الكافرون ما استحقوه بقوله: إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً* وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً فهما قضيتان: التكذيب بآيات الله، وعدم رجاء الحساب، ومن هاهنا نعلم ماهية النبأ العظيم، فالنبأ العظيم هو القرآن الذي تحدث عن اليوم الآخر، وهكذا عرفنا من هذه المجموعة ماهية النبأ العظيم، وعرفنا بماذا تهدد الله به الكافرين بقوله: كَلَّا سَيَعْلَمُونَ .... ٢ - بعد أن عرض الله ما أعد للكافرين يحدثنا في المجموعة الثانية من الفقرة الثانية عما أعده للمتقين، وفي ذكر ما أعده الله للمتقين في هذا السياق إشارة إلى أن ما يعطاه المتقون يوم القيامة نوع عذاب للكافرين، وزيادة حسرة، أخذنا ذلك من مجئ هذه المجموعة في سياق السورة التي قالت مقدمتها ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ. ٣ - حدثنا محور السورة أن للكافرين عذابا عظيما: وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وقد فصلت المجموعة التي مرت معنا في ماهية هذا العذاب العظيم. تفسير المجموعة الثانية من الفقرة الثانية: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً أي: نجاة من كل مكروه، وظفرا بكل محبوب، قال ابن عباس: أي: متنزها حَدائِقَ أي: بساتين فيها أنواع الشجر المثمر

стр. 6024

وَأَعْناباً قال النسفي: أي: كروما وَكَواعِبَ أي: نواهد، والنواهد هن اللواتي أثداؤهن لم يتدلين أَتْراباً أي: في سن واحدة وَكَأْساً دِهاقاً قال النسفي: أي: مملوءة لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً قال ابن كثير: أي: ليس فيها كلام لاغ عار عن الفائدة، ولا إثم كذب، بل هي دار السلام، وكل ما فيها سالم من النقص جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً قال النسفي: يعني: كافيا أو على حسب أعمالهم، وقال ابن كثير: أي: هذا الذي ذكرناه جازاهم الله به، وأعطاهموه بفضله، ومنه وإحسانه ورحمته عطاء حسابا أي: كافيا وافيا سالما كثيرا، تقول العرب: أعطاني فأحسبني، أي: كفاني، ومنه حسبي الله أي: كافي رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ أي: من هذه صفته هو الذي يعطيهم هذا العطاء لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً قال النسفي: أي: لا يملكون الشفاعة من عذابه تعالى إلا بإذنه، أو لا يقدر أحد أن يخاطبه تعالى خوفا، قال ابن كثير: أي: لا يقدر أحد على ابتداء مخاطبته إلا بإذنه. أقول: هذا مع اتصافه بكمال الرحمة ﷻ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ قال النسفي: أي: جبريل عند الجمهور وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا أي: مصطفين لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ أي: في أمر الشفاعة وَقالَ صَواباً قال النسفي: حقا بأن قال المشفوع له: لا إله إلا الله في الدنيا، أو لا يؤذن إلا لمن يتكلم بالصواب في أمر الشفاعة ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ أي: الكائن لا محالة، أي: الثابت وقوعه فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً أي: مرجعا وطريقا يهتدي إليه، ومنهجا يمر به عليه، وقال النسفي: أي: مرجعا بالعمل الصالح. كلمة في السياق: ١ - بدأت الفقرة الثانية بقوله تعالى: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً وانتهت بقوله تعالى: ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً وفي ذلك ما يشير إلى وحدة الفقرة الثانية التي عرضناها على مجموعتين. ٢ - بدأت السورة بالإنكار على تساؤل الكافرين عن النبأ العظيم، المختلفين في شأنه، ثم هددتهم بيوم، ثم ذكرتهم بما يقتضي إيمانهم، ثم تحدثت عن هذا اليوم الذي هددوا فيه وهو يوم الفصل، وذكرت بعض ما يكون فيه مما سيعرفهم على أن كفرهم كان في غير محله، وأن الحق هو ما دل عليه هذا القرآن، وختمت الفقرة الثانية بما يهيج على السير إلى الله ، ثم تأتي الخاتمة لتبين أن الله قد أنذر الخلق- بهذا

стр. 6025

القرآن- ذلك اليوم، فليس لهم حجة في عدم السير، ولا في الكفر فلنر خاتمة السورة: خاتمة السورة وهي آية واحدة، وهي الآية الأربعون وهذه هي: [سورة النبإ (٧٨): آية ٤٠] إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (٤٠) التفسير: إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً قال ابن كثير: يعني: يوم القيامة لتأكد وقوعه صار قريبا، لأن كل ما هو آت آت يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ قال ابن كثير: أي: يعرض عليه جميع أعماله خيرها وشرها، قديمها وحديثها وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً قال النسفي: أي: في الدنيا فلم أخلق ولم أكلف، أو ليتني كنت ترابا في هذا اليوم، فلم أبعث. قال ابن كثير: (أي: يود الكافر يومئذ أنه كان في الدار الدنيا ترابا، ولم يكن خلق ولا خرج إلى الوجود، وذلك حين عاين عذاب الله ونظر إلى أعماله الفاسدة قد سطرت عليه بأيدي الملائكة السفرة الكرام البررة. وقيل: إنما يود ذلك حين يحكم الله بين الحيوانات التي كانت في الدنيا فيفصل بينها بحكمه العدل الذي لا يجور، حتى إنه ليقتص للشاة الجماء من القرناء، فإذا فرغ من الحكم بينها قال لها: كوني ترابا، فتصير ترابا، فعند ذلك يقول الكافر يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً أي: كنت حيوانا فأرجع إلى التراب، وقد ورد معنى هذا في حديث الصور المشهور وورد فيه آثار عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وغيرهما). كلمة في السياق: ١ - بدأت السورة بالإنكار على من لم يؤمن بالقرآن، وختمت بذكر مضمون الإنذار، ولا شك أن وسيلة الإنذار هي القرآن، وفيما بين المقدمة والخاتمة ذكر الله

стр. 6026

عزّ وجل ما به تقوم الحجة، وما يعرف به مضمون ما يحدث في ذلك اليوم الذي أنذروه. ٢ - قلنا إن محور السورة هما الآيتان السادسة والسابعة من مقدمة سورة البقرة، فلنر كل جزء منهما وما فصلت فيه سورة النبأ. - إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. لقد رأينا في السورة نموذجا من مواقف الكافرين، إذ يتساءلون تساؤل إنكار واستهزاء عن هذا القرآن الذي هو نذير، وأنزل على النذير، وفي ذلك بيان عملي لمواقف الكافرين وأنهم يرفضون الإنذار ويختلفون في شأن النذير الذي هو القرآن، ويتساءلون عنه سؤال استهزاء وإنكار، وقد ردت السورة عليهم وأقامت الحجة دون أن تخاطبهم خطابا مباشرا أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ ... فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً وذلك أعظم مظهر لصلة السورة بمحورها، فقد سجل في السورة بشكل غير مباشر أنهم لا يستفيدون من الإنذار مع إقامة الحجة عليهم. - خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ رأينا في السورة تفصيلا للعذاب العظيم الذي سيصيب هؤلاء الكافرين، وقد رأينا في السورة معاني جديدة لم تذكر في مكان آخر من القرآن، مما يؤكد ما ذكرناه من قبل أن كل سورة فيها جديد. الفوائد: ١ - قلنا عند قوله تعالى: وَالْجِبالَ أَوْتاداً إن في هذه الآية معجزة علمية فمما تحدث عنه الجيولوجيون في عصرنا أن لكل جبل في الأرض جذرا وتديا في باطن الأرض يعدل ضعفي ارتفاعه فوق الأرض، فالتعبير بكلمة (أوتادا) عن الجبال فيه معجزة في حد ذاته، لأنه إخبار عن معنى ما عرف العالم دقائقه بما يتفق مع اللفظ القرآني إلا قريبا. ٢ - بمناسبة قوله تعالى: وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً قال صاحب الظلال: (وكان من تدبير الله للبشر أن جعل النوم سباتا يدركهم فيقطعهم عن الإدراك والنشاط؛ ويجعلهم في حالة لا هي موت ولا هي حياة، تتكفل بإراحة أجسادهم وأعصابهم وتعويضها عن الجهد الذي بذلته في حالة الصحو والإجهاد والانشغال بأمور

стр. 6027

الحياة ... وكل هذا يتم بطريقة عجيبة لا يدرك الإنسان كنهها، ولا نصيب لإرادته فيها؛ ولا يمكن أن يعرف كيف تتم في كيانه. فهو في حالة الصحو لا يعرف كيف يكون وهو في حالة النوم. وهو في حالة النوم لا يدرك هذه الحالة ولا يقدر على ملاحظتها! وهي سر من أسرار تكوين الحي لا يعلمه إلا من خلق هذا الحي وأودعه ذلك السر؛ وجعل حياته متوقفة عليه. فما من حي يطيق أن يظل من غير نوم إلا فترة محدودة. فإذا أجبر إجبارا بوسائل خارجة عن ذاته كي يظل مستيقظا فإنه يهلك قطعا. وفي النوم أسرار غير تلبية حاجة الجسد والأعصاب ... إنه هدنة الروح من صراع الحياة العنيف، هدنة تلم بالفرد فيلقي سلاحه وجنته- طائعا أو غير طائع- ويستسلم لفترة من السلام الآمن، السلام الذي يحتاجه الفرد حاجته إلى الطعام والشراب. ويقع ما يشبه المعجزات في بعض الحالات حيث يلم النعاس بالأجفان، والروح مثقل، والأعصاب مكدودة، والنفس منزعجة، والقلب مروع. وكأنما هذا النعاس- وأحيانا لا يزيد على لحظات- انقلاب تام في كيان هذا الفرد. وتجديد كامل لا لقواه بل له هو ذاته، وكأنما هو كائن حين يصحو جديد ... ولقد وقعت هذه المعجزة بشكل واضح للمسلمين المجهودين في غزوة بدر وفي غزوة أحد، وامتن الله عليهم بها. وهو يقول: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ ... ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ ... كما وقعت للكثيرين في حالات مشابهة! فهذا السبات: أي: الانقطاع عن الإدراك والنشاط بالنوم ضرورة من ضرورات تكوين الحي؛ وسر من أسرار القدرة الخالقة؛ ونعمة من نعم الله لا يملك إعطاءها إلا إياه. وتوجيه النظر إليها على هذا النحو القرآني ينبه القلب إلى خصائص ذاته، وإلى اليد التي أودعتها كيانه، ويلمسه لمسة تثير التأمل والتدبر والتأثر). ٣ - بمناسبة قوله تعالى: فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً قال ابن كثير: (قال قتادة عن أبي أيوب الأزدي عن عبد الله بن عمرو قال: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه الآية فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً قال: فهم في مزيد من العذاب أبدا). أقول: وفي الآية رد على من ذهب إلى أن أهل النار يموتون أو ينتهي عذابهم، أو يصبحون في وضع يستلذون به العذاب، نسأل الله أن يميتنا على الفهم الفطري الصافي لكتاب الله الذي يحبه ويرضاه، ويكرم أهله بكرامة الدارين. ٤ - بمناسبة قوله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ

стр. 6028

إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً قال النسفي: (اختلف المفسرون في المراد بالروح هاهنا، ما هو؟ على أقوال (أحدها) ما رواه العوفي عن ابن عباس: أنهم أرواح بني آدم. (الثاني) هم بنو آدم قاله الحسن وقتادة، وقال قتادة: هذا مما كان ابن عباس يكتمه. (الثالث) أنهم خلق من خلق الله على صور بني آدم وليسوا بملائكة ولا ببشر وهم يأكلون ويشربون، قاله ابن عباس ومجاهد وأبو صالح والأعمش. (الرابع) هو جبريل، قاله الشعبي وسعيد بن جبير والضحاك، ويستشهد لهذا القول بقوله : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. وقال مقاتل بن حيان: الروح هو أشرف الملائكة وأقرب إلى الرب وصاحب الوحي. (الخامس) أنه القرآن قاله ابن زيد كقوله وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا الآية. (والسادس) أنه ملك من الملائكة بقدر جميع المخلوقات. قال علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس قوله يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ قال: هو ملك عظيم من أعظم الملائكة خلقا). أقول: ما رجحه النسفي هو الذي نرجحه، وهو أن المراد بالروح جبريل ﵇، فالآية تذكر أن جبريل على كرامته على الله، والملائكة الآخرون على كرامتهم عنده ﷻ ، هذا أدبهم يوم القيامة. كلمة أخيرة في سورة النبأ ومجموعتها: فصلت سورة المرسلات وسورة النبأ في مقدمة سورة البقرة، فتحدثنا عن المتقين والكافرين، عن المتقين وما لهم عند الله ، وعن الكافرين وما أعد لهم الله من عذاب، وبين السورتين صلات كثيرة؛ فآخر سورة المرسلات متصل بأول سورة النبأ، وكل من السورتين ورد فيها: (الم) في بداية فقرة أو مجموعة، ففي سورة المرسلات تكررت (الم) ثلاث مرات، ووردت مرة واحدة في سورة النبأ، وفي كل من السورتين وردت في سياق إقامة الحجة، وورد تعبير (يوم الفصل) في كل من السورتين فبين السورتين تشابه كثير. والسورتان تفصلان في مقدمة سورة البقرة، وكل منهما تحدثت عن المتقين والكافرين بآن واحد، وذلك مضمون مقدمة سورة البقرة، فالكلام عن المتقين يقتضي الكلام عن الكافرين والعكس، ومن ثم فلا غرابة أن نجد ذلك في كل من السورتين، وإن كان المحور الرئيسي لكل منهما هو ما رأيناه.

стр. 6029

وكما أن بين السورتين تشابها كثيرا، واتصالا كبيرا، فبينهما تكامل واضح، فيوم الفصل الذي بدأت الحديث عنه سورة المرسلات أكملت الحديث عنه سورة النبأ، والكلام عن المكذبين الذي تحدثت عنه سورة المرسلات تحدثت سورة النبأ عن مظاهر منه، والكلام عن عذاب الكافرين وثواب المتقين- الذي رأينا طرفا عنه في سورة المرسلات- رأينا طرفا آخر عنه في سورة النبأ، هذا مع أن لكل سورة محورها وسياقها وجرسها وأسلوبها وطريقة عرضها ونوع خطابها، ومع هذا كله فإنه في كل من السورتين يظهر لنا كيف أن كل سورة قرآنية تعطينا جديدا، ولكنها تعرضه ضمن معان قد تكون تكررت من قبل كثيرا أو قليلا، ولكن الجديد الكثير يبقى كثيرا، وذلك من حكمة الله في هذا القرآن إذ يرفع النفس البشرية في كل سورة إلى مقام جديد، إن في التصورات، أو في السلوك بالشكل الذي يحيط بجوانب النفس البشرية، وذلك كذلك من حكمة هذا القرآن إذ يذكر النفس البشرية بالقضايا التي تنساها كثيرا أو تغفل عنها كثيرا يذكرها بها كثيرا، ولكن في كل مرة بشكل جديد، حتى لا تمل هذه النفس، ومن الجديد في السورتين القرار المكين للنطفة، والشرر كالقصر، ووتدية الجبال، وازدياد العذاب باطراد على أهل النار، وبقاؤهم في نوع معين من العذاب أحقابا لينتقلوا إلى نوع آخر، وغير ذلك كثير لمن دقق، ولننتقل إلى المجموعة التاسعة من قسم المفصل.

стр. 6030

المجموعة التاسعة من القسم الرابع من أقسام القرآن المسمى بقسم المفصل وتشمل سور: النازعات، وعبس، والتكوير والانفطار

стр. 6031

كلمة في المجموعة التاسعة من قسم المفصل ومحاور سورها تبدأ هذه المجموعة بسورة النازعات، وهي تفصل في الآيات الخمس الأولى من سورة البقرة، ولذلك نجد تشابها بينها وبين سورة (طه) في قصة فرعون وموسى، ونجد فيها ما يشير إلى الأصل الذي تنبثق عنه التقوى وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى. وتأتي بعد ذلك سورة عبس، وتفصل في الآيتين اللاحقتين من سورة البقرة، ومن ثم تعاتب في ابتدائها النذير في قضية لها علاقة بالإنذار، وتأتي بعد ذلك سورتا التكوير والانفطار، وكلاهما تفصل فيما بعد آيات مقدمة سورة البقرة، ولذلك نجد في الأولى تهييجا على العمل، والاستقامة، ونجد في الثانية تأنيبا للإنسان على ترك العمل، فلنر سور المجموعة.

стр. 6032

سورة النازعات وهي السورة التاسعة والسبعون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الأولى من المجموعة التاسعة من قسم المفصل، وهي ست وأربعون آية وهي مكية

стр. 6033

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 6034

كلمة في سورة النازعات ومحورها: تبدأ السورة بأقسام يفهم جوابها من سياق السورة، ثم تحدثنا عن اليوم الآخر، وموقف الكافرين منه، ثم تقص علينا من نبأ فرعون وموسى، فتعطينا دروسا في التقوى، ثم تخاطب السورة البشر مذكرة إياهم بنعم الله التي تقتضي شكره وتقواه، ثم يعود الحديث عن اليوم الآخر بما يهيج على التقوى، ثم تختم السورة باستهجان السؤال عن موعد الساعة، فالسورة في سياقها العام تربي على التقوى، وتفصل في الآيات الخمس الأولى من مقدمة سورة البقرة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. تتألف السورة من مقدمة وفقرتين وخاتمة. المقدمة وتستمر حتى نهاية الآية (١٤). الفقرة الأولى وتستمر حتى نهاية الآية (٢٦). الفقرة الثانية وتستمر حتى نهاية الآية (٤١). الخاتمة: وتستمر حتى نهاية السورة. بين يدي سورة النازعات: قال الألوسي في تقديمه لسورة النازعات: (وتسمى: سورة الساهرة، والطامة، وهي مكية بالاتفاق. وعدد آيها ست وأربعون في الكوفي، وخمس وأربعون في غيره، وعن ابن عباس أنها نزلت عقب سورة عم. وأولها يشبه أن يكون قسما لتحقيق ما في آخر عم، أو ما تضمنته كلها، وفي البحر لما ذكر سبحانه في آخر ما قبلها الإنذار بالعذاب يوم القيامة، أقسم في هذه على البعث ذلك اليوم).

стр. 6035

مقدمة السورة وتمتد من الآية (١) حتى نهاية الآية (١٤) وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة النازعات (٧٩): الآيات ١ الى ١٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً (١) وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً (٢) وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً (٣) فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً (٤) فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً (١١) قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤) التفسير: وَالنَّازِعاتِ أي: والملائكة التي تنزع الأرواح من الأجساد غَرْقاً قال النسفي: أي: إغراقا في النزع، أي: تنزعها من أقاصي الأجساد من أناملها ومواضع أظفارها وَالنَّاشِطاتِ أي: والملائكة التي تنشط الأرواح أي: تخرجها نَشْطاً أي: إخراجا، قال ابن كثير في تفسير النازعات والناشطات: الملائكة يعنون- أي: أصحاب هذا القول- حين تنزع أرواح بني آدم فمنهم من تأخذ روحه بعسر فتغرق في نزعها، ومنهم من تأخذ روحه بسهولة وكأنها حلته من نشاط. وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً* فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً* فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً قال ابن مسعود: هي الملائكة، وقال النسفي: (وبالطوائف- أي: أقسم الله بالطوائف من الملائكة- التي تسبح في مضيها أي: تسرع فتسبق إلى ما أمروا به فتدبر أمرا من أمور العباد مما يصلحهم في دينهم أو دنياهم كما رسم لهم)، وقال الحسن: في قوله تعالى فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً* فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً يعني: الملائكة سبقت إلى الإيمان والتصديق ... تدبر الأمر من السماء إلى الأرض يعني بأمر ربها. قال النسفي: وجواب

стр. 6036

القسم محذوف وهو: لتبعثن؛ لدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ أي: يوم تتحرك الراجفة حركة شديدة، والرجف: شدة الحركة، والراجفة: النفخة الأولى، وصفت بما يحدث بحدوثها؛ لأنها تضطرب بها الأرض حتى يموت كل من عليها تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ أي: النفخة الثانية؛ لأنها تردف الأولى. قال النسفي: والأولى تميت الخلق والثانية تحييهم. قال ابن كثير: قال ابن عباس: هما النفختان الأولى والثانية. قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ قال ابن عباس: يعني: خائفة أَبْصارُها خاشِعَةٌ أي: أبصار أصحابها ذليلة لهول ما ترى، وبعد أن أقسم الله بطوائف من الملائكة على كينونة البعث، ووصف بعض ما يكون في يوم القيامة وما بعده تحدثنا السورة عن إنكار الكافرين لهذا اليوم فتقول: يَقُولُونَ أي: يقول الكافرون، قال النسفي: أي: منكرو البعث في الدنيا استهزاء وإنكارا للبعث أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ قال النسفي: استفهام بمعنى الإنكار، أي: أنرد بعد موتنا إلى أول الأمر فنعود أحياء كما كنا، والحافرة الحالة الأولى، أنكروا البعث ثم زادوا استبعادا فقالوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً أي: بالية، والمعنى: أنرد إلى الحياة بعد أن صرنا عظاما بالية قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ أي: قال منكر والبعث: رجعتنا إذن إن رجعنا رجعة ذات خسران أو خاسر أصحابها، قال النسفي: والمعنى: أنها إن صحت وبعثنا فنحن إذا خاسرون لتكذيبنا، وهذا استهزاء منهم، قال تعالى في الرد عليهم: فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ أي: صيحة واحدة، قال النسفي: أي: لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله ؛ فإنها سهلة هينة في قدرته تعالى، فما هي إلا صيحة واحدة، يريد النفخة الثانية فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ أي: فإذا هم أحياء على وجه الأرض بعد ما كانوا أمواتا في جوفها. قال ابن كثير: قال ابن عباس: الساهرة الأرض كلها، وقال ابن كثير: والصحيح أنها الأرض وجهها الأعلى. كلمة في السياق: أقسم الله بطوائف من الملائكة على مجئ اليوم الآخر، وذكر ما يحدث في ذلك اليوم من خوف وذلة للكافرين، كما ذكر إنكار الكافرين لليوم الآخر، وبين سهولة خلق ذلك اليوم على الله ، ثم تأتي الفقرة الأولى من السورة، وفيها ذكر قصة فرعون وموسى، وفي ذكر هذه القصة، في هذا السياق تحذير للكافرين وبيان لوجوب استجابة الناس لدعوة الرسول، وبيان لمضمون دعوة الرسل.

стр. 6037

الفقرة الأولى وتمتد من الآية (١٥) إلى نهاية الآية (٢٦) وهذه هي: [سورة النازعات (٧٩): الآيات ١٥ الى ٢٦] هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩) فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢) فَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦) التفسير: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى قال النسفي: استفهام يتضمن التنبيه على أن هذا مما يجب أن يشيع، والتشريف للمخاطب به، وقال ابن كثير: أي: هل سمعت بخبره، إِذْ ناداهُ رَبُّهُ أي: كلمه بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ أي: المطهر طُوىً قال ابن كثير: هو اسم الوادي على الصحيح، فقال له الله : اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى أي: تجاوز الحد في الكفر والفساد. قال ابن كثير: أي: تجبر وتمرد وعتا، فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى أي: تتطهر من الشرك والعصيان، بالطاعة والإيمان، وقال ابن كثير: (أي: قل له هل لك أن تجيب إلى طريقة ومسلك تزكى به فتسلم وتطيع) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى قال النسفي: أي: وأرشدك إلى معرفة الله بذكر صفاته فتعرفه فتخشى؛ لأن الخشية لا تكون إلا بالمعرفة، وقال ابن كثير: أي: أدلك إلى عبادة ربك فتخشى، أي: فيصير قلبك خاضعا له مطيعا خاشعا، بعد ما كان قاسيا خبيثا بعيدا من الخير، قال النسفي: بدأ مخاطبته بالاستفهام الذي معناه العرض كما يقول الرجل لضيفه هل لك أن تنزل بنا، وأردفه الكلام الرقيق ليستدعيه باللطف في القول ويستنزله بالمداراة عن عتوه كما أمر بذلك في

стр. 6038

قوله تعالى: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى قال النسفي: أي: فذهب فأرى موسى فرعون العصا- أو العصا واليد البيضاء- لأنهما في حكم آية واحدة، وقال ابن كثير: يعني: فأظهر له موسى مع هذه الدعوة الحق حجة قوية ودليلا واضحا على صدق ما جاءه به من عند الله فَكَذَّبَ أي: فرعون بموسى وبالآية الكبرى وسماهما ساحرا وسحرا وَعَصى الله. قال ابن كثير: أي: فكذب بالحق وخالف ما أمر به من الطاعة، وحاصله أنه كفر قلبه فلم ينفعل لموسى بباطنه ولا بظاهره، وعلمه بأن ما جاء به حق لا يلزم منه أنه مؤمن به؛ لأن المعرفة علم القلب، والإيمان عمله، وهو الانقياد للحق والخضوع له ثُمَّ أَدْبَرَ أي: تولى عن موسى يَسْعى أي: يجتهد في مكايدته. قال ابن كثير: أي: في مقابلة الحق بالباطل، وهو جمع السحرة؛ ليقابلوا ما جاء به موسى ﵇ من المعجزات الباهرات فَحَشَرَ أي: فجمع السحرة وجنده فَنادى أي: في قومه فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى أي: لا رب فوقي، وهذا يشير إلى أنه كانت لهم أصنام يعبدونها معه، فجعل نفسه فوقها جميعا، ولم يعترف لله بالربوبية فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ أي: تنكيل الْآخِرَةِ وَالْأُولى أي: فعاقبه عقوبة الدنيا والآخرة إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور لَعِبْرَةً أي: لعظة لِمَنْ يَخْشى أي: لمن يتعظ وينزجر. كلمة في السياق: ١ - عرفنا من هذه القصة أن دعوة موسى ﵇ تتضمن تزكية النفس وخشية الله ، وذلك يكون بمعرفة الله وعبادته، وجماع هذا كله التقوى، فالتقوى أثر عن معرفة الله، وزكاة النفس أثر عن معرفة الله وعن التقوى، وتوضيح هذه القضية من خلال قصة موسى ﵇ واضح الصلة في الآيات الخمس الأولى من سورة البقرة عن المتقين. ٢ - في الآيات الخمس الأولى من سورة البقرة يرد قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ وما ورد معنا في السورة له صلة بما أنزل من قبل، وله صلة بالإيمان بالآخرة. ٣ - إن مجئ قصة موسى ﵇ وفرعون في هذا السياق تحذير للذين يرفضون دعوة محمد ﷺ بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة. ومن ثم قال ابن كثير في بداية

стр. 6039

هذه القصة: (يخبر تعالى رسوله محمدا ﷺ عن عبده ورسوله موسى ﵇ أنه ابتعثه إلى فرعون وأيده الله بالمعجزات ومع هذا استمر على كفره وطغيانه، حتى أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وكذلك عاقبة من خالفك، وكذب بما جئت به، ولهذا قال في آخر القصة إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى). ٤ - يفهم من مجئ قصة موسى ﵇ وفرعون في هذا السياق أن وضع هؤلاء المنكرين لليوم الآخر- الذين تحدثت عنهم مقدمة السورة- يشبه وضع فرعون وقومه مع موسى، ويفهم من هذا أن الرفض للإيمان باليوم الآخر رفض لدعوة الرسل- صلوات الله عليهم وسلامه- أصلا. ٥ - يلاحظ أن الفقرة اللاحقة من السورة تناقش الكافرين باليوم الآخر، وتقيم عليهم الحجة، ومجئ قصة موسى وفرعون في الوسط يشير إلى أن ما حدث لفرعون درس للكافرين باليوم الآخر، ودليل على صدق دعوة الرسل، ودليل على مجئ اليوم الآخر أصلا، فتحقق واحد من وعيدي الرسل دليل على تحقق الوعد الآخر. ٦ - ستبدأ بالفقرة اللاحقة مناقشة للكافرين، وهذا يشير إلى أن ما ورد قبل ذلك كان بمثابة أساس وعظي لإيجاد الجو النفسي الذي يقبل به الإنسان الحجة القاطعة. الفقرة الثانية وتمتد من الآية (٢٧) حتى نهاية الآية (٤١) وهذه هي: المجموعة الأولى [سورة النازعات (٧٩): الآيات ٢٨ الى ٣٣] رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣)

стр. 6040

المجموعة الثانية [سورة النازعات (٧٩): الآيات ٣٤ الى ٤١] فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٤١) تفسير المجموعة الأولى من الفقرة الثانية: أَأَنْتُمْ يا منكري البعث أَشَدُّ خَلْقاً أي: أصعب خلقا وإنشاء أَمِ السَّماءُ أشد خلقا؟ ثم بين كيف خلقها فقال: بَناها أي: الله رَفَعَ سَمْكَها قال النسفي: أي: أعلى سقفها فَسَوَّاها أي: فعدلها مستوية بلا شقوق ولا فطور، أقول: إن من عرف أبعاد المجرات وكثرتها أدرك عظمة السماء، وأدرك أن إعادة خلق الإنسان أسهل في تصورات العقل البشري من خلق هذه السماء كما هي ثم قال تعالى عن السماء: وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها أقول: أي: أذهب ليلها وأخرج نهارها بمعنى أنه لا ليل لها. وهذا هو واقع السماء إذ الليل وضع محلي لبعض الأجرام وبعد أن تحدث تعالى عن خلق السماء بعظمتها تحدث عن الأرض فقال: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ أي: بعد السماء. أقول: في هذه الكلمة معجزة علمية كبيرة سنتحدث عنها في الفوائد دَحاها أي: كورها وفي هذه الكلمة معجزة علمية أخرى أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها أي: كلأها وَالْجِبالَ أَرْساها قال ابن كثير: أي: قررها وأثبتها وأكدها في أماكنها مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ أي: فعل ذلك تمتيعا لكم ولأنعامكم. قال ابن كثير: (أي: دحا الأرض فأنبع عيونها، وأظهر مكنونها، وأجرى أنهارها، وأنبت زروعها وأشجارها وثمارها، وثبت جبالها لتستقر بأهلها ويقر قرارها، كل ذلك متاعا لخلقه، ولما يحتاجون إليه من الأنعام التي يأكلونها ويركبونها مدة احتياجهم إليها في هذه الدار إلى أن ينتهي الأمد وينقضي الأجل). أقول: أقام السياق الحجة على منكري البعث من خلال نقطة هي: إن

стр. 6041

الكافرين ينكرون البعث لتصورهم أن ذلك صعب الحدوث، فالله أقام عليهم الحجة بأن خلق السماء والأرض بما في السماء والأرض من عظمة ودقة وحكمة أكبر في تصور الخلق من إعادة خلق الإنسان، فكيف يستبعدون على قدرة الله أن يعيد الله خلق الإنسان مرة ثانية. كلمة في السياق: بدأت السورة بالأقسام على أن يوم القيامة آت، ثم تحدثت عما يجري يوم القيامة، وذكرت تكذيب المكذبين فيه، وذكرت بوقوعه، ووعظت بما جرى لفرعون، ثم أقامت الحجة على أن يوم القيامة آت، ثم تأتي مجموعة تفصل فيما يجري للناس يومذاك، فلنر المجموعة الثانية من الفقرة الثانية. تفسير المجموعة الثانية من الفقرة الثانية: فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى قال ابن كثير: وهو يوم القيامة، قال ابن عباس: سميت بذلك لأنها تطم على كل أمر هائل مفظع يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى قال النسفي: (أي: إذا رأى أعماله مدونة في كتابه، تذكرها وكان قد نسيها، أي: يتذكر الإنسان سعيه، قال ابن كثير: أي: حينئذ يتذكر ابن آدم جميع عمله خيره وشره، وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى قال النسفي: (فرآها الناس عيانا) ثم بين تعالى كيف يكون الأمر يوم تأتي الطامة، ويكون فيها ما يكون فَأَمَّا مَنْ طَغى أي: جاوز الحد فكفر، قال ابن كثير: أي: تمرد وعتا وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا أي: على الآخرة باتباع الشهوات، قال ابن كثير: أي: قدمها على أمر دينه وأخراه فَإِنَّ الْجَحِيمَ أي: النار هِيَ الْمَأْوى أي: المرجع والمقر له، قال ابن كثير: أي: فإن مصيره إلى الجحيم، وإن مطعمه من الزقوم، ومشربه من الحميم وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ أي: من علم أن له مقاما يوم القيامة لحساب ربه وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى أي: المؤذي، أي: زجرها عن اتباع الشهوات، والهوى المحرم هو ميل النفس إلى شهواتها المحرمة، والمكروه هو ميلها إلى الشهوات المكروهة. قال ابن كثير: أي: خاف القيام بين يدي الله ، وخاف حكم الله فيه ونهى نفسه عن هواها إلى طاعة مولاها فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى أي: المرجع، قال ابن كثير: أي: منقلبه ومصيره ومرجعه إلى الجنة الفيحاء.

стр. 6042

كلمة في السياق: ١ - بعد أن أقام الله الحجة على الكافرين بأن يوم القيامة آت، بين حال الناس فيه، فالطاغون المؤثرون للحياة الدنيا جزاؤهم النار، والخائفون الله ، الناهون النفس عن شهواتها المحرمة مصيرهم الجنة، وبهذا عرفنا باختصار سر النجاة وسر الهلاك، فعرفنا ماهية التقوى، ومن هنا ندرك صلة السورة بمحورها من سورة البقرة، فالمجموعة فصلت في موضوع التقوى فأرتنا باعثه وما يناقضه. ٢ - في الفقرة التي تحدثت عن موسى وفرعون، رأينا قول الله لموسى فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى* وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى فتزكية النفس، وخشية الله هي ملاك دعوة موسى ﵇، وقد رأينا في المجموعة الأخيرة أن خوف الله ، ونهي النفس عن الهوى، هما ركنا النجاة من النار، مما يفيد أن تزكية النفس تعني نهي النفس عن شهواتها، فالصلات بين فقرات السورة قائمة، والصلات بين السورة ومحورها موجودة، وهكذا نجد أن السورة في سياقها الرئيسي تعرفنا على اليوم الآخر الذي يجب أن نؤمن به، كما تعرفنا على حيثيات في التقوى ينبغي أن نفطن لها، وبعد أن عرضت السورة موضوع اليوم الآخر، ووعظت، تأتي خاتمتها لتفند فكرة السؤال عن زمن يوم القيامة؛ لأن ذلك لا يترتب عليه عمل، بل الحكمة ألا يعرف الناس ذلك اليوم ليبقى الناس يعملون.

стр. 6043

خاتمة السورة وتتألف من خمس آيات وهذه هي: [سورة النازعات (٧٩): الآيات ٤٢ الى ٤٦] يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦) التفسير: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قال النسفي: أي: متى إرساؤها، أي: إقامتها، يعني: متى يقيمها الله ويثبتها. أقول: شبهت الساعة بسفينة سائرة، ويسألون عن وقت إرسائها أي: استقرارها، قال تعالى ردا على هذا السؤال: فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها* إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها قال النسفي: أي: في أي شئ أنت من أن تذكر وقتها لهم وتعلمهم؟ أي: ما أنت من ذكراها لهم وتبيين وقتها في شئ ... إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها أي: منتهى علمها متى تكون لا يعلمها غيره، وقال ابن كثير: أي: ليس علمها إليك، ولا إلى أحد من الخلق بل مردها ومرجعها إلى الله ، فهو الذي يعلم وقتها على اليقين إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها قال النسفي: أي: لم تبعث لتعلمهم بوقت الساعة، وإنما بعثت لتنذر من أهوالها من يخاف شدائدها. وقال ابن كثير: أي: إنما بعثتك لتنذر الناس وتحذرهم من بأس الله وعذابه، فمن خشي الله وخاف مقامه ووعيده اتبعك فأفلح وأنجح، والخيبة والخسار على من كذبك وخالفك كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها أي: الساعة لَمْ يَلْبَثُوا في الدنيا إِلَّا عَشِيَّةً أي: ما بين الظهر إلى غروب الشمس أَوْ ضُحاها أي: ضحى تلك العشية، والضحى ما بين طلوع الشمس إلى نصف النهار، قال ابن كثير: أي: إذا قاموا من قبورهم إلى الحشر يستقصرون مدة الحياة الدنيا، حتى كأنها عندهم كانت عشية من يوم أو ضحى يوم. أقول: فإذا كان الأمر كذلك فعليهم بالعمل، فماذا يفيدهم عرفوا قربها أو بعدها ما دام أنها حاصلة وسيرونها وكأن قد.

стр. 6044

كلمة في السياق: ١ - أصبح واضحا أن للسورة سياقها الخاص وتسلسل معانيها، فالقيامة آتية وهناك نفختان، وسيحشر الناس في النفخة الثانية، وقسم من الناس يحشرون خائفين ذليلة أبصارهم، وهم الذين كانوا ينكرون يوم القيامة، مكذبين في ذلك رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وقد أنذر الله هؤلاء أن يصيبهم ما أصاب قوم فرعون من عذاب الدنيا والآخرة، ثم أقام الحجة على هؤلاء بأن يوم القيامة آت، ثم ذكر حال الناس يومذاك، وسر النجاة، وسر الخسار، ثم أنكرت السورة على من يسأل عن وقت وقوع القيامة لأنه سؤال لا يترتب عليه عمل، وليست الإجابة عنه داخلة في اختصاص الرسول ﵊. ٢ - وبعد أن اتضح لنا السياق الخاص للسورة، فلنر صلتها بمحورها من سورة البقرة: أ- الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ فصلت السورة في التقوى فبينت أنها خوف الله وتزكية النفس، أو أنها خوف الله وترك الشهوات، أو أنها ترك الطغيان وإيثار الآخرة على الدنيا، وإنما عرفنا ذلك لأن النجاة علقت على هذه المعاني، وقد ختمت الفقرة الأولى من مقدمة سورة البقرة بقوله تعالى عن المتقين: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. ب- الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ذكرت السورة طرفا من الغيب الذي يجب الإيمان به، والعمل بمقتضاه، وهيجت على العمل بشكل عام. ج- وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ذكرت السورة طرفا مما أنزل على من قبل محمد ﷺ ، كما فصلت في موضوع اليوم الآخر، وأقامت الحجة في شأنه، ودعت إلى اليقين فيه. د- أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ذكرت السورة من يستحق الفلاح وفصلت فيه، فللسورة صلة وثيقة بمحورها. الفوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً قال الألوسي: (وفي حمل

стр. 6045

المدبرات على النجوم إيهام صحة ما يزعمه أهل الأحكام وجهلة المنجمين، وهو باطل عقلا ونقلا، كما أوضحنا ذلك فيما تقدم، وكذا في حملها على النفوس الفاضلة المفارقة إيهام صحة ما يزعمه كثير من سخفة العقول، من أن الأولياء يتصرفون بعد وفاتهم بنحو شفاء المريض، وإنقاذ الغريق، والنصر على الأعداء، وغير ذلك مما يكون في عالم الكون والفساد، على معنى أن الله تعالى فوض إليهم ذلك، ومنهم من خص ذلك بخمسة من الأولياء، والكل جهل وإن كان الثاني أشد جهلا). ٢ - بمناسبة قوله تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قال ابن كثير: (وقد روى الإمام أحمد عن أبي الطفيل عن أبي بن كعب عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: «جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه» فقال رجل: يا رسول الله أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال: «إذا يكفيك الله ما أهمك من دنياك وآخرتك» وقد روى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري بإسناده مثله، ولفظ الترمذي وابن أبي حاتم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: «يا أيها الناس اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه»). ٣ - بمناسبة قوله تعالى حكاية عن قول منكري البعث: أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ قال الألوسي: (ويقال لكل من كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه رجع إلى حافرته وعليه قول الشاعر: أحافرة على صلع وشيب ... معاذ الله من سفه وعار يريد: أأرجع إلى ما كنت عليه في شبابي من الغزل والتصابي، بعد أن شبت، معاذ الله من ذاك سفها وعارا، ومنه المثل: النقد عند الحافرة، فقد قيل: الحافرة فيه بمعنى الحالة الأولى وهي الصفقة أي: النقد حال العقد). ٤ - بمناسبة قوله تعالى: فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ* فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ قال ابن كثير: (وروى ابن أبي حاتم عن سهل بن سعد الساعدي فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ قال: أرض بيضاء عفراء، خالية كالخبزة النقي، وقال الربيع بن أنس فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ يقول الله : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ويقول تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي

стр. 6046

نَسْفاً* فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً وقال تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً)، وقال الألوسي: (روى الضحاك عن ابن عباس أن الساهرة أرض من فضة لم يعص الله تعالى عليها قط، يخلقها حينئذ). ٥ - هناك خلاف كثير حول فرعون موسى من هو؟ من الأقوال في ذلك أنه رعمسيس الثاني، ومن المعروف تاريخيا أن رعمسيس الثاني قد أصدر منشورا يعلن فيه عن ربوبيته، وقد عثر على نص هذا المنشور مكتوبا على أوراق البردي، فهل لذلك صلة بما قاله الله في سورة النازعات: فَحَشَرَ فَنادى فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى؟ إن كان رعمسيس الثاني هو فرعون موسى فالأمر واضح، وإلا فإن فكرة تأليه النفس عند الفراعنة كانت تتكرر مرة بعد مرة. ٦ - في قوله تعالى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها معجزتان علميتان فالدحو في اللغة العربية يفيد التكوير؛ ولذلك تسمي العرب بيض النعام في الرمل الأدحية أو الأدحوة، والقول بكروية الأرض لم يكن معروفا في جزيرة العرب حين تنزل القرآن، فالإشارة إليه دليل على أن القرآن من عند الله، والمعجزة الثانية في الآية أنها ذكرت أن الأرض خلقت بعد المجرات التي هي سماء بالاصطلاح اللغوي، وهذا الاتجاه تجمع عليه النظريات العلمية الحديثة، فكل النظريات العلمية الحديثة تعتبر أن نشأة الأرض تأخرت عن نشأة الكون ككل، وقد خلط كثير من المفسرين بين السماوات السبع وبين السماء ككل، فالسّماوات السبع غيبية، وخلقها جاء متأخرا عن خلق الأرض بنص القرآن، وأما السماء ككل والتي تعني مجرات هذا الكون وتوابعها فهذه قد تقدم خلقها على خلق الأرض بنص آية النازعات، وتلك من معجزات القرآن، فلم يعرف في العلوم القديمة ولا في الكتب المتوارثة أن وجد كلام يتحدث عن الأرض وعن السموات السبع وعن الكون بمثل هذه الدقة. بقي أن نبرهن على صحة ما اتجهنا إليه في فهم آية النازعات فنقول: هناك سماوات سبع خلقت بعد الأرض قطعا بنص القرآن: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ... وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ* ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ*

стр. 6047

فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ فهذه الآيات تذكر أن السموات السبع خلقت بعد الأرض بينما آيات سورة النازعات تقول: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها* أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها* وَالْجِبالَ أَرْساها* مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ فإن يقال إن هذه الأشياء كانت بعد خلق السموات السبع ترد عليه سورة فصلت بشكل واضح، فلم يبق إلا أن نقول: إن هناك سماوات سبعا وأرضا، وإن هناك سماء هي ما سوى ذلك من المجرات وغيرها، فالسّماوات السبع خلقت بعد الأرض، والأرض خلقت بعد السماء، وهذا الذي نقوله، والذي هو صريح القرآن، والذي لا تحتمل النصوص غيره هو الذي يقوله العلم، فعلماء الكون اليوم يقولون إن عمر الأرض أقل بكثير من عمر مجرات هذا الكون. ٧ - بمناسبة قوله تعالى: وَالْجِبالَ أَرْساها قال ابن كثير: (وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: «لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت، فتعجبت الملائكة من خلق الجبال فقالت: يا رب فهل من خلقك شئ أشد من الجبال؟ قال: نعم الحديد، قالت: يا رب فهل من خلقك شئ أشد من الحديد؟ قال: نعم النار، قالت: يا رب فهل من خلقك شئ أشد من النار؟ قال: نعم الماء، قالت: يا رب فهل من خلقك شئ أشد من الماء؟ قال: نعم الريح، قالت: يا رب فهل من خلقك شئ أشد من الريح؟ قال: نعم ابن آدم يتصدق بيمينه يخفيها عن شماله»). وبهذا ينتهي الكلام عن سورة النازعات، فلننتقل إلى سورة عبس.

стр. 6048

سورة عبس وهي السورة الثمانون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثانية من المجموعة التاسعة من قسم المفصل، وهي اثنتان وأربعون آية وهي مكية

стр. 6049

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 6050

كلمة في سورة عبس ومحورها: قلنا إن محور سورة عبس هما الآيتان السادسة والسابعة من سورة البقرة، أي قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ، والدليل على ذلك أن السورة تبدأ بعتاب رسول الله ﷺ لأنه أقبل على إنسان من النوع الذي لا ينفع معه الإنذار، وعبس في وجه إنسان يستأهل الإنذار وختمت السورة بقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ* تَرْهَقُها قَتَرَةٌ* أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ وما بين ذلك كلام له صلة في موضوع الإنذار، وموقف الكافرين منه من ذلك قوله تعالى: كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ومن ذلك قوله تعالى: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ ومن ذلك قوله تعالى: فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ. ويلاحظ أن هناك تشابها بين سورة النازعات وسورة عبس، ففي أواخر سورة النازعات يرد قوله تعالى: فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى وفي أواخر سورة عبس يرد قوله تعالى: فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ ... ، وفي سورة النازعات يرد قوله تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً ... وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها* أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها وفي سورة عبس يرد قوله تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ ... وفي سورة النازعات يرد قوله تعالى: هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى* وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى ... وفي سورة عبس يرد قوله تعالى: وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى* وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى وَهُوَ يَخْشى. إنك لتجد التشابه في الجرس بين السورتين. وسورة النازعات تنتهي بقوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها ... وفي بداية سورة عبس عتاب لرسول الله ﷺ إذ يعرض عمن يخشى وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى * وَهُوَ يَخْشى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى فسورة عبس تبدأ بعتاب رسول الله ﷺ ، إذ يعرض عمن يخشى، ويقبل على من لا يخشى، فالصلة واضحة بين نهاية سورة النازعات وبداية سورة عبس.

стр. 6051

تتألف السورة من ثلاث فقرات: الفقرة الأولى تستمر حتى نهاية الآية (١٠). الفقرة الثانية تستمر حتى نهاية الآية (٣٢). الفقرة الثالثة تستمر حتى نهاية الآية (٤٢) أي حتى نهاية السورة. بين يدي سورة عبس: قدم الألوسي لسورة عبس بقوله: (وتسمى سورة الصاخة، وسورة السفرة، وسميت في غير كتاب سورة الأعمى، وهي مكية بلا خلاف وآيها اثنتان وأربعون في الحجازي، والكوفي، وإحدى وأربعون في البصري، وأربعون في الشامي والمدني الأول، ولما ذكر سبحانه فيما قبلها إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها ذكر في هذه من ينفعه الإنذار ومن لم ينفعه). الفقرة الأولى وتمتد من الآية (١) حتى نهاية الآية (١٠) وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة عبس (٨٠): الآيات ١ الى ١٠] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) ملاحظة: لفهم هذه الفقرة نذكر هاتين الروايتين في سبب نزولها: (روى الحافظ أبو يعلى في مسنده ... عن أنس ﵁ في قوله تعالى عَبَسَ وَتَوَلَّى جاء ابن أم مكتوم إلى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وهو يكلم أبي بن خلف، فأعرض عنه، فأنزل الله عَبَسَ وَتَوَلَّى* أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى فكان النبي

стр. 6052

صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه). (وروى أبو يعلى وابن جرير ... عن عائشة قالت: أنزلت عَبَسَ وَتَوَلَّى في ابن أم مكتوم الأعمى أتى رسول الله ﷺ فجعل يقول: أرشدني، قالت: وعند رسول الله ﷺ رجل من عظماء المشركين قالت: فجعل النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يعرض عنه، ويقبل على الآخر ويقول: «أترى بما أقول بأسا؟» فيقول: لا، ففي هذا أنزلت عَبَسَ وَتَوَلَّى. وقد روى الترمذي هذا الحديث بإسناده مثله). التفسير: عَبَسَ وَتَوَلَّى أي قطب بين جبينه غاضبا وأعرض أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى أي فعل ذلك لأنه جاءه الأعمى وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أي يتزكى، قال النسفي: (أي: وأي شئ يجعلك داريا بحال هذا الأعمى ... لعل هذا الأعمى يتطهر بما يسمع منك من دنس الجهل)، وقال ابن كثير: أي تحصل له زكاة وطهارة في نفسه أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى أي: أو يتعظ فتنفعه ذكراك، أي: موعظتك، قال النسفي: (أي إنك لا تدري ما هو مترقب منه من تزك أو تذكر ولو دريت لما فرط ذلك منك) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى أي: من كان غنيا بالمال فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى أي تتصدى أي تتعرض بالإقبال عليه حرصا على إيمانه، قال ابن كثير: أي أما الغني فأنت تتعرض له لعله يهتدي، أقول: إن الاستغناء في الآية يدخل فيه الغنى بالمال الذي يترتب عليه الشعور بالاستغناء عن الله وعن رسوله ﷺ وعن الدعوة الإسلامية طغيانا، ويدخل فيه الاستغناء بالنفس عن طلب الهداية بواسطة الافتقار إلى الله، والافتقار إلى رسوله ﷺ وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى قال النسفي: (أي وليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام، إن عليك إلا البلاغ)، وقال ابن كثير: أي ما أنت بمطالب به إذا لم يحصل له زكاة أي طهارة نفس من الشرك ودنس الأخلاق وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى أي يسرع في طلب الخير وَهُوَ يَخْشى الله ومقامه بين يديه فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى أي تتلهى أي تتشاغل. قال ابن كثير في الآيتين: أي يقصدك ويؤمك ليهتدي بما تقول له فأنت عنه تلهى أي تتشاغل، قال ابن كثير: (ومن هاهنا أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن لا يخص بالإنذار أحدا بل يساوي فيه بين الشريف والضعيف والفقير والغني والسادة والعبيد، والرجال والنساء، والصغار والكبار، ثم الله تعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة)، وقال النسفي: وروي أنه ما عبس بعدها في وجه فقير قط، ولا تصدى لغني، وروي أن الفقراء في مجلس الشورى كانوا

стр. 6053

أمراء. قال ابن كثير في سبب نزول هذه الفقرة: (ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله ﷺ كان يوما يخاطب بعض عظماء قريش، وقد طمع في إسلامه، فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم- وكان ممن أسلم قديما- فجعل يسأل رسول الله ﷺ عن شئ، ويلح عليه، وود النبي ﷺ أن لو كف ساعته تلك، ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل طمعا ورغبة في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم، وأعرض عنه، وأقبل على الآخر، فأنزل الله تعالى عَبَسَ وَتَوَلَّى* أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى * وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى). كلمة في السياق: ١ - في سورة البقرة ورد قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. فهناك كفار هذا شأنهم، وفي الفقرة التي مرت معنا نجد رسول الله ﷺ يقبل على من هذا شأنه، إذ وصفه الله بقوله: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى، ويعرض عمن استجاب للإنذار وهو راغب إلى الله ورسوله في السير، فعاتب الله رسوله ﷺ هذا العتاب الشديد، وفي ذلك درس عظيم أن يقبل وارث النبوة على من أتاه طالبا التزكية والهداية كائنا من كان، وألا يتشوف لمن كان عندهم استغناء، وفي قوله تعالى: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى* أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى إشارة إلى أن الداعية إلى الله مهمته التزكية والتذكير، فالفقرة إذن تعاتب رسول الله ﷺ أن يحجب الإنذار عن أهله، وأن يضعه في غير أهله، مفرطا بذلك في حق الأهل، وصلة ذلك بمحور السورة من سورة البقرة واضحة، وقد علمنا من الفقرة صفة من صفات الكافرين الذين لا تنفع معهم الإنذار، وهم الذين في قلوبهم استغناء. ٢ - ... ثم تأتي الفقرة الثانية، وفيها نهي لرسوله ﷺ أن يعود لمثل ذلك، وفيها توضيح لحقيقة الوحي وعزته، وفيها تبيان لطبيعة الإنسان، ولفت نظر إلى مظاهر قدرة الله ، وإنعامه التي تقتضي من الإنسان شكرا وعبادة، وفي تبيان هذه المعاني في هذا السياق دروس في الإنذار، ودروس للإنسان تهيجه على قبول الإنذار وعدم الاستغناء، وسنرى صلة ذلك كله بمحور السورة وبسياقها الخاص.

стр. 6054

الفقرة الثانية وتمتد من الآية (١١) إلى نهاية الآية (٣٢) وهذه هي: الجزء الأول [سورة عبس (٨٠): الآيات ١١ الى ١٦] كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦) الجزء الثاني [سورة عبس (٨٠): الآيات ١٧ الى ٢٣] قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣) الجزء الثالث [سورة عبس (٨٠): الآيات ٢٤ الى ٣٢] فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَباً وَقَضْباً (٢٨) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْباً (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢) تفسير الجزء الأول من الفقرة الثانية: كَلَّا قال النسفي: ردع: أي: لا تعد إلى مثله إِنَّها تَذْكِرَةٌ أي: إن السورة أو الآيات السابقة موعظة يجب الاتعاظ بها، والعمل بموجبها، قال ابن كثير: (أي: هذه السورة أو الوصية بالمساواة بين الناس في إبلاغ العلم بين شريفهم ووضيعهم، وقال قتادة والسدي يعني القرآن). أقول: وهذا الذي أرجحه فالمعنى:

стр. 6055

كلا إن آيات القرآن تذكرة وعظة، فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ قال النسفي: (والمعنى: فمن شاء الذكر والتذكر ألهمه الله تعالى إياه فذكر القرآن، أي: قرأه وتذكر معانيه. وقال ابن كثير: أي: فمن شاء ذكر الله تعالى في جميع أموره، ويحتمل عود الضمير إلى الوحي لدلالة الكلام عليه. أقول: فيكون المعنى: (فمن شاء أن يذكر هذا القرآن- بأن يأخذه ويتلوه ويعمل به- فعل) وكأن النص يقول: أيها الرسول لا يهمنك أمر من لم يذكره فإنه هو الخاسر فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ أي: إن هذا القرآن تذكرة في صحف مكرمة، أي: إنها مثبتة في صحف منتسخة من اللوح. قال ابن كثير: أي: معظمة موقرة مَرْفُوعَةٍ أي: عالية القدر مُطَهَّرَةٍ قال ابن كثير: أي: من الدنس والزيادة والنقص. وقال النسفي: (أي: عن مس غير الملائكة أو عما ليس من كلام الله) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ أي: كتبة، قال النسفي: جمع سافر: أي: الملائكة ينتسخون الكتب من اللوح كِرامٍ على الله أو عن المعاصي بَرَرَةٍ أي: أتقياء، جمع بار. قال ابن كثير: والصحيح أن السفرة الملائكة، والسفرة يعني بين الله وبين خلقه، وفسر ابن كثير: الكرام البررة بقوله: أي: خلقهم كريم، حسن شريف، وأخلاقهم وأفعالهم بارة طاهرة كاملة، ومن هاهنا ينبغي لحامل القرآن أن يكون في أفعاله وأقواله على السداد والرشاد. كلمة في السياق: ١ - ذكرت الفقرة الأولى في السورة إعراض الرسول ﷺ عن الأعمى، وإقباله على الكافر المستغني، وإنما فعل ذلك رسول الله ﷺ حرصا على إيمان هذا الكافر المستغني، وقد جاء هذا الجزء من الفقرة الثانية ليبين استغناء هذا القرآن عن المستغنين عنه، وليبين أن هذا القرآن له الدرجة العليا في الكرامة في كل حال، وفي هذا السياق ذكر الله خصيصة من خصائص هذا القرآن وهو أنه تذكرة، والملاحظ: أن هذا الجزء من الفقرة ترك المشيئة للإنسان في أن يتذكر، وفي ذلك تهديد وإشعار بالاستغناء والعزة، فكأن هذا الجزء يقول لرسول الله ﷺ : اعرف قيمة ما أوحيته إليك ولا يحملنك الحرص على الخلق على مخالفة أدبه. ٢ - ثم يأتي الجزء الثاني والثالث من الفقرة الثانية وفيهما كلام عن الطبيعة الكافرة وإقامة حجة، وفي ذلك تعزية لرسول الله ﷺ ، وتسلية له على كفر الكافرين، وتهييج للإنسان أن يتذكر ويشكر، وكأن الله يقول لرسول الله

стр. 6056

صلى الله عليه وسلم: هذا القرآن تذكرة، وقد خلقت للإنسان الكثير مما يقتضي شكرا، فإذا لم يتذكر ولم يشكر، فلا عليك أن تحرص هذا الحرص على إسلام الكافرين المستغنين، بحيث تعطل حقوق المسلمين. تفسير الجزء الثاني من الفقرة الثانية: قُتِلَ الْإِنْسانُ أي: لعن الكافر ما أَكْفَرَهُ قال النسفي: استفهام توبيخ أي: أي شئ حمله على الكفر؟ أو هو تعجب، أي: ما أشد كفره. قال ابن كثير: وهذا لجنس الإنسان المكذب لكثرة تكذيبه بلا مستند، بل بمجرد الاستبعاد وعدم العلم مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ أي: من أي شئ حقير خلقه؟ وهو استفهام ومعناه التقرير، ثم بين ذلك الشئ فقال: مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ قال ابن كثير: أي: قدر أجله ورزقه وعمله، وشقي أو سعيد. أقول: قدره على الصورة والشكل والحجم وغير ذلك من خلقه ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ أي: بين له سبيل الخير والشر. قال ابن كثير: أي: بيناه له وأوضحناه وسهلنا عليه علمه. أقول: وهناك قول آخر في الآية مضمونه أنه يسر خروجه من بطن أمه، والصحيح الأول، قال ابن كثير: هو الأرجح. ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ قال النسفي: (أي: جعله ذا قبر يوارى فيه لا كالبهائم لا كرامة له) وقال الألوسي: ففي الآية إشارة إلى مشروعية دفن الإنسان ... وأما دفن غيره من الحيوانات فقيل هو مباح لا مكروه وقد يطلب لأمر مشروع يقتضيه كدفع أذى جيفته مثلا) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ أي: بعثه بعد موته كَلَّا ردع للإنسان عن الكفر لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ قال النسفي: أي: لم يفعل هذا الكافر ما أمره الله به من الإيمان، وقال الألوسي: (والمعنى على ما قال غير واحد: لم يقض من أول زمان تكليفه إلى زمان إماتته وإقباره، أو من لدن آدم ﵇ إلى هذه الغاية مع طول المدى وامتداده جميع ما أمره فلم يخرج من جميع أوامره تعالى، إذ لا يخلو أحد عن تقصير ما، ونقل هذا عن مجاهد وقتادة)، وقال ابن جرير في الآية: يقول جل ثناؤه: كلا ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر من أنه قد أدى حق الله عليه في نفسه وماله لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ يقول: لم يؤد ما فرض عليه من الفرائض لربه ، وقال مجاهد في الآية: أي: لا يقضي أحد أبدا كل ما افترض عليه، وذهب ابن كثير مذهبا انفرد به في الآية رابطا لها بما قبلها، قال: إن المعنى: ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ أي: بعثه كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ أي: لا يفعله الآن

стр. 6057

حتى تنقضي المدة، ويفرغ القدر من بني آدم ممن كتب الله أن سيوجد منهم، ويخرج إلى الدنيا، وقد أمر به تعالى كونا وقدرا، فإذا تناهى ذلك عند الله أنشر الله الخلائق وأعادهم كما بدأهم. أقول: والقول الأول أولى وقد أبعد ابن كثير فيما ذهب إليه. كلمة في السياق: ١ - بدأ هذا الجزء بقوله تعالى: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ وانتهى بقوله تعالى: كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ ففي بداية هذا الجزء سجل على الإنسان كفره، وفي نهايته سجل عليه ضعف قيامه بواجباته، وفي الوسط ذكر الله تعالى ما تقوم به الحجة على الإنسان، إذ يكفر أو يقصر، لقد ذكر الله الإنسان بأصل نشأته، وحسن تقدير الله لتركيبه، ثم هدايته له، ثم إكرامه بالقبر، ثم الحكم عليه بالنشر، وهذا كله يقتضي شكرا لا كفرا ولا تقصيرا، فإذا كان الإنسان مع هذا كله يكفر ويقصر، فالذنب ذنبه، وبالتالي فلا عليك يا رسول الله صلى الله عليك وسلم من أمره شيئا، فلا يدفعنك الحرص على إسلام الكافر إلى التقصير في حق المسلم. ٢ - ثم يأتي الجزء الثالث من الفقرة وفيه يلفت الله نظر الإنسان إلى إنعامه عليه بكل ما يحتاجه، مما يقتضي منه شكرا، وقياما بالواجب. وكأن هذا وحده كاف لتقوم الحجة، فإذا لم يهتد ولم يشكر فالذنب ذنبه، قال النسفي مقدما للكلام عن هذا الجزء: (لما عدد النعم عليه في نفسه- أي: في الجزء السابق من ابتداء حدوثه إلى آن انتهائه- أتبعه ذكر النعم فيما يحتاج إليه فقال: فَلْيَنْظُرِ ... ). تفسير الجزء الثالث من الفقرة الثانية: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أي: الذي يأكله ويحيا به كيف دبرنا أمره أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا قال النسفي: يعني المطر من السحاب ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا قال النسفي: أي: بالنبات. قال ابن كثير في الآيتين: أي: أسكناه فيها فيدخل في جوفها ويتخلل في أجزاء الحب المودع فيها، فنبت وارتفع وظهر على وجه الأرض فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا كالبر والشعير وغيرهما مما يتغذى به وَعِنَباً وَقَضْباً قال ابن كثير: والقضب هو الفصفصة التي تأكلها الدواب رطبة، ويقال لها القت أيضا وَزَيْتُوناً قال ابن كثير: وهو معروف، وهو أدم وعصيره أدم، ويستصبح به ويدهن به وَنَخْلًا قال ابن كثير: (يؤكل بلحا بسرا ورطبا وتمرا ونيئا ومطبوخا،

стр. 6058

ويعتصر منه دبس ويصنع منه خل) وَحَدائِقَ غُلْباً أي: غلاظ الأشجار وَفاكِهَةً وَأَبًّا أما الفاكهة فكل ما يتفكه به من الثمار والأب: ما أنبتت الأرض مما تأكله الدواب، ولا يأكله الناس مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ أي: منفعة لكم ولأنعامكم. قال ابن كثير: أي: عيشة لكم ولأنعامكم في هذه الدار إلى يوم القيامة. كلمة في السياق: ١ - جاء هذا الجزء من الفقرة آمرا بالنظر إلى طعام الإنسان، وطعام دوابه كيف رتب الله أمره بعد ذكر كفر الإنسان وتقصيره في الجزء الثاني من الفقرة، وفي ذلك دلالة على أن الإنسان لو نظر هذه النظرة، وبنى عليها ما ينبغي لشكر، ولم يكفر، ولقام في الواجب، ولم يقصر، وهكذا نجد أن الفقرة الثانية في أجزائها الثلاثة أدبت المسلمين في أن يعرفوا قدر هذا القرآن، وأن يعرفوا أن الحجة قائمة به على الكافرين، وأن الكافرين بحاجة إليه، وعرفتنا على الطبيعة الإنسانية الكافرة المقصرة، وبينت لنا أن النظر في الإنسان وما أكرمه الله به كاف لإقامة الحجة، وجعل الإنسان على المحجة، أما والإنسان لم يفعل فذلك ذنبه، وبالتالي فلا ينبغي أن تضيع حقوق المسلمين بسبب الكافرين. ٢ - بمناسبة الجزء الأخير من الفقرة نحب أن نسجل هنا ملاحظة هي: إن المعاني القرآنية تكون في كثير من الأحيان تسجيلا لبداهة النظر الفطري، ولفت نظر إلى مدلولاته، وفي ذلك مظهر من مظاهر إعجاز هذا القرآن، إذ لفت نظر الإنسان إلى كل شئ حوله وما ينبغي أن يبني عليه، وكان ذلك بأعلى درجات البلاغة والبيان، إن من تأمل هذه الظاهرة وحدها من ظواهر القرآن كفاه ذلك دليلا على أن هذا القرآن من عند الله . ٣ - وبعد ما مر معنا في الفقرتين السابقتين تأتي الفقرة الأخيرة في السورة، وهي تبني على ما ورد في الفقرتين السابقتين، فالفقرة الأولى أظهرت لنا أن هناك كافرا يستغني، ومؤمنا يفتقر ويرغب، وفي الفقرة الثانية عرفنا أن هناك قرآنا يذكر، وأن هناك ناسا يتذكرون، وناسا لا يتذكرون، ومن ثم فإن الفقرة الثالثة تبين حال الطائفتين يوم القيامة، وهي في أدائها لهذا المعنى، كأنها تقول لرسول الله ﷺ : هذا حال الكافرين وحال المؤمنين يوم القيامة؛ فمن الأولى بالحرص منكما على الآخر؟ أنت الذي تدل على طريق النجاة؟ أو ذلك الكافر المفتقر إليك لتدله على طريق النجاة؟ فإذا

стр. 6059

لم يفعل فدعه وشأنه، وأقبل على الذي يحرص على طريق النجاة. الفقرة الثالثة والأخيرة في السورة وتمتد من الآية (٣٣) إلى نهاية الآية (٤٢) وهذه هي: [سورة عبس (٨٠): الآيات ٣٣ الى ٤٢] فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) التفسير: فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ قال ابن كثير: الصاخة اسم من أسماء يوم القيامة عظمه الله وحذر منه، قال ابن جرير لعله اسم النفخة في الصور، وقال البغوي: الصاخة يعني صيحة يوم القيامة سميت بذلك لأنها تصخ الأسماع أي: تبالغ في إسماعها حتى تكاد تصمها) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ قال النسفي: لتبعات بينه وبينهم أو لاشتغاله بنفسه وَصاحِبَتِهِ أي: وزوجته وَبَنِيهِ قال النسفي: بدأ بالأخ ثم بالأبوين لأنهما أقرب منه، ثم بالصاحبة والبنين لأنهم أحب، وقال ابن كثير: (أي: يراهم ويفر منهم ويبتعد منهم؛ لأن الهول عظيم والخطب جليل، قال عكرمة: يلقى الرجل زوجته فيقول لها: يا هذه أي بعل كنت لك؟ فتقول: نعم البعل كنت، وتثني بخير ما استطاعت، فيقول لها: فإني أطلب إليك اليوم حسنة واحدة تهبيها لي لعلي أنجو مما ترين، فتقول له: ما أيسر ما طلبت ولكن لا أطيق أن أعطيك

стр. 6060

شيئا أتخوف مثل الذي تخاف. قال: وإن الرجل ليلقى ابنه فيتعلق به، فيقول: يا بني أي والد كنت لك؟ فيثني عليه بخير. فيقول له: يا بني إني احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك لعلي أنجو بها مما ترى، فيقول ولده: يا أبت ما أيسر ما طلبت ولكني أتخوف مثل الذي تتخوف فلا أستطيع أن أعطيك شيئا، يقول الله تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ وفي الحديث الصحيح في أمر الشفاعة أنه إذا طلب إلى كل من أولي العزم أن يشفع عند الله في الخلائق يقول: نفسي لا أسألك إلا نفسي، حتى إن عيسى ابن مريم يقول لا أسأله اليوم إلا نفسي، لا أسأله مريم التي ولدتني ولهذا قال تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ قال قتادة الأحب فالأحب والأقرب فالأقرب من هول ذلك اليوم.) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ في نفسه يُغْنِيهِ أي: يكفيه في الاهتمام به ويشغله عن غيره وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ أي: مضيئة، قال النسفي: من قيام الليل أو من آثار الوضوء، قال ابن كثير: أي: يكون الناس هنالك فريقين وجوه مسفرة أي: مستنيرة ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ أي: مسرورة فرحة من السرور في قلوبهم، قد ظهر البشر على وجوههم، وهؤلاء هم أهل الجنة وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ أي: غبار تَرْهَقُها قَتَرَةٌ أي: يعلو الغبرة سواد كالدخان، قال النسفي: ولا ترى أوحش من اجتماع الغبرة والسواد في الوجه أُولئِكَ أي: أهل هذه الحالة هُمُ الْكَفَرَةُ في حقوق الله الْفَجَرَةُ في حقوق العباد، قال ابن كثير: أي: الكفرة في قلوبهم، الفجرة في أعمالهم. قال النسفي: ولما جمعوا الفجور إلى الكفر جمع إلى سواد وجوههم الغبرة. كلمة في السياق: ١ - في الفقرة الأخيرة تبيان لحال الناس يوم القيامة، وفي ذلك تهييج على ترك الكفر، وعلى القيام بالشكر، وتبيان لحاجة الخلق إلى الله، وافتقارهم إلى رسوله ﷺ ، وفي ذلك تتمة التذكير لرسول الله ﷺ ألا يدفعه الحرص على إسلام الكافرين إلى أن يقصر في حقوق المسلمين المقبلين عليه، وفي الفقرة كذلك بيان إلى أنه لا بد من كافر ومؤمن، وفي ذلك درس لرسول الله ﷺ من أجل أن تستقر في نفسه هذه الحقيقة فلا تحمله الشفقة بخلق الله على التفريط بحق عباد الله، حرصا على إسلام الخلق كلهم ما دام الأمر في حكمة الله وقضائه كذلك، نسأل الله أن يحيينا مؤمنين مسلمين محسنين متقين، وأن يميتنا ويحشرنا على ذلك.
следующие страницы →