← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الفقرة الثالثة من المقطع الثاني من القسم الثالث إذ حرم الله الربا، فقد فتح أبوابا، تحل محل الربا المحرم. من ذلك بيع السلم. ومن ذلك القرض المضمون بالرهن، أو بالكفيل، أو بذمة الدولة. ومن ذلك شركة المضاربة. والذين يفرضون الربا على هذه الأمة، المحاربون لله ورسوله هؤلاء- زيادة على كونهم يثبتون إثمهم، وحربهم لله ورسوله بذلك- فإنهم يثبتون عجزهم كذلك عن التفكير. فلو أن حكومة من الحكومات، انطلقت من خلال مصارف شركة المضاربة. ومن خلال مصارف السلم. ومن خلال مصارف القرض الحسن. ثم لو حاولت أن توجد صيغ التعامل مع العالم الخارجي على أسس إسلامية مستمدة من كل المدارس الفقهية لكان الوضع مختلفا. لكن العجز عن التفكير، والعجز عن التنفيذ، والجهل والتقليد، وأشياء أخرى، كلها حالت دون قيام ذلك. ونرجو أن يتم ذلك كله في المستقبل. تأتي هذه الفقرة بعد آيات الربا لتذكر البديل عن الربا من ناحية، ولتذكر نموذجا على المعاملات المنضبطة في النظام الإسلامي من ناحية. وهي تكمل موضوع الدخول في الإسلام كله من خلال تبيان أحكام الإسلام، والتربية على الالتزام. تتألف الفقرة من آيتين في الدين وآية فيها إعلان المالكية لله والمحاسبة. والآية الأخيرة بمثابة درس الختام للفقرة، وللمقطع، وللقسم. فهي خاتمة الفقرة من حيث إن الفقرة توجيه في أمر المال الذي هو ملك الله. ومن حيث إن الدين مظنة الهلاك. فالتذكير بمحاسبة الله، يناسب ذلك. وهي بمثابة درس الختام في المقطع. إذ إن المقطع بدأ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ. فإن يختم المقطع بالتذكير بمالكية الله، فذلك هو المناسب. وهي بمثابة درس الختام في القسم الذي يدعو إلى الدخول في الإسلام كله، لتذكر بمالكية الله لنا وحسابه إيانا، فنقيم شرعه، ودينه كاملا.

стр. 632

الفقرة الثالثة: تمتد الفقرة بآياتها الثلاث من الآية (٢٨٢) إلى نهاية (٢٨٤). وهذه هي: [سورة البقرة (٢): الآيات ٢٨٢ الى ٢٨٤] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣) لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)

стр. 633

كلمة في هذه الفقرة: بهذه الآيات ينتهي القسم الأخير من سورة البقرة. ولم يبق إلا خاتمتها والصلة بين هذه الفقرة وما قبلها واضحة. هي صلة القضايا المالية ببعضها. فالفقرة الأولى في الإنفاق، والفقرة الثانية فيما يقابله وهو الربا. وهذه الفقرة في ضبط التعامل بين الناس في الديون والبيوع. ويختم هذا القسم بالإعلان أن الله هو مالك ما في السموات وما في الأرض. فيتصرف الإنسان في ملكه ضمن ما أمر. وليكون ظاهر الإنسان وباطنه مستقيما على أمر الله. لأن الله سيحاسبه على الظاهر والباطن. وقدرة الله محيطة بكل شئ المعنى العام: - الآية الأولى هي آية الدين وهي أطول آية في كتاب الله. وفي الآية إرشاد لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها، وأضبط للشاهد فيها. ومما يدخل في المعاملات المؤجلة بيع السلف، أو السلم المشهور. حتى إن ابن عباس اعتبر الآية فيه. والأمر بكتابة الدين أمر إرشاد لا أمر إيجاب كما ذهب إليه بعضهم. وأمر أن يتولى الكتابة كاتب. وأمر لهذا الكاتب أن يكتب بالعدل. والقسط، والحق. ولا يجور في كتابته على أحد. ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه من غير زيادة ولا نقصان. ثم أمر من يعرف الكتابة ألا يمتنع من الكتابة إذا سئل أن يكتب للناس، إذا لم يترتب على ذلك ضرر يصيبه. فكما علمه الله ما لم يعلم، فليتصدق على غيره ممن لا يحسن الكتابة. ثم أعطي حق الإملاء على الكاتب للمدين، وأمر المدين أن يذكر ما في ذمته من الدين كاملا فلا ينقص منه شيئا وليتق الله في ذلك. وفي الحالات التي يكون فيها المدين محجورا عليه، أو صغيرا، أو مجنونا، أو عيا، أو جاهلا لا يعرف الخطأ من الصواب، فقد أعطي حق الإملاء لوليه، وأمر وليه أن يملي

стр. 634

بالعدل والقسط. ثم أمر بالإشهاد مع الكتابة لزيادة التوثيق. وأمر أن يكون الشهود إما رجلين، أو رجلا وامرأتين. وهذا النوع من الشهود، إنما يكون في الأموال، وما يقصد به الأموال. وأقيمت المرأتان مقام الرجل في هذا الباب لاحتمال نسيان إحداهما، فتحتاج إلى أخرى من جنسها، تذكرها. إذ قد لا يتاح دائما للرجل أن يخلو بها. ليذكرها، لعدم كونه محرما، والمرأة أقدر على تذكير المرأة، ثم أمر الله أن يكون الشهود عدولا، وطالب المسلمين إذا دعوا لتحمل الشهادة أن يستجيبوا ومن ثم قال الجمهور إن تحمل الشهادة فرض كفاية. ومن شهد ودعي لأداء الشهادة، فقد فرض عليه أداؤها وتكون الشهادة فرض عين على إنسان إذا تعين لإثبات الحق. ثم أتم الله إرشاده بأن أمر بكتابة الحق صغيرا كان أو كبيرا إلى الأجل المحدد. ونهانا عن السآمة والملل في ذلك. ثم بين الحكمة من الأمر بالكتابة والإشهاد، وغير ذلك مما مر بأن هذا أعدل، وأثبت للشاهد. إذ إنه حين يرى خطة يتذكر فلا ينسى. وأن هذا أقرب إلى عدم الريبة. ثم إن الأمر بالكتابة لا يدخل فيه بيع الحاضر يدا بيد. فلا بأس بعدم الكتابة، لانتفاء المحذور في تركها. وفي هذا دليل على أن بيع السلم يدخل في الأمر بالكتابة. ثم أمر الله على سبيل الندب، والإرشاد بالإشهاد على كل بيع. وليست المسألة من باب الوجوب. ثم نهى الكاتب والشاهد أن يضرا أحدا. بأن يكتب الأول خلاف ما أملي عليه. وأن يشهد الثاني بخلاف ما سمع. أو يكتم الحق. أو أن المراد بالنهي، عدم الإضرار بالكاتب، والشهيد بأن يحملا على الكتابة، أو الشهادة في وقت، أو في حال يضر بهما. ثم بين تعالى أنه إن وقعنا في مخالفة ما أمرنا به، أو نهينا عنه، فإنه فسق كائن بنا، ولازم لنا، لا نحيد عنه، ولا ننفك عنه، ثم أمر بتقواه. وذلك بالخوف منه، ومراقبته، واتباع أوامره. ووعدنا على التقوى أن يعلمنا، وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها، وعواقبها. فلا يخفى عليه شئ من الأشياء. بل علمه محيط بجميع الكائنات. فإذا تولى تعليمنا، فذلك الخير كل الخير لنا. وفي الآية الثانية. أرشدنا الله- إلى أنه في حالة كوننا مسافرين، وتداينا إلى أجل مسمى، ولم نجد كاتبا يكتب لنا، أو لم نجد أدوات الكتابة، فليكن بدل الكتابة، رهان مقبوضة في يد صاحب الحق، ثم بين الله- حكما عاما، وهو أنه في حالة ائتمان بعضنا بعضا، فلا بأس ألا نكتب، وألا نشهد. ولكن على من اؤتمن، أن يؤدي الأمانة، وأن يخشى الله ويتقيه. ثم نهانا أن نخفي الشهادة،

стр. 635

فلا نظهرها عند الاحتياج إليها، أو عند الطلب منا أن نؤديها. ثم بين أن من يكتم الشهادة فذلك دليل فجور قلبه، ثم هددنا بأن الله يعلم أعمالنا كلها. فلنحرر أعمالنا على مقتضى شرعه. ثم يختتم هذا القسم كله بالآية الثالثة. فيخبر الله تعالى فيها أن له ملك السموات والأرض وما فيهن، وما بينهن. وأنه المطلع على ما فيهن، لا تخفى عليه الظواهر ولا السرائر، والضمائر، وإن دقت وخفيت. وأخبر أنه سيحاسب عباده على ما فعلوه، وما أخفوه في صدورهم فيعذب من يشاء، ويغفر لمن يشاء وأنه على هذا وغيره قادر. فإذا عرفنا أن هذه الآية ختام هذا المقطع، عرفنا صلتها بفقراته كلها. فما بين قوله تعالى في أول هذا المقطع: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ ... وبين قوله تعالى في هذه الآية: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ صلة واضحة. وما بين أمره تعالى بالإنفاق في سبيله، وعدم المن والأذى صلة واضحة مع: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ .... وما بين النهي عن الربا، وبين الآية صلة واضحة. فمالك السموات والأرض له أن يحرم، أو يحل. وما بين آية الدين، وما بعدها، وهذه الآية كذلك صلة واضحة. إذ كتمان الشهادة، أو مضارة الشهيد، وأمثال ذلك مرتبط بإبداء ما في الأنفس، أو إخفائه. فائدة حول السياق في هذا المقطع: نستطيع الآن، بعد ذكر المعنى العام لهذه الفقرة- وقبل ذكر المعنى الحرفي- أن نذكر مزيدا من الصلة بين فقرات هذا المقطع فنقول: ١ - إن هذا المقطع يمثل التوجيهات الربانية الرئيسية في موضوع الاقتصاد الإسلامي الذي يقوم على مبدأ الصدقات الإجبارية والطوعية، والذي يقوم على أساس غير ربوي، والذي يقوم على أسس ضبط التعامل بين الناس على مبادئ العدل والحق، والذي يقوم على أساس الاعتراف لله بمالكيته لكل شئ. هذا الاقتصاد الذي يقوم على أساس تربية الضمير والوجدان. ٢ - إن ذكر فقرة عن الربا بين آيات الإنفاق وآية الدين ذو مغزى كبير إذ من هذا السياق ندرك البديل عن النظام الربوي. إن الله الذي حرم الربا، فتح للمسلمين طرق الخلاص منه. هذه الطرق إذا وجدت بشكل عفوي قضت على الربا،

стр. 636

بشكل عفوي. وإذا كان للربا مؤسسات ووجد لها مؤسسات قضت على الربا: هذه الطرق هي: ١ - الزكوات والصدقات. ٢ - القرض الحسن. ٣ - بيع السلم، والبيع بالتقسيط. ٤ - شركة المضاربة. ولقد جاءت آيات الربا بعد الأمر بالصدقات. وذيلت بإنظار المعسر. ففيها إشارة إلى القرض. وجاء بعدها آية الدين، التي فتحت باب السلم، وباب البيع بالتقسيط. المعنى الحرفي للفقرة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ. أي: يا أيها الذين آمنوا إذا داين بعضكم بعضا إلى مدة معلومة، فاكتبوا الدين. وإنما أمر بكتابة الدين لأن ذلك أوثق، وآمن من النسيان، وأبعد من الجحود. والمعنى: إذا تعاملتم بدين مؤجل فاكتبوه. والأمر للندب على قول الجمهور. ويدخل في ذلك بيع السلف. روى مجاهد عن ابن عباس في آية الدين قال: أنزلت في السلم إلى أجل معلوم. وروى البخاري عن ابن عباس قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أحله وأذن فيه. ثم قرأ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ. كما يدخل في ذلك البيع بالتقسيط والبيع إلى أجل. وقد ذكر ابن عباس الصلة بين هذه الآية، والتي قبلها فقال كما ذكره النسفي: لما حرم الله الربا، أباح السلف. واستدل الحنفية بهذه الآية على اشتراط الأجل في السلم لقوله تعالى فيها: إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى. وبقوله ﷺ : «من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم». رواه البخاري ومسلم وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ: هل معنى الآية، وليكتب بالعدل كاتب، أو ليكتب كاتب عدل؟. قولان للمفسرين. وعلى القول الثاني يكون معنى النص: وليكتب بين المتداينين كاتب مأمون على ما يكتب. يكتب بالاحتياط. لا يزيد على ما يجب أن يكتب، ولا ينقص. وفيه دليل على أن يكون الكاتب فقيها، عالما بالشروط، حتى يجئ مكتوبه معدلا بالشرع. وفي المعاملات الدولية المعاصرة، وفي المعاملات التجارية المالية، ينبغي أن تراعى في الكاتب شروط أخرى. وفي النص أمر للمتداينين بتخير الكاتب، وألا يستكتبوا إلا فقيها دينا حتى يكتب ما هو متفق عليه. وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ: أي: ولا يمتنع واحد من الكتاب أن يكتب مثلما علمه الله كتابة الوثائق. لا يبدل، ولا يغير. فليكتب تلك الكتابة، لا يعدل عنها. وَلْيُمْلِلِ

стр. 637

الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ. الإملال والإملاء بمعنى واحد. أي: ولا يكن المملي إلا من وجب عليه الحق. لأنه هو المشهود على ثباته في ذمته، وإقراره به. فيكون ذلك إقرارا على نفسه بلسانه. وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ. أي: وليتق- الذي عليه الدين- الله. فلا يمتنع عن الإملاء. فيكون جحودا لحق الآخرين. وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً: أي: ولا ينقص من الحق الذي عليه شيئا في الإملاء، فيكون جحودا لبعض الحق فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ: السفيه هنا هو المجنون .. لأن السفه خفة في العقل، أو المحجور عليه، لتبذيره وجهله بالتصرف. والضعيف هنا هو الصغير. وغير المستطيع هنا هو العاجز عن الإملاء، إما لعي، أو خرس، أو جهل باللغة. فإن كان الذي عليه الحق واحدا من هؤلاء فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ. أي: فليمل الذي يلى أمره، ويقوم به بالصدق والحق. وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ. أي: واطلبوا أن يشهد لكم على الدين شهيدين من المسلمين، والحرية والبلوغ شرطان مع الإسلام. وشهادة الكفار بعضهم على بعض مقبولة. فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ. أي فإن لم يكن الشهيدان رجلين، فليشهد رجل وامرأتان. قال الحنفية: وشهادة الرجال مع النساء تقبل، فيما عدا الحدود، والقصاص. مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ. أي: ممن تعرفون عدالتهم. أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى: هذا بيان لحكمة كون المرأتين في باب الشهادة هنا برجل. والمعنى: وذلك من أجل أنه إذا نسيت إحداهما الشهادة ذكرتها الأخرى: يقول صاحب الظلال: «أنه لا بد من شاهدين على العقد مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ والرضى يشمل معنيين: الأول: أن يكون الشاهدان عدلين مرضيين في الجماعة. والثاني: أن يرضى بشهادتهما طرفا التعاقد .. ولكن ظروفا معينة قد لا تجعل وجود شاهدين أمرا ميسورا. فهنا ييسر التشريع فيستدعي النساء للشهادة، وهو إنما دعا الرجال لأنهم الذين يزاولون الأعمال عادة في المجتمع المسلم السوي، الذي لا تحتاج المرأة فيه أن تعمل لتعيش، فتجور بذلك على أمومتها وأنوثتها وواجبها في رعاية أثمن الأرصدة الإنسانية وهي الطفولة الناشئة الممثلة لجيل المستقبل، في مقابل لقيمات أو دريهمات تنالها من العمل، كما تضطر إلى ذلك المرأة في المجتمع النكد المنحرف الذي نعيش فيه اليوم؛ فأما حين

стр. 638

لا يوجد رجلان فليكن رجل واحد وامرأتان .. ولكن لماذا امرأتان؟ إن النص لا يدعنا نحدس! ففي مجال التشريع يكون كل نص محددا واضحا معللا: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى .. والضلال هنا ينشأ من أسباب كثيرة. فقد ينشأ من قلة خبرة المرأة بموضوع التعاقد، مما يجعلها لا تستوعب كل دقائقه وملابساته. ومن ثم لا يكون من الوضوح في عقلها بحيث تؤدي عنه شهادة دقيقة عند الاقتضاء، فتذكرها الأخرى بالتعاون معها على تذكر ملابسات الموضوع كله. وقد ينشأ من طبيعة المرأة الانفعالية. فإن وظيفة الأمومة العضوية البيولوجية تستدعي مقابلا نفسيا في المرأة حتما. تستدعي أن تكون المرأة شديدة الاستجابة الوجدانية الانفعالية لتلبية مطالب طفلها بسرعة وحيوية لا ترجع فيهما إلى التفكير البطيء .. وذلك من فضل الله على المرأة وعلى الطفولة .. وهذه الطبيعة لا تتجزأ، فالمرأة شخصية موحدة هذا طابعها- حين تكون امرأة سوية- بينما الشهادة على التعاقد في مثل هذه المعاملات في حاجة إلى تجرد كبير من الانفعال، ووقوف عند الواقع بلا تأثر ولا إيحاء. ووجود امرأتين فيه ضمانة أن تذكر إحداهما الأخرى- إذا انحرفت مع أي انفعال- فتتذكر وتفيء إلى الوقائع المجردة». وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا أي: ولا يرفض الشهداء إذا دعوا لأداء الشهادة، أو لتحملها أن يفعلوا حتى لا تهلك الحقوق. وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ أي: ولا تملوا أن تكتبوا الدين، أو الحق على أي حال كان الحق، من صغر، أو كبر. قال الحنفية: وفيه دلالة جواز السلم في الثياب. لأن ما يكال أو يوزن، لا يقال فيه الصغير والكبير. وإنما يقال في الذرعي، إلى وقته الذي اتفق الغريمان على تسميته. ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ، وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ، وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا. أي: ذلك الكتب أعدل عند الله، وأعون على إقامة الشهادة، وأقرب من انتفاء الريب للشاهد، والحاكم، وصاحب الحق. فإنه يقع الشك في المقدار، والصفات. فإذا رجعوا إلى المكتوب زال الشك. إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها. أي: إلا أن تتبايعوا بيعا ناجزا، يدا بيد. فلا بأس ألا تكتبوه. لأنه لا يتوهم فيه، ما يتوهم في التداين. وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ: هذا أمر بالإشهاد على التبايع مطلقا، ناجزا كان، أو إلى أجل. لأنه أحوط، وأبعد من وقوع الاختلاف. والأمر للندب. وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ: هذا نهي للكاتب والشهيد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما. وعن

стр. 639

التحريف، والزيادة، والنقصان، أو أنه نهي عن الضرار بهما بأن يعجلا عن مهم، ويلزا، أو لا يعطى الكاتب حقه من الأجرة في حالة الكتابة بأجر. أو يحمل مئونة مجيئه من بلد إلى آخر. وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ: أي: وإن تضاروا، فإن الضرار مأثم بكم. وَاتَّقُوا اللَّهَ: في مخالفة أوامره. وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ: شرائع دينه. وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ: لا يلحقه سهو، ولا قصور. وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ أي: وإن كنتم أيها المتداينون مسافرين، فاستوثقوا بالرهن، بدل الإشهاد والكتب. قال النسفي: لما كان السفر مظنة لإعواز الكتب، والإشهاد، أمر على سبيل الإرشاد إلى حفظ المال من كان على سفر، بأن يقيم التوثيق بالارتهان، مقام التوثيق بالكتب والإشهاد. لا أن السفر شرط تجويز الارتهان. وذكر القبض بجانب الرهن دليل على اشتراط القبض حتى يتم الرهن فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أي: فإن أمن بعض الدائنين بعض المديونين بحسن ظنه به، فلم يتوثق بالكتابة، والشهود، والرهن. فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ. أي دينه وسمي الدين أمانة هنا، مع أنه مضمون على خلاف الأمانة، لائتمان الدائن المدين عليه، بترك الارتهان منه. وفي النص تهييج للمديون على أن يكون عند ظن الدائن وأمنه منه وائتمانه له. وأن يؤدي إليه الحق الذي ائتمنه عليه فلم يرتهن منه. وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ: بأن لا ينكر حقا، وأن يفي بما عليه. ثم توجه الخطاب للشهود، بقوله تعالى: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ أسند الإثم إلى القلب، لأن كتمان الشهادة، أن يضمرها في القلب، ولا يتكلم بها. فلما كان إثما مقترفا، مكتسبا بالقلب، أسند إليه. وإذ جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب، فقد شهد له بأنه من أعاظم الذنوب. لأن أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح. ألا ترى أن الإيمان، والكفر. والحسد، والكبر، كلها من أفعال القلب. وهي ما هي في شريعتنا. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ. من كتمان الشهادة، وإظهارها، وغير ذلك من أعمالكم. فائدة: علق صاحب الظلال على آية الدين بقوله: «وإن الإنسان ليقف في عجب وفي إعجاب أمام التعبير التشريعي في القرآن تتجلى الدقة العجيبة في الصياغة القانونية حتى ما يبدل لفظ بلفظ، ولا تقدم فقرة عن موضعها

стр. 640

أو تؤخر. وحيث لا تطغى هذه الدقة المطلقة في الصياغة القانونية على جمال التعبير وطلاوته. وحيث يربط التشريع بالوجدان الديني ربطا لطيف المدخل عميق الإيحاء قوي التأثير، دون الإخلال بترابط النص من ناحية الدلالة القانونية. وحيث يلحظ كل المؤثرات المحتملة في موقف طرفي التعاقد وموقف الشهود والكتاب، فينفي هذه المؤثرات كلها ويحتاط لكل احتمال من احتمالاتها. وحيث لا ينتقل من نقطة إلى نقطة إلا وقد استوفى النقطة التشريعية بحيث لا يعود إليها إلا حيث يقع ارتباط بينهما وبين نقطة جديدة يقتضي الإشارة إلى الرابطة بينهما ... إن الإعجاز في صياغة آيات التشريع هنا لهو الإعجاز في صياغة الإيحاء والتوجيه. بل هو أوضح وأقوى. لأن الغرض دقيق يحرفه لفظ واحد، ولا ينوب فيه لفظ عن لفظ. ولولا الإعجاز ما حقق الدقة التشريعية المطلقة والجمال الفني المطلق على هذا النحو الفريد. ذلك كله فوق سبق التشريع الإسلامي بهذه المبادئ للتشريع المدني والتجاري بحوالي عشرة قرون، كما يعترف الفقهاء المحدثون؟ .. اه لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقا وملكا .. وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ. أي: وإن تظهروا ما في أنفسكم، أو تسروه، يحاسبكم به الله فيكافئكم ويجازيكم. قال النسفي: (ولا تدخل الوساوس وحديث النفس فيما يخفيه الإنسان. لأن ذلك مما ليس في وسعه الخلو منه. ولكن ما اعتقده، وعزم عليه. والحاصل أن عزم الكفر كفر، وخطرة الذنوب من غير عزم معفوة. وعزم الذنوب إذا ندم عليه، ورجع عنه، واستغفر منه مغفور. فأما إذا هم بسيئة، وهو ثابت على ذلك، إلا أنه منع عنه بمانع ليس باختياره، فإنه لا يعاقب على ذلك عقوبة فعله. فبالعزم على الزنا- مثلا- لا يعاقب عقوبة الزنا فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: من المغفرة، والتعذيب، وغير ذلك. فوائد: ١ - في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد، وغيره عن رسول الله ﷺ «أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار. فقال ائتني بشهداء، أشهدهم. قال: كفى بالله شهيدا. قال: ائتني بكفيل. قال: كفى بالله كفيلا. قال: صدقت، فدفعها إلى أجل مسمى. فخرج الرجل في البحر، فقضى

стр. 641

حاجته ثم التمس مركبا يقدم عليه للأجل الذي أجله. فلم يجد مركبا. فأخذ خشبة، فنقرها، وأدخل فيها ألف دينار، وصحيفة معها إلى صاحبها. ثم زجج موضعها، ثم أتى بها البحر، ثم قال: اللهم إنك قد علمت أني استسلفت فلانا ألف دينار، فسألنى كفيلا. فقلت: كفى بالله كفيلا. وسألني شهيدا، فقلت: كفى بالله شهيدا. فرضي بذلك، وإني قد جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه بالذي أعطاني، فلم أجد مركبا. وإني استودعتكها. فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يطلب مركبا إلى بلده. فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبا تجيئه بماله. فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبا. فلما كسرها، وجد المال، والصحيفة. ثم قدم الرجل الذي كان تسلف منه، فأتاه بألف دينار. وقال: والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبا قبل الذي أتيت فيه. قال: هل كنت بعثت إلي بشيء؟. قال: ألم أخبرك أني لم أجد مركبا قبل هذا الذي جئت به. قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت. به في الخشبة. فانصرف بألفك راشدا» ٢ - قال ابن كثير: جاء في الحديث: «إن من الصدقة أن تعين صانعا، أو تصنع لأخرق». وفي الحديث الآخر: «من كتم علما يعلمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار». ٣ - وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «يا معشر النساء، تصدقن وأكثرن الاستغفار. فإني رأيتكن أكثر أهل النار». فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟. قال: «تكثرن اللعن، وتكفرن العشير. ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن». قالت: يا رسول الله: ما نقصان العقل والدين قال: «أما نقصان عقلها فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل. فهذا نقصان العقل. وتمكث الليالي ولا تصلي، وتفطر في رمضان. فهذا نقصان الدين». ٤ - ورد في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم قال ﷺ : «ألا أخبركم بخير الشهداء؟. الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها». فما الجمع بينه، وبين الحديث الآخر الصحيح: «ألا أخبركم بشر الشهداء؟. الذين يشهدون قبل أن يستشهدوا». وكذا قوله ﷺ : «ثم يأتي قوم تسبق أيمانهم، شهادتهم. وتسبق شهادتهم أيمانهم». وكذا قوله: «ثم يأتي قوم يشهدون، ولا

стр. 642

يستشهدون». الجواب: أن الأول في الشهادة الحق. وأن هذه في شهادة الزور. ٥ - رأينا أن الجمهور حملوا الأمر بالإشهاد على البيع الناجز على الندب. ومما يشهد لذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي «أن النبي ﷺ ابتاع فرسا من أعرابي، فاستتبعه النبي ﷺ ليقضيه ثمن فرسه. فأسرع النبي ﷺ ، وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي، فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن النبي ﷺ ابتاعه حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه النبي ﷺ : فنادى الأعرابي النبي ﷺ فقال: إن كنت مبتاعا هذا الفرس فابتعه، وإلا بعته. فقام النبي ﷺ حين سمع نداء الأعرابي، قال: «أو ليس قد ابتعته منك». قال الأعرابي: لا والله ما بعتك. قال النبي ﷺ : «بل قد ابتعته منك». فطفق الناس يلوذون بالنبي ﷺ ، والأعرابي وهما يتراجعان. فطفق الأعرابي يقول هلم شهيدا يشهد أني بعتك. فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي: ويلك إن النبي ﷺ لم يكن ليقول إلا حقا، حتى جاء خزيمة. فاستمع لمراجعة النبي ﷺ ، ومراجعة الأعرابي يقول: هلم شهيدا يشهد أني قد بايعتك. قال خزيمة: أنا أشهد أنك قد بايعته. فأقبل النبي ﷺ على خزيمة، فقال: «بم تشهد؟». فقال: بتصديقك يا رسول الله. فجعل رسول الله ﷺ شهادة خزيمة، بشهادة رجلين». ٦ - في قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ. اتجاهان للمفسرين: الاتجاه الأول: أنها منسوخة بقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ. والقول الثاني: أنها غير منسوخة. وإنما قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها بيان لما يكون عليه الحساب. وهو مما يدخل تحت الوسع، ويدخل تحت الكسب. والمهم أن نعرف أن المؤاخذة في العزم ثابتة. وأما الخطرة دون العزم، فالجمهور على أنها معفو عنها. فإذا اتضح هذا، فمسألة النسخ وعدمه، إنما هي مسألة اصطلاحية، تدور حول التخصيص، هل هو نسخ، أو بيان،. مع الملاحظة أن القاعدة الكلية هي أن النسخ يكون في الأحكام، لا في الأخبار. وقد أخذ أصحاب رسول الله ﷺ من هذه الآية أمر شديد، حتى فرج الله عنهم بأن أنزل الآيتين بعدها. ومما ورد في ذلك. ما رواه الإمام أحمد، وغيره عن أبي هريرة قال: لما نزلت على

стр. 643

رسول الله ﷺ : لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ... اشتد ذلك على أصحاب رسول الله: فأتوا رسول الله ﷺ ثم جثوا على الركب، وقالوا يا رسول الله: كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة. وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها. فقال رسول الله ﷺ : «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم؛ سمعنا وعصينا؟. بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير». فلما أقر بها القوم، وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله في أثرها: آمَنَ الرَّسُولُ ... إلى آخر الآيتين. فلما فعلوا ذلك نسخها الله. وكما قلنا سابقا، إن كلمة النسخ هنا كلمة اصطلاحية. تفيد البيان المقيد، لا أكثر. ولذلك نجد روايات عن ابن عباس تفيد النسخ، وروايات تفيد عدم النسخ. لأن الأمر كما ذكرنا. وممن روي عنه عدم النسخ: مجاهد، والضحاك، والحسن البصري. واختاره ابن جرير. واحتج على أنه لا يلزم من المحاسبة، المعاقبة. وأنه تعالى قد يحاسب؛ ويغفر. وقد يحاسب؛ ويعاقب: بالحديث الصحيح عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه. فيقول له: هل تعرف كذا؟. فيقول: رب أعرف، أعرف. حتى إذا بلغ ما شاء الله أن يبلغ، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا. وإني أغفرها لك اليوم قال: فيعطى صحيفة حسناته، أو كتابه بيمينه. وأما الكفار، والمنافقون، فينادى بهم على رءوس الأشهاد: هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (سورة هود). ٧ - من الأحاديث التي تدل على أن الله لا يحاسب على ما دون العزم ما رواه أصحاب الكتب الستة عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل». وهذا في الخطرة الآثمة إذا رفضها القلب. أما إذا قبلها القلب، وعزم على فعلها، فالجمهور على أنه يأثم بذلك. ولكنه إن تركها لله، فإن الله يأجره على ذلك. روى مسلم عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربه تعالى قال: «إن الله كتب الحسنات، والسيئات. ثم بين ذلك. فمن هم بحسنة، فلم يعملها، كتبها الله عنده حسنة كاملة. وإن هم بها فعملها، كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة. وإن هم بسيئة، فلم يعملها، كتبها الله عنده حسنة. وإن هم بها فعملها، كتبها الله عنده سيئة واحدة».

стр. 644

والسؤال، لو أنه عزم على السيئة، وحاولها، ولم ينجح في الوصول إليها، الراجح أنه يأثم. ولكن دون إثم الفاعل. وبهذا ينتهي الكلام عن آخر قسم من أقسام سورة البقرة. وبقي الكلام عن خاتمتها. فصل في موضوع الأموال: رأينا أن النظام الإسلامي المالي من أركانه: الإنفاق. ومن معالمه، تحريم الربا. ومن معالمه، المعاملات المنضبطة. ويدخل في الإنفاق، الزكاة، وصدقة الفطر. ويدخل فيه الوقف. ويدخل فيه الإنفاق الواجب. وتدخل فيه التطوعات عامة. إن هذه المعاني عند ما تنطلق في الحياة البشرية، وتأخذ مداها، موجهة بالعلم، وحسن التطبيق. ووضع الأمور في مواضعها. فإن ما يمكن أن يترتب عليها من آثار، لا يمكن إحصاؤها في حل المشكلات، وإنقاذ الأوضاع، وإيجاد حياة اقتصادية نشيطة. فوجوب الإنفاق، وتحريم الربا يضطر أصحاب رءوس الأموال لتشغيلها في السلم، وشركات المضاربة، أو إقراضها القرض الحسن، مما يجعل رأس المال يتحرك، ويحرك في غير ما تأثير ضار على الحياة الاقتصادية، والاجتماعية. فإذا رافق هذا معاملات منضبطة، تضبطها قواعد العدل، والحق الإلهيين من خلال النصوص، ومن خلال الفتوى البصيرة فإن الوضع الاجتماعي، والاقتصادى للأمة، يكون على غاية المتانة. كلمة أخيرة في القسم الثالث: لقد رأينا في هذا القسم كلاما عن المرأة، وكلاما عن الرجل. ورأينا فيه كلاما في الحرب، والقتال، والسياسة. ورأينا كلاما عن شئون مالية، واقتصادية. ورأينا فيه كلاما عن الصلاة والإنفاق. ورأينا فيه كلاما عن الله، واليوم الآخر. وكل ذلك جاء في سياق الأمر بالدخول في الإسلام كله. ومجئ ذلك في هذا السياق، يشعرنا أنه لا انفصال بين أركان الإسلام، وبقية الإسلام. وأنه لا انفصال بين التقوى، وبين ما ينبغي أن ينبثق عنها من التزام بالإسلام كله. وفي ذلك كله تصحيح لمفاهيم أكثر الخلق. إنه تصحيح لمفاهيم الذين يتصورون أن الدين الحق منفصل عن الدولة. وإنه تصحيح لمفاهيم الذين يتصورون أن الله- ﷻ لا دخل له في شئون هذا العالم. وأنه تصحيح لمفاهيم الذين يتصورون أن التقوى مجرد صلاة فقط، أو إقامة لأركان

стр. 645

الإسلام فقط. وإنه تصحيح لمفاهيم تضخمت بسببها معان، وضمرت معان، وفي ذلك من مظاهر الإعجاز الكثير. ولكن الإعجاز في هذا القرآن أوسع مدى. خاتمة السورة ، وهي آيتان، هما: [سورة البقرة (٢): الآيات ٢٨٥ الى ٢٨٦] آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦) مما ورد في فضل هاتين الآيتين: ١ - أخرج مسلم، والنسائي عن ابن عباس- وهذا لفظ النسائي- قال: «بينا رسول الله ﷺ وعنده جبريل، إذ سمع نقيضا فوقه. فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال: هذا باب قد فتح من السماء، ما فتح قط. قال: فنزل منه ملك، فأتى النبي ﷺ فقال له: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة. لن تقرأ حرفا منهما إلا أوتيته». ٢ - روى ابن مردويه عن معقل بن يسار، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أعطيت فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش، والمفصل نافلة». ٣ - روى الإمام أحمد بإسناد حسن عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله ﷺ «اقرأ الآيتين من سورة البقرة، فإني أعطيتهما من كنز تحت العرش».

стр. 646

٤ - وفي الصحيحين: قال رسول الله ﷺ «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة، كفتاه». وقال علي ﵁: «لا أرى أحدا عقل الإسلام، ينام حتى يقرأ آية الكرسي، وخواتيم سورة البقرة. فإنها كنز أعطيه نبيكم ﷺ من تحت العرش»، رواه ابن مردويه. المعنى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ أي: صدق. روى الحاكم عن أنس أن رسول الله ﷺ لما نزلت عليه هذه الآية، قال: «حق له أن يؤمن». وهذا إخبار عن النبي ﷺ بذلك. وَالْمُؤْمِنُونَ: هذا معطوف. على الرسول ﷺ . أي: والمؤمنون آمنوا. ثم أخبر عن الجميع، فقال: كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ. فالمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد، أحد، فرد، صمد. لا إله غيره، ولا رب سواه. ويصدقون بجميع الأنبياء، والرسل، والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين. لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ أي: يقولون هذا. فهم لا يفرقون بين رسول، ورسول. فيؤمنون ببعض، ويكفرون ببعض. بل الجميع عندهم صادقون، بارون، راشدون، مهديون هادون إلى سبيل الخير. وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا. أي: سمعنا قولك يا ربنا. وفهمنا. وأطعنا أمرك، وقمنا به، وامتثلنا العمل بمقتضاه. فجمعوا بهذا: الإيمان اللساني، والطاعة. والسمع يقتضي علما بما أنزل. والطاعة أثر عن الاستسلام لله ورسوله. وتتمة قولهم: سمعنا وأطعنا كما قصه الله علينا: غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ أي: اغفر لنا. يا ربنا، وإليك مرجعنا ومآبنا. فهم يطلبون بعد الإيمان، والعمل: المغفرة، والرحمة، واللطف. ويقرون بالبعث، والجزاء، إقرار المؤمن، الخائف، الوجل، المشفق. بهذه الآية وصف الله المؤمنين هذا الوصف الجامع كما رأينا. فهم مصدقون، سامعون، مطيعون، شاعرون بالتقصير، طالبون للمغفرة، مشفقون من المصير. لقد أحاطت هذه الآية بصفات المؤمنين إحاطة كاملة، شاملة. وذكر ابن جرير أنه لما نزلت على رسول الله ﷺ هذه الآية، قال جبريل: (إن الله قد أحسن الثناء عليك، وعلى أمتك. فسل، تعطه ... ). وإذ وصف الله المؤمنين في الآية السابقة هذا الوصف الجامع. فإنه في الآية

стр. 647

الثانية، وصف شأنه، وعدله. ثم علم المؤمنين أن يدعوه بما يناسب مقامهم، وجلاله. قال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها. أي: لا يكلف الله أحدا فوق طاقته. وهذا من لطفه تعالى بخلقه، ورأفته بهم، وإحسانه إليهم. فتكليفه لا يكون إلا ضمن القدرة، والطاقة بما يتيسر على الإنسان فعله، دون مدى غاية الطاقة والمجهود وهذا النص هو المبين، أو الناسخ لقوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ. كما رأينا. أي: هو- ﷻ وإن حاسب، وسأل، ولكن- لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه. فأما ما لا يملك الإنسان دفعه من وسوسة النفس، والشيطان، وحديثهما، فهذا لا يكلف به الإنسان. ولكنه يكلف برد ذلك، وعدم قبوله، وكراهيته. وهذا ضمن وسعه. والصلة بين هذا النص، وما قبله، واضحة. فالمؤمنون قاموا بحق ربهم. وربهم لم يكلفهم إلا ضمن طاقتهم. فلم يقوموا بحق الله لولا لطفه بهم. ولو شاء لأعنتهم. ولكنه رحيم، لطيف. ثم بين الله عدله في معاملة أنفس عباده، فقال: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ أي: لها ما كسبت من خير. وعليها ما اكتسبت من شر. وذلك في الأعمال التي تدخل تحت التكليف. وإذ بين الله لطفه، وعدله، أرشد عباده إلى سؤاله. وتكفل لهم بالإجابة. فعلمهم أن يقولوا: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا. أي: لا تؤاخذنا إن تركنا فرضا أو أمرا على جهة السهو أو النسيان. أو أخطأنا الصواب في العمل جهلا منا، أو من غير قصد منا ووقعنا في محظور. رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا. الإصر: هو العبء يأصر صاحبه. أي: يحبسه في مكانه لثقله. فصار المعنى: لا تكلفنا من الأعمال الشاقة وإن أطقناها كما شرعته للأمم الماضية قبلنا، من الأغلال، والآصار التي كانت عليهم. رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ. أي: من التكاليف، والمصائب، والبلاء. لا تبتلنا بما لا قبل لنا به. وَاعْفُ عَنَّا. أي: امح سيئاتنا بيننا وبينك، ومما تعلمه من تقصيرنا وزللنا وَاغْفِرْ لَنا. أي: واستر ذنوبنا فيما بيننا وبين عبادك. فلا تظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبيحة. وَارْحَمْنا. بأن توفقنا فيما يستقبل فلا توقعنا بذنب آخر. وارحمنا بأن تثقل ميزاننا مع إفلاسنا. ولهذا قالوا: إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه، وأن يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم.

стр. 648

وأن يعصمه، فلا يوقعه في نظيره. أَنْتَ مَوْلانا. أي: أنت ولينا، وناصرنا. وعليك توكلنا، وأنت المستعان، وإذ كنت مولانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. أي: الذين جحدوا دينك، وأنكروا وحدانيتك، ورسالة نبيك، وعبدوا غيرك، وأشركوا معك من عبادك. فانصرنا عليهم. واجعل لنا العاقبة عليهم في الدنيا والآخرة. وكان معاذ بن جبل إذا ختم البقرة قال: آمين فاللهم آمين. أي خاتمة أعظم من هذه الخاتمة! التي أحاطت بصفات أهل الإيمان، ووصفت الله بما يليق بذاته، من فضل وعدل. وعلمتنا العبودية لله بهذه الدعوات التي أحاطت بالخير كله. فلئن كانت الآيات الأولى في سورة البقرة، وصفت المتقين. فقد ختمت السورة بتبيان حال المؤمنين. فافطن للصلة بين البداية، والنهاية بين قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ... في البداية وبين قوله تعالى في النهاية: كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ. بين قوله تعالى في البداية وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ. وبين قوله تعالى في النهاية آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ. بين قوله تعالى في البداية: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. وبين قوله في النهاية، واصفا المؤمنين: وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا. وافطن للصلة بين سورة البقرة كلها، وقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ. وافطن لهذه الدعوات في نهايتها بعد تلك التكليفات فيها. فوائد: ١ - قد استجاب الله لهذه الأمة، هذه الدعوات التي وردت في آخر سورة البقرة. وقد ورد في ذلك أكثر من حديث صحيح. منه ما يفيد أن الله يقول بعد كل دعوة: (نعم). ومنه ما يفيد أن الله يقول بعد كل دعوة: (قد فعلت). ٢ - روى ابن ماجه، وابن حبان في صحيحه، والطبراني: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». ٣ - قال ابن كثير: (وجاء في الحديث من طرق عن رسول الله ﷺ أنه قال:

стр. 649

«بعثت بالحنفية السمحة». ٤ - بمناسبة قوله تعالى: وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ. ينقل ابن كثير ما أخرجه ابن أبي حاتم من قول مكحول فيما يدخل تحتها: (العزبة، والغلمة) أي العزوبة، وفرط الشهوة. وهذا يعني أن مكحولا يرى، أن أشد ما يمتحن به الانسان، فرط الشهوة، مع عدم تيسر الزواج. ولنتذكر في هذه الحالة، أن الصوم حل. يقي المسلم جموح الشهوات. كلمة عن سورة البقرة ١ - بعد أن انتهينا من استعراض سورة البقرة. يحسن أن نتحدث عنها باختصار. رأينا أن سورة البقرة تتألف من مقدمة، وثلاثة أقسام، وخاتمة. أما المقدمة: فهي الآيات العشرون الأولى. وفيها أقسام الناس حسب التقسيم الرباني الإسلامي: متقين، وكافرين، ومنافقين، وصفة كل منهم. وأما القسم الأول: فمن الآية (٢١) إلى نهاية الآية (١٦٧). وفيها دعوة عامة إلى الناس جميعا كي يسلكوا الطريق الموصل إلى تقوى الله. ويتركوا كل ما يتاني ذلك. وأما القسم الثاني: فمن الآية (١٦٨) إلى نهاية الآية (٢٠٧). وهو استمرار للقسم الأول في كونه دلالة على التقوى، وتفصيلا في شأنها، وتبيانا لأركانها، وشروطها، وما يدخل فيها. وموقف الناس منها. وغير ذلك من معان. وأما القسم الثالث: فمن الآية (٢٠٨) إلى نهاية الآية (٢٨٤). وفيه دعوة إلى الدخول في الإسلام كله. وتبيان لكثير من شرائع الإسلام. وتبيان ما يلزم لإقامة الإسلام كله. وفيه التوجيهات الرئيسية في قضايا المال. وفيه الملامح الرئيسية لنظام الاقتصاد في الإسلام. النظام القائم على الصدقات. والنظام غير الربوي. والنظام القائم على التعامل المنضبط. مع تقديم المالكية لله. ثم تأتي الخاتمة التى يدخل فيها هذا كله. إذ مرجع هذا كله إلى الإيمان، والسمع والطاعة والتوبة من التقصير. وهذا الذي عرضته الآية الأولى في الخاتمة، ومرجع ما مر كله يعود إلى التكليف المستطاع للإنسان. وأن هذا التكليف بسببه يكون الجزاء،

стр. 650

والعقاب. وهذا الذي ذكرته الآية الثانية من الخاتمة. وهذا والذي قبله، لا يتأتى إلا بعبودية كاملة، وتوفيق من الله وهذا الذي علمتنا إياه الدعوات. رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا. رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. لقد جمعت هذه الدعوات الخاتمة، كل التطلعات التي يتطلع إليها المؤمنون. وكان ذلك ختام السورة. ٢ - ورد عن رسول الله ﷺ في سورة البقرة قوله: «إن كادت لتستحصي القرآن كله». وقد رأينا خلال استعراض السورة، أنها استوعبت من المعاني ما لا يحاط به. ولكن الأمر بالنسبة لسورة البقرة، أوسع مما عرضناه فقد رأينا أن هذا القرآن يتألف من أربعة أقسام: قسم الطوال. وقسم المئين. وقسم المثاني. وقسم المفصل، كما ورد في حديث حسن. وقد رأينا في أول هذا التفسير، كيف أن بقية قسم الطوال مرتبة على نسق معين، مرتبط بنفس الترتيب الموجود في سورة البقرة. فسورة آل عمران، تفصيل لمعان جاءت في أول البقرة. وسورة النساء، تفصيل لمعان جاءت بعد ذلك. وهكذا قل في المائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، وبراءة. وسنرى أن قسم المئين يتألف من ثلاث مجموعات. كل مجموعة تفصل في محاور من سورة البقرة على ترتيب وتسلسل موجودين في سورة البقرة. ثم يأتي قسم المثاني وهو يتألف من مجموعات كثيرة، كل منها يفصل في محاور من سورة البقرة على ترتيب وتسلسل موجودين في سورة البقرة. وكذلك قسم المفصل. وسنرى ذلك في هذا التفسير واضحا دون أن نتكلف في شأنه، أو نتعسف. وبهذا كله يظهر لنا كيف تستوعب سورة البقرة معاني القرآن. وبهذا كله يظهر نوع من أنواع الإعجاز في القرآن. وما أكثر أنواع الإعجاز، وما أكثر المعجزات في هذا القرآن. وسنرى بشكل واضح، كيف أن كل مجموعة سور، ستعرض معاني بتسلسل خاص ضمن قاعدة كلية. وسنرى كيف أن بعض المعاني نتيجة لذلك عرضت على أشكال كثيرة، وبطرق عرض متعددة. وسنرى أن لكل مجموعة خصائصها، مع اشتراك الجميع في خصائص واحدة، وكل ذلك سنراه في هذا التفسير بإذن الله. ونسأل الله أن يجعلنا كلنا لله. ذواتنا، وأعمالنا، وأقوالنا، وكل شئ فينا.

стр. 651

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 652

نحن نعتقد أن هذا التفسير انفرد بنظرية جديدة في فهم الوحدة القرآنية- في علمنا- فلقد كان المفسرون على اتجاهات متعددة في هذا الموضوع، بعضهم أهمله كلية، وبعضهم تكلم فيه ولكن في حدود وحدة السورة، وبعضهم تكلم فيه ولكن في حدود الوحدة الموضوعية الكلية للقرآن، بمعنى أن المعاني القرآنية تتكامل ولا تتعارض، وبعضهم تكلم فيه من حيث إن نهاية السورة السابقة لها صلة ببداية السورة اللاحقة، ونحن مع ملاحظتنا لهذا كله نرى أن هناك شيئا آخر قد غفل عنه المفسرون وحاولناه في هذا التفسير، ونعتقد أن هذه هي الميزة لهذا التفسير، إذ ما من شئ فيه إلا ويمكن أن يشاركنا فيه غيرنا، فإذا زاد في جانب فلربما نقص في جانب آخر، ولقد تحدثنا في مقدمة المجلد الأول عما استهدفناه في هذا التفسير بل في السلسلة كلها فلا نعيده. وفي سورة البقرة حاولنا قدر الإمكان أن نبرز وحدة السورة، ولكنا من سورة آل عمران سنحاول أن نبرز وحدة السورة مع إبرازنا لصلة هذه السورة في السياق القرآني العام، فلقد مر معنا من قبل أنه من خلال السنة، ومن خلال المعاني يتضح لنا أن هذا القرآن أربعة أقسام: قسم السبع الطوال، وقسم المئين، وقسم المثاني، وقسم المفصل، وأن قسم السبع الطوال ينتهي بنهاية سورة براءة، فهذا القسم في الحقيقة ثمانية سور: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، وبراءة. ومر معنا أن الأنفال وبراءة تشبهان أن تكونا سورة واحدة؛ ولذلك فإنه لم يفصل بينهما بالبسملة. وكنا ذكرنا كذلك من قبل، أن السور اللاحقة لسورة البقرة من قسم الطوال، تفصل في المعاني التي وردت في سورة البقرة. فمما ذكرناه هناك أن آل عمران. تقابل الآيات الخمس الأولى من سورة البقرة، وكما أن هذه الآيات مبدوءة ب الم، فإن «آل عمران» مبدوءة ب الم، وكما أن هذه الآيات مختومة بكلمة الفلاح: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، فإن سورة آل عمران مختومة بكلمة الفلاح: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وعلى هذا، فسورة آل عمران تلقي أضواء التفصيل على الآيات الأولى من سورة البقرة. وسورة النساء تقابل بعد ذلك في سورة البقرة يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ونلاحظ أن سورة النساء مبدوءة ب

стр. 653

يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً. وليلاحظ الشبه بين آية البقرة وبداية سورة النساء. والمائدة بعد ذلك تقابل في سورة البقرة: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ .... ونلاحظ أن سورة المائدة مبدوءة ب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ. والأنعام بعد ذلك تقابل في سورة البقرة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً .... ويلاحظ أن سورة الأنعام مبدوءة بقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ... والأعراف بعد ذلك تقابل في سورة البقرة: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. ويلاحظ أن سورة الأعراف مبدوءة بقوله تعالى: المص* كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ* اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ .... والأنفال وبراءة- وهما في موضوع واحد- يقابلان في سورة البقرة قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ .... بعد آية فرضية القتال، ويلاحظ أن سورة الأنفال مبدوءة بقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ .... ثم يكون مضمون سورتي الأنفال وبراءة في معاني القتال. فأنت تلاحظ ملاحظة أولية- ستتضح لك فيما بعد- أن هذه المجموعة تلقي أضواء على آيات في سورة البقرة بنفس الترتيب الموجود في سورة البقرة، ومن ثم ندرك بعضا من حديث رسول الله ﷺ عن سورة البقرة: «إن كادت لتستحصي الدين كله» وندرك سرا من أسرار الإعجاز في هذا القرآن العظيم. وسيتضح لنا من خلال تفسير بقية السبع الطوال هذا المعنى بشكل أعمق. على أن هذا التفسير وإن كان يركز على موضوع الوحدة القرآنية، والسياق القرآني العام، فهو كذلك يركز على وحدة السورة، وعلى إبراز سياقها الخاص، بل إن هذه النظرية التي اعتمدناها في موضوع الوحدة القرآنية، أعطت السياق الخاص لكل سورة آفاقا جديدة. إن لهذا القرآن ملامح عامة مشتركة، وله وحدته وترتيبه، ثم إن لكل سورة من سوره ملامحها الخاصة بها، وسياقها الخاص بها، وقد عبر صاحب الظلال عن

стр. 654

الشخصية الخاصة لكل سورة آنق تعبير- وهو يتحدث عن إحدى السور- بقوله: «إلا أن لكل سورة من سور القرآن شخصيتها الخاصة، وملامحها المميزة، ومحورها الذي تشد إليه موضوعاتها جميعا .. ومن مقتضيات الشخصية الخاصة، أن تتجمع الموضوعات في كل سورة، وتتناسق حول محورها في نظام خاص بها، تبرز فيه ملامحها، وتتميز به شخصيتها كالكائن الحي المميز السمات والملامح، وهو- مع هذا- واحد من جنسه على العموم. ونحن نرى في هذه السورة- ونكاد نحس- أنها كائن حي، يستهدف غرضا معينا، ويتوخى تحقيقه بشتى الوسائل .. والفقرات والكلمات في السورة، هي الوسائل التي تبلغ بها ما تريد! ومن ثم نستشعر تجاهها- كما نستشعر تجاه كل سورة من سور هذا القرآن- إحساس التعاطف والتجاوب مع الكائن الحي، المعروف السمات، المميز الملامح، صاحب القصد والوجهة، وصاحب الحياة والحركة، وصاحب الحس والشعور!» اهـ. وسنحاول في هذا التفسير، أن نبذل جهدا متوازنا، لإبراز الوحدة القرآنية والسياق العام، مع إبراز وحدة السورة وسياقها الخاص، مع محاولتنا تفهيم القرآن بالقدر المستطاع لنا، مع التركيز على قضايا بعينها، وعلى ضوء ذلك، نسير على بركة الله- وهذا أوان الشروع في السورة الثانية من قسم الطوال.

стр. 655

سورة آل عمران وهي السورة الثالثة بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثانية من قسم الطوال وآياتها مائتان آية وهي مدنية

стр. 656

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 657

كلمة في سورة آل عمران: كنا لاحظنا ملاحظة مبدئية، أن الآيات الأولى في سورة البقرة، بدأت بقوله تعالى: الم. وأن تلك الآيات التي وصفت المتقين في سورة البقرة، انتهت بقوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وأن سورة آل عمران مبدوءة ب الم ومنتهية بقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. فآخر آية فيها هي قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وقلنا كذلك مبدئيا: إن سورة آل عمران تفصل في الآيات الأولى من سورة البقرة. فإذا كان الكلام عن المتقين في سورة البقرة، قد استتبع الكلام عن الكافرين والمنافقين، حتى جاء قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ.* فإننا كذلك نفترض أن سورة آل عمران يستتبع الكلام فيها عن صفات المتقين أن يكون فيها تفصيل لما ورد في مقدمة سورة البقرة، أي لما ورد في العشرين آية الأولى. هذا كله ندعيه وعلينا أن نأتي بالبرهان. لنلاحظ الآن بعض الأمور: أول آيتين في البقرة هما: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. فههنا حديث عن الكتاب مباشرة وليس فيهما حديث عن منزل الكتاب، والملاحظ أن سورة آل عمران تبدأ بالحديث عن منزل الكتاب سبحانه: الم* اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ* نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ. كما نلاحظ أنه بعد آيات يأتي قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ .... وبعد الآيتين الأوليين من سورة البقرة يأتي قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ. والملاحظ أن القسم المبدوء بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ .... من آل عمران يرد فيه قوله تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ. فكأنه فصل من فصول الإيمان بالغيب تفصل فيه سورة آل عمران، وبعد الآية الثالثة من البقرة يأتي قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. والملاحظ أن الآية قبل الأخيرة في سورة آل عمران هي: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ. ألا ترى أن هذه النقاط العلام الواضحة تدل على صحة ما ذهبنا إليه؟! ولكن الأمر سنرى براهينه

стр. 658

بشكل أوضح. والآن نريد أن نذكر لك شيئا جديدا حول الوحدة القرآنية لم نذكره من قبل: إن مقدمة سورة البقرة هي محور سورة آل عمران كما ذكرنا، ولكن مقدمة سورة البقرة لها امتداداتها في سورة البقرة نفسها، فمثلا في مقدمة السورة ورد قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ. ومن امتدادات هذا المعنى قوله تعالى: ... وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ. ومن امتداداته أيضا قوله تعالى: . وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ .... وفي مقدمة السورة ورد قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ... ومن امتدادات هذا المعنى قوله تعالى: وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ. وقوله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ .... وإذن ففي سورة البقرة نفسها آيات تفصل آيات. فإذا اتضح ذلك فلنقل كلمة أخرى سيأتي دليلها: إن سورة آل عمران محورها مقدمة سورة البقرة، ولكنها تفصل وتبني على المحور وامتداداته. ومن ثم فإن الحوار الذي جرى في سورة البقرة مع أهل الكتاب- في دعوتهم إلى الإيمان- نجد في موضوعه- قسما برأسه في آل عمران، ومبنيا على الحوار الذي تم في سورة البقرة. فمثلا: في سورة البقرة كلام عن النسخ. وفي سورة آل عمران ضرب مثل على نوع من النسخ حدث في حياة يهود: إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ. وقال تعالى في سورة البقرة: وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً. وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ. وفي سورة آل عمران: لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ. إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا. وهكذا نجد أن سورة آل عمران تفصيل لمقدمة سورة البقرة، وامتداد معاني المقدمة في السورة كلها. فالأمر بالنسبة للوحدة القرآنية أوسع مما صورناه مبسطين في أول هذا التفسير، وهو شئ لا ينقضي منه العجب كما سنرى. وحتى الآن نعتبر أن كل ما قلناه دعوى وعلينا أن نقيم عليها البرهان، ونكمل دعوانا فنقول: إن سورة آل عمران تنقسم إلى خمسة أقسام، واضحة المعالم، وقد دلنا على ذلك: المعاني، وبعض المعالم. فالقسمان الأولان نهايتهما متشابهة، والقسم الثالث نهايته

стр. 659

مشابهة لبدايته، والقسمان الأخيران بدايتهما متشابهة: القسم الأول: يمتد من الآية الأولى إلى نهاية الآية (٣٢) وخاتمته: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ. القسم الثاني: ويمتد من الآية (٣٣): إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ... وينتهي بنهاية الآية (٦٣) التي خاتمتها: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ. لاحظ التشابه بين نهايتي القسمين!. القسم الثالث: ويمتد من الآية (٦٤) إلى نهاية الآية (٩٩). بدايته قوله تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ .... ونهايته قوله تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. لاحظ أن البداية والنهاية فيها: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ.* القسم الرابع: ويمتد من الآية (١٠٠) إلى نهاية الآية (١٤٨) وبدايته. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ. القسم الخامس: وبدايته من الآية (١٤٩): يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ. وينتهي بنهاية السورة، لاحظ التشابه بين بدايتي القسمين!! وسيأتي البرهان والتفصيل فيما بعد. فلنبدأ- على بركة الله- تفسير السورة، وقد رأينا من قبل الأحاديث الواردة في فضلها مع سورة البقرة. ومن ذلك قوله ﵊: «اقرءوا الزهراوين البقرة وآل عمران؛ فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو- غيايتان- أو كأنهما فرقان من طير صواف، يحاجان عن أهلهما يوم القيامة». وكان سعيد بن جبير يروي عن عمر قوله: «من قرأ البقرة وآل عمران في ليلة كان- أو كتب- من القانتين». وكان يزيد بن الأسود الجرشي يحدث: أنه من قرأ البقرة وآل عمران في يوم برئ من النفاق حتى يمسي، ومن قرأهما في ليلة برئ من النفاق حتى يصبح. قال فكان يقرؤهما كل يوم وليلة سوى جزئه.

стр. 660

القسم الأول من سورة آل عمران يمتد هذا القسم من الآية (الأولى) حتى نهاية الآية (٣٢)، وهو يتألف من مقطعين: المقطع الأول: وهو ثمان عشرة آية بدايته: الم. اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. ونهايته: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ. لاحظ أن بداية المقطع حديث عن قيوميته- ﷻ وأن خاتمته حديث عن قيوميته كذلك. والمقطع الثاني: بدايته: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ .... ونهايته: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ. وبين المقطع الأول والثاني تلاحم عجيب سنراه، ومن ثم فإنهما يشكلان قسما واحدا. والقسم كله يفصل في مقدمة سورة البقرة- كما سنرى- فلنعرض مقطعيه: المقطع الأول بسم الله الرحمن الرحيم [سورة آل عمران (٣): الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٤) إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)

стр. 661

[سورة آل عمران (٣): الآيات ٧ الى ١٤] هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٧) رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (١١) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (١٣) زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)

стр. 662

[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٥ الى ١٨] قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧) شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) كلمة في المقطع: (١) يتألف المقطع من ثلاث فقرات، فقرة تتحدث عن القرآن وإنزاله ومنزله ونوعي آياته، والموقف الصحيح منهما، وفقرة تتحدث عن الكافرين، وفقرة تتحدث عن تزيين الحياة الدنيا للناس، وتبيان أن الآخرة خير لمن كان تقيا. والمقطع يبدأ بالكلام عن وحدانية الله وقيوميته، وينتهي بهذا المعنى، وهذا الذي دلنا على البداية والنهاية، وكما تحدثت البداية والنهاية عن الوحدانية والقيومية، فقد تحدثت البداية والنهاية عن عزته- ﷻ وحكمته. ومن مظاهر وحدانيته وقيوميته وعزته وحكمته: إنزال الكتب، وامتحان الخلق بمعانيها ومحاسبتهم عليها، ومعاقبة الكافرين وإثابة المؤمنين. ومن مظاهر وحدانيته وقيوميته وعزته وحكمته: أن ينصر المؤمنين على الكافرين في الدنيا والآخرة، ويعذب الكافرين في الدنيا والآخرة. ومن مظاهر وحدانيته وقيوميته وعزته وحكمته: تزيين الحياة الدنيا للناس لتقوم هذه الحياة! وليبتلي بذلك خلقه وليمحص أهل التقوى من غيرهم!. (٢) الفقرة الأولى ذكرت موقف أهل الإيمان من هديه المنزل، وتوعدت الكافرين، والفقرة الثانية ذكرت موقف الكافرين من هديه وما يستحقونه بسبب ذلك، وذكرت الفقرة الثالثة تزيين الحياة الدنيا، فكأن الفقرة الثالثة فيها تعليل لسبب كفر الكافرين، ومن ثم جاءت الآيات- بعد ذلك- لتنهض بهمة المؤمنين إلى الله. (٣) قلنا: إن محور سورة آل عمران هو مقدمة سورة البقرة، فلنلاحظ الآن ما يلي: في مقدمة سورة البقرة جاء قوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ

стр. 663

هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. وفي الفقرة الأولى من المقطع الأول جاء كلام عن منزل القرآن، وأدب الاهتداء بالقرآن في اتباع المحكم، والتسليم للمتشابه، والدعاء لله- بالهداية. وفي مقدمة سورة البقرة جاء كلام عن الكافرين: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ ... وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. وفي الفقرة الثانية- من المقطع الأول من سورة آل عمران- كلام عن الكافرين وما أعد الله لهم من العذاب، واستحقاقهم عذاب الدنيا؛ وأمر للمؤمنين في أنواع من الخطاب يخاطبون بها الكافرين. وفي مقدمة سورة البقرة تأتي فقرة عن المنافقين بدايتها: وَمِنَ النَّاسِ. والفقرة الثالثة من هذا المقطع هي: زُيِّنَ لِلنَّاسِ .... وقد وصف المتقون في مقدمة سورة البقرة بالاهتداء بالقرآن، وبالإيمان بالغيب، وبإقام الصلاة، وبالإنفاق، وقد جاء في أواخر المقطع ما هو تفصيل لهذه الصفات: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ* الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ. فالمقطع إذن فصل في مقدمة سورة البقرة نوع تفصيل. (٤) قلنا: إن معاني مقدمة سورة البقرة لها امتدادات في سورة البقرة نفسها وهاهنا لنفصل قليلا: بعد المقدمة في سورة البقرة يأتي قوله تعالى في وصف النار: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ. وكأن هذا المعنى امتداد للحديث عن الكافرين في المقدمة. وهاهنا يقول الله- عن الكافرين في آل عمران: وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ. وبعد المقدمة من سورة البقرة يأتي قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ. وذلك امتداد للكلام عن المتقين في أول السورة. وهاهنا يأتي تفصيل للإيمان والعمل الصالح والجزاء قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ. وفي سورة البقرة آية البر التي فصلت في وصف المتقين فكأنها امتداد لمقدمتها، فذكرت الصبر والصدق من صفات المتقين، وهاهنا يأتي تفصيل لذلك كله: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ

стр. 664

خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ* الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ* الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ. ومن السياق نفهم أن من لم تجتمع له مجموعة هذه الخصال لا يستطيع أن يتخلص من أسر شهوات الحياة الدنيا فيضبطها على أمر الله. ونحب قبل أن نبدأ عرض المعاني العامة للمقطع أن نعقد فصلا نتحدث فيه عن بعض أقوال المفسرين في الحروف التي بدئت بها بعض السور استكمالا لما كنا قد ذكرناه من قبل. فصل في الحروف التي بدئت بها بعض السور القرآنية: قلنا من قبل: إن مجموع ما ذكره المفسرون في شأن الحروف، لا يعدو أن يكون من باب تسجيل الملاحظات حولها دون أن يكون تفسيرا لها، ولم يزل المفسرون ولا يزالوا يسجلون ملاحظات. ومن أهم الملاحظات التي سجلت حول هذه البدايات ثلاث ملاحظات: الأولى: أن فيها إشارة إلى الإعجاز. والثانية: وهي امتداد لقضية الإعجاز أنها تشير إلى نسبة ورود الأحرف المبدوءة بها السورة بالنسبة لسور أخرى لم ترد في أوائلها هذه الأحرف. والثالثة: أن هذه الأحرف جزء من فواتح السور التي ندرك من خلالها، ومن خلال معان أخرى مفاتيح الوحدة القرآنية، مما سنراه في هذا التفسير. ونزيد هاهنا فنقول: إن بعضهم اعتبر كل حرف من هذه الأحرف، فيه إشارة إلى كلمات. فالألف مثلا تشير إلى آلاء الله، واللام تشير إلى لفظ الجلالة «الله» وهكذا. وذهب بعضهم إلى أنها أسماء للسور التى وردت فيها، وذهب بعضهم إلى أنها تشير إلى مدد أقوام وآجال بحساب الجمل، وأول من حاول أن يبني على هذا الفهم، اليهود في زمن النبوة، إذ ظنوا أن في ذلك إشارة إلى مدة أجل الإسلام، كما سنرى الرواية في

стр. 665

ذلك، وقد بنى بعضهم على هذا الاتجاه واستخرج أمورا، ومن كلام الألوسي: «ومما يستأنس به لذلك ما رواه العز بن عبد السلام: أن عليا ﵁ استخرج وقعة معاوية من (حم عسق) واستخرج أبو الحكم عبد السلام بن برجان في تفسيره (فتح بيت المقدس) سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة من قوله تعالى الم غُلِبَتِ الرُّومُ. «وهناك أقوال كثيرة أخرى يذكرها المفسرون: من أنها لإيقاظ السامع أو التالي، أو للإشارة إلى ما في هذا القرآن من جديد غير معتاد. ولبعض الكفرة رأي في هذا الشأن، نسجله ليعرف ويتأمل، وهو أن هذه الأحرف تحدد جرس السورة، فهي بمثابة المفتاح لطريقة الأداء. وما من أحد يدعي أنه أصاب في شأنها مراد الله فيها، ولكن في كل ما قيل ويمكن أن يقال- مما يستطيع أصحابه أن يدللوا عليه- تظهر بعض أسرار هذه الحروف، ويظهر بذلك بعض أسرار الإعجاز. ومن كلام الألوسي فيها: «ومن عجائب هذه المفاتح أنها نصف حروف المعجم على قول، وهي موجودة في تسع وعشرين سورة، عدد الحروف كلها على قول، واشتملت على أنصاف أصنافها من المهموسة والمجهورة والشديدة والمستعلية والمنخفضة وحروف القلقلة». اهـ. وبعد أن عرض ابن كثير للأقوال الكثيرة في هذه الفواتح، رجح أن يكون المراد منها الإشارة إلى الإعجاز والتحدي، ثم ختم كلامه عنها برد كلام من زعم أنها دالة على معرفة المدد، فلننقل كلامه لأن فيه سردا لما نقل عن اليهود في هذا الشأن: قال ابن كثير: «وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم، فقد ادعى ما ليس له، وطار في غير مطاره، وقد ورد في ذلك حديث ضعيف وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك به على صحته، وهو ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي: حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله بن زياد قال: مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من اليهود برسول الله ﷺ وهو يتلو فاتحة سورة البقرة الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من اليهود فقال: تعلمون والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل الله تعالى عليه الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ فقال: أنت سمعته. قال: نعم فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 666

فقالوا: يا محمد ألم يذكر أنك تتلو فيما أنزل الله عليك الم* ذلِكَ الْكِتابُ؟ فقال رسول الله ﷺ : «بلى» فقالوا: جاءك بهذا جبريل من عند الله؟ فقال: «نعم». قالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك. فقام حيي بن أخطب وأقبل على من كان معه فقال لهم: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه، وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟. ثم أقبل على رسول الله ﷺ فقال يا محمد هل مع هذا غيره؟ فقال نعم، قال ما ذاك قال المص قال هذا أثقل وأطول. الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد سبعون (١) فهذه إحدى وثلاثون ومائة سنة: هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: نعم، قال: ما ذاك؟ قال: الر. قال: هذا أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتان سنة. فهل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: «نعم» قال ماذا؟ قال: «المر» قال: هذا أثقل وأطول: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتان. لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا. ثم قال: قوموا عنه، ثم قال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب ولمن معه من الأحبار: ما يدريكم لعله قد جمع هذا كله لمحمد إحدى وسبعون، وإحدى وثلاثون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع سنين؟ فقالوا: لقد تشابه علينا أمره فيزعمون أن هؤلاء الآيات أنزلت فيهم هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي وهو لا يحتج بما انفرد به، ثم كان مقتضى هذا المسلك- إن كان صحيحا- أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها، وذلك يبلغ منه جملة كثيرة، وإن حسبت مع التكرر فأطم وأعظم والله أعلم!!!. أقول: إن حسبنا مجموع هذه الأحرف بحساب الجمل- على بعض اتجاهات أهله- فإن مجموعها يكون (٢٩٨٠) ألفان وتسعمائة وثمانين عاما. وعلى فرض صحة الحديث، فالحديث لا دليل فيه كما قال البيضاوي- معلقا على رواية أبي العالية-: والحديث لا دليل فيه لجواز أنه ﵊ تبسم تعجبا من جهلهم ..

стр. 667

أقول: وسنرى كيف أن ابن كثير سينقل نقلا غريبا أيده الواقع عند تفسير (حم عسق) في سورة الشورى مما يجعلنا لا نغلق البحث في هذا الباب. ولننتقل إلى ذكر المعنى العام للمقطع الأول من القسم الأول من سورة آل عمران: المعنى العام للمقطع: - في الآية الثانية بعد الم يخبر الله- عن وحدانيته واتصافه بالحياة، والقيومية، فهو قائم بذاته، وغيره لا يقوم إلا به- تعالى- هو لا يفتقر لغيره، وغيره مفتقر إليه، فهو وحده الإله، ومن مقتضى ألوهيته وقيوميته ما ذكره في الآية الثالثة. - يخبر تعالى في الآيتين الثالثة والرابعة أنه أنزل القرآن على محمد ﷺ بالحق الذي لا شك فيه ولا ريب، وأن هذا الكتاب يصدق الكتب المنزلة قبله من السماء، وكما أنزل هذا القرآن على محمد ﷺ ، أنزل التوراة على موسى، وأنزل الإنجيل على عيسى ﵉، من قبل أن ينزل هذا القرآن، من أجل هداية الناس؛ وهذا من مقتضى قيوميته أن يهدي عباده ويبين لهم الطريق، وكما أنزل التوراة والإنجيل هدى للناس من قبل، فقد أنزل هذا القرآن هاديا، فارقا بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والغي والرشاد، بما ذكر الله فيه من الحجج والبينات، والدلائل الواضحات، القاطعة، وبينه ووضحه وفسره ليهدي ويرشد وينبه، وإذا كان هذا مقتضى ألوهيته ووحدانيته وقيوميته؛ فقد وجب على الخلق أن يهتدوا ويؤمنوا ويعلموا؛ فمن لم يفعل فقد استحق العذاب. ومن ثم ذيلت الآية بتقرير استحقاق العذاب الشديد يوم القيامة للذين جحدوا بآيات الله، وأنكروها، وردوها- وما ردوها إلا بالباطل- ثم وصف الله- ذاته بالعزة، فهو منيع الجناب، عظيم السلطان، ووصف ذاته بالانتقام لمن كذب بآياته، وخالف رسله الكرام، وأنبياءه العظام. - وفي الآية الخامسة يخبر تعالى أنه يعلم غيب السماء والأرض، لا يخفى عليه شئ من ذلك، وهذا مرتبط بموضوع الألوهية والقيومية، فالإله الحق لا بد أن يكون عليما بكل شئ، وبدون علم لا تكون القيومية. - ويدلل تعالى- في الآية السادسة- على إحاطة علمه، بتصويرنا في أرحام أمهاتنا كما يشاء، من حسن وقبح وصفات وخصائص تحير عقل المتأمل!! فأي علم عظيم

стр. 668

علمه ﷻ ؟!! وكما دل على إحاطة علمه في الآية الخامسة بتصويرنا في الأرحام دلل في الآية السادسة على إحاطة علمه بإنزاله هذا القرآن على ما هو عليه؛ إذ أخبر في الآية السابعة أنه أنزل هذا القرآن وجعل آياته نوعين. النوع الأول: الآيات المحكمات، أي: البينات الواضحات الدلالة التي لا تلتبس على أحد. والنوع الآخر: الآيات التي فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس- أو بعضهم- وذلك امتحان لعباده من أجل أن يردوا ما اشتبه إلى الواضح منه، ويحكموا محكمه في متشابهه. وذلك لأنه أودع في هذا الكتاب من الكمالات، والعلوم ما لا يحيط به إلا هو، فكانت عباراته على ما ذكر. وإذن ففي الآية تدليل على إحاطة علمه. وكما قلنا: فإن إحاطة العلم هي مقتضى الألوهية والقيومية فلنر كيف كان موقف الناس من كتابه؟: أما المنحرفون، الضالون، الزائغون، فهؤلاء يتركون المحكم، ويتبعون المتشابه، تعمدا منهم، لأنهم يستطيعون أن يحرفوا المتشابه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه إليه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه، لأنه دافع لهم، وحجة عليهم، وإنما يفعلون ذلك من أجل تضليل الناس، ومن أجل حمل القرآن على أهوائهم، فيفسرونه بالهوى لا بالعلم. وأما المهتدون فهم الراسخون في العلم، الذين يردون المتشابه إلى المحكم، ويقرون بأن المحكم والمتشابه من عند الله، والجميع حق وصدق، وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له؛ لأن الجميع من عند الله، وليس وحي الله بمختلف ولا بمتناقض، ثم ذيل الله- الآية بتبيان أن أصحاب العقول السليمة والفهوم المستقيمة هم الذين يفهمون، ويعقلون المعاني على وجهها، ويتدبرون ويقفون عند الحدود، فهؤلاء هم الذين أعطوا الألوهية حقها، وهؤلاء كما أقروا للقرآن- بما فيه من حق- فإنهم كذلك يقولون داعين الله- بدعوتين ذكرتهما الآيتان الثامنة والتاسعة في الدعوة الأولى يطلبون من الله أن لا يميل قلوبهم عن الهدى بعد إذ أقامها عليه، فيكونوا كالذين في قلوبهم زيغ يتبعون بسببه المتشابه، كما يطلبون من الله أن يهبهم رحمة تسعهم في دنياهم وأخراهم، مثنين على الله باسمه الوهاب. وإذ طلبوا من الله- رحمة في أحوج ما يكون الخلق إلى رحمة الله يوم القيامة، فإنهم في دعوتهم الثانية لم يقولوا سوى: يا ربنا ستجمع بين خلقك يوم معادهم، وتفصل بينهم، وتحكم فيهم فيما اختلفوا فيه، وتجزي كلا بعمله، وما كان

стр. 669

عليه في الدنيا من خير وشر، أي يا ربنا نحن نعلم هذا ونقر به، لذلك استجب ما دعوناك به فى دعوتنا الأولى: أن لا تزغ قلوبنا وأن ترحمنا. فهذا حال الراسخين في العلم أصحاب العقول والأفهام، الذين يعرفون لله ألوهيته ووحدانيته وقيوميته وعزته وانتقامه وإحاطة علمه، هكذا يكون موقفهم من كتابه وهذا حالهم في الخوف منه. إن معرفة الله مرتبطة بمعرفة هديه- المتمثل بكتابه- مع الإيمان به والتسليم له، ومن لم تجتمع له هذه المعاني لا يكون عارفا بالله، إذ كيف يؤمن بالله وألوهيته وقيوميته وعلمه، وهو يتصور أن الله لا يتدخل في شئون خلقه ولا يهديهم، وهو ينكر ما أنزل الله ويكذبه؟!! ولذلك نلاحظ أنه بعد ما ذكر الموقف الصحيح لأهل الإيمان منه- ﷻ ومن كتابه، هدد الكافرين في الآيتين العاشرة والحادية عشرة، فأخبر عن الكفار بأنهم وقود النار، وأن أموالهم وأولادهم لن تنفعهم عند الله، فتمنع عنهم عذاب الله في الدنيا والآخرة، بل يهلكون ويعذبون في الدنيا، ويعذبون يوم القيامة، كما جرى لآل فرعون، ومن قبلهم من المكذبين للرسل فيما جاءوا به؛ إذ إن من صفات الله أنه شديد العقاب، أي: شديد الأخذ، أليم العذاب، لا يمنع منه أحد، ولا يفوته شئ؛ بل هو الفعال لما يريد، الذي غلب كل شئ؛ لا إله غيره، ولا رب سواه، وإذ بين الله- أن الكافرين يستحقون عقوبته في الدنيا والآخرة، أمر رسوله ﷺ وهو أمر لنا- أن يقول للكافرين: أن عليهم الغلبة في الدنيا- وهذا بما استحقوا من عقوبة الله لهم في الدنيا- ولهم في الآخرة عذاب جهنم. وفي الآية الثالثة عشرة ذكر الله- دليلا على أن الكافرين مغلوبون بما حدث يوم بدر من آيات، كان من آثارها أن غلب المؤمنون- على قلتهم- الكافرين. وفي الآية الرابعة عشرة يخبر تعالى عما زين للناس من الملاذ من النساء والبنين، وبدأ بالنساء؛ لأن الفتنة بهن أشد، ثم ذكر ما زين للناس من الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم، والأراضي المتخذة للغراس والزراعة، ثم بين أن هذا إنما هو زهرة الحياة الدنيا، وزينتها الفانية الزائلة، وأن الله عنده حسن المرجع والثواب. هذا مضمون الآية الرابعة عشرة؛ فما الصلة بينها وبين المقطع عامة؟. رأينا أن المقطع يدور حول موضوع معين هو وحدانية الله وقيوميته، وأن من آثار ألوهية الله وقيوميته أنه أنزل الكتب. وهذه الآية مرتبطة بهذا المعني: فمن آثار قيومية الله أن زين للناس حب الشهوات؛ حتى تقوم هذه الحياة الدنيا؛ فلولا حب النساء ما كان زواج، ولو لم يكن زواج ما كانت الحياة الدنيا، ولولا حب البنين ما ربى أحد أولاده؛ وبالتالي

стр. 670

تضيع الذرية، ولولا حب الذهب والفضة، والأنعام والحرث، ما كان عمل، ولولا العمل ما قامت الحياة، ولكن هذه الشهوات تحتاج إلى أن توضع لها حدود حتى لا تطغى عن الحد الذي تحتاجه عمارة الدنيا؛ لأنها إذا طغت فلم تخضع لقيود أدت إلى عكس ما خلقت من أجله، ومن ثم أنزل الله كتبه لتقوم هذه الشئون ضمن الحدود السليمة الصحيحة. وللآية صلة أخرى في السياق سنراها. وفي الآيات الخامسة عشرة، والسادسة عشرة، والسابعة عشرة يرفع الله همتنا إلى أن نكون طلاب آخرة، بتبيان ما أعده لأهل طاعته في جناته، كما بين متى نكون أهلا لذلك. يقول تعالى في هذه الآيات: قل يا محمد للناس أأخبركم بخير مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها؟ جنات تخترق بين جوانبها وأرجائها الأنهار، من أنواع الأشربة من العسل، واللبن، والخمر، والماء، وغير ذلك، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، أعدها للمتقين، وجعلها لهم ماكثين فيها أبد الآباد، لا يبغون عنها حولا، ولهم فيها أزواج مطهرة من الدنس، والخبث، والأذى، والحيض، والنفاس، وغير ذلك مما يعتري نساء الدنيا، ومع هذا فإن لهم أن يحل الله عليهم رضوانه، فلا يسخط عليهم بعده أبدا. ومن شأن الله- سبحانه- أنه بصير بعباده، يعطي كلا بحسب ما يستحق من العطاء، وقد بين أن هؤلاء إنما استحقوا (١) هذا كله بسبب كونهم من المتقين، ثم وصف هؤلاء المتقين، بأنهم يدعون الله طالبين غفرانه، والعتق من النار، وأنهم متصفون بالصبر، والصدق، والطاعة، والخضوع، والإنفاق في سبيل الله، والاستغفار بالأسحار. وهذه الآيات الثلاث مرتبطة كذلك بموضوع المقطع، فكما أن عمارة الحياة الدنيا تحتاج إلى وحي من الله، فإن دخول الجنة والوصول إلى الآخرة يحتاج إلى وحي يبين للإنسان الطريق، فإذا اتضحت هذه المعاني، عرفنا الصلة بين هذا المقطع والآيات الأولى من سورة البقرة التي تصف المتقين، بأن القرآن هداهم، وأنهم يؤمنون بكل ما أنزل الله، ثم يختم الله- هذا المقطع بما بدأه به من إعلان وحدانيته وقيوميته، فيخبر الله- تعالى- في الآية الأخيرة أنه شهد، وكفى به شهيدا، وهو
следующие страницы →